السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا لا يخفى عليك ما يحدث بمصر من فتنة عظيمة سواء بين العلماء أو طلاب العلم , فطلاب العلم يهجرون بعضهم بعض بسبب آراء العلماء ولا ينتهجون منهج أدب الخلاف وكلِ له رأيه , إنما يوالى ويعادى على كلام شيخه إلا ما رحم ربك .
حتى وقت الاستفتاء ذهب طلاب أحد المشايخ ونحن بالصعيد لهجر من ذهب للاستفتاء , لأن شيخه قال لا تذهب واحتج بأن المسلمين ليس عندهم ما يُسمى بتداول السلطة وأن الحاكم يبقى فى منصبه حتى الموت فكيف نحدد فترة الرئاسة بعدد معين, فذهبت إليه وأخبرته أن الشيخ العثيمين قال بجواز تحديد فترة الولاية فى شرح السياسة الشرعية
فقال لي كلامه على الولاية وليس الدولة كخليفة المسلمين يُعين حاكم على مصر من الأمصار فيمكن أن يحدد له فترة أما الخليفة فلا , وضرب لي مثل بالوقت الحاضر كالمحافظين على المحافظات بالدولة هؤلاء يمكن أن تحدد فترة حكمهم أما رئيس الدولة فلا, وهذه أحد احتجاجاته على عدم مشروعية الاستفتاء .
فافترقت الأخوة والدعوة السلفة خاصة , وحقيقة لا أعرف ماذا أصنع مع من ههجرني وهجر إخواني الآخرين بسبب ذهابنا للاستفتاء أو بشأن ما حدث بمصر , رغم أن أغلب علماء مصر إن لم يكن كلهم –الذي اعرفهم- قالوا بالذهاب والذي لم يقُل توقف ولكن لم يأمر احد بعدم الذهاب إلا الشيخ الذي عندنا. وهذا له ولكن تفترق الأخوة وتنعدم المحبة لأجل ذلك؟
فماذا نصنع شيخنا



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أما النصيحة فهي بِتقوى الله ، والعَمَل لهذا الدِّين ، والالتفاف حول العلماء الصادقين ، وعدم النظر إلى مَن شذّ عن الجماعة .

قال عليه الصلاة والسلام : إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ . رواه الإمام أحمد ، وقال شعيب الأرنؤوط : حسن لغيره .

ومَن قال قولا فعليه بالدليل .
ومما رَبّانا عليه علماؤنا : أن لا نَقبل قَولاً إلاّ بِبيّـنَة .
ومَن قال مِن أهل العِلْم : إن الإمارة أو الخلافة وقْف على شخص ؟! ومَن قال مِن أهل العِلْم : إن الحاكم يبقى فى منصبه حتى الموت ؟!

ومَن تأمّل ما قرره إمام الحرمين : أبو المعالي الجويني في كتابه " غياث الأمم " ، وما قرره علماء أهل السنة في كُتب العقائد حول عَزْل الْحَاكم وخَلْعه ، ومتى يكون ذلك ؟ عَلِم أن ذلك القول لا أساس له مِن الصحة ، ولا رصيد له مِن كلام أهل العِلْم .

قال ابن أبي العزّ : من أظهر بِدعة وفُجورا لا يُرَتَّب إمامًا للمسلمين . اهـ .

وهذا في إمامة الناس في الصلاة ، فكيف بالإمامة العُظْمَى ؟!

أمّا لو كان الحاكم ظالِمًا أو فاسِقا فِسْقًا لا يُخرِج عن الملّة ، فهذا الذي أُمِر بِطاعته ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن أمثاله : وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ . رواه البخاري ومسلم ، واللفظ لمسلم .

قال ابن أبي العزّ في " شرح الطحاوية " : دَلَّ الْكِتَابُ والسنة على وُجُوبِ طَاعَة أُولِي الْأَمْرِ، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَة ، فَتَأَمَّلْ قوله تعالى : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) - كَيْفَ قَالَ : (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وَلَمْ يَقُلْ : وَأَطِيعُوا أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ؟ لأَنَّ أُولِي الأَمْرِ لا يُفْرَدُونَ بِالطَّاعَة ، بَلْ يُطَاعُونَ فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله . وَأَعَادَ الْفِعْلَ مَعَ الرَّسُولِ للدلالة على أن مَنْ أطِاعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ، فَإِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لا يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله ، بَلْ هُوَ مَعْصُومٌ في ذَلِكَ ، وَأَمَّا وَلِي الأَمْرِ فَقَدْ يَأْمُرُ بِغَيْرِ طَاعَة الله ، فَلا يُطَاعُ إِلاّ فِيمَا هُوَ طَاعَة لله ورسوله .

وَأَمَّا لُزُومُ طَاعَتِهِمْ وَإِنْ جَارُوا ؛ فلأنه يَتَرَتَّبُ على الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِنَ الْمَفَاسِدِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ جَوْرِهِمْ ، بَلْ في الصَّبْرِ على جَوْرِهِمْ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَة الأُجُورِ ، فَإِنَّ الله تعالى مَا سَلَّطَهُمْ عَلَيْنَا إِلاّ لِفَسَادِ أَعْمَالِنَا ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، فَعَلَيْنَا الاجْتِهَادُ بالاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَة وَإِصْلاحِ الْعَمَلِ . قَالَ تعالى : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، وَقَالَ تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) ، وَقَالَ تعالى : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) . (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّة أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الأَمِيرِ الظَّالِمِ فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ . اهـ .

وسبق النقل عن أبي المعالي الجويني وعن القاضي عياض ، هنا :
http://www.almeshkat.net/index.php?pg=qa&cat=&ref=1639

ومَن اعتَزل الفِتن ، فلا يُلام ، وإنما يُلام إذا دعا إلى هَجْر مَن يرَى غير رأيه ، خاصة في المسائل الاجتهادية .
أما ما لا يُعذر بِجهله ، وما يكون الدخول فيه دخولا في الكُفر ، فهذا لا تثريب عليه إذا دعا إلى هَجْر مَن دخل في تلك الأعمال .

ثم إننا الآن أمام أمْر واقع ؛ فإما أن نترك المجال للفُسّاق والفجّأر ، بل والكفّار المارِقين مِن دين الله ، وإما أن نُزاحِم أهل الشرّ وسَدَنة الباطل ، ونسعى إلى إقامة حُكم الله في الأرض ، ونبذ كل ما خالف الشرع . وهذا مِن أعظم الواجبات على المسلمين .
ذلك أنه لا يَسُوغ لأحد أن يتقاعس عن المطالبة بِتحكيم شرع الله .

وبالله تعالى التوفيق .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد