النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    22 - 4 - 2003
    المشاركات
    4,994

    بحث حول الرواية التي عن أم سلمة وقولها عن بيعة معاوية أنها بيعة ضلالة

    الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه .

    أما بعد :
    فإن الله عزَّ وَجَلّ خصّ هذه الأمة ببقاء الإسناد ، " وَإِنَّمَا الإِسْنَادُ لِمَنْ أَعْظَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمِنَّةَ " أَهْلُ الإِسْلامِ وَالسُّنَّةِ ، يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَالْمُعْوَجِّ وَالْقَوِيمِ" (1) .
    وخصّ الله هذه الأمّة بِعُلَمَاء أجِلاّء ، يَنْفُون عن كتاب الله وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم تأويل الجاهلين ، وتحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، يُميِّزون بين الغثّ والسمين .
    قال ابن القيم رحمه الله : ولولا ضمان الله بِحِفظ دِينه وتكفّله بأن يُقيمَ له من يُجَدِّد أعلامه ، ويُحيى منه ما أماته المبطلون ، ويُنعش ما أخْمَله الجاهلون ، لِهُدِّمت أركانه وتَدَاعى بُنيانه ، ولكن الله ذو فضل على العالمين (2) .
    فاستفاد اللاحِق مِن السابق ، ومَشى الآخِر على خُطَى الأوّل ، يقتَبِس مِن أنوار العلماء ، ويقتَدِي بالفضلاء ، ويَتَشَبَّه بالكِرام .
    مِن هنا أحببت أن أنتظَم في رَكْب القوم ، لأحظَى بِشَرَف التشبّه بالكرام .
    فَقُمت بِدراسة موجزة لأثر يُرْوَى عن جابر بن عبد الله رضيَ اللّهُ عنهما، وعن أمِّ سَلَمة رضي الله عنها، وهو يُوهِم أن بيعة مُعاوية رضيَ اللّهُ عنه بيعة ضلالة
    فأحببت أن أقف مع تلك الآثار مُبيِّنا درجة تلك الآثار مِن حيث الصحة والضعف ، وما تُحْمَل عليه لو صحّت ، أو على افتراض صِحّتها .

    حديث في بيعة معاوية رضيَ اللّهُ عنه

    قال الإمام البخاري في " التاريخ الصغير " (3) : حدثني سعيد بن محمد الجرمي ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني أبو نعيم وَهب بن كيسان مولى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضيَ اللّهُ عنهما يقول : قَدِم بُسْر بن أرطاة (4) المدينة زمان معاوية فقال : لا أُبَايِع رَجُلاً مِن بني سَلَمَة حتى يأتي جابر ، فأتيت أم سَلَمَة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه و سلم فقالت : بايِع ، فقد أمَرْتُ عبد الله بن زَمْعة ابن أخي أن يُبَايِع على دمه ومالـه ، أنا أعلم أنها بيعة ضلالة .

    غريب الحديث :
    زمان معاوية : تكاد تتفق المصادر التاريخية أن ذلك كان عام أربعين من الْهِجْـرة (5) ، وإذا كان ذلك كذلك ، فإن بَعْث بُسْر بن أبي أرطاة إنما كان لأخذِ البيعة لِمعاوية رضيَ اللّهُ عنه . هذا على افتراض صحّة الرواية .

    الأثر روايــة :
    دراسة إسناد البخاري في التاريخ :
    سعيد بن محمد الجرمي : صدوق رُمِي بالتشيع (6) .
    يعقوب بن إبراهيم : هو ابن سعد ابن إبراهيم ابن عبد الرحمن ابن عوف ، ثقة فاضل (7) .
    أبوه : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ، ثقة حجة ، تُكُلِّم فيه بلا قادح (8) .
    محمد بن إسحاق ، تأتي ترجمته مستقلّة .
    أبو نعيم وهب بن كيسان مولى الزبير : ثقة (9) .
    جابر بن عبد الله رضيَ اللّهُ عنهما : صحابي ابن صحابي .

    وهذا إسناد ظاهره السلامة ، إلاّ أن في إسناده محمد بن إسحاق ، مُخْتَلَف فيه .
    قال حماد بن سلمة : لولا الاضطرار ما حَدَّثْتُ عن محمد بن إسحاق (10) .
    وفي تاريخ يحيى بن معين رواية الدوري (11) : قال عباس : سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول وَهُوَ على بَاب أَبى النَّضر وَسَأَلَهُ رجل ، فَقَالَ : يَا أَبَا عبد الله ، مَا تَقول فِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق ومُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي ؟ فَقَالَ : أما مُوسَى بن عُبَيْدَة فَكَانَ رجلا صَالحا حَدّث بِأَحَادِيث مَنَاكِير ، وَأما مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَيكْتب عَنهُ هَذِه الأَحَادِيث ، يعْنى الْمَغَازِي وَنَحْوهَا ، فَإِذا جَاءَ الْحَلال وَالْحرَام أردنَا قَومًا هَكَذَا ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل بِيَدِهِ وضَمّ يَدَيْهِ وَأقَام أَصَابِعه الإبهامين .
    وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين ، وقيل له : أيما أحَبّ إليك موسى بن عبيدة الربذي أوْ محمد بن إسحاق ؟ فقال : محمد بن إسحاق . قال : وسَمِعْت يحيى يقول : لَمْ يَزَل الناس يَتَّقُون حَديث محمد بن إسحاق . وسَمِعته مَرّة أُخْرَى يقول : ليس بذاك ، هو ضعيف . نا عبد الرحمن قال : سمعت أبى يقول : محمد بن إسحاق ليس عندي في الحديث بالقوي ، ضعيف الحديث ، وهو أحَبّ إليّ مِن أفْلَح بن سعيد ، يُكْتَب حديثه (12) .
    وقال الخطيب البغدادي : وقد أمسك عن الاحتجاج بِرِوايات ابن إسحاق غير واحِد مِن العلماء لأسباب منها : أنه كان يَتَشَيَّع ، ويُنْسَب إلى القَدَر ، ويُدَلِّس في حديثه ، فأما الصِّدْق فليس بِمَدْفُوع عنه (13) .

    والعلماء لا يَقْبَلون كثيرا مِن تَفَرُّد محمد بن إسحاق .
    قال البيهقي في حديث تَفَرَّد به محمد بن إسحاق : وَهَذَا حَدِيثٌ يَنْفَرِدُ بِهِ مُحَمَّدُ ابن إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ... وَصَاحِبَا الصَّحِيحِ لَمْ يَحْتَجَّا بِهِ ، إِنَّمَا اسْتَشْهَدَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي أَحَادِيثَ مَعْدُودَةٍ ، أَظُنُّهُنَّ خَمْسَةً ، قَدْ رَوَاهُنَّ غَيْرُهُ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّوَاهِدِ ذِكْرًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ ، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لا يَرْضَاهُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لا يَرْوِي عَنْهُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَقُولُ : لَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : يُكْتَبُ عَنْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثُ - يَعْنِي الْمَغَازِي وَنَحْوَهَا - فَإِذَا جَاءَ الْحَلالُ وَالْحَرَامُ أَرَدْنَا قَوْمًا هَكَذَا - يُرِيدُ أَقْوَى مِنْهُ - (14) .

    الخلاصة :
    عَدَم قبول تفرُّد محمد بن إسحاق بهذا الأثر ، فقد تقدّم أن العلماء لا يقبَلون تفرّده في الأحكام والمسائل العِظام .
    مع كَوْن محمد بن إسحاق فيه تشيُّع ، وفي هذا الأثر شُبْهَة تشيُّع ، وَذَمّ لِمعاوية رضيَ اللّهُ عنه ، بِجَعْل بيعته بيعة ضلالة .

    تخريج الأثر :
    قَال أَبُو سَعِيد بن يونس : حَدَّثَنَا أسامة بْن أَحْمَدَ بْن أسامة التجيبي، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى بْن الوزير، قال: حَدَّثَنَا عبد الحميد بْن الوليد، قال: حَدَّثَنِي الهيثم ابن عدي، عن عَبْد الله بْن عياش، عَنِ الشعبي أن معاوية بْن أَبي سفيان أرسل بُسْر بن أَبي أرطاة القرشي ثم العامري، فِي جيش من الشام ، فَسَار حتى قدم المدينة ، وعليها يومئذ أَبُو أيوب خالد بْن زيد الأَنْصارِيّ صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فَهَرَب منه أَبُو أيوب إِلَى عَلِيّ بالكوفة ، فصعد بُسْر منبر المدينة ، ولم يُقَاتِله بها أحَد ، فجعل ينادي : يا دينار، يا رزيق، يا نجار، شيخ سمح عهدته ها هنا بالأمس، يَعْنِي عثمان رضي الله عنه، وجعل يَقُولُ : يا أهل المدينة ، والله لولا ما عهد إليّ أمير المؤمنين ما تركت بها مُحْتَلِمًا إلاّ قتلته، وبايَع أهل المدينة لمعاوية، وأرسل إِلَى بني سَلَمَة ، فقَالَ : لا والله ما لكم عندي مِن أمان ولا مُبايعة، حتى تأتوني بجابر بن عَبْد الله ، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرج جابر بن عَبْد اللَّهِ حتى دخل عَلَى أم سَلَمة خَفِيا، فقَالَ لها : يا أُمَّه ، إني قد خشيت عَلَى ديني ، وهذه بيعة ضلالة ، فقَالَت لَهُ : أرى أن تُبَايِع ، فقد أمَرْت ابني عُمَر بن أَبي سلمة أن يُبَايِع . فخرج جابر بْن عَبْد اللَّهِ فبايع بُسر بن أَبي أرطاة لمعاوية (15) .

    وروى ابن عبد البر في " الاستيعاب " (16) : عن أَبي مُحَمَّد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال حدثنا أبو محمد إسماعيل بن عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ بِبَغْدَادَ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُؤْمِنِ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ عَوَانَةَ، قَال :
    وَذَكَرَهُ زِيَادٌ أَيْضًا عَنْ عَوَانَةَ قَالَ : أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ فِي جَيْشٍ .. فذكره بِنحوه ، وزاد : ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، وَبِهَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، فَخَافَهُ أَبُو مُوسَى عَلَى نفسه أن يَقْتُلَهُ فَهَرَبَ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِبُسْرٍ فَقَالَ : مَا كُنْتُ لأَقْتُلَهُ ، وَقَدْ خَلَعَ عَلِيًّا وَلَمْ يَطْلُبْهُ .

    بينما رواه ابن عبد البر في " التمهيد " (17) عن أَحْمَد بن سَعِيد حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول : لَمَّا قَدِمَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ أَتَتِ الأَحْيَاءُ يُبَايِعُونَهُ ، فَأَتَى بَنُو سَلَمَةَ وَلَمْ آتِ مَعَهُمْ ، فَقَالَ : لا أُبَايِعُكُمْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيَّ جَابِرٌ ، قَالَ فَأَتَانِي قَوْمِي فَنَاشَدُونِي اللَّهَ فَقُلْتُ لَهُمْ : أَنْظِرُونِي ، فَأَتَيْتُ أُمَّ سَلَمَةَ فَاسْتَشَرْتُهَا فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ فَقَالَتْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهَا بَيْعَةَ ضَلالَةٍ ، وَلَكِنْ قَدْ أَمَرْتُ أَخِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَيُبَايِعَهُ ، كَأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَحْقِنَ دَمَهُ . قَالَ جَابِرٌ : فَأَتَيْتُهُ فَبَايَعْتُهُ .
    قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَا قَالَ : أَخِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَصَوَابُهُ : ابْنَ أَخِي عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَلَمْ يُدْرِكْ أَخُوهَا الْحَرَّةَ (18) ، تُوفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ (19) .

    " وذَكَر ابنُ الأنباري عن أبيه، عن أحمد بن عبيد ، عن هشام بن مُحَمَّد (20) عن أبي مخنف (21) ، قَالَ : لَمّا توجّه بُسْر بن أرطاة إلى اليمن أُخْبِر عبيد الله بن العباس بذلك، وهو عامل لِعَليّ رضي الله عنه عليها ، فهرب " (22) .

    أسئلة البحث :
    1/ ما صحة هذه الرواية ؟
    2/ ما هو المقصود بهذه العبارة ( أنا أعلم أنها بيعة ضلالة )
    3/ لو صحت هذه الرواية ، هل كانت بيعة معاوية رضي الله عنه بيعة ضلالة ؟


    دراسة الأسانيد :
    إسناد ابن يونس :
    أسامة بن أَحْمَد بن أسامة التجيبي : قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يونس: لم يكن في الحديث بذاك، تعرف وتُنْكَر (23) .
    أَحْمَد بن يَحْيَى بْن الوزير : ثقة (24) .
    عبد الحميد بن الوليد (25) .
    الهيثم بن عدي : قال يحي بن معين :كوفي لَيْسَ بِثِقَة ، كَانَ يَكذِب (26) . وقال البخاري : سكتوا عَنْهُ (27) .
    عَبْد الله بن عياش : صدوق يغلط (28) .
    الشعبي : عامر بن شراحيل : ثقة مشهور فقيه فاضل (29) .

    فهذه رواية ساقطة ، لِسقوط الهيثم بن عدي عن الاحتجاج ، ولِضعف غيره في الإسناد .
    وقال عنها ابن كثير : وَهَذَا الْخَبَرُ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمُغَازِي وَالسِّيَرِ، وَفِي صِحَّتِهِ عِنْدِي نَظَر (30) .

    إسناد الرواية الثالثة : - رواية ابن عبد البر التي في " الاستيعاب " – :
    عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن : كان تاجرا صدوقا .
    قال ابن الفرضي: لم يكن ضبطه جيدا ، وربما أخَلّ بالهجاء (31) .
    أبو محمد إسماعيل بن عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ : قال عنه الدارقطني : ما أعرف منه إلاَّ خيرا ، كان يتحرى الصدق . وقال عنه أيضا : ثقة (32) .
    مُحَمَّدُ بن مُؤْمِنِ بن حَمَّاد : لم أقف له على ترجمة .
    سُلَيْمَانُ بن أَبِي شَيْخ : وثّقه أبو داود (33) . وقال عنه ابن الجوزي : وَكَانَ صدوقا ثقة (34) .
    مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ (35) .
    عوانة بن الحكم : قَلَّ أَنْ رَوَى حديثًا مُسْنَدًا ، ولهذا لم يُذكر بجرح ولا تعديل ، والظاهر أَنَّهُ صدوق (36) . أي " فِي نَقْلِهِ" (37) .
    وكان عثمانيا ، فكان يَضَع الأخبار لبني أمية (38) .

    فهذا إسناد تالف ، لا يصلح للاحتجاج ؛ لأن مَدَاره على عوانة هذا ، وهو يَضَع الأخبار .

    بالإضافة إلى أنه لم يَشهد القصة ، فالرواية منقطعة ، فإن وفاة عوانة كانت " فِي سنة ثمان وخمسين ومائة " (39) أوْ في " سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ " (40) ، وأكثر المؤرِّخين على أن قصة التحكيم كانت في سَنة سَبْعٍ وَثَلاثِينَ (41) ، وعوانة يقول : أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ فِي جَيْش .
    وفي الإسناد مَن لم أقف له على ترجمة .

    إسناد الرواية الرابعة : – رواية ابن عبد البر - ، التي فيها قُدوم مُسلم بن عقبة المدينة ، ففي إسناده :
    نُعيم بن حَمَّاد : صدوق يخطئ كثيرا ، فَقِيه عارِف بالفرائض(42) .
    ابن أبي مريم : هو سعيد بن الحكم الجمحي : ثقة ثبت فقيه (43) .
    محمد بن وضّاح . قال ابن الفرضي : لَه خطأ كثير محفوظ عنه ، وأشياء كان يغلط فيها ويُصَحّفها ، وكان لا عِلْم عِنده بالفِقْه ولا بالعربِية (44) .
    وقال الذهبي : هو صدوق في نفسه، رأس في الحديث (45) .
    ابنُ أَبِي دُلَيْم : هو مُحَمَّد بن عَبد اللَّه بن أَبِي دُلَيْم، أبو عبد الملك القُرْطُبيّ (46) .
    أَحْمَد بن سَعِيد : هو أحمدُ بن سَعيد بن محمد بن بِشْر بن الحَصَّار: من أهْلِ قُرطبة، سَمِع الناس منه كَثيرا ، ولم يَكُنْ بالضَّابط لِمَا كَتَب (47) .

    وهذه الرواية لا تَصِحّ ؛ لأن وَقْعَة الْحَرَّةِ كَانَتْ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ (48) ، بينما " توفيت أم سلمة فِي أول خلافة يَزِيد بْن معاوية سنة ستين . وقيل: إنها توفيت فِي شهر رمضان أَوْ شوال سنة تسع وخمسين (49) .
    ورجّح ابن حجر أنها ماتت سنة اثنتين وستين (50) .
    فأمّ سَلَمة على هذا لم تُدْرِك وقعة الْحَرَّة ، ولا قُدوم مُسْلِم بن عُقْبَة .

    مع ما في إسنادها مِن ضَعْف .

    إسناد الرواية الخامسة – ما ذَكَره ابن الأنباري - :
    ابن الأنباري : هو : محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم . كان قريب الأمر فيه بعض الشيء، وكانت له أصول بخط أبيه جياد (51) .
    أبوه : هو : جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم (52) .
    أحمد بن عبيد : لين الحديث (53) .
    هشام بن مُحَمَّد : هو : هشام بن محمد بن السائب الكلبي . قال الدارقطني وغيره: متروك . وقال ابن عساكر: رافضي، ليس بثقة (54) . وقال ابن حبان : وَكَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع أخباره فِي الأغلوطات أشهر من أَن يحْتَاج إِلَى الإغراق فِي وصفهَا (55) .
    أبو مخنف : هو : لوط بن يحيى. قال يحيى بن معين : ليس بشَيْء (56) . وقال الذهبي: أخباري تالف، لا يُوثَق به (57) .

    وهذه رواية ساقطة أيضا ؛ هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، ساقِط الرواية .

    يُتبَـع
    __________________________________
    (1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (1/9) .
    (2) مدارج السالكين (3/78) .
    (3) (1/115) وعَزاه إليه: المزي في " تهذيب الكمال " (4/64 ، 65) بنحوه مختصرا . وسَمّى كتاب البخاري: التاريخ الصغير .
    (4) وصحح ابن حبان أن يُقال : ابن أبي أرطاة . قال ابن حبان في الثقات (3/36) : ومَن قال : ابن أرطاة ، فقد وَهم .
    (5) انظر : تاريخ الطبري (5/139) حوادث سَنة 40 هـ ، والمنتظم ، ابن الجوزي (5/162) ، والكامل في التاريخ ، ابن الأثير (2/732) ، والبداية والنهاية ، ابن كثير (10/682) . ومنهم مَن يذكر أن بعث بُسْر بن أبي أرطاة كان بعد تحكيم الحكمين ، وتحكيم الحكمين كان في سنة 37 هـ .
    (6) تقريب التهذيب (ت 2386) .
    (7) تقريب التهذيب (ت 7811) .
    (8) المرجع السابق (ت 177) .
    (9) المرجع السابق (ت 7483) .
    (10) الجرح والتعديل ، ابن أبي حاتم (7/193) .
    (11) (3/247) ، وهو بِنحوه في الجرح والتعديل ، ابن أبي حاتم (7/193) .
    (12) الجرح والتعديل ، ابن أبي حاتم (7/194) .
    (13) تاريخ بغداد (2/7) .
    (14) الأسماء والصفات (2/317) .
    (15) رواه مِن طريقه : ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (10/152) وذَكَرَه المزي في " تهذيب الكمال " (4/64) وانظر : تاريخ الطبري (5/139) حوادث سَنة 40 هـ ، والمنتظم ، ابن الجوزي (5/162) ، والكامل في التاريخ ، ابن الأثير (2/732) ، والبداية والنهاية ، ابن كثير (10/682) .
    (16) (1/162) .
    (17) (16/354 ، 355) ، وذَكره ابن حجر في الإصابة (4/11) .
    (18) وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ . " الكامل في التاريخ " ، ابن الأثير (3/219) .
    (19) قال ابن حجر في "الإصابة" (4/11) : ويحتمل في هذا أيضا أن يكون الصواب : فأمرت ابن أخي، وإلى ذلك نَحَا ابن عبد البرّ في " التمهيد ".
    (20) هو : هشام بن محمد بن السائب الكلبي . قال الدارقطني وغيره: متروك . وقال ابن عساكر: رافضي، ليس بثقة . " ميزان الاعتدال " ، مرجع سابق (4/304) .
    (21) قال يحيى بن معين : ليس بشَيْء . الكامل في ضعفاء الرجال ، ابن عدي (7/241) . وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/419) : أخباري تالف، لا يُوثَق به.
    (22) الاستيعاب ، ابن عبد البر (1/159) .
    (23) تاريخ الإسلام (7/115) ، ولم أجده في كتاب " الفِتن " لِنعيم بن حَمّاد .
    (24) تقريب التهذيب (ت 126) .
    (25) له ترجمة في " تاريخ ابن يونس " ، وطبقات الفقهاء ، وطبقات الشافعيين ، وتاريخ الإسلام ، وليس فيها له جَرْح ولا تعديل .
    (26) تاريخ ابن معين (رواية الدوري) (3/363) .
    (27) التاريخ الكبير ، البخاري (8/218) . ويُنظَر : الجرح والتعديل ، ابن أبي حاتم (9/85) ، و الكامل في ضعفاء الرجال ، ابن عدي (8/400) .
    (28) تقريب التهذيب (ت 3522) .
    (29) المرجع السابق (ت 3092) .
    (30) البداية والنهاية (10/682) .
    (31) ميزان الاعتدال ، الذهبي (2/498) ، وأوْرَده في " المغني في الضعفاء " (1/353) .
    (32) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي (7/304) .
    (33) المرجع السابق (10/67) .
    (34) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (11/346) .
    (35) هناك أكثر من راو بهذا الاسم ، ولم يتميّز لي أيهم هو ؛ إذ لم أقف على راو بهذا الاسم يروي عن عوانة .
    (36) تاريخ الإسلام ، الذهبي (9/555) .
    (37) سير أعلام النبلاء (7/201) .
    (38) انظر : لسان الميزان (6/244) .
    (39) تاريخ الإسلام ، الذهبي (9/556) .
    (40) سير أعلام النبلاء ، الذهبي (7/201) .
    (41) البداية والنهاية (10/502) وما بعدها . وانظر : العواصم من القواصم، ابن العربي(ص 172) .
    (42) تقريب التهذيب (ت 7166) .
    (43) المرجع السابق (ت 2286) .
    (44) تاريخ علماء الأندلس ، ابن الفرضي (2/19) .
    (45) ميزان الاعتدال (4/59) و سير أعلام النبلاء (13/446) .
    (46) تاريخ الإسلام ، مرجع سابق (7/721) . ولم أرَ مَن ذَكَره بِجَرْح أو تعديل .
    (47) تاريخ علماء الأندلس ، ابن الفرضي (1/73 ، 74) .
    (48) انظر : الكامل في التاريخ ، ابن الأثير (3/219) .
    (49) الاستيعاب ، مرجع سابق (4/1921) .
    (50) تقريب التهذيب (ت 8694 ) .
    (51) تاريخ بغداد (2/531) .
    (52) لم أقف له على ترجمة .
    (53) تقريب التهذيب (ت 78) . ويُنظَر : ميزان الاعتدال ، مرجع سابق (1/118) .
    (54) ميزان الاعتدال ، مرجع سابق (4/304) .
    (55) المجروحين (3/91) .
    (56) الكامل في ضعفاء الرجال ، ابن عدي (7/241) .
    (57) ميزان الاعتدال ، مرجع سابق (3/419) .
    حساب مشكاة الفتاوى في تويتر:
    https://twitter.com/al_ftawa

    :::::::::::::::::::::

    هل يجوز للإنسان أن يسأل عمّا بدا له ؟ أم يدخل ذلك في كثرة السؤال المَنهي عنها ؟
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=98060


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    22 - 4 - 2003
    المشاركات
    4,994
    الأثر دِرايــة :

    لو صحّت رِواية مِن هذه الروايات فإنه يَرِد عليها أمور ، منها :

    الأول : أن هذا مِن قول أم سَلمة رضي الله عنها ، وهو قول ليس بِحُجّة مع مُخالفَة سائر الصحابة له ؛ فإن الصحابة اجتمعوا على بيعة معاوية رضي الله عنه ، ولم يصِفها أحدٌ منهم بأنها بيعة ضلالة .
    ولَمّا تنازل الحسن بن عليّ رضي الله عنهما عن الخلاف لِمعاوية سنة 41 هـ ، سُمّي ذلك العام " عام الجماعة " لاجتماع الناس فيه على خلافة معاوية .

    والثاني : أن ذلك قد يَكون صَدَر مِن أم سَلَمة في أوّل الأمر حينما أُخِذت البيعة لِمعاوية رضيَ اللّهُ عنه في أثناء خِلافة عليّ رضيَ اللّهُ عنه . فإن قُدوم بُسْر بن أبي أرطاة المدينة كان في زَمَن خلافة علي رضيَ اللّهُ عنه . فإن أكثر المؤرِّخين على أن ذلك كان في سَنة أربعين من الهجرة ، ومنهم مَن يَجعله بَعْدَ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ ، وكان تَحْكِيم الْحَكَمَيْنِ في سَنة سَبْعٍ وَثَلاثِينَ ، كما تقدّم .
    فهذا كلّه يدلّ على أن المقصود بالبيعة ما كان في زَمَن خِلافة عليّ رضيَ اللّهُ عنه .

    والثالث : أنه لو ثَبَتت الرواية لَكان المقصود بالضلال هنا : مُخالفة الحق ، أوْ الغَفْلَة عنه ، كما قال تعالى على لسان نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام : (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)[الشعراء:20] ، وقال عن نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم : (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى)[الضحى:7] .
    قال القرطبي : أَيْ غَافِلا عَمَّا يُرَادُ بِكَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ ، فَهَدَاكَ ، أَيْ : أَرْشَدَكَ . وَالضَّلالُ هُنَا بِمَعْنَى الْغَفْلَةِ ، كَقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى)[طه: 52] أَيْ : لا يَغْفُلُ ، وَقَالَ فِي حَقِّ نَبِيِّهِ : (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)[يوسف:3] (1) .
    وَضَلَّ الشَّيْء : إِذا خَفِي وَغَابَ (2) .
    ومُبايَعة أكثر مِن إمام في وقت واحد خِلاف الحق ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَ (3) .

    الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن بن علي رضي الله عنهما : إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يُصْلِح به بين فئتين عظيمتين مِن المسلمين (4) .
    وهذا قد وَقَع سنة إحدى وأربعين مِن الهجرة .
    " واجتمع الناس عَلَيْهِ حين بايع لَهُ الْحَسَن بْن علي وجماعة ممن معه، وذلك فِي ربيع أو جمادى سنة إحدى وأربعين، فيسمى عام الجماعة " (5) .

    فلو كانت بيعة ضلالة ، لم يكن الحسن بن علي رضي الله عنهما يتنازَل لمعاوية رضي الله عنه عن الخلافة ، ولَمَا وَصَف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفئتين بأنهما عَظِيمَتَان ، وبأنهما مِن المسلِمِين .

    الخامس : أن الناس قد اجتمعوا على بيعة معاوية رضيَ اللّهُ عنه سَنة 41 مِن الهجرة ، فاجْتَمعوا بعد افتراق ، واتّفقوا على خلافة معاوية رضيَ اللّهُ عنه بعد اختلاف .
    قيل لنافع : مَا بال ابْن عُمَر بايع مُعَاوِيَة . ولم يُبَايِع عَلِيًّا ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْن عُمَر لا يعطي يدا فِي فرقة، ولا يمنعها من جماعة، ولم يبايع مُعَاوِيَة حَتَّى اجتمعوا عَلَيْهِ (6) .

    السادس : ما ذَكَره ابن حزم : لَو كَانَ الأَمر فِي الإِمَامَة على مَا يَقُول هَؤُلاءِ السخفاء لَمَا كان الحسن رضي الله عنه في سَعَة مِن أن يُسْلِمْها لمعاوية رضي الله عنه فيعينه على الضلال وعلى إبطال الحق وهَدْم الدِّين ، فيكون شريكه في كل مظلمة، ويبطل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُوافقه على ذلك الحسين أخوه رضي الله عنهما فما نقض قط بيعة معاوية إلى أن مات، فكيف اسْتَحَلّ الحسن والحسين رضي الله عنهما إبطال عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما طائعين غير مكرهين؟ ... فلولا أَنه رأى بيعَة مُعَاوِيَة حَقًا لَمَا سلمهَا لَهُ ، ولفعل كَمَا فعل بِيَزِيد إِذْ وَلي يزِيد هَذَا مَا لا يَمْتَرِي فِيهِ ذُو إنصاف . هَذَا وَمَعَ الْحسن أَزِيد مِن مائَة ألف عَنان يَمُوتون دونه ؛ فتالله لَوْلا أَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ علم أَنه فِي سَعَة من إسْلامهَا إِلَى مُعَاوِيَة وَفِي سَعَة من أَن لا يُسَلِّمهَا لَمَا جَمَع بَين الأَمريْنِ: فَأَمْسكهَا سِتَّة أشهر لنَفسِهِ ، وَهِي حَقه ، وَسلَّمهَا بعد ذَلِك لغير ضَرُورَة، وَذَلِكَ لَهُ مُبَاح ، بل هُوَ الأَفْضَل بِلا شكّ ؛ لأَن جده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد خطب بذلك على الْمِنْبَر بِحَضْرَة الْمُسلمين ، وأراهم الْحسن مَعَه على الْمِنْبَر ، وَقَالَ : إن ابْني هَذَا لسَيِّد ، وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين طائفتين عظيمتين من الْمُسلمين ...
    وَلَقَد امْتنع زِيَاد وَهُوَ فقعة القاع (7) لا عشيرة وَلا نسب وَلا سَابِقَة وَلا قدم ، فَمَا أطاقه مُعَاوِيَة إِلاَّ بالمداراة حَتَّى أرضاه وولاّه .
    فَإِن ادَّعوا أَنه قد كَانَ فِي ذَلِك عِنْد الْحسن عهد فقد كفرُوا ؛ لأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لا يَأْمر أحدا بالعون على إطفاء نور الإِسْلام بالْكفْر وعَلى نقض عهود الله تَعَالَى بِالْبَاطِلِ عَن غير ضَرُورَة وَلا إِكْرَاه (8) .

    السابع : أن الصحابة رضيَ اللّهُ عنهم قد أثْنَوا على معاوية رضيَ اللّهُ عنه .
    قَالَ ابنُ عُمَر : مَا رأيت أحدًا بعد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسْوَد من مُعَاوِيَة . فقيل لَهُ : فأبو بَكْر، وَعُمَر، وعثمان، وعلي ؟ فَقَالَ: كانوا والله خيرًا مِن مُعَاوِيَة ، وَكَانَ مُعَاوِيَة أسْوَد منهم (9) .
    قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ. قال: تَفْسِيرُهُ : أَسْخَى مِنْهُ(10)
    وقال ابن الأثير : قِيلَ : أرادَ أسْخَى وأعْطى لِلْمَالِ .
    وَقِيلَ : أحْلَم مِنْهُ . والسَّيِّدُ يُطْلق عَلَى الربِّ والمالِك ، والشَّرِيف ، والفاَضِل، والكَرِيم ، والحَليِم ، ومُتَحمِّل أذَى قَومِه ، والزَّوج ، وَالرَّئِيسِ ، والمقدَّم . وَأَصْلُهُ مِنْ سَادَ يَسُودُ (11) .
    وقال ابن عَبَّاسٍ رضيَ اللّهُ عنهما : مَا رَأَيْتُ رَجُلا كَانَ أَخْلَقَ لِلْمُلْكِ مِنْ مُعَاوِيَةَ (12)

    بَل قد جَعَل السَّلَف معاويةَ رضيَ اللّهُ عنه سِتْر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضيَ اللّهُ عنهم .
    حَدَّث عثمان بْن سعيد قَالَ : سمعت الربيع بْن نافع يقول : معاوية بْن أَبِي سفيان سِتر أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فإذا كَشَف الرَّجُل السِّتر اجترأ على ما وراءه (13) .
    وروى الخلال في كتاب " السنة " (14) عن أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : أَقُولُ: مُعَاوِيَةُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَابْنُ عُمَرَ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مُعَاوِيَةُ أَخُو أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَحِمَهُمَا، وَابْنُ عُمَرَ أَخُو حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَحِمَهُمَا، قُلْتُ: أَقُولُ : مُعَاوِيَةُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ : نَعَمْ " .
    وقال الخلال : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : جَاءَنِي كِتَابٌ مِنَ الرَّقَّةِ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا : لا نَقُولُ : مُعَاوِيَةُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، فَغَضِبَ وَقَالَ : مَا اعْتِرَاضُهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، يُجْفَوْنَ حَتَّى يَتُوبُوا (15).


    إشكال وجوابه :
    فإن قيل : إن بَيعة مُعاوية رضيَ اللّهُ عنه كانت بَيعة ضلالة في بادئ الأمر ، فهل تكون بعد ذلك بيعة شرعية ؟
    فالجواب : أن الأمر قد استتبّ له بعد ذلك ، وبُويِع باجتماع الناس عليه ، ومَن اسْتَتبّ له الأمر مِن خُلفاء المسلمين ، فقد أصبح خليفة ، لا تَجوز مُنازعته ؛ لِمَا في ذلك مِن المفاسِد .

    وقد نَصّ أهل العلم على أن الحاكِم إذا تغلّب على البلاد وَجَبتْ طاعته ، جَمْعا للكلِمة ، ودَرْءًا للفتنة ، وحَقْنا لِدماء المسلمين .
    قال الخرقي: وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إمَامٍ ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَطْلُبُ مَوْضِعَهُ، حُورِبُوا، وَدُفِعُوا بِأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُونَ بِهِ (16) .
    قال ابن قدامة : وَجُمْلَةُ الأَمْرِ أَنَّ مَنْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ، ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ، وَوَجَبَتْ مَعُونَتُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالإِجْمَاعِ، وَفِي مَعْنَاهُ، مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِعَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِعَهْدِ إمَامٍ قَبْلَهُ إلَيْهِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى بَيْعَتِهِ،، وَعُمَرَ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إلَيْهِ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِهِ .
    وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الإِمَامِ، فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ، وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ، وَبَايَعُوهُ، صَارَ إمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ، وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا، حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكُرْهًا، فَصَارَ إمَامًا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ، وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ (17) .
    وقال الشيخ الشنقيطي : فاعلم أن الإمامة تنعقد له بأحَدِ أمور :
    الأول : ما لو نَصّ صلى الله عليه وسلم على أن فلانا هو الإمام ، فإنها تَنْعَقِد له بذلك . وقال بعض العلماء : إن إمامة أبي بكر رضي الله عنه من هذا القَبيل ؛ لأن تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في إمامة الصلاة - وهي أهم شيء - فيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى ، وهو ظاهر .
    الثاني : هو اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته . وقال بعض العلماء : إن إمامة أبي بَكر منه لإجماع أهل الحل والعقد مِن المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف .
    الثالث : أن يَعْهَد إليه الخليفة الذي قبله ، كما وقع من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما . ومن هذا القبيل جَعْل عمر رضي الله عنه الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو عنهم راض .
    الرابع : أن يتغلّب على الناس بِسَيفه ، ويَنْزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر ، وتَدِين له الناس ، لِمَا في الخروج عليه حينئذ من شقّ عصا المسلمين ، وإراقة دمائهم .
    قال بعض العلماء : ومِن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير وقَتْله إياه في مكة على يَدِ الحجاج بن يوسف ؛ فاستتبّ الأمر له (18) .

    ويُؤكِّد هذا فِعْل الصحابة رضيَ اللّهُ عنهم دَرْءًا للفِتنة .
    قَال عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ : لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ المَلِكِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : إِلَى عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ ا َلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، فِيمَا اسْتَطَعْتُ ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ (19) .

    والبحث بالمرفقات على ملف (word)

    كتبه فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
    عضو مكتب الدعوة والإرشاد


    __________________________________
    (1) الجامع لأحكام القرآن (20/96) .
    (2) جمهرة اللغة ، ابن دُريد (1/147) .
    (3) رواه مسلم (ح 1853) .
    (4) رواه البخاري (ح 2704) .
    (5) الاستيعاب ، مرجع سابق (3/1418) .
    (6) الاستيعاب ، مرجع سابق (3/1418) .
    (7) فَقْعة القاع : يُقال لمن لا أصل له ، هو فَقْعة بِقَاع ، وذلك لأن الفقعة لا عروق لها ولا أغصان ، والفقعة الكمأة البيضاء . (الكامل في اللغة والأدب 3/130) .
    (8) الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ابن حزم (4/86) .
    (9) رواه ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (ح 516) ، والخَلال في " السُّنَّة " (ح 678) ، والبغوي في " معجم الصحابة " (5/369) ، والخرائطي في " مكارم الأخلاق " (ح 544) ، والطبراني في الكبير (ح 13432) والأوسط (ح 6759) ، واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " (8/1529) .
    وانظر : الاستيعاب ، ابن عبد البر (3/1418) .
    (10) رواه الخَلال في " السُّنَّة " (2/441) .
    (11) النهاية في غريب الحديث والأثر (2/418) .
    (12) رواه معمر بن راشد في " الجامع " (ح 20985) ، ومِن طريقه : ابن سعد (الجزء المتمم لطبقات ابن سعد ص 121) ، والخَلال في " السُّنَّة " (ح 677)، والبغوي في " معجم الصحابة " (5/373) .
    (13) رواه الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " (1/577) ومِن طريقه : ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (59/209) .
    (14) (2/433) .
    (15) (2/434) .
    (16) متن الخرقى (ص 131) .
    (17) المغني (12/243) .
    (18) أضواء البيان (1/22 ، 23) .
    (19) رواه البخاري (ح 7205) .
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    حساب مشكاة الفتاوى في تويتر:
    https://twitter.com/al_ftawa

    :::::::::::::::::::::

    هل يجوز للإنسان أن يسأل عمّا بدا له ؟ أم يدخل ذلك في كثرة السؤال المَنهي عنها ؟
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=98060


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •