صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 31

الموضوع: خطب مختارة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072

    خطب مختارة

    الحمد لله وبعد فقد احببت ان اجمع خطبا مختارة يستفيد منها زوار هذا الموقع من الائمة والخطباء راجيا من الله القبول والتوفيق :

    خطبة لشهر صفر وحكم التشاؤم به للشيخ صالح الفوزان حفظه الله

    الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً.


    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله تعالى وعلقوا آمالكم به وتوكلوا عليه، وارجوا ثوابه، وخافوا من عقابه: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

    من الناس من يتشاءم بالأشخاص والأزمان ويظن أنه يصيبه منها شر لذاتها لا بقضاء الله وقدره. وهذا هو الطيرة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنها شرك، لأن المتطير والمتشائم يعتقد أن ما يصيبه من المكاره إنما هو من شؤم المخلوق من زمان أو مكان أو شخص، فيكره ذلك الشخص أو الزمان أو المكان وينفر منه ظناً منه أنه يجلب له الشر، وينسى أو يتجاهل أن ما أصابه إنما هو بقضاء الله وقدره، وبسبب ذنبه، كما ذكر الله عن الأمم الكافرة أنهم تطيروا بمن هو مصدر الخير من الأنبياء والمؤمنين، قال الله تعالى عن قوم فرعون (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ)، وكذلك ثمود تطيروا بنبيهم صالح عليه السلام: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)، وكذلك مشركوا العرب تطيروا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله عنهم: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ).

    فرد الله على هؤلاء بأن يصيبهم من العقوبات والمكاره إنما هو بقضاء الله وقدره وبسبب ذنوبهم: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ). وهذا من انتكاس فطرهم حيث اعتقدوا الشر بمن هو مصدر الخير والصلاح.

    عباد الله: ومن التشاؤم والتطير ما كان يعتقده أهل الجاهلية في شهر صفر أنه شهر مشؤوم، فيمتنعون فيه عن مزاولة الأعمال المباحة التي كانوا يزاولونها في غيره، فأبطل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر" رواه البخاري ومسلم. وهو نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، والله تعالى يقول: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا). وقوله صلى الله عليه وسلم "ولا هامة" الهامة البومة: ومعناه نفي ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه فيها أنها إذا وقعت على بيت أحدهم يتشاءم ويقول: نعت إليّ نفسي أو أحد من أهل داري، فيعتقد أن سيموت هو أو بعض أهله تشاؤماً بهذا الطائر. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأبطله، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا صفر" على الصحيح: أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون بشهر صفر ويقولون: إنه شهر مشؤوم، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وبين أنه لا تأثير له وإنما هو كسائر الأوقات التي جعلها الله فرصة للأعمال النافعة.

    وهذا الاعتقاد الجاهلي لا يزال في بعض الناس إلى اليوم، فمنهم من يتشاءم بصفر، ومنهم من يتشاءم ببعض الأيام كيوم الأربعاء أو يوم السبت أو غيره من الأيام، فلا يتزوجون في هذه الأيام. يعتقدون أو يظنون أن الزواج فيها لا يوفق، كما كان أهل الجاهلية يتشاءمون بشهر شوال فلا يتزوجون فيه، وقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاعتقاد فتزوج عائشة رضي الله عنها في شوال، وتزوج أم سلمة رضي الله عنها في شوال.

    أيها المسلمون: إن الخير والشر والنعم والمصائب كلها بقضاء الله وقدره (قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فهو الذي يخلق ما يشاء ويختار، وما يصيب العباد من الشرور والعقوبات فإن الله قدره عليهم بسبب ذنوبهم ومعاصيهم (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، ليس للمخلوق يد في تقديره وإيجاده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

    وهذا لا ينافي أن يجعل الله بعض مخلوقاته سبباً للخير أو الشر، ولكن ليست الأسباب هي التي تحدث هذه الأمور، وإنما ذلك راجع إلى مسبب الأسباب وهو الله سبحانه، ومطلوب من العبد أن يتعاطى أسباب الخير ويتجنب أسباب الشر قال تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قال الحافظ بن رجب رحمه الله: وأما تخصيص الشؤم بزمان دون زمان كشهر صفر أو غيره فغير صحيح، وإنما الزمان كله خلق الله تعالى وفيه تقع أفعال بني آدم، فكل زمان شغله المؤمن بطاعة فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو مشؤوم عليه، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى، فالمعاصي والذنوب تسخط الله عز وجل، وإذا سخط الله على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أن الطاعات ترضي الله سبحانه وإذا رضي الله عن عبده سعد في الدنيا والآخرة. والعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره، فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصاً من لم ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، وكذلك أماكن المعاصي يتعين البعد عنها والهرب منها خشية نزول العذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما مر على ديار ثمود بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم ما أصابهم" فهجر أماكن المعاصي، وهجران العصاة من جملة الهجرة المأمور بها، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، قال إبراهيم من أدهم رحمه الله: "من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة من كان يخالطه –يعني: العصاة-، وإلا لم ينل ما يريد"، فاحذروا الذنوب فإنها مشؤومة وعقوبتها أليمة والأماكن والبقاع في الأصل طاهرة نقية ولكن ذنوب العباد تدنسها وتفسدها بشؤمها، والأزمنة أوقات لعمل الخير ولكن العبد يدنسها بفعل الشر، كما قيل:

    نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

    فاتقوا الله عباد الله، واعمروا بيوتكم وأوقاتكم بطاعة الله، وعلقوا قلوبكم بالله خوفاً ورجاء ومحبة، ولوموا أنفسكم واعلموا أن ما أصابكم مما تكرهون إنما هو بسبب ذنوبكم لا بشؤم الزمان، والمكان. وإنما هو بسوء عمل الإنسان، ومن تشاءم بشهر من الشهور أو يوم من الأيام أو ساعة من الساعات أو سبَّ شيئاً فإنه يسب الله تعالى ويؤذيه، كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال قال الله تعالى: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار"، وفي رواية "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر"، قال الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنّة: ومعناه أن العرب كان من شأنها ذم الدهر، أي: سبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سَبُّوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل إذ هو الفاعل في الحقيقة وما يجري في الدهر من خير أو شر فهو بإرادة الله، الخير تفضل من الله والشر بسبب ذنوب العباد ومعاصيهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً).


    بارك الله لنا في القرآن العظيم..
    بارك الله لنا في القرآن العظيم..

    استقبال شهر رمضان

    ا
    صالح بن عبد الله الهذلول

    28/8/1421

    جامع الدهامي




    ملخص الخطبة

    1- دنوّ رمضان. 2- نداء للعاق وقاطع الرحم. 3- نداء لآكل الربا. 4- نداء لأصحاب المسكرات والمخدرات. 5- التحذير من الغناء والموسيقى. 6- خطورة مرحلة الشباب. 7- التحذير من فتن القنوات الفضائية. 8- فضل الشاب الصالح. 9- تحذير غير المستحقين من السؤال. 10- حث المرأة على اغتنام رمضان. 11- الحث على الدعاء للمجاهدين في سبيل الله.


    الخطبة الأولى


    أما بعد: أيها المسلمون، فرمضان على الأبواب، وسيحل ضيفًا بعد يوم أو يومين، وشأن الضيف أن يرتحل، فماذا أعددت لضيفك؟ حري بالمسلم أن يجعل من رمضان بداية توبة جادَّة، ونقطةَ انطلاقٍ إلى الله عازمة، قدِّر نعمة الله عليك أيها المسلم، واسأله أن يبلغك رمضان، وخذ أمورَك بالجد، فكم من النفوس صامت العام المنصرم ولن تصوم هذا العام، وما تدري من أي الفريقين تكونُ أنت.

    كم صحيح رأيت من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

    أيها المذنب، أيها العاق لوالديه والقاطع رحمه، رمضان يدعوك ويهتف بك أن تعال نظف نفسك، طهر نفسك، رمِّم ما تهدّم في بناء قلبك، انفض غبار الشقاقِ واتباع الهوى والانسياق وراء وساوس الشيطان وتوهيماته، واحرص على ما ينفعك، فعمّا قليل سترتحل، وإلى الآخرة تنتقل، ويقفل ملفك في هذه الدنيا، دع عنك إغراءاتِ الأصدقاءِ ورفاقِ الهزل والضحك، ولا تلتفت لمكائد زوجتك إن كانت سببًا في عقوق والديك ومقاطعتهم، فإنّ كل زهرة ستذبل، وشبابك وشبابها زهرة وسيذبل، ويتقدم بك العمر إن عمرت وتعجز، وتحتاج إلى خدمة الأولاد وحنوِّهم، فإذا فتشت صفحاتِ ماضيك وعلاقتك مع والديك وجدتها لا تسر. عجبًا لك أيها العاق! أي قلبٍ تحمل في جوفك وقد تركت والديك أو أحدهما يذرف الدمعَ كمدًا ويكظم الغم قهرًا؟! ألا تخاف من دعوة مستجابة من والدٍ وفي رمضان؟! ألا تخشى أن تبلى بمن يؤرق ليلك غدًا وينغص نهارك ممن كنت تؤمِّل برَّهم؟!

    رمضان يدعوك يا آكل الربا، إلى متى تظل تبارز ربك وتعلن الحرب عليه؟! ألست تعلم أنك ضعيف وخصمك قوي ويملك جنود السماوات والأرض؟! رمضان يذكرك بحلم الله عليك وإمهاله لك؛ لعلك تتوب وتكتفي بالحلال، رمضان يفتح أمامك أبواب الرزق الحلال، ويحذرك في الوقت نفسه من مغبة التمادي في تغذية جسمك على الحرام. ألم تسمع قول النبي في الرجل الذي يمد يديه إلى السماء داعيًا ومتضرعًا: يا رب، يا رب، لكن مطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، قال المصطفى : ((فأنى يستجاب لذلك)).

    يا من تتعاطى المخدرات أو تشرب المسكرات، اتق الله في نفسك، كفى أذية لنفسك، ماذا جلبتْ لك تلك المحرمات؟! همّ وخوف، وفقرٌ وذلة، وقلق وفشل، وقسوة قلب، وتهرب عن كل فضيلة، وتهافت على كل رذيلة.

    يا من تتعاطى المخدرات، أترضى أن تكون أختك أو بنتك أو زوجتك فريسة لوحوش البشر؟! هل يسرك أن إحدى محارمك يعبث بها شرار الخلق مقابل أن تحصل على شيء من المخدرات؟! فإن الواقع يثبت ذلك، ولا تظنَّ أنك في مأمن من هذا. وقد حكى أحد الشباب التائبين منها أنه كان يوافق مرغمًا على أن تفعل به الفاحشة مقابل الحصول على مخدّر. إنك بإصرارك على تناول المخدرات تسوق محارمك إلى تلك المستنقعات الموبوءة من الجريمة، غِرْ على محارمك، واحرص على ما ينفعك، فوالله عمّا قليل ستندم، وحينها ربما يكون الثمن غاليًا.

    واعلم ـ أيها المسلم رعاك الله وحفظك وهداك ـ أن الموسيقى والغناء مفتاحٌ يلج به المرء عوالم المخدرات والمسكرات والفواحش، كثير من نجوم الموسيقى والغناء يتعاطون المخدرات علنًا، سواءً على المسرح أو خارجه، وكثير من الأغاني مطعمٌ بلغة المخدرات، فاحذروا.

    أيها الشاب، إن مرحلة الشباب والفتوة لا تستغرق العمر كلّه، إنها مرحلة من مراحل عمرك، سرعان ما تطوى وتنتهي كما طوي ما قلبها، لكن أثرها على سلوك صاحبها أبلغ من أي مرحلة أخرى، فكن حذرًا أن تصير من ضحاياها، فكم غرت من فتى، وأوقعته في براثن الرذائل، ثم ولَّت هاربة عنه، وقد أسلمته لمرحلة الكهولة الممهدة للشيخوخة والعجز. يظن الشاب أنه هكذا سيظل دائمًا في نشاط وفتوة دون رقيب ولا مسؤولية، فما هي إلا مدة وجيزة ويفيق من سكرته، فيجد نفسه قد ضيع دينه ودنياه، وأهمل الاستعداد لمستقبل أيامه وآخرته؛ ضعفٌ في الدراسة وصدود عنها، وتهرُّب من كل عمل جاد، وشعور بالفشل يلاحقه.

    أيها الشاب الفاضل، إن ضحايا الترصد للقنوات الفضائية ومتابعة غثها مما تعرضه في شاشاتها يكلفك كثيرًا، فاحرص على ما ينفعك، والسعيد من وعظ بغيره. لا يكن حظك من رمضان السهر في الاستراحات ومتابعة المسلسلات والنظر إلى المحرمات. وتذكر، كم من الشباب صاموا العام الماضي والآن هم في القبور.

    حذارِ ـ أيها الشاب ـ أن تظن أن مرحلة الشباب لا يُستمتع بها إلا أن تمضي سفهًا وعبثًا أو اقترافًا للحرام، إنها أغلى وأشرف من ذلك وأقدس، وفي المسند للإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول : ((إن الله عز وجل ليعجب من الشاب ليس له صبوة)). والصبوة: الهوى والميل عن طريق الحق. وفي الحديث المتفق عليه عَدَّ رسول الله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شابًا نشأ في طاعة الله، وما ذاك إلا لتغلبه على هواه وانتصاره على نفسه وقهرِه للشيطان ودحرِه وترقبه لما عند الله. فرحة النصر على أعدائه من الشيطان وهوى النفس وقرناء السوء أبدلت طموحاته الأرضيةَ الوضيعةَ شوقًا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

    أيها المفرط والمتساهل والمتهاون، أيها المذنب، لا تظن أن الأمر سهل وهين، إن الأمر جِدٌ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق:13، 14].

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...






    الخطبة الثانية


    الحمد لله ولي الصالحين، سبقت رحمته غضبه، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، يحب أنين النادمين، ويسمع دعاء المتضرعين، ويقبل توبة التائبين، ويعجب من الشباب الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ الحقُ المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، عبد ربه حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، وسلم كثيرًا.

    أما بعد: معاشر المسلمين، فإن من الناس من يفرح بقدوم شهر رمضان ليستغله في التسول وفتح جيبه ليضع الناس فيه زكواتهم، وهو ليس من أهل الزكاة، ولم يشرع له السؤال. ونسي أو تناسى أو جهل حديث الرسول : ((ما فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)). فاحذر ـ أيها المسلم ـ أن تفتح على نفسك باب الفقر فتشقى، ويشقى معك من تعول، ولن تغتني ولو صبَّت زكوات المسلمين كلها في جيبك؛ لأن الله فتح عليك باب الفقر حين فتحت على نفسك باب سؤال الناس. مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:2].

    أما من كان محتاجًا وذا عيالٍ ودخله لا يغطي ضرورياته فالزكاة لم تشرع إلا لمثله والحمد لله، لكن كن حذرًا ـ أيها المسلم ـ أن تظن أن مظاهر الترف والكماليات والتوسع في متع الدنيا، حذار أن تظن أن تلك ضرورياتٌ، فهذه حتى لو لم تجدها ولا تستطيع تأمينها فلا يحل لك أخذ الزكاة.

    أيها المسلمون، المرأة يجب أن يكون لها من رمضان نصيب، ليس من اللائق أن يضيع نهارها تفننًا في إعداد المآكل والمشارب، ويضيع ليلها تجوالاً في الأسواق بحجة شراءِ ملابسِ الشتاء أو العيد، لم لا يكون الاستعداد للعيد والشتاء قبل دخول رمضان؛ حتى تتفرغ المرأة أكثر للتزود منه لآخرتها؟!

    عباد الله، لا تغفلوا عن الدعاء لإخوانكم المجاهدين في سبيل الله؛ فإن الجهاد ذروة سنام هذا الدين، ونرجو أن يكون المجاهدون قد قاموا به، وقاموا بفرض الكفاية ليسقط عن العاجزين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. إن المجاهدين كما أنهم يدافعون عن دينهم وحقوقهم وأعراضهم وديارهم فهم خط المواجهة أمام الأعداء، ولولا ما يبثه الجهاد من إثارة الرعب في قلوب الأعداء المتربصين لما أمهلونا ساعة، فالأعداء لم يتركونا حبًا لنا وشفقة علينا بل خوفًا من ثروتنا الحقيقية ومجدنا التليد، خوفًا من الجهاد أن يتفجر في مواقع أخرى، وقد جربوا وذاقوا نكايته بهم.

    فاللهم أقم علم الجهاد، وانصر المجاهدين في سبيلك، وثبت أقدامهم، وسدد سهامهم وآراءهم، وانصرهم على القوم الكافرين...
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 10-11-18 الساعة 10:17 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    الإجازة الصيفية، يا ترى بماذا ستُقضى؟؟ لابن عثيمين رحمه الله
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=101288

    خطبة رائعة عن خطر الطغيان
    http://www.almeshkat.net/vb/showpost...71&postcount=1

    من خصائص هذه العشر الأواخِرِمِنْ رمضانَ لابن عثيمين
    http://www.almeshkat.net/vb/showpost...04&postcount=1
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 04-11-12 الساعة 4:55 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    خطبة مؤثرة عن أول ليلة في القبر لعائض القرني
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=75165
    خطبة عن شكر النعم ومنها نعمة الامن


    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=98557
    خطبة عن صلة الرحم ومن هم الارحام الذين تجب صلتهم
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=56122
    خطبة في التحذيرمِن البدع في شهر رجب للعلامة صالح الفوزان
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=88955
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 04-13-12 الساعة 3:04 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    خطبة بعنوان النُّصَيْرِيُّونَ.. وَدَعْوَى التَّصَدِّي وَالْمُمَانَعَةِ
    الشيخ ابراهيم الحقيل

    الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى؛ مُسْبِغِ النَّعْمَاءِ، وَرَافِعِ الْبَلَاءِ، وَكَاشِفِ الْكَرْبِ، وَمُزِيلِ الْعُسْرِ؛ [يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ] {الرعد:2}، نَحْمَدُهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَنَشْكُرُهُ فِي الْعَافِيَةِ وَالابْتِلَاءِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ، لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، عَظِيمٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَا يُقَدِّرُ لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ؛ فَمَنْ رَضِيَ أَعَانَهُ وَسَدَّدَهُ، وَمَنْ سَخِطَ خَذَلَهُ وَوَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ؛ فَسَاءَ ظَنُّهُ، وَزَاغَ قَلْبُهُ، وَخَابَ سَعْيُهُ؛ [وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] {الزُّمر:23}، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ كَانَ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى، عَظِيمَ الرَّجَاءِ فِيهِ سُبْحَانَهُ، لَا يَرَى الْأَعْدَاءُ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ إِلَّا أَيْقَنَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَاعِلٌ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَفِي الْغَارِ أَحَاطَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى بَابِ الْغَارِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوُ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا! قَالَ: اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ، اثْنَانِ اللهُ ثَالِثُهُمَا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.



    أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَسْلِمُوا لَهُ وَجُوهَكُمْ، وَعَلِّقُوا بِهِ قُلُوبَكُمْ، فَلَا تَخُافُوا غَيْرَهُ، وَلَا تَرْجُو سِوَاهُ، اعْبُدُوهُ فِي الرَّخَاءِ وَالنِّعْمَةِ، وَلُوذُوا بِهِ فِي الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عِنْدَ ظَنِّ عِبَادِهِ بِهِ، فَإِنْ ظَنُّوا خَيْرًا فَلَهُمْ، وَإِنْ ظَنُّوا غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ، وَبِئْسَ مَا ظَنُّوا، إِنْ ذَكَرُوهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَهُمْ، وَإِنْ دَعَوْهُ اسْتَجَابَ لَهُمْ؛ [وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] {الحديد:4}.

    أَيُّهَا النَّاسُ: لَا خَطَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَشَدُّ مِنْ خَطَرِ النِّفَاقِ، وَلَا كَيْدَ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ أَعْظَمُ مِنْ كَيْدِ الْمُنَافِقِينَ؛ فَلَقَدْ فَعَلُوا مَا عَجَزَ عَنْهُ الْكَافِرُونَ، وَحَقَّقُوا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ يُحَقِّقْهُ غَيْرُهُمْ، وَبَلِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ عَظِيمَةٌ، وَامْتِحَانُهُمْ بِوُجُودِهِمْ كَبِيرٌ، وَهُمْ أَشَدُّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُجَاهِرِينَ بِكُفْرِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ] {المنافقون:4}، وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي الْحَصْرَ، وَهُوَ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْأَحَقِّيَّةِ بِالْعَدَاءِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْكُفَّارَ أَيْضًا أَعْدَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وَلِذَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ َمُتَوَعَّدِينَ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ [إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا] {النساء:145}.

    لَقَدْ كَادُوا لِدُوَلِ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا؛ فَسَقَطَ الْقُدْسُ فِي أَيْدِي الصَّلِيبِيِّينَ بِسَبَبِ خِيَانَتِهِمْ، وَاضْمَحَلَّتْ دَوْلَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَقُتِلَ أَشْرَافُهُمْ بِمُؤَامَرَاتِهِمْ وَمُكَاتَبَاتِهِمْ لِلتَّتَرِ الْغَازِينَ، وَتَفَكَّكَتْ دَوْلَةُ بَنِي عُثْمَانَ عَلَى أَيْدِيهِمْ، حِينَ نَخَرُوهَا مِنْ دَاخِلِهَا فَأَسْقَطُوهَا، فَقُسِّمَتْ دَوْلَةُ الْإِسْلَامِ إِلَى دُوَلٍ شَتَّى، وَنَثَرَ الاسْتِعْمَارُ الْصَّلِيبِيُّ الْمُنَافِقِينَ فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْهَا؛ عُيُونًا لَهُمْ، وَعَوْنًا عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ.

    وَلِلْمُنَافِقِينَ شِعَارَاتٌ يَهْتِفُونَ بِهَا، وَمَذَاهِبُ وَأَفْكَارٌ يُؤَسِّسُهَا الْغَرْبُ لَهُمْ فَيَنْتَحِلُونَهَا، وَيَدْعُونَ إِلَيْهَا، وَيَخْدَعُونَ النَّاسَ بِهَا، وَإِبَّانَ سُقُوطِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ كَانَ شِعَارُهُمُ الْقَوْمِيَّاتِ الْجَاهِلِيَّةَ مُعْجُونَةً بِالْأَفْكَارِ الْإِلْحَادِيَّةِ؛ مِنْ بَعْثِيَّةٍ وَاشْتِرَاكِيَّةِ وَنَحْوِهَا، خَدَعَهُمُ الْغَرْبُ بِهَا، حَتَّى مَكَّنَ لِلدَّوْلَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَخَذَلَهُمْ، وَتَشَكَّلَ وَقْتَهَا مَا سُمِيَّ بِـ: دُوَلِ الْصُّمُودِ وَالتَّصَدِّي، وَهَزَمَهَا الْيَهُودُ شَرَّ هَزِيمَةٍ، فِيمَا عُرِفَ بِالنَّكْسَةِ، وَكَانَ النِّظَامُ النُّصَيْرِيُّ الْبَعْثِيُّ يُظْهِرُ الْعِدَاءَ لِلْيَهُودِ فِي الْعَلَنِ، وَهُوَ الَّذِي سَلَّمَ الْجُولَانَ لَهُمْ بِلَا حَرْبٍ، وَطعَنَ الْمُقَاوِمِينِ فِي ظُهُورِهِمْ!

    وَلَمَّا أَجَبْرَ الْغَرْبُ دُوَلَ الطَّوْقِ عَلَى دُخُولِ بَيْتِ الطَّاعَةِ الْيَهُودِيِّ، وَخَرِسَتْ أَبْوَاقُ الْقَوْمِيَّةِ عَنِ ادِّعَاءِ الْبُطُولَاتِ عَقِبَ النَّكْسَةِ، كَانَ الْغَرْبُ قَدْ هَيَّأَ الْبَاطِنِيِّينَ لِيَكُونُوا بَدِيلًا لِلْقَوْمِيِّينَ الْمُنْهَزِمِيِّنَ؛ إِذْ جَاؤُوا بِالْخُمْيَنِيِّ البَاطِنِيِّ وَهُوَ فِي التَّقْيِيمِ الغَرْبِيِّ دَينِيٌّ مُتَعَصِّبٌ مُتَزَمِّتٌ، لَا يَرُوقُ لَهُمْ، جَاؤُوا بِهِ مِنْ فَرَنْسَا بَلَدِ العَلْمَانِيَّةِ؛ لِيَخْلُفَ الشَّاهْ العَلْمَانِيَّ التَّغْرِيبِيَّ؛ إِيذَانًا بِبَدْءِ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ يُرِيدُهَا الغَرْبُ، وَهِيَ ضَرْبُ الإِسْلامِ بِالأَقَلِيَّةِ البَاطِنِيَّةِ فِي العَالَمِ الإِسْلامِيِّ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّ الشُّعُوبَ المُسْلِمَةَ عَادَتْ إِلَى الدِّينِ بَعْدَ إِفْلاسِ القَوْمِيَّةِ وَهَزِيمَتِهَا عَلَى يَدِ الْيَهُودِ، وَلاَ يُضْرَبُ الدِّينُ إِلاَّ بِالدِّينِ، وَالعَلْمَانِيَّةُ لاَ تَسْتَطِيعُ وَحْدَها مُوَاجَهَةَ الإِسْلامَ الصَّاعِدَ فِي المِنْطَقَةِ.

    وَتَمَّ تَرْكِيعُ دُوَلِ الطَّوْقِ، وَاسْتِسْلامُهَا لِلْإِمْلاءَاتِ الْيَهُودِيَّةِ، والعَالَمُ العَرَبِيُّ خَلْفَهَا، إِلَّا النِّظَامَ النُّصَيْرِيَّ، وَالدَّوْلَةَ الصَّفَوِيَّةَ البَاطِنِيَّةَ، وَابْنَهَا حِزْبَ الشَّيْطَانِ فِي لُبْنَانَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَنْظِمَةَ البَاطِنِيَّةَ كَانَتْ تَكْتَسِحُ الشَّارِعَ الإِسْلاَمِيَّ بِمَا تُظْهِرُهُ مِنْ مُقَاوَمَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَتَعِدُهُمْ بِالإِبَادَةِ وَالزَّوَالِ، وَتُطْلِقُ شِعَارَاتٍ تُدَغْدِغُ مَشَاعِرَ النَّاسِ، وَكَانَتْ أَبْوَاقُهَا الإِعْلامِيَّةُ تَصْدَحُ بِالبُطُولاَتِ، وَتُعْلِنُ التَّصَدِّي وَالصُّمُودَ حَتَّى عُرِفَتْ بِهِ، لَكِنَّهَا لَمْ تُطْلِقْ رَصَاصَةً وَاحِدَةً عَلَى مَنْ تَزْعُمُ مُقَاوَمَتَهُمْ!

    وَكَانَ النَّاصِحُونَ مِنْ أَبْنَاءِ الأُمَّةِ، المُطِّلِعُونَ عَلَى حَقِيقَةِ المَذَاهِبِ البَاطِنِيَّةِ يُحَذِّرُونَ النَّاسَ مِنَ الخَدِيعَةِ بِالبَاطِنِيِّينَ، وَيُبَيِّنُونَ عَدَاوَتَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ سَامِعَ لَهُمْ إِلَّا القَلِيلُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى انْكَشَفَ الغِطَاءُ، وَظَهَرَتْ حَقِائِقُ القَوْمِ، وَبَانَ أَنَّ عَدَاءَهُمْ لِلْغَرْبِ، وَمُمَانَعَتَهُمْ لِلْيَهُودِ مَا هِيَ إِلَّا شِعَارَاتٌ فِي العَلَنِ، وَفِي السِّرِّ لِقَاءَاتٌ وَاتِّفَاقَاتٌ، وَتَآمُرٌ عَلَى المُسْلِمِينَ.

    لَقَدْ كَانَ النِّظَامُ النُّصَيْرِيُّ يُفَاخِرُ بِأَنَّهُ الوَحِيدُ البَاقِي مِنْ دُوَلِ الطَّوْقِ العَرَبِيِّ عَلَى المُمَانَعَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّ عَنْهَا، وَلَمْ يَرْضَخْ لِلْيَهُودِ، وَلَمْ يُدَنِّسْ حُكَّامُهُ أَيْدِيَهُمْ بِمُصَافَحَةِ الصَّهَايِنَةِ كَمَا يَقُولُونَ، وَهُوَ الآنَ نِظَامٌ يَذْبَحُ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيدِ بِاسْمِ الصُّمُودِ وَالتَّصَدِّي فِي وَجْهِ الْيَهُودِ، وَبِاسْمِ المُمَانَعَةِ مِنَ الصُّلْحِ وَالاتِّفَاقِ مَعَهُمْ، وَيَرَى أَنَّ هَذِهِ الثَّوْرَةَ مُؤَامَرَةٌ يَهُودِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ النِّظَامُ الوَحِيدُ المُمَانِعُ؟!

    فَهَلْ مَا يَدَّعِيهِ النِّظَامُ النُّصَيْرِيُّ حَقِيقَةٌ؟ وَهَلْ كَانَ نَزِيهًا فِي تَعَامُلاتِهِ مَعَ الأَعْدَاءِ؟ وَهَلْ مَا يُبْدِيهِ وَمَا يُخْفِيهِ سَوَاءٌ؟

    تَعَالَوْا لِنَقْرَأَ شَيْئًا مِنَ التَّارِيخِ الَّذِي كَانَ مَخْفِيًّا ثُمَّ كُشِفَ، وَقَدْ كَشَفَهُ سِيَاسِيُّونَ وَصَحَفِيُّونَ غَرْبِيُّونَ وَيَهَودٌ تَعَامَلُوا مَعَ رُؤُوسِ النِّظَامِ النُّصَيْرِيِّ فِي السِّرِّ، وَدَوَّنُوا ذَلِكَ فِي مُذَكِّرَاتِهِمْ.

    كَتَبَ أَحَدُ عُتَاةِ الصَّهَايِنَةِ المُتَعَصِّبِينَ أَنَّهُ قَابَلَ الأَسَدَ الهَالِكَ قَبْلَ رُبْعِ قَرْنٍ وَقَالَ: لَقَدِ اقْتَنَعْتُ أَنَّ الأَسَدَ يُمْكِنُ التَّعَامُلُ مَعَهُ، وَذَكَرَ نِيكْسُونْ فِي مُذَكِّرَاتِهِ أَنَّ حَافِظَ الأَسَدِ كَانَ مُتَصَلِّبًا فِي مَوَاقِفِهِ العَلِنِيَّةِ، لَكِنَّهُ فِي السِّرِّ يَخْتَلِفُ عَنْ ذَلِكَ.

    وَقَالَ: إِنَّ الأَسَدَ تَخَطَّى تَوَقُّعَاتِي مِنْ خِلالِ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ كِيسِنْجَرْ حَوْلَهُ... وَإِذَا تَجَنَّبَ الاغْتِيَالَ أَوِ الإِطَاحَةَ بِهِ فأَنَّهُ يُمْكِنُنَا الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.

    وَكَانَ كِيسِنْجَرْ يَقُولُ: إِنَّ دُخُولَ الجَيْشِ السُّورِيِّ فِي لُبْنَانَ لَمْ يُعَرِّضِ المَصَاَلِحَ الأَمْرِيكِيَّةَ لِلْخَطَرِ.

    وَأَعَدَّ كَاتِبٌ صَهْيَوْنِيٌّ دِرَاسَةً سِيَاسِيَّةً إِحْصَائِيَّةً عَنْ سُورِيَّا ولُبْنَانَ فِيمَا بَيْنَ عَامَيْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ وَإِحْدَى وَثَمَانِينَ مِيلاَدِيَّةً خَلصَ فِيهَا إِلَى الْتِقَاءٍ وَتَطَابُقٍ فِي المَصَالِحِ بَيْنَ سُورِيَّا وَإِسْرَائِيلَ حَوْلَ لُبْنَانَ وَمُنَظَّمَةِ التَّحْرِيرِ الْفِلَسْطِينيَّةِ مِمَّا مَهَّدَ الطَّرِيقَ لِلْوِفَاقِ بَيْنَهُمَا، ولَقَدْ صَدَقَ فِيمَا قَالَ وَلَوْ كَانَ عَدُوًّا؛ لِأَنَّ المَذَابِحَ الَّتِي فَعَلَهَا الجَيْشُ النُّصَيْرِيُّ وَمُنَظَّمَةُ أَمَلٍ الرَّافِضِيَّةُ بِالْفِلَسْطِينِيِّينَ فِي المُخَيَّمَاتِ اللُبْنَانِيَّةِ تُؤَكِّدُ ذَلِكَ.

    وَذَكَرَ كِيسِنْجَرْ فِي مُذَكِّرَاتِهِ أَنَّ الهَالِكَ الأَسَدَ كَانَ يَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ السُّورِيِّ حَتَّى مِنْ أَقْرَبِ مُعَاوِنِيهِ، وأَنَّهُ فِي المُحَادَثَاتِ الدَّقِيقَةِ يَطْلُبُ مُتَرْجِمِينَ أَجَانِبَ، وَلَا يَسْمَحُ لِأَحَدٍ مِنَ السُّورِيِّينَ حُضُورَ تِلْكَ المُحَادَثَاتِ السِّرِّيَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّ الأَسَدَ قَالَ لَهُ يَوْمًا: مَاذَا يُرِيدُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ؟! لَقَدْ وَافَقْنَا عَلَى مَطَالِبِهِمْ، وَلَنْ نَمَسَّ أَيَّ مُسْتَعْمَرَةٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ. اهـ.

    هَذَا هُوَ رَمْزُ التَّصَدِّي وَالصُّمُودِ!! يَا لِلْخَدِيعَةِ وَالفَضِيحَةِ!

    وَلاَ بُدَّ أَنْ نَسْتَحْضِرَ وَنَحْنُ نَقْرَأُ هَذَا الكَلامَ الوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ؛ إِذْ كَانَ فِي السَّبْعِينيَّاتِ المِيلاَدِيَّةِ، وَهِيَ ذِرْوَةُ العِدَاءِ العَرَبِيِّ الْيَهُودِيِّ، فَيَا لَهَا مِنْ خِيَانَةٍ بَاطِنِيَّةِ لِلْقَوْمِيِّينَ المُغَفَّلِينَ.

    وَاسْتَأْجَرَ الأَسَدُ الهَالِكُ الصَّحَفِيَّ البِريطَانِيَّ بَاتْرِيكْ سِيلْ؛ لِيَكْتُبَ سِيرَتَهُ وَيُلَمِّعَهُ فِيهَا، فَكَتَبَهَا، فَانْتَقَدَهُ وَزِيرٌ فِي الدَّوْلَة الْيَهُودِيَّة بِسَبَبِ أَنَّهُ فِي تَلْمِيعِهِ لِلْهَالِكِ الأَسَدِ ذَكَرَ أَنَّ الأَسَدَ كَانَ مُسْتَعِدًّا لِلدُّخُولِ فِي صَفْقَةٍ مَعَ إِسْرَائِيلَ، وَعَيَّرَ الوَزِيرُ الْيَهُودِيُّ الصَّحَفِيَّ بأَنَّهُ مُسْتَأْجَرٌ لِكِتَابَةِ سِيرَةِ الأَسَدِ، وَفِي أَثْنَاءِ المَشَادَّةِ الكَلاَمِيَّةِ ذَكَرَ الوَزِيرُ الْيَهُودِيُّ أَنَّهُ قَابَلَ الأَسَدَ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ لِقَاءَاتِ الأَسَدِ لَيْسَتْ كُلَّهَا مُعْلَنَةً.

    هَذَا كُلُّهُ أَيَّامَ التَّصَدِّي وَالْمُوَاجَهَةِ، وَقَبْلَ الاتِّفَاقِيَّاتِ العَرَبِيَّةِ المُتَوَالِيَةِ مَعَ الدَّوْلَةِ الْيَهُودِيَّةِ؛ لِنَعْلَمَ أَنَّ التَّصَدِّي البَاطِنِيَّ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا ضِدَّ الْيَهُودِ، وَإِنَّمَا هُوَ ضِدُّ المُسْلِمِينَ، وَلاَ عَزَاءَ لِلْمَخْدُوعِينَ، الَّذِينَ يَتَعَامَلُونَ مَعَ الأَعْدَاءِ البَاطِنِيِّينَ بِسَذَاجَةٍ وَحُسْنِ نِيَّةٍ، وَيُبْعِدُونَ الْقُرْآنَ عَنْ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، مَعَ أَنَّ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى هَدَىً فِي كُلَّ شَيْءٍ، وَفِيهِ بَيَانٌ لِحَقِيقَةِ المُنَافِقِينَ، وَيَكْفِي وَنَحْنُ نُطَالِعُ هَذِهِ الخِيَاناَتِ المُتَتَابِعَةِ الَّتِي اضْطَلَعَ بِهَا النِّظَامُ النُّصَيْرِيُّ فِي سَنَوَاتِ التَّصَدِّي وَالْمُوَاجَهَةِ، ثُمَّ فِي سَنَوَاتِ المُمَانَعَةِ.. يَكْفِي أَنْ نَقْرَأَ وَصْفَ اللهِ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ: [يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ] {آل عمران:154}، هَذِهِ الجُمْلَةُ العَظِيمَةُ تَخْتَصِرُ كُلَّ لِقَاءَاتِ الخِيَانَةِ الأَسَدِيَّةِ مَعَ الدَّوْلَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَحُلَفَائِهَا، وَلاَ عَزَاءَ لِلْمَخْدُوعِينَ، كَفَانَا اللهُ تَعَالَى شَرَّ النِّفَاقِ وَالمُنَافِقِينَ، وَرَدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ خَاسِرِينَ.

    وَأَقُولُ قَوْلِي...



    الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    الحَمْدُ للهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

    أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْرِفُوا حَقِيقَةَ أَعْدَائِكِمْ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بذَلِكَ؛ فقَالَ سُبْحَانَهُ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ] {النساء:71}.

    أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: لَقَدْ فَضَحَتْ أَحْدَاثُ الشَّامِ مَا يُسَمَّى بِدُوَلِ التَّصَدِّي وَالمُمَانَعَةِ، وَكَشَفَتْ عَنْ تَوَاطُئٍ غَرْبِيٍّ شَرْقِيٍّ يَهُودِيٍّ عَلَى أَهَلِ السُّنَّةِ فِي الشَّامِ لِإِبَادَتِهِمْ، فَالشَّرْقُ الشُّيُوعِيُّ يَدْعَمُ فِي العَلَنِ، وَالغَرْبُ يُخَدِّرُ أَهَلَ السُّنَّةِ بِالوُعُودِ وَالمُبَادَرَاتِ، وَمَسْئُولُ الرُّوسِ يُسَوِّغُ فِعْلَ دَوْلَتِهِ بِخَوْفِهِ مِنْ تَمَكُّنِ أَهَلِ السُّنَّةِ فِي الشَّامِ، وَقَبْلَهُ صَرَّحَ مَسْؤُولٌ فِي الدَّوْلَةِ الَّتِي تُمَثِّلُ شُرَطِيَّ العَالَمِ الْيَوْمَ بأَنَّهُ: عِنْدَمَا يَهْوِي نِظَامُ الأَسَدِ، سَتَأْتِي حُكُومَةٌ بِهَا غَالِبِيَّةٌ سُنِّيَّةٌ فِي دِمَشْقَ، وَبِهَذَا يَكْتَمِلُ قَوْسُ الإِسْلامِ السُّنِّيِّ فِي المِنْطَقَةِ؛ لِيَقِفَ ضِدَّ الشِّيعَةِ فِي العَالَمِ.

    وَمَسْؤُولُ الأَمْنِ القَوْمِيِّ الصَّهْيَوْنِيِّ يُصَرِّحُ بأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ الأَسَد فَإِنَّ إِسْرَائِيلَ سَتَسْقُطُ؛ وَلِذَا فَلاَ عَجَبَ أَنْ يُصَرِّحَ المَسْؤُول الرُّوسِيُّ بِأَنَّ: "المَوْقِفَ الدَّوْلِيَّ حَوْلَ مَا يَجْرِي فِي سُورِيَّةَ مُوَحَّدٌ"!

    نَعَمْ، إِنَّهُ مَوْقِفٌ مُوَحَّدٌ قَدْ وُزِّعَتْ فِيهِ الأَدْوَارُ بَيْنَ الكِبَارِ لِتَمْكِينِ النُّصَيْرِيِّينَ مِنْ ذَبْحِ أَهَلِ السُّنَّةِ وَإِبَادَتِهِمْ، وَهُنَا فَقَطْ خَرِسَتِ الأَصْوَاتُ اللِّيبْرَالِيَّةُ وَالتَّنْوِيرِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ مِنْ قَبْلُ تُحَذِّرُ مِنَ التَّنَاوُلِ الطَّائِفِيِّ لِلْمَسَائِلِ السِّيَاسِيَّةِ عِنْدَمَا كَانَ شُيُوخُ أَهَلِ السُّنَّةِ يُحَذِّرُونَ مِنَ المَدِّ البَاطِنِيِّ فِي المِنْطَقَةِ، فَمَا بَالُهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ الآنَ، وَهُمْ يَرَوْنَ المَذَابِحَ الطَّائِفِيَّةَ تَكْسُو أَرْضَ الشَّامِ دَمًا مَسْفُوحًا، وَجُثَثًا مُقَطَّعَةً، وَبَشَرًا يُحْرَقُونَ، وَضَعَفَةً يَسْتَغِيثُونَ، قَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا المَلاحِدَةُ الرُّوسُ مَعَ الفُرْسِ الصَّفَوِيِّينَ مَعَ بَاطِنِيَّةِ العِرَاقِ وَلُبْنَانَ عَلَى أَهَلِ السُّنَّةِ فِي سُورِيَّا ذَبْحًا وَقَنْصًا وَقَصْفًا وَتَدْمِيرًا، وَالغَرْبُ يَغُلُّ أَيْدِي العَرَبِ عَنْ تَقْدِيمِ العَوْنِ لِإِخْوَانِهمُ المَنْكُوبِينَ! تِلْكَ هِيَ الطَّائِفِيَّةُ الَّتِي سَكَّهَا الغَرْبُ فِي مَعَامِلِهِ البَحْثِيَّةِ، وَقَذَفَ بِهَا سِلاحًا يَرْمِي بِهِ البَاطِنِيُّونَ غَيْرَهُمْ، وَيُؤَازِرُهُمْ عَلَيْهَا اللِّيبْرَالِيُّونَ وَالتَّنْوِيرِيُّونَ، لَكِنْ لاَ أَحَدَ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُ الآنَ عَنْ المَذَابِحِ الصَّفَوِيَّةِ والنُّصَيْرِيَّةِ الطَّائِفِيَّةِ فِي العِرَاقِ وَسُورِيَّا!

    وَلَوْ كَانَ الغَرْبُ صَادِقًا فِي قَلَقِهِ مِنْ نَوَوِيِّ الدَّوْلَةِ الصَّفَوِيَّةِ لَكَانَ إِسْقَاطُ النِّظَامِ النُّصَيْرِيِّ فُرْصَتَهُ السَّانِحَةَ لِإِضْعَافِ الصَّفَوِيِّينَ، وَقَطْعِ أَذْرِعَتِهِمُ المُمْتَدَّةِ فِي المِنْطَقَةِ، ولَكِنَّهَا حِيَلُ الغَرْبِ وَمُخَادَعَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

    إِنَّ أهَلَ الشَّامِ الْيَوْمَ يَقِفُونَ رَدْءًا لِلْأُمَّةِ ضِدَّ المَشْرُوعِ الصَّفَوِيِّ، وَكَسْرُهُمْ لِلنُّصَيْرِيِّينَ سَيَكُونُ كَسْرًا لِلْهِلالِ البَاطِنِيِّ الَّذِي زَرَعَهُ الغَرْبُ لِتَطْوِيقِ بِلادِ المُسْلِمِينَ، وَإِنَّ الأَيَّامَ القَادِمَةَ حُبْلَى بِأَحْدَاثٍ عَظِيمَةٍ، نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا خَيْرًا لِلْإِسْلامِ والمُسْلِمِينَ، فَانْصُرُوا إِخْوَانَكُمْ فِي بِلادِ الشَّامِ بِمَا تَسْتَطِيعُونَ مِنْ نُصْرَةٍ، وَأَكْثِرُوا لَهُمْ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ كَرْبَهُمْ شَدِيدٌ، وَإِنَّ مِحْنَتَهُمْ عَظِيمَةٌ، وَقَدِ اجْتَمَعَ الأَعْدَاءُ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ حَدْبٍ وَصَوْبٍ، وَهُمْ مَعْقِدُ الأُمَّةِ وَأَمَلُهَا بَعْدَ اللهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ الحَرِجَةِ، وَنَصْرُهُمْ عِزٌّ لِلْإِسْلامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَكَسْرٌ لِلْبَاطِنِيِّينَ، وَإِضْعَافٌ لِلْمَشَارِيعِ الصَّلِيبِيَّةِ الصِّهْيَوْنِيَّةِ فِي المِنْطَقَةِ، وَإِنَّنَا لَنَرْجُو لَهُمُ النَّصْرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَنَسْتَبْشِرُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة:249}، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: [وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ] {الصَّف:13}، وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: [وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ] {آل عمران:126}.

    وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ..
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    خطبة عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر والترغيب في دعوة غير المسلمين الى الاسلام للعلامة ابن عثيمين رحمه الله


    الحمدُ لله القوي العزيز، الرقيب الشهيد، يدبِّر خلقه كما يشاء بحكمته فهو الفعال لِمَا يريد، أحكَمَ ما شَرَعَ، وأتقَنَ ما صَنَعَ فهو الولي الحميد، حَدَّ لعباده حدودًا، ونظَّم لهم تنظيمًا، وقال: ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:153]، فصار الناس على أقسام: كافر بالله ومؤمن بالله، والمؤمن بالله على أقسام: منهم الظالِمُ لِنَفسِه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله
    وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضدَّ له ولا نديد، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله القائم بأمر الله الناصح لعباد الله على الرشد والتسديد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد، وسلَّم تسليمًا .
    أما بعد:
    فقد قال الله تعالى في كتابه موجِّهًا الخطاب إلى الناس عمومًا، قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]، وقال جلَّ وعلا:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1-2]، وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾[البقرة: 281]، وقال تعالى:﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25] .
    عباد الله، لا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا يغرنَّكم بالله الغرور، لا تغرنَّكم الأموال لكثرتها ولا يغرنَّكم رغد العيش ونضارة الدنيا وزهرتها، ولا يغرنَّكم ما أنعمَ الله به عليكم من العافية والأمان، ولا يغرنَّكم إمهاله لكم مع تقصيركم في الواجب وارتكابكم العصيان .
    إن اغتراركم بهذا من الأماني الباطلة والآمال الكاذبة؛ إنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .
    عباد الله، لقد انتشرت في الأمة الإسلامية كثيرٌ من المعاصي حتى أصبح ما كان منكرًا بالأمس معروفًا اليوم؛ إن بعض الناس أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات؛ إن بعض الناس تعاملوا بالربا ومنعوا الزكاة؛ إن بعض الناس ابتعدوا عن الحياء وانتهكوا الحرمات، إنهم صاروا كالبهائم يطلبون مُتع الدنيا وإن أضاعوا الدين، صدُّوا عن سبيل الله واتّبعوا سبل الكافرين، زُيّن لهم سوء أعمالهم فظنوا ذلك تحرُّرًا وتقدّمًا وتطورًا وما علموا أن ذلك تحرر من رقِّ العبادة ولكنه رقٌّ في قيد الشيطان؛ لأن الرقَّ تحت قيود الهوى هو التأخر، فاتَّقوا الله أيها المسلمون.وإني أقول:أسباب هذا التهور في كثير من الأمة الإسلامية ترجع إلى أمرين:
    أحدهما: ضعف الدين في النفوس وقوة الداعي إلى الباطل .
    والثاني: ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمداهنة في دين الله، وإن حماية الدين لا تكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بما أمر الله به ورسوله والنهي عمَّا نهى الله عنه ورسوله بقصدِ النصيحة لله ولعباد الله .
    أيها المسلمون، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على هذه الأمة التي هي أفضل الأمم وأكرمها على الله إن استقامت على دين الله فإن لم تستقم على دين الله فهي من أرذلِ عباد الله؛ لأنها كفرت نعمةً هي أفضل النعم التي أنعم الله بها على عباده، لقد قال الله تعالى:﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 104-105] .
    فإنْ نحن قمنا بما أمرنا الله به بهذه الآية وبغيرها من الآيات الكريمة وبالسنَّة النبويَّة، إن قمنا بهذا فإننا نحن خير الأمم وأكرمها على الله عزَّ وجل .
    وإنه لَيُمكن التساؤل: ما هو المعروف الذي نأمر به وما هو المنكر الذي ننهى عنه ؟
    والجواب على ذلك أن المعروف: كلّ ما أمر الله به ورسوله، والمنكر: كل ما نهى الله عنه ورسوله، هذه هي القاعدة في بيان المعروف وبيان المنكر، فما أمرَ الله به ورسوله فهو معروف وما نهى الله عنه ورسوله فهو منكر
    إذنْ: لا بدَّ للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أن يعلم أن هذا معروف يؤمر به وأن هذا منكر يؤمر به، ولا يُعرف المعروف بما اشتهر عند العامة؛ فإن العامة قد يشتهر عندهم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا ولكنّ المرجع في معرفة ذلك إلى كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
    إذًا: فيتحتَّم على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعلم أن هذا الذي أمر به مِمَّا أمر الله به وأن هذا الذي نهى عنه مِمَّا نهى الله عنه وحينئذٍ فيحسُن أن تكون دروس في جميع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُبيَّن للأعضاء فيها ما هو المعروف وما هو المنكر لاسيما فيما شاع بين الناس حتى لا يضلّوا فيأمروا بمنكر أو ينهوا عن معروف .
    ولا بدَّ أيضًا بعد أن نعلم أن هذا معروف وأن هذا منكر، لا بدَّ أن نعلم أن هذا قد ترك المعروف وأن هذا قد وقع في المنكر؛ لأن الإنسان قد يترك الشيء المعروف لعذر قام به أو قد يكون قد فعَلَه والآمر لا يعلم به .
    مثال الأول: أن ترى شخصًا يصلي الفريضة قاعدًا فهنا لا بدَّ أن تعلم لماذا كان يصلي قاعدًا ؟ ربما يكون معذورًا؛ لأن المريض إذا لم يستطع الصلاة قائمًا فإنه يصحُّ أن يصلي جالسًا لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب» ولهذا لَمَّا دخل رجل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجلس الرجل فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَصَلَّيت ؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين» فلم يأمره بالصلاة ركعتين حين جلس حتى علمَ أنه لم يصلهما .
    وكذلك لو رأينا شخصًا يفعل شيئًا مُحرّمًا ولكنه يفعله لعذر فإننا لا بدَّ أن نستفصل هل لك عذر ؟ إذا قال:نَعم فإننا لا ننهاه في الحال التي يجوز له أن يفعل هذا الذي كان منكرًا على غيره؛ ولهذا يجب التثبت على الآمر والناهي ألا يأمر إلا بما يعلم أنه معروف شرعًا وبما يعرف أن هذا الرجل قد تركه وألا ينهى إلا عمّا يعلم أنه منكر شرعًا وأن هذا الرجل وقع فيه، ولكن لا بدَّ من الاستفصال قبل الأمر والنهي إذا كنت شاكًّا في وضع الرجل .
    أيها الإخوة، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على فئة معيَّنة من الناس كما يتوهَّمه بعض العامة، يقولون:إذا كان في البلد هيئة قائمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه ليس علينا أن نأمر بالمعروف ولا أن ننهى عن المنكر، ولكن هذا ظنٌّ فاسد؛ لأن الأوامر التي تأمر الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر عامَّة ليست خاصة بشخص دون شخص .
    أيها الإخوة المسلمون، إن الأمة لا يمكن أن تكون أمة قوية مرموقة حتى تَتَّحد في أهدافها وأعمالها ولا يمكنها ذلك حتى تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتكون على دينٍ واحدٍ في العقيدة وفي القول وفي العمل صراطًا مستقيمًا، صراط الله الذي له ما في السماوات والأرض .
    أما إذا لم تقم بذلك -ونسأل الله تعالى أن يجنِّب الأمة الإسلامية هذا - إذا لم تقم بذلك؛ أي:بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها تتفكَّكُ وتنفصم عراها:يكون لكل واحد هدف ولكل واحد طريق ولكل واحد عمل فيتفرَّقون أحزابًا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 32]، ولقد قال الله تعالى موجِّهًا الخطاب لنبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159] .
    أيها المسلمون، إذا لم نقم بأمر الله ونسعَ في إصلاح مجتمعنا بالالتزام بدين الله فمَن الذي يقوم بذلك ؟ مَن الذي يسعى لهذا ؟ وإذا لم نتكاتف على منع الشر والفساد فإننا كلنا هالك، استمعوا إلى الآية التي سقناها أولاً: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25] .
    وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاهُ تعذيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون جليسه أو يأكل معه، فلمَّا رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ولَعَنهم على لسان نبيّهم داوود وعيسى بن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78]، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ولتأخذنَّ على يد السفيه ولتأطرنَّه على الحق أطرًا أو ليضربنَّ الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم» .
    «ولَمَّا فتح المسلمون جزيرة قبرص تفرَّق أهلُها وبكى بعضهم إلى بعض فرئي أبو الدرداء - رضي الله عنه - يبكي فقيل له: ما يبكيك في يوم أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله ؟ فقال: ويْحك ! ما أهون الخلق على الله - عزَّ وجل - إذا هم أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى» .
    فيا عباد الله، إن الواجب علينا أن نكون أمة واحدة متآلفة على الحق، متعاونة في الحق، لا نتفكَّك ولا نتفرَّق، لا نُعادي إلا مَن عاداه الله ورسوله ونوالي مَن والاه الله ورسوله .
    إن على كل واحد منَّا أن يتفقَّد أهلَه وولده، وأن ينظر في جيرانه، وأن ينظر في أهل حيِّه، وأن ينظر في عموم المسلمين فيقوم بِما يستطيع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يحقَّ علينا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16]، أو قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] .
    اللهم إنَّا نسألك في مقامنا هذا أن تُلهمنا رشدنا، اللهم ألْهمنا رشدنا، وهيئ لنا الخير، واجمع كلمتنا على الحق، وأبْرِم لهذه الأمة أمرًا يؤمر فيه بالمعروف ويُنهى عن المنكر، يُعزّ فيه أهل الطاعة ويُذل فيه أهل المعصية؛ إنك على كل شيء قدير .
    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم .
    الخطبة الثانية
    الحمدُ لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن بهداهم اهتدى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا .
    أما بعد:
    أيها الناس، اتَّقوا الله تعالى، تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ادعوا إلى الله على بصيرة حتى يهدي الله على أيديكم من شاء من عباده فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حمر النَّعم» .
    أيها الإخوة، ما أكثر القوم العمال الذين هم في بلادنا وهم على غير دين الإسلام وما أقل الذين يدعونهم إلى دين الله وهذا بلا شك تفريط منَّا وتقصير منّا .
    إن هؤلاء القوم الذين جاؤوا إلى هذه البلاد، جاؤوا يكتسبون الرزق مِمَّا بأيدينا مِمَّا أعطانا الله عزَّ وجل، وإذا كان الأمر هكذا فإنهم سوف يكونون قريبين مِمَا نقول لهم وقريبين مِمَا نرشدهم عليه، أفلا يجدر بنا ونحن المسلمين دعاة الحق أن ندعو هؤلاء إلى دين الإسلام ؟
    لقد كان النصارى يجوبون البلاد شرقًا وغربًا مع التعب والمشقّة ويحملون الزاد والمزاد والنقود من أجل أن يدعوا الناس إلى دين الضلال -إلى دين النصارى - الذين نقرأ في كل صلاة بل في كل ركعة من صلاة أنهم ضالُّون نشهد عليهم بذلك ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] .
    هؤلاء الضُّلال يجبون الأرض شرقًا وغربًا ومعهم الدعاية الحسيَّة والبيانية اللفظية ومع هذا فإنهم لا يجدون من القبول إلا القليل، لا يقبل منهم إلا مَن كانوا فقراء محتاجين إلى أموالهم أو جُهَّالاً يلتبس عليهم الحق بالباطل، أما نحن فلم نجد أحدًا يفعل ذلك بل هؤلاء الذين ليسوا بمسلمين هم بأحضاننا اليوم يكتسبون مِمَّا رزقنا الله عزَّ وجل، ومع ذلك فإن القليل القليل القليل منَّا مَن يدعوهم إلى الإسلام ويرغّبهم فيه ويُحيلهم على مكتب الدعوة والجاليات في هذا البلد لعلَّ الله أن يهديهم فيهتدي بهم أهلُهم هناك وكذلك جيرانهم ومَن شاء الله عزَّ وجل .
    إنني أحثكم أيها المسلمون، أحثّ مَن كان عنده عمّال غير مسلمين أن يعرض عليهم الإسلام ويرغِّبهم فيه ويُحيلهم على مكتب الدعوة والجاليات حتى يدرسوا عن الإسلام ما ينفعهم الله به، أما أن نسكت وندع هؤلاء الجهَّال بين أيدينا دون أن نعلّمهم بالإسلام وندعوهم إليه فإن هذا تقصير منّا وأخشى أن نُحاسب عليه يوم القيامة .
    فاتَّقوا الله - أيها المسلمون - وادعوا إلى دين الله على بصيرة وكونوا من أئمة الخير ودعاة الهدى يُعظم الله لكم الأجر .
    واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، فعليكم بالجماعة، عليكم بالجماعة وهي:الاجتماع على دين الله ومنها الاجتماع على فرائض الله: الصلوات الخمس في المساجد؛ فإن يد الله على الجماعة، ومَن شَذَّ شَذَّ في النار .
    وأكْثروا من الصلاة والسلام على نبيِّكم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فإن الله تعالى أمركم بذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] .
    اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارزقنا محبَّته واتِّباعه ظاهرًا وباطنًا، اللهم توفَّنا على ملَّته، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم أَسْقنا من حوضه، اللهم أَدْخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنات النَّعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين .
    اللهم لا تَحُلْ بيننا وبين ذلك بسوء أفعالنا، اللهم عاملنا بعفوك ومغفرتك يا أرحم الراحمين، اللهم تقبَّل منَّا؛ إنك أنت السميع العليم .
    اللهم وارضَ عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي أفضل أتباع المرسلين، اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارضَ عنَّا معهم وأَصْلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين .
    اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أَصْلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم هيئ لولاة الأمور بطانةً صالحةً تدلّهم على الخير وتحثّهم عليه وأَبْعد عنهم كل بطانة سوء يا رب العالمين .
    اللهم انصر إخوانا المجاهدين في سبيلك في كل مكان على أعدائهم الظالمين المعتدين يا رب العالمين .
    اللهم إنَّا نسألك أن نكون من الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الداعين إلى الله على بصيرة، اللهم اجعلنا هداةً مُهتدين، صالحين مُصلحين يا رب العالمين، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10] ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ - فاغفر لنا وارحمنا -﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] .
    اللهم أنت الغني ونحن الفقراء أَنْزل علينا الغيث، اللهم أنت الغني ونحن الفقراء أَنْزل علينا الغيث، اللهم أنت الغني ونحن الفقراء أَنْزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .
    اللهم أَغِثنا، اللهم أَغِثنا، اللهم أَغِثنا، اللهم أَغِثنا غيثًا مُغيثًا، هنيئًا مريئًا، اللهم سُقيا رحمة لا سُقيا بلاء ولا عذاب ولا هدْم ولا غرق، اللهم إنك تعلمُ حالنا فارحمنا يا رب العالمين .
    اللهم أَنْزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أَنْزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أَنْزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .
    يا مَن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له:كُنْ فيكون، نسألك اللهم أن ترحمنا وتُغيثنا، اللهم ارحمنا وأَغِثنا يا رب العالمين .
    اللهم إنا مقرُّون بظلم أنفسنا وتقصيرنا فيما أوجبت علينا فعاملنا بالعفو والمغفرة وجُدْ علينا بالفضل والرحمة يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم .
    اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 04-27-12 الساعة 1:31 AM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    17 - 9 - 2006
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    41
    جزاك الله خيرا وادخلك فسيح جناته
    كل عام وانتم بخير ورمضان كريم

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    17 - 9 - 2009
    المشاركات
    462
    [I



    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 04-09-15 الساعة 11:46 PM
    اللهُمَّ من شنَّ على المُجاهدينَ حرباً ، اللهُمَّ فأبطِل بأسه.ونكِّس رأسَه. واجعل الذُلَّ لِبَاسَه. وشرِّد بالخوفِ نُعاسَه. اللهُمَّ مَن كانَ عليهم عينا ًفافقأ عينيه. ومن كانَ عليهِم أُذُناً فصُمَّ أُذُنيه. ومن كانَ عليهِم يداً فشُلَّ يَديْه. ومن كانَ عليهِم رِجلاً فاقطع رِجليْه.ومن كانَ عليهم كُلاًّ فخُذهُ أخذَ عزيزٍ مُقتدرٍ يا ربَّ العالمين.



  9. #9
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    خطبة عن تعظيم الاشهر الحرم للشيخ محمد العثيمين رحمه الله
    http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=104727
    خطبة المسجد الحرام - 16 شعبان 1433 -عن الإحسان - الشيخ صالح بن حميد
    الإحسان
    الخطبة الأولى
    الحمد لله، الحمد لله استخلفَ الإنسانَ في الأرض ليعمُرها، وخلق له ما في السماوات وما في الأرض وسخَّرَها، أحمده - سبحانه - وأُثني عليه والَى علينا نعمَه وآلاءَه لنشكُرَها، ومن رامَ عدَّها فلن يحصُرَها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ حقٍّ ويقينٍ أرجو عند الله أجرَها وذُخرَها، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله رسمَ معالمَ الملَّة وأظهرَها، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه كانوا أفضلَ هذه الأمة وأكرمَها وأبرَّها، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
    أما بعد:
    فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - عز وجل - رحمكم الله -، وأخلِصُوا لربكم القصدَ والنيةَ فإنما الأعمالُ بالنياتِ، واجتهِدوا في الطاعة فقد أفلحَ من جدَّ في الطاعات، والزَموا الصدقَ في المُعاملة فإن دين الله في المُعاملات.
    بادِروا - رحمكم الله - إلى ما يحبُّه مولاكم ويرضاه؛ فكلُّ امرئٍ موقوفٌ على ما اقترفَه وجناه يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [النبأ: 40]، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 30].
    أيها المسلمون:
    كلمةٌ عظيمةٌ تتضمَّن معاني واسعة تدور حول صلاح الإنسان وفلاحه في معاشه ومعاده، ونفسه وأهله ومُجتمعه، وفي كل ما حوله من حيوانٍ ونباتٍ وجمادٍ. كلمةٌ تدخلُ في الدين والعبادة، والقول والعمل، والخُلُق والمظهر والسلوك. كلمةٌ عظيمةٌ لها مدارُها في التعامُل والتعايُش، ولها آثارُها في رأبِ الصدع، وتضميد الجراح، وغسلِ الأسَى، وزرعِ التصافِي، والدفع إلى التسامِي صُعُدًا في مكارم الأخلاق.
    كلمةٌ إليها ترجع أُصولُ الآداب وفروعُها، وحُسنُ المُعاشرة وطرائِقُها. كلمةٌ هي غايةُ الغايات، ومحطُّ نظر ذوي الهِمَم العاليات. هذه الكلمة العظيمة يُوضِّحُها ويُجلِّيها حديثان صحيحان عن نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -:
    أما الأولُ: فقد سأل عن هذه الكلمة جبريلُ - عليه السلام - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين قال له: أخبِرني عن الإحسان. قال: «الإحسانُ: أن تعبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
    وأما الحديثُ الثاني: فحديثُ أبي يعلَى شدَّاد بن أوسٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ؛ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلَة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرَته، وليُرِح ذبيحتَه».
    أخرج الحديثين: الإمامُ مسلمُ بن الحجاج في "صحيحه"، وأصحاب السنن.
    معاشر الإخوة:
    الإحسانُ مُشتقٌّ من الحُسن، وهو نهايةُ الإخلاص، والإخلاصُ على أكمل وجوهه من الإتقان والإحكام والجمال في الظاهر والباطن.
    والإحسانُ في العبادة: أن تعبُد الله كأنك تراه، فهو قيامٌ بوظائف العبودية مع شهودك إياه. فإن لم تكن تراه فإنه يراكَ؛ أي: فتكون قائمًا بوظائف العبودية مع شهوده إياك.
    إنه مُراقبةُ العبد ربَّه في جميع تصرُّفاته القولية والعملية والقلبية، علمُ القلب بقُرب الربِّ، فهو من أعلى مقامات التعامُل مع الله.
    أيها المسلمون:
    الإحسانُ مطلوبٌ في شأن المُكلَّف كلِّه؛ في إسلامه، وإيمانه، وفي عباداته، ومُعاملاته، وفي نفسه، ومع غيره، وفي بدنه، وفي ماله، وفي جاهِه، وفي علمِه وعمله.
    وأولُ مقامات الإحسان: الإحسانُ في حقِّ الله - عز وجل -، وهو الإحسانُ في توحيده: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19]، فيُوحِّدُ المُسلمُ ربَّه على الشهود والعِيان كما عبدَه بالدليل والبُرهان.
    ومن الإحسان في التوحيد: الرضا بمقادِر الله؛ فيُظهِرُ الرضا والقبول في المنع والعطاء: «عجبًا لأمر المُؤمن وأمرُه كلُّه خيرٌ؛ إن أصابَته سرَّاء شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرَّاء صبرَ فكان خيرًا له، ولا يكونُ ذلك إلا للمؤمن».
    وهل عوَّدك ربُّك - يا عبد الله - إلا إحسانًا؟! وهل أسدَى إليك إلا جودًا ومِنَنًا؟!
    ومن الإحسان في توحيده: فهمُ العلاقة بين السببِ والمُسبِّبِ، «وإذا سألتَ فاسأل اللهَ»، فيتوجَّه العبدُ بقلبه لربه ربِّ الأرباب ومُسبِّب الأسباب طالبًا منه، مُعتمِدًا عليه، راضيًا عنه.
    ومن الإحسان: تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في صدق محبَّته، ولزوم طاعته، وحُسن مُتابعته، وعدم مُجاوزة شرعه، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31].
    ومن الإحسان: إحسانُ العبد في عبادته ربَّه، والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وإحسان العبادة: الإخلاص، والخشوع، وفراغُ البال، ومُراقبة المعبود؛ فللصلاة طهورُها، وآدابُها، وسُننها، وسكينتُها، وقُنوتُها، وطُمأنينتُها حتى تقول لصاحبها: حفِظَك الله كما حفِظتَني.
    والإحسانُ في الزكاة والإنفاق: أن يُخرِج من طيِّب ماله بطِيبٍ من نفسه من غير منٍّ ولا أذًى، شاكرًا لربه فضلَه؛ إذ جعلَ يدَه هي اليدَ العُليا.
    والإحسانُ في الصيام: الصومُ إيمانًا واحتسابًا، يدَعُ الصائمُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجل ربِّه ومولاه، ولخَلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريحِ المِسك.
    والإحسانُ في الحجِّ: أن يُهِلَّ الحاجُّ بالتوحيد، مُتمِّمًا الحجَّ والعُمرةَ لله، مُجتنِبًا الرَّفَثَ والفسوقَ والجِدالَ، فمن حجَّ ولم يرفُث ولم يفسُق خرجَ من ذنوبه كيوم ولدَتْه أمُّه.
    أيها الإخوة الأحِبَّة:
    وبعد حقِّ الله في الإحسان في توحيده وفي عبادته، وحقِّ رسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - في الطاعة والمُتابعة يأتي الإحسانُ إلى عباد الله، ويأتي في المُقدِّمة الوالِدان: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 23، 24].
    ويتبَعُ الإحسانَ إلى الوالدَيْن: الإحسانُ إلى الرَّحِم وذوي القُربَى؛ بالبرِّ والصلة واللُّطفِ في القول والعمل، وليس الواصِلُ بالمُكافِئ ولكنَّ الواصِلَ من إذا قطعَت رحِمُه وصلَها.
    ومن الإحسان: الإحسانُ إلى اليتَامَى والمساكين والضُّعفاء وأصحابِ الحاجات الخاصَّة؛ قولٌ ليِّن، وإنفاقٌ من غير منٍّ، ومُعاملةٌ من غير عُنف، وصادِقُ الخدمة، ورفعُ مُعاناتهم، وعدمُ التعالِي عليهم، والحَذَرُ من إشعارهم بما ابتُلوا به، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ [الضحى: 9، 10]، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 8، 9].
    وممن يتعيَّنُ الإحسانُ إليهم: الغُرباءُ وأبناءُ السبيل والوافِدون، فهم لا يعرِفون الأعرافَ الجارية ولا العادات السائدة؛ بل لا يعرِفون منكم إلا أخلاقَكم وحُسن تصرُّفكم.
    ولا تغفَلوا عن الإحسان إلى المُعسَرين من المَدينين، فتكون المُطالَبة بالمعروف، والإنظارُ إلى ميسَرة، وتجاوَزوا لعلَّ الله أن يتجاوَزَ عنكم في يومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتَى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.
    وأحسِنوا في بيعكم وشرائِكم، وحُسن التقاضِي فيما بينكم؛ فرحِمَ الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، وسمحًا إذا قضَى، وسمحًا إذا اقتضَى.
    ومن الإحسان: الإحسانُ بترك المُحرَّمات واجتنابها بالكلية، والانتهاء عنها ظاهرًا وباطنًا، وفي التنزيل العزيز: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام: 120].
    أما الإحسانُ إلى الحيوان؛ ففي كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ.
    وللجماد نصيبُه من خُلُق المُسلم وإحسانه، وأُحُد جبلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه.
    عباد الله:
    أما قولُه - عليه الصلاة والسلام -: «فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلَة، وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحَة»، فهذا شأنٌ عظيمٌ في دين الإسلام، فالله أكبر؛ استحقاقُ القتل لا يُنافِي الإحسان في كيفيَّته وآلته. قال أهل العلم: ضربَ المثالَ بالقتل والذبحِ الذي ربما يُتوهَّم أنه في غاية البُعد عن الإحسان.
    إن الإحسانَ في الإسلام يرسُمُ ويُرسِّخُ القِيَم الإنسانيةَ العُليا، ويترفَّعُ عن الأحقاد والضغائن، نعم؛ الذي يستحقُّ القتلَ قد لا يُفيدُه ولا ينفعُه ترفُّقُك به، وإنما تتجلَّى القيمةُ في سُمُوِّ إنسانية المُسلم وعلوِّ منزلة الأخلاق عنده.
    إن خُلُق الإحسان هذا وعلى هذه الصفة هو الذي يُجسِّدُ التحضُّر والسُّلُوكَ الإنسانيَّ الراقي، ويتجلَّى الإحسانُ فيه، «الراحِمون يرحمُهم الرحمن»، «وما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه».
    ومن اللطائف: ما ذكرَه بعضُ أهل العلم في قوله - سبحانه -: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد: 4]، وفي قوله - عزَّ شأنه -: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ [الأنفال: 12].
    قال أهل العلم: "إن المقصودَ الإحسانُ في القتل حتى في حال الحربِ والقتالِ والكُفرِ وشدِّ الوَثاق".
    معاشر المسلمين:
    ذو الإحسان ينطلقُ في ميادين الإصلاح الواسِعة يبذُلُ ما في وُسعه، ينشرُ الخيرَ والفضلَ والبرَّ في كل ما يُحيطُ به أو يمُرُّ به. المُحسِنُ عنصرٌ صالحٌ، ومُسلمٌ مُستقيمٌ مع نفسه ومع الآخرين، لا يصدُرُ عنه إلا ما يُحبُّه لنفسه ويرضاه للآخرين، وفي مسلَكه تزدادُ الحياةُ استقامة، والمحبَّةُ عُمقًا، وتسُودُ الثقة، وتنتشرُ الطُّمأنينةُ، فيكونُ الإنتاجُ المُثمِر، والسعادةُ الشامِلة.
    المُحسِنُ شخصيَّةٌ مُهذَّبةٌ راقِيةٌ، يستبطِنُ بين جوانِحه جُملةً من مكارِمِ الأخلاق تدورُ بين العدل والإحسان وفقَ توجيهات الشرع وترتيباته وأولوياته.
    الإحسانُ مِعيارُ قياس نجاح العلاقات، وثباتها، ودوامِها، وإذا كان العلُ أساسَ الحُكم وقيامِ الدول فإن الإحسانَ هو سبيلُ رُقِيِّها ورفعتِها وتقدُّمها، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90].
    ومن أجل هذا - عباد الله - كان جزاءُ الإحسان عظيمًا؛ فإن الله –عزَّ شأنه - أحسنُ صِبغة، وأحسنُ قيلًا، ومن أقرضَ اللهَ قرضًا حسنًا وأبلَى بلاءً حسنًا ضاعفَ له المثوبةَ أضعافًا كثيرةً، ومنَّ علينا - سبحانه - بالرزقِ الحسن والمتاع الحسن في الدنيا، والحُسنى وزيادة في الأُخرى، ولمن أحسنَ في هذه الدنيا حسنة، ومن هاجرَ إليه بوَّأه في الدنيا حسنة، ومن اقترفَ حسنةً زادَ له فيها حُسنًا، ومن سألَه في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً فله نصيبٌ مما كسَب، ومن صدَّق بالحُسنى ودعاه بأسمائه الحُسنى أعطاه في هذه الدنيا الحُسنى، وجعلَه من الذين سبقَت لهم في الآخرة الحُسنى.
    وكلما كان الإيمانُ أكمل والعملُ أحسن كان الجزاءُ أوفَى والثوابُ أعظم، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: 34]، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: 16]. وللمُحسِنات من النساء مثلُ ذلك: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 29].
    وبعدُ، عباد الله:
    فيقول الإمام النووي - رحمه الله -: "الإحسانُ هو عُملةُ الصدِّيقين، وبُغيةُ السالكين، وكنزُ العارفين، ودأبُ الصالحين، وهل جزاءُ من صبرَ على البلوَى إلا التقرُّبُ من المَولَى؟ وهل جزاءُ من أسلمَ قلبَه لربِّه إلا أن يكفِيَه ويحفظَه".
    فإذا حكمتُم فاعدِلوا، وإذا تعاملتُم فأحسِنوا؛ فإن الله مُحسنٌ يحبُّ المُحسنين.
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [النحل: 30، 31].
    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهديِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


    الخطبة الثانية
    الحمد لله، الحمد لله على توفيقه وإحسانه وإرشاده، والشكرُ له على توالِي فضلِه وازدياده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تقُودُ صاحبَها إلى فوزه وإسعاده، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أفضلُ رُسُله وخيرُ عباده، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم معاده.
    أما بعد، أيها المسلمون:
    إن للإحسان آفاقه الواسِعة في هذه الحياة؛ فهو ميزانُها الدقيقُ في كل جوانبها؛ بل هو خُلُقٌ عظيمٌ يتجاوزُ المُعاملةَ بالمثلِ أو ردَّ الجَميل، أو الشكرَ على الصنيع، إنه يرتفعُ بصاحبِه ويسمُو به إلى أن يُحسِنَ للناس ابتِداءً ولو لم يسبِق له منهم إحسانٌ؛ بل يترقَّى إلى مرتبةٍ أعلَى حين يُقابِلُ إساءَتهم إليه بالإحسان إليهم، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون: 96].
    مُقابلةُ الإساءة بالإحسان هي التِّرياقُ النافعُ في مُخالطَة الناس، والدواءُ الناجِعُ لإصلاحِهم وبثِّ الأمان فيهم. إحسانٌ تتحوَّلُ العداوةُ معه إلى صداقةٍ، والبُغضُ إلى محبَّة. الإحسانُ هو دواءُ السيئة وجزاؤُها من أجل أن تُسلَّ السخائِم، ويُقضَى على الضغائِن فينقلبُ العدوُّ صديقًا، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 34، 35].
    يقول الثوري - رحمه الله -: "الإحسانُ أن تُحسِنَ إلى المُسيءِ؛ فإن الإحسانَ إلى المُحسِن تجارة"؛ أي: مُعاوَضة ومُقابلَة للإحسان بالإحسان، ومُقابلةُ السيئة بالحسنة شيءٌ عظيمٌ لا يُطيقُه إلا ذوو الهِمَم العالية، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . إنه صبرٌ جميلٌ، وتحمُّلٌ لأذى، وغُفرانٌ لإساءة.
    ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فإن هذه المواقف النبيلة المُتسامِحة سُرعان ما تُعطِي ثمارَها، وتُؤدِّي نتائِجَها من الحبِّ والقَبول، كم هم النُّبلاءُ الذين يُقابِلون هذه الإساءات مهما بلغَت مساوئُها ومهما كانت آثارُها، والخلقُ كلُّهم عيالُ الله، فأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعياله؛ في يُسرٍ، ورفقٍ، وحُسن ظنٍّ وتجاوُزٍ.
    هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
    اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ الحبيب المُصطفى، والنبيِّ المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
    اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحِدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
    اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
    اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافية، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، واجمَع به كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى يا رب العالمين، اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
    اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
    اللهم وأبرِم لأمة الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعَزُّ فيه أهلُ الطاعةِ، ويُهدَى فيه أهلُ المعصيةِ، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المُنكَر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
    اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شَريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، اللهم واجعل لهم من كلِّ همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرَجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً.
    اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم عليك بالطُّغاة الظلَمة في سُوريا، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في القتل والطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
    اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم أنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرِمين، اللهم إنا ندرَأُ بك في نُحُورِهم ونعوذُ بك من شُرُورهم.
    اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبوابَ القبول والإجابة، اللهم تقبَّل طاعاتنا ودعاءَنا، وأصلِح أعمالَنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا، وارحمنا، يا أرحم الراحمين.
    سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 07-21-12 الساعة 6:41 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    16 - 10 - 2010
    المشاركات
    130

    هنا نجمع كتب العلماء الخاصة بخطب الجمعة بإذن الله

    و هذا كتاب الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله
    الفواكه الجنية فى الخطب والمحاضرات السنية

    http://www.ajurry.com/vb/attachment....3&d=1321362958


    و هذا كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
    الخطب المنبرية


    http://www.ajurry.com/vb/attachment....5&d=1321369300

    و هذه 22 خطبة للشيخ
    صالح آل الشيخ حفظه الله

    http://www.ajurry.com/vb/attachment....8&d=1321381878

    و هذه 65 خطبة للشيخ
    علي بن عبد الرحمن الحذيفي حفظه الله

    http://www.ajurry.com/vb/attachment....4&d=1321385508


    و هذه 108 خطبة للشيخ
    حسين آل الشيخ حفظه الله


    http://www.ajurry.com/vb/attachment....7&d=1321420491


    و هذه 280 خطبة لسماحة المفتي

    الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ حفظه الله


    http://www.ajurry.com/vb/attachment....9&d=1321436050


    و هذه 193 خطبة للشيخ
    صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله


    http://www.ajurry.com/vb/attachment....2&d=1322063398


    و هذا كتاب الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
    الضياء اللامع من الخطب الجوامع
    وهو ستة أجزاء

    http://www.ajurry.com/vb/attachment....3&d=1319154407

    و هذه مجموعة خطب للشيخ
    عبد الرزاق البدر حفظه الله

    http://www.ajurry.com/vb/attachment....3&d=1319888695


    [FONT=Tahoma][SIZE=5][COLOR=#008000]و
    [FONT=Tahoma][SIZE=5][COLOR=#008000]

    و هذه أكثر من 600 خطبة لفضيلة الشيخ
    محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
    جمعتها من موقعه.


    http://www.ajurry.com/vb/attachment....5&d=1321225238



    و هذه 29 خطبة للشيخ
    عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم رحمه الله
    حملتها من موقعه

    http://www.ajurry.com/vb/attachment....2&d=1321353607


    وجزاكم الله كل خير لما تقومون به لخدمة ديننا الاسلامي ، سائلين الله تعالى أن يبارك في جهودكم التي تقدمونها لخدمة الدين الإسلامي.


    وأسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى الخير وإلى الحذر والتحذير من الشرك وأهله وإلى تعليم الناس التوحيد الذي هو حق الله على العبيد

    لا تنسونا من صالح دعائكم،
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 08-10-13 الساعة 3:45 PM
    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت رديف النبي فقال: ((يا غلام أو يا غليم، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قلت: بلى، فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف))

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    لدفاع عن النبي وحماية جنابه من عدوان المعتدين
    http://www.alminbar.net/alkhutab/khu...?mediaURL=8510
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    خطبة عن مجبة الله

    الحمد لله الذي فطر على محبته قلوب العباد ونهاهم عن الشرك به واتخاذ الأنداد واشهد أن لااله الاالله وحده لاشريك له له الدنيا والآخرة واليه المعاد واشهد ان نبينا محمدا عبده
    ور,سوله هدانا إلى طريق الرشاد صلى الله عليه وعلى اله أهل السؤدد والأمجاد
    ايها المسلمون هذه خطبة عن وجوب محبة الله وفضلها
    قال الامام ابن القيم رحمه الله :اعْلَمْ أَنَّ أَنْفَعَ الْمَحَبَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَوْجَبَهَا وَأَعْلَاهَا وَأَجَلَّهَا مَحَبَّةُ مَنْ جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ ، وَفُطِرَتِ الْخَلِيقَةُ عَلَى تَأْلِيهِهِ ، و َبهَا قَامَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ ، وَعَلَيْهَا فُطِرَتِ الْمَخْلُوقَاتُ ، وَهِيَ سِرُّ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي تَأَلَّهَ الْقُلُوبَ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ ، وَالتَّعْظِيمِ وَالذُّلِّ لَهُ وَالْخُضُوعِ وَالتَّعَبُّدِ ، وَالْعِبَادَةُ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ ، وَالْعِبَادَةُ هِيَ : كَمَالُ الْحُبِّ مَعَ كَمَالِ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ ، وَالشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ أَظْلَمِ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحَبُّ لِذَاتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ ، وَمَا سِوَاهُ فَإِنَّمَا يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ .

    وَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ مَحَبَّتِهِ سُبْحَانَهُ جَمِيعُ كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ ، وَدَعْوَةُ جَمِيعِ رُسُلِهِ ، وَفِطْرَتُهُ الَّتِي فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَيْهَا ، وَمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَفْطُورَةٌ مَجْبُولَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَل الْإِحْسَانُ مِنْهُ ؟ وَمَا بِخَلْقِهِ جَمِيعِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [ سُورَةُ النَّحْلِ : 53 ] .

    وَمَا تَعَرَّفَ بِهِ إِلَى عِبَادِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَا ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آثَارُ مَصْنُوعَاتِهِ مِنْ كَمَالِهِ وَنِهَايَةِ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ . وَالْمَحَبَّةُ لَهَا دَاعِيَانِ : الْجَمَالُ ، وَالْجَلَالُ وَالرَّبُّ تَعَالَى لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ، بَلِ الْجَمَالُ كُلُّهُ لَهُ ، وَالْإِجْلَالُ كُلُّهُ مِنْهُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ لِذَاتِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ سِوَاهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 31 ] وَقَالَ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 54 - 56 ] . فَالْوِلَايَةُ أَصْلُهَا الْحُبُّ ، فَلَا مُوَالَاةَ إِلَّا بِحُبٍّ ، كَمَا أَنَّ الْعَدَاوَةَ أَصْلُهَا الْبُغْضُ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ ، فَهُمْ يُوَالُونَهُ بِمَحَبَّتِهِمْ لَهُ ، وَهُوَ يُوَالِيهِمْ بِمَحَبَّتِهِ لَهُمْ ، فَاللَّهُ يُوَالِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِحَسَبِ مَحَبَّتِهِ لَهُ .

    وَلِهَذَا أَنْكَرَ سُبْحَانَهُ عَلَى مَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ، بِخِلَافِ مَنْ وَالَى أَوْلِيَاءَهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهُمْ مِنْ دُونِهِ ، بَلْ مُوَالَاتُهُ لَهُمْ مِنْ تَمَامِ مُوَالَاتِهِ .

    وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الْمَحَبَّةِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ أَنْدَادًا يُحِبُّهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 165 ] . وَأَخْبَرَ عَمَّنْ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْدَادِ فِي الْحُبِّ ، أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي النَّارِ لمعبود يهم : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : 97 - 98 ] .

    وَبِهَذَا التَّوْحِيدِ فِي الْحُبِّ أَرْسَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ ، وَأَنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ ، وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِ دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ، وَلِأَجْلِهِ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَجَعَلَ الْجَنَّةَ لِأَهْلِهِ ، وَالنَّارَ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ فِيهِ . وَقَدْ أَقْسَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ : لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يَكُونَ هُوَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ،فلما قال عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انت احب الي من كل شيء الامن نفسي قال صلى الله عليه وسلم له - : لَا ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ أَيْ لَا تُؤْمِنُ حَتَّى تَصِلَ مَحَبَّتُكَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ .

    وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَحَبَّةِ وَلَوَازِمِهَا أ َفَلَيْسَ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَوْلَى

    وَكُلُّ شيء مِنْهُ إِلَى عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يَدْعُو إِلَى مَحَبَّتِهِ ، مِمَّا يُحِبُّ الْعَبْدُ وَيَكْرَهُ - فَعَطَاؤُهُ وَمَنْعُهُ ، وَمُعَافَاتُهُ وَابْتِلَاؤُهُ ، وَقَبْضُهُ وَبَسْطُهُ ، وَعَدْلُهُ وَفَضْلُهُ ، وَإِمَاتَتُهُ وَإِحْيَاؤُهُ ، وَلُطْفُهُ وَبِرُّهُ ، وَرَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ ، وَسَتْرُهُ وَعَفْوُهُ ، وَحِلْمُهُ وَصَبْرُهُ عَلَى عَبْدِهِ ، وَإِجَابَتُهُ لِدُعَائِهِ ، وَكَشْفُ كَرْبِهِ ، وَإِغَاثَةُ لَهْفَتِهِ ، وَتَفْرِيجُ كُرْبَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ ، بَلْ مَعَ غِنَاهُ التَّامِّ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ ، كُلُّ ذَلِكَ دَاعٍ لِلْقُلُوبِ إِلَى تَأْلِيهِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، كَيْفَ لَا يُحِبُّ الْعَبْدُ بِكُلِّ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ بِعَدَدِ الْأَنْفَاسِ ، مَعَ إِسَاءَتِهِ ؟ فَخَيْرُهُ إِلَيْهِ نَازِلٌ ، وَشَرُّهُ إِلَيْهِ صَاعِدٌ ، يَتَحَبَّبُ إِلَيْهِ بِنِعَمِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ ، وَالْعَبْدُ يَتَبَغَّضُ إِلَيْهِ بِالْمَعَاصِي وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَيْهِ ،

    فَأَلْأَمُ اللُّؤْمِ تَخَلُّفُ الْقُلُوبِ عَنْ مَحَبَّةِ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ ، وَتَعَلُّقُهَا بِمَحَبَّةِ سِوَاهُ .بَلْ مَطَالِبُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ جَمِيعًا - لَدَيْهِ ، وَهُوَ أَجْوَدُ الأجود ين ، وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ ، أَعْطَى عَبْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ فَوْقَ مَا يُؤَمِّلُهُ ، يَشْكُرُ الْقَلِيلَ مِنَ الْعَمَلِ وَيُنَمِّيهِ ، وَيَغْفِرُ الْكَثِيرَ مِنَ الزَّلَلِ وَيَمْحُوهُ ، يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ ، وَلَا تُغَلِّطُهُ كَثْرَةُ الْمَسَائِلِ ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ الْمُلِحِّينَ ، بَلْ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ ، وَيُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ ، وَيَغْضَبُ إِذَا لَمْ يُسْأَلْ ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ حَيْثُ لَا يَسْتَحِي الْعَبْدُ مِنْهُ ، وَيَسْتُرُهُ حَيْثُ لَا يَسْتُرُ نَفْسَهُ ، وَيَرْحَمُهُ حَيْثُ لَا يَرْحَمُ نَفْسُهُ ، دَعَاهُ بِنِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ وَأَيَادِيهِ إِلَى كَرَامَتِهِ وَرِضْوَانِهِ ، فَأَبَى ، فَأَرْسَلَ رُسُلَهُ فِي طَلَبِهِ ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ مَعَهُمْ عَهْدَهُ ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ نَفْسُهُ ، وَقَالَ : مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟
    وَكَيْفَ لَا تُحِبُّ الْقُلُوبُ مَنْ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ ، وَلَا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ ، وَلَا يُجِيبُ الدَّعَوَاتِ ، وَيُقِيلُ الْعَثَرَاتِ ، وَيَغْفِرُ الْخَطِيئَاتِ ، وَيَسْتُرُ الْعَوْرَاتِ ، وَيَكْشِفُ الْكُرُبَاتِ ، وَيُغِيثُ اللَّهَفَاتِ ، وَيُنِيلُ الطَّلَبَاتِ سِوَاهُ ؟ .

    فَهُوَ أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ ، وَأَحَقُّ مَنْ شُكِرَ ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبِدَ ، وَأَحَقُّ مَنْ حُمِدَ ، وَأَنْصَرُ مَنْ ابْتُغِيَ ، وَأَرْأَفُ مَنْ مَلَكَ ، وَأَجْوَدُ مَنْ سُئِلَ ، وَأَوْسَعُ مَنْ أَعْطَى ، وَأَرْحَمُ مَنْ اسْتُرْحِمَ ، وَأَكْرَمُ مَنْ قُصِدَ ، وَأَعَزُّ مَنِ الْتُجِئَ إِلَيْهِ وَأَكْفَى مَنْ تُوُكِّلَ عَلَيْهِ ، أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا ، وَأَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ التَّائِبِ مِنَ الْفَاقِدِ لِرَاحِلَتِهِ الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُهْلِكَةِ إِذَا يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ ثُمَّ وَجَدَهَا .

    وَهُوَ الْمَلِكُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَالْفَرْدُ فَلَا نِدَّ لَهُ ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، لَنْ يُطَاعَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَنْ يُعْصَى إِلَّا بِعِلْمِهِ ، يُطَاعُ فَيَشْكُرُ ، وَبِتَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ أُطِيعَ ، وَيُعْصَى فَيَغْفِرُ وَيَعْفُو ، وَحَقُّهُ أُضِيعَ ، فَهُوَ أَقْرَبُ شَهِيدٍ ، وَأَجَلُّ حَفِيظٍ ، وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ ، وَأَعْدَلُ قَائِمٍ بِالْقِسْطِ ، حَالَ دُونَ النُّفُوسِ ، وَأَخَذَ بِالنَّوَاصِي وَكَتَبَ الْآثَارَ ، وَنَسَخَ الْآجَالَ ، فَالْقُلُوبُ لَهُ مُفْضِيَةٌ ، وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ ، وَالْغَيْبُ لَدَيْهِ مَكْشُوفٌ ، وَكُلُّ أَحَدٍ إِلَيْهِ مَلْهُوفٌ ، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِنُورِ وَجْهِهِ ، وَعَجَزَتِ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِهِ ، وَدَلَّتِ الْفِطَرُ وَالْأَدِلَّةُ كُلُّهَا عَلَى امْتِنَاعِ مِثْلِهِ وَشِبْهِهِ ، أَشْرَقَتْ لِنُورِ وَجْهِهِ الظُّلُمَاتُ ، وَاسْتَنَارَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ ، وَصَلُحَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ ، لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ ، وَلَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ :
    التعديل الأخير تم بواسطة ابو محمد الغامدي ; 04-09-15 الساعة 11:47 PM
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    25 - 12 - 2012
    المشاركات
    1
    شششششششششششكرا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    29 - 3 - 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,072
    جزااكم الله جميعا خيرا
    وما من كـاتب إلا ويفنى ==ويبقي الدهـر ما كتبت يـــداه
    فلا تكتب بخطك غير شيء== يسرك في القيامة أن تراه

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •