منزلة عالية أن يذكر الإنسان عند مسئوول ، ومرتبة فاضلة أن يرجع إليه في خيرما ، ولكن ترى ما هي هذه المنزلة التي ينالها الإنسان إن ذكر في الملأ الأعلى ؟ وما هي المرتبة التي يكون بها صاحبها مرجعـًا في القرآن ؟

نعم إن صاحب هذه الترجمة خص ، بأن تقرأ عليه سورة البينة ، ولكن الآمر من بالقراءة ؟ إنه الله رب العالمين ، ومن المأمور بالقراءة ؟ إنه الرسول صلى الله عليه وسلم .

أتعلم أخي القارئ أن صاحب هذه الترجمة كان أقرأ هذه الأمة للقرآن ؟
وهل تعلم أنه أحد الأربعة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ منهم القرآن ؟
وهل تعلم أنه أول إمام جمع عمر المسلمين خلفه لصلاة التراويح في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في خلافة عمر ؟
وهل تعلم أنه خص بأن تقرأ عليه سورة البينة ؟
وهل تعلم أن اسمه ذكر في الملأ الأعلى ؟
وهل تعلم أنه من أهل بيعة العقبة الأولى ؟
وأخيرًا وليس آخرًا هل تعلم أنه أحد المفسرين للقرآن من الصحابة ؟

فمن يا ترى هذا الرجل ؟

[c]إنه أبي بن كعب .. أقرأ الأمة للقرآن[/c]


نسبه :

هو أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس من بني النجار الأنصاري البدري القارئ .


إسلامه :

نشأ أبو المنذر رضي الله عنه في ديار يثرب غاضبـًا على حياة قومه ، معترضـًا على دينها ، متاملاً في الكون من حوله ، وعلى الرغم من وجود اليهود في المدينة آنذاك ، إلا أن ما وقع في يده من وريقاتها لم يشف غليله ، ولم يرو عطشه ، ولم تهد حيرته ، ولم تشبع نهمه ، وكان أبي رضي الله عنه يتأمل في الكون من حوله ليلاً ونهارًا ، وفي إحدى الليالي خرج رضي الله عنه يطوف بديار المدينة فسمع حوارًا في دار سعد بن الربيع فسمع بأذنه كلاما عن الإسلام و نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وعلم أن مصعب بن عمير أتى سفيرا ليعلم الناس الإسلام فما إن سمع الحوار حتى طرق الباب على سعد رضي الله عنه وأعلن إسلامه ليحظى رضي الله عنه بالسفر إلى مكة ليشهد بيعة العقبة الأولى .


جهاده :

ما إن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى كان أبيٌ ملازمـًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترك في بناء المسجد ثم كانت غزوة بدرٍ فكان من أهلها ولم يتخلف عن غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ، بل حضر المشاهد كلها .


أبي والقرآن :

نال أبي رضي الله عنه شرفـًا ربما لم ينله غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه سورة البينة ، ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي : [ إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك : ( لم يكن الذين كفروا )(البينة/1) قال : وسماني لك ؟ قال نعم فبكى ]( متفق عليه ) .

وكان حريـًا رضي الله عنه أن يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعرض القرآن عليه وفي ذلك يقول أبي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [إني أمرت أن أعرض عليك القرآن فقال أبي رضي الله عنه : بالله آمنت وعلى يديك أسلمت ومنك تعلمت ، قال : فرد الرسول صلى الله عليه وسلم القول ، فقال يا رسول الله وذكرت هناك ؟ قال : نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى ، قال : اقرأ إذًا يا رسول الله](الترمذي) .

[ ولما سئل رضي الله عنه فرحت بذلك؟ قال : وما يمنعني وهو تعالى يقول :

( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا )(يونس/58) ](رواه أحمد ) .

وفي هذا دلالة على أن القرآن إنما الأصل في أخذه التلقي على يد شيخ ، لهذا كان جديرًا لأن يسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس عليه في صلاته ، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم يومـًا فلبس عليه في القرآن ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال لأبي :[ أصليت معنا ؟ قال : نعم قال : فما منعك ؟ ](أبو داود ) . أي ما منعك من الرد .

* ولقد كان فقه أبي بالقرآن يظهر على لسانه ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله يومـًا عن أي أية في القرآن أعظم فقال أبي : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم )(البقرة/255) فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: ليهنك العلم أبالمنـْـذر](مسلم) .

ولم يكن بالمستغرب كذلك أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنه فإنه جدير بهذه المنزلة ،ولم لا ؟وهو من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرا عليه القرآن وفي الحديث [ خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبي بن كعب ](البخاري) .

وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو أقرأ هذه الأمة بالقرآن بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : [ أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأقرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب ](الترمذي ) .

ومن ثم فطن عمر رضي الله عنه لهذا فجمع الناس في صلاة التراويح على أبي رضي الله عنه ، فكان لذلك أهلاً ،فقد كان أقرأ الناس إلى جانب كونه طيب الصوت حسن الأداء .


مكانته في التفسير :

يعد أبي رضي الله عنه من أكثر الصحابة تفسيرًا لكتاب الله تعالى ويرجع ذلك إلى عدة أمور منها :
1- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له : [ ليهنك العلم أبا المنذر ](مسلم) .
2- أنه رضي الله عنه كان من كتّاب الوحي مما جعله عالمـًا بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ .
3- أنه كان قبل إسلامه حبرًا من أحبار اليهود العارفين بأسرار الكتب القديمة ، وما ورد فيها .

من تفسيره ـ رضي الله عنه ـ :
1 - في وقوله تعالى : ( ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار)(البقرة/126) قال أبي : هو قول الرب تعالى ذكره ..
2 - وفي قوله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة )(البقرة/212) قال أبي : كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم يومئذ على الإسلام وأقروا له بالعبودية وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم ، ثم اختلفوا من بعد آدم ، فكان أبي يقرأ كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) إلى ( فيما اختلفوا فيه ) وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الإختلاف .
3 - وفي قوله تعالى : ( قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاءكم فقد كذبتم فسوف يكونوا لزامـًا )(الفرقان/77) قال أبي : وهو القتل يوم بدر .

الرواية عن أبي ـ رضي الله عنه ـ :
1- طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيٌ ، وهذا طريق صحيحة .
2- طريق وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل ابن أبي بن كعب عن أبيه ، وهذه يخرج منها الإمام أحمد في مسنده .


وفاته رضي الله عنه :

عاش أبو المنذر رضي الله عنه حياته مريضـًا بالحمى وذلك أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم جزاء الحمَّى ؟ قال تجرى الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق فقال أبي : اللهم إني أسألك حـمّى لا تمنعني خروجـًا في سبيلك ، ولا خروجـًا إلى بيتك ولا مسجد نبيك ، فلم يمس أبي إلا وبه حـمّى .(أحمد وأبو يعلى)
واختُلف في وفاته رضي الله عنه فقيل سنة اثنتين وعشرين والأصح أنها في اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه ، ولما مات رضي الله عنه قال ابن ضمرة قال : رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم فقلت ما شأن هؤلاء ؟ فقال بعضهم : ما أنت بأهل البلد ؟ قلت : لا قال : فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين ، أبي بن كعب .

______________________________________
المراجع :
1 - سير أعلام النبلاء : جـ1" الذهبي " .
2 - صفة الصفوة : جـ1" ابن الجوزي " .
3 - الإصابة في تميز الصحابة : جـ1 " ابن الأثير " .
4 - التفسير والمفسرون : " د. محمد حسين الذهبي "
5 - الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفاسير : " د. محمد أبو شهبة " .
6 - صور من سير الصحابة : " عبد الحميد السحيباني " .
7 - تفسير الطبري المسمى " جامع البيان في تأويل القرآن " للإمام الطبري .


الثلاثاء : 01/01/2002

المصدر - الشبكة الإسلامية