السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل في احد المنتديات عرض موضوع حول السلفية فقال أحد الأعضاء أن التسمي بالسلفي هو بدعة ولا تجوز في نظره وأن أقوال العلماء حولها هي اجتهادات هو غير ملزم بها وأنه لا يوجد دليل على التسمي بالسلفية وقال أنه الاسم الوحيد الصحيح هو "مسلم " فقط لأنها غيرها من الأسماء سيؤدي إلى التعصب وهذه أدلته على ذلك:
أولا : نهى الله تبارك وتعلى عن التسمي بالمؤمنين { لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا }
ثانيا : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التسمي بالمهاجرين والأنصار .
ثالثا : ما يحدث نتيجة عن ذلك من تعصب وخاصة أن الصحابة لم يؤمن عليهم ذلك وأيضا التعصب المضاد .
رابعا : قول الإمام علي اعرف الحق تعرف أهله . ونحن لا نحتاج إلى اسم لتميز الحق من الضلال .
خامسا : قول الإمام مالك السنة ما لا اسم له إلا السنة .
سادسا : أن السلف لم يكن لهم منهج غير منهج رسول الله لنقول نحن نتبعهم . بمعنى أنك لو قال أحد لك أنك وهابي ماذا تجيبه تقول أنا لست وهابي فمحمد بن عبد الوهاب لم يأتي بمنهج جديد لون كان متبع للنبي وأنا أتبعه لمتابعته لرسول الله .
فهل هذه الأدلة صحيحة شيخنا؟ جزاك الله خيرا وبارك الله في علمك وزادك من فضله



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

وجزاك الله خيرا .

إذا كانت اجتهادات العلماء غير مُلْزِمَة ، فهل يكون قوله هو الْمُلْزِم لِغيره ؟ وإن كانت هذه الاستدلالات من عنده فهو جاهل ! ويكفي في معرفة مبلغه مِن العِلْم أنه لا يُحسن يكتب آية ! فقد ورد في الاستدلال الأول (نهى الله تبارك وتعلى عن التسمي بالمؤمنين { لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا })

وهذا مُتضمِّن للجهل بِكتاب الله !

فأوّلاً : الآية في سورة الحجرات : (قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ، وليست كما كتبها !

وثانيا : الآية ليس فيها نفي التسمِّي والاتِّصَاف بالإيمان ، وإنما فيه نهي قوم مِن الأعراب أسلموا حديثا أن يقولوا : آمنا . قال الإمام الزهري : إن الإسلام : الكلمة ، والإيمان : العَمَل .

وقال ابن زيد : لم يُصَدِّقُوا إيمانهم بأعمالهم ، فَرَدّ الله ذلك عليهم : ( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) ، وأخبرهم أن المؤمنين (الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) صَدَّقُوا إيمانهم بأعمالهم ; فمن قال منهم : أنا مؤمن فقد صَدَق ; قال : وأما مَن انْتَحَل الإيمان بالكلام ولم يَعمل فقد كَذَب، وليس بصادِق .

قال ابن كثير في تفسير الآية : يقول تعالى مُنْكِرًا على الأعراب الذين أوَّل ما دَخَلُوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مَقام الإيمان ، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بَعْد ... وقد اسْتُفِيد مِن هذه الآية الكريمة : أن الإيمان أخصّ مِن الإسلام ، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة .

وقد فَرَّق النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلم والمؤمن ، فَدَلّ على أن الإيمان أخصّ مِن الإسلام .وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا : ( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) أي: لم تَصِلُوا إلى حقيقة الإيمان بعد . اهـ .

وفي آخر السورة : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، فالله يمنّ علينا وعليهم أنْ هَدانا للإيمان ، وهذه نِعمة كُبرى ، ومِـنّـة عُظْمَى .

وثالثا : ليس في الآية ما يُفهَم مِن النهي عن الاتصاف بالإيمان ، إذ لو كان الأمر كذلك لم يَجُز لأحد أن يقول : إنه مؤمن !
وسبق : ما المقصود بالاستثناء في الإيمان
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=17210

رابعا : هذه الدعوى منقوضة بِما أثبته الله للمؤمنين بعد ذلك بقوله تبارك وتعالى في الآية التي تَلِيها : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) .

وأما استدلاله الثاني فهو قوله : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التسمي بالمهاجرين والأنصار ) !فاين هو النهي عن التَّسَمِّي بذلك ؟! إلاّ أن يقصد ما حصل في غزوة المريسيع ! وهذا محمول على ما إذا كانت تلك الأسماء مثار عصبيّات .

وقد سمى الله عزَّ وَجَلّ المهاجرين والأنصار بهذه التسمية ، فقال عزَّ وَجَلّ : (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) .
وقال عزَّ وَجَلّ : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) .
ووردت آيات في " الْمُهاجِرِين " .

وكذلك سمّاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، بل وناداهم به ، واستثار حميّتهم بذلك . ففي حديث أنس في خبر يوم حُنين لَمّا انكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فنادى رسول الله صلى الله عليه و سلم : يالَ المهاجرين ، يالَ المهاجرين ، ثم قال : يالَ الأنصار ، يالَ الأنصار . رواه مسلم .

وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يُسمّون بعضهم .
ففي حديث أَنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ ، فَقَالَتْ الأَنْصَارُ : حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا . رواه البخاري .

وقال أبو هريرة رضي الله عنه : إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ . رواه البخاري ومسلم .

وانْتَسَب خير الناس وأفضلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الْهِجرة ! فإن أبا بكر رضي الله عنه لَمّا رأى امرأة لا تتكلّم سأل عنها فَقَالَ : مَا لَهَا لا تَكَلَّمُ ؟ قَالُوا : حَجَّتْ مُصْمِتَةً ! قَالَ لَهَا : تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لا يَحِلُّ ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَتَكَلَّمَتْ ، فَقَالَتْ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : امْرُؤٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ . قَالَتْ : أَيُّ الْمُهَاجِرِينَ ؟ قَالَ : مِنْ قُرَيْشٍ . قَالَتْ : مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ ؟ قَالَ : إِنَّكِ لَسَئُول ! أَنَا أَبُو بَكْرٍ . رواه البخاري .

ولَمّا خَرَجَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الشَّأْمِ ، لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ... ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي الأَنْصَارَ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ . رواه البخاري ومسلم .

وأئمة السنة يذكرون مناقب المهاجرين ثم يذكرون مناقب الأنصار ، ومناقب أصحاب الشجرة ، وأصحاب بيعة العقبة ، وبيعة الرضوان .. وغير ذلك كثير .

وأما استدلاله الرابع : (نحن لا نحتاج إلى اسم لتميز الحق من الضلال) ، فهو استدلال هزيل ! لأن الله فرّق بين الحق والباطل ، وسمّى عباده المؤمنين بالمؤمنين وبالمسلمين ، كما قال تعالى : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) .وكما تقدّم في تسمية المهاجرين والأنصار ، وأنها تسمية شرعية ، وبها كان يُعرَف فضل المهاجرين على غيرهم ، وفضل الأنصار على غيرهم ..

والصحابة عُرِفوا بذلك الاسم ، وهو تشريف لهم ، والتابعون عُرِفُوا بذلك .. وأتباع التابعين .. وأهل السنة عُرِفوا بذلك مُقابل أهل البِدَع . وعلى هذا يُحمَل قول الإمام مالك رحمه الله .

ويزيد ابن القيم رحمه الله المقال بيانًا بقوله :
وقد سئل بعض الأئمة عن السنة ؟ فقال : ما لا اسْم له سِوى السُّنة . يعني : أن أهل السنة ليس لهم اسم يُنسبون إليه سواها ، فمن الناس مَن يَتقيَّد بِلِباس لا يَلبس غيره ، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره ، أو مِشية لا يمشي غيرها ، أو بِزِيّ وهيئة لا يَخْرُج عنهما ، أو عبادة معينة لا يتعبّد بِغيرها ، وإن كانت أعلى منها ، أو شيخ مُعين لا يلتفت إلى غيره ، وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه ؛ فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى ، مَصدودون عنه ، قد قَيّدَتهم العوائد والرسوم ، والأوضاع والاصطلاحات ، عن تجريد المتابعة ، فأضْحَوا عنها بِمَعْزِل ، ومَنْزِلَتهم منها أبعد مَنْزِل . اهـ .

والانتساب إلى السلف ليس انتسابا مذموما ، ولا هو انتساب لشخص ولا لِطائفة ، بل هو انتساب إلى المنهج والطريقة التي كان عليها سلف هذه الأمة مِن زمن الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم ممن سار على طريقتهم ، واقتَفى أثرهم .

ولست هنا بِصدد تقرير جواز ذلك مِن عدمه ، بل في سبيل ردّ تلك الأقوال الضعيفة الهزيلة !

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد