هل الثلث الأخير من الليل كله وقت للاستغفار ؟
وجزاك الله خيرا



الجواب :
وجزاك الله خيرا .

بل حياة المسلم كلها مجالا للاستغفار .
فإن النبي صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أكملُ الناسِ وأفضلُ الناسِ وأخشاهُم للهِ ، وقَدْ غُفِرَ لهُ ما تقدّمَ مِن ذنبِهِ وما تأخَّرَ ، ومع ذَلِكَ كَانَ مِنْ أكثرِ الناسِ ذِكْرا واستغْفارا .
قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ : إنه لَيُغانُ على قَلْبي ، وإنِّي لأستغفرُ اللهَ في اليومِ مائةَ مَرَّةٍ . رَوَاهُ مَسْلِمٌ .
قَالَ النوويُّ : والمرادُ هُنا ما يَتَغَشَّى القلبَ . اهـ .

وفي حديثِ ابنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : يا أيَّها الناسُ توبوا إلى اللهِ ، فإنِّي أتوبُ في اليومِ إليه مائةَ مرةٍ . رَوَاهُ مَسْلِمٌ .
وفي روايةٍ : إنْ كُنّا لَنَعُدُّ لرسولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في المجلسِ الواحِدِ مائةَ مرةٍ : ربِّ اغفرْ لي وتُبْ عليَّ إنك أنتَ التوابُّ الرَّحيمُ . رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه .

وفي حديثِ أبي هريرةَ قَالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يقولُ : واللهِ إنِّي لأستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليومِ أكثرَ مِنْ سبعينَ مرةٍ . رَوَاهُ البُخاري .

وأما أفضل الأوقات للاستغفار ، فَثُلُث الليل الآخِر ؛ لِقوله عليه الصلاة والسلام : يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي ، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ . رواه البخاري ومسلم .

ولِقوله عليه الصلاة والسلام : أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرّبّ مِنَ العَبْدِ في جَوْفِ اللّيْلِ الآخِرِ ، فإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمّنْ يَذْكُرُ الله في تِلْكَ السّاعَةِ فَكُنْ . رواه الترمذي والنسائي في الكبرى وابن خزيمة والحاكم والطبراني في مسند الشاميين ، وابن عبد البر في التمهيد ، وقال : وهو حديث صحيح ، وطُرُقه كثيرة حِسَان شامية .

ووقت السحر أفضل ؛ لقوله تعالى : (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، ولقوله تعالى : (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) .
قال ابن كثير : فَإِنْ كَانَ الاسْتِغْفَارُ فِي صَلاةٍ ، فَهُوَ أَحْسَنُ . اهـ .

ووقت السحر قبل الفجر بِسَاعَة تقريبا .

قَالَ نَافِع : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَّيْلَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا ؟ فَأَقُولُ لا . فَيُعَاوِدُ الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم ،فهو يَسْتَغْفِرُ .

وروى مُحَارِب بن دِثار عن عمّه أنه كان يأتي المسجد في السَّحَر ، ويَمُرّ بِدَارِ ابن مسعود ، فسمعه يقول : اللهم إنك أمَرْتَني فأطَعْتُ ، ودَعَوتني فأجَبْتُ ، وهذا سَحَر فاغْفِر لي . فَسُئل ابن مسعود عن ذلك ، فقال : إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخَّرَ الدعاء لِبَنِيه إلى السَّحَر ، فقال : (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) .

وقال القسطلاّني في قوله تعالى : (وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، أي : أنهم مع قِلّة هجوعهم وكثرة تَهَجُّدهم إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الاستغفار ، كأنهم أسْلَفُوا في لَيْلِهم الجرائم .

وسبق :
الاستغفار وجلب الخيرات والبركات
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=36892

والله تعالى أعلم .
المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد