هل جَمَع عليّ رضيَ اللّهُ عنه القرآن ؟
وهل اختُصّ آل البيت بِجمع القرآن ؟ وهل عِلْم القرآن مُختصّ بآل البيت ؟



الجواب :
عليّ رضيَ اللّهُ عنه ممن جَمَع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويُقصد بالجَمْع الحفظ ، ولا يُراد به جَمْع القرآن في مُصحَف ، وإن كان بعض الصحابة قد جَمَع له مُصحفا ، وقد كان بعضهم يَكتب فيه القراءات التفسيرية ، وبعضهم يَكتب ما نُسِخت تلاوته ، وقد يفوت بعضهم بعض ذلك .
ومعلوم أن العرب لم تكن تعتمد على الكتابة بِقَدْر ما كانت تعتمد على الحفظ .
ولذلك أشار عمر رضيَ اللّهُ عنه على أبي بكر بِجَمْع القرآن عندما اشتدّ القَتْل بقُرّاء القرآن وحفَظَته .
روى البخاري أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أرْسَل إليّ أبو بكر مَقْتَل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده . قال أبو بكر رضي الله عنه : إن عُمر أتاني ، فقال : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بِقُرّاء القرآن ، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن ، فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمُر بِجَمْع القرآن .
قلت لعُمر : كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عمر : هذا والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر .
قال زيد : قال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه .
قال زيد : فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن .
قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ؟
قال : هو والله خير ، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شَرح له صَدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فتتبعت القرآن أجمعه مِن العُسب واللِّخَاف وصُدور الرجال .

فكان هذا الَجْمْع الأول في زَمَن أبي بكر رضيَ اللّهُ عنه ، حيث جَمِع القرآن في مصحف واحد ، ثم انتقل هذا المصحف إلى عمر رضيَ اللّهُ عنه ، وكان عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضيَ اللّهُ عنهما بعد وفاته .
ولَمّا كان زمن عثمان بن عفان رضيَ اللّهُ عنه كثُر الخلاف على القِراءة بسبب عدم جَمْع الناس على مُصحف واحد .

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يُغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أُفُق بمصحف مما نَسَخوا ، وأمَر بما سِواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق .
قال ابن شهاب : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال : فَقَدْت آية مِن الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) فألحقناها في سورتها في المصحف .
قال ابن التين وغيره : الفَرْق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان : أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بِذَهاب حَمَلَتِه ، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد ، فَجَمَعَه في صحائف ، مُرَتِّبا لآيات سُوَرِه على ما وَقَفَهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم .
وجَمْع عثمان كان لَمَّا كَثُر الاختلاف في وجوه القرآن حين قَرؤوه بِلُغاتهم على اتِّساع اللغات ، فأدّى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض ، فخُشِي مِن تفاقم الأمر في ذلك فَنَسَخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لِسُوَرِه . اهـ مِن فتح الباري .

فلم يَكن عليّا رضيَ اللّهُ عنه ضمن فريق الْجَمْع ، وإن كان مِن أهل القرآن الذين جَمعوه في صدورهم . وهذا لا يقدَح في فضل عليّ رضيَ اللّهُ عنه ولا يُنقَص مِن قَدْره ؛ فإن الخلفاء لم يكونوا ضمن فَرِيق الْجَمْع ، وآخر مَن أمَر بالْجَمْع هو عثمان رضيَ اللّهُ عنه ، ولم يَجعل نفسه معهم ، بل وَكَل المهمة إلى : زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام .

ولو زَعَمت الرافضة أن عليّا رضيَ اللّهُ عنه كان كَتب مصحفا ، فإن عثمان رضيَ اللّهُ عنه لَمَا جَمَع الناس على المصحف الإمام ، وبَعَث بالمصاحِف إلى الآفاق ، أمَرَ بإحراق ما سِوى تلك المصاحف دَرءا للخلاف ، وحَسْمًا لِمادّة النِّزَاع ، فلم يَتْرُك عثمان رضيَ اللّهُ عنه إلاّ ما اتّفقت عليه الأمّة ، وتَرَك الصُّحُف التي جُمِعت في زمن أبي بكر رضيَ اللّهُ عنه وهي التي كانت عند أم المؤمنين حفصة رضيَ اللّهُ عنها ، ثم أمَر بها مروان بعد ذلك فأُحْرِقَت .

قال ابن حجر : وَقَوْلُهُ : " وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ " ، أَيْ : بِمَا سِوَى الْمُصْحَفِ الَّذِي اسْتَكْتَبَهُ وَالْمَصَاحِفِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْهُ ، وَسِوَى الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ وَرَدَّهَا إِلَيْهَا ، وَلِهَذَا اسْتَدْرَكَ مَرْوَانُ الأَمْرَ بَعْدَهَا وَأَعْدَمَهَا أَيْضًا ، خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ لأَحَدٍ مِنْهَا تَوَهُّمُ أَنَّ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ . اهـ .

ولو افترضنا ان عليّا رضيَ اللّهُ عنه كان عنده مُصحَف مُخالِف لِمَا جَمَعه الخلفاء الثلاثة قبْلَه ، فأين ذلك المصحف لم يُخرجه ولم يَعمل به في زمن خلافته ؟؟!
ولِمَ لَم يُتلِف تلك المصاحف التي تزعم الرافضة أنها مُحرَّفة ؟؟!

ولكي تَخْرُج الرافضة مِن هذا المأزق ، ومن هذا السؤال الْحَرْج ، زَعَموا أن عليًّا رضيَ اللّهُ عنه خبأ مُصحفه ، وأقسَم أنه لن يَروه حتى يَخرُج القائم !!
وهذا فيه اتِّهام لعليٍّ رضيَ اللّهُ عنه بالضعف والْجبن ، بل وأشدّ مِن ذلك : اتهامه بِتحكيم غير القرآن الذي أُنْزِل على محمد صلى الله عليه وسلم ، بل وتلاوته في مساجد المسلمين في زمن خلافته رضيَ اللّهُ عنه !
وأشدّ مِن ذلك : تحميل عليّ رضيَ اللّهُ عنه جناية إخفاء القرآن الذي نَزَل على محمد صلى الله عليه وسلم مِن زمن صَدْر الأمة إلى يَومِنا هذا !

فعلى اعتقاد الرافضة : الأمة تعيش أكثر من ألف سنة تقرأ وتتحاكم إلى غير كتاب الله عزَّ وَجَلّ !
ويتحمّل تبعة هذا على اعتقاد الرافضة : عليّ رضيَ اللّهُ عنه ؛ لأنهم هكذا يعتقدون !

رَوى الكليني في كتابه " الكافي " أن سَالِم بن سَلَمَةَ قَالَ : قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) وَ أَنَا أَسْتَمِعُ حُرُوفاً مِنَ الْقُرْآنِ لَيْسَ عَلَى مَا يَقْرَأُهَا النَّاسُ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) : كُفَّ عَنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ ، اقْرَأْ كَمَا يَقْرَأُ النَّاسُ حَتَّى يَقُومَ الْقَائِمُ ( عليه السلام ) ، فَإِذَا قَامَ الْقَائِمُ ( عليه السلام) قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى حَدِّهِ وَأَخْرَجَ الْمُصْحَفَ الَّذِي كَتَبَهُ عَلِيٌّ ( عليه السلام ) ، وَقَالَ : أَخْرَجَهُ عَلِيٌّ ( عليه السلام ) إِلَى النَّاسِ حِينَ فَرَغَ مِنْهُ وَ كَتَبَهُ فَقَالَ لَهُمْ : هَذَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ( صلى الله عليه وآله ) وَقَدْ جَمَعْتُهُ مِنَ اللَّوْحَيْنِ ، فَقَالُوا : هُوَ ذَا عِنْدَنَا مُصْحَفٌ جَامِعٌ فِيهِ الْقُرْآنُ لا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ ! فَقَالَ : أَمَا وَ اللَّهِ مَا تَرَوْنَهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا أَبَدا ، إِنَّمَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُخْبِرَكُمْ حِينَ جَمَعْتُهُ لِتَقْرَءُوهُ .

ولم يختُصّ آل البيت بِجمع القرآن ، وليس عِلْم القرآن مُختصّا بآل البيت .
فقد سُئل عليّ رضيَ اللّهُ عنه : هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ ؟ قَالَ : لا ، إِلاّ كِتَابُ اللَّهِ ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ . قَالَ : قُلْتُ : فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ قَالَ : الْعَقْلُ ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ ، وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ . رواه البخاري .

فالفَهْم والفقه ليس محصورا في آل البيت رضيَ اللّهُ عنهم ، ولم يَزْعم عليّ ولا غيره مِن أئمة آل البيت أن عِلْم القرآن مختصّ بهم .
فهذا عليّ رضيَ اللّهُ عنه يقول : فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِم .
ولو كان الأمر كذلك ، ما تَوَلَّى القضاء ولا الفَتْوى غير أئمة آل البيت ، ومعلوم أن عليّا رضيَ اللّهُ عنه كان يُولّي القضاء والفُتيا غير آل البيت .

وسبق :
شبهات متعلقة بالإمامة بين السنة والرافضة
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=105972

هل القرآن أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مرتبا مثل ترتيب المصحف الآن ؟
http://almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=584

ما الحِكمة مِن النسخ في القرآن ، وهل يُخالِف حِفْظه ؟
http://almeshkat.net/index.php?pg=fatawa&ref=592

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد