عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول: ( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف )
والمعنى : أن الأرواح خلقت قبل أن تخلق البشرية وعاشت في السماء وتحابت وتباغضت وبعدها زرعت في أجساد البشر لتبدأ الحياة على الارض بنمطها الاعتيادي
فعندما تشاهد شخص لم تره من قبل وتشعر بأنك تعرفه أو تشعر بالراحة له وببعض الحب فمعناها أن أرواحكم تلاقت في السماء وتعارفت وتحابت أيضا ، وعندما تجد شخص تشعر بأنك تبغضه دون أدنى سبب فذلك دلالة على أن أرواحكم حقا تنافرت في السماء



الجواب :
قد قيِل بِنحوه ، ولا يَصِحّ .

ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللّهُ عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَطُوفُ بِاللَّيْلِ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ . رواه ابن عبد البر في " التمهيد " وأبو الشيخ في " الأمثال " .
وتخصيص طوَاف الأَرْوَاح بالليل ؛ لأنه هو زَمَان النوم في الغالب ، والأرواح تُقْبَض في النوم ، ، فإذا قُبِضَت الْتَقَتْ ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .

وقَال عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود : الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَتَلاقَى فِي الْهَوَاءِ ، فَتَتَشَامَّ كَمَا تَتَشَامُّ الْخَيْلُ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ، وَلَوْ أَنَّ مُؤْمِنًا جَاءَ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ مِائَةُ مُنَافِقٍ لَيْسَ فِيهِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَقُيِّضَ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَيْهِ .

قال الخطابي : معنى الحديث : الإخبار عن مبدأ كَوْن الأرواح وتَقَدُّمها الأجساد التي هي مُلابِستها على ما رُوي في الحديث : " إن الله خَلَق الأرواح قَبل الأجساد بكذا كذا عامًا " . فأعْلَم النبي صلى الله عليه وسلم أنها خُلِقَت أوَّل ما خُلِقَت على قسمين مِن ائتلاف أو اختلاف ، كالجنود المجندة إذا تقابَلَت وتَوَاجَهت .
ومعنى تقابُل الأرواح ما جَعلها الله عليه مِن السعادة والشقاوة في مبدأ الكون والْخِلْقَة ، كما روي في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الملك إذا أراد أن ينفخ الروح في النَّسَمَة قال : يا رب أسعيد أم شقي ؟ أكافر أم مؤمن ؟ يقول صلى الله عليه وسلم إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جُعِلت عليه مِن التشاكل أو التنافر في بَدء الْخِلْقَة ، ولذلك ترى البَر الْخَيِّر يُحِب شِكْله ويَحِنّ إلى قُربه وينفر عن ضده، وكذلك الرَّهِق الفاجر يألَف شِكله ويستحسن فعله وينحرف عن ضده .
وفي هذا دليل على أن الأرواح ليست بأعراض ، وأنها كانت موجودة قبل الأجساد ، وأنها تبقى بعد فناء الأجساد . اهـ .
ونَقَل ابن حجر عن الخطابي قوله : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَعْنَى التَّشَاكُلِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصَّلاحِ وَالْفَسَادِ ، وَأَنَّ الْخَيِّرَ مِنَ النَّاسِ يَحِنُّ إِلَى شِكْلِهِ وَالشِّرِّيرَ نَظِيرُ ذَلِكَ يَمِيلُ إِلَى نَظِيرِهِ فَتَعَارُفُ الأَرْوَاحِ يَقَعُ بِحَسَبِ الطِّبَاعِ الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ تَعَارَفَتْ ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ تَنَاكَرَتْ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الإِخْبَارُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ فِي حَالِ الْغَيْبِ عَلَى مَا جَاءَ أَنَّ الأَرْوَاحَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأَجْسَامِ ، وَكَانَتْ تَلْتَقِي فَتَتَشَامّ ، فَلَمَّا حَلَّتْ بِالأَجْسَامِ تَعَارَفَتْ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ ، فَصَارَ تَعَارُفُهَا وَتَنَاكُرُهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْعَهْدِ الْمُتَقَدِّمِ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَادُ أَنَّ الأَرْوَاحَ أَوَّلُ مَا خُلِقَتْ خُلِقَتْ عَلَى قِسْمَيْنِ ، وَمَعْنَى تَقَابُلِهَا أَنَّ الأَجْسَادَ الَّتِي فِيهَا الأَرْوَاحُ إِذَا الْتَقَتْ فِي الدُّنْيَا ائْتَلَفَتْ أَوِ اخْتَلَفَتْ عَلَى حَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ الأَرْوَاحُ فِي الدُّنْيَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ بِالتَّعَارُفِ . اهـ .

وقال النووي : قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ جُمُوعٌ مُجْتَمَعَةٌ ، أَوْ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَأَمَّا تَعَارَفُهَا فَهُوَ لأَمْرٍ جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَقِيلَ : إِنَّهَا مُوَافَقَةُ صِفَاتِهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا وَتَنَاسُبُهَا فِي شِيَمِهَا .
وَقِيلَ : لأَنَّهَا خُلِقَتْ مُجْتَمِعَةً ثُمَّ فُرِّقَتْ فِي أَجْسَادِهَا ، فَمَنْ وَافَقَ بِشِيَمِهِ أَلِفَهُ ، وَمَنْ بَاعَدَهُ نَافَرَهُ وَخَالَفَهُ .

وَقَالَ الخطابي وغيره : تآلفها هو ماخلقها اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعَادَةِ أَوِ الشَّقَاوَةِ فِي الْمُبْتَدَأِ ، وَكَانَتِ الأَرْوَاحُ قِسْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ ، فَإِذَا تَلاقَتِ الأَجْسَادُ فِي الدُّنْيَا ائْتَلَفَتْ وَاخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ ؛ فَيَمِيلُ الأَخْيَارُ إِلَى الأَخْيَارِ وَالأَشْرَارُ إلى الأشرار . اهـ .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وَتَعَارُفُهَا تَنَاسُبُهَا وَتَشَابُهُهَا فِيمَا تَعْلَمُهُ وَتُحِبُّهُ وَتَكْرَهُه . اهـ .

وذَكَر شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ عُمَر بن الْخَطَّابِ سأل عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ فقال : الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ خَيْرًا: وَالرَّجُلُ يُبْغِضُ الرَّجُلَ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ شَرًّا. فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَلْتَقِي فِي الْهَوَاءِ فتشام فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ . اهـ .

وذَكَر ابن القيم سبب وُرُود الحديث ، فقال : وَفِي " مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ "، وَغَيْرِهِ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ امْرَأَةً بِمَكَّةَ كَانَتْ تُضْحِكُ النَّاسَ ، فَجَاءَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلَتْ عَلَى امْرَأَةٍ تُضْحِكُ النَّاسَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ .. الْحَدِيثَ . اهـ .

وما ذَكَره الخطابي أن الأرواح مخلوقة قبل ذلك ، وأنها كانت موجودة قبل الأجساد ، مَحَلّ نَظَر .
فقد ذَكَر ابن أبي العزّ الحنفي حديث اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ عليه السلام مِنْ صُلْبِهُ ، ثم قال : وَمِنْ هُنَا قَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأَرْوَاحَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الأَجْسَادِ. وَهَذِهِ الآثَارُ لَا تَدُلُّ عَلَى سَبْقِ الأَرْوَاحِ الأَجْسَادَ سَبْقًا مُسْتَقِرًّا ثَابِتًا، وَغَايَتُهَا أَنْ تَدُلَّ عَلَى أَنَّ بَارِئَهَا وَفَاطِرَهَا سُبْحَانَهُ صَوَّرَ النَّسَمَةَ وَقَدَّرَ خَلْقَهَا وَأَجَلَهَا وَعَمَلَهَا، وَاسْتَخْرَجَ تِلْكَ الصُّوَرَ مِنْ مَادَّتِهَا، ثُمَّ أَعَادَهَا إِلَيْهَا، وَقَدَّرَ خُرُوجَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ، وَلا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا خُلِقَتْ خَلْقًا مُسْتَقِرًّا وَاسْتَمَرَّتْ مَوْجُودَةً نَاطِقَةً كُلُّهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ يُرْسِلُ مِنْهَا إِلَى الأَبْدَانِ جُمْلَةً بَعْدَ جُمْلَةٍ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ . فَهَذَا لا تَدُلُّ الآثَارُ عَلَيْهِ ... فَالآثَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْقَدَرِ السَّابِقِ ، وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتَخْرَجَ أَمْثَالَهُمْ وَصُوَرَهُمْ وَمَيَّزَ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ . اهـ .

ولا يصحّ حديث : إن الله خَلَق الأرواح قَبل الأجساد بكذا كذا عامًا .
قال العجلوني : ضعيف جدا .

وأما حديث : إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفى عام ثم جعلها تحت العرش ... فهو حديث موضوع مكذوب ، كما قال ابن الجوزي ، وتَبِعه على ذلك جَمْع مِن أهل العِلْم .

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد