السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وفقك الله ورفَعَ قدرك ورزقك مِن الطيبات وأقرّ الله عينك
هل التفكير في أمر الزواج ، والاهتمام أو الحُزن لتأخره ، هو مِن التفكير في أمر الدنيا ؟
وهل يدخل صاحب هذا الهمّ في قوله عليه الصلاة والسلام [ من أصبح وهمّه الدنيا فرق الله عليه شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتبَ له ]
وجزاك الله عني وعن كل جاهلٍ خير الجزاء وأنعم الله عليك بكرمه وإحسانه ورحمته .



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بِمثل ما دعوت .
ورفع الله قَدرَك .

لا يَدخل في عموم هذا الحديث ؛ لأن صاحِب مثل ذلك التفكير لا ينطبق عليه أنه جَعَل الدُّنْيَا هَمَّهُ ، بل هو يُريد منها ما شَرَعه الله وأذِن به ، ولم يَقصد أن ينشغل بذلك عن الآخِرَة ، بل لعله مِن العَون على الوصول إلى الدار الآخِرَة ؛ لأن الزواج استقرار .
قال الله تعالى عن النكاح : (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
والنكاح مِن سُنن الْمُرْسَلِين ، كما قال عَزّ وَجَلّ : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) .
كما أن صاحِب مثل ذلك التفكير لا يَنشغل بالنكاح - لو حصل له - ولا بالتفكير فيه عن الله والدار الآخِرة ، بل يُؤجَر عليه ، إذا كان يَقصد به التقرّب إلى الله ، وتحقيق المقاصِد الشرعية في النكاح .

ولَمّا جَاء ثَلاثة رَهْط إلى بُيُوت أزْوَاج النبي صلى الله عليه وسلم يَسْألُون عَن عِبَادَة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا أُخْبِرُوا كأنّهم تَقَالُّوهَا ، فقالوا : وأين نَحْن مِن النبي صلى الله عليه وسلم قد غَفَر الله لَه مَا تَقَدَّم مِن ذَنْبِه ومَا تَأخَّر ؟ فقال أحَدُهم : أمَّا أنَا فإني أُصَلِّي الليل أبَدًا ، وقال آخَر : أنَا أصُوم الدَّهْر ولا أُفْطِر ، وقال آخَر : أنَا أعْتَزِل النِّسَاء فلا أتَزَوَّج أبْدًا . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال : أنتم الذين قُلْتُم كَذا وكَذا ؟ أمَا والله إني لأخْشَاكُم لله وأتْقَاكُم لَه لَكِنِّي أصُوم وأُفْطِر ، وأُصَلِّي وأرْقُد ، وأتَزَوَّج النِّسَاء ؛ فَمَن رَغِب عن سُنَّتِي فَلَيْس مِنِّي . رواه البخاري ومسلم .

والمذموم أن يُقبِل على الدنيا ويَنشغل عن الآخِرَة ، فهذا الذي جَعل الدنيا هَمّه .

قال الكلاباذي في " بحر الفوائد " : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَيَانِ :
أَحَدُهُمَا : التَّرْغِيبُ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَالرَّغْبَةُ فِي الآخِرَةِ وَالإِقْبَالُ عَلَيْهَا، وَالتَّشْجِيعُ فِي تَرْكِ الدُّنْيَا بِمَعْنَى الإِنْفَاقِ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَالإِعْرَاضُ عَنْهَا مِمَّنْ لَيْسَتْ عِنْدَهُ ، كَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الآخِرَةِ، رُزِقَ الْفَرَاغَ وَالتَّنَعُّمَ وَجَمْعَ الشَّمْلِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا أَيِ الرِّفْقُ فِيهَا وَالْمَهْنَأُ مِنْهَا فَيَكُونُ لَهُ الْمَهْنَأُ دُونَ الشُّغُلِ، وَالرِّفْقُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ فَهُوَ غَنِيٌّ وَإِنْ عَدِمَ الْقُوتَ .

وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الدُّنْيَا وَأَعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ شُغِلَ بِمَا لا يَجْرِي ، وَتَعِبَ فِيمَا لا يُغْنِي عَنْهُ، فَتَزْدَادُ الدُّنْيَا عَنْهُ بُعْدًا ؛ لأَنَّهُ لا يُصِيبُ مِنْهَا إِلاّ الْمَقْدُورَ، وَالْمَقْدُورُ لا يُغْنِيهِ، وَإِنْ كَثُرَ لِغَلَبَةِ الْحِرْصِ عَلَيْهِ وَالتَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ ؛ تَعَبُ الطَّلَبِ، وَالْخَيْبَةُ فِي التَّعَبِ ، فَهُوَ فَقِيرٌ وَإِنْ مَلَكَ الدُّنْيَا .

وَالْمَعْنَى الآخَرُ : تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ أَسِيرُ الْقُدْرَةِ ، سَلِيبُ الْقَبْضَةِ، وَإِنَّ أَفْعَالَهُ تَبَعٌ لِفِعْلِ اللَّهِ بِهِ، وَإِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ الْعَبْدُ مَأْخُوذًا عَنْ أَوْصَافِهِ مَصْرُوفًا عَنْ نَظَرِهِ إِلَى أَفْعَالِهِ مُعْتَرِفًا بِعَجْزِهِ، مُقِرًّا بِاضْطِرَارِهِ، عَالِمًا بِضَرُورَتِهِ وَافْتِقَارِهِ، كَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا تَكُونُ الآخِرَةُ هَمَّهُ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْغَنَاءَ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ؛ لأَنَّهُ لا يُقْبِلُ عَلَى الآخِرَةِ إِلاّ مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا حِجَابُ الآخِرَةِ فَإِذَا رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْ بَصَرِ الْقَلْبِ رَأَى الآخِرَةَ بِعَيْنِ إِيقَانِهِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الآخِرَةِ شُغِلَ عَنِ الدُّنْيَا، صَارَتْ مَرْفُوعَةً مِنْهُ مَتْرُوكَةً عَنْهُ . اهـ .

والله تعالى أعلم .
المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد