السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته
عندي استفسار حول ما نسمعه كتيرا في بلدنا الجزائر أن هناك مجموعة من الناس تدعي أنهم مرابطون
ويدّعون أيضا أن الله تعالى ينصرهم و إن غضبوا على شخص ما فإنه يحصل له مكروه وأذى وإن دعوا فإن دعوتهم مستجابة
وحصل مع صديقتي خالتها مرابطة ظلمها مدير العمل وهي تعمل خياطة فدعت عليه قائلة ربي يحرق لك آلات الخياطة ولما خرجت اشتعلت النار في الآلات
فأريد أن أعرف إذا كان الأمر صحيحا ؟
وسؤال تاني حول الأولياء الصالحين فإن أقارب الولي الصالح يدعون أيضا إن دعوتهم مستجابة وإنهم يقضون مصالح الناس فأريد منكم ولو لفتة لهذه المسألة
و جزاكم الله كل خير



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا

هذا من الكذب والتضليل ، وخِداع الناس واستغفالهم ! من أجل استغلالهم !
والوليّ لا يقول عن نفسه : إنه وليّ !
لأنه أعظم من أن يقول عن نفسه إنه إنسان صالح !
ولأن هذا تزكية لِنفسه ، وقد قال الله تعالى : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)
وقال عزّ وجلّ : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) .

ثمّ إن المرابطة في الأصل مُلازمة الثغور .

قال ابن منظور في لسان العرب : والرِّباطُ والمُرابَطةُ : مُلازمةُ ثَغْرِ العَدُوِّ ، وأَصله أَن يَرْبِطَ كلُّ واحد من الفَريقين خيلَه ثم صار لزومُ الثَّغْرِ رِباطاً ، وربما سُمّيت الخيلُ أَنفُسها رِباطاً ، والرِّباطُ المُواظَبةُ على الأَمر . اهـ .

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
قال ابن عطية في تفسيره : اختلف المتأوِّلون في معنى قوله : (وَرَابِطُوا) ، فقال جمهور الأمة معناه : رابطوا أعداءكم الخيل ، أي : ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم ، ومنه قوله عز وجل : (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) .
قال : والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل ، ثم سُمِّي كُلّ ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطاً ، فارساً كان أو راجلاً ، واللفظة مأخوذة من الربط ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فذلك الرباط " إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله ، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية . اهـ .

وكذلك قال القرطبي .

وقال ابن كثير : وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات . وقيل : انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله مجاهد وابن عباس وسهل بن حُنَيف، ومحمد بن كعب القُرَظي، وغيرهم . اهـ .

وقال ابن عاشور : وقوله : (وَرَابِطُوا) أَمْر لهم بالمرابطة ، وهي مفاعلة من الرّبْط ، وهو ربط الخيل للحراسة في غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدوّ ، أمَرَ الله به المسلمين ليكونوا دائماً على حذر من عدوّهم . اهـ .

وفي صحيح مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَال : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ ؛ فَذَلِكُمْ الرِّبَاط .
قال النووي : وَقَوْله : ( فَذَلِكُمْ الرِّبَاط ) أَيْ الرِّبَاط الْمُرَغَّب فِيهِ ، وَأَصْل الرِّبَاط الْحَبْس عَلَى الشَّيْء ، كَأَنَّهُ حَبَسَ نَفْسه عَلَى هَذِهِ الطَّاعَة . قِيلَ : وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَفْضَل الرِّبَاط كَمَا قِيلَ الْجِهَاد جِهَاد النَّفْس ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ الرِّبَاط الْمُتَيَسِّر الْمُمْكِن أَيْ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاع الرِّبَاط . اهـ .

وسبق قوله ابن عطية : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فذلك الرباط " إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله ، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية . اهـ .

وأما حديث : " تمام الرباط أربعون يوما ، ومن رابط أربعين يوما لم يَبِع و لم يَشْتر ، ولم يُحْدث حَدَثًا خَرَج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " ، فهو حديث ضعيف .
قال الهيثمي : رواه الطبراني وفيه أيوب بن مدرك وهو متروك.
وضعّفه الألباني .

وأما ادِّعاء أولئك الصلاح ، وأن الله تعالى ينصرهم ، وأنهم إذا غضبوا على شخص ما فإنه يحصل له مكروه وأذى ! وأنهم إذا دَعوا فإن دعوتهم مستجابة ؛ فَكُلّ هذا كذب وافتراء ، وادِّعَاء للصلاح !

وما يُحكى مِن قصص من أنهم دعوا على فُلان أو فُلانة ، قد يكون ذلك إما موافقة قَدَر أجراه الله ، وإما أن يكون كذب ، وهو الأكثر في أولئك !
فإنه يكذبون على الله تعالى ، فكيف لا يكذبون على الناس ؟!!
كذبوا على الله حينما ادّعوا أن الله ينصرهم لِصلاحهم ! وأن الله يغضب لِغضبهم !

وما كان هذا حال أتقى هذه الأمة وخيرها بعد نبيِّها ، وهو أبو بكر رضي الله عنه ، فإنه كان يهضم نفسه ، وقد قال عن نفسه : إنه نافَق ! وخشي عُمر النفاق على نفسه ..
وكان أبو بكر رضي الله عنه يتّهِم نفسه ، فكان يأخذ بِلِسَانه يَجرّه ويقول : هذا أوردني الموارد .
ولَمّا ولي أبو بكر الخلافة خَطب الناس فقال : إني قَد وُلِّيتُ عَليكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُم . فلما بلغ الحسن البصري قوله قال : هو والله خَيْرُهم غَير مُدَافَع ، ولكن الْمُؤمِن يَهْضِم نَفْسَه . رواه البيهقي في السنن الكبرى .

وكان السلف مع صلاحهم ينظرون إلى ذنوبهم ، ولا يُزكّون أنفسهم .
فقد أخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة كان يُسَبِّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة ، يقول : أُسَبِّح بِقَدْرِ ذَنْبِي . ذَكَره ابن حجر في الإصابة .

وذُكِر عند الحسن الزهد فقال : بعضهم اللباس ، وقال : بعضهم المطعم ، وقال : بعضهم كذا . فقال الحسن : لستم في شيء ؛ الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال : هذا أفضل مني !


وقال الفضيل : لو شممتم رائحة الذنوب مني ما قربتموني .
وأُثْنِي على زاهد فقال : لو عَرَفْتَ مِنِّي ما عَرَفْتُ مِن نَفْسِي لأبْغَضْتَنِي .

وقال شعيب بن حرب : بينا أنا طوف إذ لَكَزَني رجل بمرفقه ، فالتفت فإذا أنا بالفضيل بن عياض ، فقال : يا أبا صالح ، فقلت : لبيك يا أبا علي ، قال : إن كنت تظن أنه قد شهد الموسم شرّ مِنِّي ومِنك فبئس ما ظننت !

وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول عن نفسه :
أحب الصالحين ولست منهم *** لعلّي أن أنال بهم شفاعة
وأكره مَن تجارته المعاصي *** ولو كُنّا سواء في البضاعة

وقال مالك بن دينار : إذا ذُكِر الصالحون فأفّ لي و أفّ !

وقال عبد الله بن بكر : أفضت مع أبي من عرفة قال : فقال لي يا بني لولا أني فيهم لرجوت أن يغفر لهم !


وهكذا المؤمن لا يَرى لِ،فسه فضلا على أحد ، ولا يرى أنه أصلح من غيره ؛ لأن كل إنسان أعرف بِنفسه .

قال يونس بن عبيد : كُنت أُذَاكِر يوما عن الحسن التواضع قال : فالتفت إلينا الشيخ فقال : أتدرون ما التواضع ؟ أن تخرج من بيتك حين تخرج فلا تَلْقَى مُسْلِمًا إلاَّ رأيت أن له عليك الفضل !

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد