‏بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب , فلا آذن لهم , ثم لا آذن لهم , ثم لا آذن لهم , إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي , وينكح ابنتهم , فإنما ابنتي بضعة مني , يريبني ما رابها , ويؤذيني ما آذاها ) ‏
‏وفي الرواية الأخرى : ( أني لست أحرم حلالا , ولا أحل حراما , ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا ) وفي الرواية الأخرى : ( إن فاطمة مضغة مني , وأنا أكره أن يفتنوها ) . ‏
‏أما البضعة فبفتح الباء لا يجوز غيره , وهي قطعة اللحم , وكذلك المضغة بضم الميم . ‏
‏وأما ( يريبني ) فبفتح الياء قال إبراهيم الحربي : الريب ما رابك من شيء خفت عقباه وقال الفراء : راب وأراب بمعنى . وقال أبو زيد : رابني الأمر تيقنت منه الريبة , وأرابني شككني وأوهمني , وحكي عن أبي زيد أيضا وغيره كقول الفراء . ‏
قال العلماء : في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال , وعلى كل وجه , إن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحا , وهو حي , وهذا بخلاف غيره . قالوا : وقد أعلم صلى الله عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لست أحرم حلالا ) ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين : إحداهما أن ذلك تؤدي إلى أذى فاطمة , فيتأذى حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم , فيهلك من أذاه , فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي , وعلى فاطمة . والثانية خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة .
وقيل : ليس المراد به النهي عن جمعهما , بل معناه أعلم من فضل الله أنهما لا تجتمعان , كما قال أنس بن النضر : والله لا تكسر ثنية الربيع .
ويحتمل أن المراد تحريم جمعهما , وتكون معنى لا أحرم حلالا أي لا أقول شيئا يخالف حكم الله , فإذا أحل شيئا لم أحرمه , وإذا حرمه لم أحلله , ولم أسكت عن تحريمه , لأن سكوتي تحليل له , ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله . ‏
وتقول إحدى الأخوات التي أدرجت هذا الكلام: إذن فاطمة رضي الله عنها كغيرها من النساء تغار ويؤذيها أن يعدد زوجها فلمَ تجعلونها وكأنها خلقت غير خلقتنا وترون لها العصمة كما يراه الرافضة
صحيح أنها ممن كمل من النساء لكن نتوقف في مناقبها على ما جاء في الشرع
وهي لم تخالف شرع الله وتعترض عليه وإنما كرهت ما أباح الله لها أن تكرهه لنفسها لا كشرع
فهل هذا هو المعنى الصحيح وهل يستدل باقي النساء على كراهية التعدد وغيرتهن من هذا الحديث ؟
أم أن الأمر هو بسبب خطبة علي رضوان الله عليه من بنت عدو الله أبا جهل ؟
نرجوا التوضيح يا شيخ جزاك الله كل خير



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا

أرجح الأقوال في هذه المسألة أن هذا خاصًّا بِفاطمة رضي الله عنها وأرضاها ، وتدلّ عليه رواية : " إن فاطمة مضغة مني ، وأنا أكره أن يفتنوها " .
قَالَ اِبْن التِّين : أَصَحّ مَا تُحْمَل عَلَيْهِ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَجْمَع بَيْن اِبْنَته وَبَيْن اِبْنَة أَبِي جَهْل ؛ لأَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيه ، وَأَذِيَّته حَرَام بِالاتِّفَاقِ . اهـ .

وهو خاص بالحالة أيضا : اجتماع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدوّ الله تحت رجل واحد .
ولذلك عدّه بعض العلماء مِن الْمُحرَّمات في النكاح .

قال ابن القيم في الْحِكم في هذه القصة : في منع على من الجمع بين فاطمة رضي الله عنها، وبين بنتِ أبى جهل حِكمةٌ بديعة ؛ وهى أن المرأةَ مع زوجها في درجته تَبعٌ له ، فإن كانت في نفسها ذاتَ درجة عالية ، وزوجُها كذلك ، كانت في درجة عالية بنفسها وبِزَوجها ، وهذا شأنُ فاطمة وعليّ رضي الله عنهما ، ولم يكن اللَّهُ عز وجل لِيجعل ابنةَ أبى جهل مع فاطمة رضي الله عنها في درجة واحدة لا بنفسها ولا تبعًا ، وبينَهما من الفرق ما بينهما ، فلم يكن نكاحُها على سيدة نساء العالمين مستحسنا لا شرعاً ولا قدرا . اهـ .

وكان التعدد مشتهرا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده .
ولم يكن التعدد من أجل عِلّة ، ولا قُيّد بِحالة دون أخرى .

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوّج زوجاته في المدينة بعد عائشة ، وكانت عائشة رضي الله عنها من أحبّ الناس إليه ، وكان عليه الصلاة والسلام يعلم غيرتها ! ولم يمنعه ذلك من الزواج .

والمرأة تغار بطبيعة الحال وبأصل خلقتها ، ولكن لا يجوز أن تُخرجها هذه الغيرة إلى الظلم أو الجور ، ولا أن يحملها ذلك على أذى زوجها ، ولا هجرانه ، كما تفعل بعض النساء !

وغيرة المرأة أمر جِبِلّيّ .

وسبق :
ما الحكمة من خلق الله غريزة الغيرة لدى النساء ما دام حلل للرجال التعدد ؟
http://www.almeshkat.net/vb/showthread.php?p=471130

وإذا كرهت المرأة التعدد وزواج زوجها ، فليس من أجل التعدد ، ولا هو كراهية لِمَا شَرَعه الله ، بل هو مثل كراهية المرض ، وقد قدّره الله .
وينبغي أن تنتبه النساء عامة إلى الفرق بين الأمرين :
كراهية المرأة زواج زوجها .
وكراهية ما شرعه الله .

فالأول وارِد ، والثاني ممنوع مُحرّم ، بل هو مُفضٍ إلى الكفر .

وبقي إشكال في هذه المسألة وهو : إذا كانت ابنة أبي جهل مسلمة ، فما ذنبها أن كان أبوها كافرا ؟

والجواب : أنه لا ذنب لها في موت أبيها على الكفر وكونه عدوا من أعداء الله ، وإنما من أجل أنها تُنسب إليه ، والـنَّسَب له تأثير على صاحبه .
وقد أمَر النبي صلى الله عليه وسلم باختيار الأكفاء في النكاح ؛ لأن العِرق دسّاس .
ففي الحديث : تَخَيَّرُوا لنطفكم ، فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم . رواه ابن ماجه وابن عساكر ، وقال ابن حجر : وفي إسناده مَقال ، ويُقَوَّى أحد الإسنادين بالآخر .
وصححه الألباني بمجموع طُرقه .

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد