المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يستدلون بقصة هارون مع بني إسرائيل على أنّ الأولى هو الاجتماع حتى مع اختلاف العقائد



الصارم الهندي
05-09-10, 10:10 AM
فضيلة الشيخ

بعض الناس يستدلون بأن الاجتماع مقدم ولو كان المجتمعون مختلفون في العقيدة ويستدلون بقصة هارون مع بني إسرائيل لما اتخذوا العجل فقال هارون لموسى "إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل .." فهارون قدم الاجتماع وعدم تفرقة القوم مع كونهم خالفوه في العقيدة ؟

وجزاكم الله خيراً

عبد الرحمن السحيم
05-10-10, 10:50 PM
الجواب :
وجزاك الله خيرا .

هذا مردود مِن وُجوه :

الوجه الأول : ما استدلّوا به مِن قصة هارون عليه الصلاة والسلام ، يَرُدّه أن موسى عليه السلام أنكر فِعل أخيه أشدّ الإنكار ، حتى قال له هارون : (يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) ، فهذا إنكار شديد مِن موسى على هارون عليهما السلام ، ولم يكن الاجتماع ولا مُوافقة الجماعة عُذرا .

الوجه الثاني : أن الصحابة رضي الله عنهم اخْتَلفوا في مسائل في الفقه واجتمعوا على مسائل ، وقد اعتبر العلماء إجماع الصحابة رضي الله عنهم حُجّة قوية ، لا سبيل إلى ردِّها ، وذلك لأنهم عايشوا الـتَّنْزِيل ، وكانوا خير هذه الأمة ؛ أبرّها قلوبا ، وأعمقها عِلما ، وأقلّها تَكَلّفا ، قَوم اختارهم الله لِصُحْبَة نَبِيِّه صلى الله عليه وسلم ، ونَقْل دِينه . كما قال ابن عمر رضي الله عنهما ، فاجتماعهم كان على صفاء العقيدة ، وليس على التخليط والْجَمْع بين المتردّية والنطيحة !

الوجه الثالث : أن إجماع الصحابة في مسائل الاعتقاد لا يُعرَف لهم فيه مُخالف في عصرهم إلاّ كان منبوذا مذموما .

بل إن الصحابة رضي الله عنهم ذمّوا الخلاف ، وإن كان في مسائل الفقه ، فقد ذمّ الصحابة رضي الله عنهم تأخير الصلاة الذي وقع مِن بعض خلفاء بني أمية .
قال عمرو بن ميمون : قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْيَمَنِ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْكُمْ ، فَوَقَعَتْ لَهُ فِي قَلْبِي مَحَبَّةٌ ، فَلَمْ أُفَارِقْهُ حَتَّى مَاتَ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بَكَيْتُ ، فَقَالَ لِي : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقُلْتُ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ أَبْكِي إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَكَ ، قَالَ : إِنَّ الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ ثَابِتَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَالْتَمِسِ الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ : عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ - فَإِنَّهُ عَاشِرُ عَشْرَةٍ فِي الْجَنَّةِ - وَسَلْمَانَ الْخَيْرِ وَعُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَلَحِقْتُ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَأَمَرَنِي بِمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا وَاجْعَلْ صَلاتَهُمْ تَسْبِيحًا ، فَذَكَرْتُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِي وَقَالَ : وَيْحَكَ إِنَّ الْجَمَاعَةَ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللهِ . رواه الطبراني في "مسند الشاميين " .

الوجه الرابع : اجتماع كلام السلف على ذمّ أهل الأهواء وأهل البِدَع ، ونَبْذ كل ما خالف السنة ولو كانوا هم أهل الكثرة في العدد .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : الجماعة الكتاب والسنة ، وإن كنت وَحْدك .
وقال : الجماعة أهل الحق ، وإن كُنْت وَحْدَك .

الوجه الخامس : لو افترضنا صِحّة ذلك القول ، لأدّى ذلك القول إلى تمييع الولاء والبراء ، بل لأدّى ذلك القول إلى اجتماع المسلم مع اليهودي والنصراني والرافضي وكل زنديق ! خاصة فيما يتّفِقُون عليه !

الوجه السادس : أن تلك الطريقة المزعومة هي طريقة المنافقين الذين كانوا – ولا زالوا – يقولون : (إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا)

ونصيحة لكل مِن يتكلّم في مسائل العِلْم : أن لا ينفرد بِقول لم يَقُل به أحد قبله .

قال الإمام أحمد رحمه الله : إياك أن تتكلّم في مسالة ليس لك فيها إمام .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ولم يَسبقه إليه أحد منهم فانه يكون خطأ .

والله تعالى أعلم .