المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تنظُر إلى عبادتها بأنها أفضل مِن غيرها هل بهذا قد حَبط عملها ؟



مشكاة الفتاوى
03-12-11, 8:52 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل أثابكم الله ونفع بكم
هناك من تسأل فتقول أنها إنسانة تحاول حديثاً التقرب إلى الله و قد حدث معها أكثر من مرة عندما ترى عمل أخت مقصرة يأتي في نفسها أنها أحسن منها أو تحقر عبادتها أو أنها لا تستحق أو ترى عاصي يستغفر وهو مصر على ذنبه فيقع في نفسها لن يقبل منك إلا إذا انتهيت أو ما شابه وهي عندما يقع في نفسها هذا التفكير تتضايق كثيراً و تحاول أن تصرفه من ذهنها على الرغم من أنها أحيانا يقر في نفسها أنها بالفعل أحسن منهم (ليس بعملها و لكن لأنها تبذل مجهود حتى تتقرب من الله بينما هم لا) لكنها تبذل جهد كبير لصرف هذا التفكير فستغفر للمقصر وتقول في نفسها يمكن هو بعمله هذا أفضل منك عند الله
ومرة لم تنتبه أنها أجرمت بهذا التفكير فبعدها بساعات ندمت و استغفرت الله ودعت له
وهي خائفة جداً و قلقة للغاية أن تكون بتفكيرها هذا قد حُبط عملها كما حدث للرجل من بني إسرائيل كما تخشى أن يكون هذا من علامات عدم قبول عملها وعدم رضا الله عنها

http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif

الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا .

لوَ نَظَر الإنسان إلى نفسه نَظْرَة إنصاف لَعَرف أنه مُقصِّر مُفرِّط ، فكيف ينظر إلى غيره نَظْرَة احتقار ؟!

قال القرطبي في تفسيره : وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " . وهذا حديث عظيم يترتب عليه ألاَّ يُقْطَع بِعَيب أحدٍ لِمَا يُرى عليه مِن صُور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل مَن يُحافِظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله مِن قلبه وَصْفًا مَذْمُوما لا تَصِحّ معه تلك الأعمال. ولعل مَن رأينا عليه تفريطا أو مَعصية يَعلم الله مِن قَلْبِه وَصْفًا مَحمودا يُغْفَر له بِسببه ؛ فالأعمال أمَارات ظَنية لا أدلة قطعية . ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم مَن رأينا عليه أفعالا صالحة ، وعدم الاحتقار لِمُسْلِم رأينا عليه أفعالا سيئة . بل تحتقر وتذمّ تلك الحالة السيئة ، لا تلك الذات المسيئة . فتدبر هذا ، فإنه نظر دقيق ، وبالله التوفيق . اهـ .

وكان كثير مِن أكابر الصحابة رضي الله عنهم كُفّارا ، ثم لَمّا أسلموا نَفَع الله بهم ونَصَر بهم دِينه.

وكم رأينا مِن العُصاة العُتاة ! ثم ما لَبِثوا أن فُتِح على قلوبهم فصاروا هُداة عُمّار مساجد وصُلحاء وأتقياء أنقياء .

وفي خَبَر الذي قال لِصاحِبه : والله لا يَغفر الله لك ، أوْ لا يُدْخِلك الْجَنَّة أبْدًا . فقال الله للمُذْنِب: اذهب فادْخُلِ الْجَنَّة بِرحمتي ، وقال للآخَر : أكُنْتَ عَالِمًا ؟ أكُنْتَ على مَا في يَدي قَادِرًا؟ اذْهَبُوا بِه إلى النَّار . قال أبو هريرة : والذي نَفْسي بِيَدِه إنه لَتَكَلَّم بِكَلِمَة أوْبَقَتْ دُنْيَاه وآخِرَتِه . رواه الإمام أحمد وأبو داود .
وروى الإمام مسلم عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث أن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان ، وإن الله تعالى قال : من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان ، فإني قد غفرت لفلان ، وأحبطت عملك .

وعلى الإنسان أن يحذر من الإعجاب بِعملِه ؛ لِقوله عليه الصلاة والسلام : لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك ؛ العجب العجب . رواه البيهقي في شعب الإيمان ، وحسنه الألباني .

وكان السلف مع صلاحهم ينظرون إلى ذنوبهم ، ولا يُزكّون أنفسهم .
لَمّا ولي أبو بكر الخلافة خَطب الناس فقال : إني قَد وُلِّيتُ عَليكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُم . فلما بلغ الحسن البصري قوله قال : هو والله خَيْرُهم غَير مُدَافَع ، ولكن الْمُؤمِن يَهْضِم نَفْسَه . رواه البيهقي في السنن الكبرى .
وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة كان يُسَبِّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة ، يقول : أُسَبِّح بِقَدْرِ ذَنْبِي . ذَكَره ابن حجر في الإصابة .
وذُكِر عند الحسن الزهد فقال : بعضهم اللباس ، وقال : بعضهم المطعم ، وقال : بعضهم كذا . فقال الحسن : لستم في شيء ؛ الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال : هذا أفضل مني !
وقال الفضيل : لو شممتم رائحة الذنوب مني ما قربتموني .
وأُثْنِي على زاهد فقال : لو عَرَفْتَ مِنِّي ما عَرَفْتُ مِن نَفْسِي لأبْغَضْتَنِي .

قال شعيب بن حرب : بينا أنا طوف إذ لَكَزَني رجل بمرفقه ، فالتفت فإذا أنا بالفضيل بن عياض ، فقال : يا أبا صالح ، فقلت : لبيك يا أبا علي ، قال : إن كنت تظن أنه قد شهد الموسم شرّ مِنِّي ومِنك فبئس ما ظننت !
وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول عن نفسه :
أحب الصالحين ولست منهم *** لعلّي أن أنال بهم شفاعة
وأكره مَن تجارته المعاصي *** ولو كُنّا سواء في البضاعة
وقال مالك بن دينار : إذا ذُكِر الصالحون فأفّ لي و أفّ !
وقال عبد الله بن بكر : أفضت مع أبي من عرفة قال : فقال لي يا بني لولا أني فيهم لرجوت أن يغفر لهم !
وهكذا المؤمن لا يَرى لِنفسه فضلا على أحد ، ولا يرى أنه أصلح من غيره ؛ لأن كل إنسان أعرف بِنفسه .
قال يونس بن عبيد : كُنت أُذَاكِر يوما عن الحسن التواضع قال : فالتفت إلينا الشيخ فقال : أتدرون ما التواضع ؟ أن تخرج من بيتك حين تخرج فلا تَلْقَى مُسْلِمًا إلاَّ رأيت أن له عليك الفضل!

وإذا دافَع الإنسان ما يَجِد في نفسه ، واستغفر الله ، فإن الله تبارك وتعالى تجاوز عمّا حدّثَتْ به الأنفس ما لم تعمل أو تتكلّم .
قال عليه الصلاة والسلام : إن الله تجاوز عن أمتي ما حَدّثَتْ به أنفسها ، ما لم تعمل أو تتكلم . رواه البخاري ومسلم .

ومما يُعين على دَفْع ما يَجِده الإنسان في نفسه أن يَنظر إلى أعمال الصالحين وسادات المتّقين قَبْله ، ليعلم حقيقة أعماله !

كان الربيع بن خثيم على شِدّته في العبادة حتى رُويَ عنه أنه إذا سجد كأنه ثوب مطروح ، فتجيء العصافير فتقع عليه ، ومع ذلك وَرَد عنه أنه كان يبكى حتى تَبْتَلّ لحيته مِن دموعه ، ثم يقول : أدركنا أقواما كُنّا في جنوبهم لُصوصا !

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد