السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما رأي فضيلتك في مَن يقول أنَّ ضرب الزوجة الناشز الذي في الآية (وَاضْرِبُوهُنَّ ) تعني المفارقة والمُباعدة ، ولا تعني الضرب البدني ؟
ويستشهدون بمواضِع ذِكر كلمة ( ضرب ) في القرآن الكريم وأنها لم تأتِ بمعنى الإيذاء البدني ، وإنما جاءت بمعنى المُباعدة ، ويستشهدون بأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ( لا تضربوا إماء الله ) ، وأنه عليه الصلاة والسلام لَمّا غضب على زوجاته هجرهنَّ شهرًا ولم يضربهنَّ
فهل يصِحّ تفسير (وَاضْرِبُوهُنَّ ) بمعنى ابتعدوا عن زوجاتكم حتى يتأدبن ؟



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا .

هذا مِن تَحْرِيفات وتخريفات الانهزاميين !!

وَهُم أوْلَى بِوَصْف التخّلف
فإن أحدهم يقول عن مُفسّري الأمة : (فما توفَّر دائما للمفُسِّر العِلمُ ورجاحةُ العقل ولا سيما في العصور الخوالي التي سادها ظلام التخلف) .
وأي تَخَلُّف وظلام أشدّ مما فيه مَن يتخبّط في تفسير القرآن بانهزامية ، حتى لا نظهر أمام الغرب الكافر بِمظهر مَن يؤمنون أن ضَرْب النساء جاء في القرآن !!

ومما استدلّوا به قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى) وفسّروا الضرب هنا بأن يَفْرُق لهم طريقا ، ومِن العجيب أنهم استدلّوا على ذلك بقول تعالى : (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) ، وهذا صريح في أنه ضَرْب بالعَصا . فأوّلوه على أنه باعَد بين جانبي الماء !
وما فائدة الضرب بالعصا حينئذ ؟؟

وأما الضرب في آية النساء فهو على ظاهره .
وهو آخر علاج ، فالمرأة التي ترجِع عن نشوزها بالوَعْظ ، لا يَجوز أن تُهْجَر فضلا عن أن تُضْرَب ، والتي تنتفع بالهَجْر في الفراش ، لا يَجوز أن تُضْرَب ، والتي لا يُجدي معها وعْظ ولا هَجْر ، يَجوز أن تُضْرَب ضَرْبا غير مُبرّح ، مع أن تَرْك الضرب أوْلى .
فالله عَزّ وَجَلّ جَعَل علاج النشوز والترفّع بالتدرّج .
قال تعالى : (وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) .
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : هَذِهِ الأَفْعَالُ عَلَى تَرْتِيبِ الْجَرَائِمِ، فَإِنْ خَافَ نُشُوزَهَا بِأَنْ ظَهَرَتْ أَمَارَتُهُ مِنْهَا مِنَ الْمُخَاشَنَةِ وَسُوءِ الْخُلُقِ ، وَعَظَهَا، فَإِنْ أَبْدَتِ النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ ضَرَبَهَا .

وكيف أن الله خَتَم الآية بقوله : (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا) ، فليست المسألة تَسَلُّط ، وإنما هي أدَب وعلاج ، فمتى ما استقامت المرأة ، فلا يَجوز ظلمها ،
قال القرطبي : قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أَيْ تَرَكُوا النُّشُوزَ (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) أَيْ : لا تَجْنُوا عَلَيْهِنَّ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ . وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ ظُلْمِهِنَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ الْفَضْلِ عَلَيْهِنَّ وَالتَّمْكِينِ مِنْ أَدَبِهِنَّ . اهـ .

وخَتَم الله عَزّ وَجَلّ الآية بقوله : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) .
قال القرطبي : قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) إِشَارَةٌ إِلَى الأَزْوَاجِ بِخَفْضِ الْجَنَاحِ وَلِينِ الْجَانِبِ، أَيْ : إِنْ كنتم تقدرون عَلَيْهِنَّ فَتَذَكَّرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ ، فَيَدُهُ بِالْقُدْرَةِ فَوْقَ كُلِّ يَدٍ . فَلا يَسْتَعْلِي أَحَدٌ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَاللَّهُ بِالْمِرْصَادِ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الاتِّصَافُ هُنَا بِالْعُلُوِّ وَالْكِبَرِ . اهـ .

فالضَّرْب أشْبَه شيء بالْكَيّ ، فهو علاج أخير ، وإن كان مَنْهِيًّا عنه .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال : الشِّفَاءُ فِي ثَلاثَةٍ : فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ . رواه البخاري .
وفي حديث جابر : إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ ، فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ . رواه البخاري ومسلم .
وَوُجِد مَن اكْتَوَى .
قال عمران بن حصين : وقد كان يُسَلّم عليّ حتى اكتويت فتركت ثم تَركت الكيّ فَعَاد . رواه مسلم .

وضَرْب النساء الوارِد في القرآن مثل ذلك ، مَنْهِي عنه ابتداء ، ويُشْرَع بِقَدْر الحاجة ، وهو مضبوط بِضوابِطه ، بحيث لا يَكون مُبرِّحًا ، ولا يكسر ولا يَجرح ، ولا يَكون في الوَجْه .

وَإنما فَرُّوا مِن إثبات الضرب ، لأنهم تَخَيَّلُوه ضَرْبًا مُبَرِّحا .

والقرآن والسنة لم يأت فيهما الإذن بالضَّرْب الْمُبَرِّح حتى في حق شارب الخمر !
ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : أُتِي النبي صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قد شَرِب . قال: اضربوه . قال أبو هريرة : فَمِنّا الضَّارِب بِيَدِه ، والضَّارِب بِنَعْلِه ، والضَّارِب بِثوبه ، فلما انصرف قال بعض القوم : أخزاك الله . قال : لا تقولوا هكذا ، لا تُعِينُوا عليه الشيطان . رواه البخاري .

وإنما يكون الضرب في الأدب والتربية بِقَدْر الْجُرْم ، فإذا زاد اقْتُصّ من المؤدِّب يوم القيامة .
جاء رَجُل إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كفَافًا، لا لَكَ وَلا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الفَضْلُ . قَالَ: فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ ؟ (وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ) الآيَةَ ". فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَهُمْ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ . رواه الإمام أحمد والترمذي ، وصحح الألباني إسناده .

وقال قال أبو مسعود البدري : كنت أضرب غُلاما لي بالسوط ، فسمعت صوتا مِن خَلْفِي : اعلم أبا مسعود ، فلم أفهم الصوت مِن الغضب . قال : فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو يقول : اعلم أبا مسعود . اعلم أبا مسعود . قال : فألْقَيت السوط مِن يدي ، فقال : اعلم أبا مسعود أن الله أقْدَر عليك منك على هذا الغلام . قال : فقلت : لا أضرب مملوكا بعده أبدًا
وفي رواية : فقلت يا رسول الله هو حُرٌّ لِوَجْه الله ، فقال : أمَا لو لم تفعل للَفَحَتْك النار ، أو لَمَسَّتْك النار . رواه مسلم .

وروى الإمام مسلم عن سويد بن مقرن رضي الله عنه قال : لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن مالنا خادم إلاَّ واحدة لطمها أصغرنا ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعتقها .

وفي رواية : لقد رأيتني وإني لسابع إخوة لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لنا خادم غير واحد فَعَمِدَ أحدنا فَلَطَمَهُ ، فأمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُعتقه .

وضَرْب الزوجة ضَرْب تأديب ، لا يَكون ضَرْب انتقام ولا ضَرْب تشفِّي .
قال عطاء : قلت لابن عباس : ما الضَّرْب غير الْمُبَرِّح ؟ قال : بالسِّواك ونحوه .
وقال قتادة في قوله : " ضربًا غير مبرح " ، قال : يعنى غير شائن .
وقال الحسن : غير مؤثر .
وقد نصّ العلماء على أن الضرب الذي أُذِن فيه : أن لا يكون شديدا ، ولا يكون على الوَجْه .

ومما يدُلّ على أن الضَّرْب المذكور في آية النساء : أنه الضَّرب المعروف ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يُوطِئن فُرُشَكم أحدًا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضْرِبُوهنّ ضَرْبا غير مُبَرِّح . رواه مسلم .

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ فقال : أن تُطعمها إذ طَعمت ، وتَكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت ، ولا تَضْرِب الوَجْه ولا تُقَبِّح ، ولا تَهجر إلاَّ في البيت . قال أبو داود : " ولا تُقبح " أن تقول : قَبَّحك الله . رواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى ، وصححه الألباني ،وقال الأرنؤوط : إسناده حسن .
وهذا ما فهمه الأئمة ؛ فقد بوّب عليه الإمام النسائي : تَحْرِيمُ ضَرْبِ الْوَجْهِ فِي الأَدَبِ .

وقال البهوتي في " كشاف القناع" : وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ بِأَنْ تَتَثَاقَلَ إذَا دَعَاهَا ، أَوْ تَتَدَافَعَ إذَا دَعَاهَا إلَى الاسْتِمْتَاعِ ، أَوْ تُجِيبَهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً ، وَيَخْتَلُّ أَدَبُهَا فِي حَقِّهِ : وَعَظَهَا بِأَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَقّ ، وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الإِثْمِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَمَا يَسْقُط بِذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَمَا يُبَاح لَهُ مِنْ هَجْرِهَا وَضَرْبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ) .

فَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الطَّاعَةِ وَالأَدَبِ حُرِّمَ الْهَجْرُ وَالضَّرْبُ ؛ لِزَوَالِ مُبِيحِهِ ، وَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَظْهَرَتْ النُّشُوزَ بِأَنْ عَصَتْهُ وَامْتَنَعَتْ مِنْ إجَابَتِهِ إلَى الْفِرَاشِ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لا تُضَاجِعَهَا فِي فِرَاشِكَ . وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

وَهَجْرُهَا فِي الْكَلامِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا فَوْقِهَا ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ . وَالْهَجْرُ ضِدَّ الْوَصْلِ ، وَالتَّهَاجُرُ التَّقَاطُعُ ، فَإِنْ أَصَرَّتْ وَلَمْ تَرْتَدِع بِالْهَجْرِ ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَاضْرِبُوهُنَّ) .

فَيَكُونُ الضَّرْبُ بَعْدَ الْهَجْرِ فِي الْفِرَاشِ وَتَرْكِهَا مِنْ الْكَلامِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، أَيْ : غَيْرَ شَدِيدٍ ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ يَرْفَعُهُ : " لا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُضَاجِعْهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ " . وَيَجْتَنِبُ الْوَجْهَ تَكْرِمَةً لَهُ ، ويَجْتَنِبُ الْبَطْنَ وَالْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةَ خَوْفَ الْقَتْلِ .

وَيَجْتَنِبُ الْمَوَاضِعَ الْمُسْتَحْسَنَةَ ؛ لِئَلا يُشَوِّهَهَا، وَيَكُونُ الضَّرْبُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَأَقَلَّ ...

وَفِي التَّرْغِيبِ وَغَيْره : وَالأَوْلَى تَرْكُ ضَرْبِهَا إبْقَاءً لِلْمَوَدَّةِ .
وذَكَرَ قولاً أنه يَضْرِبُهَا بِمِخْرَاقٍ ، وَهُوَ مَنْدِيلٌ مَلْفُوفٌ ، لا بِسَوْطٍ وَلا بِخَشَبٍ ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّأْدِيبُ وَزَجْرُهَا ، فَيَبْدَأُ فِيهِ بِالأَسْهَلِ فَالأَسْهَل . اهـ .

وقولهم : " وَيَكُونُ الضَّرْبُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَأَقَلَّ "
هذا على افتراض أنه ضربها بالسوط لعقوبة تُناسب الضرب به ، لم يَجُز له أن يُجاوز عشرة أسواط .

وتأويل ضَرْب النساء الوارد في القرآن بِغير الضرب المعروف لَم يَقُل به أحدٌ مِن السلف ، بل أقوالهم على إثبات الضرب المعروف ، غير الْمُبرِّح ، وهو مَحَلّ إجماع مِن علماء الأمة .

وهذا ما جاءت به السنة ، كما تقدَّم ، والسُّنَّة تُفسِّر القرآن .

قال الإمام البخاري : بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ . وَقَوْلِ اللَّهِ : (وَاضْرِبُوهُنَّ) : أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ .
ثم روى بإسناده إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ اليَوْمِ .

قال شمس الدين ابن قدامة في " الشرح الكبير" : ولا يزيد في ضربها على عشرة أصوات ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يُجْلَد أحَدٌ فوق عشرة أسواط إلاَّ في حَدّ مِن حُدود الله . متفق عليه .

ثم قال : (فصل) : وله تأديبها على ترك فرائض الله تعالى . وقال في الرَّجُل له امرأة لا تُصَلِّي : يَضْرِبها ضَرْبا رفيقا غير مبرح . اهـ .

قال الصنعاني : وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ ضَرْبًا خَفِيفًا ، لِقَوْلِهِ : جَلْدَ الْعَبْدِ . اهـ .

وقال العلامة صديق حسن خان : في هذا دليل على أن الأوْلَى تَرْك الضرب للنساء ، فإن احتاج فلا يُوالِي بالضرب على مَوضع واحِد مِن بَدَنِها ، ولْيَتَّق الوَجْه ؛ لأنه مَجْمَع الْمَحَاسِن ، ولا يبلغ بالضرب عشره أسواط . اهـ .

وأما كَون النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب ، فهذا مِن كِمال خُلُقه صلى الله عليه وسلم .
قال الصنعاني : وَلا رَيْبَ أَنَّ عَدَمَ الضَّرْبِ وَالاغْتِفَارِ وَالسَّمَاحَةِ أَشْرَفُ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا هُوَ أَخْلاقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً لَهُ، وَلا خَادِمًا قَطُّ، وَلا ضَرَبَ بِيَدِهِ قَطُّ إلاَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ تُنْتَهَكُ مَحَارِمُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ . اهـ .
والحديث الذي ذَكره أخرجه مسلم بِنحوه .

وفِعله عليه الصلاة والسلام في هجر نسائه شهرا ، ليس فيه دليل على عدم الضرب ، وإنما فيه كَريم خُلُقه عليه الصلاة والسلام ، وأنه لا يلجأ إلى الضرب .

وهو تَرْك خيار يَجوز للإنسان تَركه .
فلو لم يضرب الرجل امرأته الناشز ، كان تارِكا لبعض حقِّه ، مُتنازِلا عنه .
وهذا يجوز ، كما يكون في التنازل عن سائر الحقوق .

كما أن الضارِب لِزوجته ليس مِن خيار الناس ..
لَمّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ . جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ . رواه الدارمي وأبو داود . وصححه الألباني .
ومعنى ( ذئرن ) : أي : اجترأن .
وهم قد استدلّوا بأوّل هذا الحديث ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : لا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ .
وَتَرَكُوا بَقِيَّة الحديث .
وهذه طريقة أهل الأهواء في الاستدلال .

وهؤلاء قوم تجرأوا على تفسير كلام الله عَزّ وَجَلّ ، ضارِبين بتفسير القرآن بالسنة عرض الحائط ، مُعرِضين عن تفاسير السلف ، بل وتنقَّصُوا المفسِّرين .
وأتوا بما لم يأتِ به الأوائل .

وهؤلاء لو جِيء بهم إلى الإمام مالك لَجَعلهم نَكالاً !
ورَحِم الله الإمام أحمد إذْ كان يقول : إياك أن تتكلّم في مسالة ليس لك فيها إمام .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وكل قول يَنْفَرِد به المتأخر عن المتقدمين ولم يَسبقه إليه أحد منهم ؛ فانه يكون خطأ . اهـ .

وسبق :
مَن هو المخوّل والذي يحقّ له تفسير القرآن الكريم ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=73809

وسبق مقال بعنوان :
لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ..
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=21795

والذين يُريدون أن يظهروا أمام الكفار بِمظهر الإنسان الوديع ، لا يَفقهون واقِع الغرب .
فالعُنْف في الغرب كثير جدا ، خاصة ضدّ الزوجات ، بل يصِل الأمر إلى قَتْل الزوجات ، لِعدم تشريع الطلاق !

وهذا ثابِت بالأرقام ، صادِر عن الدوائر الرسمية للإحصاء لديهم !
هذه إشارات يسيرة منها :

دراسة أمريكية عام 1417هـ أشارت إلى أن 79% من الرجال يقومون بضرب زوجاتهم .

تقرير للوكالة الأمريكية المركزية للفحص والتحقيق : هناك زوجة يضربها زوجها كل 18 ثانية في أمريكا .
ولذلك يُقَدَّر عدد النساء اللائى تعرضن لأعمال العنف والضرب بـ ( تسعة ملايين ) امرأة سنويا في أمريكا حسب إحصائية نشرتها مجلة التايم الأمريكية .

في تقرير لمكتب البحث الفيدرالي الأمريكي عام 1979م قدّر أن (40% ) من النساء اللاتي يتعرضن للموت يقتلهن أزواجهن .

بعض النساء اللائي تعرضن لأعمال العنف والضرب في أمريكا يَكُنَّ قد تعودن عليه ، وقَبِِلْنَه على أساس أنه شكل من أشكال الرعاية !!

طِبقا لإحدى الدراسات التي استمرت أربع سنوات والتي استُكملت عام 1983م اتّضح أن 25 % من النساء اللائي قُمْنَ بالانتحار لديهن تاريخ له علاقة بتعرضهن للضرب ، وفي تقرير نُشر في مجلة البوليس يفيد بأن 40 % من جرحى البوليس و 20 % من قتلى قوة البوليس كانت أثناء تأديتهم لأعمالهم على مسرح صراع عائلي .

40% من النساء تعرضن للضرب أو للاغتصاب مرة على الأقل ( في تقرير رفع إلى وزير الشؤون النسائية الكندية ) .

تقرير وزارة الداخلية الإسرائيلية في عام 1417هـ يُبَيِّن أن 20 ألف امرأة تعرضن للضرب مِن الأزواج خلال عام ، و122 لَقِين مَصْرَعَهن بِسَبب الضَّرب .

وفي حياة القوم ( في أوربا وأمريكا ) مَساوئ وجرائم يُخْفِيها الإعلام !
ومَن أراد الوقوف على شيء يسير مِن تلك الخفايا والجرائم والسلوكيات ، فليقرأ كِتاب " أمريكا كما رأيتها " تأليف : مختار خليل المسلاتي . ففي الكتاب حقائق وأرقام ووقائع تُظْهِر الوجه الآخر للحضارة الغربية !

والله المستعان ، وعليه التكلان .
المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد