أسعدك الله ورضي الله عنك وأرضاك وجعلك الله مباركا أينما كنت
سمعت مقطعا يحكي فيه الواعظ عن الحصول على رضا الناس وذكر أن الحصول على رضا الناس يكون شرطه رضا الله تعالى ، وأن الإنسان عليه أن يسأل الله رضاه فقط ، فإذا رضي الله تعالى سيرضي عنه الناس
ونصح بهذه النصيحة زوجةً مهما أحسنت لزوجها فهو لا يعجب زوجها ولا يرضيه ، فقال : اسألي الله تعالى رضاه فإذا رضي أرضى عنك زوجك ، والله تعالى قال (جعل بينكم مودة ورحمة) فالله الذي يجعل ولا يملك أحد أن يقيم هذه المودة مهما عمل
فما رأي فضيلتك في مثل هذا ؟
وهل كسب قلوب الناس يكون بلا عملٍ يُقدّم لهم ، وأن رضا الله وحده عن العبد كفيل بأن يجعله الله سببا لحب الناس ؟
وهل هناك بأس لو قال الإنسان أريد رضا الله عني ونصيبي من الدنيا ؟
وشكر الله لك وأعلى شأنك وفتح لك من الخير ما لم تحتسب



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

أولاً : لا تصلح كل قضية أو حادثة مُعيّنة أن تكون قاعدة عامة ؛ لأنه قد يقع في قضية مُعينة أسباب أو تَحْتَفّ بها أمور تجعل ذلك الْحَلّ هو المناسب لتلك القضية دون غيرها .
وقد تكون هذه النصيحة نَفَعَت مع زوج بِعَيْنِه ، وقد تكون مَفْسَدة مع زوج آخر يَؤول أمْرها إلى الطلاق.
وهذا تقع فيه كثير من النساء عند إسداء النصح للنساء ، فإنها تنصحها بِما جرّبته مِن أسلوب ، وقد يكون فيه شِدّة ، أو عدم اهتمام ، أو غير ذلك ، وهذا قد يُوقِع بعض النساء في مُشْكِلات زوجية ، بسبب تعميم التجربة الخاصة !

ثانيا : غَفَل الْمُتحدِّث عن كون رضا الزوج مطلوب شَرْعا ، وهو عبادة تتقرّب بها المراة إلى ربها ، ورضا الزوج مِن رضا الله ، وسخَط الزوج مِن سَخط الله ، إذا كان بِحَقّ .
فقد قَرَن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة الزوج بِطاعة الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : إذا صلت المرأة خَمْسَها ، وصَامَتْ شهرها ، وحَفِظَتْ فرجها ، وأطاعَتْ زوجها ، قيل لها : أدخلي الجنة مِن أي أبواب الجنة شئت . رواه الإمام أحمد . وحسّنه الألباني والأرنؤوط .
وجَعل النبي صلى الله عليه وسلم سخط الزوج سَببًا لِسَخط الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبي عليه إلاَّ كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها . رواه مسلم .
وروى البخاري ومسلم مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته ، فَبَات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تُصْبِح .

وَحثّ النبي صلى الله عليه وسلم على طلَب رِضَا الزوج ، فقال : قال عليه الصلاة والسلام : ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة ؟ الودود الولود ، العَؤود على زوجها ، التي إذا آذَتْ أوْ أُوذِيت جاءت حتى تأخذ بِيَدِ زوجها ، ثم تقول : والله لا أذوق غمضا حتى ترضى . رواه النسائي في الكبرى ، وحسّنه الألباني .

بل جَعَل النبي صلى الله عليه وسلم الزوج هو طريق الجنة بالنسبة لِزوجته .
فقد أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم امرأةٌ في حاجة فلَمّا فَرَغَتْ مِن حاجتها قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أذات زوج أنت ؟ قالت : نعم . قال : كيف أنت له ؟ قالت : ما آلوه إلاَّ ما عجزت عنه . قال : فانظري أين أنت منه ، فإنما هو جنتك ونارك . رواه الإمام أحمد والنسائي في الكبرى .

فلا يصلح أن تُوصَى المرأة بأن لا تَطْلب رضا زوجها ، وتكتفي بِطلب رضا الله عزَّ وَجَلّ ؛ لارتباط الأمرين ارتباطا وثيقا .

ثالثا : خطأ الاستدلال بقوله تعالى : (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) على أن الله عزَّ وَجَلّ جَعَل بين الزوجين مودة ورحمة ، وأنه هو الذي جَعَل ، وأن الإنسان مهما عَمِل لا يملك أن يُقيم هذه المودَّة .
وذلك : لأن المودّة بين الزوجين وبَين الناس عموما لها أسباب ، فمن لم يأتِ بالأسباب لا تتحقق له المودّة ، وهذا أمر معروف ، أن المودّة والمحبة لها أسباب تُنال بها ، مع تقدير الله لِوُجود الْمَحَبَّة بين الزوجين خاصة وبين الناس عامة ، فتحصيل المحبّة مرتبِط بِفعل الأسباب ، كشأن سائر ما يُقدِّره الله ويجْعَل له أسبابًا يتحقق بها .
ولا يُعارِض هذا قوله عليه الصلاة والسلام : إن الْمِقَة من الله . رواه الإمام أحمد وغيره .
والْمِقَة هي المحبة .
فإن اصل المحبة مِن الله ، خاصة في محبة مَن لا تعرفه ولا تُعاشِره ، أما محبة مَن يُجالَس ويُعاشَر ، فلها أسباب تَجْلب الودّ وتُزيد المحبة ، ومن ذلك : الهديّة .
قال عليه الصلاة والسلام : تهادَوا تحابُّوا . رواه البخاري في " الأدب المفرد " ، وحَسّنه الألباني .

رابعا : كان عليه أن يُرشِد الزوجة إلى الأسباب المعينة على تحصيل رضا الله عزَّ وَجَلّ مع رضا الزوج ، مثل : التقوى ، وكثرة الاستغفار ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والصدقة ؛ فإن هذه من الأسباب التي تُجْتَلب بها المحبة ، ويُسْتَدْفَع بها سخَط الله عزَّ وَجَلّ وسَخَط خلقه .

قال ابن القيم رحمه الله : فإن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل مِن كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعا مِن البلاء، وهذا أمْرٌ معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مُقِرُّون به لأنهم جَرَّبُوه . اهـ .

كما أن مِن الأمور التي تُعالَج بها المشكلات الزوجية : أن يُبْحَث عن سِرّ الشِّقاق وسَبب الخلاف .
فإنه مِا مِن امرأة – في الغالب – تشكو زوجها إلاَّ وتقول : لم أُقصِّر معه في شيء !
فإذا فُتِّش في تفاصيل حياتها ومُعاملتها لِزوجها ، تبيَّن أنها مُقصِّرَة ، بل قد تكون مُسيئة !
فتُنْصَح المرأة أن تُفتِّش في سُلوكها وتعاملها ، وأن تُصغي لزوجها ، وتسْمَع منه ماذا يُريد ، وماذا يُحبّ ، وماذا يَكْرَه ؟
تسْمَع منه لأجل أن تفعل ما يُرضيه ، وتجتنب ما يُسخطه ، في كل حال ، وليس في حال رضاها فحسب ، أو في حال الرضا دون الغضب ، ولا في حال الْمَنْشَط دون الْمَكْرَه !
فإن مِن النساء مَن يُكرِّر عليها زوجها الكلام ويُعيده عليها كثيرا ، وهي مع ذلك لا تأبَه بِقَوله ، ولا تسْمَع له .
وهذا مِن أسباب سَخَط الزوج .
ومِن أسباب عدم رضا الزوج : أن المرأة تتجمِّل عند الخروج للمناساب ، ولا تتجمّل لِزوجها .
ومنها : أنها تحتفي بالنساء أو بِزيارة الأقارب ، فتُعِدّ المأكولات والمشروبات ، ولا تحتفي بِزَوْجِها ، بل تُهمِله نظرًا لِطول العشْرَة .

ولعل مِن أسباب ذلك : أن المرأة لا تستحضر أن حُسْن تبعّلها لِزوجها وقيامها بشؤونه ومُراعاة مَحابِّه: أنه عِبادة وقُرْبَة وطاعة لله عزَّ وَجَلّ .

ولا تعارُض بين هذه الأقوال وبين قوله عليه الصلاة والسلام : مَن الْتَمَس رضا الله بِسَخطِ الناس كَفَاه الله مُؤنة الناس ، ومَن الْتَمَس رضا الناس بسخط الله وَكَلَه الله إلى الناس . رواه الترمذي . وصححه الألباني .
فإننا لا نأمُر الزوجة أن تطلب رضا زوجها بِسَخط الله ، بل نأمُر الزوجدة أن تطلب رضا زوجها بالمعروف ، وفيما هو داخل تحت رضا الله عزَّ وَجَلّ .

ولا بأس لو قال الإنسان أُرِيد رِضا الله عني ونصيبي مِن الدنيا ؛ لأنه لا تعارُض بين طلب رضا الله عزَّ وَجَلّ وبين السعي في الأرض لينال الإنسان نصيبه مِن الدنيا ، فإن الله عزَّ وَجَلّ أمَر بِالسعي في الأرض للكَسْب .

وسبق :
لماذا عَظُم حق الزوج على زوجته ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=89176

ذهبت ربّات البيوت بالأجور
http://www.saaid.net/Doat/assuhaim/12.htm

إذا هَـبَّتْ رياحُك فاغْتَنِمْها
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=41363

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد