بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك ربي فيكم شيخنا الفاضل. ما معنى هذا الحديث إن صح (من ترك ديناً أو ضياعاً عليّ وإليّ ومن ترك مالاً فلورثته )
وفتح الله عليكم فتوح العارفين وجزاكم الله خير



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .

الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا ، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ .
وفي رواية للبخاري : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ : هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا ؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ : أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ؛ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ .
وفي رواية لمسلم : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ ، وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالاً فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ .
وفي حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ؛ مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلأَهْلِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَىَّ وَعَلَيّ . رواه مسلم .
ومعنى هذا أن مَن تَرَك دَيْنًا وليس له وفاء أن وفاء دَينِه مِن بيت مال المسلمين .

قال الخطابي : هذا فيمن ترك دَينا لا وفاء له في مَالِه ، فإنه يُقْضَى دينه من الفيء ، فأما مَن تَرك وفاء فإن دَينه مَقْضِيّ منه ، ثم بَقِيّة مَالِه بعد ذلك مقسومة بين وَرَثته . والضَيَاع اسم لكل ما هو مُعَرَّض أن يَضيع إن لم يُتَعَهّد كالذرية الصغار والأطفال ، والزمنى الذين لا يقومون بكل أنفسهم وسائر مَن يَدخل في معناهم ...
وكان الشافعي يقول : ينبغي للإمام أن يُحْصِي جميع مَن في البلدان مِن المُقَاتِلة ، وهم مَن قد احتلم أو استكمل خمس عشرة سَنة مِن الرجال ، ويُحْصِي الذّرية ، وهي من دون المُحْتَلِم ودون البالغ ، والنساء صغيرتهن وكبيرتهن ، ويعرف قَدر نفقاتهم وما يحتاجون إليه في مُؤناتهم بِقَدْر مَعَايش مثلهم في بلدانهم ، ثم يُعْطِي المُقَاتِلة في كل عام عطاءهم . والعطاء الواجب مِن الفيء لا يكون إلاّ لبالغ يُطِيق مثله الجهاد ، ثم يُعْطِي الذرية والنساء ما يكفيهم لِسَنَتِهم في كُسوتهم ونَفَقتهم . . اهـ .

وقال ابن عبد البر : لأن للفقراء والغارمين حقا في بيت المال في الصدقات . اهـ .

وقال النووي : قال أهل اللغة : الضياع - بِفَتح الضاد - العيال . قال ابن قتيبة : أصله مصدر ضَاع يَضيع ضياعا ، المراد : مَن تَرك أطفالا وعِيالا ذَوي ضَياع .

وقال شيخنا العلامة الشيخ عبد الكريم الخضير - حفظه الله ووفقه - في شرح قوله عليه الصلاة والسلام : " مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا " :
الأصل أنه لا يحتاج مُسلم وفي بيت المال دِينار . وهل يلزم وليّ الأمر تسديد الدَّين عن المدينين ؟
قال حفظه الله : الدُّيون التي لَزِمَتْ أصحابها مِن غير تكثّر لا يبعُد القول بالوجوب .
وقال وفقه الله : الكَلّ : الثّقل مِن دَين وعِيال .

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد