النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: سورة الحديد.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    2 - 11 - 2006
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    14,669

    Thumbs up سورة الحديد.





    سورة الحديد مدنية كلها فيما نرى، والحديث فيها يتجه إلى الدولة والجمهور معا! فإن للمجتمع الإسلامى خاصة يعرف بها، أنه ربانى النشاط والوجهة، فمن قبل طلوع الفجر إلى ما بعد غياب الشفق، يهرع المسلمون إلى المساجد حاكمهم ومحكومهم، وتسمع صيحات الأذان فى كل حى تدعو المسلمين إلى الصلاة، وتنبه إلى حق الله فى التكبير والتمجيد، وتنزهه عما لا يليق به! إن الدولة الإسلامية وإن رفعت شعار لا إكراه فى الدين إلا أنها حريصة على طاعة الله وإنفاذ حكمه والظهور فى الميدان العالمى بأن ولاءها لله الواحد القائم بالقسط الرحيم بالخلق! فلا عجب إذا افتتحت سورة الحديد بهذا الشعار " سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم * له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير" إن العصر الذى نعيش فيه يوسم بأنه عصر العلم. ولا عجب، فقد استطاع الإنسان غزو الفضاء ووضع قدمه على القمر، وهو الآن يدرس كواكب أخرى من أسرة الشمس يحاول الوصول إليها. وقد جزم بأن الشمس وأفراد أسرتها حبات رمال فى فضاء زاخر بالنجوم والشموس. إن العالم ضخم كبير الحجم ذاهب فى الطول والعرض مضبوط بنظام محكم يسيطر على الزفير والشهيق فى أجسامنا، وعلى المد والجزر فى البحار والمحيطات، وعلى ال**وف والخسوف بين الكواكب، وعلى مساحات تنحسر دونها الأبصار والآلات فى ملكوت فخم مهيب يهيمن عليه رب كل شىء ومليكه " سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ". ألا يسأل المرء نفسه: هل الدجاجة خلقت البيضة التى تضعها؟ هل البقرة صنعت اللبن الذى يخرج منها؟ هل الأم أنشأت الولد الذى يتخلق فى أحشائها؟ هل الفلاح هو الذى سوى الحبوب والفواكه التى يزرعها؟ إن هذه كلها أسباب شفافة عن القدرة العليا والحكمة العليا اللتين تبدعان كل شىء " هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ".
    ص _442
    وظيفة الأمة الإسلامية بين الناس أن تعرف الله وأن تعرف به، وأن تعبده وتيسر للآخرين عبادته. فهى تجاهد لتحمى حق العبادة، وتمنع الفتانين من فرض ضلا لهم على غيرهم! فإذا وجد من يقول للمستضعفين " لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا "، قال المسلمون له والأرض لك ولغيرك، ومن حقه أن يبقى فيها بالعقيدة التى اختارها، ونحن مع المضطهد حتى يطمئن! وتبدأ السورة فى رسم الطريق للأمة الإسلامية حتى تؤدى رسالتها العالمية. فنقرأ قوله تعالى: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ". الإيمان والإنفاق عنصران رئيسان كى تنجح الأمة فى بلوغ غايتها، ثم يعقب هذا الإجمال تفصيل، لا عذر للمسلمين فى الاستمساك بدينهم والعيش به إلى آخر الدهر، فقد جاءهم نبى أخرجهم من الظلمات إلى النور، وختم بهم الوحى السماوى وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فهل يجوز أن يستبدلوا بدينهم مذهبا آخر من أهواء الناس؟ إن الحضارة الحديثة "تعرض" عليهم أن يتركوا الإسلام وأن يعتنقوا أى نزعة قومية، أو فكرة البعث العربى، أو أى دين آخر!! المهم أن يتركوا كتاب ربهم وسنة نبيهم! وقد استجاب البعض لهذه العروض الحديثة وقدموها على الإسلام، وأخرجوا الألوف المؤلفة من الأجناس التى رضيت الله ربا والإسلام دينا، وأحدثوا فتنا هائلة أساءت إلى الأتراك والأكراد والفرس والبربر والهنود والزنوج. إنها وثنيات جديدة يمنع منها قوله تعالى " وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين * هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم " . "والغريب أن الأمة العربية التى وعى لسانها القرآن من أغنى أمم الأرض، فأحشاء الدنيا فى يدها، وأرضها الخصبة تفيض سمنا وعسلا، وصحراؤها العفراء ملأى بالكنوز والمعادن، فهل سخرت غناها فى نصرة رسالتها؟ أم غلبتها الشهوات العاجلة فى هذه الدار الفانية؟ إن ثروات المسلمين يستفيد الآخرون منها أكثر مما يستفيد المسلمون أنفسهم. وكان الواجب أن تدعم عقيدة التوحيد وحقائق الوحى كما قال تعالى " وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير * من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم "

    ص _443
    وحسن التصرف فى المال لخدمة الإيمان شيمة الصادقين من أهل اليقين. أما عبيد الحياة وأهل النفاق، فلهم مسالك سوء، ولذلك يقال لهم يوم القيامة " فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير". الإيمان المقبول أساسه عرفان الله ونكران الذات ورحمة الخلق ورقة القلب! وهناك قوم ينتمون إلى الإيمان وفى صدورهم صلف وأثرة تستغرب قساوة قلوبهم وخشونة جوانبهم! قد يكون اليهود ـ بعد نقضهم مواثيق الله ـ نماذج لهذا الإيمان الكريه، وفيهم يقول الله " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية.. ". وقد نهانا الله ورسوله عن متابعة هؤلاء الناس. ومع ذلك فإن التدين السطحى ينتشر بيننا. ترى الرجل يتشبث برأى فى فروع الفقه لا يقدم ولا يؤخر ويحسب أنه ملك دون غيره مفاتيح الجنة، وينظر إلى الناس من عل ويعاملهم بجفاء!! يعظ القرآن هؤلاء " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم... ". هذا المرض يحبط أعمال الأفراد، ويحول بين الأمة الإسلامية وأداء رسالتها. إن التواضع والرحمة يزرعان القبول والحب، أما العجب والفظاظة فلا يثمران إلا الخصام والقتال. وقد عادت السورة تشرح ميزات الأمة التى تحمل رسالة الخير والحق، فأكدت ما جاء فى صدرها من حث على الإيمان والإنفاق، فقال تعالى " إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم * والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم... ". قد يكون الشهداء قتلى معارك الجهاد.. وقد يكونون رجال الدعوة الماشين فى أقدام الأنبياء يدلون على الله، ويشرحون الوحى..! " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" كلا المفهومين صحيح. وشارة الصدق فى الإيمان بالله ضبط الموقف من الدنيا. فمن بات واستيقظ مشغولا بها باكيا كلى ما فات منها فلا اعتداد به. إن الناس فى عصرنا يذهلون عن الآخرة، والحضارة الغالبة تجهل بها وتصد عنها، والأديان السماوية فاشلة فى إدارة المعركة تحسب أن الفشل فى الأرض طريق النجاح

    ص _444
    فالسماء. ولا أدرى كيف يصح ذلك فى دين يبنى الإيمان بالله على التأمل فى الكون ودراسة قوانينه؟ انعقد أخيرا مؤتمرا للمياه فى دول الخليج حضرته دولة إسرائيل (؟!) لماذا؟ لأن الدولة اليهودية تملك الخبرة! أما نحن فخبرتنا محدودة... يظهر أننا خبراء فى حب المال والجاه وحسب! وسورة الحديد تنبه إلى أن المسلمين شركاء فى سباق عالمى محموم لا ينجح فيه إلا من استعد له وتهيأ لمراحله وقدر الفروق بين خطواته وخطوات خصومه.. " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.. ". ما هذا السباق؟ إن أهل الإيمان يعرضون ما لديهم وينصرونه، وأهل الكفر يعرضون ما لديهم وينصرونه. هكذا شاء الله أن تدور رحى النشاط فى الأرض " ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض... ".. والناظر الآن إلى الأطراف المتخاصمة يرى عجبا. فعلى سطح الماء من المحيط الشمالى إلى المحيط الجنوبى، لا ترى بارجة عليها علم التوحيد على حين ترى البوارج والطائرات والغواصات تخدم كل ملة وتنصر كل ح**. يقول الله تعالى. " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز" . خلق الله الحديد ذا خصائص عظيمة فى صناعات الحرب والسلام معا، فهل درسنا هذه الخصائص وانتفعنا بها فى نشاطنا المدنى والعسكرى؟ وأرينا الله من نشاطنا ما يرضيه؟ إن أمتنا الإسلامية عالة على غيرها فى ذلك الميدان، فلما أردنا أن نصنع شيئا اتجهنا إلى صناعة أسياخ نسلح بها المبانى لا إلى صناعة أسلحة نحمى بها الحق ونصون العقائد!! إن تعلقنا بمتاع الدنيا شديد، أما تعلقنا بالآخرة فوهم، ولو كان حقا ما أجدانا، فإن علومنا الأرضية تتذبذب عند درجة الصفر. وكيف يسود الأرض من لا يعى شيئا من قوانينها؟ إننا نلمح الشعرة فى تفاوت الناس من حظوظ الدنيا، ولا نلمح الخشبة عندما يكون التفاوت فى حقوق الله. واليوم يجد المسلمون أنفسهم فى موقع عصيب، فاليهود - وعددهم فى العالم أقل من سكان سوريا - يريدون الاستيلاء على مقدرات العالم الإسلامى الذى يزيد على خمس سكان

    ص _445
    الأرض! وأتباع الملل الأخرى من كتابيين ووثنيين يجتاحوننا فى جبهات كثيرة، فهل الذين نزلت عليهم سورة الحديد يشعرون الآن بما تقول؟ وختمت السورة بآيتين توصيان المسلمين بالعودة إلى الله والاقتداء برسوله. والحق أن السلف الأول انتقلوا من السفح إلى القمة، عندما التفوا حول هذا القرآن وتدبروا آياته. كانوا نفرا يعد على الأصابع، ثم ح**ا يشق طريقه بجهد جهيد، وفى سنوات معدودات أضحوا دولة عظمى اختفت أمامها دول حكمت العالمين قرونا. ولا مانع بتة أن يعيد التاريخ نفسه، إذا أعاد المسلمون علاقتهم بكتابهم ومشوا وراء نبيهم.. يقول تعالى خاتما هذه السورة " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم * لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله.... " .

    ص _446


    مأخوذ من كتاب نحْوَ تفسير مَوْضوعيّ.
    الشيخ محمد الغزالي.



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    26 - 1 - 2013
    المشاركات
    869
    بارك الله فيك ونفعك بك، ووفقني وإياك لما يحب ويرضى.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    2 - 11 - 2006
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    14,669
    جزاك الله خيرا أختي الكريمة أم زهرة على مرورك الكريم، وغفر لنا ولك، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •