بسم الله الرحمن الرحيم
كيف حالك شيخنا العزيز
هذه الشبهة -شيخنا الحبيب- قد وجدت طريقها بين عوامّ المسلمين في بلدنا جداً , وقد كان مبدؤها بالأصلِ من التيارات المارقة كبني علمان وبني شيوع وأضرابهم , لكن الأسى كلّ الأسى أنَّ بعض التيارات شبه الإسلامية قد بدأت تتلقفها وبها تشنشن وتدندن حولها بدعوى الوسطية وتجديد الفقه .

وهي
" أنَّ ما كتَبَ علماءُ المسلمين الأوائل وفهموا من نصوص الشرعِ إنما خطته أيمانهم متأثرين بمتغيرات ومعايير عصرهم الذي عاشوه , وينبغي علينا الآن أن نعود إلى القرآن والسنة فنهمهما فهماً يليق بمتغيرات عصرنا الذي نحياه من أجل تجديد الفقه , فلا ابن حنبل يعيش الآن معنا ولا ابن أنس خاض عصر الذرة والفضاء والخلاصة أنَّ الفقه الإسلامي بحاجة ماسة إلى "تجديد" لأحكامِهِ التي "تعفَّنت" من جراءِ التقليد الأعمى الذي تورارثه علماء المسلمين خلفاً عن سلف "
نرجو إزهاق هذه الشبهة في مهدها فإنها تزهق بجرة قلم ما كتبه علماءُ المسلمين على مرِّ القرونِ المتطاولةِ وإذا أزهقتموها فسنحاول جاهدين أن ننشرها بكلِّ المواقع (شبه الإسلامية) التي تتبنى هذه الفكرة .
وجزاكم الله خيرا




الجواب :

وجزاك الله خيرا

أولاً :
لا عَفِن ولا مُتعفِّن إلاّ من يُنادي بتلك الفكرة !
وإلاّ فإن عقول سلف الأمة كانت أهدى وأقوى وأصفى من عقول غيرهم ، مع تَجرّدهم عن الهوى .
وقد حَفِظ الله بهم الدِّين .

قال ابن عمر رضي الله عنهما : من كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة ؛ أبرّها قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلّفا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ونقل دِينه ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم ، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم . رواه أبو نُعيم في " الحلية " .
وقال حذيفة رضي الله عنه : اتقوا الله يا معشر القراء ، خذوا طريق من قبلكم ، فو الله لئن استقمتم لقد سبقتم بعيدا ، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا . رواه الإمام اللالكائي .
وقال إبراهيم النخعي : لم يُدخر لكم شيء خُبّئ عن القوم لفضل عندكم .

ثانيا :
من يُنادي بتلك الدعاوى إنما يُريد أن يهدم مَجْد أمّة الإسلام الذي بَنَتْه الأمة في أكثر من ألف عام .
ثم هو يُريد أن يَجعل ذَنَب الناقة بِمَنْزِلة رأسها !
وقد ذكّرني هذا بما جَاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مِن أنه أتاه أعرابيٌّ عليه جُـبَّة مِن طيالسة مكفوفة بديباج ، أو مزرورة بديباج ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن صاحبكم هذا يريد أن يَرْفَع كُلّ رَاعٍ ابن رَاعٍ ، ويَضَع كُلّ فَارس ابن فارس . رواه الإمام أحمد ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح .

وإلاّ فكيف سيُفهَم القرآن ؟ وكيف سوف تُفهَم السُّـنَّـة ؟ إذا طُرِحت أقوال الأئمة المُتقدِّمِين ؟

ثالثا :
الناس أمام الأخذ بالمذاهب الفقهية والرجوع إليها : طَرَفان ووسط .
فَطَرَف يُريد أن يَطَّرِح كل قول وكل مذهب ، ليأتي بِفَهْم جديد ، وهذا لا شكّ أنه سوف يأتي بالْمُضْحِكات ، لِغربة الزمان وقِلّة الفقه .
وطَرَف يَرى أنه لا يجوز التزحزح عن المذهب الذي يذهب إليه ، ويَرى أن المسلم مأمور بالْتِزام مذهب مُعيّن ، حتى إن بعضهم ليُقدِّم قول إمامه على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم !
والوسط أن تأخذ من المذاهب الفقهية ما يُعينك ، وأن تطلب الحق فيها ، لا أن يُلفِّق الإنسان له مذهبا مُتَّبِعا الرُّخَص فيه ، ولا آخِذا بِزلاّت العلماء ، وإنما يأخذ ما وافق الحق وما عضده الدليل ، إذ ليس مِن إمام من أئمة الهدى يَدعو الناس إلى الأخذ بِكلّ ما قال ، بل قد اتّفقت كلمات الأئمة على طرح أقوالهم إذا خالفت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثالثا :
إننا نرى في عالمنا اليوم من التخبّط الفقهي وتتبّع الرُّخَص والأخذ بِزلاّت العلماء ، ما يردّ هذا القول جُملة وتفصيلا ، وأعني به : إيجاد فقه جديد !

مع تأثّر المذاهب الفقهية المعاصرة بالمذاهب العقدية ..

ورحم الله الإمام أحمد حيث كان يقول : إياك أن تَتَكَلَّم في مَسالة ليس لك فيها إمام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وكُلّ قَوْل يَنْفَرِد به الْمُتَأخِّر عن الْمُتَقَدِّمِين ، ولَم يَسْبِقه إليه أحد منهم ، فإنه يَكون خطأ . اهـ .

رابعا :
من عَرَف قَدْر أهل العلم من أئمة الفقه والفتوى على مرّ العصور ، عَرَف كم هي الجهود المبذولة في القرون الفاضلة إلى زماننا هذا في بناء أصول العِلْم وتقرير قواعده ، بِما ليس له مثيل ، سواء في الفقه أو في الحديث أو في أصولهما ، أو في التفسير ، أو في العقائد .. وفي كلّ عِلْم يُنسب إلى الشريعة ، نَجِد أن العلماء وضعوا له قواعد وأُسس وأصول ، يستحيل أن تجتمع المجاميع الفقهية المعاصرة أن تأتي بِمثلها .
ومعرفة قَدْر الأئمة المتقدِّمين لا يعرفه إلاّ أهل الفضل ، إذ لا يَعرف الفضل لأهله إلاّ ذوو الفضل .
ومن ليس له ماض فلن يكون له حاضر ..
ولن يُصلِح آخر هذه الأمة إلاّ ما صَلح به أولها ..
ولن تحيا أمة – حياة كريمة - وهي تتنكّر لأصولها وماضيها !

بل إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يُذكِّر اللاحِق منهم بالسابق ..
فالأنبياء دعوتهم واحدة من حيث : إثبات التوحيد وإثبات المعاد وإثبات النبوّات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى ، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ .
وفي رواية : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ ، وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلادُ عَلاَّتٍ ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ .

وهذا بِخلاف أهل الدنيا الذين يلعن اللاحق منهم السابق !

خامسا :
ما يُحتَجّ به من أن كلام أهل العلم السابقين كان خاضِعا لمتغيِّرات زمانهم ، فهذا ليس بصحيح على إطلاقه ، بل منه ما هو عبارة عن ثوابت وقواعد يصلح أن تُطبَّق في كل زمان ومكان ، مثل القواعد الكلية الكبرى ، التي تُنَزَّل اليوم على كثير من الأحكام والمتغيّرات والمستجدّات .
ومنه ما هو خاضِع لتلك العصور ، وهو قليل إن لم يكن نادر جدا .

ولو كانت تلك الدعوى تدعو إلى التجديد في بعض المصطلحات ، أو كانت تدعو إلى تصفية بعض العلوم الشرعية مما لحقها من شوائب ، كتلك المسائل التي استَدَلّ أصحابها لها بأحاديث شديدة الضعف أو موضوعة ، أو خالفت الأقوال فيها نصوصا ثابتة ؛ لكانت تلك الدعوى لها حظّ من النَّظَر .
أما أن تكون بتلك الطريقة ، فهي طريقة رعناء لا يدعو إليها إلاّ كل من قلّ حظه مِن العِلْم ، بل ومن الأدب مع سلف الأمة ومع علمائها ، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس من أمتي من لم يُجِلّ كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويَعرف لِعَالِمِنا حقه . رواه الإمام أحمد .

سادسا :
من يدعو إلى تلك الدعوى فإنه مُتناقِض مع نفسه لا مَحالة !
كيف ؟
إما أن يأخذ بأقوال الأئمة المتقدِّمِين ، ويُعمِل أصولهم وقواعدهم في كلّ فَنّ ، وإما أن يطَّرِحها في كل فنّ .
فإن أخذ بها في بعض وتركها في بعض فقد ناقض نفسه بِنفسه !
فإن الإمام مالك والشافعي وأحمد وغيرهم لهم أقوال في أصول الحديث " المصطلح " وفي أصول الفقه ، وفي أصول العقائد ، ولهم كلام كثير في الفقه .
فهل سوف يأخذ بأقوال أولئك الأئمة في الأصول والقواعد ؟ ويطّرح أقوالهم في الفقه ؟!
وعلى أي أساس سوف يبني أحكامه في كل قضية ؟
ففي تصحيح الحديث مثلا : هل سيأخذ بقواعد الأئمة المتقدِّمين في الْحُكم على الرِّجال ، وفي تصحيح الأحاديث وتضعيفها ؟
أم أنه سوف يأتي بقواعد وأصول جديدة ؟!
إذا طَرَح أقوال الأئمة الأربعة فإنه من باب أولى سوف يطرح أقوال أئمة السنة ونَقَلة السُّنَّـة النبوية ، لأنهم أتوا بعد الأئمة الأربعة .
وهل سوف يأخذ بأقوال الأئمة المتقدِّمين في الناسخ والمنسوخ ؟ أم سوف يأتي بِناسخ جديد ؟!
وهكذا في كل فنّ .. لا تجد عَالِمًا يستقِلّ بِنفسه ، بل إن علماء الأمة كالبنيان يشُدّ بعضه بعضا ، وهم كالعقد ينتظم في سِلك ، لا يظهر جماله إلاّ بِتَراصّ جواهره وخرزِه !
إذا فأي دعوى لإيجاد فقه جديد سوف تكون دعوى في مهبّ الريح ، بل هي أوهَى من بيت العنكبوت ؛ لأنه يستحيل الإتيان بِفقه جديد وعِلْم جديد في كل فَنّ ، إلاّ أن يُراد الإتيان بِدين جديد !
مع أن كل مُبطِلٍ يأتي بِدين جديد لا بُدّ أن يُلفِّق دِينه من فلسفات وديانات !!

سابعا :
لو كانت هذه الدعوى لاستبدال قواعد اللغة العربية ، فهل سوف توافقه المجامع اللغوية ؟!
وهل سوف يتمكّن من أن يأتي بقواعد لغوية جديدة ؟!
أم أنه سوف يحتاج إلى كلام الْمُتقدِّمِين وتأصيلاتهم وقواعدهم التي وضعوها للغة العربية ؟ رغم تباعد زماننا عن أزمنة أئمة اللغة ؟

وهناك دعوى ثانية ، وهي : أن تُعرَض الآراء الفقهية على الناس ، ويُتَرك الاختيار للناس ! بِحُجّة أن الناس تَفْهم ، وان لها عقول !!
فأقول : هذا ليس صحيحا مِن وُجوه عديدة :

أولها : أنَّ مِن شأن هذا أن يَكون الناس كلهم علماء !
وأن يُرفَع شأن الجاهل ويُجَعل كَشَأن العَالِم .. وهذا ما جاءت الإشارة إليه في الحديث السابق :
إن صاحبكم هذا يريد أن يَرْفَع كُلّ رَاعٍ ابن رَاعٍ ، ويَضَع كُلّ فَارس ابن فارس .
وقد قال الله تبارك وتعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ؟

ثانيها : أن يُهمَّش ويُلغَى دَور العلماء .. وقد رَفَع الله شأن العلماء ، وأعْلى قَدْرَهم ، فقال تعالى : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) .

ثالثها : أنّ يُسأل الْجَاهِل ، لأن هذا القول مآله أن يَكون الناس كلهم فقهاء علماء !
وقد أمَر الله بِسؤال أهل العِلْم والصَّدُور عنهم .
قال تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) .

رابعها : أن العِلْم حِمْل ثقيل ، وليس بالأمر اليسير .
ولذا فإن علماء الأمة قليل إذا ما قُورِنوا بمجموع الأمة .

خامسها : أنه لا يجوز الملام في الكِتاب والسنة إلاَّ عَن عِلْم .
قال الإمام الشاطبي :
" فإن القرآن والسنة لما كان عربيين لم يكن لينظر فيهما إلا عربي ، كما أن من لم يعرف مقاصدهما لم يَحِلّ له أن يتكلم فيهما ، إذ لا يصح له نظر حتى يكون عالما بهما ، فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه شيء من الشريعة " .

سادسها : أن العلماء أعلم بِدِين الله وأعْرَف ، وقد اسْتَشْهَد الله بهم على أعظم مَشْهود ، وهو تَوحيده سبحانه وتعالى ، وقَرَن شَهادته بِشهادتهم ، فقال تبارك وتعالى : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .
قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَىاللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)
فأمَرَ تَعَالىبِـرَدّ الْمُتَنَازَع فيه إلى كتاب الله وسُنة نَبِـيِّه صلى الله عليه وسلم ، وليس لغيرالعلماء مَعرفة كَيفية الرَّدّ إلى الكتاب والسُّـنة ، ويدل هذا على صحة كَون سؤالالعلماء وَاجِبًا ، وامْتثال فَتْوَاهم لازِماً.
قال سهل بن عبد الله رحمه الله : لايَزال الناس بِخير ما عَظَّمُوا السلطان والعلماء ، فإذا عظموا هَذين أصلح الله دنياهموأخراهم ، وإذا اسْتَخَفُّوا بِهَذين أفْسَد دنياهم وأخراهم .
وفي تفسير قولهتعالى: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِوَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُالَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْوَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا) .
قال القرطبي رحمه الله: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) أي : يَسْتَخْرِجُونه ، أي : لَعَلِمُواما يَنْبَغِي أن يُفْشَى منه ، وما يَنْبَغِي أن يُكْتَم . اهـ .

سابعها : أن الناس اليوم إذا نَزَلتْ بهم نازلة ، أو حَصَلَتْ لهم مشكلة بادروا بسؤال العلماء ، ولو كان ذلك في جوف الليل !
فالذي يقع في مشكلة طلاق يُبادِر بالاتصال بأهل العلم ، يسألهم ويستفتيهم .
ولا يذهب يستفتي جاره أو صاحبه ، ولا يسأل طبيبا أو مهندسا عن مسألة شرعية !
وكَما لا يذهب المريض إلى النَّجار طلبًا للعِلاج ، ولا يذهب للخبّاز رغبة في إصلاح سيارته ! كذلك لا يَجوز أن يُستفتَى من ليس أهلاً لذلك .

ثامنها : أن مِن شأن هذا الصنيع أن يُجَعَل الْمُسْتَفْتِي في حيرة !
فلو سأل سائل مثلا عن مسألة فقهية ، ثم سُقنا له الآراء الفقهية المتباينة ، بين قول يَقول بالوجوب ، وقول يَقول بالاستحباب وقول ثالث يَقول بالْمَنْع والْحظْر ، ثم تَركْنَاه هكذا ، لأصبح في حيرة مِن أمْرِه .
وبعض المسائل يَكون في المذهب الواحد فيها أكثر مِن قَول ..
فمثلا : بعض الأقوال في بعض المذاهب تترَدَّد بين القول بالجواز والقول بالتَّحْرِيم !
وقد يَكون في المذهب الفقهي الواحد أربعة أقوال !
فبأيّ قَول يأخذ الْمُسْتَفْتِي ؟!
والْمُسْتَفْتِي عادة ليس عنده مِن الفقه ما يُؤهِّله للترجيح بين الأقوال ، ولا عَرْض الأدلة ونقد الضعيف ، ومعرفة القواعد والأشباه والنظائر ، وغير ذلك مِن وجُوه الاستدلال والترجيح ..
فإذا لم يَتِمّ الترجيح له مِن قِبَل مُخْتَصّ لم يَتَبيَّن له وَجْه الصواب !
ولا أقصد بذلك من كان طالبا للعِلْم وعنده زاد من الفقه يُؤهِّله لذلك ..
بل أقصد عامة الناس ، وهم الأكثر ، وهم السواد الأعظم في الأمة .

وبعض المسائل الفقهية قد تصل الأقوال فيها إلى عشرين قولا !

وهل مَن أمْضى عُمُره في طَلب العِلْم والبحث والتفتيش عن مسائله كالذي لَم يُمضِ فيه سِوى ساعات قليلة مِن يوم أو مِن بعض يوم ؟!

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد