اسم الكتاب: دروس من الفتنة
المؤلف: محمد مصطفى المجذوب
الفن: التاريخ
الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة السنة الثانية عشرة - العدد الأول - محرم صفر ربيع أول 1400هـ
عدد المجلدات: 1
عدد الصفحات: 24

دروس من الفتنة:
فضيلة الشيخ/ محمد المجذوب المدرس بكلية الدعوة

قضت الحكمة الإلهية أن تكون حياة الإنسان على هذه الأرض سلسلة متصلة الحلقات من المعارك، مع الشيطان وذريته من جانب، ومع غرائزه وشهواته من جانب آخر، ثم مع حاجاته المتجددة أبداَ إلى الضرب في أكناف الأرض. وهو في كل ذلك معرض لأصناف المحن والفتن التي تسلبه الطمأنينة، فلا ينفك فريسة للقلق والروع حتى يجد منفذاً يقربه من السلامة ولو عن طريق الوهم.
ونظرة واعية إلى واقع البشر في هذه الأيام تؤكد لنا هذه الحقيقة، إذ ترينا البسيطة على امتدادها مسرحاً لألوان الأهوال، لا يكاد يسلم من لذعها كائن ولو عاذ بالقمم أو غاص في الخضم.. وليس أسعد للإنسان في مثل هذا الجو الرهيب من أن يعثر على منطقة أمان تهب له فرصة التخلص من قلقه ولو بعد حين.
وعلى ضوء هذا الواقع المشهود ندرك قيمة الهبة العظمى التي خص اللّه بها هذه البقعة من الأرض. حين أقام فيها بيته العتيق، وجعلها مثابة للناس وأمنا.
ولقد شاء اللّه جلت حكمته أن يستأثر عرب الجزيرة بهذه النعمة منذ قيام هذا البيت المطهر دون سائر أرجاء العالم، فكان لهم كالواحة الخضراء في جديب الصحارى، يأوون إليه كلما أحاط بهم الروع، وضاق عليهم الرحب، فيستروحون في ظله نفحات الأمن الذي عز
توافره في غيره. حتى ليلقى الرجل في كنفه قاتل أبيه أو أخيه أو ولده. فلا يفكر في النيل منه، توقيرا لبيت ربه وذكرى أبويه وبانييه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام - بل إن الجاني ليحصَن نفسه من عدوان غرمائه بمجرد اتخاذه قلادة من لحاء الحرم، يطوَّق بها عنقه فلا تمتد إليه يد بما يكره ما دام يحمل أثرا من ذلك الشعار، شعار السلام،.. ومن هنا كان الخروج من هذا المألوف شذوذا عن قيم الفطرة في أوساط أولئك الجاهليين، حتى ليعتبرون مجرد الإقدام عليه ضربا من الفجور المجمع على إنكاره. وهكذا يكون العدوان على حرمة البيت العتيق في عرف أهل الجاهلية، عدوانا على الحياة نفسها لا على الإنسان وحده.
وقد حاول مشركو قريش أن يسوغوا إحجامهم عن قبول الدعوة الإسلامية بالخوف من انقلاب العرب عليهم، ظنا منهم أن تقديس العرب لذلك البيت إنما مرده إلى تقديس قريش لَأْلهتهم المنصوبة عليه {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} فجاء الرد الإلهي على ذلك الزعم تذكيرا بأن الفضل لله وحده في توفير كل هذا الخير لجيران بيت {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا..} (28- 75).
وما أجل وأروع تلك الصورة التي يتملاها العقل المؤمن في قوله تعالى لهؤلاء المجادلين بالباطل في سورة العنكبوت {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ..}.
بالخوف من انقلاب العرب عليهم، ظناً منهم أن تقديس العرب لذلك البيت إنما مرده إلى تقديس قريش لآلهتهم المنصوبة عليه {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} فجاء الرد الإلهي على ذلك الزعم تذكيراً بأن الفضل لله وحده في توفير كل هذا الخير لجيران بيته {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا..}28-57 وما أجمل وأروع تلك الصورة التي يتملاها العقل المؤمن في قوله تعالى لهؤلاء المجادلين بالباطل في سورة العنكبوت {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ!..}.
إنه لمشهد التباين الهائل بين واقع الأرض التي اجتاحتها أعاصير الفتنة حتى لا يفي برسمها إلا صورة الناس كل الناس يتخطفون خلالها، إلى جانب الواحة المحروسة بحدود الله، وقد جعل لكل داخل إليها الحق كل الحق في أن يكون آمنا..


هذه النعمة الكبرى، نعمة الأمن، التي استأثر بها عرب الجاهلية وفقدتها سائر شعوب العالم من قبل، قد أصبحت بعد فجر الإسلام حقا مشاعا لكل بني آدم. تهوي أفئدتهم إلى البيت وتنطلق زحوفهم نحوه من كل حدب وصوب، ليتعارفوا في ظله فيأتلفوا، وليذكروا أسم اللّه في أيام معدودات ومعلومات على ما رزقهم من أصناف الخيرات. ثم يرجعوا إلى ديارهم كيوم ولدتم أمهاتهم، فرحين مبتهجين بما أكرمهم ربي من زيارة بيته، وبما وفقوا إليه من أداء الشعائر وبذل المبرات، والتطهر من الآثام، فهم- كما وصفه- النبي أشعيا- (مفديو الرب يرجعون بترنم، وفرح أبدى على رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم ويهرب الحزن والتنهد) .
هذا الحرم المطهر الذي جعله اللّه مثابة للناس، يئوبون إليه بين الحين والآخر، ليستمتعوا في ظله بدفء العافية والهدوء، في معزل عن الشقاق والشحناء اللذين يزحمان مسالك الأرض، وأتم نعمته عليه بأن ألزم واردين ومجاوريه موجبات الأمن التي تجدد ما رث من وشائج الأخوة الإنسانية..
هذا الحرم الأمن... أليس من غرائب المفارقات أن يعدو بعض الناس على حرمته، فيعكروا صفوه، ويخربوا أمنه، فيجنوا بذلك على أنفسهم أول ما يجنون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؟!..
أجل.. لقد وجد الشطان خلال التاريخ غير واحد من جنود الباطل يرتضون أن يمتطيهم للإساءة إلى بيت الله، الذي أقامه اللّه لاستقبال الوافدين إليه من عباده المتقين، فيردهم إلى ما فقدوه من حقيقتهم- ويتجلى عليهم بالنفحات القدسيات التي تفئ عليهم بما سلبوه من هناءتهم!.
ولم يقتصر ذلك على ظلمات الجاهلية، بل تجاوزها إلى تاريخ الإسلام أيضا..
لقد بدا أول عدوان في الجاهلية على كرامة هذا البيت بيد (عمرو بن لحي) يوم رفع فوقه صنمه الذي استورده من بلاد الروم، وما زال حتى أغرى الناس بالاستشفاع به إلى اللّه... فكان ذلك مبدأ الزيغ عن ملة إبراهيم، إذ ما لبث الطواغيت المتتابعون على طريقه أن ملئوا شرفات البيت المطهر بهذه الأرجاس، إلى أن شاء اللّه أن ينكسها فيكنسها بيد خاتم رسل اللّه محيى ملة إبراهيم محمد صلى اللّه عليه وسلم..
ثم تلا ذلك زحف أبرهة، الذي ركبه الغرور فآلى ليهدمن أول بيت وضعه اللّه لعباده في مكة مباركا، كي يصرف عنه العرب إلى فليسه التي أقامها هو لهم في دار ملكه. فإذا هو وفيله وكتائبه المغرورة كعصف مأكول.. وتشرق الأرض بنور الإسلام، ويسترد البيت مكانته الإبراهيمية حنيفا خالصا للّه وحده. وكان من حقه أن يستمر على هذا الخط الرباني ما دام للإسلام سلطان يحكم مجرى الأحداث وتهفو إليه القلوب.. قلوب أهل الحق .. إلا أن الشيطان الذي أخزاه اللّه على أيدي الثلة الأولى من تلاميذ النبوة، لم يلبث أن وجد الثغرات في بناء الأجيال التالية. فعشش وباض وفرخ، ثم زين لمبير ثقيف أن يسلط على بيت الله مجانيقه التي صدعت البنية المكرمة، وقد ألقى على لسانه حجته الإبليسية الداحضة، التي تقول بأن هدمه للبيت كان خدمة للإسلام، كي يتمكن من إعادته إلي حجمه الذي عهده الناس أيام رسول اللّه والراشدين من بعده! وما أحسبه إلا قد علم يقينا أن الصحابي الجليل سليل الصحابة الأجلة عبد اللّه بن الزبير، لم يتجاوز رغبة نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتوسعة البيت حتى يشمل حجر إسماعيل عليه السلام، ولكنها الدنيا التي أعماه حبها فلم يفرق بين مرضاة اللّه وغضبه.. فكان ذلك من الطاغية أول خرق في حرمات البيت يشهده تاريخ الإسلام.
وما هي إلا حقبة قصيرة حتى تلا تلك الهجمة العاتية طغيان صنائع المجوسية من القرامطة، الذين اقتحموا ساحة المسجد عام 317هـ بقيادة شيطانهم الأكبر سليمان الجنابي- أبو طاهر- ففتكوا بالآلاف من عماره. ما بين طائف وراكع وساجد، وقتلوا الآلاف من أبناء مكة، وسبوا الآلاف من نسائم وذراريهم، ثم عادوا بالحجر الأسود. الذي انتزعوه من الركن الذي أنزله فيه رسول اللّه، ليجعلوه في بناء مزور دعوا سفهاءهم للطواف به على طريقة أبرهة من قبل..
وغير بعيد من ذلك العهد جاء العدوان الثالث- عام 414- على يد مصري غتل من ملاحدة اليهودي بن كلس مؤله الحاكم المجنون.. وبينما الناس في غمرة من الخشوع لجلال اللّه حول بيته، إذا هو يستل دبوسا من الحديد فيهوى به على الحجر الأسود.. وكانت مؤامرة أريد بها استكمال ما بدأه اللعين أبو طاهر من قبل، ولكن اللّه سلم. فأحيط بالمجرم ومن معه من الفرسان فقتلوا عن أخرهم.
ثم الغرور الذي أفسد مقاييس أصحابه، فضيق عليهم مجال الرؤية، فلا يبصرون شيئا وراء منظورهم الكالح الكريه.
وإذا كان لإرهابي أوروبة وأمريكة واليابان والصين وما إليها بعض العذر في جنوحهم للجريمة بسبب فقدانهم أنوار الوحي، وتخبط أممهم في أوحال الفجور والطغيان، فأي عذر للمسلم في سلوك متاهات هؤلاء الكافرين، وبين يديه الصراط الذي لا يضل سالكه، وأمامه الدليل الذي لا يبرح يذكره بمسئوليته نحو أولئك الجانحين، وبرسالته التي هي الرحمة المهداة للعالمين !... بلى... إنه الغلو والغرور.
وقديما أخرج الغلو أمما من عبادة اللّه إلى عبادة الحجارة، نحتوها تماثيل لصالحيهم لتذكرهم بفضائلهم كيلا يفارقوها، ثم زين لهم الشيطان اتخاذها آلهة من دون اللّه... كما زين للمخدوعين من المتأخرين اتخاذ شيوخهم آلهة، لا يعصون لهم أمرا ولا يخالفون لهم نهيا!
وقبل ذلك كان للغرور سلطانه على نزيل الملائكة، فأخرجه من رحمة اللّه إلى غضبه، وأخرج به قرونا بعد ذلك كثيرا من جنة الطاعة إلى جحيم المعصية التي أحالت الحياة البشرية مسرحا لصراع لا نهاية له مادام هناك إنسان وشيطان.
ولعمر الحق أن لفحة من هذا الغرور وذلك الغلو قد أصابت بلوثتها بعض ذوى الغيرة من أصحاب (القلوب الطيبة) فراحوا- عقيب الفتنة - يثيرونها شعواء على الجامعات الإسلامية، والسلفية، والملتزمين بالسنة النبوية، حتى سمحوا لأنفسهم بتحميلهم مسئولية الانحراف الذي زين لأصحابه ذلك العدوان الأثيم على حرم اللّه.- ولو هم رجعوا إلى عقولهم دون عصبيتهم لردوا كل اتهام من ذلك النوع الذميم، ولرددوا مع سلفهم الكريم قول ربهم العليم الحكيم: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}..
وبعد... فإن في كارثة الحرم التي زلزلت ضمائر المسلمين في كل مكان، لدروسا كبيرة جديرة بأن تثير في صدورنا العميق من التأملات، والكثير من التطلعات... ولعل في رؤوس هذه الدروس تعميق الوعي بحقائق الإسلام، ومزيدا من توثيق الصلة بين المجتمع وهذه الحقائق، حتى تزول كل فجوة بين الدين والواقع... وسيكون من نتائج ذلك صيانة الطابع الإسلامي للمجتمع من كل منافس دخيل سواء في نطاق الأفكار، أو التعليم، أو الإعلام على اختلاف وسائله.
وشيء آخر هام هو أن نشجع الحوار حول كل مشكلة تواجه الفكر الإسلامي على أساس من الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وبذلك نفسح المجال أمام الشباب المتحمس! للتنفيس عن مكنوناته، والاستماع إلى الفهم الآخر، وبهذا وذاك ننقذه من العزلة الفكرية التي تعرضه وتعرض أمته للكثير من المآسي، التي خبرناها خلال التاريخ.
واللّه وحده المسؤول أن يجنبنا مزالق الغلو والغرور، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه الهادي إلى كل خير والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا باللّه.
في المحرم 1400

منقووول