المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل ترتيب السور في المصحف وتسمياتها والتجزيء والتحزيب مِن فِعل النبي ?



مشكاة الفتاوى
04-01-10, 9:13 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحسن الله إليكم ونفع بكم ورفع قدركم :
هل ترتيب السور في المصحف وتسمياتها والتجزيء والتحزيب من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ بمعنى أنه : على التوقيف ؟ أم من فعل غيره ؟ وهل يجوز تغييره ؟
أفتونا مأجورين ؛ لا حرمكم الله الأجر .





http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ووفَّقَك الله لِكُلّ خَيْر .
وأحسن إليك .

يُفرِّق العلماء بين ترتيب الآيات في السورة ، وبين ترتيب السور في المصحف . فالأول توقيفي ، والثاني اجتهادي .

فالصحابة كانوا يَضعُون الآيات في السّورة كما يأمُرهم النبي صلى الله عليه وسلم .

رَوَى البُخَاري عن ابنِ الزُّبير رَضي الله عنه قَال : قُلْتُ لِعُثْمَان بن عفان : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا)[البقرة : 240] قَال : قد نَسَخَتْها الآيَة الأُخْرَى ، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أو تَدَعُهَا ؟ قَال : يا ابْن أخِي لا أُغَيِّر شَيئًا مِنْه مِن مَكَانِه .

فقوله : الآيَة الأُخْرَى ، يعني : (الآية ذات الرقم (234) .

وذلك أن قوله تعالى : (َالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)[البقرة:240] نسخها قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا) [البقرة:234] .

والناسخ يكون مُتأخِّر النُّزول ، إلاّ أنها مما تقدّم ترتيبه في المصحف . قال الزرقاني في " مناهل العرفان " عن هذا الحديث : فهذا حديث أبلج من الصبح في أن إثبات هذه الآية في مكانها مع نسخها توقيفي لا يستطيع عثمان باعترافه أن يتصرَّف فيه لأنه لا مجال للرأي في مثله . اهـ .

فترتيب الآيات متفق عليه ، وهو محلّ إجماع ، بخلاف ترتيب السور .

وأما ترتيب السور في المصحف فهو أمر اجتهادي ، ولذا اختلف ترتيب السور في مصاحف الصحابة رضي الله عنهم .

قال الإمام النووي رحمه الله : ولو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ التي قبلها أو خالف المولاة فقرأ قبلها ما لا يليها جاز ، وكان تاركاً للأفضل ، وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفقٌ على منعه وذمِّـه ؛ فإنه يُذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حِكْمة الترتيب . اهـ .

قال السيوطي رحمه الله :
فترتيب النـزول غير ترتيب التلاوة .

وقال أيضا : الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي ، لا شبهة في ذلك ، وأما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته ، وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين . انتهى .

وقال مكي وغيره : ترتيب الآيات في السور بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة .

وقال القاضي أبو بكر في الانتصار : ترتيب الآيات أمر واجب وحُكم لازِم فقد كان جبريل يقول : ضَعُوا آية كذا في مَوضِع كذا .

ومما يدلّ على ترتيب آيات القرآن قول أحد كتاب الوحي ، وهو زيد بن ثابت رضي الله عنه : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نُؤلِّف القرآن مِن الرِّقاع . رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان .

وتسمية السور توقيفي في الغالب " ضعوا آية كذا في سورة كذا " ، إلاّ أن السورة قد تُسمّى بأكثر من اسم ، فقد تُسمى باسم ، وتُسمّى ببعض آياتها ، أو ما جاء فيها

وتجزئة القرآن وتحزيبه كان مِن قِبَل الصحابة رضي الله عنهم .قال الزركشي : وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها .

ثم قال :
أسند الزبيدي في كتاب الطبقات عن المبرد أول مَن نَقط المصحف أبو الأسود الدؤلى . وذكر أيضا أن ابن سيرين كان له مصحف نَقَطه له يحيى بن يَعْمَر . وذَكَر أبو الفرج أن زياد بن أبى سفيان أمَر أبا الأسود أن ينقط المصاحف .وذَكر الجاحظ في كتاب الأمصار أن نصر بن عاصم أول مَن نَقط المصاحف ، وكان يُقال له : نصر الحروف

وأما وضع الأعشار ؛ فقيل إن المأمُون العباسي أمَر بذلك . وقيل : إن الحجاج فعل ذلك . ثم قال : واعلم أن عدد سور القرآن العظيم باتفاق أهل الحل والعقد مائة وأربع عشرة سورة ، كما هي في المصحف العثماني ، أولها الفاتحة وآخرها الناس . اهـ .

كما أن تحزيب القرآن وتجزئته ليس من البدع ، لأن من فعل هذا لم يقصد به التقرّب إلى الله ، وإنما هي أمور لمصالح العباد دَعَتْ إليها الحاجة .

فالذي يقرأ القرآن لا يقرأ كتابة ( الجزء الأول - الحزب الأول ) - مثلا - بقصد التعبّد . هذا من جهة .
ومن جهة ثانية فإنه مِن فعل الصحابة رضي الله عنهم ، وفعلهم حُجة .

ومع أن ترتيب السور في المصحف ليس توقيفي ، فليس لأحد أن يُخالِف في كتابة المصحف ؛ لأن هذا صار إجماع أمّة ، واتّفقَت عليه الأمّة .

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم