المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التلخيص المعين في شرح الأربعين للشيخ العلامة ابن عثيمين



الدمشقي
09-07-09, 03:13 AM
الحديث الأول
عَنْ أَمِيرِ المُؤمِنينَ أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ  قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ : " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوُله ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا ، أَو امْرأَةٍ يَنْكِحُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ "
رواه إماما المحدثين أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَهْ البخاري ، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج ين مسلم القشيري النيسابوري ، في صحيحيهما اللَذين هما أصح الكتب المصنفة . <HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>

الــشــــرح
" عَنْ أَمِيرِ المُؤمِنينَ " هو أبو حفص عمر بن الخطاب  آلت إليه الخلافة بتعين أبي بكر الصديق  له .
وفي قوله :" سَمِعْتُ " دليل على أنه أخذه من النبي  بلا واسطة .
ولفظ الحديث انفرد به عمر  وتلقته الأمة بالقبول التام ، حتى إن البخاري رحمه الله صدر كتابه الصحيح بهذا الحديث ، ومعنى الحديث ثابت بالقرآن والسنة .
قوله  :" إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " فيه من أوجه البلاغة الحصر ، وهو :
إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه .
وطريق الحصر : " إِنَّمَا " لأن ( إِنَّمَا ) تفيد الحصر .
وكذلك قوله  : " وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى " .
وفي قوله :" وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا ، أَو امْرأَةٍ يَنْكِحُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ " من البلاغة : إخفاء نية من هاجر للدنيا ، لقوله : " فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ " ولم يقل : إلى دنيا يصيبها ، والفائدة البلاغية في ذلك هي : تحقير ما هاجر إليه هذا الرجل ، أي ليس أهلاً لأن يذكر ، بل يكنى عنه بقوله :" إِلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ " .
وقوله : "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله" الجواب : " فَهِجْرتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوُله " فذكره تنويهاً بفضله.
" وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا ، أَو امْرأَةٍ يَنْكِحُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إلَيْه ِ" ولم يقل: إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، لأن فيه تحقيراً لشأن ما هاجر إليه وهي : الدنيا أو المرأة .
* أما من جهة الإعراب ، وهو البحث الثاني :
فقوله  " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " مبتدأ وخبر ، الأعمال : مبتدأ ، والنيات : خبره .
" وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى " أيضاً مبتدأ وخبر ، لكن قُدُّم الخبر على المبتدأ ؛ والمبتدأ هو " مَا نَوَى " متأخر .
" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوُله " هذه جملة شرطية ، أداة الشرط فيها : من ، وفعل الشرط : كانت ، وجواب الشرط : فهجرته إلى الله ورسوله .
وهكذا نقول في أعراب قوله :" وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا "
* أما في اللغة فنقول :
" الأَعْمَالُ " جمع عمل ، ويشمل أعمال القلوب وأعمال النطق ، وأعمال الجوارح ، فتشمل هذه الجملة الأعمال بأنواعها .
" الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " النيات : جمع نية وهي : القصد .
وشرعاً: العزم على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى ، ومحلها القلب ، فهي عمل قلبي ولا تعلق للجوارح بها .
" وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ " أي لكل إنسانٍ " مَا نَوَى " أي ما نواه .
هنا مسألة : هل هاتان الجملتان بمعنى واحد ، أو مختلفان ؟
الجواب : يجب أن نعلم أن الأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد ، ومعنى التأسيس : أن الثانية لها معنى مستقل ، ومعنى التأكيد : أن الثانية بمعنى الأولى .
وللعلماء رحمهم الله في هذه المسألة رأيان :
والصواب : أن الثانية غير الأولى ، فالكلام من باب التأسيس لا من باب التوكيد ، فالأولى باعتبار المنوي وهو العمل .
والثانية : باعتبار المنوي له وهو المعمول له ، هل أنت عملت لله أو عملت للدنيا .
ويدل لهذا ما فرعه النبي  في قوله : " فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوُله " وعلى هذا يبقى الكلام لا تكرار فيه .
والمقصود من هذه النية تمييز العادات من العبادات ، وتمييز العبادات بعضها من بعض .
* و مثال تميز العادات عن العبادات :
- أولاً : الرجل يأكل الطعام شهوة فقط ، والرجل الآخر يأكل الطعام امتثالاً لأمر الله  في قوله :
 وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ (1) أكل الثاني عبادة ، وأكل الأول عادة .
- ثانياً : الرجل يغتسل بالماء البارد تبرداً ، والثاني يغتسل بالماء من الجنابة ، فالأول عادة ، والثاني : عبادة .
ولهذا قال بعض أهل العلم : عبادات أهل الغفلة عادات ، وعادات أهل اليقظة عبادات .
* و مثال تميز العبادات بعضها من بعض:
رجل يصلي ركعتين ينوي بذلك التطوع ، وآخر يصلي ركعتين ينوي بذلك الفريضة ، فالعملان تميزا بنية ، هذا نفل وهذا واجب ، وعلى هذا فَقِسْ .
* واعلم أن النية محلها القلب ، ولا يُنْطَقُ بها إطلاقاً ، لأنك تتعبّد لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، والله تعالى عليم بما في قلوب عباده ، ولست تريد أن تقوم بين يدي من لا يعلم حتى تقول أتكلم بما أنوي ليعلم به ، إنما تريد أن تقف بين يدي من يعلم ما توسوس به نفسك ويعلم متقلّبك وماضيك ، وحاضرك .
ولهذا لم يَرِدْ عن رسول الله  ولا عن أصحابه رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتلفّظون بالنية .
* وهنا مسألة : إذا قال قائل : قول المُلَبَّي : لبيك اللهم عمرة ، ولبيك حجّاً ، ولبيك اللهم عمرة وحجّاً، أليس هذا نطقاً بالنية ؟
فالجواب : لا ، هذا من إظهار شعيرة النُّسك ، ولهذا قال بعض العلماء : إن التلبية في النسك كتكبيرة الإحرام في الصلاة ، فإذا لم تلبِّ لم ينعقد الإحرام ، كما أنه لو لم تكبر تكبيرة الإحرام للصلاة ما انعقدت صلاتك .
* ولهذا ليس من السنة : إن يقال : اللهم إني أريد نسك العمرة ، أو أريد الحج فيسّره لي ، لأن هذا ذكر يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه .
فإذا قال : قالها فلانٌ في كتابه الفلاني ؟
فقل له : القول ما قال الله ورسوله  .
" وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى " هذه هي نيّة المعمول له ، والناس يتفاوتون فيها تفاوتاً عظيماً .
* ثم ضرب النبي  مثلاً بالمهاجر فقال :
" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ " الهجرة في اللغة : مأخوذة من الهجر وهو الترك .
وأما في الشرع فهي : الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام .
* وهنا مسألة : هل الهجرة واجبة أو سنة ؟
والجواب : أن الهجرة واجبة على كل مؤمن لا يستطيع إظهار دينه في بلد الكفر ، فلا يتم إسلامه إلا بالهجرة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
كهجرة المسلمين من مكة إلى الحبشة ، أو من مكة إلى المدينة .
" فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوُله " كرجل انتقل من مكة قبل الفتح إلى المدينة يريد الله ورسوله ، أي : يريد ثواب الله،ويريد الوصول إلى الله كقوله تعالى :  وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (1) إذاً يريد الله : أي يريد وجه الله ونصرة دين الله ، وهذه إرادة حسنة .
ويريد رسول الله : ليفوز بصحبه ويعمل بسنته ويدافع عنها ويدعو إليها والذبّ عنه، ونصرة دينه ، فهذا هجرته إلى الله ورسوله .
* وهنا مسألة : بعد موت الرسول  هل يمكن أن نهاجر إليه عليه الصلاة والسلام؟
الجواب: أما شخصه  فلا ولذلك لا يُهاجر إلى المدينة من أجل شخص الرسول لأنه تحت الثرى ، وأما الهجرة إلى سنته وشرعه  فهذا مما جاء الحث عليه وذلك مثل : الذهاب إلى بلد لنصرة شريعة الله الرسول  والذود عنها .
فالهجرة إلى الله في كل وقت وحين ، والهجرة إلى رسول الله لشخصه وشريعته حال حياته ، وبعد مماته إلى شريعته فقط .
" وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا " بأن علم أن في البلد الفلاني تجارة رابحة فذهب إليها من أجل أن يربح ، فهذا هجرته إلى دنيا يصيبها ، وليس له إلا ما أراد ، وإذا أراد الله  ألا يحصل على شيء لم يحصل على شيء .
أو من هاجر من بلد إلى لامرأة يتزوجها ، بأن خطبها وقالت لا أتزوجك إلا إذا حضرت إلى بلدي فهجرته إلى ما هاجر إليه .
قوله رحمه الله : (رواه إماما المحدثين أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَهْ البخاري ، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج ين مسلم القشيري النيسابوري ، في صحيحيهما اللَذين هما أصح الكتب المصنفة ) .
أي صحيح البخاري وصحيح مسلم وهما أصح الكتب المصنفة في علم الحديث ، ولهذا قال بعض المحدثين إن ما اتفقا عليه لا يفيد الظن فقط بل العلم .
وصحيح البخاري أصح من مسلم ، لأن البخاري – رحمه الله – يشترط في الرواية أن يكون الراوي قد لقي من روى عنه ، أما مسلم – رحمه الله – فيكتفي بمطلق المعاصرة مع إمكان اللقي وإن لم يثبت لقيه ، وقد أنكر على من يشترط اللقاء في أول الصحيح إنكاراً عجيباً .
فالصواب ما ذكره البخاري – رحمه الله – أنه لا بد من ثبوت اللقي .
لكن ذكر العلماء أن سياق مسلم – رحمه الله – أحسن من سياق البخاري ، لأنه -رحمه الله – يفرِّق الحديث ، ففي الصناعة صحيح مسلم أفضل ، وأما في الرواية والصحة فصحيح البخاري أفضل .
تشاجر قومٌ في البخاري ومسلم فقلت : لقد فاق البخاري صحة . .
لديّ وقالـــــوا : أي ذَيْنِ تقدّم كما فاق في حسن الصناعة مسلم ..
فالحديث إذا صحيح يفيد العلم اليقيني ، لكنه ليس يقينياً بالعقل وإنما هو يقيني بالنظر لثبوته عن النبي  .
* من فوائد الحديث :
1- هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليه مدار الإسلام ، ولهذا قال العلماء : مدار الإسلام على حدثين : هما هذا الحديث ، وحديث عائشة : " مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فهُوَ رَدّ " فهذا الحديث عمدة أعمال القلوب ، فهو ميزان الأعمال الباطنة ، وحديث عائشة : عمدة أعمال الجوارح .
2- من فوائد الحديث : أنه يجب تمييز العبادات بعضها عن بعض ، والعبادات عن المعاملات لقول النبي  : " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " .
* مسألة :لو خرج شخص بعد زوال الشمس من بيته متطهراً ودخل المسجد وليس في قلبه أنها صلاة الظهر ، ولا صلاة العصر ، ولا صلاة العشاء ، ولكن نوى بذلك فرض الوقت ، فهل تجزئ أو لا تجزئ ؟
الجواب : قيل تجزئ : ولا يشترط تعيين المعيّنة ، فيكفي أن الصلاة وتتعين الصلاة بتعيين الوقت ، وهذه رواية عن الإمام أحمد – رحمه الله تعالى - ، وهذا هو القول هو الصحيح الذي لا يسع الناس العمل إلا به.
3- من فوائد الحديث : الحثّ على الإخلاص لله ، لأن النبي  قسم الناس إلى قسمين :
قسم : أراد بعمله وجه الله والدار الآخرة .
وقسم : بالعكس ، وهذا يعني الحث على الإخلاص لله  .
4- من فوائد الحديث : حسن تعليم النبي  وذلك : بتنويع الكلام وتقسيمه ، لأنه قال " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " وهذا للعمل " وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى " وهذا للمعمول له ، هذا أولاً .
والثاني من حُسن التعليم : تقسيم الهجرة إلى قسمين : شرعية وغير شرعية ، وهذا من حسن التعليم ، ولذلك ينبغي للمعلم أن لا يسرد المسائل على الطالب سرداً لأن هذا يُنْسِي، بل عليه أ، يجعل أصولاً ، وقواعد وتقييدات ، لأن ذلك أقرب لثبوت العلم في قلبه ، أما أن تسرد عليه المسائل فما أسرع أن ينساها.
5- من فوائد الحديث : قرن الرسول  مع الله تعالى بالواو حيث قال : " إِلى اللهِ وَرَسُوله " ولم يقل : ثم إلى رسوله ، مع أن رجلاً قال للرسول  : مَا شاءَ اللهُ وشِئْتَ، فَقَالَ :" بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَه " فما الفرق ؟
والجواب : أما ما يتعلق بالشريعة : فيعبر عنه بالواو ، لأن ما صدر عن النبي  من الشرع كالذي صدر من الله تعالى كما قال تعالى :  مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ  (1)
وأما الأمور الكونية : فلا يجوز أن يُرن مع الله أحدٌ بالواو أبداً ، لأن كل شي تحت إرادة الله تعلى ومشيئته.
فإذا قال قائل :هل ينزل المطر غداً ؟
فقيل : الله ورسوله أعلم ، فهذا خطأ ، لأن الرسول  ليس عنده علم بهذا .
* مسألة :وإذا قال : هل هذا حرامٌ أم حلال ؟
فقيل في الجواب : الله ورسوله أعلم ، فهذا صحيح ، لأن حكم الرسول في الأمور الشرعية حكم الله تعالى كما قال  :  مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ (1)
* مسألة : أيهما أفضل العلم أم الجهاد في سبيل الله ؟
والجواب : العلم من حيث هو علم أفضل من الجهاد في سبيل الله لأن الناس كلهم محتاجون إلى العلم ،وقد قال الإمام أحمد : " العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته "، ولا يمكن أبداً أن يكون الجهاد فرض عين لقول الله تعالى :  وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فلو كان فرض عين لوجب على جميع الناس  فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ أي وقعدت طائفة  لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  (1)ولكن باختلاف الفاعل واختلاف الزمن ، قد نقول لشخص : الأفضل في حقك الجهاد ، ولآخر الأفضل في حقك العلم ،فإذا كان شجاعاً قوياً نشيطاً وليس بذاك الذكي فالأفضل له الجهاد ؛ لأنه أليَق به ، وإذا كان ذكياً حافظاً قوي الحجة فالأفضل له العلم وهذا باعتبار الفاعل .
أما باعتبار الزمن فإننا إذا كنّا في زمن كثر فيه العلماء واحتاجت الثغور إلى مرابطين فالأفضل الجهاد .
وإن كنّا في زمن تفشى فيه الجهل وبدأت البدع تظهر في المجتمع وتنتشر فالعلم أفضل .
وهناك ثلاثة أمور تحتّم على طلب العلم :
1- بدع بدأت تظهر شرورها .
2- الإفتاء بغير علم .
3- جدل كثير في مسائل بغير علم .
وإذا لم يكن مرجّح فالأفضل العلم .
6- ومن فوائد الحديث : أن الهجرة من الأعمال الصالحة لأنها يقصد بها الله ورسوله.
* مسألة :هل الهجرة واجبة أم مستحبة ؟
الجواب : فيه تفصيل ، إذا كان الإنسان يستطيع أن يظهر دينه وأن يعلنه ولا يجد من يمنعه في ذلك ، فالهجرة هنا مستحبة .
وإن كان لا يستطيع فالهجرة واجبة وهذا هو الضابط للمستحبّ والواجب، وهذا يكون في البلاد الكافرة.
أما في البلاد الفاسقة – وهي التي تعلن الفسق وتظهره – فإنا نقول : إن خاف الإنسان على نفسه أن ينزلق فيه أهل البلد فهنا الهجرة واجبة ، وأن لم يخف فتكون غير واجبة ، بل نقول في بقائه إصلاح ، فبقاؤه واجب لحاجة البلد إليه في الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والحاصل أن الهجرة من بلاد الكفر ليست كالهجرة من بلاد الفسق ، فيقال للإنسان: اصبر واحتسب ولا سيما إن كنت مصلحاً ، بل قد يقال : إن الهجرة في حقك حرام .
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:14 AM
الحديث الثاني
عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيضاً قَال : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  ذَاتَ يَوْمٍ إَذْ طَلَعَ عَلَيْناَ رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثّياب شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لاَ يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنا أحَدٌ حَتى جَلَسَ إلَى النبِي  فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفيْهِ عَلَى فَخِذِيْهِ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ  : " الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إلَه إلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ الله ، وَتُقِيْمَ الصَّلاَة ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ البيْتَ إِنِ اِسْتَطَعتَ إِليْهِ سَبِيْلاً "
قَالَ : صَدَقْتَ . فَعجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ، قَالَ : فَأَخْبِرِنيْ عَنِ الإِيْمَانِ ، قَالَ : " أَنْ تُؤمِنَ بِالله ، وَمَلاِئكَتِه ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَومِ الآَخِر ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "
قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ فَأخْبِرْنِيْ عَنِ الإِحْسَانِ ، قَالَ : " أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " .
قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ ، قَالَ : " مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " قَالَ : فَأخْبِرْنِيْ عَنْ أَمَارَاتِها ، قَالَ :" أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ " ثْمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثتُ مَلِيَّاً ثُمَّ قَالَ : " يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ اللهُ وَرَسُوله أَعْلَمُ قَالَ :" فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِيْنَكُمْ " رواه مسلم .

<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله : "بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ " "بَيْنَمَا " هي " بينا" ولكن زيدت (مَا) فيها والأصل : بين نحن ، (مَا) زيدت للتوكيد .
" جُلُوْسٌ " مبتدأ ، وخبره : " عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  "
" ذَاتَ يَوْمٍ " ذات هنا تفيد النكرة ، أي في يوم من الأيام ،وتستعمل في اللغة على وجوه متعددة: تارة تكون بمعنى النكرة الدالة على العموم : كما في جملة الحديث " ذَاتَ يَوْمٍ " وهذا أغلب ما تستعمل .
" شَدِيْدُ بَيَاضِ الثّياب " أي عليه ثياب .
" شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ " أي أنه شاب .
" لاَ يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ " لأن ثيابه بيضاء وشعره أسود ليس فيه غبار ولا شعث السفر ، ولأن المسافر في ذلك الوقت يُرى عليه أثر السفر .
" وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنا أحَدٌ " أي وليس من أهل المدينة المعروفين ، فهو غريب .
" حَتى جَلَسَ إلَى النبِي  " ولم يقل عنده ليفيد الغاية ، أي أن جلوسه كان ملاصقاً للنبي  .
ولهذا قال : " فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفيْهِ " أي كفي هذا الرجل " عَلَى فَخِذِيْهِ " أي فخذي هذا الرجل ، وليس على فخذي النبي ، وهذا من شدة الاحترام .
" وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ " ولم يقل : يا رسول الله ليوهم أنه أعرابي ، لأن الأعراب ينادون النبي  باسمه العلم ، وأما أهل الحضر فينادونه بوصف النبوة أو الرسالة عليه الصلاة والسلام .
" أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم " أي ما هو الإسلام ؟ أخبرني عنه .
" الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إلَه إلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ الله " تشهد أي تقر وتعترف بلسانك وقلبك ، فلا يكفي اللسان ، بل لا بد من اللسان والقلب قال الله :إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
" وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ الله " أي وتشهد أن محمداً رسول الله ، ولم يقل : أني رسول الله مع أن السياق يقتضيه لأنه يخاطبه ، لكن إظهاره باسمه العلم أوكد وأشد تعظيماً .
وقوله :" مُحَمَّدَاً " هو محمد بن عبدالله الهاشمي القرشي من ذرية إسماعيل ، وليس من ذرية إسماعيل رسول سواه .
" رَسُولُ الله " رسول بمعنى مرسل ، والرسول هو من أوحى الله بشرع وأمر بتبليغه والعمل به .
" وَتُقِيْمَ الصَّلاَة " أي تأتي بها قائمة تامة معتدلة .
وكلمة : " الصَّلاَة " تشمل الفريضة والنافلة .
" وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ " تؤتي بمعنى تعطي ، والزكاة هي المال الواجب بذله لمستحقه من الأموال الزكوية تعبداً لله ، وهي الذهب والفضة والماشية والخارج من الأرض وعروض التجارة .
" وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ " أي تمسك عن المفطرات تعبداً لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
وأصل الصيام في اللغة : الإمساك .
" وَتَحُجَّ البيْتَ " أي تقصد البيت لأداء النسك في وقت مخصوص تعبداً لله تعالى .
" إِنِ اِسْتَطَعتَ إِليْهِ سَبِيْلاً " .
" صَدَقْتَ " القائل صدقت : جبريل عليه السلام وهو السائل ، فكيف يقول : صدقت وهو السائل ؟
لأن الذي يقول : صدقت للمتكلم يعني أن عنده علماً سابقاً علم بأن هذا الرجل أصابه ، وهو محل عجب، ولهذا تعجب الصحابة كيف يسأله ويصدقه ، لكن سيأتي إن شاء الله بيان هذا .
* شرح هذه الأركان الخمسة :
- الركن الأول : شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله .
هنا مسألة : لماذا جُعِلَ هذان الركنان ركناً واحداً ، ولم يجعل ركنين ؟
الجواب : أن الشهادة بهذين تبنى عليها صحة الأعمال كلها ، لأن شهادة ألا إله إلا الله تستلزم الإخلاص ، وشهادة أن محمداً رسول الله تستلزم الإتباع ، وكل عمل يتقرب له إلى الله لا يقبل إلا بهذين الشرطين : الإخلاص لله ، والمتابعة لرسول الله  .
ومعنى أن تشهد أن لا إله إلا الله ، أي : أن يعتبر الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لا معبود حق إلا الله  .
و" أَشْهَدُ" بمعنى أقر بقلبي ناطقاً بلسانس ؛ لأن الشهادة نطق وإخبار عما في القلب .
وإذا كان الشاهد بقلبه أخرس لا يستطيع النطق فإنه يكفي إقراره بقلبه للعجز .
والشهادة باللسان لا تكفي بدليل أن المنافقين يشهدون لله  بالوحدانية ولكنهم يشهدون بألسنتهم ، فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فلا ينفعهم .
و " لاَ إلَه إلاَّ اللهُ " أي لا معبود بحق إلا الله وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة " حق " يتبين الجواب عن الأشكال التالي : وهو كيف يُقال :" لاَ إلَه إلاَّ اللهُ " مع أن هناك آلهة تعبد من دون الله ، وقد سماها الله آلهة وسماها عابدوها آلهة ، قال الله تعالى :  فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ  فبتقدير الخبر في " لاَ إلَه إِلاَّ اللهُ " نقول : هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة لكنها باطلة ، وليست آلهة حقّة ، وليس لها حق الألوهية من شيء .
" إِلاَّ اللهُ " الله : علم على الرب  لا يسمى به غيره ، وها أصل من أسماء الله  ولهذا تأتي الأسماء تابعة له ، ولا يأتي تابعاً للأسماء إلا في آية واحدة ، وهي قول الله تعالى :  إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ 1 اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  لكن لفظ الاسم الكريم هنا بدل من العزيز ، وليست صفة ، لأن جميع الأسماء إنما تكون تابعة لهذا الاسم العظيم .
مسألة : هل هذه الشهادة تُدِل الإنسان في الإسلام ؟
الجواب : نعم تدخله في الإسلام حتى لو ظننا أنه قالها تعوّذاً، فإننا نعصم دمه وماله؛ ولو ظننا أنه قالها كاذباً.
إذاً نحن ليس لنا إلا الظاهر حتى لو غلب على ظننا أنه قالها تعوذاً فإنها تعصمه ، نعم لو ارتد بعد ذلك قتلناه، وهذا يوجود من جنود الكفر إذا أسرهم المسلمون قالوا : أسلمنا من أجل أن يعصموا أنفسهم من القتل، فيسأل المجاهدون ويقولون : هل نقتل هؤلاء بعد أن قالوا : لا إله إلا الله أم لا ؟
نقول : حديث أسامة يدلّ على أنهم لا يقتلون ولكن يراقبون ، فإذا ظهر منهم ردة قتلوا، لأنهم بشهادة أن لا إله إلا الله تَلزمهم أحكام الإسلام .
وقوله : " وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ الله " أي أن تشهد أنه رسول الله ، أي مرسلِة إلى الخلق، والرسول هو من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه ، وكان الناس قبل نوح على ملة واحدة لم يحتاجوا إلى رسول ، ثم كثروا واختلفوا ، فكانت حاجتهم إلى الرسل ، فأرسل الله تعالى الرسل .
ولهذا كان أول الرسل نوحاً عليه السلام ، وآخرهم محمد  .
فلابد من الإيمان بأن محمدأ رسول الله ، ولا بد أن نؤمن بأنه خاتم النبيين .
* شهادة أن محمداً رسول الله تستلزم أموراً منها :
الأول : تصديقه  فيما أخبر ، بحيث لا يكون عند الإنسان تردد فيما أخبر به ، بل يكون في قلبه أشد مما نطق ، كما قال  في القرآن :  إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ  نعلم أنه الحق ، لكن بيننا وبينه مفاوز وهو السند ، لأن النبي  ليس أمامنا لكن إذا ثبت الحديث عن الرسول  وجب علينا تصديقه ، سواء علمنا وجهه أم لم نعلمه .
الثاني : امتثال أمره  ولا نتردد فيه لقول الله تعالى :  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ولهذا أقول : من الخطأ أنَّ بعضهم إذا جاءه الأمر من الله ورسوله بدأ يتسأل فيقول : هل للوجوب أو للاستحباب ؟ كما يقوله كثير من الناس اليوم .
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:18 AM
وهذا السؤال وأن لا يورد ؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم إذا أمرهم النبي  كانوا يمتثلون ويصدقون بدون أن يسألوا .
نقول : في حالة ما إذا وقع الإنسان في مسألة وخالف الأمر ، فهنا له الحق أن يسأل هل هو للوجوب أو لغير الوجوب .
الثالث : أن يتجنب ما نهى رسول الله  عنه بدون تردد ، لا يَقُلْ : هذا ليس في القرآن فيهلك ، لأننا نقول : ما جاء في السنة فقد أمر القرآن بإتباعه .
الرابع : أن لا يقدم قول أحدٍ من البشر على قول النبي  ، وعلى هذا لا يجوز أن تقدم قول فلان –الإمام من أئمة المسلمين – على قول الرسول  لأنك أنت والإمام يلزمكما إتباع الرسول  .
الخامس : أن لا يبتدع في دين الله ما لم يأت الرسول  ، سواء عقيدة ، أو قولاً ، أو فعلاً ، وعلى هذا فجميع المبتدعين لم يحققوا شهادة أ، محمداً رسول الله ، لأنهم زادوا في شرعه ما ليس منه ، ولم يتأدبوا مع الرسول  .
السادس : أن لا يبتدع في حقه ما ليس منه ، وعلى هذا فالذين يبتدعون الاحتفال بالمولد النبوي ناقصون في تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله ، لأن تحقيقها يستلزم أن لا تزيد في شريعته ما ليس منها .
السابع : أن تعتقد بأن النبي  ليس له شيء من الربوبية ، أي أنه لا يُدعى ، ولا يُستغاث به إلا في حياته فيما يقدر عليه ، فهو عبدالله ورسوله  قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ 
الثامن : احترام أقواله ، بمعنى أن يحترم أقوال النبي  فلا تضع أحاديثه عليه الصلاة والسلام في أماكن غير لائقة ، لأن هذا نوع من الامتهان .
" وَتُقِيْمَ الصَّلاَة " أي تأتي بها قويمة ، ولا تكون قويمة إلا بفعل شروطها وأركانها وواجباتها – وهذا لا بد منه – وبمكملاتها ، تكون أكمل .
ولا حاجة لشرح هذه لأنها معروفة في كتب الفقه .
وقوله : " الصَّلاَة " يشمل كل الصلاة : الفريضة والنافلة ، وهل تدخل في صلاة الجنازة أو لا ؟
يحتمل هذا وهذا ، لكن تدخل في عموم الأمر بالإحسان .
" وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ " تؤتي بمعنى تعطي ، والزكاة هي : المال الواجب ف الأموال الزكوية ، فيعطيه الإنسان مستحقه تعبداً لله  ورجاء لثوابه .
وقد بيّن الله  أهل الزكاة في سورة التوبة أنهم ثمانية أصناف فقال   إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ  أي فرضها الله علينا أن نعطيها هؤلاء ولا نعطي غيرهم  وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  وتفاصيل ذلك مذكورة في كتب الفقه ولا حاجة إلى تفصيله هنا .
" وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ " بأن تمسك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس تعبداً لله تعالى .
والمفطرات أيضاً معروفة لا حاجة إلى ذكرها ولكن ننبّه على شيء مهم فيها :
أن المفطرات لا تفطر الصائم إلا بثلاثة شروط :
1- أن يكون عالماً .
2- أن يكون ذاكراً .
3- أن يكون مريداً .
" وَتَحُجَّ البيْتَ " أي تقصد لأداء المناسك في وقت مخصوص تعبداً لله تعالى .
وهل يدخل في ذلك العمرة أو لا ؟
فيه خلاف بين العلماء :
والصحيح أن العمرة دون الحج ، أي ليست من أركان الإسلام لكنها واجبة يأثم الإنسان بتركها إذا تمت شروط الوجوب .
" إِنِ اِسْتَطَعتَ إِليْهِ سَبِيْلاً " مؤخوذ من قوله تعالى : وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قد يقول قائل : هذا الشرط ف جميع العبادات لقول الله تعالى :  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  فلماذا خص الحج ؟
نقول : خص الحج لأن الغالب فيه المشقة والتعب وعدم القدرة ، فلذلك نص عليه وإلا فجميع العبادات لا بد فيها من الاستطاعة .
" قَالَ : صَدَقْتَ " أي أخبرت بالحق ، والقائل هو جبريل عليه السلام .
" فَعجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ " ووجه العجب أن السائل عادة يكون جاهلاً ، والمصدق يكون عالماً فكيف يجتمع هذا وهذا .
" قَالَ : فَأَخْبِرِنيْ عَنِ الإِيْمَانِ " قال : أي جبريل ، فأخبرني : أي يا محمد عن الإيمان ؟
والإيمان في اللغة : هو الإقرار بالقلب والاعتراف المستلزم للقبول والإذعان وهو مطابق للشرع .
وأما قولهم : الإيمان في اللغة التصديق ففيه نظر .
" قَالَ : " أَنْ تُؤمِنَ بِالله ، وَمَلاِئكَتِه ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَومِ الآَخِر ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " هذه ستة أشياء :
" أَنْ تُؤمِنَ بِالله " الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء :
الأول : الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى .
الثاني : الإيمان بانفراده بالرّبوبية ، أي تؤمن بأنه وحده الرّب ، والرب هو الخالق المالك المدبر .
الثالث: الإيمان بانفراده بالألوهية، وأنه وحده الذي لا إله إلا هو لا شريك له.
الرابع: أن تعطي بالأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكيف، ولا تمثيل، فمن حرّف آيات الصفات أو أحاديث الصفات فإنه لم يحقق الإيمان بالله.
وعلى هذا فجميع المبتدعة في الأسماء والصفات، المخالفين لما عليه السلف الصالح ، ولم يحققوا الإيمان بالله، والذي فاتهم من الأمور الأربعة هو الرابع : الإيمان بأسماء الله وصفاته ، ولم يحققوا الإيمان به ، ولا نقول : إنهم غير مؤمنين ، فهم مؤمنون لا شك، لكنهم لم يحققوا الإيمان بالله ، وهم مخطئون مخالفون لطريق السلف ، وطريقتهم ضلا بلا شكّ ، ولكن لا يحكم على صاحبه بالضلال حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة ، وأصر على خطئه وضلاله ، كان مبتدعاً فيما خالف فيه من الحق ، وإن كان سلفيّ على وجه الإطلاق ، بل يوصف بأنه سلفي فيما وافق السلف ، مبتدع فيما خالفهم .
وقوله : " وَمَلاِئكَتِه " بدأ بالملائكة قبل الرسل والكتب لأنهم عالم غيبي ، أما الرسل والكتب فعالم محسوس ، فالملائكة لا يظهرون بالحس إلا بإذن الله  ، وقد خلق الله الملائكة من نورٍ ، كما ثبت عن النبي  وهم لا يحتاجون إلى أكل وشرب ، فنؤمن إن هناك عالماً غيبياً هم الملائكة .
وهم أصناف، ووظائفهم أيضاً حسب حكمة الله  كالبشر أصناف ووظائفهم أصناف.
والإيمان بالملائكة يتضمّن :
أولاً : الإيمان بأسماء من علمنا أسماءهم ، مثل أن نؤمن بأن هناك ملكاً اسمه جبريل .
ثانيا : أن نؤمن بما لهم من أعمال مثلاً :
جبريل: موكل بالوحي، ينزل به من عند الله إلى رسله.
كذلك يجب الإيمان بما لبعض الملائكة من أعمال خاصة، فمثلاً: هناك ملائكة وظائفهم أن يكتبوا أعمال العباد.
" وَكُتُبِهِ " جمع كتاب بمعنى : مكتوب والمراد بها الكتب التي أنزلها الله  على رسله لأنه ما من رسول إلا أنزل الله عليه كتاباً كما قال  : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ  وقال  عن نوح وإبراهيم :  وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ  واعلم أن جميع الكتب السابقة منسوخة بما له هيمنة علها وهو القرآن ، قال الله  :  وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ  كل الكتب منسوخة بالقرآن ، فلا يُعمل بها شرعاً .
واختلف العلماء – رحمهم الله – فيما ثبت في شرائع من قبلنا، هل نعمل به إلا أن يرد شرعنا بخلافه، أو لا نعمل به ؟
من العلماء من قال : إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ، وذلك أن ما سبق من الشرائع :
إما أن توافقه شريعتنا.
وإما أن تخالفه شريعتنا.
وإما أن لا ترد شريعتنا بخلافه ، ولا وفاقه فيكون مسكوتاً عنه .
فما وافقته شريعتنا فهو حق ونتبعه ، وهذا بالإجماع ، واتباعنا إياه لا لأجل وروده في الكتاب السابق ولكن لشريعتنا .
وما خالف شريعتنا فلا تعمل به بالاتفاق ، لأنه منسوخ .
وما لم يرد شرعنا بخلافه ولا وفاقه فهذا محل الخلاف: وتفصيل ذلك في أصول الفقه.
* والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور :
أولاً : أن نؤمن بأن الله تعالى أنزل على الرسل كتباً ، وأنها من عند الله ولكن لا نؤمن بأن الكتب الموجودة في أيدي هذه الأمم هي الكتب التي من عند الله لأنها محّرفه ومبدلة ، لكن أصل الكتاب المنزل على الرسول نؤمن بأنه حق من عند الله .
ثانياً : أن نؤمن بصحة ما فيها من أخبار كأخبار القرآن وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة .
ثالثاً : أن نؤمن بما فيها من أحكام إذا لم تخالف شريعتنا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا – وهو الحق- .
رابعاً : أن نؤمن بما علمنا من أسمائها ، مثل القرآن و التوارة والإنجيل و الزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى .
فلو قال رجل : أنا لا أومن بأن هناك كتاباً  ، فإنه كافر ، لأن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالكتب .
" وَرُسُلِهِ " أي أن تؤمن برسل الله  ، والمراد بالرسل من البشر ، وليُعلم بأنه يعبر برسول ويعبّر بنبي ، فهل معناهما واحد ؟
الجواب : أما في القرآن فكل من ذكر من الأنبياء فهو رسول ، فكلما وجدت في القرآن من نبي فهو رسول، لكن معنى النبي والرسول يختلف .
والصواب فيه: أن النبي: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بالعمل به ولكن لم يؤمر بتبليغه، فهو نبي بمعنى مُخْبَر، مثاله: أدم عليه السلام أبو البشر نبي مكلف لكنه ليس برسول.
فإذا قال قائل: لماذا لم يرسل ؟
فالجواب : لأن الناس في ذلك الوقت كانوا أمة واحدة ، قليلين وليس بينهم اختلاف، لم تتسع الدنيا ولم ينتشر البشر فكانوا متفقين فكفاهم أن يروا أباهم على عبادة ويتبعوه، ثم لما حصل الخلاف وانتشر الناس احتيج إلى الرسل ، كما قال الله  :  كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ  .
فإذا قال قائل: ما الفائدة من النبي بعد آدم عليه السلام إذا كان لم يؤمر بالتبليغ ؟
قلنا الفائدة : تذكير الناس بالشريعة التي نسوها ، وفي هذا لا يكون الإعراض من الناس تاماً فلا يحتاجون إلى رسول ، ويكفي النبي الذي يذكرهم بالشريعة ، قال الله تعالى :  إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ 
- وأول الرسل نوح عليه السلام ، وآخرهم محمد  .
والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أعلى طبقات البشر الذين أنعم الله عليهم، قال الله تعالى:  وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ  هذه أربعة أصناف .
فالنبيون يدخل فيهم الرسل وهو أفضل من الأنبياء ، ثم الرسل أفضلهم خمسة هم أُوُلوا العزم ، ذكروا في القرآن في موضعين في سورة الأحزاب وفي سورة الشورى : ففي الأحزاب قال تعالى :  وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى  وفي سورة الشورى قال الله تعالى :  شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ  .
وأفضلهم محمد  كما قال النبي : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ " ولما التقى بهم في الإسراء أَمَّهم في الصلاة ، فإبراهيم إمام الحنفاء صلى وراء محمد  ، ومعلوم أنه لا يقدم في الإمامة إلا الأفضل ، فالنبي  هو أفضل أولي العزم .
وإبراهيم الخليل عليه السلام يلي مرتبة النبي  الذي قال الله فيه :  وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً  .
والخلة : هي أعظم أنواع المحبة .
* و لا نعلم من البشر خليلاً لله إلا اثنان : إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام .
قال النبي  : " إِنَّ اللهَ اِتَّخَذَنِيْ خَلِيْلاً كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيِمَ خَلِيْلا ، وَلَوْ كُنْتُ مُتخِذَاً مِنْ أُمَتِيْ خَلِيِِِِِْلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بكْر خليلاً " .
وقوله : " وَالْيَومِ الآَخِر " هو يوم القيامة ، وسمي آخراً لأنه أخر مراحل بني آدم وغيرهم أيضاً ، فالإنسان له أربع دور ، في بطن أمه ، وفي الدنيا ، وفي البرزخ ، ويوم القيامة وهو آخرها .

* الإيمان باليوم الآخر يتضمّن :
أولاً : الإيمان بوقوعه ، وأن الله يبعث من في القبور ، وهو إحياؤهم حين ينفخ في الصور ، ويقوم الناس لرب العالمين ، قال تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون  وقال النبي  : " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيِامَةِ حُفَاةً عُراةً غُرْلاً " وأنه واقع لا محالة ، لأن الله تعالى أخبر به في كتابه وكذلك في السنة .
ثانياً : الإيمان بكل ما ذكره الله في كتابه وما صح عن النبي  مما يكون في ذلك اليوم الآخر .
ثالثاً : الإيمان بما ذكر في اليوم الآخر من الحوض والشفاعة والصراط والجنة والنار فالجنة دار النعيم ، والنار دار العذاب الشديد .
رابعاً : الإيمان بنعيم القبر وعذابه ، لأن ذلك ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف .
" وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " وهنا أعاد  الفعل : ( تؤمن ) لأهمية الإيمان بالقدر ، لأن الإيمان بالقدر ، لأن الإيمان بالقدر مهم جداً ، وخطير جداً .
* والإيمان بالقدر يتضمّن أربعة أمور :
الأول : أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً .
ثانياً : الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللحوح المحفوظ ، مقادير كل شيء إلى يوم القيامة ، قال الله  : وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ  أي في كتاب وقال  : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ وهو اللحوح المحفوظ  أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ  والآيات في هذا متعددة .
ثالثاً : أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله تعالى ، فلا يخرج شيء عن مشيئته أبداً .
ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة : ( ما شاء الله كان وما لم يشاء لا يكن ) فأي شيء يحدث فهو بمشية الله .
وهذا عام ، لما يفعله  بنفسه وما يفعله العباد ، فكله بمشيئة الله ، ودليل ذلك قول الله  :  وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ  وقال  :  وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ وقال :  وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ  فكل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله .
رابعاً : الخلق ومعناه : الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء ، فنؤمن بعموم خلق الله تعالى لكل شيء ، قال تعالى : لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ 28 وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ  فكل ما حدث في الكون فهو بمشيئة الله .
رابعاً : الخلق ومعناه : الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء ، فنومن بعموم خلق الله تعالى لكل شيء ، قال تعالى :  وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا  فكل شيء مخلوق لله : السموات ، والأرضون ، والبحار ، والأنهار ، والكواكب ، والشمس ، والقمر ، والإنسان ، الكل مخلوق لله  وحركات الإنسان مخلوقة لله ، وإذا كان هو مخلوقاً فصفاته وأفعاله مخلوقه ولا شك ، فأفعال العباد مخلوقة لرب العباد  .
وهل صفات الله مخلوقة ؟
الجواب : لا ، لأن صفاته سبحانه وتعالى كذاته كما أن صفات الإنسان كذات الإنسان مخلوقة .
" قَالَ : صَدَقْتَ " القائل جبريل عليه السلام .
ثم قال: " فَأخْبِرْنِيْ عَنِ الإِحْسَانِ " الإحسان: مصدر أحسن يحسن، وهو بذل الخير والإحسان في حق الخالق، بأن تبني عبادتك على الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله، وأما الإحسان للخلق، فهو بذل الخير لهم من مال أو جاه أو غير ذلك.
فقال النبي  : "الإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ " وعبادة الله لا تتحقق إلا بأمرين وهما : الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله  ، أي عبادة الإنسان ربه سبحانه كأنه يراه ، عبادة طلب وشوق ، وعبادة الطلب والشوق يجد الإنسان من نفسه حاثاً عليها ، لأنه يطلب هذا الذي يحبه ، فهو يعبده كأنه يراه ، فيقصده وينيب إليه ويتقرّب إليه سبحانه وتعالى .
" فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " أي : اعبده على وجه الخوف ولا تخالفه ، لأنك إن خالفته فإنه يراك ، فتعبده عبادة خائف منه ، هارب من عذابه وعقابه ، وهذه الدرجة عند أهل العبادة أدنى من الدرجة الأولى.
فصار للإحسان مرتبتان: مرتبة الطلب، ومرتبة الهرب.
مرتبة الطلب: أن تعبد الله كأنك تراه.
ومرتبة الهرب : أن تعبد الله وهو يراك  فاحذره ، كما قال  :  وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ  .
" فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ " لم يُعِد قوله " صدقت " اكتفاءً بالأولى.
والساعة هي : قيام الناس من قبورهم لرب العالمين ، يعني البعث ، وسميت ساعة لأنها داهية عظيمة ، قال الله  : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  فقال النبي  :"مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا " يعني نفسه  " بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " يعني جبريل عليه السلام ، والمعنى إذا كنت تجهلها فأنا أجهلها ولا أستطيع أن أخبرك بها ، لأن علم الساعة مما اختص الله به  قال الله تعالى : يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا  وقال :  يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ولهذا يجب علينا أن نكذب كل من حدد عمر الدنيا في المستقبل ، ومن قال به أو صدق به فهو كافر .
ولما قال النبي  :" مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " أي علامات قربها ، لأن الأمارة بمعنى العلامة ، والمراد أمارات قربها وهو ما يعرف بالأشراط ، قال الله  :  فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا 
* وأشراط الساعة قسّمها العلماء إلى ثلاثة أقسام :
1- أشراط مضت وانتهت .
2- أشراط لم تزل تتجدد وهي الوسطى .
3- أشراط كبرى تكون عند قرب قيام الساعة .
ومن علامات الساعة ما ذكره  في هذا الحديث بقوله : " أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا " وفي لفظ " رَبَّهَا " والمعنى : " أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ " أي الرقيقة المملوكة " رَبَّهَا " أي سيدها ، أو " رَبَّتَهَا " .
وهل المراد العين أو الجنس؟
والجواب : اختلف في هذا العلماء ، فمنهم من قال : المراد أن تلد الأمة ربها ، يعني أن تلد الأمة من يكون سيداً لغيرها لا لها ، فيكون المراد بالأمة : الأمة بالجنس .
وهذا المعنى أقوى ، لأن الإماء يلدن من يكونون أسياداً مالكين ، فهي كانت مملوكة في الأول ، وتلد من يكونون أسياداً مالكين ,وهو كناية عن تغير الحال بسرعة ، ويدل
لهذا ما ذكره بعدْ ذلك حيث قال :
" وَأَنْ تَرى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ " الحفاة: يعني: ليس لهم نعال .
والعراة : أي ليس لهم ثياب تكسوهم وتكفيهم .
العالة : أي ليس عندهم ما يأكلون من النفقة أو السكنى أو ما أشبه ذلك ، عالة أي فقراء .
" يَتَطَاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ " أي يكونون أغنياء حتى يتطاولون في البنيان أيهم أطول .
وهل المراد بالتطاول ارتفاعاً ، أو جمالاً ، أو كلاهما ؟
الجواب : كلاهما ، أي يتطاولون في البنيان أيهم أعلى ، ويتطاولون في البنيان أيهم أحسن ، وهو في الأول فقراء لا يجدون شيئاً ، لكن تغير الحال بسرعة مما يدل على قرب قيام الساعة .
وهنا مسألة : هل وجد التطاول في البينان أم لا ؟
والجواب : الله أعلم ، فإنه قد يوجد ما هو أعظم مما في هذا الزمان ، لأن كل أناس وكل جيل يحدث فيه من التطاول والتعالي في البينان ، وكل زمن يقول أهله : هذا من أشراط الساعة ، والله أعلم ، لكن هذه علامة واضحة .
" ثْمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثتُ مَلِيَّاً " يعني بقيت ملياً أي مدة طويلة كما في قوله تعالى:  وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا أي مدة طويلة .
" ثُمَّ قَالَ : " يَا عُمَرُ " والقائل النبي  :" أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ اللهُ وَرَسُوله أَعْلَمُ قَالَ :" فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِيْنَكُمْ " ولعل النبي  وجده فيما بعد وسأله : أتدري من السائل ؟ أي أتعلم من هو ؟ " فَقَالَ عُمَرُ: اللهُ وَرَسُوله أَعْلَمُ " وهذا يدل على أن عمر  لا علم له من هذا السائل .
فقال النبي  :" فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ " الإشارة هنا إلى شيء معلوم بالذهن ، أي هذا جبريل؟ " أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِيْنَكُمْ " لكنه جاء بهذه الصيغة أي صيغة السؤال والجواب لأنه أمكن في النفس وأقوى في التأثير .
* من فوائد الحديث :
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة ، فلو أراد الإنسان أن يستنبط ما فيه من الفوائد منطوقاً ومفهوماً وإشارة لكتب مجلداً، لكن نشير إشارة قليلة إلى ما يحضرنا إن شاء الله تعالى ، فمنها :
1- بيان حسن خلق النبي  وأنه يجلس مع أصحابه ويجلسون إليه، وليس ينفرد ويرى نفسه فوقهم .
2- جواز جلوس الأصحاب إلى شيخهم ومن يفوقهم، لكن هذا بشرط : إذا لم يكن فيه إضاعة وقت على الشيخ ومن يفوقه علماً .
3- أن الملائكة عليهم السلام يمكن أن يتشكلوا بأشكال غير أشكال الملائكة، لأن جبريل أتى بصورة رجل كما جاء في الحديث .
* فإن قال قائل : وهل هذا إليهم، أو إلى الله  ؟
فالجواب : هذا إلى  بمعنى : أنه لا يستطيع الملك أن يتزيَّى بزيّ الغير إلا بأذن الله .
4- الأدب مع المعلم كما فعل جبريل عليه السلام، حيث جلس أمام النبي  جلسة المتأدب ليأخذ منه .
5- جواز التورية لقوله:" يا مُحَمَّد " وهذه العبارة عبارة الأعراب، فيوري بها كأنه أعرابي،وإلا فأهل المدن المتخلفون بالأخلاق الفاضلة لا ينادون الرسول  بمثل هذا.
6- فضيلة الإسلام، وأنه ينبغي أن يكون أول ما يسأل عنه .
7- أن أركان الإسلام هي هذه الخمسة، ويؤده حديث عبدالله بن عمر  أن النبي قال : " بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْس " وسيأتي شرحه – إن شاء الله - .
8- فضل الصلاة وإنها مقدمة على غيرها بعد الشهادتين .
9- الحث على أقامة الصلاة، وفعلها قويمة مستقيمة، وأنها ركن من أركان الإسلام.
10- أن إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من أركان الإسلام .
* ولو قال قائل : إذا ترك الإنسان واحداً من هذه الأركان هل يكفر أم لا ؟
فالجواب : أن نقول : إذا لم يشهد أن لا إله إلا الله ، وإن محمداً رسول الله فهو كافر بالإجماع، لا خلاف في هذا .
وأما إذا ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج أو واحداً منها ففي ذلك خلاف .
والصواب : أن هذه الأربعة لا يكفر تاركها إلا الصلاة، لقول عبدالله بن شقيق رحمه الله: " كان أصحاب النبي  لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفرٌ إلا الصلاة " ولذلك أدلة معروفة .
وكذا لو أنكر وجوبها وهو كافر وهو يفعلها فإنه يكفر، لأن وجوبها أمرٌ معلوم بالضرورة من دين الإسلام .
* وإذا تركها عمداً فهل يقضيها أو لا ؟
نقول : الموقت لا يقضى، فلو ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر قلنا لا تقضها، لأنه لو قضاها لم تنفعه لقول الله تعالى : وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  والظالم لا يمكن أن يقبل منه، ومن أخرج الصلاة عن وقتها بلا عذر فهو ظالم .
ولقول النبي  :" مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فهُوَ رَدّ " .
وكذلك يقال في الصوم : فلو ترك الإنسان صوم عمداً بلا عذر ثم ندم بعد أن دخل شوال وأراد أن يقضيه، فإننا نقول له : لا تقضه ، لأنك لو قضينه لم ينفعك .
وعلى من ترك الصلاة بلا عذر حتى خرج الوقت ، أو ترك الصوم بلا عذر حتى خرج الوقت أن يكثر من الطاعات والاستغفار والعمل الصالح والتوبة إلى الله توبة نصوحاً .
أما الزكاة : إذا تركها الإنسان ثم تاب فإنه يزكي ، نقول : زكَّ لأنه ليس للزكاة وقت محدد يقال فيه لا تزكي إلا في الشهر الفلاني .
* ومن مات ولم لم يزك تهاوناً، فهل تخرج الزكاة من ماله ، أم لا ؟
الجواب : الأحوط – والله أعلم – أن الزكاة تخرج ، لأنه يتعلق بها حق أهل الزكاة فلا تسقط ، لكن لا تبرأ ذمته ، لأن الرجل مات على عدم الزكاة .
والحج كذلك ، لو تركه الإنسان القادر المستطيع تفريطاً حتى مات ، فإنه لا يحج عنه.
* وهنا مسألة :هل يجب على ورثته أن يخرجوا الحج عنه من تركته ؟
والجواب : لا ، لأنه لا ينفعه ولم يتعلق به حق الغير كالزكاة ، قال ابن القيم في تهذيب السنن :" هذا هو الذي ندين الله به " أو كلمة نحوها ، وهو الذي تدل عليه الأدلة .
يجب على الإنسان أن يتقي  لأنه إذا مات ولم يحج مع قدرته على الحج فإنه لو حُجَّ عنه ألف مرة لم تبرأ ذمته .
11- الانتقال من الأدنى إلى الأعلى ، فالإسلام بالنسبة للإيمان أدنى ، لأن كل إنسان يمكن أن يسلم ظاهراً ، كما قال تعالى :  قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا  لكن الإيمان ليس بالأمر الهين فمحله القلب والاتصاف به صعب .
12- أن الإسلام غير الإيمان ، لأن جبريل عليه السلام قال : "أخبرني عن الإسلام" وقال :" أخبرني عن الإيمان " وهذا يدل على التغاير .
وهذه المسألة نقول فيها ما قال السلف :
إن ذكر الإيمان وحده دخل يفيه الإسلام ، وإن ذكر الإسلام وحده دخل الإيمان، فقوله تعالى :  وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا  يشمل الإيمان .
كذلك الإيمان إذا ذكره وحده دخل فيه الإسلام ، قال تعالى :  وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ  .
إما إذا ذكرا جميعاً فيفترقان ، فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وعمل الجوارح ، والإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها.
فإن قال قائل : في قولنا إذا اجتمعا افترقا إشكال ، وهو قول الله تعالى في قوم لوط :  فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 35 فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ  فعبر بالإسلام عن الإيمان ؟
فالجواب : أن هذا الفهم خطأ،وأن قوله:  فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 3
يخص المؤمنين وقوله:  فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِين3 يعم كل من كان في بيت لوط ، وفي بيت لوط من ليس بمؤمن ، وهي امرأته التي خانته وأظهرت أنها معه وليست كذلك ، فالبيت بيت مسلمين ، لأن المرأة لم تظهر العداوة والفرقة ، لكن الناجي هم المؤمنين خاصة، ولهذا قال: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 3 وهم ماعدا هذه المرأة ، أما البيت فهو بيت مسلم .
ويؤخذ من هذه الآية فائدة هي : أن البلد إذا كان المسيطر عليه هم السلمون فهو بلد إسلامي حتى وإن كان فيه نصارى أو يهود أو مشركون أو شيوعيون ، لأن الله تعالى جعل بيت لوط بيت إسلام مع أن امرأته كافرة ، هذا هو التفصيل في مسألة الإيمان والإسلام ، فصار الأمر كما قال بعضهم : " إن اجتمعا افترقا ، وإن افترقا اجتمعا "
13- أن أركان الإيمان ستة كما سبق ، وهذه الأركان تروث للإنسان قوة الطلب في الطاعة والخوف من الله عز وجل .
14- أن من أنكر واحداً من هذه الأركان الستة فهو كافر ، لأنه مكذب لما أخبر به رسول الله.
15- إثبات الملائكة وأنه يجب الإيمان بهم .
وهنا مسألة: هل الملائكة أجسام ، أم أرواح ، أم قوى؟
والجواب : الملائكة أجسام بلا شك ، قال الله عز وجل :  جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى  وقال النبي  " أطت السماء" والأطيط : صرير الرحل ، أي إذا كان على البعير حمل ثقيل ، تسمع له صريراً من ثقل الحمل ، فيقول عليه الصلاة والسلام "وحق لها أن تئط ، ما من موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد " ويدل لهذا حديث جبريل عليه السلام : أنه له ستمائة جناح قد سد الأفق، والأدلة على هذا كثيرة.
16_أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل ، فلو آمن أحد برسوله وأنكر من سواه فإنه لم يؤمن برسوله ، بل هو كافر ، واقرأ قول الله  :  كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ  مع أنهم إنما كذبوا نوحاً ولم يكن قلبه رسول، لكن تكذيب واحد من الرسل تكذيب للجميع .
17- إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم .
18- أن تؤمن بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر معترك عظيم من زمن الصحابة إلى زماننا هذا، وسبق لنا أن له مراتب أربع وهي: العلم والكتابة، والمشيئة، والخلق.
19- أن القدر ليس فيه شر، وإنما الشر في المقدور، وتوضيح ذلك بأن القدر بالنسبة لفعل الله كله خير، ويدل لهذا: قول النبي  :" وَالشَرَّ لَيْسَ إِلَيْكَ " أي لا ينسب إليك، فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شرٌ أبداً، لأنه صادر عن رحمة وحكمة، لأن الشر المحض لا يقع إلا من الشرير، والله تعالى خير وأبقى .
إذاً كيف نوجّه " وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " ؟
الجواب : أن نقول : المفعولات والمخلوقات هي التي فيها الخير والشر ، أما أصل فعل الله تعالى وهو القدر فلا شر فيه ، مثال ذلك قول الله عز وجل :  ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ  هذا بيان سبب فساد الأرض، وأما الحكمة فقال: لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 3 إذن هذه مصائب،من جدب الأرض ومرض أو فقر،ولكن مآلها إلى خير، فصار الشر لا يضاف إلى الرب ، لكن يضاف إلى المفعولات والمخلوقات مع أنها شر من وجه وخير من وجه آخر ، فتكون شراً بالنظر إلى مايحصل منها من الأذية ، ولكنها خير بما يحصل منها من العاقبة الحميدة  لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  .
ومن الحكمة أن يكون في المخلوق خير وشر ،لأنه لولا الشر ما عرف الخير ، كما قيل((وبضدها تتبين الأشياء)) فلو كان الناس كلهم على خير ما عرفنا الشر، ولو كانوا كلهم على الشر ماعرفنا الخير، إذا إيجاد الشر لنعرف به الخير ، لكن كون الله تعالى يوجد هذا الشر ليس شراً ،فهنا فرق بين الفعل والمفعول , ففعل الله الذي هو تقديره لاشر فيه ، ومفعوله الذي هو مقدره ينقسم إلى خير وشر ، وهذا الشر الموجود في المخلوق لحكمة عظيمة.
فإذا قال قائل: لماذا قدر الله الشر؟
فالجواب: ليعرف به الخير.
ثانياً: من اجل أن يلجأ الناس إلى الله عز وجل.
ثالثاً: من اجل أن يتوبوا إلى الله.
فكم من إنسان لايحمله على الورد ليلاً أو نهاراً إلا مخافة شرور الخلق ، فتجده يحافظ على الأوراد لتحفظه من الشرور ، فهذه الشرور في المخلوقات لتحمل الإنسان على الأذكار والأوراد وما أشبهها ، فهي خير.
فالمهم أن الشر لاينسب إلى الله تعالى ، لأن النبي  قال :" وَالشَرَّ لَيْسَ إِلَيْكَ "
فالشر ينسب إلى المخلوقات قال الله تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ 1 مِن شَرِّ مَا خَلَقَ  .
وهنا مسألة: هل في تقدير إيجاد المخلوقات الشريرة حكمة؟
والجواب: نعم ،حكمة عظيمة ولولا هذه المخلوقات الشريرة ماعرفنا قدر المخلوقات الخيرة..
20- أن الساعة لا يعلمها احد إلا الله عز وجل ،لان أفضل الرسل من الملائكة سأل أفضل الرسل من البشر عنها، فقال: " مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ "
21- عظم الساعة ،ولهذا جاءت لها أمارات حتى يستعد الناس لها- رزقنا الله وإياكم الاستعداد لها..
أننا إذا كنا لانعلم الشيء فأننا نطلب مايكون من علاماته ، لان جبريل عليه السلام قال:" " فَأخْبِرْنِيْ عَنْ أَمَارَاتِها "
23- ضرب المثل بما ذكره النبي  :" أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا"وفي لفظ:((ربَّهَا))والعلامة الثانية:" ، وَأَنْ تَرى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ "فان قال قائل: لم يذكر النبي  أمارات أخرى أوضح من هذا ؟
فالجواب: أن العلامات بينة واضحة لايحتاج السؤال عنها ، ولذلك عدل النبي عنها إلى ذكر هذه الصورة .
24- أن الملائكة يمشون إذا تحولوا إلى البشر، لقوله  :" ثْمَّ انْطَلَقَ "
وهل يمشون إذا كانوا على صفة الخلق الذي خلقوا عليه؟
الجواب :قال الله  : قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً 95 
ولهم أجنحة يطيرون بها , كما قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ 
25- إلقاء العالم على طلبته ما يخفى عليهم ، لقول النبي  :" أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ "
26- أن السائل عن العلم يكون معلماً لمن سمع الجواب, لان النبي  قال" " فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِيْنَكُمْ " .
مع أن الذي علمهم النبي  لكن لما كان جبريل هو السبب جعله هو المعلم .
ويتفرغ على هذا انه ينبغي لطالب العلم إذا كان يعلم المسألة وكان من المهم معرفتها أن يسأل عنها وان كان يعلمها ، وإذا سأل عنها وأجيب صار هو المعلم.
27- أن السبب إذا بني عليه الحكم صار الحكم للسبب ،ولهذا ذكر العلماء لهذه القاعدة مسائل كثيرة منها :
لو شهد رجلان على الشخص بما يوجب قتله من ردة أو حرابة , ثم حكم القاضي بذلك وقتل هذا الشخص ثم رجعوا وقالوا: تعمدنا قتله ، فان هؤلاء الشهود يقتلون، لان الحكم مبني على شهادتهم وهم السبب.
ولكن إذا اجتمع متسبب ومباشر إلا إذا تعذرت إحالة الضمان عليه فيكون على المتسبب مثال ذلك :
رجل حفر حفرة في الطريق فوقف عليها رجل فجاء رجل ثالث فدفع الرجل وسقط في الحفرة ومات، فالضمان على الدفع، لأنه هو المباشر.
أن ما ذكر في هذا الحديث هو الدين ، لقوله :" يُعَلَّمُكُمْ دِيْنَكُمْ" ولكن ليس على سبيل الإجمال.
فإن قال قائل :أليس النبي قال :" الدَّيْنُ النَّصِيْحَةُ" ثلاث مرات: " للهِ وَلِكتَابِهِ، وَلِرَسُوله ، ولأَئمَّةِ المُسْلِمِيْنَ , وَعَامَّتِهِمْ " ؟
فالجواب:بلى، لكن هذه النصيحة لاتخرج عما في حديث جبريل،لأنها من الإسلام .
<!-- / message -->

<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:22 AM
عفوا
قصدت في العنوان السابق
تابع الحديث الثاني
و الان مع شرح العلامة ابن العثيمين

الحديث الثالث
عَنْ أَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَقُوْلُ: " بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البِيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ "


<HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>


الشرح
" عَنْ أَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " هذه كنية، عبد الله بن عمر هذا اسم علم.
والكنية: كل ما صدر بأبٍ، أو أم، أو أخ، أو خالٍ، أو ما أشبه ذلك. والعلم : اسم يعين المسمى مطلقاً.
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال العلماء: إذا كان الصحابي وأبوه مسلمين فقل: رضي الله عنهما، وإذا كان الصحابي مسلماً وأبوه كافراً فقل: رضي الله عنه .
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ يَقُوْلُ: " بُنِيَ الإِسْلامُ " الذي بناه هو الله عزّ وجل، وأبهم الفاعل للعلم به، كما أُبهم الفاعل في قوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً } فلم يبين من الخالق، لكنه معلوم، فما عُلم شرعاً أو قدراً جاز أن يبنى فعله لما لم يسم فاعله.
" عَلَى خَمْسٍ " أي على خمسِ دعائم.
" شَهَادَة أنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ "
وقد سبق الكلام على الشهادتين في شرح حديث جبريل عليه السلام .
" وَإِقَامِ الصّلاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البّيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَان " وهذا سبق الكلام عليه في شرح حديث جبريل عليه السلام
وفي هذا الحديث إشكال وهو:تقديم الحج على الصوم.
والجواب عليه أن يقال: هذا ترتيب ذكري، والترتيب الذكري يجوز فيه أن يقدم المؤخر كقول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد من بعد ذلك جده
فالترتيب هنا ترتيب ذكري.
وقد سبق في حديث جبريل تقديم الصيام على الحج، ونقول في شرح الحديث:
إن الله عزّ وجل حكيم، حيث بنى الإسلام العظيم على هذه الدعائم الخمس من أجل امتحان العباد.
- الشهادتان : نطق باللسان، واعتقاد بالجنان.
- إقام الصلاة: عمل بدني يشتمل على قول وفعل، وما قد يجب من المال لإكمال الصلاة فإنه لا يعد منها، وهو خارج عن العبادة، ولذلك نقول:إن الصلاة عبادة بدنية محضة.
- إيتاء الزكاة: عبادة مالية لا بدنية، وكون الغني يجب أن يوصلها للفقير، وربما يمشي وربما يستأجر سيارة، هذا أمر خارج عن العبادة،
- صوم رمضان: عبادة بدنية لكن من نوع آخر، الصلاة بدنية لكنها فعل، والصيام بدني لكنه كف وترك، لأنه قد يسهل على الإنسان أن يفعل،ويصعب عليه أن يكف، وقد يسهل عليه الكف ويصعب عليه الفعل، فنوعت العبادات ليكمل بذلك الامتحان، فسبحان الله العظيم.
- حج البيت: هل يتوقف الحج على بذل المال؟
فيه تفصيل: إذا كان الإنسان يحتاج إلى شد رحل احتاج إلى المال، لكن هذا خارج العبادة،
وإذا قدرنا أن الرجل في مكة فهل يحتاج إلى بذل المال؟
الجواب: إذا كان يستطيع أن يمشي على رجليه فلا يحتاج إلى بذل المال، والنفقة من الأكل والشرب لابد منها حتى وإن لم يحج.
لذلك الحج - عندي- متردد بين أن يكون عبادة مالية، أو عبادة بدنية مالية، وعلى كل حال إن كان عبادة مالية بدنية فهو امتحان.
فصارت هذه الحكمة العظيمة في أركان الإسلام أنها:
بذل المحبوب، والكف عن المحبوب، وإجهاد البدن، كل هذا امتحان.
فتنوعت هذه الدعائم الخمس على هذه الوجوه تكميلاً للامتحان، لأن بعض الناس يسهل عليه أن يصوم، ولكن لا يسهل عليه أن يبذل قرشاً واحداً، وبعض الناس يسهل عليه أن يصلي،ولكن يصعب عليه أن يصوم.
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:23 AM
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوْقُ : " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِيْ بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْمَاً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُوْنُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ،ثُمَّ يَكُوْنُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ،ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيَنفُخُ فِيْهِ الرٌّوْحَ،وَيَؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ. فَوَالله الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ إِنََّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلاذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَايَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا "
رواه البخاري ومسلم.

<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله: ( حَدَّثَنَا ) حدث وأخبر في اللغة العربية بمعنى واحد، وهي كذلك عند قدماء المحدثين، لكن عند المتأخرين من صاروا يفرقون بين: (حدثنا) و:(أخبرنا)، وعلم ذلك مذكور في مصطلح الحديث.
وقوله: ( وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوْق ) الجملة هذه مؤكدة لقوله: رَسُولُ اللهِ لأن من اعترف بأنه رسول اعترف بأنه صادق مصدوق.
وقوله: وَهُوَ الصَّادِقُ أي الصادق فيما أَخْبَر به المَصْدُوْقُ فيما أُخبِِر به،
والنبي صلى الله عليه وسلم وصفه كذلك تماماً، فهو صادق فيما أخبر به، ومصدوق فيما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام.
وإنما ذكر ابن مسعود رضي الله عنه هذه الجملة،لأن التحدث عن هذا المقام من أمور الغيب التي تخفى، وليس في ذلك الوقت تقدم طبٍّ حتى يُعرف ما يحصل.
وهناك ماهو فوق علم الطب وهو كتابة الرزق والأجل والعمل وشقي أو سعيد، فلذلك من فقه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أتى بهذه الجملة المؤكدة لخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
قال: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِيْ بَطْنِ أُمِّهِ ) وذلك أن الإنسان إذا أتى أهله فهذا الماء المتفرق يُجمع،وكيفية الجمع لم يذكر في الحديث، وقيل: إن الطبّ توصّل إلى معرفة بعض الشيء عن تكون الأجنة والله أعلم.
)أَرْبَعِيْنَ يَوْمَاً نُطْفَة ) أي قطرة من المني.
)ثُمَّ يَكُوْنُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ) وهل ينتقل فجأة من النطفة إلى العلقة؟
الجواب: لا، بل يتكون شيئاً فشيئاً،فيحمّارُ حتى يصل إلى الغاية في الحُمرةِ فيكون علقة.
والعلقة هي: قطعة الدم الغليظ، وهي دودة معروفة ترى في المياه الراكدة.
)ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِك) أي أربعين يوماً، والمضغة: هي قطعة لحم بقدر ما يمضغه الإنسان.
وهذه المضغة تتطور شيئاً فشيئاً،ولهذا قال الله تعالى: (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) .
فالجميع يكون مائة وعشرين، أي أربعة أشهر.
) ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ) والمرسِل هو الله رب العالمين عزّ وجل، فيرسل الملك إلى هذا الجنين،وهو واحد الملائكة،والمراد به الجنس لا ملك معين.
) فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ ) الروح ما به يحيا الجسم، وكيفية النفخ الله أعلم بها، ولكنه ينفخ في هذا الجنين الروح ويتقبلها الجسم.
والروح سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فأمره الله أن يقول: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) فالروح من أمر الله أي من شأنه، فهو الذي يخلقها عزّ وجل: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) وهذا فيه نوع من التوبيخ،كأنه قال:ما بقي عليكم من العلم إلاالروح حتى تسألوا عنها،
)وَيُؤْمَرُ ) أي الملك ( بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ) والآمر هو الله عزّ وجل بِكْتبِ (رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ) .
) رِزْقه) الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين.
والرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك.
والرزق الذي يقوم به الدين:هو العلم والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث.
)وَأَجَله ) أي مدة بقائه في هذه الدنيا، والناس يختلفون في الأجل اختلافاً متبايناً، فمن الناس من يموت حين الولادة، ومنهم من يعمر إلى مائة سنة من هذه الأمة ، أما من قبلنا من الأمم فيعمرون إلى أكثر من هذا، فلبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
واختيار طول الأجل أو قصر الأجل ليس إلى البشر، وليس لصحة البدن وقوام البدن ،إذ قد يحصل الموت بحادث والإنسان أقوى ما يكون وأعز ما يكون، لكن الآجال تقديرها إلى الله عزّ وجل.
وهذا الأجل لا يتقدم لحظة ولا يتأخر، فإذا تم الأجل انتهت الحياة ،
وهنا مسألة: هل الأجل وراثي؟
الجواب: الأجل ليس وراثياً، فكم من شاب مات من قبيلة أعمارهم طويلة، وكم من شاب عمَّر في قبيلة أعمارها قصيرة.
)وَعَمَله ) أي ما يكتسبه من الأعمال القولية والفعلية والقلبية، فمكتوب على الإنسان العمل .
)وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ ) هذه النهاية، والسعيد هو الذي تم له الفرح والسرور، والشقي بالعكس، قال الله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) فالنهاية إما شقاء وإما سعادة ، فنسأله سبحانه أن يجعلنا من أهل السعادة.
قال:( فَوَاللهِ الَّذِيْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ ) هذه الجملة قيل إنها مدرجة من كلام ابن مسعود رضي الله عنه وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .
وإذا اختلف المحدثون في جملة من الحديث أمدرجة هي أم من أصل الحديث؟ فالأصل أنها من أصل الحديث، فلا يقبل الإدراج إلا بدليل لا يمكن أن يجمع به بين الأصل والإدراج
وعلى هذا فالصواب أنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .
)فَوَاللهِ الَّذِيْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ ) هذا قسم مؤكد بالتوحيد، القسم: ( فَوَاللهِ ) والتوكيد بالتوحيد: (الَّذِيْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ) أي لا إله حق غير الله، وإن كان توجد آلهة تعبد من دون الله لكنها ليست حقاً،كما قال الله عزّ وجل:( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) وقال عزّ وجل: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِل) .
) إِنَّ أَحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ) أي حتى يقرب أجله تماماً. وليس المعنى حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع في مرتبة العمل،لأن عمله الذي عمله ليس عملاً صالحاً،كما جاء في الحديث: ( إِنَّ أَحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ) لأنه أشكل على بعض الناس:كيف يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
فنقول: عمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ولم يتقدم ولم يسبق، ولكن حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أي بدنو أجله ، أي أنه قريب من الموت. ( فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) فيدع العمل الأول الذي كان يعمله، وذلك لوجود دسيسة في قلبه ( والعياذ بالله) هوت به إلى هاوية.
أقول هذا لئلاّ يظن بالله ظن السوء: فوالله ما من أحد يقبل على الله بصدق وإخلاص، ويعمل بعمل أهل الجنة إلا لم يخذله الله أبداً.
فالله عزّ وجل أكرم من عبده، لكن لابد من بلاء في القلب.
* من فوائد الحديث :
.1حسن أسلوب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،وهو كلماته كأنما تخرج من مشكاة النبوة، كلمات عذبة مهذبة،
.2أنه ينبغي للإنسان أن يؤكد الخبر الذي يحتاج الناس إلى تأكيده بأي نوع من أنواع التأكيدات.
.3تأكيد الخبر بما يدل على صدقه، لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوْقُ.
.4أن الإنسان في بطن أمه يُجمع خلقه على هذا الوجه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم .
.5أنه يبقى نطفة لمدة أربعين يوماً.
وقد يقول قائل: هذه النطفة هل يجوز إلقاؤها أولا يجوز؟
والجواب: ذكر الفقهاء (رحمهم الله) أنه يجوز إلقاؤها بدواء مباح، قالوا: لأنه لم يتكون إنساناً،ولم يوجد فيه أصل الإنسان وهو الدم.
وقال آخرون: لا يجوز،لأن الله تعالى قال: (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ* إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) ، وهذا أقرب إلى الصواب أنه حرام، لكنه ليس كتحريم ما بعده من بلوغه أربعة أشهر.
فإذا قدر أن المرأة مرضت وخيف عليها، فهل يجوز إلقاء هذه النطفة؟
الجواب: نعم يجوز، لأن إلقاءها الآن صار ضروريّاً.
.6 حكمة الله عزّ وجل في أطوار الجنين من النطفة إلى العلقة.
.7أهمية الدم في بقاء حياة الإنسان، وجهه: أن أصل بني آدم بعد النطفة العلقة، والعلقة دم، ولذلك إذا نزف دم الإنسان هلك.
.8أن الطور الثالث هي المضغة، هذه المضغة تكون مخلقة وغير مخلقة بنص القرآن،كما قال الله تعالى: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ )
لكن ما الذي يترتب على كونها مخلقة أو غير مخلقة ؟
الجواب: يترتب عليها مسائل:
.1لو سقطت هذه المضغة غير مخلقة لم يكن الدم الذي يخرج نفاساً، بل دم فساد.
.2ولو سقطت هذه المضغة قبل أن تخلق وكانت المرأة في عدة لم تنقض العدة، لأنه لابد في انقضاء العدة أن يكون الحمل مخلقاً، ولابد لثبوت النفاس من أن يكون الحمل مخلقاً، لأنه قبل التخليق يحتمل أن تكون قطعة لحم فقط وليست آدمياً، فلذلك لا نعدل إلى إثبات هذه الأحكام إلا بيقين بأن يتبين فيه خلق إنسان.
.9أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر، لقوله: " ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ ".
وينبني على هذا:
أ- أنه إذا سقط بعد نفخ الروح فيه فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويسمى ويعق عنه، لأنه صار آدمياً إنساناً فيثبت له حكم الكبير.
ب. أنه بعد نفخ الروح فيه يحرم إسقاطه بكل حال، فإذا نفخت فيه الروح فلا يمكن إسقاطه،لأن إسقاطه حينئذ يكون سبباً لهلاكه، ولايجوز قتله وهو إنسان.
فإن قال قائل: أرأيتم لو كان إبقاؤه سبباً لموت أمه، أفيلقى وتبقى حياة الأم، أو يبقى وتهلك الأم ثم يهلك الجنين؟
فالجواب: نقول ربما أهل الاستحسان يقولون بالأول، ولكن لااستحسان في مقابلة الشرع.
فنقول: الثاني هو المتعيّن بمعنىأنه لا يجوز إسقاطه،حتى لو قال الأطباء: إنه إن بقي هلكت الأم. وقد يحتج من يقول بإسقاط الجنين بأنه إذا هلكت الأم هلك الجنين فيهلك نفسان، وإذا أخرجناه هلك الجنين لكن الأم تسلم.
والجواب على هذا الرأي الفاسد أن نقول:
أولاً: قتل النفس لإحياء نفس أخرى لا يجوز، ولذلك لو فرض أن رجلين كانا في سفر في أرض فلاة ولا زاد معهما، وكان أحدهما كبيراً والآخر عشر سنين أو تسع سنين فجاع الكبير جداً بحيث لو لم يأكل لهلك، فلا يجوز للكبير أبداً أن يذبح الصغير ليأكله ويعيش بإجماع المسلمين .
ولو قدر أن الصبي مات من الجوع وبقي الكبير وهو إما أن يأكله فيبقى أو يتركه فيهلك، فهل يجوز له الأكل من جسد الصغير؟
والجواب: مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- في المشهور عنه أنه لا يجوز أكله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كَسْرُ عَظْمِ الميِّتِ كَكَسْرِهِ حَيَّاً ، وذبح الميت كذبحه حياً. والقول الثاني في هذه المسألة: أنه يجوز أن يأكل منه ما يسد رمقه،لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت.
أولاً: فنقول: أننا لو أسقطنا الجنين فهلك فنحن الذين قتلناه، ولو أبقيناه فهلكت الأم ثم هلك هو،فالذي أهلكهما هو الله عزّ وجل أي ليس من فعلنا.
ثانياً: لا يلزم من هلاك الأم أن يهلك الجنين لاسيما في وقتنا الحاضر، إذ من الممكن إجراء عملية سريعة لإخراج الجنين فيحيى، ولهذا بعض البيطريين في الغنم وشبهها يستطيع إذا ماتت الأم أن يخرج حملها قبل أن يموت .
وأيضاً نقول: لو أنه مات هذا الجنين في بطن أمه من عند الله عزّ وجل لا يلزم أن تموت هي، فيُخرج لأنه ميت وتبقى الأم.
الخلاصة: أنه إذا نفخت فيه الروح فإنه لا يجوز إسقاطه بأي حال من الأحوال.
ومن فوائد هذا الحديث:
.10عناية الله تعالى بالخلق حيث وكل بهم وهم في بطون أمهاتهم ملائكة يعتنون بهم، ووكل بهم ملائكة إذا خرجوا إلى الدنيا، وملائكة إذا ماتوا، كل هذا دليل على عناية الله تعالى بنا.
.11أن الروح في الجسد تنفخ نفخاً ولكن لا نعلم الكيفية، وهذا كقوله تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)
لكن لا ندري كيف هذا؟ لأن هذا من أمور الغيب.
.12أن الروح جسم، لأنه ينفخ فيحل في البدن.
ولكن هل هذا الجسم من جنس أجسامنا الكثيفة المكونة من عظام ولحم وعصب وجلود؟
الجواب: لا علم للبشر بها، بل نقول كما قال تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)
وهي جسم لكن مخالف للأجسام الكثيفة التي هي أجسادنا، والله أعلم بكيفيتها. والروح عجيبة، لها حال في المنام فتخرج من البدن لكن ليس خروجاً تامّاً، فتجد نفسك تجوب الفيافي،ربما وصلت إلى الصين أو إلى أقصى المغرب وربما طرت بالطائرة وربما ركبت السيارة، وأنت في مكانك واللحاف قد غطّى جسمك، ومع ذلك تتجول في الأرض، لكنها لا تفارق الجسم في حال النوم مفارقة تامة، فالروح أمرها غريب،ولسنا نعلم منها إلا ما جاء في الكتاب والسنة، وما لا نعلمه نَكِلُ علمهُ لله سبحانه وتعالى.
فإذا كنت لا تدري عن نفسك التي بين جنبيك فكيف تحاول أن تعرف كيفية صفات الله عزّ وجل الذي هو أعظم وأجل من أن تحيط به.
.13أن الملائكة عليهم السلام عبيد يؤمرون وينهون، لقوله: فَيُؤمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ والآمرُ له هو الله عزّ وجل.
.14أن هذه الأربع مكتوبة على الإنسان: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. ولكن هل معنى ذلك أن لا نفعل الأسباب التي يحصل بها الرزق؟
الجواب: بلى نفعل، وما نفعله من أسباب تابع للرزق.
.15أن الملائكة يكتبون.
فلو قال لنا قائل: بأي حرف يكتبون، هل يكتبون باللغة العربية، أم باللغة السريانية، أو العبرية، أو ما أشبه ذلك؟
فالجواب: السؤال عن هذا بدعة، علينا أن نؤمن بأنهم يكتبون، أما بأي لغة فلا نقول شيئاً.
هذه الكتابة هل هي في صحيفة، أو تكتب على جبين الجنين؟
الجواب: هناك آثار تدل على أنها تكتب على جبين الجنين، وآثار على أنها تكتب في صحيفة، والجمع بينهما سهل: إذ يمكن أن تكتب في صحيفة ويأخذها الملك إلى ما شاء الله، ويمكن أن تكتب على جبين الإنسان.
.16أن الإنسان لا يدري ماذا كتب له، ولذلك أمر بالسعي لتحصيل ما ينفعه، وهذا أمر مسلّم،
.17أن نهاية بني آدم أحد أمرين:
إما الشقاء وإما السعادة، قال الله تعال: ( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ )
نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من أهل السعادة إنه سميع قريب.
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:24 AM
الحديث الخامس
عَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللهِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ : " مَنْ أَحْدَثَ فِيْ أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ " رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم " مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ "
<HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>

الشرح
كُنّيَتْ عائشة رضي الله عنها بأم المؤمنين لأنها إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وجميع أمهات المؤمنين تكنى بهذه الكنية، كما قال الله عزّ وجل: ( وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) فكل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين.
وقوله: أُمِّ عَبْدِ اللهِ هذه كنية، وهل وُلِدَ لها - رضي الله عنها- ولدٌ أم لا؟
والجواب: أنه ذكر بعض أهل العلم أنه ولد لها ولد سقط لم يعش، وذكر آخرون أنه لم يولد لها لا سقط ولا حي، ولكن هي تكنّت بهذه الكنية،لأن أحبُّ الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرّحمن.
وقوله: عَائِشَةَ هذا اسم أُم المؤمنين وهي ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولها ست سنين، وبنى بها ولها تسع سنين، وروت للأمة علماً كثيراً وفقهاً غزيراً، فهي رضي الله عنها من المحدثات، ومن الفقيهات.
)مَنْ أَحْدَثَ فِيْ أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (من) شرطية. و: (أَحْدَثَ) فعل الشرط، وجواب الشرط: (فهو رد) واقترن الجواب بالفاء لأنه جملة اسمية،
وقوله: فَهُوَ رَدٌّ أي مردود.
وقوله: ( مَنْ أَحْدَثَ ) أي أوجد شيئاً لم يكن .
) فِيْ أَمْرِنَا ) أي في ديننا وشريعتنا.
)مَا لَيْسَ مِنْهُ ) أي مالم يشرعه الله ورسوله.
)فَهُوَ رَدٌّ ) فإنه مردود عليه حتى وإن صدر عن إخلاص، وذلك لقول الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ) ولقوله تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
وفي روايةٍ لمسلم: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلِيْهِ أَمْرُنَا فَهوَ رَدّ ٌ) وهذه الرواية أعم من رواية ( مَنْ أَحْدَثَ) ومعنى هذه الرواية: أن من عمل أي عمل سواء كان عبادة، أو كان معاملة، أو غير ذلك ليس عليه أمر الله ورسوله فإنه مردود عليه.
*وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، دل عليه قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) وكذلك الآيات التي سقناها دالة على هذا الأصل العظيم.
وقد اتفق العلماء - رحمهم الله - أن العبادة لا تصح إلا إذا جمعت أمرين:
أولهما: الإخلاص .
والثاني: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، والمتابعة أخذت من هذا الحديث ومن الآية التي سقناها.
* من فوائد الحديث :
.1تحريم إحداث شيء في دين الله ولو عن حسن قصد، ولو كان القلب يرق لذلك ويقبل عليه، لأن هذا من عمل الشيطان.
فإن قال قائل: لو أحدثت شيئاً أصله من الشريعة ولكن جعلته على صفة معينة لم يأتِ بها الدين، فهل يكون مردوداً أو لا .؟
والجواب: يكون مردوداً، مثل ما أحدثه بعض الناس من العبادات والأذكار والأخلاق وما أشبهها، فهي مردودة .
* وليعلم أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشريعة في أمور ستة: سببه ، وجنسه، وقدره، وكيفيته، وزمانه، ومكانه.
فإذا لم توافق الشريعة في هذه الأمور الستة فهو باطل مردود، لأنه أحدث في دين الله ما ليس منه.
أولاً: أن يكون العمل موافقاً للشريعة في سببه: وذلك بأن يفعل الإنسان عبادة لسبب لم يجعله الله تعالى سبباً مثل: أن يصلي ركعتين كلما دخل بيته ويتخذها سنة، فهذا مردود.
مع أن الصلاة أصلها مشروع، لكن لما قرنها بسبب لم يكن سبباً شرعياً صارت مردودة.
ثانياً: أن يكون العمل موافقاً للشريعة في الجنس، فلو تعبّد لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة،مثال ذلك: لو أن أحداً ضحى بفرس،فإن ذلك مردود عليه ولا يقبل منه، لأنه مخالف للشريعة في الجنس، إذ إن الأضاحي إنما تكون من بهيمة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
أما لو ذبح فرساً ليتصدق بلحمها فهذا جائز،
ثالثاً: أن يكون العمل موافقاً للشريعة في القدر: فلو تعبد شخص لله عزّ وجل بقدر زائد على الشريعة لم يقبل منه، ومثال ذلك: رجل توضأ أربع مرات أي غسل كل عضو أربع مرات،فالرابعة لا تقبل، لأنها زائدة على ما جاءت به الشريعة، بل قد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً وقال: مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ ".
رابعاً: أن يكون العمل موافقاً للشريعة في الكيفية: فلو عمل شخص عملاً، يتعبد به لله وخالف الشريعة في كيفيته، لم يقبل منه، وعمله مردود عليه.
ومثاله: لو أن رجلاً صلى وسجد قبل أن يركع، فصلاته باطلة مردودة، لأنها لم توافق الشريعة في الكيفية.
خامساً: أن يكون العمل موافقاً للشريعة في الزمان: فلو صلى الصلاة قبل دخول وقتها، فالصلاة غير مقبولة لأنها في زمن غير ما حدده الشرع.
سادساً: أن يكون العمل موافقاً للشريعة في المكان: فلو أن أحداً اعتكف في غير المساجد بأن يكون قد اعتكف في المدرسة أو في البيت، فإن اعتكافه لا يصح لأنه لم يوافق الشرع في مكان الاعتكاف،فالاعتكاف محله المساجد.
فانتبه لهذه الأصول الستة وطبق عليها كل ما يرد عليك.
رواية مسلم: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) منطوق الحديث: أنه إذا لم يكن عليه أمر الله ورسوله فهو مردود، وهذا في العبادات لا شك فيه، لأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على مشروعيتها.
أما غير العبادات فالأصل فيها الحل، سواء من الأعيان، أو من الأعمال فإن الأصل فيها الحل.
مثال الأعيان: رجل صاد طيراً ليأكله، فأُنكر عليه، فقال: ما الدليل على التحريم؟ فالقول قوله هو، لأن الأصل الحل كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) .
ومثال الأعمال:غير العبادات الأصل فيها الحل، مثال ذلك: رجل عمل عملاً في بيته، أو في سيارته، أو في لباسه أو في أي شيء من أمور دنياه فأنكر عليه رجل آخر فقال:أين الدليل على التحريم؟ فالقول قول الفاعل لأن الأصل الحل.
فهاتان قاعدتان مهمتان مفيدتان.
فعليه فنقول: الأقسام ثلاثة:
الأول: ما علمنا أن الشرع شرع من العبادات، فيكون مشروعاً.
الثاني: ما علمنا أن الشرع نهى عنه، فهذا يكون ممنوعاً.
الثالث: ما لم نعلم عنه من العبادات، فهو ممنوع.
أما في المعاملات والأعيان: فنقول هي ثلاثة أقسام أيضاً:
الأول: ما علمنا أن الشرع أذن فيه، فهو مباح، مثل أكل النبي صلى الله عليه وسلم من حمر الوحش .
الثاني: ما علمنا أن الشرع نهى عنه كذات الناب من السباع، فهذا ممنوع.
الثالث: ما لم نعلم عنه، فهذا مباح، لأن الأصل في غير العبادات الإباحة.
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:24 AM
الحديث السادس
عَنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ النُّعْمَانِ بْنِ بِشِيْر رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُوْلُ: (إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُوْرٌ مُشْتَبِهَات لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاس،ِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرأَ لِدِيْنِهِ وعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً . أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهيَ القَلْبُ)
رواه البخاري ومسلم .


<HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>


الشرح
قوله: ( إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ ) في هذا الحديث تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أقسام:
.1حلال بيّن كلٌّ يعرفه. كالثمر، والبر، واللباس غير المحرم وأشياء ليس لها حصر.
.2حرامٌ بيّن كلٌّ يعرفه. كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر وما أشبه ذلك.
.3مشتبه لا يعرف هل هو حلال أو حرام؟ وسبب الاشتباه فيها إما: الاشتباه في الدليل، وإما الاشتباه في انطباق الدليل على المسألة، فتارةً يكون الاشتباه في الحكم، وتارةً يكون في محل الحكم.
* الاشتباه في الدليل: بأن يكون الحديث:
أولاً: هل صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يصحّ؟
ثانياً: هل يدل على هذا الحكم أو لا يدل؟
وهذا يقع كثيراً، فما أكثر ما يُشكِلُ الحديث: هل ثبت أم لم يثبت؟ وهل يدل على هذا أو لا يدل؟
* وأما الاشتباه في محل الحكم: فهل ينطبق هذا الحديث على هذه المسألة بعينها أو لا ينطبق؟
فالأول عند الأصوليين يسمى تخريج المناط، والثاني يسمى تحقيق المناط.
(لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ ) يعني هذه المشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ويعلمهن كثير، فكثير لا يعلم وكثير يعلم، ولم يقل : لا يعلمهن أكثر الناس، فلو قال:لا يعلمهن أكثر الناس لصار الذين يعلمون قليلاً.
إذاً فقوله ( لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ ) إما لقلة علمهم، وإما لقلة فهمهم، وإما لتقصيرهم في المعرفة.
) فَمَن اِتَّقَى الشُّبُهَاتِ ) أي تجنبها.
) فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ )أي أخذ البراءة.
)لِدِيْنِهِ ) فيما بينه وبين الله تعالى.
)وَعِرْضِهِ ) فيما بينه وبين الناس، لأن الأمور المشتبهة إذا ارتكبها الإنسان صار عرضة للناس يتكلمون في عرضه وكذلك فيما بينه وبين الله تعالى.
)وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فَي الحَرَامِ ) هذه جملة شرطية.
)وَمَنْ وَقَعَ فَي الشُّبُهَاتِ ) أي فعلها وَقَعَ في الحَرَامِ هذا الجملة تحتمل معنيين:
الأول:أن ممارسة المشتبهات حرام.
الثاني:أنه ذريعة إلى الوقوع في المحرم،وبالنظر في المثال الذي ضربه صلى الله عليه وسلم يتضح لنا أي المعنيين أصح.
والمثال المضروب كَالرَّاعِي ) أي راعي الإبل أو البقر أو الغنم.
)يَرْعَى حَوْلَ الِحمَى ) أي حول المكان المحمي،لأنه قد يُتخذ مكانٌ يُحمَى فلا يُرعَى فيه إما بحق أو بغير حق،والراعي حول هذه القطعة ( يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ ) أي يقرب أن يقع فيه،لأن البهائم إذا رأت هذه الأرض المحمية مخضرة مملوءة من العشب فسوف تدخل هذه القطعة المحمية،ويصعب منعها، كذلك المشتبهات إذا حام حولها العبد فإنه يصعب عليه أن يمنع نفسه عنها.
وبهذا المثال يقرب أن معنى قوله ( مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ ) أي أوشك أن يقع في الحرام، لأن المثال يوضح المعنى.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أَلاَ ) أداة استفتاح،فائدتها:التنبيه على ما سيأتي.
)وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى ) أي كل ملك له حمى،والنبي صلى الله عليه وسلم لايريد أن يبين حكم حمى الملك:هل هو حلال أو هو محرم؟لأن من الحمى ما يكون حلالاً،وما يكون حراماً،فالمراد بالحمى في الحديث الواقع،ومسألة الحمى على نوعين:
.1إذا حماه لنفسه وبهائمه فهو حرام.
.2إذا حماه لدواب المسلمين كإبل الصدقة وإبل الجهاد فهو حلال،لأنه لم يختصه لنفسه،فرسول الله قال: "المُسْلِمُونَ شُرَكَاْءُ فِي ثَلاثَة : فِي الكَلأِ وَالمَاءِ وَالنَّارِ " رواه أبو داود والإمام أحمد.
)أَلاَ وإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارمُهُ ) هذه جملة مؤكدة بـ (إن) وأداة الاستفتاح (ألا) والمعنى:ألا وإن حمى الله محارم الله،فإياك أن تقربها،لأن محارم الله كالأرض المحمية للملك لا يدخلها أحد.
)أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةٌ ) هذه أيضاً جملة مؤكدة بـ (ألا)و(إنَّ) والمعنى:ألا وإن في جسد الإنسان مضغة،أي قطعة لحم بقدر ما يمضغه الإنسان عند الأكل،وهي بمقدار الشيء الصغير.
) إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ ) رتب النبي صلى الله عليه وسلم الجزاء على الشرط،فمتى صلح القلب صلح الجسد،وإذا فسدت فسد الجسد كله.
وقد مثل بعض العلماء هذا بالملك،إذا صلح صلُحت رعيته،وإذا فسد فسدت.
لكن نظر فيه العلماء المحققون وقالوا:هذا المثال لا يستقيم،لأن الملك ربما يأمر ولا يُطاع،والقلب إذا أمر الجوارح أطاعته ولابد،فهو أبلغ
وهذا الحديث في الحقيقة حديث عظيم،لو تكلم الإنسان عنه لبلغ صفحات لكن نشير إن شاء الله إلى جوامع الفوائد في هذا الحديث.
* من فوائد الحديث :
.1أن الأشياء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حلال بيّن، حرام بيّن،مشتبه، وحكم كل نوع ومثاله أن نقول:
*الحلال البين لا يلام أحد على فعله،
*الحرام البيّن وهذا يلام كل إنسان على فعله،
*وهناك أمور مشتبهة: وهذه محل الخلاف بين الناس،فتجد الناس يختلفون فيها فمنهم من يحرم،ومنهم من يحلل،ومنهم من يتوقف،ومنهم من يفصّل.
.2أسباب الاشتباه أربعة:
.1قلة العلم: فقلة العلم توجب الاشتباه،لأن واسع العلم يعرف أشياء لا يعرفها الآخرون.
.2قلة الفهم: أي ضعف الفهم،وذلك بأن يكون صاحب علمٍ واسعٍ كثير، ولكنه لا يفهم،فهذا تشتبه عليه الأمور.
.3التقصير في التدبر: بأن لا يتعب نفسه في التدبر والبحث ومعرفة المعاني بحجة عدم لزوم ذلك.
.4وهو أعظمها: سوء القصد: بأن لا يقصد الإنسان إلا نصر قوله فقط بقطع النظر عن كونه صواباً أو خطأً، فمن هذه نيته فإنه يحرم الوصول إلى العلم،نسأل الله العافية،لأنه يقصد من العلم إتباع الهوى.
وهذا الاشتباه لا يكون على جميع الناس بدليلين: أحدهما من النص وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ ) يعني كثيراً يعلمهن،والثاني من المعنى فلو كانت النصوص مشتبهة على جميع الناس، لم يكن القرآن بياناً ولبقي شيء من الشريعة مجهولاً،وهذا متعذر وممتنع.
.3 حكمة الله عزّ وجل في ذكر المشتبهات حتى يتبين من كان حريصاً على طلب العلم ومن ليس بحريص.
.4 أنه لا يمكن أن يكون في الشريعة مالا يعلمه الناس كلهم،لقوله: ( لاَ يعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ ) .
.5الحث على اتقاء الشبهات، لكن هذا مشروط بما إذا قام الدليل على الشبهة ، أما إذا لم يقم الدليل على وجود شبهة اتقاء الشبهات كان ذلك وسواساً وتعمقاً، لكن إذا وجد ما يوجب الاشتباه فإن الإنسان مأمور بالورع وترك المشتبه، أما مالا أصل له فإن تركه تعمّق.
فالقاعدة: أنه إذا وجد احتمال الاشتباه فهنا إن قوي قوي تركه، وإن ضعف ضعف تركه، ومتى لم يوجد احتمال أصلاً فإن تركه من التعمّق في الدين المنهي عنه.
.6أن الواقع في الشبهات واقع في الحرام، لقوله: مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ
.7حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بضرب الأمثال المحسوسة لتتبين بها المعاني المعقولة، وهذا هو طريقة القرآن الكريم،قال الله تعالى: ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)
.8هل يؤخذ من قوله: ( يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى ) إقراره بالحمى؟
والجواب: أن هذا من باب الإخبار والوقوع ، ولا يدل على حكم شرعي. والنبي صلى الله عليه وسلم قد يذكر الأشياء لوقوعها لا لبيان حكمها.
إذاً هذا الحديث لا يدل على جواز الحمى لأنه ضرب مثل لواقع. ولكن لا بأس أن نقول الحمى نوعان:
الأول: حمى لمصالح المسلمين، فهذا جائز
الثاني: حمى يختصّ به الحامي، فهذا حرام، لأنه ليس له أن يختص فيما كان عاماً.
.9 سد الذرائع، أي أن كل ذريعة توصل إلى محرم يجب أن تغلق لئلا يقع في المحرّم. وسد الذرائع دليل شرعي، فقد جاءت به الشريعة، ومن ذلك قول الله تعالى: )وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)
فنهى عن سبّ آلهة المشركين لأنها ذريعة إلى سبّ الله تعالى، مع أن سبّ آلهة المشركين سبٌّ بحق، وسب الله تعالى عدوٌ بغير علم.
.10أن من عادة الملوك أن يحموا، لقوله: أَلاَ وَإِنَّ لَكُلِّ مَلِكٍ حِمىً وقد سبق حكم ا لحمى آنفاً.
.11تأكيد الجمل بأنواع المؤكدات إذا دعت الحاجة إلى هذا، فإذا قال قائل: إن التأكيد فيه تطويل، فنقول: التوكيد تطويل، ولكن إذا دعت الحاجة صار من البلاغة، لقوله: ألا. .. ألا .
.12أن المدار في الصلاح والفساد على القلب، إذا صلح صلح الجسد كلّه، وإذا فسد فسد الجسد كله.
فطهّر قلبك من الشرك والبدع والحقد على المسلمين والبغضاء، وغير ذلك من الأخلاق أو العقائد المنافية للشريعة، فإن القلب هو الأصل.
.13في الحديث ردٌّ على العصاة الذين إذا نهوا عن المعاصي قالوا: التقوى هاهنا وضرب أحدهم على صدره، فاستدل بحق على باطل، لأن الذي قال: التَّقْوَى هَاهُنَا هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه في الحديث: إذا اتقى ما هاهنا اتّقت الجوارح، لكن هذا يقول: التقوى هاهنا يعني أنه سيعصي الله،والتقوى تكون في القلب.
والجواب عن هذا التشبيه والتلبيس سهل جداً بأن نقول:
لو صلح ما هاهنا، صلح ما هناك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ) .
.14أن تدبير أفعال الإنسان عائد إلى القلب، لقوله: ( إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ،وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ).
وهل في هذا دليل على أن العقل في القلب؟
والجواب: نعم، فيه إشارة إلى أن العقل في القلب، وأن المدبر هو القلب مع أن القرآن شاهد بهذا.
قال الله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)



ولكن كيف تعلقه بالقلب؟
الجواب: هذا شيء لا يُعلم، إنما نحن نؤمن بأن العقل في القلب كما جاء في القرآن، لكننا لا نعلم كيف ارتباطه به،فلا يرد علينا لو رُكِب قلب كافر برجل مسلم، أيكون هذا المسلم كافراً أولا، لأننا لا ندري كيف تعلق العقل بالقلب والله أعلم.
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:26 AM
الحديث السابع
عَنْ أَبِيْ رُقَيَّةَ تَمِيْم بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: )الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَارَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: للهِ،ولكتابه، ولِرَسُوْلِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ( رواه مسلم




الشرح
قوله: عَنْ أَبِيْ رُقَيَّةَ هذه كنية بأنثى، والغالب أن الكنية تكون بذكر، لكن قد تكون بأنثى لا سيما إذا اشتهر، وقد تكون بغير الإنسان كأبي هريرة مثلاً، فأبو هريرة رضي الله عنه اشتهر بهذه الكنية من أجل أنه كان معه هرة ألفها وألفته فكنّي أبا هريرة.
( الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ ) الدين: مبتدأ والنصيحة خبر، وكلٌّ من المبتدأ والخبر معرفة.
فقوله: ( الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ ) مثل قوله: ما الدين إلا النصيحة، فإذا كان طرفا الجملة معرفتين كان ذلك من باب الحصر.
وقوله: ( الدِّيْنُ ) يعني بذلك دين العمل، لأن الدين ينقسم إلى قسمين:دين عمل ودين جزاء. فقوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:4)
المراد به: دين الجزاء، وقوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) المراد به: دين العمل.
وقوله هنا: ( الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ ) المراد به دين العمل، والنصيحة بمعنى إخلاص الشيء.
وأبهم النبي صلى الله عليه وسلم لمن تكون النصيحة من أجل أن يستفهم الصحابة رضي الله عنهم عن ذلك، لأن وقوع الشيء مجملاً ثم مفصلاً من أسباب رسوخ العلم،لأنه إذا أتى مجملاً تطلعت النفس إلى بيان هذا المجمل، فيأتي البيان والنفس متطلعة إلى ذلك متشوفة له،فيرسخ في الذهن أكثر مما لوجاء البيان من أول مرة.
و في بعض ألفاظه: ( الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ ) ثَلاثَاً يعني قالها ثلاثاً الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة
)قُلْنَا:لِمَنْ يَارَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: للهِ،ولكتابه،ولِرَسُوْلِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ )
* النصيحة لله تتضمن أمرين:
الأول:إخلاص العبادة له.
الثاني: الشهادة له بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته.
* والنصيحة لكتابه تتضمن أموراً منها:
الأول: الذبّ عنه، بأن يذب الإنسان عنه تحريف المبطلين، ويبيّن بطلان تحريف من حرّف.
الثاني: تصديق خبره تصديقاً جازماً لا مرية فيه، فلو كذب خبراً من أخبار الكتاب لم يكن ناصحاً، ومن شك فيه وتردد لم يكن ناصحاً.
الثالث: امتثال أوامره فما ورد في كتاب الله من أمر فامتثله، فإن لم تمتثل لم تكن ناصحاً له.
الرابع: اجتناب ما نهى عنه، فإن لم تفعل لم تكن ناصحاً.
الخامس: أن تؤمن بأن ما تضمنه من الأحكام هو خير الأحكام، وأنه لا حكم أحسن من أحكام القرآن الكريم.
السادس: أن تؤمن بأن هذا القرآن كلام الله عزّ وجل حروفه ومعناه، تكلم به حقيقة، وتلقاه جبريل من الله عزّ وجل ونزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين.
* والنصيحة لرسوله تكون بأمور منها:
الأول: تجريد المتابعة له، وأن لا تتبع غيره،لقول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)
الثاني: الإيمان بأنه رسول الله حقاً، لم يَكذِب، ولم يُكذَب، فهو رسول صادق مصدوق.
الثالث: أن تؤمن بكل ما أخبر به من الأخبار الماضية والحاضرة والمستقبلة.
الرابع: أن تمتثل أمره.
الخامس: أن تجتنب نهيه.
السادس: أن تذبّ عن شريعته.
السابع: أن تعتقد أن ما جاء عن رسول الله فهو كما جاء عن الله تعالى في لزوم العمل به، لأن ما ثبت في السنة فهو كالذي جاء في القرآن . قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) وقال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)
الثامن: نصرة النبي صلى الله عليه وسلم إن كان حياً فمعه وإلى جانبه، وإن كان ميتاً فنصرة سنته صلى الله عليه وسلم.
)وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْن ) أئمة جمع إمام، والإمام: القدوة كما قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ) أي قدوة، ومنه قول عباد الرحمن: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)
وأئمة المسلمين صنفان من الناس:
الأول: العلماء، والمراد بهم العلماء الربانيون الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وسلم علماً وعبادة وأخلاقاً ودعوة، وهؤلاء هم أولو الأمر حقيقة، لأن هؤلاء يباشرون العامة، ويباشرون الأمراء، ويبينون دين الله ويدعون إليه
الصنف الثاني: من أئمة المسلمين: الأمراء المنفذون لشريعة الله، ولهذا نقول: العلماء مبينون، والأمراء منفذون يجب عليهم أن ينفذوا شريعة الله عزّ وجل في أنفسهم وفي عباد الله.
* والنصيحة للعلماء تكون بأمورٍ منها:
الأول: محبتهم، لأنك إذا لم تحب أحداً فإنك لن تتأسّى به.
الثاني: معونتهم ومساعدتهم في بيان الحق، فتنشر كتبهم بالوسائل الإعلامية المتنوعة التي تختلف في كل زمان ومكان.
الثالث: الذبّ عن أعراضهم، بمعنى أن لا تقرّ أحداً على غيبتهم والوقوع في أعراضهم،وإذا نسب إلى أحدٍ من العلماء الربانيين شيء يُستنكر فعليك أن تتخذ هذه المراحل:
المرحلة الأولى: أن تتثبت من نسبتهِ إليه، فكم من أشياء نسبت إلى عالم وهي كذب، فلابد أن تتأكد، فإذا تأكدت من نسبة الكلام إليه فانتقل إلى المرحلة الثانية وهي:
أن تتأمل هل هذا محل انتقاد أم لا؟ لأنه قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن القول منتقد، وعند التأمل يرى أنه حق، فلابد أن تتأمل حتى تنظر هل هو منتقد أو لا؟
المرحلة الثالثة: إذا تبيّن أنه ليس بمنتقد فالواجب أن تذبّ عنه وتنشر هذا بين الناس، وتبين أن ما قاله هذا العالم فهو حق وإن خالف ما عليه الناس.
المرحلة الرابعة: إذا تبين لك حسب رأيك أن ما نسب إلى العالم وصحت نسبته إليه ليس بحق،فالواجب أن تتصل بهذا العالم بأدب ووقار،وتقول: سمعت عنك كذا وكذا،وأحب أن تبين لي وجه ذلك، لأنك أعلم مني،فإذا بيّن لك هذا فلك حق المناقشة،لكن بأدب واحترام وتعظيم له بحسب مكانته وبحسب ما يليق به.
وإذا رأيت منهم خطأ فلا تسكت وتقول: هذا أعلم مني، بل تناقش بأدب واحترام، لأنه أحياناً يخفى على الإنسان الحكم فينبهه من هو دونه في العلم فيتنبه وهذا من النصيحة للعلماء.
الخامس : أن تدلهم على خير ما يكون في دعوة الناس، فإذا رأيت هذا العالم محباً لنشر العلم ويتكلم في كل مكان وترى الناس يتثاقلونه ويقولون هذا أثقل علينا، كلما جلسنا قام يحدّث،فمن النصيحة لهذا العالم أن تشير عليه أن لا يتكلم إلا فيما يناسب المقام، لا تقل:إني إذا قلت ذلك منعته من نشر العلم، بل هذا في الواقع من حفظ العلم، لأن الناس إذا ملّوا سئموا من العالم ومن حديثه.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة، يعني لا يكثر الوعظ عليهم مع أن كلامه صلى الله عليه وسلم محبوب إلى النفوس لكن خشية السآمة، والإنسان يجب أن يكون مع الناس كالراعي يختار ما هو أنفع وأجدى.
* والنصيحة للأمراء تكون بأمور منها:
أولاً: اعتقاد إمامتهم وإمرتهم، فمن لم يعتقد أنهم أمراء فإنه لم ينصح لهم، لأنه إذا لم يعتقد أنهم أمراء فلن يمتثل أمرهم ولن ينتهي عما نهوا عنه، فلا بد أن تعتقد أنه إمام أو أنه أمير، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، ومن تولى أمر المسلمين ولو بالغلبة فهو إمام،سواء كان من قريش أومن غير قريش.
ثانياً: نشر محاسنهم في الرعية، لأن ذلك يؤدي إلى محبة الناس لهم، وإذا أحبهم الناس سهل انقيادهم لأوامرهم .
وهذا عكس ما يفعله بعض الناس حيث ينشر المعايب ويخفي الحسنات، فإن هذا جورٌ وظلم.
ثالثاً: امتثال ما أمروا به وما نهوا عنه، إلا إذا كان في معصية الله عزّ وجل لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وامتثال طاعتهم عبادة وليست مجرد سياسة، بدليل أن الله تعالى أمر بها فقال عزّ وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأولي الأمر منكم) .
ولا يشترط في طاعتهم ألاّ يعصوا الله،فأطعهم فيما أمروا به وإن عصوا الله، لأنك مأمور بطاعتهم وإن عصوا الله في أنفسهم.
رابعاً: ستر معايبهم مهما أمكن، وجه هذا: أنه ليس من النصيحة أن تقوم بنشر معايبهم وليس معنى قولنا: ستر المعايب أن نسكت عن المعايب، بل ننصح الأمير مباشرة إن تمكنا،وإلا فبواسطة من يتصل به من العلماء وأهل الفضل. ولهذا أنكر أسامة بن زيد رضي الله عنه على قوم يقولون: أنت لم تفعل ولم تقل لفلان ولفلان يعنون الخليفة، فقال كلاماً معناه: (أتريدون أن أحدثكم بكل ما أحدث به الخليفة) فهذا لا يمكن.
فلا يمكن للإنسان أن يحدث بكل ما قال للأمير، لأنه إذا حدث بهذا فإما أن يكون الأمير نفذ ما قال، فيقول الناس: الأمير خضع وذل، وإما أن لا ينفذ فيقول الناس: عصى وتمرّد.
ولذلك من الحكمة إذا نصحت ولاة الأمور أن لا تبين ذلك للناس،لأن في ذلك ضرراً عظيماً.
خامساً: عدم الخروج عليهم، وعدم المنابذة لهم، ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في منابذتهم إلا كما قال:" أَنْ تَرَوا " أي رؤية عين، أو رؤية علم متيقنة."
" كُفْرَاً بَوَاحَاً " أي واضحاً بيّناً.
" عِنْدَكُمْ فِيْهِ مِنَ اللهِ بُرْهَانٌ "أي دليل قاطع.
ثم إذا جاز الخروج عليهم بهذه الشروط فهل يعني ذلك أن يخرج عليهم ؟ لأن هناك فرقاً بين جواز الخروج، وبين وجوب الخروج.
والجواب: لا نخرج حتى ولو رأينا كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان،إلا حيث يكون الخروج مصلحة،وليس من المصلحة أن تقوم فئة قليلة سلاحها قليل في وجه دولة بقوتها وسلاحها، لأن هذا يترتب عليه إراقة الدماء واستحلال الحرام دون ارتفاع المحذور الذي انتقدوا به الأمراء،كما هو مشاهد من عهد خروج الخوارج في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم إلى يومنا هذا،حيث يحصل من الشر والمفاسد ما لا يعلمه إلا ربُّ العباد.
لكن بعض الناس تتوقد نار الغيرة في قلوبهم ثم يحدثون ما لا يحمد عقباه، وهذا غلط عظيم.
قال: ( وَعَامَّتُهُمْ ) أي عوام المسلمين، والنصح لعامة المسلمين بأن تبدي لهم المحبة، وبشاشة الوجه، وإلقاء السلام، والنصيحة، والمساعدة ، وغير ذلك مما هو جالب للمصالح دافعٌ للمفاسد.
واعلم أن خطابك للواحد من العامة ليس كخطابك للواحد من الأمراء، وأن خطابك للمعاند ليس كخطابك للجاهل، فلكل مقام مقال، فانصح لعامة المسلمين ما استطعت.
وبهذا نعرف أن هذا الحديث على اختصاره جامع لمصالح الدنيا والآخرة.
* من فوائد الحديث :
.1أهمية النصيحة في هذه المواضع، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها الدين فقال: ( الدِّيْنُ النَّصِيْحةُ )
.2حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يذكر الشيء مجملاً ثم يفصّله، لقوله: (الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ).
.3حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وأنهم لن يدعوا شيئاً يحتاج الناس إلى فهمه إلا سألوا عنه
.4 البداءة بالأهم فالأهم، حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالنصيحة لله، ثم للكتاب، ثم للرسول صلى الله عليه وسلم ثم لأئمة المسلمين، ثم عامتهم.
وإنما قدم الكتاب على الرسول لأن الكتاب يبقى، والرسول يموت، على أن النصيحة للكتاب وللرسول متلازمان .
.5 وجوب النصيحة لأئمة المسلمين، وذلك بما ذكرناه من الوجوه بالنسبة للأمراء، وبالنسبة للعلماء.
.6الإشارة إلى أن المجتمع الإسلامي لابد له من إمام، والإمامة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة. والله الموفق.<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:27 AM
الحديث الثامن
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ وَيُقِيْمُوْا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهَمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى) رواه البخاري ومسلم


<HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>


الشرح
)أُمِرْتُ ) بالبناء لما لم يسمّ فاعلهُ، لأن الفاعل معلوم و هو الله عزّ وجل، وإبهام المعلوم سائغ لغة واستعمالاً سواء: في الأمور الكونية. أو في الأمور الشرعية.
وقوله أُمِرْتُ ) أي أمرني ربي.
والأمرُ: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، أي أن الآمر أو طالب الفعل يرى أنه في منزلة فوق منزلة المأمور، لأنه لو أمر من يساويه سمي عندهم التماساً، ولو طلب ممن فوقه سمي دعاءً وسؤالاً.
وقوله: ( أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ ) هذا المأمور به.
والمقاتلة غير القتل.
- فالمقاتلة: أن يسعى في جهاد الأعداء حتى تكون كلمة الله هي العليا.
-والقتل: أن يقتل شخصاً بعينه، ولهذا نقول: ليس كل ما جازت المقاتلة جاز القتل، فالقتل أضيق ولا يجوز إلا بشروط معروفة، والمقاتلة أوسع، قال الله تبارك وتعالى: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه) فأمر بقتالها وهي مؤمنة لايحل قتلها ولا يباح دمها لكن من أجل الإصلاح.
وقاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة ولكن لايقتلهم، بل قاتلهم حتى يذعنوا للحق .
( حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله ) (حتى) هل هي للتعليل بمعنى أن أقاتل ليشهدوا، أو هي للغاية بمعنى أقاتلهم إلى أن يشهدوا؟
والجواب: هي تحتمل أن تكون للتعليل ولكن الثاني أظهر، يعني أقاتلهم إلى أن يشهدوا.
و(حتى) تأتي للتعليل وتأتي للغاية،
) حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله ) أي حتى يشهدوا بألسنتهم وبقلوبهم، لكن من شهد بلسانه عصم دمه وماله، وقلبه إلى الله عزّ وجل.
) أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله ) أي لا معبود حقّ إلا الله عزّ وجل، فهو الذي عبادته حقّ، وما سواه فعبادته باطلة.
)وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ ) محمد: هو ابن عبد الله، وأبرز اسمه ولم يقل: وأني رسول الله للتفخيم والتعظيم. ورسول الله: يعني مرسله.
)وَيُقِيْمُوا الصَّلاةَ ) أي يفعلوها قائمة وقويمة على ماجاءت به الشريعة. والصلاة هنا عامة، لكن المراد بها الخاص، وهي الصلوات الخمس، ولهذا لو تركوا النوافل فلا يقاتلون .
)وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ) أي يعطوها مستحقّها. والزكاة: هي النصيب المفروض في الأموال الزكوية.
)فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ) أي شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.
)عَصَمُوا ) أي منعوا.
)مِنِّي دِمَاءهَم وَأَمْوَالَهُم ) أي فلا يحل أن أقاتلهم وأستبيح دماءهم، ولا أن أغنم أموالهم، لأنهم دخلوا في الإسلام.
)إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ ) هذا استثناء لكنه استثناء عام، يعني: إلا أن تباح دماؤهم وأموالهم بحق الإسلام، مثل: زنا الثيّب، والقصاص وما أشبه ذلك، يعني: إلا بحق يوجبه الإسلام.
)وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى ) أي محاسبتهم على الأعمال على الله تعالى، أما النبي صلى الله عليه وسلم فليس عليه إلا البلاغ.
فهذا الحديث أصلٌ وقاعدةٌ في جواز مقاتلة الناس،وأنه لا يجوز مقاتلتهم إلا بهذا السبب.
* من فوائد الحديث :
.1أن النبي صلى الله عليه وسلم عبد مأمور يوجه إليه الأمر كما يوجّه إلى غيره لقوله: أُمِرْتُ.
.2جواز إبهام المعلوم إذا كان المخاطب يعلمه، لقوله: أُمِرْتُ فأبهم الآمر لأن المخاطب يعلم ذلك.
.3وجوب مقاتلة الناس حتى يقوموا بهذه الأعمال.
فإذا قال قائل: لماذا لا يكون الأمر للاستحباب؟
والجواب: لا يكون للاستحباب،لأن هذا فيه استباحة محرّم، واستباحة المحرّم لاتكون إلا لإقامة واجب.
.4وجوب شهادة أن لا إله إلا الله بالقلب واللسان، فإن أبداها بلسانه ولاندري عما في قلبه أخذنا بظاهره ووكلنا سريرته إلى الله عزّ وجل ووجب الكفّ عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، ولا يجوز أن نتهمه
.5أنه لابد أن يعتقد الإنسان أن لا معبود حق إلا الله، فلا يكفي أن يعتقد أن الله معبود بحق، لأنه إذا شهد أن الله تعالى معبود بحق لم يمنع أن غيره يعبد بحق أيضاً. فلا يكون التوحيد إلا بنفي وإثبات: لا إله إلا الله، نفي الإلوهية عما سوى الله وإثباتها لله عزّ وجل.
.6أن المقاتلة لا ترتفع إلا بشهادة أن محمداً رسول الله، وأما الدخول في الإسلام فيكون بشهادة أن لا إله إلا الله، لكن لو شهدت طائفة أن لا إله إلا الله وأبت أن تشهد أن محمداً رسول الله فإنها تقاتل.
.7 وجوب إقامة الصلاة، لأنه إذا لم يقمها فإنه لا يمتنع قتاله، بل قد قال الفقهاء - رحمهم الله - يُقاتَل أهل بلد تركوا الأذان والإقامة وإن صلوا، لأن الأذان والإقامة من شعائر الدين الظاهرة، فإذا قال قوم: نحن لا نؤذن ولا نقيم ولكن نصلي، وجب أن يقاتلوا.
.8وجوب إيتاء الزكاة، لأنها جزء مما يمنع مقاتلة الناس.
.10أن الكفار تباح دماؤهم وأموالهم، لقوله: عَصَمُوا مِنِّيْ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فيقتلون، أو يؤسرون حسب ما تقتضيه الحال، وتغنم أموالهم.
.11أنه قد يستباح الدم والمال بحق الإسلام وإن لم يكن من هذه المذكورات التي في الحديث، وقد نوقش أبو بكرٍ الصّديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة فأجاب: بأن الزكاة حق المال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وقال رضي الله عنه: والله لو منعوني عناقاً - أو قال: عقالاً - كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على ذلك.
وأسباب إباحة القتل في الإسلام ليس هذا موضع بسطها،لكنها معلومة بالتتبّع.
.12أن حساب الخلق على الله عزّ وجل، وأنه ليس على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، وكذلك ليس على من ورث الرسول إلا البلاغ، والحساب على الله عزّ وجل.
فلا تحزن أيها الداعي إلى الله إذا لم تقبل دعوتك، فإذا أدّيت ما يجب عليك فقد برئت الذمة والحساب على الله تعالى،
ولكن اعلم أنك إذا قلت حقاً تريد به وجه الله فلابد أن يؤثر، حتى لو رد أمامك فلابد أن يؤثر، والله الموفق.
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:28 AM
الحديث التاسع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُوْلُ: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) رواه البخاري ومسلم

الشرح
أكثر النّاس لا يعرفون اسم أبي هريرة رضي الله عنه،ولهذا وقع الخلاف في اسم راوي الحديث،وأصحّ الأقوال وأقربها للصواب ما ذكره المؤلف رحمه الله أن اسمه:
عبد الرحمن بن صخر. وكنّي بأبي هريرة لأنه كان معه هرّة قد ألفها وألفته، فلمصاحبتها إيّاه كُنّي بها.
قوله: ( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ) النهي: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء، يعني أن يطلب منك من هو فوقك - ولو باعتقاده - أن تكفّ، فهذا نهي.
ولهذا قال أهل أصول الفقه: النهي طلب الكفّ على وجه الاستعلاء ولو حسب دعوى الناهي، يعني وإن لم يكن عالياً على المنهي.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلى منّا حقيقة.
( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوْهُ ) الجملة شرطية، فـ: (ما) اسم شرط، و: (نهيتكم) فعل الشرط، و: (فَاجْتَنِبُوْهُ) جواب الشرط،
والمعنى أي ابتعدوا عنه، فكونوا في جانب وهو في جانب.
)وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ )هذه الجملة أيضاً شرطية، فعل الشرط فيها: (أمرتكم به) وجوابه: (فأتوا منه ما استطعتم) يعني افعلوا منه ما استطعتم، أي ما قدرتم عليه.
والفرق بين المنهيات والمأمورات: أن المنهيّات قال فيها: فَاجْتَنِبُوهُ ولم يقل ما استطعتم، ووجهه: أن النهي كف وكل إنسان يستطيعه، وأما المأمورات فإنها إيجاد قد يستطاع وقد لا يستطاع، ولهذا قال في الأمر: فأتُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ
)فَإِنَّمَا ) (إن) للتوكيد، و(ما) اسم موصول بدليل قوله: (كثرة) على أنها خبر (إن) أي فإن الذي أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم. ويجوز أن تجعل (إنما) أداة حصر، ويكون المعنى: ما أهلك الذين من قبلكم إلا كثرة مسائلهم.
وقوله: ( الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) يشمل اليهود والنصارى وغيرهم، والمتبادر أنهم اليهود والنصارى، ، فإن نظرنا إلى العموم قلنا المراد بقوله: مِنْ قَبْلِكُمْ جميع الأمم، وإن نظرنا إلى قرينة الحال قلنا المراد بهم: اليهود والنصارى .
واليهود أشدّ في كثرة المساءلة التي يهلكون بها،
وقوله: ( كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ ) جمع مسألة وهي: ما يُسأل عنه.
) وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ) يعني وأهلكهم اختلافهم،
وقوله:( عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ) وذلك بالمعارضة والمخالفة، وفي الحديث قال:( اختلافهم على أنبيائهم ) ولم يقل:عن أنبيائهم، لأن كلمة (على) تفيد أن هناك معارضة للأنبياء.
* من فوائد الحديث :
.1وجوب الكفّ عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، لقوله:( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ).
.2أن المنهي عنه يشمل القليل والكثير، لأنه لا يتأتّى اجتنابه إلا باجتناب قليله وكثيرة .
.3أن الكفّ أهون من الفعل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في المنهيات أن تُجتنب كلّها،لأن الكفّ سهل.
فإن قال قائل:يرد على هذا إباحة الميتة والخنزير للمضطر، وإذا كان مضطراً لم يجب الاجتناب؟
فالجواب عن هذا أن نقول: إذا وجدت الضرورة ارتفع التّحريم، فلا تحريم أصلاً، ولهذا كان من قواعد أصول الفقه: (لا محرم مع الضرورة، ولا واجب مع العجز) إذاً هذا الإيراد غير وارد.
فلو قال لنا قائل: (فاجتنبوه) عام فيشمل اجتناب أكل الميتة عند الضرورة.
هل يجوز فعل المحرّم عند الضرورة أم لا؟
والجواب: أنه يجوز لقول الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )
وإذا اضطر شخص إلى محرّم فهل له أن يزيد على قدر الضرورة؟ بمعنى: إذا حل له أكل الميتة فهل له أن يشبع، أو نقول له: اقتصر على ما تبقى به الحياة فقط؟
والجواب: ذكر بعض العلماء: أنه يجب أن يقتصر على ما تبقى به الحياة فقط، ولا يشبع. والصحيح التفصيل في هذا: فإن كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيحصل على شيء مباح قريباً فليس له أن يشبع إلا إذا كان معه شيء يحفظ به اللحم إن احتاجه أكله فهنا لا حاجة للشبع، بل يكون بقدر ما تندفع به الضرورة.
* وما هي الضرورة إلى المحرّم؟
الضرورة إلى المحرم هي: أن لا يجد سوى هذا المحرّم، وأن تندفع به الضرورة،وعلى هذا فإذا كان يجد غير المحرّم فلا ضرورة
- والدواء بالمحرّم لا يمكن أن يكون ضرورة لسببين:
أولاً: لأنه قد يبرأ المريض بدون دواء، وحينئذ لا ضرورة.
ثانياً: قد يتداوى به المريض ولا يبرأ، وحينئذٍ لا تندفع الضرورة به،
.4-أنه لا يجب من فعل المأمور إلا ما كان مستطاعاً، لقوله: ( وَمَا أَمرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
فإن قال قائل: هل هذه الجملة تفيد التسهيل، أو التشديد، ونظيرها قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
فالجواب: لها وجهان: فقد يكون المعنى: لابد أن تقوموا بالواجب بقدر الاستطاعة وأن لا تتهاونوا مادمتم مستطيعين.
ويحتمل أن المعنى: لا وجوب إلا مع الاستطاعة، وهذا يؤيده قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)
.5أن الإنسان له استطاعة وقدرة ، لقوله: مَا استَطَعْتُمْ فيكون فيه رد على الجبرية الذين يقولون إن الإنسان لا استطاعة له، لأنه مجبر على عمله
.6أن الإنسان إذا لم يقدر على فعل الواجب كله فليفعل ما استطاع.
.7لا ينبغي للإنسان إذا سمع أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: هل هو واجب أم مستحبّ؟ لقوله: ( فَأْتُوا مِنْهُ مَا استَطَعْتُمْ ) ولا تستفصل، فأنت عبد منقاد لأمر الله عزّ وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
لكن إذا وقع العبد وخالف فله أن يستفصل في أمره،لأنه إذا كان واجباً فإنه يجب عليه التوبة، وإذا كان غير واجب فالتوبة ليست واجبة.
.8أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه فإنه شريعة، سواء كان ذلك في القرآن أم لم يكن، فُيعمل بالسنة الزائدة على القرآن أمراً أو نهياً.
.9أن كثرة المسائل سبب للهلاك ولاسيّما في الأمور التي لا يمكن الوصول إليها مثل مسائل الغيب كأسماء الله وصفاته، وأحوال يوم القيامة،لا تكثر السؤال فيها فتهلك،وتكون متنطّعاً متعمّقاً.
وأما ما يحتاج الناس إليه من المسائل الفقهية فلا حرج من السؤال عنها مع الحاجة لذلك، فإن كان طالب علم فليسأل وليبحث، لأن طالب العلم مستعدٌ لإفتاء من يستفتيه. أما إذا كان غير طالب علم فلا يكثر السؤال.
.10أن الأمم السابقة هلكوا بكثرة المساءلة، وهلكوا بكثرة الاختلاف على أنبيائهم.
.11التحذير من الاختلاف على الأنبياء، وأن الواجب على المسلم أن يوافق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأن يعتقدهم أئمة وأنهم عبيد من عباد الله، أكرمهم الله تعالى بالرسالة،وأن خاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى جميع الناس،وشريعته هي دين الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده،وأن الله لايقبل من أحدٍ ديناً سواه،قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) . والله الموفق.<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:29 AM
الحديث العاشر
عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ : (إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبَاً وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً ) (المؤمنون: الآية51) ، وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (البقرة: الآية172) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء،ِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ،وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك) رواه مسلم. <HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>

الشرح
( إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ ) كلمة طيب بمعنى طاهر منزّه عن النقائص،لا يعتريه الخبث بأي حال من الأحوال، فهو عزّ وجل طيب في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أحكامه، وفي أفعاله، وفي كل ما يصدر منه، وليس فيها رديء بأي وجه.
)لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبَاً ) فهو سبحانه وتعالى، لا يقبل إلا الطيب من الأقوال، والأعمال وغيرها، وكل رديء فهو مردودٌ عند الله عزّ وجل، فلا يقبل الله إلا الطيب
فالطّيب من الأعمال: ما كان خالصاً لله، موافقاً للشريعة.
والطيب من الأموال: ما اكتسب عن طريق حلال، وأما ما اكتسب عن طريق محرّم فإنه خبيث.
( وَإَنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ ) تَعْلَيةً لشأن المؤمنين، وأنهم أهلٌ أن يوجّه إليهم ما أمر به الرسل، فقال عزّ وجل في أمر المرسلين: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً ) فأمر الرسل أن يأكلوا من الطيبات وهي التي أحلها الله عزّ وجل، واكتسبت عن طريق شرعي.
( وَاعْمَلُوْا صَالحَاً ) أي اعملوا عملاً صالحاً.
فأمرهم بالأكل الذي به قوام البدن، ثم أمرهم بالعمل الذي يكون نتيجة للأكل، لكنه قال: ( وَاعْمَلُوا صَالِحَاً ) وصالح العمل هو ما جمع بين: الإخلاص والمتابعة.
وقال تعالى في أمر المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) كما قال للرسل: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) فأمر المؤمنين بما أمر به المرسلين.
إذاً نقول: المؤمنون مأمورون بالأكل من الطيبات، والمرسلون كذلك مأمورون بالأكل من الطيبات.
( ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ... ) يعني ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لهذا الرجل: "يُطِيْلُ السَّفَرَ" والسفر من أسباب إجابة الدعاء، ولاسيما إذا أطاله.
( أَشْعَث أَغْبَرَ ) يعني أشعث في شعره أغبر من التراب، أي أنه لا يهتم بنفسه بل أهم شيء عنده الدعاء.
( يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء ) ومد اليدين إلى السماء من أسباب إجابة الدعاء،كما جاء في الحديث: " إنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيْمٌ يَسْتَحِييْ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفعَ يَديْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرَاً ".
( يَا رَبّ يَا رَبّ ) نداء بوصف الربوبية،لأن ذلك وسيلة لإجابة الدعاء، إذ إن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية.
( وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ) يعني طعامه الذي يأكله حرام، أي حرام لذاته أو لكسبه.
( وَمَشرَبُهُ حَرَامٌ ) يعني شربه الذي يشربه حرام، إما لذاته أو لكسبه.
( وغُذِيَ بالحَرَامِ ) يعني أنه تغذّى بالحرام الحاصل من فعل غيره.
)فَأَنَّى ) اسم استفهام، والمراد به الاستبعاد، يعني يبعد أن يستجاب لهذا، مع أن أسباب الإجابة موجودة.
وهذا للتحذير من أكل الحرام، وشربه، ولبسه، والتغذّي به.
* من فوائد الحديث :
.1أن من أسماء الله تعالى الطيّب، لقوله: ( إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ ) وهذا يشمل طيب ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.
فأسماؤه كلّها حسنى، ولا يوجد في أ سماء الله ما يكون فيه النقص لا حقيقة ولا فرضاً، فكلّ أسماء الله تعالى ليس فيها نقصٌ بوجه من الوجوه، لأن الله تعالى قال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) والحسنى اسم تفضيل، يقابلها في المذكر: الأحسن.
ولذلك لا تجد في أسماء الله ما يحتمل النقص أبداً،
.2كمال الله عزّ وجل في ذاته، وصفاته وأفعاله، وأحكامه.
.3أن الله تعالى غنيّ عن الخلق فلا يقبل إلا الطيب، لقوله: ( لا يَقبَلُ إلاَّ طَيِّبَاً )
.4تقسيم الأعمال إلى مقبول ومردود، لقول: "لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبَاً" فنفي القبول يدل على ثبوته فيما إذا كان طيباً، وهذا شيء ظاهر.
.5أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤمرون وينهون، لقوله: ( إِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِيْنَ ) .
.6أن المؤمنين مأمورون منهيون لقوله:( وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ ) وكلما كان الإنسان أقوى إيماناً كان أكثر امتثالاً لأمر الله عزّ وجل، وإذا رأيت من نفسك هبوطاً في امتثال الأوامر فاتّهمها بنقص الإيمان وصحح الوضع قبل أن يستشري هذا المرض فتعجز عن الاستقامة فيما بعد.
.7استعمال ما يشجع على العمل، وجهه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الله أَمَرَ المُؤمنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِيْنَ ) فإذا علم المؤمن أن هذا من مأمورات المرسلين فإنه يتقوَّى ويتشجّع على الامتثال.
.8الأمر بالأكل من الطيبات للمؤمنين والمرسلين.
ويتفرّع على هذا فائدة : ذم من امتنع عن الطيبات بدون سبب شرعي .
9.أنه يجب شكر نعمة الله عزّ وجل بالعمل الصالح لقوله تعالى: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً) وفي المؤمنين قال: ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّه)
ويتفرّع من الجمع بين الآيتين: أن الشكر هو العمل الصالح،لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ ) والذي أمر به المرسلين شيئان:
الأول: الأكل من الطيبات .
والثاني: العمل الصالح.
فليس كل من قال: الشكر لله، والحمد لله يكون شاكراً حتى يعمل صالحاً،
.10توجيه الأمر لمن هو متّصف به،لقوله: ( وَاعْملُوا صَالِحَاً ) فوجه الأمر بالعمل الصالح للمرسلين مع أنهم يعملون الصالحات ولا شك في ذلك، وهذا كقوله تعالى لرسوله محمد : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) وقوله: ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) ففي هذه الآيات أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالتقوى مع أنه صلى الله عليه وسلم أتقى الناس لله عزّ وجل والواحد منا -ونحن مفرطون - إذا قيل له: اتق الله.انتفخ غضباً، ولو قيل له: الله يهديك، لقال:وما الذي أنا واقع فيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطبه ربه بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) .
.11تحريم الخبائث، لقوله: (مِنْ الطَيِّبَاتِ) وقوله في المؤمنين: ( مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) .
* لكن ما هو مدار الخبث: أعلى ما يستخبثه الناس وكل إنسان بطبيعته أو أن نقول: الخبيث ما استخبثه الشرع.
والجواب: الخبيث ما استخبثه الشرع،
.12استبعاد إجابة آكل الحرام لو عمل من أسباب الإجابة ما عمل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر.... وقال بعد ذلك ( أَنَّى يُسْتَجَابُ" لذلك ) وهذا استفهام استبعاد.
لكن هل هذا يعني أنه يستحيل أن يجاب؟
والجواب: لا، لأن الإنسان قد يستبعد شيئاً ولكن يقع، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد هذا تنفيراً عن أكل الحرام.
.13أن السفر من أسباب إجابة الدعاء،
.14أن الشعث والغبرة من أسباب إجابة الدعاء.
لكن هذا قد يرد عليه أن التورع عن المباحات بدون سبب شرعي مذموم، فيقال المراد بالحديث: أن هذا الرجل يهتم بأمور الآخرة أكثر من اهتمامه بأمور الدنيا.
.15أن رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة.
ويكون الرفع بأن ترفع يديك تضم بعضهما إلى بعض على حذاء الثُّندُؤتين أي أعلى الصدر، ودعاء الابتهال ترفع أكثر من هذا، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء رفع يديه كثيراً حتى ظن الظانّ أن ظهورهما نحو السماء من شدة الرفع، وكلما بالغت في الابتهال فبالغ في الرفع.
.16أن من أسباب إجابة الدعاء التوسل إلى الله تعالى بالربوبية لقوله: ( يَا رَبّ يَا رَبّ )
.17التحذير البالغ من أكل الحرام، لأن أكل الحرام من أسباب ردّ الدعاء وإن توفرت أسباب الإجابة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فَـَأنى يُسْتَجَابُ لذلك" هذا مع أن أكل الحرام - والعياذ بالله - سبب لانصراف الإنسان عن القيام بواجب الدين ، لأن البدن يكون متغذّياً على شيءٍ فاسد، والمتغذي على فاسد سيؤثر عليه هذا الغذاء. والله المستعان.
<HR>

الحديث الحادي عشر
عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بنِ عَلِيّ بنِ أبِي طالبٍ سِبْطِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرَيْحَانَتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: حَفِظْتَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح

<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>
الشرح
الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما سبط النبي صلى الله عليه وسلم ، والسبط: هوابن البنت، وابن الابن يسمى: حفيداً، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد فقال: (إِنَّ ابْنِي هذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللهُ بهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ) وكان الأمر كذلك، فإنه بعد أن استشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبويع بالخلافة للحسن تنازل عنها لمعاوية رضي الله عنه، فأصلح الله بهذا التنازل بين أصحاب معاوية وأصحاب علي رضي الله عنهما، وحصل بذلك خير كثير.
وهو أفضل من أخيه الحسين رضي الله عنهما،لكن تعلقت الرافضة بالحسين لأن قصة قتله رضي الله عنه تثير الأحزان، فجعلوا ذلك وسيلة، ولو كانوا صادقين في احترام آل البيت لكانوا يتعلقون بالحسن أكثر من الحسين،لأنه أفضل منه.
وأما قوله: وَرَيحَانَتهُ الريحانة هي تلك الزهرة الطيبة الرائحة،وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين بأنهما ريحانتاه وقوله: "دَعْ" أي اترك "مَا يرِيْبُكَ" أي ما يلحقك به ريب وشك وقلق إِلَى "مَا لاَ يَرِيْبُكَ" أي إلى شيءٍ لا يلحقك به ريبٌ ولا قلق.
وهذا الحديث من جوامع الكلم وما أجوده وأنفعه للعبد إذا سار عليه، فالعبد يرد عليه شكوك في أشياء كثيرة،فنقول: دع الشك إلى ما لاشكّ فيه حتى تستريح وتسلم، فكل شيء يلحقك به شكّ وقلق وريب اتركه إلى أمر لا يلحقك به ريب، وهذا ما لم يصل إلى حد الوسواس، فإن وصل إلى حد الوسواس فلا تلتفت له.
وهذا يكون في العبادات، ويكون في المعاملات، ويكون في النكاح، ويكون في كل أبواب العلم.
يقول: "رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ، وقَالَ التِّرْمِذِيّ:حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ" والحديث كما قال الترمذي صحيح، لكنْ في الجمع بين كونه حسناً وكونه صحيحاً إشكال، لأن المعروف أن الصحيح من الحديث غير الحسن، لأن العلماء قسموا الحديث إلى: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره، وضعيف.
فكيف يُجمع بين وصفين متناقضين لموصوف واحد: حسن صحيح؟ ؟
أجاب العلماء عن ذلك بأنه: إن كان هذا الحديث جاء من طريق واحد فمعناه أن الحافظ شكّ هل بلغ هذا الطريق درجة الصّحيح أو لازال في درجة الحسن.
وإذا كان من طريقين فمعنى ذلك: أن أحد الطريقين صحيح والآخر حسن.
وهنا فائدة في: أيّهما أقوى أن يوصف الحديث بالصحة، أو بكونه صحيحاً حسناً؟
الجواب: نقول: إذا كان من طريقين فحسن صحيح أقوى من صحيح، وإن كان من طريق واحد فحسن صحيح أضعف من صحيح، لأن الحافظ الذي رواه تردد هل بلغ درجة الصحة أو لا زال في درجة الحسن. * من فوائد الحديث :
.1أن الدين الإسلامي لا يريد من أبنائه أن يكونوا في شكّ ولا قلق، لقوله: دَعْ مَا يرِيْبُكَ إِلَى مَا لا َيَرِيْبُكْ.
.2أنك إذا أردت الطمأنينة والاستراحة فاترك المشكوك فيه واطرحه جانباً،لاسيّما بعد الفراغ من العبادة حتى لا يلحقك القلق،
.3أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، لأن هاتين الجملتين: "دع ما يريبك إلى مالا يريبك" لو بنى عليهما الإنسان مجلداً ضخماً لم يستوعب ما يدلان عليه من المعاني، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
<!-- / message -->




الحديث الثاني عشر
عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيْهِ) حديثٌ حسنٌ، رواه الترمذي وغيره هكذا.
<HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>
الشرح
"مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ" خبر مقدم و: "تَرْكُ" مبتدأ مؤخّر.
وقوله: "مَا لاَ يَعْنِيْهِ" أي ما لا تتعلق به عنايته ويهتم به، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم : "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرَاً أَو لِيَصْمُتْ" فإنه يشابهه من بعض الوجوه.
* من فوائد الحديث :
.1أن الإسلام جمع المحاسن، ومحاسن الإسلام كلّها تجتمع في كلمتين: قال الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ)
.2أن ترك الإنسان ما لايهتم به ولا تتعلق به أموره وحاجاته من حسن إسلامه.
.3أن من اشتغل بما لا يعنيه فإن إسلامه ليس بذاك الحسن
.4أنه ينبغي للإنسان أن يتطلب محاسن إسلامه فيترك ما لا يعنيه ويستريح، لأنه إذا اشتغل بأمور لاتهمّه ولا تعنيه فقد أتعب نفسه. وهنا قد يَرِدُ إشكالٌ: وهو هل ترك العبد ما لا يعنيه هو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
والجواب: لا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يعني الإنسان، كما قال الله عزّ وجل: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
ومن ذلك أيضاً: ما يتعلق بالأهل والأبناء والبنات فإنه يعني راعي البيت أن يدلّهم على الخير ويأمرهم به ويحذرهم من الشر وينهاهم عنه. قال الله عزّ وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) والله الموفق.

<HR>

الحديث الثالث عشر
عَنْ أَبِيْ حَمْزَة أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ خَادِمِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري ومسلم

<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله: "لا َيُؤمِنُ أَحَدُكُمْ" أي لا يتم إيمان أحدنا، فالنفي هنا للكمال والتمام، وليس نفياً لأصل الإيمان.
فإن قال قائل: ما دليلكم على هذا التأويل الذي فيه صرف الكلام عن ظاهره؟
قلنا: دليلنا على هذا أن ذلك العمل لا يخرج به الإنسان من الإيمان، ولا يعتبر مرتدّاً، وإنما هو من باب النصيحة، فيكون النفي هنا نفياً لكمال الإيمان.
فإن قال قائل: ألستم تنكرون على أهل التأويل تأويلهم؟
فالجواب: نحن لا ننكر على أهل التأويل تأويلهم، إنما ننكر على أهل التأويل تأويلهم الذي لا دليل عليه، لأنه إذا لم يكن عليه دليلٌ صار تحريفاً وليس تأويلاً، أما التأويل الذي دلّ عليه الدليل فإنه يعتبر من تفسير الكلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "اللَّهُمَّ فَقِّههُ فِي الدِّيْنِ وَعَلِّمْهُ التَّأوِيْلَ"
فإن قال قائل: في قول الله تعالى: ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
المراد به: إذا أردت قراءة القرآن، فهل يعتبر هذا تأويلاً مذموماً، أو تأويلاً صحيحاً؟
والجواب: هذا تأويل صحيح، لأنه دلّ عليه الدليل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوّذ عند القراءة لا في آخر القراءة .
وعليه فلا ننكر التأويل مطلقاً، إنما ننكر التأويل الذي لا دليل عليه ونسميه تحريفاً.
"لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ" الإيمان في اللغة هو: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان والإيمان وهو مطابق للشرع وقيل: هو التصديق وفيه نظر؛ لأنه يقال: آمنت بكذا وصدقت فلاناً ولا يقال: آمنت فلاناً. فالإيمان في اللغة حقيقة : إقرار القلب بما يرد عليه، وليس التصديق.
وقد يرد الإيمان بمعنى التصديق بقرينة مثل قوله تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) على أحد القولين مع أنه يمكن أن يقال: فآمن له لوط أي انقاد له - أي إبراهيم - وصدّق دعوته.
أما الإيمان في الشرع فهوكما سبق في تعريفه في اللغة.
فمن أقرّ بدون قبول وإذعان فليس بمؤمن، وعلى هذا فاليهود والنصارى اليوم ليسوا بمؤمنين لأنهم لم يقبلوا دين الإسلام ولم يذعنوا.
ومحل الإيمان: القلب واللسان والجوارح، فالإيمان يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، أي أن قول اللسان يسمى إيماناً، وعمل الجوارح يسمى إيماناً، والدليل: قول الله عزّ وجل: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) قال المفسّرون: إيمانكم: أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "الإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَعْلاهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وأدنْاهَا إِمَاطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيْقِ وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيْمَانِ"
أعلاها قول: لا إله إلا الله، هذا قول اللسان.
وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق وهذا فعل الجوارح، والحياء عمل القلب. وأما القول بأن الإيمان محلّه القلب فقط، وأن من أقرّ فقد آمن فهذا غلط ولا يصحّ.
وقوله: "حَتَّى يُحَبَّ" (حتى) هذه للغاية، يعني: إلى أن "يُحَبَّ لأَخِيْه" والمحبة: لا تحتاج إلى تفسير، ولا يزيد تفسيرها إلا إشكالاً وخفاءً، فالمحبة هي المحبة، ولا تفسَّر بأبين من لفظها.
وقوله: "لأَخِيْهِ" أي المؤمن "مَا يُحبُّ لِنَفْسِهِ" من خير ودفع شر ودفاع عن العرض وغير ذلك.
* من فوائد الحديث :
.1جواز نفي الشيء لانتفاء كماله، لقول: "لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ" ومثله قوله: "لا يُؤمنُ مَنْ لا يَأَمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ"
.2وجوب محبة المرء لأخيه ما يحب لنفسه، لأن نفي الإيمان عن من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه يدل على وجوب ذلك، إذ لا يُنفى الإيمان إلا لفوات واجب فيه أو وجود ما ينافيه.
.3التحذير من الحسد، لأن الحاسد لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل يتمنّى زوال نعمة الله عن أخيه المسلم.
.4أنه ينبغي صياغة الكلام بما يحمل على العمل به، لأن من الفصاحة، صياغة الكلام بما يحمل على العمل به، والشاهد لهذا قوله: "لأَخِيهِ" لأن هذه يقتضي العطف والحنان والرّقة، ونظير هذا قول الله عزّ وجل في آية القصاص: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء) مع أنه قاتل، تحنيناً وتعطيفاً لهذا المخاطب.
فإن قال قائل: هذه المسألة قد تكون صعبة، أي: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، بمعنى: أن تحب لأخيك أن يكون عالماً، وأن يكون غنياً، وأن يكون ذا مال وبنين، وأن يكون مستقيماً، فقد يصعب هذا؟
فنقول: هذا لا يصعب إذا مرّنت نفسك عليه، مرّن نفسك على هذا يسهل عليك، أما أن تطيع نفسك في هواها فنعم سيكون هذا صعباً.
والله الموفق.
<!-- / message -->



<!-- message -->

الحديث الرابع عشر
َعنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ) رواه البخاري ومسلم. <HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>


الشرح
"لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" أي لا يحل قتله،وفسّرناها بذلك لأن هذا هو المعروف في اللغة العربية، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ دِمَاءَكَمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاَضَكُمْ عَليْكُمْ حَرَامٌ" .
وقوله: "امرِئٍ مُسْلِمٍ" التعبير بذلك لا يعني أن المرأة يحل دمها، ولكن التعبير بالمذكر في القرآن والسنة أكثر من التعبير بالمؤنث، لأن الرجال هم الذين تتوجه إليهم الخطابات وهم المعنيّون بأنفسهم وبالنساء.
وقوله: "مُسْلِمٍ" أي داخل في الإسلام.
"إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ" يعني بواحدة من الثلاث.
"الثَّيِّبُ الزَّانِي" فالثيب الزاني يحلّ دمه، والثيب هو : الذي جامع في نكاح صحيح، فإذا زنا بعد أن أنعم الله عليه بنعمة النكاح الصحيح صار مستحقاً للقتل، ولكن صفة قتله سنذكرها إن شاء الله تعالى في الفوائد.
ومفهوم قوله "الثَّيِّبُ" أن البكر لا يحل دمه إذا زنا، وهو الذي لم يجامع في نكاح صحيح.
"وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ" المقصود به القصاص، أي أنه إذا قتل إنسانٌ إنساناً عمداً قُتِلَ به بالشروط المعروفة.
"وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ" يعني بذلك المرتدّ بأي نوع من أنواع الرّدة.
وقوله: "المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ" هذا عطف بيان، يعني أن التارك لدينه مفارق للجماعة خارج عنها. * من فوائد الحديث :
.1احترام دماء المسلمين، لقوله: "لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ" وهذا أمر مجمع عليه دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع.
.2أن غير المسلم يحلّ دمه ما لم يكن معَاهَداً، أو مستأمِناً، أو ذميّاً، فإن كان كذلك فدمه معصوم.
والمعاهد: من كان بيننا وبينه عهد، كما جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش في الحديبية.
والمستأمن: الذي قدم من دار حرب لكن دخل إلينا بأمان لبيع تجارته أو شراء أو عمل، فهذا محترم معصوم حتى وإن كان من قوم أعداء ومحاربين لنا، لأنه أعطي أماناً خاصاً.
والذّميّ: وهو الذي يسكن معنا ونحميه ونذبّ عنه، وهذا هو الذي يعطي الجزية بدلاً عن حمايته وبقائه في بلادنا.
إذاً قوله: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" يخرج بذلك غير المسلم فإن دمه حلال إلا هؤلاء الثلاثة.
.3حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حيث يرد كلامه أحياناً بالتقسيم، لأن التقسيم يحصر المسائل ويجمعها وهو أسرع حفظاً وأبطأ نسياناً.
.4أن الثيب الزاني يقتل، برجمه بالحجارة، وصفته: أن يوقف ويرميه الناس بحجارة لا كبيرة ولا صغيرة، لأن الكبيرة تقتله فوراً فيفوت المقصود من الرّجم، والصغيرة يتعذّب بها قبل أن يموت، بل تكون وسطاً، فالثيب الزاني يرجم بالحجارة حتى يموت،سواء كان رجلاً أم امرأة.
فإن قال قائل: كيف تقتلونه على هذا الوجه، لماذا لا يقتل بالسيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ"؟
فالجواب : أنه ليس المراد بإحسان القتلة سلوك الأسهل في القتل، بل المراد بإحسان القتلة موافقة الشريعة، كما قال الله عزّ وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً ) فرجم الزاني من القتلة الحسنة، لموافقة الشريعة.
فإن قال قائل: ما الحكمة من كونه يقتل على هذا الوجه ؟
فالجواب: أن شهوة الجماع لا تختص بعضو معين، بل تشمل كل البدن، فلما تلذذ بدن الزاني المحصن بهذه اللذة المحرّمة كان من المناسب أن يذوق البدن كلّه ألم هذه العقوبة التي هي الحدّ، فالمناسبة إذاً ظاهرة.
لكن بماذا يثبت الزّنا ؟
الجواب: يثبت الزنا بشهادة أربعة رجال مرضيين أنهم رأوا ذكر الزاني في فرج المزني بها ولابدّ، والشهادة على هذا الوجه صعبة جداً، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: إنه لم يثبت الزنا بالشهادة قطّ، وهو في وقته.
والطريق الثاني لثبوت الزنا أن يقرّ الزاني بأنه زنا .
وهل يشترط تكرار الإقرار أربع مرات، أو يكفي الإقرار مرة واحدة، أو يفصل بين ما اشتهر وبين ما لم يشتهر؟
في هذا خلاف بين أهل العلم:
والأقرب أنه لا يشترط تكرار الإقرار، إلا إذا كان هناك شبهة، وإلا فأكبر بيّنة وأكبر دليل أن يقرّ الفاعل، فكيف يقرّ وهو بالغ عاقل يدري ما يقول ثم نقول: لا حكم لهذا الإقرار، فلو أقرّ ثلاث مرات لا نعتبره إقراراً.
فالصواب: أن الإقرار مرة واحدة يكفي إلا مع وجود شبهة.
وهل اللواط مثل الزنا؟
فالجواب: نعم مثل الزنا بل أخبث، فاللواط لا يشترط أن يكون اللائط أو الملوط به ثيباً، وإنما يشترط أن يكونا بالغين عاقلين، فإذا كانا بالغين عاقلين أقيم عليهما الحد.
والقول الصواب في هذا: إن الفاعل والمفعول به يجب قتلهما بكل حال، لأن هذه الجرثومة في المجتمع إذا شاعت وانتشرت فسد المجتمع كله، وكيف يمكن للإنسان المفعول به أن يقابل الناس وهو عندهم بمنزلة المرأة يُفعل به، فهذا قتل للمعنويات والرجولة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أجمع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به، وقد ورد فيه حديث: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بهِ"قال شيخ الإسلام: لكن الصحابة اختلفوا كيف يقتل الفاعل والمفعول به؟
فقيل:يحرقان بالنار، وروي هذا عن أبي بكر رضي الله عنه
وقال بعضهم: يرجمان كما يرجم الثيب الزاني
وقال آخرون: يصعد بهما إلى أعلى شاهق في البلد ثم يرميان ويتبعان بالحجارة بناء على أن قوم لوط فعل الله تعالى بهم هكذا.
وأهم شيء عندنا أنه لابد من قتل الفاعل والمفعول به على كل حال إذا كانا بالغين عاقلين، لأن هذا مرض فتّاك لا يمكن التحرّز منه، فأنت مثلاً لو رأيت رجلاً مع امرأة واستنكرت ذلك فممكن أن تقول: من هذه المرأة؟ لكن رجل مع رجل لا يمكن، فكل الرجال يمشي بعضهم مع بعض.
إذاً الثيب الزاني دمه حلال، ولكن إذا كان دمه حلالاً فهل لكل واحد أن يقيم عليه الحد؟
فالجواب: لا، ليس لأحد أن يقيم عليه الحد إلا الإمام أو من ينيبه الإمام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أُغْدُ يَا أَنِيْسُ إِلَى امْرأةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارجُمْهَا" ولو قلنا لكل إنسان أن يقتل هذا الزاني لأن دمه هدر لحصل من الفوضى والشر ما لا يعلمه إلا الله عزّ وجل،
الثاني ممن يباح دمه: "النَّفْسُ بالنَّفسِ" أي إذا قتل الإنسان شخصاً مكافئاً له في الدين والحرية والرّق قتل به.
وعلى قولنا: في الدين وهو أهم شيء لا يقتل المسلم بالكافر، لأن المسلم أعلى من الكافر، ويقتل الكافر بالمسلم لأنه دونه.
وهل يشترط أن لا يكون القاتل من أصول المقتول، أو لا يشترط؟
فالجواب: قال بعض أهل العلم إنه يشترط أن لا يكون القاتل من أصول المقتول والأصول هم: الأب والأم والجد والجدة وما أشبه ذلك، وقالوا: لا يقتل والد بولده واستدلّوا بحديث: "لا يُقتَلُ الوَالِدُ بوَلَدِهِ" وبتعليل قالوا: لأن الوالد هو الأصل في وجود الولد فلا يليق أن يكون الولد سبباً في إعدامه.
وجه ذلك: أن الوالد إذا قتل الولد ثم قتِلَ به فليس الولد هو السبب في إعدامه، بل السبب في إعدامه فعل الوالد القاتل، فهو الذي جنى على نفسه، وهذا القول هو الراجح لقوة دليله بالعمومات التي ذكرناها، ولأن هذا من أشدّ قطيعة الرحم، فكيف نعامل هذا القاطع الظالم المعتدي بالرّفق واللين، ونقول: لا قصاص عليه.
فالصواب: أن الوالد يقتل بولده سواء بالذكر كالأب، أو الأنثى كالأم.
"التَّارِكُ لدينِهِ" أي المرتدّ "المُفارقُ للجَمَاعَةِ" المراد بالجماعة أي جماعة المسلمين فالمرتد يقتل .
ولكن هل يستتاب قبل أن يقتل؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
والصحيح في الاستتابة: أنها ترجع إلى اجتهاد الحاكم، فإن رأى من المصلحة استتابته استتابه، وإلا فلا، لعموم قوله : "مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقتُلُوهُ" ولأن الاستتابة وردت عن الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا يختلف فقد يكون هذا الرجل الكافر أعلن كفره واستهتر فلا ينبغي أن نستتيبه، وقد يكون أخفى كفره وتاب إلى الله ورأينا منه محبة التوبة، فلكل مقام مقال.
وقولنا: يستتاب من تقبل توبته إشارة إلى أن المرتدين قسمان:
قسم تقبل توبتهم، وقسم لا تقبل.
قال أهل العلم: من عظمت ردته فإنه لا تقبل توبته بأن سب الله، أو سب رسوله، أو سب كتابه، أو فعل أشياء منكرة عظيمة في الردة، فإن توبته لا تقبل، ومن ذلك المنافق فإنه لا تقبل توبته.
وقيل: إن توبته مقبولة ولو عظمت ردته ولو سب الله أو رسوله أو كتابه ولو نافق، وهذا القول هو الراجح، لكن يحتاج إلى تأنٍّ ونظر: هل هذا الرجل يبقى مستقيماً أو لا؟
فإذا علمنا من حاله أنه صادق التوبة قبلنا توبته لعموم قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : "التَّوبَةُ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا"وهذا عام، وهذا القول هو الراجح وله أدلة.
اما المستهزئ فتقبل توبته بدليل قول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) ولا عفو إلا بالتوبة.
وفي المنافقين قال الله تعالى(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) .
فالصواب: أن كل كافر أصلي أو مرتدّ إذا تاب من أي نوع من الكفر فإن توبته مقبولة.
ولكن مثل هؤلاء يحتاجون إلى مراقبة أحوالهم: هل هم صادقون،أو هم يستهزؤون بنا؟ يقولون: إنهم رجعوا إلى الإسلام وهم لم يرجعوا.
وإذا تاب يرتفع عنه القتل، لأن إباحة قتله إنما كانت لكفره، فإذا قبلنا توبته ارتفع الكفر عنه فارتفع قتله إلا من سب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن توبته تقبل لكن يجب أن يقتل، ويقتل مسلماً بحيث نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه مع المسلمين، لكننا لا نبقيه حياً. ومن سب الله عزّ وجل إذا تاب فإنه لا يقتل.
فإن قال قائل: على ضوء هذا الكلام أيكون سب الله عزّ وجل دون سب الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
فالجواب: لا والله لا يكون، بل سب الله أعظم، لكن الله تعالى قد أخبرنا أنه عافٍ عن حقه إذا تاب العبد، فإذا تاب علمنا أن الله تاب عليه.
أما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل: من سبّني أو استهزأ بي ثم تاب فأنا أسقط حقي، وعلى هذا فنحن نقتله لأن سب الرسول صلى الله عليه وسلم حق آدمي لم نعلم أنه عفا عنه.
فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن أناس سبّوه في عهده وارتفع عنهم القتل؟
فالجواب: هذا لا يمنع ما قلنا به لأن الحق حقه، وإذا عفا علمنا أنه أسقط حقه فسقط، لكن بعد موته هل نعلم أنه أسقط حقه؟
الجواب: لا نعلم، ولا يمكن أن نقيس حال الموت على حال الحياة،لأننا نعلم أن هذا القياس فاسد، ولأننا نخشى أن يكثر سب الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته أعظم من هيبته بعد مماته. والله أعلم.
<HR>
الحديث الخامس عشر
عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرَاً أَو لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) رواه البخاري ومسلم. <HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>
الشرح
"مَنْ كَانَ يُؤمِنُ" هذه جملة شرطية، جوابها: "فَليَقُلْ خَيْرَاً أَو لِيَصْمُتْ" ، والمقصود بهذه الصيغة الحث والإغراء على قول الخير أو السكوت كأنه قال: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فقل الخير أو اسكت.
"فَلَيَقُلْ خَيرَاً" اللام للأمر، والخير نوعان:
خير في المقال نفسه، وخير في المراد به.
أما الخير في المقال: فأن يذكر الله عزّ وجل ويسبّح ويحمد ويقرأ القرآن ويعلم العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا خير بنفسه.
وأما الخير لغيره: فأن يقول قولاً ليس خيراً في نفسه ولكن من أجل إدخال السرور على جلسائه، فإن هذا خير لما يترتب عليه من الأنس وإزالة الوحشة وحصول الإلفة، لأنك لو جلست مع قوم ولم تجد شيئاً يكون خيراً بذاته وبقيت صامتاً من حين دخلت إلى أن قمت صار في هذا وحشة وعدم إلفة، لكن تحدث ولو بكلام ليس خيراً في نفسه ولكن من أجل إدخال السرور على جلسائك، فإن هذا خير لغيره.
" أو لِيَصْمُتْ" أي يسكت.
"وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ" أي جاره في البيت، والظاهر أنه يشمل حتى جاره في المتجر كجارك في الدكان مثلاً، لكن هو في الأول أظهر أي الجار في البيت، وكلما قرب الجار منك كان حقه أعظم.
وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم الإكرام فقال: "فليُكْرِم جَارَهُ" ولم يقل مثلاً بإعطاء الدراهم أو الصدقة أو اللباس أو ما أشبه هذا، وكل شيء يأتي مطلقاً في الشريعة فإنه يرجع فيه إلى العرف، وفي المنظومة الفقهية
وكلُّ ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف أحدد فالإكرام إذاً ليس معيناً بل ما عدّه الناس إكراماً، ويختلف من جار إلى آخر، فجارك الفقير ربما يكون إكرامه برغيف خبز، وجارك الغني لا يكفي هذا في إكرامه، وجارك الوضيع ربما يكتفي بأدنى شيء في إكرامه، وجارك الشريف يحتاج إلى أكثر
والجار: هل هو الملاصق، أو المشارك في السوق، أو المقابل أو ماذا؟
هذا أيضاً يرجع فيه إلى العرف، لكن قد ورد أن الجار أربعون داراً من كل جانب ،وهذا في الوقت الحاضر صعب جداً.
في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعون داراً مساحتهم قليلة، لكن في عهدنا أربعون داراً قرية، فإذا قلنا إن الجار أربعون داراً والبيوت قصور صار فيها صعوبة، ولهذا نقول: إن صح الحديث فهو مُنَزَّل على الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يصح رجعنا إلى العرف.
" وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَليُكرِمْ ضَيْفَهُ" الضيف هو النازل بك، كرجل مسافر نزل بك، فهذا ضيف يجب إكرامه بما يعد إكراماً.
* من فوائد الحديث :
.1وجوب السكوت إلا في الخير، لقوله: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَليَقُلْ خَيرَاً أو لِيَصمُتْ" هذا ظاهر الحديث، ولكن ظاهر أحوال الناس أن ذلك ليس بواجب، وأن المقال ثلاثة أقسام: خير، وشر، ولغو.
فالخير: هو المطلوب. والشر: محرم، أي أن يقول الإنسان قولاً شراً سواء كان القول شراً في نفسه أو شراً فيما يترتب عليه. واللغو: ما ليس فيه خير ولا شرّ فلا يحرم أن يقول الإنسان اللغو، ولكن الأفضل أن يسكت عنه.
.2الحث على حفظ اللسان لقوله: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيرَاً أَوْ لِيَصْمُتْ"
.3وجوب إكرام الجار لقوله: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَليُكرِمْ جَارَهُ" وهذا الإكرام مطلق يرجع فيه إلى العرف،
.4أن دين الإسلام دين الألفة والتقارب والتعارف بخلاف غيره .
.5وجوب إكرام الضيف بما يعد إكراماً، وذلك بأن تتلقاه ببشر وسرور، وتقول: ادخل حياك الله وما أشبه ذلك من العبارات.
وظاهر الحديث أنه لا فرق بين الواحد والمائة، لأن كلمة (ضيف) مفرد مضاف فيعم، فإذا نزل بك الضيف فأكرمه بقدر ما تستطيع.
لكن إذا كان بيتك ضيقاً ولا مكان لهذا الضيف فيه ولست ذا غنى كبير بحيث تعد بيتاً للضيوف، فهل يكفي أن تقول: يا فلان بيتي ضيق والعائلة ربما إذا دخلت أقلقوك، ولكن خذ مثلاً مائة ريال أو مائتين - حسب الحال - تبيت بها في الفندق فهل يكفي هذا أو لا يكفي ؟
الجواب: للضرورة يكفي، وإلا فلا شك أنك إذا أدخلته البيت ورحبت به وانطلق وجهك معه أنه أبلغ في الإكرام،ولكن إذا دعت الضرورة إلى مثل ما ذكرت فلا بأس، فهذا نوع من الإكرام، والله أعلم.
<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:34 AM
الحديث السادس عشر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : أَوصِنِيْ، قَال : لاَ تَغْضَبْ. رواه البخاري <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>


الشرح
لم يبيَّن هذا الرجل، وهذا يأتي كثيراً في الأحاديث لا يبيّن فيها المبهم، وذلك لأن معرفة اسم الرجل أو وصفه لا يُحتاج إليه، فلذلك تجد في الأحاديث: أن رجلاً قال كذا، وتجد بعض العلماء يتعب تعباً عظيماً في تعيين هذا الرجل، والذي أرى أنه لا حاجة للتعب مادام الحكم لا يتغير بفلان مع فلان.
" قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوصِنِي" الوصية: هي العهد إلى الشخص بأمر هام، كما يوصي الرجل مثلاً على ثلثه أو على ولده الصغير أو ما أشبه ذلك.
" قَالَ: لا َتَغْضَبْ" الغضب: بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم فيغلي القلب، ولذلك يحمرّ وجهه وتنتفخ أوداجه وربما يقف شعره.
فهل مراد الرسول صلى الله عليه وسلم" لاَ تَغْضَبْ "أي لا يقع منك الغضب، أو المعنى: لا تنفذ الغضب ؟
لننظر: أما الأول فإن ضبطه صعب،لأن الناس يختلفون في هذا اختلافاً كبيراً، لكن لا مانع أن نقول: أراد قوله: "لاَ تَغْضَبْ" أي الغضب الطبيعي، بمعنى أن توطن نفسك وتبرّد الأمر على نفسك.
وأما المعنى الثاني: وهو أن لا تنفذ مقتضى الغضب فهذا حق، فينهى عنه.
إذاً كلمة "لاَ تَغْضَبْ" هل هي نهي عن الغضب الذي هو طبيعي أو هي نهي لما يقتضيه الغضب ؟
إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: "لاَ تَغْضَبْ" أي الغضب الطبيعي، لكن هذا فيه صعوبة، وله وجه يمكن أن يحمل عليه بأن يقال: اضبط نفسك عند وجود السبب حتى لا تغضب.
والمعنى الثاني لقوله: لاَ تَغْضَبْ أي لا تنفذ مقتضى الغضب، فلو غضب الإنسان وأراد أن يطلّق امرأته، فنقول له: اصبر وتأنَّ.
فَرَدَّدَ الرَّجُلُ مِرَارَاً ، - أَيْ قَالَ: أَوْصِنِي - قَالَ: "لاَ تَغْضَبْ"
* من فوائد الحديث :
.1حرص الصحابة رضي الله عنهم على ما ينفع، لقوله: "أَوصِنِيْ" ، والصحابة رضي الله عنهم إذا علموا الحق لا يقتصرون على مجرّد العلم، بل يعملون،
.2 أن المخاطب يخاطب بما تقتضيه حاله وهذه قاعدة مهمة، فإذا قررنا هذا لا يرد علينا الإشكال الآتي وهو أن يقال: لماذا لم يوصه بتقوى الله عزّ وجل،كما قال الله عزّ وجل: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ )
فالجواب: أن كل إنسان يخاطب بما تقتضيه حاله، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عرف من هذا الرجل أنه غضوب فأوصاه بذلك.
فهذه القاعدة التي ذكرناها يدل عليها جواب النبي صلى الله عليه وسلم ، أي أن يوصى الإنسان بما تقتضيه حاله لا بأعلى ما يوصى به، لأن أعلى ما يوصى به غير هذا.
.3النهي عن الغضب، لقوله: "لاَ تَغْضَبْ" لأن الغضب يحصل فيه مفاسد عظيمة إذا نفذ الإنسان مقتضاه،
فإن قال قائل: إذا وجد سبب الغضب، وغضبَ الإنسان فماذا يصنع؟
نقول: هناك دواء - والحمد لله - لفظي وفعلي .
أما الدواء اللفظي: إذا أحس بالغضب فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وأما الدواء الفعلي: إذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً فليضطّجع،لأن تغير حاله الظاهر يوجب تغير حاله الباطن، فإن لم يفد فليتوضّأ، لأن اشتغاله بالوضوء ينسيه الغضب، ولأن الوضوء يطفئ حرارة الغضب.
وهل يقتصر على هذا؟
الجواب: لا يلزم الاقتصار على هذا، قد نقول إذا غضبت فغادر المكان، وكثير من الناس يفعل هذا، أي إذا غضب خرج من البيت حتى لا يحدث ما يكره فيما بعد .
.4أن الدين الإسلامي ينهى عن مساوئ الأخلاق لقوله: "لاَ تَغضبْ" والنهي عن مساوئ الأخلاق يستلزم الأمر بمحاسن الأخلاق، فعوّد نفسك التحمل وعدم الغضب، فقد كان الأعرابي يجذب رداء النبي صلى الله عليه وسلم حتى يؤثر في رقبته صلى الله عليه وسلم ثم يلتفت إليه ويضحك فعليك بالحلم ما أمكنك ذلك حتى يستريح قلبك وتبتعد عن الأمراض الطارئة من الغضب كالسكر، والضغط وما أشبهه. والله المستعان
<HR>

الحديث السابع عشر
عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيْحَتَهُ) رواه مسلم <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>


الشرح
" إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانُ عَلَى كُلِّ شَيء" أي في كل شيء، ولم يقل: إلى كل شيء،بل قال: على كل شيء، يعني أن الإحسان ليس خاصاً بشيء معين من الحياة بل هو في جميع الحياة.
ثم ضرب أمثلة فقال: "فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ" والفرق بينهما: أن المقتول لا يحل بالقتل كما لو أراد إنسان أن يقتل كلباً مؤذياً، فنقول: أحسن القتلة. وكذا إذا أراد أن يقتل ثعباناً فنقول: أحسن القتلة، وإذا ذبح فنقول: أحسن الذبحة، وهذا فيما يؤكل، أي يحسن الذبحة بكل ما يكون فيه الإحسان، ولهذا قال: "وَليُحدّ أحدكم شَفْرَته" أي السكين، وحدُّها يعني حكها حتى تكون قوية القطع، أي يحكها بالمبرد أو بالحجر أو بغيرهما حتى تكون حادة يحصل بها الذبح بسرعة.
" وَلْيُرِحْ ذَبِيْحَتَهُ" اللام للأمر، أي وليرح ذبيحته عند الذبح بحيث يمر السكين بقوة وسرعة .
* من فوائد الحديث :
.1رأفة الله عزّ وجل بالعباد، وأنه كتب الإحسان على كل شيء.
.2الحث على الإحسان في كل شيء، لأن الله تعالى كتب ذلك أي شرعه شرعاً مؤكداً.
.3أنك إذا قتلت شيئاً يباح قتله فأحسن القتلة، ولنضرب لهذا مثلاً: رجل آذاه كلب من الكلاب وأراد أن يقتله، فله طرق في قتله كأن يقتله بالرصاص، أو برضّ الرأس، أو بإسقائه السم، أو بالصعق بالكهرباء، أنواع كثيرة من القتل، فنقتله بالأسهل، وأسهلها كما قيل: الصعق بالكهرباء، لأن الصعق بالكهرباء لا يحس المقتول بأي ألم ولكن تخرج روحه بسرعة من غير أن يشعر، فيكون هذا أسهل شيء.
يستثنى من ذلك القصاص، ففي القصاص يُفعل بالجاني كما فُعِل بالمقتول .
.4أن الله عزّ وجل له الأمر وإليه الحكم، لقوله: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ" وكتابة الله تعالى نوعان: كتابة قدرية، وكتابة شرعية.
الكتابة القدرية لابد أن تقع، والكتابة الشرعية قد تقع من بني آدم وقد لا تقع.
مثال الأول: قول الله تعالى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) فهذه كتابة قدرية.
ومثال الثاني: قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) أي كتب كتابة شرعية.
.5أن الإحسان شامل في كل شيء، كل شيء يمكن فيه ا لإحسان لقوله: إِنَّ الله كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كِلِّ شَيء "
.6حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال، لأن الأمثلة تقرّب المعاني في قوله: إِذَا قَتَلتُمْ.. إِذَا ذَبَحْتُمْ .
.7وجوب إحسان القِتلة،لأن هذا وصف للهيئة لا للفعل.
وإحسان القتلة على القول الراجح هو إتباع الشرع فيها سواء كانت أصعب أو أسهل .
.8أن نحسن الذبحة، بأن نذبحها على الوجه المشروع، والذبح لابد فيه من شروط:
(1) أهلية الذابح بأن يكون مسلماً أو كتابياً، فإن كان وثنياً لم تحل ذبيحته، وإن كان مرتدّاً لم تحل ذبيحته، وعلى هذا فتارك الصلاة لا تحل ذبيحته لأنه ليس مسلماً ولا كتابياً.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن ذبيحة الكتابي حلال؟
فالجواب: قول الله عزّ وجل: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: طعامهم: ما ذبحوه، والكتابي: هو اليهودي أو النصراني
(2) أن تكون الآلة مما يباح الذبح بها، وهي: كل ما أنهر الدم من حديد أو فضة أو ذهب أو حصى أو قصب، أي شيء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُل "ومعنى: أَنْهَرَ الدَّمَ أي أساله. فلو أن إنساناً ذبح بحجر له حد وأنهر الدم، فالذبيحة حلال، إلا أنه يستثنى شيئان:
السن، والظفر، علل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: "أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظِّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَة " أي سكاكين الحبشة.
قوله: "أَمَّا السِّنُّ فَعَظمٌ" أخذ من هذا بعض أهل العلم أن جميع العظام لا تحلّ الذكاة بها، قالوا: لأن العلة أعم من المعين وهو المعلول، لأنه لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتصر على السن لقال: أما السن فسن، لكن قال: "أَمَّا السِّنُّ فَعَظمٌ" فالعلة أعم، وعلى هذا فجميع العظام لا تحل التذكية بها.
والحكمة واضحة، لأن العظم إن كان من ميتة فلا يصح أن يُذكى به، لأن التذكية تطهير والميتة نجسة. وإن كان العظم من طاهرة كعظم شاة مذكاة فلا تحل التذكية به، لأن عظم المذكاة طعام الجن، والتذكية به يفسده على الجن، لأنه سوف يتلوث بالدم النجس، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للجن الذين وفدوا عليه: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ تَجِدُونَهُ أَوفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمَاً ".
قد يقول قائل: أنا أمر بالعظام تلوح ليس عليها لحم، فما الجواب؟
الجواب سهل: أولاً: نقول: أتؤمن بالله ورسوله؟ فسيقول: نعم، نقول: هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليك أن تؤمن بذلك، سواء رأيت أم لم ترَ.
ثانياً: عالم الجن عالم غيبي، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي لم يصل الصبح أنه: بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ.
إذاً يستثنى مما ينهر الدم كل عظم.
أما الظفر: فقد علل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه مُدى الحبشة، أي سكاكينها، ونحن منهيون أن نتشبه بالأعاجم، والحبشة أعاجم حيث دخلت عليهم العربية بعد الفتوحات الإسلامية.
فإذا قال قائل: لو وجدنا سكاكين لا يستعملها إلا الحبشة فهل تحل التذكية بها؟
فالجواب: نعم.
فإذا قال قائل: كيف تقولون العبرة بعموم العلة في قوله: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ولا تقولون بعموم العلة هنا؟
فالجواب: أن أظفار الحبشة متصلة بالبدن، وجعلها مدى يستلزم أن لا تقص ولا تقلم، وهذا خلاف الفطرة، لأن الإنسان إذا عرف أن أظافره ستكون مدى سيبقيها، لأنه ربما يحتاجها، فتبين الفرق.
وهذا تحذير من النبي صلى الله عليه وسلم عن مشابهة الأعاجم، وعن اتخاذ الأظافر.
(3) إنهار الدم أي إسالته، ويكون إنهار الدم بقطع الودجين وهما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم، وهذان العرقان متصلان بالقلب فإذا قطعا انهال الدم بكثرة وغزارة، ثم ماتت الذبيحة بسرعة.
والدليل على إنهار الدم قول النبي صلى الله عليه وسلم : "مَا أَنهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ فاشترط إنهار الدم".
هل يشترط مع قطع الودجين قطع الحلقوم والمريء، لأن الذي في الرقبة أربعة أشياء: الودجان - اثنان - والحلقوم، والمريء، فهل يشترط قطع الأربعة؟
فالجواب: قطع الأربعة لاشك أنه أولى وأطهر وأذكى، لكن لو اقتصر على قطع الودجين فالصحيح أن الذبيحة حلال، ولو اقتصر على قطع المريء والحلقوم فالصحيح أنها حرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح ولا تفرى أوداجها.
وهل يشترط أن يكون قطع الحلقوم من نصف الرقبة، أو من أسفلها، أومن أعلاها؟
الجواب: لا يشترط، المهم أن يكون ذلك في الرقبة سواء من أعلاها مما يلي الرأس، أو من أسفلها مما يلي النحر، أو من وسطها.
(4) ذكر اسم الله عليها عند الذبح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَا أَنهرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ فإذا كان إنهار الدم شرطاً فكذلك التسمية شرط،بل إن الله تعالى أكد هذا بقوله: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنه لفِسْقُ) فإذا ذبح إنسان ذبيحة ولم يسمّ فالذبيحة حرام.
فإذا نسي أن يسمي فإنها حرام، لأن الشرط لا يسقط بالنسيان بدليل أن الرجل لو صلى محدثاً ناسياً فصلاته غير صحيحة، ولأن الله تعالى قال: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وأطلق بالنسبة للذابح.
فإذا قال قائل: فهمنا أن التسمية شرط، وأنه لو تركها سهواً أو نسياناً أو عمداً فالذبيحة حرام، لكن ماذا تقولون في قول الله تعالى: ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) فقال الله: قد فعلت؟
نقول: نحن لا نؤاخذ هذا الذي ذبح الذبيحة ونسي أن يسمّي، ونقول: ليس عليه إثم، لكن بقي الآكل إذا جاء يريد أن يأكل من هذه وسأل: أذكر اسم الله عليها أم لا؟
فيقال له: لم يذكر اسم الله عليها، إذاً لا يأكل، لكن لو فرض أن هذا أكل من هذه الذبيحة ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه.
فإن قال قائل:إذا قلتم إن هذه البعير التي تساوي ألف ريال بأنها حرام لمَّا نسي أن يسمي عليها فإنه يلزم منه أن تفسدوا أموال الناس؟
فالجواب: نحن لم نُضع المال، لأن كل شيء متروك بأمر الله فتركه ليس إضاعة،بل هو طاعة لله عزّ وجل، ألسنا نطيع الله ونعطي الزكاة وهي ربع عشر أموالنا، ، فما دمنا تركنا هذه الذبيحة التي لم يسمّ الله عليها فإننا لم نضع المال في الواقع، بل وضعناه في حلِّه ومَحلِّه
ثانياً: إذا حرمناه من الذبيحة هذه المرة فلا يمكن أن ينسى بعد ذلك أبداً، بل يمكن أن يسمي عشر مرات .
ولدينا آية محكمة قال الله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)
يستثنى من قولنا: أن يقطع الودجين وهما في الرقبة ما ليس مقدوراً عليه من الحيوان،فالذي ليس مقدوراً عليه يحل بطعنه في أي موضع كان من بدنه، فلو ندّ لنا بعير - أي هرب - وعجزنا عن إدراكه ورميناه بالرصاص وأصابت الرصاصة بطنه وخرقت قلبه ومات، فإنه يكون حلالاً لأنه غير مقدور عليه.
ومن فوائد هذا الحديث:
.1وجوب حد الشفرة، لأن ذلك أسهل للذبيحة، فإن ذبح بشفرة كالّة أي ليست بجيدة ولكن قطع ما يجب قطعه فالذبيحة حلال لكنه آثم حيث لم يحد الشفرة.
وهل يحد الشفرة أمام الذبيحة؟
الجواب: لا يحد الشفرة أمامها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم ،أي تغطى.
ولأنه إذا حدها أمامها فهي تعرف، ولهذا أحياناً إذا حد الشفرة أمام الذبيحة هربت خوفاً من الذبح وعجزوا عنها.
.2وجوب إراحة الذبيحة وذلك بسرعة الذبح، فلا يبقى هكذا يحرحر بل بسرعة لأنه أريح لها.
ويبقى النظر: هل نجعل قوائمها الأربع مطلقة، أو نمسك بها؟
فالجواب: نجعلها مطلقة ونضع الرِّجل على صفحة العنق لئلا تقوم، وتبقى الأرجل والأيدي مطلقة، فهذا أريح للذبيحة من وجه، وأشد إفراغاً للدم من وجه آخر، لأنه مع الحركة والاضطراب يخرج الدم.
فإن قال قائل: هل من إراحتها ما يفعله بعض الناس بأن يكسر عنقها قبل أن تموت من أجل سرعة الموت؟
فالجواب: لا يجوز هذا، لأن في كسر عنقها إيلاماً شديداً لها،
.3إذا أراد الإنسان أن يؤدب أهله، أو ولده فليؤدب بإحسان؟
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: " وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَن لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدَاً تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضرِبُوهُنَّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرِّح " فنقول:حتى في التأديب إذا أدبت فأحسن التأديب ولاتؤدّب بعنف. والله أعلم
<!-- / message -->



الحديث الثامن عشر
عَنْ أَبِيْ ذَرٍّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذِ بِنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ " رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسنٌ صحيح.
<HR style="COLOR: #ff0000" SIZE=1>

الشرح
قوله: "اتَّقِ اللهَ" أي اتخذ وقاية من عذاب الله عز وجل، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
"حَيْثُمَا كُنْتَ" حيث: ظرف مكان، أي في أي مكان كنت سواء في العلانية أو في السر، وسواء في البيت أو في السوق، وسواء عندك أناس أو ليس عندك أناس.
" وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا" (أتبع) فعل أمر، و (السيئة) مفعول أول، و(الحسنة) مفعول ثان.
" تَمْحُهَا" جواب الأمر، ولهذا جزمت،
والمعنى: إذا فعلت سيئة فأتبعها بحسنة،فهذه الحسنة تمحو السيئة.
واختلف العلماء - رحمهم الله - هل المراد بالحسنة التي تتبع السيئة هي التوبة، فكأنه قال: إذا أسأت فتب، أو المراد العموم؟
الصواب: الثاني، أن الحسنة تمحو السيئة وإن لم تكن توبة، دليل هذا قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات)
" وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا" فبين النتيجة هي أنها تمحوها.
" وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" أي عامل الناس بخلق حسن.
والخُلُق: هو الصفة الباطنة في الإنسان، والخَلْقُ: هو الصفة الظاهرة،والمعنى: عامل الناس بالأخلاق الحسنة بالقول وبالفعل.
فما هو الخلق الحسن؟
قال بعضهم: الخلق الحسن: كف الأذى، وبذل الندى، والصبر على الأذى - أي على أذى الغير - والوجه الطلق.
وضابط ذلك ما ذكره الله عزّ وجل في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ ) أي خذ ما عفا وسهل من الناس، ولاترد من الناس أن يأتوك على ما تحب لأن هذا أمر مستحيل، لكن خذ ما تيسر(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وهل الخلق الحسن جِبْلِيٌّ أو يحصل بالكسب؟
الجواب: بعضه جبلي، وبعضه يحصل بالكسب .
من فوائد هذا الحديث:
.1وجوب تقوى الله عزّ وجل حيثما كان الإنسان، لقوله: "اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ" وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه سواء كنت في العلانية أو في السر.
وأيهما أفضل: أن يكون في السر أو في العلانية؟
وفي هذا تفصيل: إذا كان إظهارك للتقوى يحصل به التأسّي والإتباع لما أنت عليه فهنا إعلانها أحسن وأفضل، ولهذا مدح الله الذين ينفقون سرّاً وعلانية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ"
أما إذا كان لا يحصل بالإظهار فائدة فالإسرار أفضل،لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يظلّهم الله في ظله: "رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ ".
وهل الأفضل في ترك المعاصي إعلانه أو إسراره؟
يقال فيه ما قيل في الأوامر
فإن قال قائل: قوله صلى الله عليه وسلم : "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ" هل يشمل فعل الأوامر في أماكن غير لائقة كالمراحيض مثلاً؟
الجواب: لا تفعل الأوامر في هذه الأماكن، ولكن انوِ بقلبك أنك مطيع لله عزّ وجل ممتثل لأمره مجتنب لنهيه.
.2أن الحسنات يذهبن السيئات لقوله: أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا.
.3فضل الله عزّ وجل على العباد وذلك لأننا لو رجعنا إلى العدل لكانت الحسنة لا تمحو السيئة إلا بالموازنة، وظاهر الحديث العموم.
وهل يُشترط أن ينوي بهذه الحسنة أنه يمحو السيئة التي فعل؟
فالجواب: ظاهر الحديث: لا، وهذا من نعمة الله عزّ وجل على العباد ومن مقتضى كون رحمته سبقت غضبه.
.4الحث على مخالقة الناس بالخلق الحسن، لقوله: "وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".
فإن قيل: معاملة الناس بالحزم والقوة والجفاء أحياناً هل ينافي هذا الحديث أو لا؟
فالجواب: لا ينافيه، لأنه لكل مقام مقال، فإذا كانت المصلحة في الغلظة والشدة فعليك بها، وإذا كان الأمر بالعكس فعليك باللين والرفق، وإذا دار الأمر بين اللين والرفق أو الشدة والعنف فعليك باللين والرفق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ اللهَ رَفِيْقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ"والله الموفّق.

<HR>

الحديث التاسع عشر
عَنْ أَبِي عَبَّاسٍ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يَومَاً فَقَالَ: (يَا غُلاَمُ إِنّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظِ اللهَ يَحفَظك، احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَاَ سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّة لو اجْتَمَعَت عَلَى أن يَنفَعُوكَ بِشيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك، وإِن اِجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضروك إلا بشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفعَت الأَقْلامُ، وَجَفّتِ الصُّحُفُ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح - وفي رواية - غير الترمذي: ( اِحفظِ اللهَ تَجٍدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعرِفْكَ في الشّدةِ، وَاعْلَم أن مَا أَخطأكَ لَمْ يَكُن لِيُصيبكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُن لِيُخطِئكَ، وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَربِ، وَأَنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً)
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله "كُنْتُ خَلْفَ النبي" يحتمل أنه راكب معه ويحتمل أنه يمشي خلفه،وأياً كان فالمهم أنه أوصاه بهذه الوصايا العظيمة.
" يَا غُلامُ" لأن ابن عباس رضي الله عنهما كان صغيراً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وابن عباس قد ناهز الاحتلام يعني من الخامسة عشر إلى السادسة عشر أو أقل .
قال: "إني أُعَلمُكَ كَلِمَاتٍ" قال ذلك من أجل أن ينتبه لها "اِحْفَظِ اللهَ يَحفَظكَ" هذه كلمة عظيمة جليلة واحفظ تعني احفظ حدوده وشريعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه وكذلك بأن تتعلم من دينه ما تقوم به عبادتك ومعاملاتك وتدعو به إلى الله عزّ وجل، واحفظ الله يحفظك في دينك وأهلك ومالك ونفسك لأن الله سبحانه وتعالى يجزي المحسنين بإحسانه وأهم هذه الأشياء هو أن يحفظك في دينك ويسلمك من الزيغ والضلال لأن الإنسان كلما اهتدى زاده الله عزّ وجل هدى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، وعُلِمَ من هذا أن من لم يحفظ الله فإنه لا يستحق أن يحفظه الله عزّ وجل وفي هذا الترغيب على حفظ حدود الله عزّ وجل .
الكلمة الثانية قال "احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تجَاهَكْ" ونقول في قوله: احْفَظِ اللهَ كما قلنا في الأولى، ومعنى تجده تجاهك وأمامك معناهما واحد يعني تجد الله عزّ وجل أمامك يدلك على كل خير ويقربك إليه ويهديك إليه ويذود عنك كل شر ولا سيما إذا حفظت الله بالاستعانة به فإن الإنسان إذا استعان بالله عزّ وجل وتوكل عليه كان الله حسبه ولا يحتاج إلى أحد بعد الله قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين ولهذا قال: "احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجَاهَكَ" .
الكلمة الثالثة: "إذَا سَألْتَ فَاسْأَل اللهِ" إذا سالت حاجة فلا تسأل إلا الله عزّ وجل ولا تسأل المخلوق شيئاً وإذا قدر أنك سألت المخلوق ما يقدر عليه فاعلم أنه سبب من الأسباب وأن المسبب هو الله عزّ وجل لو شاء لمنعه من إعطائك سؤالك فاعتمد على الله تعالى.
الكلمة الرابعة: "وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ" فإذا أردت العون وطلبت العون من أحد فلا تطلب العون إلا من الله عزّ وجل، لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وهو يعينك إذا شاء وإذا أخلصت الاستعانة بالله وتوكلت عليه أعانك، وإذا استعنت بمخلوق فيما يقدر عليه فاعتقد أنه سبب، وأن الله هو الذي سخره لك. وفي هاتين الجملتين دليل على أنه من نقص التوحيد أن الإنسان يسأل غير الله، ولهذا تكره المسألة لغير الله عزّ وجل في قليل أو كثير،
الكلمة الخامسة: "وَاعْلَم أَنَّ الأُمّة لو اجْتَمَعَت عَلَى أن يَنفَعُوكَ بِشيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك" الأمة كلها من أولها إلى آخرها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وعلى هذا فإن نفع الخلق الذي يأتي للإنسان فهو من الله في الحقيقة لأنه هو الذي كتبه له وهذا حث لنا على أن نعتمد على الله عزّ وجل ونعلم أن الأمة لا يجلبون لنا خيراً إلا بإذن الله عزّ وجل.
الكلمة السادسة : "وإِن اِجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضروك إلا بشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ" وعلى هذا فإن نالك ضرر من أحد فاعلم أن الله قد كتبه عليك فارض بقضاء الله وبقدره،
الكلمة السابعة: "رُفعَت الأَقْلامُ، وَجَفّت الصُّحُفُ" يعني أن ما كتبه الله عزّ وجل قد انتهى فالأقلام رفعت والصحف جفت ولا تبديل لكلمات الله .
قوله رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي: "اِحفظِ اللهَ تَجدهُ أَمَامَكَ" وهذا بمعنى "احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعرِفُكَ في الشّدةِ" يعني قم بحق الله عزّ وجل في حال الرخاء وفي حال الصحة وفي حال الغنى يَعرِفكَ في الشّدةِ إذا زالت عنك الصحة وزال عنك الغنى واشتدت حاجتك عرفك بما سبق لك أو بما سبق فعل الخير الذي تعرفت به إلى الله عزّ وجل."وَاعْلَم أَنَّ مَا أَخطَأَكَ لَمْ يَكُن ليُصيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَم يَكُن ليُخطِئُكَ" أي ما وقع عليك فلن يمكن دفعه، وما لم يحصل لك فلا يمكن جلبه، ويحتمل أن المعنى، يعني أن ما قدر الله عزّ وجل أن يصيبك فإنه لا يخطئك، بل لابد أن يقع لأن الله قدره.
وأن ما كتب الله عزّ وجل أن يخطئك رفعه عنك فلن يصيبك أبداً، فالأمر كله بيد الله،وهذا يؤدي إلى أن يعتمد الإنسان على ربه اعتماداً كاملاً ثم قال: "وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ" فهذه الجملة فيها الحث على الصبر، من أجل أن ينال النصر، والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة
وقوله: "وَاعْلَمْ أَن الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ" الفرج انكشاف الشدة والكرب، فكلما اكتربت الأمور فإن الفرج قريب، لأن الله عزّ وجل يقول في كتابه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء) فكل يسر بعد عسر بل إن العسر محفوف بيسرين ، يسر سابق ويسر لاحق قال الله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) ، قال ابن عباس رضي الله عنه "لَن يَغلُبَ عسرٌ يُسرَين" .
* من فوائد الحديث :
.1ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لمن هو دونه حيث قال: "يَا غُلام إني أُعَلِمُكَ كَلِماتٍ".
.2أنه ينبغي لمن ألقي كلاماً ذا أهمية أن يقدم له ما يوجب لفت الانتباه، حيث قال: "يَا غُلاَمُ إني أُعَلِمُكَ كَلِماتٍ".
.3أن من حفظ الله حفظه الله لقوله: " احفَظ الله يَحفَظكَ".
.4أن من أضاع الله - أي أضاع دين الله - فإن الله يضيعه ولا يحفظه،
.5أن الإنسان إذا احتاج إلى معونة فليستعن بالله، ولكن لا مانع أن يستعين بغير الله ممن يمكنه أن يعينه
.6أن الأمة لن تستطيع أن تنفع أحداً إلا إذا كان الله قد كتبه له، ولن يستطيعوا أن يضروا أحداً إلا أن يكون الله تعالى قد كتب ذلك عليه.
.7أنه يجب على المرء أن يكون معلقاً رجاءه بالله عزّ وجل وأن لايلتفت إلى المخلوقين
.8أن كل شيء مكتوب منتهٍ منه، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عزّ وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنه.
.9في الرواية الأخرى أن الإنسان إذا تعرف إلى الله عزّ وجل بطاعته في الصحة والرخاء عرفه الله تعالى في حال الشدة فلطف به وأعانه وأزال شدته.
.10أن الإنسان إذا كان قد كتب الله عليه شيئاً فإنه لا يخطئه، وأن الله عزّ وجل إذا لم يكتب عليه شيئاً فإنه لا يصيبه.
.11البشارة العظيمة للصابرين، وأن النصر مقارن للصبر.
.12فيه البشارة العظيمة أيضاً بأن تفريج الكربات وإزالة الشدائد مقرون بالكرب،
.13البشارة العظيمة أن الإنسان إذا أصابه العسر فلينتظر اليسر،
.14تسلية العبد عند حصول المصيبة، وفوات المحبوب على أحد المعنيين في قوله: "وَاعْلَم أن مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُن لِيُخطِئكَ ، وَمَا أخطأَكَ لَمْ يَكُن لِيصيبَك" فالجملة الأولى تسلية في حصول المكروه،والثانية تسلية في فوات المحبوب. والله الموفق.
<HR>

الحديث العشرون
عَنْ أَبيْ مَسْعُوْدٍ عُقبَة بنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ البَدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (إِنَّ مِمَّا أَدرَكَ النَاسُ مِن كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذا لَم تَستَحْيِ فاصْنَعْ مَا شِئتَ) رواه البخاري.
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>


الشرح
وقوله: "إِنَّ مِما أَدرَكَ الناسُ" (من) هنا للتبعيض، أي إن بعض الذي أدركه الناس من كلام النبوة الأولى... الخ.
وقوله: النبوَةِ الأُولَى يعني السابقة، فيشمل النبوة الأولى على الإطلاق، والنبوة الأولى بالنسبة لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم فعليه نفسر : النبوَةِ الأُولَى أي السابقة .
"إذا لَم تَستَحْيِ فَاصْنَع مَا شِئت" هذه الكلمة من كلام النبوة الأولى، والحياء هو عبارة عن انفعال يحدث للإنسان عند فعل ما لا يجمله ولا يزينه، فينكسر ويحصل الحياء.
وقوله: "إِذا لَم تَستَحْيِ" يحتمل معنيين:
المعنى الأول:إذا لم تكن ذا حياء صنعت ما تشاء، فيكون الأمر هنا بمعنى الخبر، لأنه لا حياء عنده،
المعنى الثاني: إذا كان الفعل لا يُستَحَيى منه فاصنعه ولا تبالِ.
فالأول عائد على الفاعل، والثاني عائد على الفعل.
والمعنى: لا تترك شيئاً إذا كان لا يُستَحيى منه.
وقوله: "فاصنَع مَا شِئت" أي افعل،والأمر هنا للإباحة على المعنى الثاني،أي إذا كان الفعل مما لا يستحيى منه فلا حرج.
وهي للذم على المعنى الأول، أي أنك إذا لم يكن فيك حياء صنعت ما شئت.
* من فوائد الحديث :
1- أن الآثار عن الأمم السابقة قد تبقى إلى هذه الأمة،
وما سبق عن الأمم السابقة إما أن ينقل عن طريق الوحي في القرآن، أو في السنة ،أو يكون مما تناقله الناس.
وأما ما يؤثر عن النبوة الأولى: فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:ما شهد شرعنا بصحته،فهو صحيح مقبول.
القسم الثاني:ما شهد شرعنا ببطلانه، فهو باطل مردود.
القسم الثالث:ما لم يرد شرعنا بتأييده ولا تفنيده،فهذا يتوقف فيه،وهذا هو العدل.
ولكن مع ذلك لا بأس أن يتحدث به الإنسان في المواعظ وشبهها إذا لم يخشَ أن يفهم المخاطَب أنه صحيح.
2- أن هذه الجملة: إِذا لَم تَستَحْيِ فاصنَع مَا شِئت مأثورة عمن سبق من الأمم، لأنها كلمة توجه إلى كل خلق جميل.
3- الثناء على الحياء، سواء على الوجه الأول أو الثاني، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ
والحياء نوعان:
الأول:فيما يتعلق بحق الله عزّ وجل.
الثاني:فيما يتعلق بحق المخلوق.
أما الحياء فيما يتعلق بحق الله عزّ وجل فيجب أن تستحي من الله عزّ وجل أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك.
وأما الحياء من المخلوق فأن تكفَّ عن كل ما يخالف المروءة والأخلاق.
ثم الحياء نوعان أيضاً من وجه آخر:
نوع غريزي طبيعي، ونوع آخر مكتسب.
والأول أفضل وهو الحياء الغريزي.
ولكن اعلم أن الحياء خلق محمود إلا إذا منع مما يجب، أو أوقع فيما يحرم ، فإذا منع مما يجب فإنه مذموم كما لو منعه الحياء من أن ينكر المنكر مع وجوبه، فهذا حياء مذموم، أنكر المنكر ولا تبالِ، ولكن بشرط أن يكون ذلك واجباً وعلى حسب المراتب والشروط، وحياء ممدوح وهو الذي لا يوقع صاحبه في ترك واجب ولا في فعل محرم.
4- أن من خلق الإنسان الذي لا يستحيي أن يفعل ما شاء ولا يبالي .
5- ومن فوائد الحديث على المعنى الثاني: أن ما لا يستحيى منه فالإنسان حل في فعله لقوله: إذَا لَم تَستَحْيِ فَاصنَع مَا شِئت.
6- فيه الرد على الجبرية، لإثبات المشيئة للعبد. والله الموفق.

الحديث الحادي والعشرون
عَنِ أَبيْ عَمْرٍو، وَقِيْلَ،أَبيْ عمْرَةَ سُفْيَانَ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ قُلْ لِيْ فِي الإِسْلامِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدَاً غَيْرَكَ؟ قَالَ: "قُلْ آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ" <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>


الشرح
قوله: "قل لي في الإسلام " أي في الشريعة.
قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك يعني قولاً يكون حداً فاصلاً جامعاً مانعاً.
فقال له: "قُل آمَنْتُ بِاللهِ" وهذا في القلب "ثُمَّ استَقِم" على طاعته، وهذا في الجوارح.
فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم كلمتين: "آمَنْتُ بِاللهِ" محل الإيمان القلب "ثُمَّ استَقِم" وهذا في عمل الجوارح.
وهذا حديث جامع، من أجمع الأحاديث.
فقوله: قُل آمَنْتُ يشمل قول اللسان وقول القلب.
قال أهل العلم:قول القلب:هو إقراره واعترافه.
"آمَنْتُ بِاللهِ" أي أقررت به على حسب ما يجب علي من الإيمان بوحدانيته في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ثم بعد الإيمان "اِستَقِم" أي سر على صراط مستقيم، فلا تخرج عن الشريعة لا يميناً ولا شمالاً.
هاتان الكلمتان جمعتا الدين كله.
فلننظر: الإيمان بالله يتضمن الإخلاص له في العبادة، والاستقامة تتضمن التمشي على شريعته عزّ وجل، فيكون جامعاً لشرطي العبادة وهما: الإخلاص والمتابعة.
* من فوائد الحديث :
.1حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وذلك لما يرد على النبي صلى الله عليه وسلم منهم من الأسئلة.
.2عقل أبي عمرو أو أبي عمرة رضي الله عنه حيث سأل هذا السؤال العظيم الذي فيه النهاية، ويستغنى عن سؤال أي أحد.
.3أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عن العلم السؤال الجامع المانع حتى لا تشتبه عليه العلوم وتختلط، لقوله: "قَولاً لا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدَاً غَيْرَك"،وفي هذا إشكال وهو قوله: "لا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدَاً غَيْرَك" فهل يمكن أن يسأل الصحابة رضي الله عنهم أحداً غير رسول الله في أمور الدين؟
فالجواب: نعم ، يمكن أن يسأل أحدهم مَنْ يفوقه في العلم، وهذا وارد، ثم هذه الكلمة تقال حتى وإن لم يكن يسأل ، لكن تقال من أجل أن يهتم المسؤول بالجواب.
.4أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم حيث جمع كل الدين في كلمتين:"آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم"
.5التعبير بكلمة الاستقامة دون التعبير المشهور عند الناس الآن بكلمة الالتزام، ، والصواب أن يقال: فلان مستقيم كما جاء في القرآن والسنة .
.6أن من قصر في الواجبات فما استقام،
.7أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد نفسه دائماً: هل هو مستقيم أو غير مستقيم؟ فإن كان مستقيماً حمد الله وأثنى عليه وسأل الله الثبات، وإن كان غير مستقيم وجب عليه الاستقامة وأن يعدل سيره إلى الله عزّ وجل.
فالاستقامة وصف عام شامل لجميع الأعمال ، والله الموفق

<HR>

الحديث الثاني والعشرون
عَنْ أَبيْ عَبْدِ اللهِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَرَأَيتَ إِذا صَلَّيْتُ المَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضانَ، وَأَحلَلتُ الحَلاَلَ، وَحَرَّمْتُ الحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلى ذَلِكَ شَيئاً أَدخُلُ الجَنَّة ؟ قَالَ: نَعَمْ"رواه مسلم
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح

يقول جابر رضي الله عنه: إن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الرجل لا نحتاج لمعرفة عينه، لأن المقصود القضية التي وقعت، ولا نحتاج إلى التعب في البحث عنه،اللهم إلا أن يكون تعيينه مما يختلف به الحكم فلابد من التعيين.
وقوله "أَرَأَيتَ" بمعنى أخبرني.
إِذا "صَليتُ المَكتوبَات" وهن خمس صلوات في اليوم والليلة كما قال عزّ وجل: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) وغير الخمس لا يجب إلا لسبب يقتضيه، وهذا يُعرَف بالتأمل.
" وَصمتُ رَمَضَان" أي الشهر المعروف.
" وَأَحلَلتُ الحَلالَ" أي فعلت الحلال معتقداً حله، هذا معنى قوله: "أَحلَلت" لأن أحل الشيء لها معنيان:
المعنى الأول:الاعتقاد أنه حلال.
المعنى الثاني:العمل به.
"وَحَرَّمتُ الحَرَامَ" أي اجتنبت الحرام معتقداً تحريمه.
ولكن النووي -رحمه الله- بعد أن ساق الحديث لم يقيد الحرام بكونه معتقداً تحريمه،لأن اجتناب الحرام خير وإن لم يعتقد أنه حرام، لكن إذا اعتقد أنه حرام صار تركه للحرام عبادة لأنه تركه لاعتقاده أنه حرام.
"أَدخُل الجَنة" يعني أأدخل الجنة، والجنة هي دار النعيم التي أعدها الله عزّ وجل للمتقين، فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،والجنة فيها فاكهة ونخيل ورمان وفيها لحم وماء وفيها لبن وعسل.
الاسم مطابق لأسماء ما في الدنيا ولكن الحقيقة مخالفة لها غاية المخالفة
قال: نَعَم ونعم حرف جواب لإثبات المسؤول عنه، والمعنى: نعم تدخل الجنة .
* من فوائد الحديث :
.1حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال.
.2بيان غايات الصحابة رضي الله عنهم، وأن غاية الشيء عندهم دخول الجنة، لا كثرة الأموال، ولا كثرة البنين، ولا الترفه في الدنيا مما يدل على كمال غاياتهم رضي الله عنهم.
.3أن الإنسان إذا اقتصر على الصلاة المكتوبة فلا لوم عليه، ولا يحرم من دخول الجنة ، لقوله: "أَرَأَيتَ إِذا صَليتُ المَكتوبَات".
فإن قال قائل: قال الإمام أحمد - رحمه الله- فيمن ترك الوتر: هو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة؟
فالجواب: أن كونه رجل سوء لا يمنعه من دخول الجنة، فهو رجل سوء ترك الوتر وأقله ركعة مما يدل على أنه مهمل ولا يبالي إذ لم يطلب منه ركعات كثيرة، بل ركعة واحدة ومع ذلك يتركها.
.4أن الصلوات وكذلك الصوم من أسباب دخول الجنة،
.5أن لا يمتنع الإنسان من الحلال، لقوله: "وَأَحلَلتُ الحَلال" فكون الإنسان يمتنع من الحلال لغير سبب شرعيٍّ مذموم وليس بمحمود.
.6إن الحرام: ما حرمه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ،وتحليل الحلال وتحريم الحرام هو عام في جميع المحللات وجميع المحرمات، ولهذا قال: أَدخُل الجَنة؟ قَالَ:نَعَم .
وفي هذا الحديث إشكال: أن الرجل قال: لم أزد على ذلك شيئاً. وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم تدخل الجنة، مع أنه نقص من أركان الإسلام الزكاة والحج،والزكاة مفروضة قبل الصيام،يعني فلا يقال: لعل هذا الحديث قبل أن تفرض الزكاة، أما الحج فيمكن أن نقول إن هذا الحديث قبل فرض الحج،لكن لا يمكن أن نقول إنه قبل فرض الزكاة، فما الجواب عن هذا؟
الجواب أن يقال: لعل النبي صلى الله عليه وسلم علم من حال الرجل أنه ليس ذا مال، وعلم أنه إذا كان ذا مال فسوف يؤدي الزكاة،لأنه قال: "وَحَرَّمتُ الحَرَام" ومنع الزكاة من الحرام.
أما الحج فما أسهل أن نقول: لعل هذا الحديث قبل فرض الحج، لأن الحج إنما فرض في السنة التاسعة أو العاشرة.
وأما قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فهذا فرض إتمامه لا ابتدائه. وقد يقال: ذلك داخل في قوله: "حَرَّمتَ الحَرَامَ" لأن ترك الحج حرام وترك الزكاة حرام.
.7أن الجواب بـ: نعم إعادة للسؤال، لأن قوله: أَأَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ يعني تدخل الجنة، ولهذا لو سئل الرجل فقيل له: أطلّقتَ امرأتك؟ قال: نعم، فإنها تطلق لأن قوله:نعم، أي طلقتها.
قال النووي - رحمه الله- ومعنى حَرَّمْتَ الحَرَامَ اجتنبته، ومعنى أَحْلَلْتَ الحَلالَ فعلته معتقداً حِلَّهُ).إهـ
وهناك معنى آخر غير الذي ذكره النووي - رحمه الله وهو: أن تعتقد أن الحرام حرام ولابد، لأنك إذا لم تعتقد أن الحرام حرام فإنك لم تؤمن بالحكم الشرعي، وإذا لم تعتقد أن الحلال حلال فإنك لم تؤمن بالحكم الشرعي، فلابد من أن تعتقد الحلال حلالاً، والحرام حراماً.
وتفسير النووي - رحمه الله- فيه شيء من القصور. والله أعلم.

<HR>

الحديث الثالث والعشرون
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الحَارِثِ بنِ عَاصِم الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: )الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الميزانَ، وسُبْحَانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ - أَو تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَو عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا(رواه مسلم. <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>


الشرح
قوله: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ أي نصفه، وذلك أن الإيمان - كما يقولون - تخلية وتحلية .
التخلية : بالطهور، والتحلية: بفعل الطاعات.
فوجه كون الطهور شطر الإيمان: أن الإيمان إما فعل وإما ترك.
والتّركُ تَطَهُّرٌ، والفعل إيجاد.
فقوله: "شَطْرُ الإِيْمَانِ" قيل في معناه: التخلي عن الإشراك لأن الشرك بالله نجاسة كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس) فلهذا كان الطهور شطر الإيمان، وهذا المعنى أحسن وأعمّ.
"وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ" يعني قول القائل: الحمد لله يمتلئ الميزان بها، أي الميزان الذي توزن به الأعمال كما قال الله عزّ وجل: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)
"وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ تَمْلآنِ - أو تَمْلأُ –" (أو) هذه شك من الراوي، يعني هل قال: تملآن ما بين السماء والأرض، أو قال:تملأ ما بين السماء والأرض. والمعنى لا يختلف، ولكن لحرص الرواة على تحرّي الألفاظ يأتون بمثل هذا.
"سبحان الله والحمد لله": فيها نفي وإثبات. النفي في قوله: "سُبْحَانَ اللهِ" أي تنزيهاً لله عزّ وجل عن كل ما لا يليق به، والذي ينزه الله تعالى عنه ثلاثة أشياء:
الأول: صفات النقص، فلا يمكن أن يتصف بصفة نقص.
الثاني: النقص في كماله، فكماله لا يمكن أن يكون فيه نقص.
الثالث: مشابهة المخلوق.
ودليل الأول قول الله عزّ وجل: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ)
فنفى عنه الموت لأنه نقص، وقوله: ( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ) فنفى عنه السِّنَة والنوم لأنهما نقص.
ودليل الثاني: قول الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ)
فخلق هذه المخلوقات العظيمة قد يوهم أن يكون بعدها نقص أي تعب وإعياء فقال: (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ).
ودليل الثالث: قول الله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) حتى في الكمال الذي هو كمال في المخلوق فالله تعالى لا يماثله.
وَالحَمْدُ للهِ الحمد يكون على صفات الكمال، فالحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فتكون هذه الجملة: "سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ" فيها: نفي النقص بالأنواع الثلاثة، وإثبات الكمال.
"تَملآنِ - أَو تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ" والذي بين السماء والأرض مسافة لا يعلمها إلا الله عزّ وجل.
وظاهر الحديث: أنها تملأُ ما بين السماء والأرض ليس في منطقتك وحدك، بل في كل المناطق.
"وَالصَّلاةُ نورٌ" أي صلاة الفريضة والنافلة نور، نور في القلب، ونور في الوجه، ونور في القبر، ونور في الحشر، لأن الحديث مطلق، وجرّب تجد.
"والصَّدَقَةُ" الصدقة: بذل المال للمحتاج تقرّباً إلى الله عزّ وجل.
"بُرْهَانٌ" أي دليل على صدق إيمان المتصدّق.
وجه ذلك: أن المال محبوب للنفوس، ولا يبذل المحبوب إلا في طلب ما هو أحب، وهذا يدلّ على إيمان المتصدق، ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة برهاناً.
وَالصَّبرُ ضِيَاءٌ الصبر: حبس النفس عما يجب الصبر عنه وعليه، قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع:
الأول: صبر عن معصية الله: بمعنى أن تحبس نفسك عن فعل المحرّم حتى مع وجود السبب.
الثاني: صبر على طاعة الله: بأن يحبس الإنسان نفسه على الطاعة
الثالث: صبر على أقدار الله: فإن الله تعالى يقدر للعبد ما يلائم الطبيعة وما لا يلائم، والذي لا يلائم يحتاج إلى صبر، بأن يحبس نفسه عن التسخّط القلبي أو القولي أو الفعلي إذا نزلت به مصيبة.
وهناك مرتبة فوق الصبر وهي الرضا بأقدار الله، والرضا بأقدار الله أكمل حالاً من الصبر على أقدار الله.
والفرق: أن الصابر قد تألّم قلبه وحزن وانكسر، لكن منع نفسه من الحرام.
والراضي: قلبه تابع لقضاء الله وقدره، فيرضى ما اختاره الله له ولا يهمّه ، فهو متمشٍّ مع القضاء والقدر إيجاباً ونفياً.
وأي أنواع الصبر الثلاثة أفضل؟
نقول: أما من حيث هو صبر فالأفضل الصبر على الطاعة،
ثم الصبر عن المعصية، ثم الصبر على الأقدار، لأن الأقدار لا حيلة لك فيها .
أما من حيث الصابر: فأحياناً تكون معاناة الصبر عن المعصية أشد من معاناة الصبر على الطاعة.
"وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ" ولم يقل: إنه نور، والصلاة قال : إنها نور. وذلك لأن الضياء فيه حرارة،كما قال الله عزّ وجل: (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ) ففيه حرارة، والصبر فيه حرارة ومرارة، لأنه شاق على الإنسان، ولهذا جعل الصلاة نوراً، وجعل الصبر ضياءً لما يلابسه من المشقة والمعاناة.
"والقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَو عَلَيْكَ" القرآن هو كلام الله عزّ وجل الذي نزل به جبريل الأمين القوي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، لا تبديل فيه ولا تغيير، ولهذا وصف الله تعالى جبريل الذي هو رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بأنه قوي أمين كما قال الله عزّ وجل: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ليتبيّن أنه عليه السلام أمين على القرآن قوي على حفظه وعدم التلاعب به.
هذا القرآن كلام الله عزّ وجل، تكلّم به حقيقة، وسمعه جبريل عليه السلام، ونزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم .
هذا القرآن الكريم هو كلام الله لفظه ومعناه، فالأمر والنهي والخبر والاستخبار والقصص كلها كلام الله عزّ وجل.
إذاً هذا القرآن - الذي نسأل الله أن يجعله حجة لنا - كلام الله حقاً، تكلم به حقاً، وسمعه جبريل حقاً، ونزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم حقاً، فوعاه النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه كان يتعجل أن يتابع جبريل لئلا يفوته شيء فقال الله عزّ وجل له: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ*إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) حيث التزم الله تعالى بجمعه وقرآنه(فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أي قرأه جبريل، وأضاف قراءة جبريل إلى نفسه عزّ وجل لأن جبريل رسوله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ،فأضاف فعل جبريل إلى نفسه لأنه هوا لذي أرسله : (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)
التزام من الله عزّ وجل أوجبه على نفسه أن يجمع القرآن، وأن يقرأه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يبيّنه .
"القُرآنُ حُجَّةٌ لكَ أَو عَليكَ" يكون القرآن حجة لك إذا نصحت له، ويكون حجة عليك إذا لم تنصح له.
قوله: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو" أي كل الناس يخرج مبكراً في الغدوة في الصباح وهذا من باب ضرب المثل.
"فَبَائِعٌ نَفْسَهُ" أي الغادي يبيع نفسه، ومعنى يبيع نفسه أنه يكلفها بالعمل، لأنه إذا كلفها بالعمل أتعب النفس فباعها.
ينقسم هؤلاء الباعة إلى قسمين: معتق و موبق ، ولهذا قال:
"فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا " فيكون بيعه لنفسه إعتاقاً إذا قام بطاعة الله كما قال الله عزّ وجل: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) يشتري نفسه أي يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله عزّ وجل، فهذا الذي باع نفسه ابتغاء مرضاة الله وقام بطاعته قد أعتقها من العذاب والنار.
والذي أوبقها هو الذي لم يقم بطاعة الله عزّ وجل حيث أمضى عمره خسراناً، فهذا موبق لها أي مهلك لها.
لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنسبة للقرآن إلى من يكون القرآن حجة له، ومن يكون حجة عليه ذكر أن العمل أيضاً قد يكون على الإنسان وقد يكون للإنسان، فيكون للإنسان إذا كان عملاً صالحاً، ويكون عليه إذا كان عملاً سيئاً.
وانظر إلى هذا الحديث: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ" يتبين لك أن الإنسان لابد أن يعمل إما خيراً وإما شراً.
* من فوائد الحديث :
.1الحث على الطهور الحسي والمعنوي، وجه ذلك أنه قال: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ"
.2أن الإيمان يتبعض، فبعضه فعل وبعضه ترك،
.3فضيلة حمد الله عزّ وجل حيث قال: إنها تملأ الميزان.
.4إثبات الميزان، والميزان جاء ذكره في القرآن عدة مرات، جاء ذكره مجموعاً وذكره مفرداً.
وهذا الميزان هل هو حسي أو معنوي؟
والقول الصحيح: إنه حسي، له كفتان وله لسان،توزن به الأعمال الصالحة والسيئة.
وهنا يرد إشكال: كيف يوزن العمل وهو ليس بجسم، وكيف الحمد تملأ الميزان وهي ليست بجسم؟
والجواب عن كل هذا سهل، وهو: أن الله عزّ وجل قادر على أن يجعل الأعمال أجساماً والمعاني أجساماً، فإنه على كل شيء قدير عزّ وجل، ألم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان تظلان صاحبهما،وهما عمل، لكن الله على كل شيء قدير.
.5فضيلة الجمع بين سبحان الله والحمد لله لقوله "سُبحَانَ الله وَ الحَمدُ لِلهِ تَملآنِ مَا بَينَ السَمَاءِ وَالأَرضِ" ووجه ذلك أن الجمع بينهما جمع بين نفي العيوب والنقائص وإثبات الكمالات.
ففي "سُبحَانَ الله" نفي العيوب والنقائص، وفي "الحَمدُ لِلهِ" إثبات الكمالات.
.6أن الصلاة نور ويتفرع على هذا:
الحث على كثرة الصلاة. ولكن يرد علينا أن كثيراً من المصلين وكثيراً من الصلوات من المصلي الواحد لا يشعر الإنسان بأنها نور، فما الجواب؟
الجواب أن نقول: إن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم حق لا إشكال فيه، لكن عدم استنارة القلب لخلل في السبب أو وجود مانع.
وقس على هذا كل شيء رتب الشرع عليه حكماً وتخلف فاعلم أن ذلك إما لوجود مانع، أو لاختلال سبب، وإلا فكلام الله عزّ وجل حق وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حق.
.7الحث على الصدقة، لقوله: "الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ".
.8أن بذل المحبوب يدل على صدق الباذل، والمحبوب الذي يُبذَل في الصدقة هو المال.
.9الحث على الصبر وأنه ضياء وإن كان فيه شيء من الحرارة، لكنه ضياء ونور لقوله: "وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ".
.10أن حامل القرآن إما غانم وإما غارم، ويتفرع على هذه الفائدة:
أن يحاسب الإنسان نفسه هل عمل بالقرآن فيكون حجة له،أو لا، فيكون حجة عليه فليستعتب.
.11عظمة القرآن وأنه لن يضيع هكذا سدىً، بل إما للإنسان وإما على الإنسان.
.12بيان حال الناس وأن كل الناس يعملون من الصباح، وأنهم يبيعون أنفسهم،
.13أن الحرية حقيقة هي القيام بطاعة الله عزّ وجل، وليس إطلاق الإنسان نفسه ليعمل كل سيء أراده، قال ابن القيم - رحمه الله - في النونية:
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان
فكل إنسان يفر من عبادة الله فإنه سيبقى في رق الشيطان .
<!-- / message -->

<!-- / message -->

الدمشقي
09-07-09, 03:37 AM
الحديث الرابع والعشرون
عَنْ أَبي ذرٍّ الغِفَارْي رضي الله عنه عَن النبي صلى الله عليه وسلم فيمَا يَرْويه عَنْ رَبِِّهِ عزَّ وجل أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِيْ إِنِّيْ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِيْ وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمَاً فَلا تَظَالَمُوْا، يَا عِبَادِيْ كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُوْنِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِيْ كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فاَسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِيْ كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُوْنِيْ أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِيْ إِنَّكُمْ تُخْطِئُوْنَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعَاً فَاسْتَغْفِرُوْنِيْ أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِيْ إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوْا ضَرِّيْ فَتَضُرُّوْنِيْ وَلَنْ تَبْلُغُوْا نَفْعِيْ فَتَنْفَعُوْنِيْ، يَا عِبَادِيْ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوْا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فَيْ مُلْكِيْ شَيْئَاً. يَا عِبَادِيْ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوْا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِيْ شَيْئَاً، يَا عِبَادِيْ لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوْا فِيْ صَعِيْدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوْنِيْ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِيْ إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إَذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يَا عِبَادِيْ إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيْهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرَاً فَليَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُوْمَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ) رواه مسلم.
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
"قوله فيمَا يَرْويَهُ" الرواية نقل الحديث "عَنْ رَبِِّهِ" أي عن الله عزّ وجل، وهذا الحديث يسمى عند المحدثين قدسياً، والحديث القدسي: كل ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عزّ وجل.
لأنه منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تبليغاً، وليس من القرآن بالإجماع، وإن كان كل واحد منهما قد بلغه النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الله عزّ وجل.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في لفظ الحديث القدسي: هل هو كلام الله تعالى، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم معناه، واللفظ لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ على قولين:
والقول الراجح: أن الحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظاً و معنى؛لكان أعلى سنداً من القرآن؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة؛كما هو ظاهر السياق، أما القرآن فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام؛كما قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُس من ربك ) ، وقال: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) .
الوجه الثاني:أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله؛لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله تعالى،والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل،ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القدسي فروق كثيرة:
منها:أن الحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته،بمعنى أن الإنسان لا يتعبد الله تعالى بمجرد قراءته؛فلا يثاب على كل حرف منه عشر حسنات،والقرآن يتعبد بتلاوته بكل حرف منه عشر حسنات.
ومنها: أن الله عزّ وجل تحدى أن يأتي الناس بمثل القرآن أو آية منه،ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية.
ومنه:أن القرآن محفوظ من عند الله عزّ وجل؛كما قال سبحانه:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ؛ والأحاديث القدسية بخلاف ذلك؛ ففيها الصحيح والحسن،بل أضيف إليها ما كان ضعيفاً أو موضوعاً، وهذا وإن لم يكن منها لكن نسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص.
ومنها:أن القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين، أما الأحاديث القدسية؛ فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه.
ومنها:أن القرآن تشرع قراءته في الصلاة، ومنه ما لا تصح الصلاة بدون قراءته، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن لا يمسّه إلا طاهر على الأصح، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها:أن القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح،بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها:أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفاً أجمع القراء عليه؛ لكان كافراً، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئاً منها مدعّياً أنه لم يثبت؛ لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لكان كافراً لتكذيبه النبي صلى الله عليه وسلم .
وأجاب هؤلاء عن كون النبي صلى الله عليه وسلم أضافه إلى الله، والأصل في القول المضاف أن يكون لفظ قائله بالتسليم أن هذا هو الأصل، لكن قد يضاف إلى قائله معنى لا لفظاً؛ كما في القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى يضيف أقوالاً إلى قائليها، ونحن نعلم أنها أضيفت معنى لا لفظاً، كما في قصص الأنبياء وغيرهم، وكلام الهدهد والنملة؛ فإنه بغير هذا اللفظ قطعاً.
وبهذا يتبين رجحان هذا القول،
ثم لو قيل في مسألتنا - الكلام في الحديث القدسي -: إن الأَولَى ترك الخوض في هذا؛ خوفاً من أن يكون من التنطّع الهالك فاعله، والاقتصار على القول بأن الحديث القدسي ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه وكفى؛ لكان ذلك كافياً، ولعله أسلم والله أعلم.
نداءٌ من الله عزّ وجل أبلغنا به أصدق المخبرين وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "يَا عِبَادِي" يشمل كل من كان عابداً بالعبودية العامة والعبودية الخاصة.
"إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي" أي منعته مع قدرتي عليه، وإنما قلنا: مع قدرتي عليه لأنه لو كان ممتنعاً على الله لم يكن ذلك مدحاً ولا ثناءً، إذ لا يُثنى على الفاعل إلا إذا كان يمكنه أن يفعل أو لا يفعل.
فلو سألنا سائل مثلاً وقال: هل يقدر الله أن يظلم الخلق؟
فالجواب: نعم، لكن نعلم أن ذلك مستحيل بخبره، حيث قال: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) .
"وَجَعَلتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمَاً" أي صيّرته بينكم محرماً.
"فَلا تَظَالَمُوا" هذا عطف معنوي على قوله: "جَعَلتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمَاً" أي فبناء على كونه محرماً لاتظالموا، أي لا يظلم بعضكم بعضاً.
"يَا عِبَاديَ كُلُّكُم ضَالٌّ" أي تائه عن الطريق المستقيم "إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ" أي علمته ووفقته، و علمته هذه هداية الإرشاد و وفقته هداية التوفيق.
"فَاستَهدُونِي أَهدِكُمْ" أي اطلبوا مني الهداية لا من غيري أهدكم، وهذا جواب الأمر، وهذا كقوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .
"يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ" أي كلكم جائع إلا من أطعمه الله، وهذا يشمل ما إذا فقد الطعام، أو وجد ولكن لم يتمكن الإنسان من الوصول إليه، فالله هو الذي أنبت الزرع، وهو الذي أدرّ الضرع، وهو الذي أحيا الثمار، واقرأ من سورة الواقعة من قول الله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ* أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ*نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ*عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ*و َلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ*أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ*أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ*إِنَّا لَمُغْرَمُونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ* نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) تجد كيف تحدّى الله الخلق في هذه الآيات لا بالنسبة للمأكول، ولا المشروب، ولا ما يصلح به المأكول والمشروب. فكلّنا جائع إلا من أطعمه الله.
"فَاسْتَطْعِمُونِي" أي اطلبوا مني الإطعام، وإذا طلبتم ذلك ستجدونه.
" أُطْعِمْكُمْ" أطعم: فعل مضارع مجزوم على أنه جواب الأمر.
"يَا عِبَادِي كُلُّكُم عَارٍ" فكلنا عار، لأننا خرجنا من بطون أمهاتنا عراة.
"إِلاّ مَنْ كَسَوتُهُ فَاستَكْسُونِي أَكْسُكُمْ" سواء كان من فعل الإنسان كالكبير يشتري الثوب، أو من فعل غيره كالصغير يُشترى له الثوب، وربما يقال: إنه يشمل لباس الدين، فيشمل الكسوتين: كسوة الجسد الحسيّة، وكسوة الروح المعنوية.
"يَا عِبَادي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ" أي تجانبون الصواب، لأن الأعمال إما خطأ وإما صواب، فالخطأ مجانبة الصواب وذلك إما بترك الواجب، وإما بفعل المحرّم.
وقوله: بِالَّليْلِ الباء هنا بمعنى: (في) كما هي في قول الله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ*وَبِاللَّيْل) أي وفي الليل.
"وَأَنَا أَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً" أي أسترها وأتجاوز عنها مهما كثرت، ومهما عظمت، ولكن تحتاج إلى الاستغفار.
"فَاستَغفِرُونِي أَغْفِر لَكُم" أي اطلبوا مغفرتي، إما بطلب المغفرة كأن يقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفر الله وأتوب إليه. وإما بفعل ما تكون به المغفرة، فمن قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر.
"يَا عِبَاديَ إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّيْ فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفعِي فَتَنْفَعُونِي" أي لن تستطيعوا أن تضروني ولا أن تنفعوني، لأن الضار والنافع هو الله عزّ وجل والعباد لا يستطيعون هذا، وذلك لكمال غناه عن عباده عزّ وجل.
"يَا عِبَادِيَ لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئَاً" يعني لو أن كل العباد من الإنس والجن الأولين والآخرين كانوا على أتقى قلب رجل ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، وذلك لأن ملكه عزّ وجل عام واسع لكل شيء، للتقيّ والفاجر.
ووجه قوله: "مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلكِي شَيئَاً" أنهم إذا كانوا على أتقى قلب رجل واحد كانوا من أولياء الله، وأولياء الله عزّ وجل جنوده، وجنوده يتسع بهم ملكه،
ثم قال: "يَا عِبَادِيَ لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئَاً" ووجه ذلك: أن الفاجر عدو لله عزّ وجل فلا ينصر الله، ومع هذا لاينقص من ملكه شيئاً لأن الله تعالى غني عنه.
"يَا عِبَادِيَ لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلونِي فَأَعطَيتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسأَلَتَهُ" أي إذا قاموا في أرض واحدة منبسطة، وذلك لأنه كلما كثر الجمع كان ذلك أقرب إلى الإجابة.
"مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحرَ" وهذا من باب المبالغة في عدم النقص، لأن كل واحد يعلم أنك لو أدخلت المخيط وهو الإبرة الكبيرة في البحر ثم أخرجتها فإنها لا تنقص البحر شيئاً ولا تغيره، "يَا عِبَادِيَ إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ " هذه جملة فيها حصر طريقه: (إنما) أي ما هي إلا أعمالكم أُحْصِيْهَا لَكُمْ أي أضبطها تماماً بالعدّ لا زيادة ولا نقصان، لأنهم كانوا في الجاهلية لا يعرفون الحساب فيضبطون الأعداد بالحصى، وفي هذا يقول الشاعر:
ولستُ بالأكثر منهمْ حصى وإنّما العزّة للكاثرِ
يعني أن عددكم قليل، وإنما العزة للغالب في الكثرة.
"ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا" أي في الدنيا والآخرة، وقد يكون في الدنيا فقط، وقد يكون في الآخرة فقط.
فالتوفيه تكون في الدنيا دون الآخرة للكافر، أما المؤمن فتكون في الدنيا والآخرة جميعاً، أو في الآخرة فقط.
" فَمَنْ وَجَدَ خَيْرَاً فَليَحْمَدِ اللهَ" أي من وجد خيراً من أعماله فليحمد الله على الأمرين: على توفيقه للعمل الصالح، وعلى ثواب الله له.
"وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ" أي وجد شراً أو عقوبة "فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفسَهُ" لأنه لم يُظلم، واللوم: أن يشعر الإنسان بقلبه بأن هذا فعل غير لائق وغير مناسب، وربما ينطق بذلك بلسانه.
من فوائد الحديث :
.1-رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عزّ وجل،وهذا أعلى مراتب السند، لأن غاية السند: إما الرب عزّ وجل وهذا في الأحاديث القدسية، وإما النبي صلى الله عليه وسلم وهذا في الأحاديث المرفوعة، وإما عن الصحابة وهذا في الأحاديث الموقوفة، وإما عن التابعين ومن بعدهم وهذا في الأحاديث المقطوعة.
.2إن أحسن ما يقال في الحديث القدسي: إنه ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عزّ وجل، ونقتصر على هذا ولا نبحث هل هو من قول الله لفظاً ومعنى، أو من قول الله معنى ومن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن هذا فيه نوع من التكلّف وقد نهينا عن التكلّف، ونهينا عن التنطّع وعن التعمّق.
.3إثبات القول لله عزّ وجل وهذا كثير في القرآن الكريم، وهو دليل على ما ذهب إليه أهل السنة من أن كلام الله يكون بصوت، إذ لا يطلق القول إلا على المسموع.
فإن قال قائل:أليس الله تعالى يقول: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) وهذا قول يقولونه بقلوبهم؟
فالجواب: بلى، لكن هذا القول مقيد (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ)1 وأما إذا أطلق القول فالمراد به مايُسمع.
.4أن الله تعالى قادر على الظلم لكنه حرّمه على نفسه لكمال عدله،وجه ذلك: أنه لو كان غير قادر عليه لم يثن على نفسه بتحريم الظلم لأنه غير قادر.
.5أن من صفات الله ما هو منفي مثل الظلم، ولكن اعلم أنه لا يوجد في صفات الله عزّ وجل نفي إلا لثبوت ضده، فنفي الظلم يعني ثبوت العدل الكامل الذي لا نقص فيه.
.6أن لله عزّ وجل أن يحرم على نفسه ما شاء لأن الحكم إليه، فنحن لا نستطيع أن نحرم على الله لكن الله يحرم على نفسه ما شاء، كما أنه يوجب على نفسه ما شاء.
فلو سألنا سائل: هل يحرم على الله شيء، وهل يجب على الله شيء؟
فالجواب: أما إذا كان هو الذي أوجب على نفسه أو حرم فنعم، لأن له أن يحكم بما شاء.
قال ابن القيم - رحمه الله - في النونية:
ما للعباد عليه حقٌّ واجبٌ هو أوجبَ الأجرَ العظيم الشانِ
كلاَّ ولا عملٌ لديه ضائع ٌ إن كانَ بالإخلاصِ والإحسـانِ
والإحسان يعني المتابعة.
.7إطلاق النفس على الذات لقوله: "عَلَى نَفْسِيْ" والمراد بنفسه ذاته عزّ وجل، كما قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) وليس النفس صفة كسائر الصفات: كالسمع والعلم والقدرة، فالنفس يعني الذات، وكلمة النفس أصوب من كلمة ذات لكن شاع بين الناس إطلاق الذات دون إطلاق النفس، ولكن الأصل العربي: النفس.
.8أن الله تعالى حرّم الظلم بيننا فقال: "وَجَعَلتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمَاً" وهذا يشمل ظلم الإنسان نفسه وظلم غيره، لكن هو في المعنى الثاني أظهر لقوله: "فَلا تَظَالَمُوا" أي فلا يظلم بعضكم بعضاً
.9أن الإنسان ضال إلا من هدى الله، ويتفرع على هذه الفائدة:
أن تسأل الله الهداية دائماً حتى لا تضلّ.
فإن قال قائل: هنا إشكال وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن كل مولود يولد على الفطرة،وهنا يقول: كلكم ضال؟
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ" لكن قال: "أَبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ" وهنا يخاطبُ عزّ وجل المكلّفين الذين قد تكون تغيرت فطرتهم إلى ما كان عليه آباؤهم، فهم ضلاَّلٌ حتى يهديهم الله عزّ وجل.
.10الحثّ على طلب العلم، لقوله: "كُلُّكُم ضَالٌّ" ولاشكّ" أن طلب العلم من أفضل الأعمال، بل قد قال الإمام أحمد - رحمه الله -: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته لاسيما في هذا الزمن الذي كثر فيه الجهل، وكثر فيه الظن وأفتى من لا يستحق أن يفتي، فطلب العلم في هذا الزمان متأكد.
.11أن لا تطلب الهداية إلا من الله لقوله: "فَاستَهدُونِي أَهدِكُم".
ولكن الهداية نوعان: هداية التوفيق وهذه لاتطلب إلا من الله، إذ لايستطيع أحد أن يهديك هداية التوفيق إلا الله عزّ وجل. وهداية الدلالة: وهذه تصحّ أن تطلبها من غير الله ممن عنده علم بأن تقول: يافلان أفتني في كذا، أي اهدني إلى الحق فيه.
هل نقول إن قوله: "فَاستَهدُونِي" يدل على أن المراد هداية التوفيق، أو نقول إنه يشمل الهدايتين، وهداية الدلالة تكون باتباع الوسائل التي جعلها الله عزّ وجل سبباً للعلم؟
الجواب: الثاني، أي العموم.
.12أن العباد في الأصل جياع، لأنهم لايملكون أن يخلقوا ما تحيى به الأجساد ويتفرع على هذه الفائدة قوله: "فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ" أي اسألوني الطعام أطعمكم، وعليه فلا تلجأ في طلب الرزق إلا من الله عزّ وجل.
.13وقوله: "اسْتَطْعِمُونِي" يشمل سؤال الله عزّ وجل الطعام،ويشمل السعي في الرزق وابتغاء فضل الله عزّ وجل وإلا فمن المعلوم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا درهماً ولا خبزاً، بل لابد من السعي.
14-أن الأصل في الإنسان العري حتى يكسوه الله عزّ وجل،وسبق شرح أنه في الأصل العري الحسي، وقد يراد به المعنوي أيضاً،.
15كرم الله عزّ وجل حيث يعرض على عباده بيان حالهم وافتقارهم إليه، ثم يدعوهم إلى دعائه عزّ وجل حتى يزيل عنهم ما فيهم من الفقر والحاجة.
16أن بني آدم خطاء،أي كثير الخطأ، كما قال الله عزّ وجل: (وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)
17أنه مهما كثرت الذنوب والخطايا فإن الله تعالى يغفرها، لكن يحتاج أن يستغفر الإنسان،
18أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً، وهذا لمن استغفر ، لقوله عزّ وجل "فَاسْتَغْفِرُونِيْ" أما من لم يستغفر فإن الصغائر تكون مكفرة بالأعمال الصالحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلَواتِ الخَمسُ وَالجُمُعَة إِلى الجُمُعَةِ وَرَمَضَان إِلى رَمَضَان مُكَفِِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ مَا اجتَنَبَ الكَبَائِرَ" ، وأما الكبائر فلابد لها من توبة خاصة،فلا تكفرها الأعمال الصالحة،أما الكفر فلابد له من توبة بالإجماع.
فالذنوب على ثلاثة أقسام:
قسم لابد فيه من توبة بالإجماع وهو الكفر .
والثاني:ما تكفره الأعمال الصالحة وهو الصغائر .
والثالث:ما لابد له من توبة- على خلاف في ذلك- لكن الجمهور يقولون:إن الكبائر لابد لها من توبة.
19كمال سلطان الله عزّ وجل وغناه عن خلقه، لقوله عزّ وجل: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوْا ضَرِّيْ ... وَلَنْ تَبْلُغُوْا نَفْعِيْ وذلك لكمال سلطانه عزّ وجل وكمال غناه،
20أن محل التقوى والفجور القلب، لقوله: "عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ" "عَلَى أَفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ" ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أَلاَ وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَة إِذَا صَلُحَت صَلُحَ الجَسَد كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ"ويتفرع على هذا: أنه يجب علينا أن نعتني بالقلب وننظر أين ذهب، وأين حلّ حتى نُطَهِّرهُ ونصفيه.
.21كمال غنى الله عزّ وجل وسعة غناه، لقوله:"يَا عِباديَ لَو أَنَّ أوَّلَكُم وَآَخِرَكُم وَ إِنسكُم وَ جِنكُم قَاموا في صَعيدٍ وَاحِدٍ...".
.22أنه يظهر أن اجتماع الناس في مكان واحد أقرب إلى الإجابة من تفرقهم .
.23جواز المبالغة بالقول ،لقوله: "إِلا كَمَا يَنقُصُ المِخيطُ إِذَا أُدخِلَ البَحرَ" وهذا له نظير كما في قوله تعالى: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)
.24أن الله عزّ وجل يحصي أعمال العباد، أي يضبطها بالعدد فلا ينقص أحداً شيئاً .
.25أن الله عزّ وجل لا يظلم أحداً شيئاً، بل من عمل عملاً وجده، لقوله: "ثُمَّ أُوَفِّيْكُمْ إِيَّاهَا".
.26وجوب الحمد لله عزّ وجل على من وجد خيراً، وذلك من وجهين:
الأول:أن الله عزّ وجل يسره حتى عمله.
الثاني:أن الله تعالى أثابه.
.27جواز تحدث الإنسان عن نفسه بصيغة الغائب، لقوله:"فَمَن وَجَدَ خَيرَاً فَليَحمد الله" دون أن يقال: فمن وجد خيراً فليحمدني، والعدول عن ضمير المتكلم إلى أن تكون الصيغة للغائب من باب التعظيم .
.28أن من تخلف عن العمل الصالح ولم يجد الخير فاللوم على نفسه. والله الموفق.
<!-- / message -->



الحديث الخامس والعشرون
عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه أَيضَاً أَنَّ أُنَاسَاً مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالوا للنَّبي صلى الله عليه وسلم يَارَسُولَ الله: ذَهَبَ أَهلُ الدثورِ بِالأُجورِ، يُصَلُّوْنَ كَمَا نُصَلِّيْ، وَيَصُوْمُوْنَ كَمَا نَصُوْمُ، وَيَتَصَدَّقُوْنَ بفُضُوْلِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: (أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُوْنَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيْحَةٍ صَدَقَة.وَكُلِّ تَكْبِيْرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمَيْدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيْلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بالِمَعْرُوْفٍ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِيْ بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَيَأْتِيْ أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُوْنُ لَهُ فِيْهَا أَجْرٌ؟ قَالَ:أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فَيْ حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فَي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>



الشرح
قوله: "أَنَ أُنَاسَاً" هؤلاء هم الفقراء قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم "ذَهَبَ أَهلُ الدثورِ" أي الأموال الكثيرة "بِالأُجورِ" أي الثواب عليها، وليس قصدهم بذلك الحسد، ولا الاعتراض على قدر الله، لكن قصدهم لعلهم يجدون أعمالاً يستطيعونها يقومون بها تقابل ما يفعله أهل الدثور.
"يُصَلونَ كَمَا نُصَلي،وَيَصومُونَ كَمَا نَصوم، وَيَتَصَدَّقونَ بِفُضولِ أَموَالِهم" يعني ولا نتصدق لأنه ليس عندنا شيء، فكيف يمكن أن نسبقهم أو نكون مثلهم، هذا مراد الصحابة رضي الله عنهم وليس مرادهم قطعاً الاعتراض على قدر الله عزّ وجل، ولا أن يحسدوا هؤلاء الأغنياء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَّدَّقونَ بِهِ"
الجواب: بلى، ثم بيّنَ لهم فقال: "إِنَ بِكُلِّ تَسبيحَه صَدَقَةً" أي إذا قلت: سبحان الله فهي صدقة.
"وَبِكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةً" إذا قلت الله أكبر فهذه صدقة.
"وَبِكُلِّ تَحميدَه صَدَقَةً" إذا قلت الحمد لله فهذه صدقة .
" وَبِكُلِّ تَهليلَه صَدَقَة" إذا قلت لا إله إلا الله فهي صدقة.
" وَأَمرٌ بِالمَعروفِ صَدَقَةٌ" إذا أمرت من رأيته مقصراً في شيء من الطاعات فهي صدقة.
" وَنَهيٌ عَن مُنكَرٍ صَدَقَةٌ" إذا رأيت شخصاً على منكر ونهيته فهي صدقة .
هذه الأشياء التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنها صدقة يستطيعها هؤلاء الفقراء.
والأغنياء يمكن أن لا يتصدقون كل يوم، وإذا تصدقوا باليوم لا يستوعبون اليوم بالصدقة ، فأنتم قادرون على هذا.
ولما قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اقتنعوا رضي الله عنهم لكن لما قال: "وَفي بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" أي أن الرجل إذا أتى أهله فله بذلك صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ استفهاماً وليس اعتراضاً، لكن يريدون أن يعرفوا وجه ذلك، كيف يأتي الإنسان أهله وشهوته ويقال إنك مأجور؟! أي أن الإنسان قد يستبعد هذا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لهم وجه ذلك فقال: "أَرَأيتُم لو وَضَعَها في حَرَامٍ أَكَانَ عَليهِ وِزر؟" والجواب: نعم يكون عليه وزر لو وضعها في حرام.
قال صلى الله عليه وسلم "فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَها في الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ" فاستغنى عن الحرام فكان مأجوراً بهذا، وهذا ما يسمى عند العلماء بقياس العكس، أي إذا ثبت هذا ثبت ضده في ضده.
* من فوائد الحديث :
.1مسارعة الصحابة رضي الله عنهم وتسابقهم إلى العمل الصالح .
.2أن الصحابة رضي الله عنهم يستعملون أموالهم فيما فيه الخير في الدنيا والآخرة، وهو أنهم يتصدقون.
.3أن الإعمال البدنية يشترك فيها الغني والفقير، لقولهم: "يُصَلونَ كَمَا نُصَلي،وَيَصومُونَ كَمَا نَصوم" وهو كذلك، وقد يكون أداء الفقير أفضل وأكمل من أداء الغني.
.4أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح للفقراء أبواباً من الخير، لقوله: "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَّدَّقونَ بِهِ".
.5تقرير المخاطب بما لا يمكنه إنكاره، لقوله: "أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَدَّقونَ بِهِ" لأن هذا أبلغ في إقامة الحجة عليه.
.6أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال كله صدقة، لكن هذه الصدقة منها واجب، ومنها غير واجب، ومنها متعدٍ،ومنها قاصر حسب ما سنذكره.
قال: ( إِنَّ بِكُلِّ تَسبيحَه صَدَقَةً، وَبِكُلِّ تَكبيرَةٍ صَدَقَةً ، وَبِكُلِّ تَحميدَه صَدَقَةً، وَبِكُلِّ تَهليلَه صَدَقَةً) هذا كله قاصر ومنه واجب، ومنه غير واجب.
فالتكبير منه واجب ومنه غير واجب، فتكبير الصلوات واجب،وتكبير أذكار الصلاة بعدها مستحب،وهكذا يقال في التسبيح والتهليل.
"وَأَمرٌ بِالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَن مُنكَرٍ صَدَقَةٌ" هذا من الواجب، لكن الأمر بالمعروف تارة يكون واجباً وجوب عين على من قدر عليه ولم يوجد غيره،وكذلك النهي عن المنكر، وتارة يكون واجب كفاية لمن قدر عليه ولكن هناك من يقوم مقامه، وتارة يكون مستحباً وذلك في الأمر بالمعروف المستحب، والنهي عن المنكر المكروه إن صح أن يطلق عليه اسم منكر.
والأمر بالمعروف لابد فيه من شرطين:
الشرط الأول: أن يكون الآمر عالماً بأن هذا معروف، فإن كان جاهلاً فإنه لا يجوز أن يتكلم، لأنه إذا أمر بما يجهل فقد قال على الله تعالى ما لا يعلم.
الشرط الثاني:أن يعلم أن هذا المأمور قد ترك المعروف، فإن لم يعلم تركه إياه فليستفصل .
والنهي عن المنكر كذلك لابد فيه من شروط:
الشرط الأول:أن تعلم أن هذا منكر بالدليل الشرعي،لا بالذوق ولا بالعادة ولا بالغيرة ولا بالعاطفة، وليس مجرد أن ترى أنه منكر يكون منكراً، فقد ينكر الإنسان ما كان معروفاً .
الشرط الثاني: أن تعلم أن هذا المخاطب قد وقع في المنكر، فإن لم تعلم فلا يجوز أن تنهى .
الشرط الثالث: أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم، فإن زال المنكر إلى ما هو أعظم كان إنكاره حراماً.
وتحت هذه المسألة أربعة أقسام:
القسم الأول:أن يزول المنكر بالكلية .
القسم الثاني:أن يخف.
القسم الثالث:أن يتحول إلى منكر مثله.
القسم الرابع:أن يتحول إلى منكر أعظم.
فإذا كان إنكار المنكر يزول فلا شك أن الإنكار واجب.
وإذا كان يخف فالإنكار واجب، لأن تخفيف المنكر أمر واجب.
وإذا كان يتحول إلى ما هو مثله فمحل نظر، هل يُرجَّح الإنكار أو لا، فقد يرجح الإنكار لأن الإنسان إذا تغيرت به الأحوال وانتقل من شيء إلى شيء ربما يكون أخف، وقد يكون الأمر بالعكس بحيث يكون بقاؤه على ما هو عليه أحسن من نقله لأنه إذا تعود التنقل انتقل إلى منكرات أخرى.
وإذا كان يتحول إلى ما هو أعظم فالإنكار حرام.
"وَفي بُضع أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" هذه الصدقة قد تكون من الواجب تارة، ومن المستحب تارة.
إذا كان الإنسان يخاف على نفسه الزنا إن لم يأت أهله صار من الصدقة الواجبة، وإلا فهو من الصدقة المستحبة.
وظاهر قوله: "وَفي بُضع أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" أن ذلك صدقة وإن كان على سبيل الشهوة لا علي سبيل الانكفاف عن الحرام، لأنه إذا كان على سبيل الانكفاف عن الحرام فالأمر واضح أنه صدقة ، لأنه يدفع الحرام بالمباح،لكن إذا كان لمجرد الشهوة فظاهر الحديث أن ذلك صدقة.
.7أن الصحابة رضي الله عنهم لا يتركون شيئاً مشكلاً إلا سألوا عنه، لقولهم
"أَيأتي أَحَدنَا شَهوَتَهُ وَيَكَون لَهُ فيهَا أَجر" .
وبه نعلم أن كل شيء لم يسأل عنه الصحابة مما يُظن أنه من أمور الدين فإن السؤال عنه بدعة، لأنه لو كان من دين الله لقيض الله من يسأل عنه حتى يتبين.
.8حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حيث ضرب المثل الذي يقتنع به المخاطب، وهذا من حسن التعليم أن تقرب الأمور الحسيّة بالأمور العقلية، وذلك في قوله: "أَرَأيتُمْ لَو وَضَعَهَا فِي الحَرامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجرٌ".
.9أن القياس حجة، فقياس الموافقة كثير جداً ولا إشكال فيه بأن تقيس هذا الشيء على هذا الشيء في حكم من الأحكام .
لكن قياس العكس صحيح أيضاً،لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس هذا القياس قياس عكس.
.10أن الاكتفاء بالحلال عن الحرام يجعل الحلال قربة وصدقة،لقوله: "وَفِي بُضْع أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" والله الموفق.
<!-- / message -->

الحديث السادس والعشرون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلُّ يَومٍ تَطْلُعُ فِيْهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِيْنُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُ لَهُ عَلَيْهَا أَو تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيْهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيْطُ الأَذى عَنِ الطَّرِيْقِ صَدَقَةٌ"رواه البخاري ومسلم. .
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
السلامى هي المفاصل، وقيل:العظام، والمعنى واحد لا يختلف، لأن كل عظم مفصول عن الآخر بفاصل فإنه يختلف عنه في الشكل، وفي القوة، وفي كل الأمور وهذا من تمام قدرة الله عزّ وجل .
وجاء في صحيح مسلم أن السلامى ثلاثمائة وستون مفصلاً، هكذا جاء في الحديث، والطب الحديث يوافق هذا - سبحان الله - مما يدل على أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حق.
وقوله: "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ" والمعنى: كل مفصل عليه صدقة.
وقوله: "كُلُّ يَومٍ تَطْلُعُ فِيْهِ الشَّمسُ" يعني كل يوم يصبح على كل عضو من أعضائنا صدقة، أي ثلاثمائة وستون في اليوم، فيكون في الأسبوع ألفين وخمسمائة وعشرين.
لكن من نعمة الله أن هذه الصدقة عامة في كل القربات ، فكل القربات صدقات، وهذا شيء ليس بصعب على الإنسان .
ثم قال: "تَعْدِلُ بَينَ اثنَيْنِ صَدَقَة" تعدل أي تفصل بينهما إما بصلح وإما بحكم، والأولى العدل بالصلح إذا أمكن ما لم يتبين للرجل أن الحكم لأحدهما، فإن تبين أن الحكم لأحدهما حرم الصلح، وهذا قد يفعله بعض القضاة، يحاول أن يصلح مع علمه أن الحق مع المدعي أو المدعى عليه، وهذا محرم لأنه بالإصلاح لابد أن يتنازل كل واحد عما ادعاه فيحال بينه وبين حقه.
"وَتُعِيْنُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ" أي بعيره مثلاً "تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا" إذا كان لايستطيع أن يركب تحمله أنت وتضعه على الرحل هذا صدقة "أَو تَحْمِلُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ" متاعه ما يتمتع به في السفر من طعام وشراب وغيرهما، تحمله على البعير وتربطه، هذا صدقة.
"وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ" أي كلمة طيبة سواء طيبة في حق الله كالتسبيح والتكبير والتهليل، أو في حق الناس كحسن الخلق صدقة.
"وَبِكُلِّ خُطوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَة" سواء بعدت المسافة أم قصرت، وإذا كان قد تطهر في بيته وخرج إلى الصلاة لايخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة.
فيكتسب شيئين: رفع الدرجة، وحطّ الخطيئة.
"وَتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيْقِ صَدَقَةٌ" أي تزيل الأذى وهو ما يؤذي المارة من حجر أو زجاج أو قاذورات فأي شيء يؤذي المارين إذا أميط عن طريقهم فإنه صدقة.
* من فوائد الحديث :
.1وجوب الصدقة على كل إنسان كل يوم تطلع فيه الشمس عن كل عضو من أعضائه، لأن قوله: "عَلَيهِ صَدَقَة" وعلى للوجوب .
فإن قال قائل: قد يكون في إحصاء ذلك صعوبة؟
فالجواب: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجزئ من ذلك - أي بدلاً عنه، لأن (من) هنا بدليّة بمعنى بدل ذلك - ركعتان يركعهما من الضحى، فإذا ركعت ركعتين من الضحى صار الباقي نفلاً وتطوعاً. ويؤخذ من هذه الرواية: أنه ينبغي للإنسان أن يداوم على ركعتي الضحى، وجه ذلك: أنها تأتي بدلاً عن هذه الصدقات أي بدلاً عن ثلاثمائة وستين صدقة، وهذا القول هو الراجح: أنه تسن المداومة على ركعتي الضحى.
ووقتها: من ارتفاع الشمس قيد رمح في رأي العين، إلى قبيل الزوال يعني بعد طلوع الشمس بنحو ثلث ساعة إلى قبيل الزوال بعشر أو خمس دقائق، وآخر الوقت أفضل.
وأقلها ركعتان وأكثرها لا حد له، فصلِّ ما شئت فأنت على خير.
.2أن الشمس هي التي تدور على الأرض، فيأتي النهار بدل الليل، لقوله: "تَطْلُعُ فِيْهِ الشَّمْسُ" وهذا واضح أن الحركة حركة الشمس، ويدل لهذا قول الله تعالى: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَال) أربعة أفعال مضافة إلى الشمس، وقال تعالى عن سليمان: ( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)
أي الشمس (بِالْحِجَابِ) أي بالأرض، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ رضي الله عنه حين غربت الشمس: "أَتَدْرِيْ أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ " فأضاف الذهاب إليها أي إلى الشمس.
أفبعد هذا يمكن أن نقول: إن الأرض هي التي تدور، ويكون في دورانها اختلاف الليل والنهار؟ لايمكن إلا إذا ثبت عندنا ثبوتاً قطعياً نستطيع به أن نصرف ظاهر النصوص إلى معنى يطابق الواقع، فإذا ثبت فالقرآن والسنة لا يخالف الواقع، ولكن كيف نتصرف مع هذه الأفعال التي ظاهرها أن الشمس هي التي تدور؟
نتصرف فنقول: تطلع في رأي العين، لأنك أنت مثلاً واقف في السطح أو في البر ترى الشمس تطلع وترتفع في رأي العين، نقول هذا: إذا ثبت قطعاً ثبوتاً حسيّاً أن اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الأرض، وهذا إلى الآن لم نصل إليه، فيجب إبقاء النص على ما هو عليه.
فإذا قال قائل: كيف يتصور الإنسان أن الكبير يدور على الصغير، لأنك إذا نسبت الأرض إلى الشمس فليست بشيء، أي صغيرة.
نقول: إن الذي أدار الكبير على الصغير هو الله عزّ وجل، وهو على كل شيء قدير، ولا مانع.
فهذا ما نعتقده حول هذه المسألة، ومع ذلك لو قال قائل: هل الدلالة قطعية؟
فالجواب: الدلالة ليست قطعية، بل ظنية، ونحن علينا أن نعمل بالدليل الظني الذي هو ظاهر النص حتى يُعارض بدليل قطعي .
.3فضيلة العدل بين الاثنين، وقد حث الله عزّ وجل على الصلح ، والعدل بين الخصمين في الحكم واجب.
.4الحث على معونة الرجل أخاه، لأن معونته إياه صدقة، سواء في المثال الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم أو في غيره.
وهناك أمثلة كثيرة ومن ذلك:
لو وجدت إنساناً على الطريق وطلب منك أن تحمله إلى البلد وحملته، فإنه يدخل في هذا من باب أولى.
ولكن هل يجب عليك أن تحمله، أولا يجب؟
الجواب: إن كان في مهلكة وأمنت منه وجب عليك أن تحمله وجوباً لإنقاذه من الهلكة، والمهلكة إما لقلة الماشي فيها، أو لأن فيها قطاع طريق ربما يقضون على هذا الرجل.
فإن لم تأمن من هذا الرجل فلا يلزمك أن تحمله، مثل أن تخاف من أن يغتالك أو يحول مسيرك إلى اتجاه آخر بالقوة فلا يلزمك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ".
.5الحث على الكلمة الطيبة لقوله: "وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ" والله لا أطيب من كلام الله عزّ وجل القرآن،كل كلمة في القرآن فهي صدقة.
والكلمة الطيبة تكون طيبة في أسلوبها، وفي موضوعها، وفي إلقائها، وفي نواح أخرى والقاعدة: كل كلمة طيبة فهي صدقة.
.6أن إزالة الأذى عن الطريق صدقة، وبقياس العكس نقول: وضع الأذى في الطريق جريمة وأذية، ويتفرع على هذه الفائدة:
إذا كان إماطة الأذى عن الطريق الحسّي صدقة فإماطة الأذى عن الطريق المعنوي أبلغ وذلك ببيان البدع والمنكرات وغيرها .
.7أن كل ما يقرب إلى الله عزّ وجل من عبادة وإحسان إلى خلقه فإنه صدقة . والله الموفق.
الحديث السابع والعشرون
عن النواس بن سمعان رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )) .رواه مسلم.وعن وابصة بن معبد رضى الله عنه ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( جئت تسأل عن البر و الإثم ؟ )) قلت : نعم ؛ قال : (( استفت قلبك ؛ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن اليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك )).
قال الشيخ - رحمه الله - حديث حسن ، رويناه في مسندي الإمام أحمد بن حنبل ، و الدارمي بإسناد حسن .

<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله ( البر) أي الذي ذكره الله تعالى في القرآن فقال ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) )والبر كلمة تدل على كثرة الخير .
( حسن الخلق ) أي حسن الخلق مع الله ، وحسن الخلق مع عباد الله ، فأما حسن الخلق مع الله فان تتلقي أحكامه الشرعية بالرضا والتسليم ، وأن لا يكون في نفسك حرج منها ولا تضيق بها ذرعا
وأيضا حسن الخلق مع الله في أحكامه القدرية وتقوم بما أمرت به وتنزجر عما نهيت عنه .
أما حسن الخلق مع الناس فقد سبق أنه : بذل الندى وكف الأذى والصبر على الأذى ، وطلاقة الوجه .
وهذا هو البر والمراد به البر المطلق ، وهناك بر خاص كبر الوالدين مثلا وهو الإحسان إليهما بالمال والبدن والجاه وسائر الإحسان .
وهل يدخل بر الوالدين في قوله ( حسن الخلق )؟
فالجواب : نعم يدخل.
(والإثم ) هو ضد البر لأن الله تعالى قال : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ) فما هو الإثم ؟
(الإثم ما حاك في نفسك ) أي تردد وصرت منه في قلق ((وكرهت أن يطلع عليه الناس)) لأنه محل ذم وعيب ، فتجدك مترددا فيه وتكره أن يطلع الناس عليك وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافيا سليما ، فهذا هو الذي يحوك في نفسه ما كان إثما ويكره أن يطلع عليه الناس .
أما المتمردون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم فهؤلاء لا يبالون ، بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم ، فالكلام هنا ليس عاما لكل أحد بل هو خاص لمن كان قلبه سليما طاهرا نقيا.
* من فوائد الحديث :
1.أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم ، يتكلم بالكلام اليسير وهو يحمل معاني كثيرة لقوله (البر حسن الخلق ) كلمة جامعة مانعة .
2. الحث على حسن الخلق وأنك متى أحسنت خلقك فإنك في بر .
3. إن المؤمن الذي قلبه صافٍ سليم يحوك في نفسه الإثم وإن لم يعلم أنه إثم بل يتردد فيه.
4. إن الرجل المؤمن يكره أن يطلع الناس على آثامه لقوله ((وكرهت أن يطلع عليه الناس )) أما الرجل الفاجر المتمرد فلا يكره أن يطلع الناس على آثامه.
عن وابصة الأسدي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه فجعلت أتخطاهم قالوا : إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : دعوني فأدنوا منه ، فإنه أحب الناس إلي أن أدنو منه قال : ( دعو وابصة، أدن يا وابصة ) مرتين أو ثلاثا قال : فدنوت منه حتى قعدت بين يديه فقال : ( يا وابصة أخبرك أو تسألني ؟) قلت : لا ، بل أخبرني فقال : (( جئت تسأل عن البر و الإثم ؟ )) فقال : نعم ؛ فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول : (( يا وابصة استفت قلبك ؛ واستفت نفسك ) ثلاث مرات ( البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)).
قوله: ( جئت تسأل عن البر ) قلت: نعم هذه جملة خبرية في ظاهرها ولكنها استفهامية في معناها فمعنى ( جئت تسأل عن البر ) يعني أجئت تسال عن البر ؟
والجملة الخبرية تأتي بمعني الأستفهام كثيرا .
فإن قال قائل : كيف وقع في قلب النبي صلي الله عليه وسلم أن هذا الرجل جاء يسأل عن البر ؟
فالجواب : قضايا الأعيان لا يسأل عنها ، هذه قضية عين يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن وابصة رضي الله عنه يسأل عن البر ، فلما أتى إليه قال له: ( أجئت تسأل عن البر) ويحتمل أن هذا من فراسة النبي صلى الله عليه وسلم فالمهم: أن قضايا الأعيان يصعب جدا أن يدرك الإنسان أسبابها .
( قلت نعم قال : استفت قلبك ) أي اسأل والاستفتاء طلب الافتاء وهو بمعنى الخبر لأن الافتاء إخبار عن حكم شرعي فأحاله النبي صلى الله عليه وسلم على قلبه .
( البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس) اطمأن يعني : استقر فما استقر إليه القلب ورضي به وانشرح به واطمأنت إليه النفس أيضا لا تحدثك نفسك بالخروج عنه فهذا هو البر ولكن لمن قلبه سليم ونيته صادقه .
( والإثم ما حاك في النفس ) أي تردد فيها (وتردد في الصدر ) يعني في القلب لأنه قال : ( البر ما اطمأنت إليه نفسك وأطمأن إليه القلب ) .
( وإن أفتاك الناس وأفتوك ) هذا من باب التوكيد يعني حتى لو أفتاك وأفتاك وأفتاك فلا ترجع إلى فتواهم ما دام قلبك لم يطمئن ولم يستقر فلا تلتفت للفتوى .
* من فوائد الحديث :
1. حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حيث يتقدم للسائل بما في نفسه ليستريح ويطمئن لقوله ( جئت تسأل عن البر ؟) .
2.أن (نعم) جواب لإثبات ما سئل عنه فقول وابصة رضي الله عنه (نعم ) أي جئت أسأل عن البر ؛ ولهذا لو أجاب الإنسان بها من سأله عن شيء فمعناها إثبات ذلك الشيء .
3. جواز الرجوع إلى القلب والنفس لكن بشرط أن يكون هذا الذي رجع إلى قلبه ونفسه ممن استقام دينه ؛ فإن الله عز وجل يؤيد من علم الله منه صدق النية .
4. أن لا يغتر الإنسان بإفتاء الناس لا سيما إذا وجد في نفسه ترددا ؛ فإن كثيراً من الناس يستفتي عالما أو طالب علم فيفتيه ثم يتردد ويشك ؛ فهل لهذا الذي تردد وشك أن يسأل عالما آخر ؟
الجواب : نعم بل يجب عليه أن يسأل عالما آخر إذا تردد في جواب الأول .
5. أن المدار في الشرعية على الأدلة لا على ما أشتهر بين الناس لأن الناس
قد يشتهر عندهم شيء ويفتون به وليس بحق والله الموفق .<!-- / message -->


الحديث الثامن والعشرون
عَن أَبي نَجِيحٍ العربَاضِ بنِ سَاريَةَ رضي الله عنه قَالَ: وَعَظَنا رَسُولُ اللهِ مَوعِظَةً وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ وَذَرَفَت مِنهَا العُيون. فَقُلْنَا: يَارَسُولَ اللهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوصِنَا، قَالَ: (أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ عز وجل وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافَاً كَثِيرَاً؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِيْ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المّهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فإنَّ كلّ مُحدثةٍ بدعة، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح. <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله:"وَعَظَنا" الوعظ:التذكير بما يلين القلب سواء كانت الموعظة ترغيباً أو ترهيباً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة أحياناً.
وقوله: "وَجلَت مِنهَا القُلُوبُ" أي خافت منها القلوب كما قال الله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) .
" وَذَرَفَت مِنهَا العُيون" أي ذرفت الدموع، وهو كناية عن البكاء.
" فَقُلنَا يَا رَسُول الله:كَأنَّها" أي هذه الموعظة "مَوعِظَةَ مُوَدِِّعٍ" وذلك لتأثيرها في إلقائها،وفي موضوعها،وفي هيئة الواعظ لأن كل هذا مؤثر،حتى إننا في عصرنا الآن تسمع الخطيب فيلين قلبك وتخاف وتبكي، فإذا سمعته مسجلاً لم تتأثر، فتأثير المواعظ له أسباب منها: الموضوع،وحال الواعظ،وانفعاله.
" قَالَ أوصيكُم بِتَقوَى الله عزّ وجل" هذه الوصية مأخوذة من قول الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) فتقوى الله رأس كل شيء.
ومعنى التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه على علم وبصيرة.
ولهذا قال بعضهم في تفسيرها: أن تعبد الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما حرم الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
وقال بعضهم:
خل الذنوب صغيرهاوكبيرها ذاك التقى واعمل كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لاتحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
" وَالسَّمعُ والطَّاعَة" أي لولاة الأمر بدليل قوله وَإِن تَأمَّر عَليكُم والسمع والطاعة بأن تسمع إذا تكلم، وأن تطيع إذا أمر .
" وَإن تَأمَّر عَلَيكُم" أي صار أميراً "عبد" أي مملوكاً.
"فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم" أي تطول به الحياة "فَسَيَرى" والسين هنا للتحقيق اختِلاَفاً كَثيراً في العقيدة، وفي العمل ، وفي المنهج، وهذا الذي حصل، فالصحابة رضي الله عنهم الذين عاشوا طويلاً وجدوا من الاختلاف والفتن والشرور ما لم يكن لهم في الحسبان.
ثم أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى ما يلزمونه عند هذا الاختلاف، فقال: "فَعَلَيكُم بِسَّنتي" أي الزموا سنتي، والمراد بالسنة هنا: الطريقة التي هو عليها ، فلا تبتدعوا في دين الله عزّ وجل ما ليس منه ،ولا تخرجوا عن شريعته.
" وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَاشِدين" الخلفاء الذين يخلفون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الخليفة الأول لهذه الأمة، نص النبي صلى الله عليه وسلم على خلافته نصاً يقرب من اليقين، وعامله بأمور تشير إلى أنه الخليفة بعده.
ثم الخليفة من بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه أولى الناس بالخلافة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنهما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان كثيراً ما يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر ،فرأى أبو بكر رضي الله عنه أن أحق الناس بالخلافة عمر رضي الله عنه.
وخلافة عمر رضي الله عنه ثابتة شرعاً لأنها وقعت من خليفة،ثم صارت الخلافة لعثمان رضي الله عنه بمشورة معروفة رتبها عمر رضي الله عنه، ثم صارت بعد ذلك لعلي رضي الله عنه هؤلاء هم الخلفاء الراشدون لا إشكال فيهم.
وقوله: "المهديين" صفة مؤكدة لما سبق، لأنه يلزم من كونهم راشدين أن يكونوا مهديين، إذ لا يمكن رشد إلا بهداية،وعليه فالصفة هنا ليست صفة احتراز ولكنها صفة توكيد وبيان علة،يعني أنهم رشدوا لأنهم مهديون.
"عَضُّوا عَلَيهَا" أي على سنتي وسنة الخلفاء "بالنَّوَاجِذِ" وهي أقصى الأضراس ومن المعلوم أن السنة ليست جسماً يؤكل،لكن هذا كناية عن شدة التمسك بها،أي أن الإنسان يتمسك بهذه السنة حتى يعض عليها بأقصى أضراسه.
"وَإيَّاكُم" لما حث على التمسك بالسنة حذر من البدعة.
"وَإيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمور" أي اجتنبوها،والمراد بالأمور هنا الشؤون، والمراد بالشؤون شؤون الدين،لا المحدثات في أمور الدنيا،لأن المحدثات في أمور الدنيا منها ما هو نافع فهو خير،ومنها ما هو ضار فهو شر،لكن المحدثات في أمور الدين كلها شر، ولهذا قال: "فَإِنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَة" لأنها ابتدعت وأنشئت من جديد.
"كُل بِدعَةٍ ضَلالَة" أي كل بدعة في دين الله عزّ وجل فهي ضلالة .
* من فوائد الحديث :
.1مشروعية الموعظة،ولكن ينبغي أن تكون في محلها،وأن لا يكثر فيُمِل ،ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة،وكان بعض الصحابة يعظ أصحابه كل يوم خميس، يعني في الأسبوع مرة.
.2أنه ينبغي للواعظ أن تكون موعظته مؤثرة باختيار الألفاظ الجزلة المثيرة،وهذا على حسب الموضوع .
.3أن المخاطب بالموعظة إذا كانت بليغة فسوف يتأثر لقوله: "وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ، وَ ذَرَفَت مِنهَا العُيونُ" .
.4أن القلب إذا خاف بكت العين، وإذا كان قاسياً، نسأل الله عزّ وجل أن يبعدنا وإياكم من قسوة القلب،لم تدمع العين.
.5أنه جرت العادة أن موعظة المودع تكون بليغة مؤثرة،لأن المودع لن يبقى عند قومه حتى يكرر عليهم الموعظة فيأتي بموعظة مؤثرة يُذَكر بها بعد ذلك لقولهم: "كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ موَدِِّعٍ" .
.6طلب الإنسان من العالم أن يوصيه،لقولهم رضي الله عنهم "فَأَوصِنَا".
ولكن هل هذا يكون بدون سبب،أو إذا وجد سبب لذلك؟
الظاهر الثاني:بمعنى أنه ليس كلما قابلت أحداً تقول:أوصني،فإن هذا مخالف لهدي الصحابة فيما يظهر ومن ذلك السفر، أي إذا أراد الإنسان أن يسافر وقال مثلاً للعالِم أوصني، فهذا مشروع.
.7أن أهم ما يوصى به العبد تقوى الله عزّ وجل لقوله: "أُوصيكُم بِتَقوَى الله".
.8فضيلة التقوى حيث كانت أهم وأولى وأول ما يوصى به العبد.
.9وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لولاة الأمور،والسمع والطاعة لهم واجب بالكتاب والسنة،قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) فجعل طاعة أولي الأمر في المرتبة الثالثة ولكنه لم يأت بالفعل (أطيعوا ) لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا لو أمر ولاة الأمور بمعصية الله عزّ وجل فلا سمع ولا طاعة.
وظاهر الحديث وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وإن كان يعصي الله عزّ وجل إذا لم يأمرك بمعصية الله عزّ وجل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اسمَع وَأَطِع وَإِن ضَرَبَ ظَهرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ"وضرب الظهر وأخذ المال بلا سبب شرعي معصية لا شك، فلا يقول الإنسان لولي الأمر: أنا لا أطيعك حتى تطيع ربك، فهذا حرام، بل يجب أن يطيعه وإن لم يطع ربه.
أما لو أمر بالمعصية فلا سمع ولا طاعة .
.10ثبوت إمرة العبد،لقوله: "وَإِن تَأَمرَ عَلَيكُم عَبدٌ" ولكن هل يلزم طاعة الأمير في كل شيء، أو فيما يتعلق بالحكم؟
الجواب:الثاني، أي فيما يتعلق بالحكم ورعاية الناس، فلو قال لك الأمير مثلاً: لا تأكل اليوم إلا وجبتين. أو ما أشبه ذلك فلم يجب عليك أن توافق إلا أنه يحرم عليك أن تنابذ، بمعنى أن تعصيه جهاراً لأن هذا يفسد الناس عليه.
.11وجوب طاعة الأمير وإن لم يكن السلطان، لقوله: "وَإِن تَأَمرَ عَلَيكُم" ومعلوم أن الأمة الإسلامية من قديم الزمان فيها خليفة وهو السلطان، وهناك أمراء للبلدان، وإذا وجبت طاعة الأمير فطاعة السلطان من باب أولى.
وهنا سؤال يكثر: إذا أمَّر الناس عليهم أميراً في السفر، فهل تلزمهم طاعته؟
فالجواب: نعم، تلزمهم طاعته،وإذا لم نقل بذلك لم يكن هناك فائدة من تأميره،لكن طاعته فيما يتعلق بأمور السفر لا في كل شيء،إلا أن الشيء الذي لا يتعلق بأمور السفر لا تجوز منابذته فيه .
.12ظهور آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيرَاً" فقد وقع الأمر كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: وهل يمكن أن نطبق هذه الجملة في كل زمان،بمعنى أن نقول: من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؟
فالجواب: لا نستطيع أن نطبقها في كل زمان،لكن الواقع أن من طال عمره رأى اختلافاً كثيراً.
.13وجوب التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم عند الاختلاف، لقوله: "فَعَلَيكُم بِسنَّتي" والتمسك بها واجب في كل حال لكن يتأكد عند وجود الاختلاف.
.14أنه يجب على الإنسان أن يتعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
.15أن للخلفاء سنة متبعة بقول النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فما سنه الخلفاء الراشدون أُعتبر سنة للرسول صلى الله عليه وسلم بإقراره إياهم، ووجه كونه أقره أنه أوصى باتباع سنة الخلفاء الراشدين .
.16أنه إذا كثرت الأحزاب في الأمة فلا تنتم إلى حزب، فقد ظهرت طوائف من قديم الزمان مثل الخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة،ثم ظهرت أخيراً إخوانيون وسلفيون وتبليغيون وما أشبه ذلك، فكل هذه الفرق اجعلها على اليسار وعليك بالأمام وهو ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "عَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنََّة الخُلَفَاء الرَاشِدين"
.17الحث على التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين تمسكاً تاماً، لقوله: "عضوا عَلَيهَا بالنَّوَاجِذِ".
.18التحذير من البدع، أي من محدثات الأمور، لأن (إيَّا) في قوله "وَإيَّاكم" معناها التحذير من محدثات الأمور لكن في الدين، أما في الدنيا إما مطلوب وإما مذموم حسب ما يؤدي إليه من النتائج.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الكلية العامة الواضحة البينة: "كُلَّ مُحدَثَةٍ بدعَةٌ" وبين قوله صلى الله عليه وسلم "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوم القِيامَةِ"
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول:أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي من ابتدأ العمل بالسنة، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره بعد أن حث على الصدقة للقوم الذين وفدوا إلى المدينة ورغب فيها، فجاء الصحابة كلٌّ بما تيسر له، وجاء رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ فَلَهُ أَجرَها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيامَةِ" أي ابتدأ العمل سنة ثابتة، وليس أنه يأتي هو بسنة جديدة، بل يبتدئ العمل لأنه إذا ابتدأ العمل سن الطريق للناس وتأسوا به وأخذوا بما فعل.
الوجه الثاني:أن يقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي سن الوصول إلى شيء مشروع من قبل كجمع الصحابة المصاحف على مصحف واحد، فهذا سنة حسنة لاشك، لأن المقصود من ذلك منع التفرق بين المسلمين وتضليل بعضهم بعضاً.
كذلك أيضاً جمع السنة وتبويبها وترتيبها، فهذه سنة حسنة يتوصل بها إلى حفظ السنة.
إذاً يُحمَل قوله: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ" على الوسائل إلى أمور ثابتة شرعاً، ووجه هذا أننا نعلم أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يتناقض، ونعلم أنه لو فُتِحَ الباب لكل شخص أو لكل طائفة أن تبتدع في الدين ما ليس منه لتمزقت الأمة وتفرقت،وقد قال الله عزّ وجل: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
.19أن جميع البدع ضلالة ليس فيها هدى، بل هي شر محض حتى وإن استحسنها من ابتدعها فإنها ليست حسنى،بل ولا حسنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة" ولم يستثنِ النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً.
والله الموفق.
<!-- / message -->

<!-- message -->

الحديث التاسع والعشرون
عَن مُعَاذ بن جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ الله أَخبِرنِي بِعَمَلٍٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعدني منٍ النار قَالَ: (لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيْمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيْرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ لاَتُشْرِكُ بِهِ شَيْئَا، وَتُقِيْمُ الصَّلاة، وَتُؤتِي الزَّكَاة، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حَتَّى بَلَغَ: (يَعْلَمُونْ) [السجدة:16-17] ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَارَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ:بَلَى يَارَسُولَ اللهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ يَانَبِيَّ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَامُعَاذُ. وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَو قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
هِمَمُ الصحابة رضي الله عنهم عالية، فلم يقل:أخبرني بعمل أكسب فيه العشرة عشرين أو ثلاثين أو ما أشبه بذلك ، بل قال: "أَخبِرنِي بِعَمَلٍٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعدني من النارَ ..." أي يكون سبباً لدخول الجنة والبعد عن النار .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لَقَد سَأَلتَ عَنْ عَظيمٍ" أي والله عظيم، هذه هي الحياة، أن تدخل الجنة وتبتعد عن النار، هذا هو الفوز والفلاح، قال الله عزّ وجل: ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ) ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عظيم، ولكن الحمد لله. "وَإِنهُ ليَسيرٌ عَلى مِنْ يَسرَهُ اللهُ عَلَيه" - اللهم يسره علينا يا رب العالمين - وصدق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الدين الإسلامي مبني على اليسر، قال الله تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ومبني على السمح قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو يبعثهم إلى الجهات: "يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، بَشِّروا وَلاَ تُنَفِّروا"، "فَإِنَمَا بُعِثتُم مُيَسِّرين وَلَم تُبعَثوا مُعَسِّرين"وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هذا الدينُ يُسر، وَلَن يُشَاد الدينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ" فهو يسير لكن لمن يسره الله عليه، ثم شرح ذلك فقال:
" تَعبُدَ اللهَ" بمعنى تتذلل له بالعبادة حباً وتعظيماً، فبالمحبة تفعل الطاعات، وبالتعظيم تترك المعاصي.
"لا تُشرِك بِهِ شيئاً" أي شي يكون حتى الأنبياء، بل الأنبياء ما جاؤوا إلا لمحاربة الشرك، فلا تشرك به شيئاً لا ملكاً مقرباً،ولا نبياً مرسلاً،
قال:"وَتُقيم الصَلاةَ، وَتُؤتي الزكَاةَ، وَتَصوم رَمَضَانَ،وَتَحُج البَيتَ" هذه أركان الإسلام الخمسة ، وقد مرت.
ثم قال: "أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبوَابِ الخَيرِ" أبواب أي مسائل، وأبواب تستعمل في الباب الذي يفتح للداخل والخارج، وتستعمل في المسائل، ومن هذا قول العلماء في مؤلفاتهم:هذا الباب في كذا وكذا. وقول المحدثين: لا يصح في هذا الباب شيء، أي لا يصح في هذه المسألة شيء.
فقوله: "أَبوَابِ الخَيرِ" أي مسائل الخير، ويجوز أن يكون المراد به الباب المعروف الذي يكون منه الدخول والخروج.
"أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبوَابِ الخَيرِ" والجواب: بلى، لكن حذف للعلم به، لأنه لابد أن يكون الجواب بلى.
قال: "الصَّومُ جنةٌ" أي مانع يمنع صاحبه في الدنيا ويمنع صاحبه في الآخرة.
أما في الدنيا فإنه يمنع صاحبه من تناول الشهوات الممنوعة في الصوم، وأما في الآخرة فهو جُنَّةٌ من النار، يقيك من النار يوم القيامة.
والصوم: التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
"وَالصَّدَقَة تُطفِىء الخَطيئَة كَمَا يُطفِىء المَاءُ النَّارَ" الصدقة مطلقاً سواء الزكاة الواجبة أو التطوع،و سواء كانت قليلة أو كثيرة.
"تُطفِئ الخَطيئَة" أي خطيئة بني آدم، وهي المعاصي.
"كَمَا يُطفِئ المَاءُ النَّارَ" والماء يطفئ النار بدون تردد، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم الأمر المعنوي بالأمر الحسي.
"وَصَلاةُ الرّجُل في جَوفِ اللَّيلِ" هذه معطوفة على قوله "الصدقة" أي وصلاة الرجل في جوف الليل تطفئ الخطيئة، وجوف الليل وسطه كجوف الإنسان.
ثم تلا صلى الله عليه وسلم : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* ) تلا أي قرأ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) هذا في وصف المؤمنين، أي أنهم لا ينامون (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) إن ذكروا ذنوبهم خافوا، وإن ذكروا فضل الله طمعوا، فهم بين الخوف و الرجاء، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) ( من ) هنا إما أن تكون للتبعيض والمعنى ينفقون بعضها، أو تكون للبيان،والمعنى ينفقون مما رزقهم الله عزّ وجل قليلاً كان أو كثيراً (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، استشهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على فضيلة قيام الليل،ثم قال: "أَلاَ أُخبِرُكَ بِرَأَسِ الأَمرِ،وَعَمودِهِ،وذِروَةِ سِنَامِهِ" ثلاثة أشياء:
"قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: رَأَسُ الأَمرِ الإِسلام " أمر الإنسان الذي من أجله خُلِقَ، رأسه الإسلام ، أي أن يسلم لله تعالى ظاهراً وباطناً بقلبه وجوارحه.
"وَعَمودِهِ الصلاة" أي عمود الإسلام الصلوات ،والمراد بها الصلوات الخمس، وعمود الخيمة ما تقوم عليه، وإذا أزيل سقطت.
"وَذِروَةِ سِنَامِهِ الجِهَاد في سَبيلِ الله" ذكر الجهاد أنه ذروة السنام،لأن الذروة أعلى شيء ، قال الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
وقوله: "الجهاد" يعني في سبيل الله عزّ وجل والجهاد في سبيل الله بينه النبي صلى الله عليه وسلم أتم بيان، فقد سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "مَن قَاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُليَا فَهوَ في سَبيلِ اللهِ"
ثم قال: "أَلاَ أُخبِرُكَ بِمَلاك ذَلكَ كُله" ملاك الشيء ما يملك به، والمعنى ما تملك به كل هذا .
"قُلتُ:بَلَى يَا رَسُول الله، قَالَ: فَأَخذ بِلِسانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَليكَ هَذا" أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال: "كُفَّ عَليكَ هَذا" أي لاتطلقه في القيل والقال، وقد تقدم قوله: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرَاً أَو ليَصمُت" فلا تتكلم إلا بخير.
"قُلتُ: يَا نَبيَّ الله وَإِنَّا لَمؤاخِذونَ بِما نَتَكَلّم بِه" والمعنى:أإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني أن معاذاً رضي الله عنه تعجب كيف يؤاخذ الإنسان بما يتكلم به.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم حثاً على أن يفهم: "ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذ" أي فقدتك، وهذه الكلمة يقولها العرب للإغراء والحث،ولا يقصدون بها المعنى الظاهر، وهو أن تفقده أمه،.
"وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النارِ عَلى وجُوهِهم، أَو قَالَ: عَلَى منَاخِرهِم" هذا شك من الراوي "إِلا حَصائدُ أَلسِنَتِهم" أي ما يحصدون بألسنتهم من الأقوال.
لما قال هذا الكلام اقتنع معاذ رضي الله عنه وعرف أن ملاك الأمر كف اللسان،لأن اللسان قد يقول الشرك، وقد يقول الكفر، وقد يقول الفحشاء، فهو ليس له حد.
* من فوائد الحديث :
1- حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، ولهذا يكثر منهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن العلم .
ولكن هل سؤالهم رضي الله عنهم لمجرد أن يعلموا بالحكم، أولأجل أن يطبقوه؟
الجواب: الثاني، عكس ما يفعله بعض الناس اليوم ،حيث يسأل ليعرف الحكم فقط، ثم هو بالخيار إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهذا غلط،بل اجعل غايتك من العلم العمل به دون الاطلاع على أقوال الناس.
2- علو همة معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث لم يسأل عن أمور الدنيا، بل عن أمور الآخرة،حيث قال: "أَخْبِرنِي عَنْ عَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ ويُبَاعِدُنِي مِنَ النَّار" .
.3إثبات الجنة والنار، والإيمان بهما أحد أركان الإيمان الستة كما سبق.
.4أن العمل يدخل الجنة ويباعد عن النار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا.
.5أن هذا السؤال الذي صدر من معاذ رضي الله عنه سؤال عظيم، لأنه في الحقيقة هو سر الحياة والوجود، فكل موجود في هذه الدنيا من بني آدم أو من الجنّ غايته إما الجنة وإما النار، فلذلك كان هذا السؤال عظيماً.
.6أن هذا وإن كان عظيماً فهو يسير على من يسره الله عليه.
.7أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله تعالى التيسير، أن ييسر أموره في دينه ودنياه،
.8ذكر أركان الإسلام الخمسة، في قوله: "تَعْبُدَ اللهَ لا تُشرِكْ بهِ شَيئاً، وَتُقِيْمَ الصّلاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ" ولم يذكر الرسالة، لأن عبادة الله تتضمن الرسالة، إذ لا يمكن أن يعبد الإنسان ربه إلا بما شرع نبيه.
.9 أن أغلى المهمّات وأعلى الواجبات عبادة الله وحده لاشريك له، أي التوحيد.
.10 قوله: "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ" وهذا من عادته أنه إذا دعت الحاجة إلى ذكر شيء يضاف إلى الجواب أضافه .
.11أن الصوم جنة وبناء على هذا فمن لم يكن صومه جنة له فإنه ناقص، ولهذا يحرم على الإنسان تناول المعاصي في حال الصوم.
ولكن هل المعاصي تبطل الصوم أو لا؟
فالجواب: إن كان هذا المحرم خاصاً بالصوم أفسد الصوم، وإن كان عاماً لم يفسده.
.12أن الصدقة تطفئ الخطيئة، ففيه الحث على الصدقة فإذا كثرت خطاياك فأكثر من الصدقة فإنها تطفئ الخطيئة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ"وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ،.. إلى أَنْ قَالَ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاتَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ"
.13أن الخطيئة فيها شيء من الحرارة لأنه يعذب عليها الإنسان بالنار، والماء فيه شيء من البرودة، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالماء يطفىء النار.
.14حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وما أكثر ما يمر علينا حسن تعليمه صلوات الله وسلامه عليه
.15 الحث على صلاة الليل، وبيان أنها تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار.
.16-استدلال النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن مع أن القرآن أنزل عليه، لكن القرآن يستدل به لأن كلام الله تعالى مقنع لكل أحد، ولهذا تلا هذه الآية: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ)
فإن قال قائل: لم يذكر في الحديث أنه استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
فالجواب: أن هذه الآية لا يراد بها التلاوة، وإنما يراد بها الاستدلال، والآية الكريمة: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) يعني للتلاوة، وأحاديث كثيرة من هذا النوع يُذكر فيها الاستشهاد بالآيات،ولا يذكر فيها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
.17فضيلة أولئك القوم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، لأنهم يشتغلون بالصلاة يدعون ربهم خوفاً وطمعاً .
.18ومن فوائد الآية التي استشهد بها النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ينبغي للإنسان أن يكون عند دعوة الله عزّ وجل خائفاً راجياً، لقوله: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً)
والمراد دعاء العبادة ودعاء المسألة .
.19ومن فوائد الآية المذكورة في الحديث: فضيلة الإنفاق مما رزق الله العبد، لقوله:) وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) .
20ومن فوائد الحديث: أن رأس الأمر - أي أمر الدنيا والآخرة- الإسلام. والإسلام هوما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ بعد بعثته لا إسلام إلا ما كان على شريعته، وعلى هذا فلو سألك سائل: هل اليهود مسلمون؟ هل النصارى مسلمون؟
فالجواب: أن اليهود في حال قيام شريعة التوراة إذا اتبعوها فهم مسلمون، وكذلك النصارى في حال قيام الإنجيل إذا اتبعوه فهم مسلمون، ولهذا في القرآن الكريم ذكر الإسلام لهؤلاء وهؤلاء. وأما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فإن كل من كفر به ليس بمسلم حتى لو قال:أني أسلمت.
.21أن الصلاة عمود الدين، والعمود لا يستقيم البناء إلا به.
ويتفرّع على هذا: أن من ترك الصلاة فهو كافر، لأن العمود إذا سقط لم يستقم البناء، وهذا القول هو القول الراجح الذي دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم حتى حكي هذا القول إجماعاً من الصحابة، وهو مقتضى النظر والقياس، إذ كيف يمكن لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يحافظ على ترك الصلاة؟ لايمكن هذا أبداً.
ويرى بعض أهل العلم من السابقين واللاحقين أن ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها بلا عذر كفر.
ولكن الذي أرى: أنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلاة نهائياً.
.22أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، والذروة هو الشيء العالي، لأنه إذا استقام الجهاد فمقتضاه أن المسلمين تكون كلمتهم هي العليا، وهذا ذروة السنام.
ولكن يقيد هذا الإطلاق بما إذا كان الجهاد في سبيل الله عزّ وجل يتعيّن .
.23أن ملاك هذا كله كف اللسان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلا أُخْبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ"
.24خطورة اللسان، فاللسان من أخطر ما يكون .
.25التعليم بالقول وبالفعل، لقوله: "أَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" .
.26أن الصحابة رضي الله عنهم لا يبقون في نفوسهم إشكالاً ولا قلقاً، بل يسألون عنه حتى ينكشف الأمر.
ومن هنا نأخذ فائدة عظيمة وهي:أن ما لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم ولم يرد في الكتاب والسنة من مسائل الاعتقاد فالواجب الكفّ عنها، فإذا سألك إنسان عن شيء في الاعتقاد،سواء في أسماء الله، أو صفات الله أو أفعال الله، أو في اليوم الآخر أو غيره ولم يسأل عنه الصحابة فقل له:هذا بدعة، لو كان خيراً لسبقونا إليه لأنهم - والله - أحرص منا على العلم، وأشد منا خشية لله تعالى.
.27 جواز إطلاق القول الذي لا يقصد وإنما يدرج على اللسان، لقوله: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَامُعَاذُ" هذه الكلمة دعاء، لكنها تجري على الألسن لقصد الحث لا للدعاء، وهي موافقة للقاعدة الشرعية،وهي أن الله تعالى لا يؤاخذ باللغو كما قال الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) وفي الآية الأخرى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) وعلى هذا فما يجري على اللسان من الأيمان لا يؤاخذ به الإنسان .
.28أن أهل النار - والعياذ بالله - قد يكبون في النار على وجوههم، لقوله: "وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّار عَلَى وُجُوهِهِم أو قال: عَلَى مَنَاخِرِهِم" وهذا اختلاف لفظ والمعنى واحد،لأن المنخر في الوجه، واسمع قول الله عزّ وجل: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ) العادة أن الإنسان يتقي العذاب بيده، لكن أهل النار - أجارنا الله منها بمنّه وكرمه - لا يستطيعون، تلفح وجوههم النار،يتقي بوجهه سوء العذاب
.29الحذر من إطلاق اللسان، وقد مرّ علينا في الأحاديث السابقة .
30تحرّي ما نقل في الحديث من أقوال رسول الله حيث قال: "عَلَى وُجُوهِهِم أو مَنَاخِرِهِم" وهذا يدلّ على الأمانة التامّة في نقل الأحاديث. ولله الحمد .
<!-- / message -->
الحديث الثلاثون
عَنْ أَبِيْ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ جُرثُومِ بنِ نَاشِرٍ رضي الله عنه عَن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودَاً فَلا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره


<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
" فَرَضَ" أي أوجب قطعاً، لأنه من الفرض وهو القطع.
" فَرَضَ فَرَائِضَ" مثل الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام،والحج،وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ومالا يحصى.
" فَلا تُضَيِّعُوهَا" أي تهملوها فتضيع ، بل حافظوا عليها.
"وَحَدَّ حُدودَاً فَلا تَعتَدوها" الحد في اللغة المنع، ومنه الحد بين الأراضي لمنعه من دخول أحد الجارين على الآخر، وفي الاصطلاح قيل:إن المراد بالحدود الواجبات والمحرمات.
فالواجبات حدود لا تُتعدى، والمحرمات حدود لا تقرب.
وقال بعضهم: المراد بالحدود العقوبات الشرعية كعقوبة الزنا، وعقوبة السرقة وما أشبه ذلك.
ولكن الصواب الأول،أن المراد بالحدود في الحديث محارم الله عزّ وجل الواجبات والمحرمات، لكن الواجب نقول:لا تعتده أي لاتتجاوزه، والمحرم نقول: لا تقربه، هكذا في القرآن الكريم لما ذكر الله تعالى تحريم الأكل والشرب على الصائم قال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) ولما ذكر العدة وما يجب فيها قال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقرَبُوهَا ) .
"وَحَرَّمَ أَشيَاء فَلا تَنتَهِكوهَا" أي فلا تفعلوها، مثل :الزنا، وشرب الخمر، والقذف، وأشياء كثيرة لا تحصى.
"وَسَكَتَ عَنْ أَشيَاء رَحمَةً لَكُمْ غَيرَ نسيَان فَلا تَبحَثوا عَنهَا" سكت عن أشياء أي لم يحرمها ولم يفرضها.
قال: سكت بمعنى لم يقل فيها شيئاً ، ولا أوجبها ولا حرمها.
وقوله: "غَيْرَ نسيَان" أي أنه عزّ وجل لم يتركها ناسياً ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) ولكن رحمة بالخلق حتى لا يضيق عليهم.
"فَلا تَبحَثوا عَنهَا" أي لا تسألوا، مأخوذ من بحث الطائر في الأرض، أي لا تُنَقِّبُوا عنها،بل دعوها.
* من فوائد الحديث :
1-إثبات أن الأمر لله عزّ وجل وحده، فهو الذي يفرض،وهو الذي يوجب،وهو الذي يحرم، فالأمر بيده، لا أحد يستطيع أن يوجب مالم يوجبه الله، أو يحرم مالم يحرمه الله،لقوله: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائض" ...وقَالَ: "وَحَرمَ أَشيَاء"
فإن قال قائل: هل الفرض والواجب بمعنى واحد، أو الفرض غير الواجب؟
فالجواب:أما من حيث التأثيم بترك ذلك فهما واحد.
وأما من حيث الوصف:هل هذا فرض أو واجب؟ فقد اختلف العلماء- رحمهم الله- والصواب: أن الفرض والواجب بمعنى واحد، ولكن إذا تأكد صار فريضة، وإذا كان دون ذلك فهو واجب، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة .
.2أن الدين الإسلامي ينقسم إلى فرائض ومحرمات.
.3وجوب المحافظة على فرائض الله عزّ وجل، مأخوذ من النهي عن إضاعتها، فإن مفهومه وجوب المحافظة عليها.
.4أن الله عزّ وجل حد حدوداً، بمعنى أنه جعل الواجب بيناً والحرام بيناً:
.5تحريم تعدي حدود الله، لقوله: "فَلاَ تَعتَدوهَا".
.6أنه لا يجوز تجاوز الحد في العقوبات .
.7وصف الله عزّ وجل بالسكوت، هذا من تمام كماله عزّ وجل، أنه إذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم.
.8أنه يحرم على الإنسان أن ينتهك محارم الله عزّ وجل .
وطرق التحريم كثيرة، منها: النهي، ومنها: التصريح بالتحريم،ومنها: ذكر العقوبة على الفعل، ولإثبات التحريم طرق.
.9أن ما سكت الله عنه فلم يفرضه، ولم يحده، ولم ينه عنه فهو الحلال، لكن هذا في غير العبادات،فالعبادات قد حرم الله عزّ وجل أن يشرع أحد الناس عبادة لم يأذن بها الله عزّ وجل، فتدخل في قوله: "حَرَّمَ أَشيَاء فَلاَ تَنتَهِكُوهَا".
لأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل عليها،وغير ذلك الأصل فيه الإباحة، فما سُكِتَ عنه فهو مباح.
.10أنه لا ينبغي البحث عما سكت الله تعالى عنه ورسوله .
وهل هذا النهي في عهد الرسالة ، أم إلى الآن ؟
في هذا قولان للعلماء منهم من قال: هذا خاص في عهد الرسالة، لأن ذلك عهد نزول الوحي، فقد يسأل الإنسان عن شيء لم يُحرم فيحرم من أجله، أو عن شيء لم يجب فيوجب من أجله .
أما بعد عهد الرسالة فلا بأس أن يبحث الإنسان.
ولكن الصواب في هذه المسالة أن النهي حتى بعد عهد الرسالة إلا أنه إذا كان المراد بالبحث الاتساع في العلم كما يفعله طلبة العلم، فهذا لا بأس به، لأن طالب العلم ينبغي أن يعرف كل مسألة يحتمل وقوعها حتى يعرف الجواب، وأما إذا لم يكن كذلك فلا يبحث، بل يمشي على ما كان عليه الناس.
.11إثبات رحمة الله عزّ وجل في شرعه، لقوله: "رَحمَةً بِكُم" وكل الشرع رحمة،لأن جزاءه أكثر بكثير من العمل،فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومع ذلك فالله عزّ وجل خفف عن العباد ، وسكت عن أشياء كثيرة لم يمنعهم منها ولم يلزمهم بها.
.12انتفاء النسيان عن الله عزّ وجل، لقوله "غَيرَ نسيَان" وقد جاء ذلك في القرآن الكريم،فقال الله عزّ وجل: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً)[مريم: 64] وقال موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون لما سأله ما بال القرون الأولى: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طـه: 52)
فإن قال قائل: ما الجواب عن قول الله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)(التوبة: الآية67) فأثبت لنفسه النسيان؟
فالجواب:أن المراد:النسيان هنا نسيان الترك، يعني تركوا الله فتركهم. فهؤلاء تعمدوا الشرك وترك الواجب، ولم يفعلوا ذلك نسياناً. إذاً: (نَسُوا اللَّهَ) [التوبة:67] أي تركوا دين الله (فَنَسِيَهُمْ) أي فتركهم.
أما النسيان الذي هو الذهول عن شيء معلوم فهذا لا يمكن أن يوصف الله عزّ وجل به، بل يوصف به الإنسان،لأن الإنسان ينسى، ومع ذلك لا يؤاخذ بالنسيان لأنه وقع بغير اختيار.
.13حسن بيان النبي صلى الله عليه وسلم حيث ساق الحديث بهذا التقسيم الواضح البين والله أعلم.

الدمشقي
09-07-09, 03:46 AM
الحديث الحادي والثلاثون
عَنْ أَبي العَباس سَعدِ بنِ سَهلٍ السَّاعِدي رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله: دُلَّني عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمَلتُهُ أَحَبَّني اللهُ، وَأَحبَّني النَاسُ ؟ فَقَالَ: (ازهَد في الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ ، وازهَد فيمَا عِندَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ) حديث حسن رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة.

<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>
الشرح
قوله "جَاءَ رَجُلٌ" لم يعين اسمه، ومثل هذا لا حاجة إليه، ولاينبغي أن نتكلف بإضاعة الوقت في معرفة هذا الرجل، وهذا يأتي في أحاديث كثيرة، إلا إذا كان يترتب على معرفته بعينه اختلاف الحكم فلابد من معرفته.
وقوله: "دُلني عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَملتُهُ أَحَبَّني الله،وَأَحبَّني النَّاس" هذا الرجل طلب حاجتين عظيمتين، أولهما محبة الله عزّ وجل والثانية محبة الناس.
فدله النبي صلى الله عليه وسلم على عمل معين محدد،فقال: "ازهَد في الدُّنيَا" والزهد في الدنيا الرغبة عنها، وأن لا يتناول الإنسان منها إلا ما ينفعه في الآخرة، وهو أعلى من الورع، لأن الورع: ترك ما يضر من أمور الدنيا ، والزهد: ترك مالا ينفع في الآخرة، وترك ما لا ينفع أعلى من ترك ما يضر .
وقوله: "يُحِبكَ الله" هو بالجزم على أنه جواب : ازهَد
والدنيا: هي هذه الدار التي نحن فيها، وسميت بذلك لوجهين:
الوجه الأول: دنيا في الزمن.
الوجه الثاني: دنيا في المرتبة.
فهي دنيا في الزمن لأنها قبل الآخرة، ودنيا في المرتبة لأنها دون الآخرة بكثير جداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَمَوضِعُ سوطِ أَحَدِكُم في الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فيهَا"وقال النبي صلى الله عليه وسلم "ركعَتَا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فيهَا"إذاً الدنيا ليست بشيء.
وقوله: "وازهَد فيمَا عِندَ النَاس يُحِبكَ النَّاس" أي لا تتطلع لما في أيديهم، ارغب عما في أيدي الناس يحبك الناس، وهذا يتضمن ترك سؤال الناس أي أن لا تسأل الناس شيئاً، لأنك إذا سألت أثقلت عليهم، وكنت دانياً سافلاً بالنسبة لهم،فإن اليد العليا المعطية خير من اليد السفلى الآخذة.

* من فوائد الحديث :
1-علو-همم الصحابة رضي الله عنهم، فلا تكاد تجد أسئلتهم إلا لما فيه خير في الدنيا أو الآخرة أو فيهما جميعاً.
وهنا السؤال : هل الصحابة رضي الله عنهم إذا سألوا مثل هذا السؤال يريدون أن يطلعوا فقط، أو يريدون أن يطلعوا ويعملوا؟
الجواب:الثاني،بخلاف كثير من الناس اليوم-نسأل الله أن لايجعلنا منهم .
.2إثبات محبة الله عزّ وجل،أي أن الله تعالى يحب محبة حقيقية.
ولكن هل هي كمحبتنا للشيء؟
الجواب:لا، حتى محبة الله لنا ليست كمحبتنا لله، بل هي أعلى وأعظم، وإذا كنا الآن نشعر بأن أسباب المحبة متنوعة،وأن المحبة تتبع تلك الأسباب وتتكيف بكيفيتها فكيف بمحبة الخالق؟!! لا يمكن إدراكها.
.3أن الإنسان لا حرج عليه أن يطلب محبة الناس،أي أن يحبوه،سواء كانوا مسلمين أو كفاراً حتى نقول:لا حرج عليه أن يطلب محبة الكفار له، لأن الله عزّ وجل قال: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) ومن المعلوم أنه إذا برهم بالهدايا أو الصدقات فسوف يحبونه،أو عدل فيهم فسوف يحبونه،والمحذور أن تحبهم أنت .
.4فضيلة الزهد في الدنيا، ومعنى الزهد: أن يترك مالا ينفعه في الآخرة.
وليس الزهد أنه لا يلبس الثياب الجميلة، ولا يركب السيارات الفخمة، وإنما يتقشف ويأكل الخبز بلا إدام وما أشبه ذلك، ولكن يتمتع بما أنعم الله عليه،لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وإذا تمتع بالملاذ على هذا الوجه صار نافعاً له في الآخرة .
.5أن الزهد مرتبته أعلى من الورع .
.6أن الزهد من أسباب محبة الله عزّ وجل لقوله "ازهَد في الدنيَا يُحِبكَ اللهُ" ومن أسباب محبة الله للعبد وهو أعظم الأسباب: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)
.7الحث والترغيب في الزهد فيما عند الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله سبباً لمحبة الناس لك، وهذا يشمل أن لا تسأل الناس شيئاً، وأن لا تتطلع وتعرِّض بأنك تريد كذا.
ولكن هنا مسألة: إذا علمت أن صاحبك لو سألته لسره ذلك، فهل تسأله؟
الجواب:نعم،لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى اللحم على النار قال: "ألم أرَ البرمة على النار" قالوا:يا رسول الله: هذا لحم تصدق به على بريرة ، فقال: "هو لها صدقة، ولنا هدية أننا نعلم علم اليقين أن بريرة رضي الله عنها سوف تسر، فإذا علمت أن سؤالك يسر صاحبك فلا حرج والله الموفق.
<HR>
الحديث الثاني والثلاثون
عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدعوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَال قَومٍ وَدِمَاءهُمْ، وَلَكِنِ البَينَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمينُ عَلَى مَن أَنكَر"] حديث حسن رواه البيهقي هكذا بعضه في الصحيحين.
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله: "لَو يُعطَى" المعطي هو من له حق الإعطاء كالقاضي مثلاً والمصلح بين الناس.
وقوله: "بِدَعوَاهُم" أي بادعائهم الشيء،سواء كان إثباتاً أو نفياً.
"لادعى" هذا جواب "لَو"
"لادعَى رِجَال" المراد بهم الذين لا يخافون الله تعالى،وأما من خاف الله تعالى فلن يدعي ما ليس له من مال أو دم، "أَموَال قَوم" أي بأن يقول هذا لي، هذا وجه.
ووجه آخر أن يقول: في ذمة هذا الرجل لي كذا وكذا ، فيدعي ديناً أو عيناً.
"وَدِمَاءهُم" بأن يقول: هذا قتل أبي، هذا قتل أخي وما أشبه ذلك، أو يقول: هذا جرحني، فإن هذا نوع من الدماء.
"وَلَكِنِ البَينَةُ" البينة:ما يبين به الحق، وتكون في إثبات الدعوى "عَلَى المُدَعي" "وَاليَمين" أي دفع الدعوى "عَلَى مَنْ أَنكَر" .
فهنا مدعٍ ومدعىً عليه، والمدعي : عليه البينة، والمدعى عليه: عليه اليمين ليدفع الدعوى.
"وَاليَمين عَلَى مَنْ أَنكَر" أي من أنكر دعوى المدعي.
هذا الحديث أصل عظيم في القضاء، وهو قاعدة عظيمة في القضاء ينتفع بها القاضي وينتفع بها المصلح بين اثنين وما إلى ذلك.
* من فوائد الحديث :
.1أن الدعوى تكون في الدماء والأموال، لقوله "أَموَال قَوم وَدِمَاءهُم" وهو كذلك، وتكون في الأموال الأعيان، وفي الأموال المنافع،كأن يدعي أن هذا أجره بيته لمدة سنة فهذه منافع، وتكون أيضاً في الحقوق كأن يدعي الرجل أن زوجته لا تقوم بحقه أو بالعكس، فالدعوى بابها واسع، لكن هذا الضابط، وذكر المال والدم على سبيل المثال، وإلا قد يدعي حقوقاً أخرى.
.2أن الشريعة جاءت لحماية أموال الناس ودمائهم عن التلاعب.
.3أن البينة على المدعي، والبينة أنواع منها: الشهادة ، قال الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)
ومن البينة : ظاهر الحال فإنها بينة، مثال ذلك: رجل ليس عليه عمامة يلحق رجلاً عليه عمامة وبيده عمامة ويقول:يا فلان أعطني عمامتي. فالرجل الذي ليس عليه عمامة معه ظاهر الحال، لأن الملحوق عليه عمامة وبيده عمامة ولم تَجرِ العادة بأن الإنسان يحمل عمامة وعلى رأسه عمامة.
فالآن شاهد الحال للمدعي، فهو أقوى
فإذاً القرائن بينة، وعليه فالبينات لا تختص بالشهود.
في القسامة:القسامة أن يدعي قوم قتل لهم قتيل بأن القبيلة الفلانية قتلته،وبين القبيلتين عداوة،فادعت القبيلة التي لها القتيل أن هذه القبيلة قتلت صاحبهم وعينت القاتل أنه فلان، فهنا مدعي ومدعىً عليه، المدعي أولياء المقتول، والمدعى عليه القبيلة الثانية.
فإذا قلنا:البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقلنا البينة ليست الشاهد، بل ما أبان الحق اختلف الحكم.
ولو قلنا إن البينة الشاهد لقلنا للمُدَّعين هاتوا بينة على أن فلاناً قتله وإلا فلا شيء لكم، ولكن السنة جاءت على خلاف هذا، جاءت بأن المُدَّعين يحلفون خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قتل صاحبهم ، فإذا حلفوا فهو كالشهود تماماً، فيأخذونه برمته ويقتلونه.
وهذه وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقضى بها هكذا، على أنه إذا حلف خمسون رجلاً من أولياء المقتول فإنهم يستحقون قتل المدعى عليه، وهذا هو الحق،وإن كان بعض السلف والخلف أنكر هذا وقال:كيف يُحكم لهم بأيمانهم وهم مدعون.
فإذا قال قائل: لماذا كررت الأيمان خمسين يميناً؟
فالجواب:لعظم شأن الدماء،فليس من السهل أن نقول احلف مرة واقتل المدعى عليه.
فإن قال قائل:كيف يحلف أولياء المقتول على شخص معين وهم لا يدرون عنه؟
فالجواب:أننا لا نسلم أنهم لا يدرون عنه، فربما يكونون شاهدوه وهو يقتل صاحبهم،وإذا سلمنا جدلاً أو حقيقة أنهم لم يشاهدوه فلهم أن يحلفوا عليه بناء على غلبة الظن وتتم الدعوى،والحلف بناء على غلبة الظن جائز.
ولذلك القسامة قال عنها بعض العلماء:إنها تخالف القياس من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الأيمان صارت في جانب المُدَّعين، والأصل أن اليمين في جانب المنكر.
الوجه الثاني: أنها كررت إلى خمسين يميناً.
الوجه الثالث:أن أولياء المقتول يحلفون على شخص قد لايكونون شاهدوا قتله.
وسبق الجواب عن هذا،وأن القسامة مطابقة تماماً للقواعد الشرعية.
.4فيه أنه لو أنكر المنكر وقال لا أَحلف فإنه يقضي عليه بالنكول،ووجه ذلك أنه إذا أبى أن يحلف فقد امتنع مما يجب عليه،فيحكم عليه بالنكول،والله أعلم.
<!-- / message -->


الحديث الثالث والثلاثون
عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رِسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: (مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِقَلبِه وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ) رواه مسلم.
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح

"مَنْ" اسم شرط جازم،و: "رأى" فعل الشرط،وجملة "فَليُغَيرْه بَيَدِه" جواب الشرط.
وقوله: "مَنْ رَأَى" هل المراد من علم وإن لم يرَ بعينه فيشمل من رأى بعينه ومن سمع بأذنه ومن بلغه خبر بيقين وما أشبه ذلك، أو نقول: الرؤيا هنا رؤية العين، أيهما أشمل؟
الجواب :الأول،فيحمل عليه،وإن كان الظاهر الحديث أنه رؤية العين لكن مادام اللفظ يحتمل معنى أعم فليحمل عليه.
وقوله: "مُنْكَراً" المنكر:هو ما نهى الله عنه ورسوله، لأنه ينكر على فاعله أن يفعله.
" فَلْيُغَيِّرْهُ" أي يغير هذا المنكر بيده.
وقوله: "مُنْكَرَاً" لابد أن يكون منكراً واضحاً يتفق عليه الجميع، أي المنكر والمنكر عليه،أو يكون مخالفة المنكر عليه مبينة على قول ضعيف لا وجه له.
أما إذا كان من مسائل الاجتهاد فإنه لا ينكره.
"فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ" أي إن لم يستطع أن ينكره بيده "فَبِلِسَانِهِ" أي فلينكره بلسانه ويكون ذلك: بالتوبيخ،والزجر وما أشبه ذلك،ولكن لابد من استعمال الحكمة، وقوله "بِلِسَانِهِ" هل نقيس الكتابة على القول؟
الجواب: نعم، فيغير المنكر باللسان، ويغير بالكتابة، بأن يكتب في الصحف أو يؤلف كتباً يبين المنكر.
"فَإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقَلْبِهِ" أي فلينكر بقلبه، أي يكرهه ويبغضه ويتمنى أن لم يكن.
" وَذَلِكَ" أي الإنكار بالقلب "أَضْعَفُ الإِيْمَانِ" أي أضعف مراتب الإيمان في هذا الباب أي في تغيير المنكر.
* من فوائد الحديث :
1-أن النبي صلى الله عليه وسلم ولى جميع الأمة إذا رأت منكراً أن تغيره،ولا يحتاج أن نقول: لابد أن يكون عنده وظيفة،فإذا قال أحد: من الذي أمرك أو ولاك؟ يقول له؟النبي صلى الله عليه وسلم لقوله "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ" .
.2أنه لا يجوز إنكار المنكر حتى يتيقن المنكر، وذلك من وجهين:الوجه الأول: أن يتيقن أنه منكر. والوجه الثاني:أن يتيقن أنه منكر في حق الفاعل،لأن الشيء قد يكون منكراً في حد ذاته،لكنه ليس منكراً بالنسبة للفاعل.
.3أنه لابد أن يكون المنكر منكراً لدى الجميع،فإن كان من الأمور الخلافية فإنه لا ينكر على من يرى أنه ليس بمنكر،إلا إذا كان الخلاف ضعيفاً لا قيمة له،فإنه ينكر على الفاعل، وقد قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلافاً له حظ من النظر
فإن قال قائل:ما موقفنا من العوام،لأن طالب العلم يرى هذا الرأي فلا ننكر عليه،لكن هل نقول للعوام اتبعوا من شئتم من الناس؟
الجواب:لا،العوام سبيلهم سبيل علمائهم، لأنه لو فتح للعامي أن يتخير فيما شاء من أقوال العلماء لحصلت الفوضى التي لا نهاية لها ، فنقول:أنت عامي في بلد يرى علماؤه أن هذا الشيء حرام،ولا نقبل منك أن تقول:أنا مقلد للعالم الفلاني أو العالم الفلاني.
وهل قوله: "فَلْيُغَيِّرْهُ بيدهِ" على إطلاقه، بمعنى أنه مع القدرة يغير على كل حال؟
الجواب:لا،إذا خاف في ذلك فتنة فلا يغير،لأن المفاسد يدرأ أعلاها بأدناها، كما لو كان يرى منكراً يحصل من بعض الأمراء،ويعلم أنه لو غير بيده استطاع،لكنه يحصل بذلك فتنة:إما عليه هو،وإما على أهله،وإما على قرنائه ممن يشاركونه في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهنا نقول: إذا خفت فتنة فلا تغير،لقوله تعالى: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ )
.4أن اليد هي آلة الفعل، لقوله: "فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ" لأن الغالب أن الأعمال باليد،ولذلك تضاف الأعمال إلى الأيدي في كثير من النصوص .
.5أنه ليس في الدين من حرج،وأن الوجوب مشروط بالاستطاعة، لقوله: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وهذه قاعدة عامة في الشريعة،قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال عزّ وجل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم "مَا نَهَيتُكُم عَنهُ فَاجتَنِبوهُ،وَمَا أَمَرتُكُم بِهِ فَأتوا مِنهُ مَا استَطَعتُم"وهذا داخل في الإطار العام أن الدين يسر.
.6أن الإنسان إذا لم يستطع أن يغير باليد ولا باللسان فليغير بالقلب،وذلك بكراهة المنكر وعزيمته على أنه متى قدر على إنكاره بلسانه أو يده فعل.
فإن قال قائل:هل يكفي في إنكار القلب أن يجلس الإنسان إلى أهل المنكر ويقول:أنا كاره بقلبي؟
فالجواب :لا،لأنه لو صدق أنه كاره بقلبه ما بقي معهم ولفارقهم إلا إذا أكرهوه،فحينئذ يكون معذوراً.
فإن قال قائل: قوله: "فَليُغَيرهُ بيَدِهِ" هل هذا لكل إنسان؟
فالجواب:ظاهر الحديث أنه لكل إنسان رأي المنكر، ولكن إذا رجعنا إلى القواعد العامة رأينا أنه ليس عاماً لكل إنسان في مثل عصرنا هذا، لأننا لو قلنا بذلك لكان كل إنسان يرى شيئاً يعتقده منكراً يذهب ويغيره وقد لا يكون منكراً فتحصل الفوضى بين الناس.
نعم راعي البيت يستطيع أن يغير بيده،لأنه هو راعي البيت،كما أن راعي الرعية الأكبر أو من دونه يستطيع أن يغير باليد .
وليعلم أن المراتب ثلاث: دعوة، أمر، تغيير، فالدعوة أن يقوم الداعي في المساجد و في أي مكان يجمع الناس ويبين لهم الشر ويحذرهم منه ويبين لهم الخير ويرغبهم فيه.
والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هو الذي يأمر الناس ويقول: افعلوا ،أو ينهاهم ويقول لهم : لا تفعلوا . ففيه نوع إمرة.
والمغير هو الذي يغير بنفسه إذا رأى الناس لم يستجيبوا لدعوته ولا لأمره ونهيه،
.7أن للقلب عملاً، لقوله: "فَإن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ" عطفاً على قوله: "فَليُغَيرْهُ بيَدِهِ" وهو كذلك.
فالقلب له قول وله عمل، قوله عقيدته، وعمله حركته بنية أو رجاء أو خوف أو غير ذلك.
.8أن الإيمان عمل ونية،لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه المراتب من الإيمان، والتغيير باليد عمل،وباللسان عمل، وبالقلب نية، وهو كذلك، فالإيمان يشمل جميع الأعمال،وليس خاصاً بالعقيدة فقط،لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَة، أو قال: وَستونَ شُعبَة، أَعلاهَا: قَولُ لاَ إِلهَ إِلا الله، وَأَدناهَا إِماطَةُ الأَذَى عَنِ الطَريقِ"
والله الموفق.


الحديث الرابع والثلاثون
عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَحَاسَدوا، وَلاَتَنَاجَشوا، وَلاَ تَبَاغَضوا، وَلاَ تَدَابَروا، وَلاَ يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانَاً، المُسلِمُ أَخو المُسلم، لاَ يَظلِمهُ، وَلاَ يَخذُلُهُ، وَلا يكْذِبُهُ، وَلايَحْقِرُهُ، التَّقوَى هَاهُنَا - وَيُشيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلاَثَ مَراتٍ - بِحَسْبِ امرىء مِن الشَّرأَن يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسِلمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَام دَمُهُ وَمَالُه وَعِرضُه) رواه مسلم <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله: "لا تَحَاسَدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضاً.
قال بعض أهل العلم:الحسد تمني زوال نعمة الله عزّ وجل على الغير، أي أن يتمنى أن يزيل نعمته على الآخر،سواء كانت النعمة مالاً أو جاهاً أو علماً أو غير ذلك.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - الحسد:كراهة ما أنعم الله به على الغير وإن لم يتمن الزوال.
ومن المعلوم أن من لازم الكراهة أن يتمنى الزوال،لكن كلام الشيخ-رحمه الله - أدق، فمجرد ما تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بنعمة فأنت حاسد.
"وَلا تَنَاجَشوا" أي لا ينجش بعضكم على بعض، وهذا في المعاملات، ففي البيع المناجشة: أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، لكن يريد الإضرار بالمشتري أو نفع البائع، أو الأمرين معاً .
قال: "وَلا تَبَاغَضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضاً ، والبغضاء لا يمكن تعريفها، تعريفها لفظها:كالمحبة والكراهة، والمعنى: لا تسعوا بأسباب البغضاء.
وإذا وقع في قلوبكم بغض لإخوانكم فاحرصوا على إزالته وقلعه من القلوب.
"وَلا تَدَابَروا" إما في الظهور بأن يولي بعضكم ظهر بعض، أولا تدابروا في الرأي، بأن يتجه بعضكم ناحية والبعض الآخر ناحية أخرى.
"وَلاَ يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ" مثال ذلك:رأيت رجلاً باع على آخر سلعة بعشرة،فأتيت إلى المشتري وقلت: أنا أعطيك مثلها بتسعة،أو أعطيك خيراً منها بعشرة،فهذا بيع على بيع أخيه، وهو حرام.
"وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوانَاً" أي صيروا مثل الإخوان،ومعلوم أن الإخوان يحب كل واحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه.
وقوله: "عِبَادَ اللهِ" جملة اعتراضية،المقصود منها الحث على هذه الإخوة .
ثم قال: "المُسلِمُ أَخو المُسلِمِ" أي مثل أخيه في الولاء والمحبة والنصح وغير ذلك.
" لاَ يَظلِمهُ" أي لا ينقصه حقه بالعدوان عليه، أو جحد ما له ، سواء كان ذلك في الأمور المالية ،أو في الدماء،أو في الأعراض، في أي شيء.
" وَلاَ يَخذُلُهُ" أي لا يهضمه حقه في موضوع كان يحب أن ينتصر له.
ولا يكذبه أي لا يخبره بالكذب، الكذب القولي أو الفعلي.
" وَلاَ يَحْقِرُهُ" أي لا يستصغره، ويرى أنه أكبر منه،
ثم قال: "التَّقوى هَاهُنا" يعني تقوى الله عزّوجل في القلب وليست في اللسان ولا في الجوارح،وإنما اللسان والجوارح تابعان للقلب.
"وَيُشيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلاثَ مِرَاتٍ" يعني قال: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، تأكيداً لكون القلب هو المدبر للأعضاء.
ثم قال: "بِحَسبِ امرُىءٍ مِنَ الشَّرِّ" الباء هذه زائدة، وحسب بمعنى كافٍ و "أَن يَحْقِرُهُ" مبتدأ والتقدير حقر أخيه كافٍ في الشر، وهذه الجملة تتعلق بقوله: "وَلا يحَقِرَهُ" أي يكفي الإنسان من الإثم أن يحقر أخاه المسلم، لأن حقران أخيك المسلم ليس بالأمر الهين.
"كُل المُسلِم عَلَى المُسلِم حَرَام" ثم فسر هذه الكلية بقوله: "دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرضُهُ" يعني أنه لا يجوز انتهاك دم الإنسان ولا ماله ولا عرضه،كله حرام.
* من فوائد الحديث :
1-أن هذا الحديث العظيم ينبغي للإنسان أن يسير عليه في معاملته إخوانه، لأنه يتضمن توجيهات عالية من النبي صلى الله عليه وسلم.
.2تحريم الحسد لقوله "لاَ تَحَاسَدوا".
وهل النهي عن وقوع الحسد من الجانبين ، أو من جانب واحد؟
الجواب:من جانب واحد،يعني لو فرضنا إنساناً يريد أن يحسد أخاه وذاك قلبه سليم لا يحسد صار هذا حراماً، فيكون التفاعل هنا في قوله "لا تَحَاسَدوا" ليس من شرطه أن يكون من الجانبين .
فإن قال قائل: ما يرد على القلب أحياناً من محبة كون الإنسان أعلى من أخيه، فهل يدخل في الحسد؟
فالجواب:لا، لأن الرجل لم يكره نعمة الله عزّ وجل على هذا العبد،لكن أحب أن يفوقه، وهذا شيء طبيعي.
فإن وقع في قلبه حسد لشخص ولكنه يدافعه ولم يعتد على الشخص، فهل يؤاخذ به؟
الجواب:لا يؤاخذ،لكنه ليس في حال الكمال، لأن حال الكمال أن لا تحسد أحداً،وأن ترى نعمة الله عزّ وجل على غيرك كنعمته عليك،لكن الإنسان بشر قد يقع في قلبه أن يكره ما أنعم الله به على هذا الشخص من علم أو مال أو جاه أو ما أشبه ذلك،لكنه لا يتحرك ولا يسعى لإضرار هذا المحسود، فنقول: هذا ليس عليه شيء،لأن هذا أمر قد يصعب التخلص منه، إلا أنه لو لم يكن متصفاً به لكان أكمل وأطيب للقلب، وفي الحديث إِذَا "ظَنَنتَ فَلاَ تُحَقق، وَإِذَا حَسَدتَ فَلاَ تَبغِ".
والحسد على مراتب:
الأولى: أن يتمنى أن يفوق غيره، فهذا جائز، بل وليس بحسد.
الثانية:أن يكره نعمة الله عزّ وجل على غيره،ولكن لا يسعى في تنزيل مرتبة الذي أنعم الله عزّ وجل عليه ويدافع الحسد، فهذا لا يضره،ولكن غيره أكمل منه.
الثالثة:أن يقع في قلبه الحسد ويسعى في تنزيل مرتبة الذي حسده، فهذا هو الحسد المحرم الذي يؤاخذ عليه الإنسان.
والحسد من خصال اليهود،كما قال الله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) قال الله تعالى في ذمهم )أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)
.3تحريم المناجشة ولو من جانب واحد،وسبق أن النجش في البيع:هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها .
ولكن لو أن الرجل يزيد في السلعة من أجل أن يربح منها، بمعنى أنه لا يريدها، بل يريد الربح منها،فلما ارتفع سعرها تركها، فهل يعد هذا نجشاً؟
الجواب:لا يعد هذا نجشاً،لأن هذا له غرض صحيح في الزيادة،وهو إرادة التكسب،كما لو كان يريد السلعة، وهذا يقع كثيراً بين الناس، تُعرَض السلعة والإنسان ليس له رغبة فيها ولا يريدها، ولكن رآها رخيصة فجعل يزيد فيها حتى إذا بلغت ثمناً لا يرى معه أن فيها فائدة تركها، فنقول: هذا لا بأس به .
.4النهي عن التباغض،وإذا نُهي عن التباغض أمر بالتحاب، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مفيدة لشيئين:
الأول: النهي عن التباغض، وهو منطوقها.
والثاني:الأمر بالتحاب، وهو مفهومها.
.5النهي عن التدابر،سواء بالأجسام أو بالقلوب.
.6تحريم بيع الرجل على بيع أخيه ,
.7وجوب الأخوة الإيمانية، لقوله صلى الله عليه وسلم "وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانَاً".
ولكن كيف يمكن أن يحدث الإنسان هذه الأخوة؟
فالجواب:أن يبتعد عن كل تفكير في مساوئ إخوانه، وأن يكون دائماً يتذكر محاسن إخوانه،حتى يألفهم ويزول ما في قلبه من الحقد.
.8أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن نكون إخواناً بيّن حال المسلم مع أخيه
.9أن المسلم على المسلم حرام : دمه و ماله و عرضه.
.10أنه لا يجني عليه بأي جناية تريق الدم أو بأي جناية تنقص المال،سواء كان بدعوى ما ليس له أو بإنكار ما عليه.
.11تحريم عرض المسلم، يعني غيبته،فغيبة المسلم حرام .
.12أنه لا يحل ظلم المسلم بأي نوع من أنواع الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة .
.13وجوب نصرة المسلم، وتحريم خذلانه، لقوله: "وَلاَيَخذلهُ" ويجب نصر المسلم،سواء كان ظالماً أو مظلوماً،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "انصُر أَخَاكَ ظَالِمَاً أَو مَظلُومَاً" قَالوا: يَارَسُول الله هَذا المَظلوم، فَكَيفَ نَنصُرُ الظَالِمَ؟ قَالَ: "تَمنَعهُ مِنْ الظلم فَذلِكَ نَصرُكَ إيَّاهُ"وأنت إذا منعته من الظلم فقد نصرته على نفسه، وأحسنت إليه أيما إحسان.
.14وجوب الصدق فيما يخبر به أخاه، وأن لا يكذب عليه، بل ولا غيره أيضاً،لأن الكذب محرم حتى ولو كان على الكافرين .
فإن قال قائل: ما تقولون في التورية؟
فالجواب: التورية فيها تفصيل:
.1إن أدت إلى باطل فهي حرام.
.2 إن أدت إلى واجب فهي واجبة.
.3 إن أدت إلى مصلحة أو حاجة فجائزة.
.4-أن لا يكون فيها هذا ولا هذا ولا هذا،فاختلف العلماء فيها: هل تجوز أو لا تجوز؟
والأقرب أنه لا يجوز الإكثار منها، وأما فعلها أحياناً فلا بأس لا سيما إذا أخبر صاحبه بأنه مورٍّ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لا تحل التورية ، وقال إنها حرام،لأن التورية ظاهرها يخالف باطنها، إذ إن معنى التورية أن ينوي بلفظه ما يخالف ظاهره، ففيها نوع من الكذب،فيقول:إنها لا تجوز.
وفيها أيضاً مفسدة وهي:أنه إذا أطلِعَ أن الأمر خلاف ما فهمه المخاطب وصف هذا الموري بالكذب وساء ظنه فيه وصار لا يصدقه، وصار هذا الرجل يلعب على الناس، وما قاله الشيخ - رحمه الله تعالى - قوي بلا شك.
لكن لو أن الإنسان فعل ذلك أحياناً فأرجو أن لا يكون فيه حرج ،لا سيما إن أخبر صاحبه فيما بعد،وقال:إني قلت كذا وكذا،وأريد كذا وكذا،خلاف ظاهر الكلام،والناس قد يفعلون ذلك على سبيل المزاح .
.15تحريم احتقار المسلم مهما بلغ في الفقر وفي الجهل، فلا تحتقره، قال النبي صلى الله عليه وسلم "رُبَّ أَشعَثَ أَغبَرَ مَدفوعٌ بالأَبوابِ لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لأَبرَّهُ "
.16أن التقوى محلها القلب، لقوله: "التَّقوَى هَاهُنَا،وَأَشَارَ إِلَى صَدرِهِ" يعني في قلبه.
.17أن الفعل قد يؤثر أكثر من القول في المخاطبات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بإمكانه أن يقول: التقوى في القلب، لكنه قال: التقوى هاهنا وأشار إلى صدره .
.18الرد على أولئك المجادلين بالباطل الذين إذا فعلوا معصية بالجوارح ونُهوا عنها قالوا: التقوى هاهنا ، فما جوابنا على هذا الجدلي؟
جوابنا أن نقول: لو اتقى ما هاهنا لاتقت الجوارح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَة إِذَا صَلحَت صَلحَ الجَسَد كُلهُ،وَإِذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُهُ أَلاَ وَهِيَ القَلب"
.19عظمة احتقار المسلم، لقوله: "بِحَسبِ امرئ مِنَ الشَّرِِّأَن يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِم".
20 . وجوب احترام المسلم في هذه الأمور الثلاثة: دمه وماله و عرضه،والله الموفق.
<HR>
الحديث الخامس والثلاثون
عَنْ أَبي هُرَيرَة رضي الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: )مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِن كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كرَبِ يَوم القيامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ على مُعسرٍ يَسَّرَ الله عَلَيهِ في الدُّنيَا والآخِرَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً سَتَرَهُ الله في الدُّنيَا وَالآخِرَة، وَاللهُ في عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ في عَونِ أخيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَريقَاً يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طَريقَاً إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِنْ بيوتِ اللهِ يَتلونَ كِتابِ اللهِ وَيتَدارَسونهَ بَينَهُم إِلا نَزَلَت عَلَيهُم السَّكينَة وَغَشيَتهم الرَّحمَة وحَفَتهُمُ المَلائِكة وَذَكَرهُم اللهُ فيمَن عِندَهُ،وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بهِ نَسَبُهُ (رواه مسلم بهذا اللفظ <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

قوله: "مَنْ نَفسَ" أي وسع.
"عَنْ مُؤمِنٍ كُربَةً" الكربة ما يكرب الإنسان ويغتم منه ويتضايق منه.
"مِنْ كُربِ الدنيَا" أي من الكرب التي تكون في الدنيا وإن كانت من مسائل الدين،لأن الإنسان قد تصيبه كربة من كرب الدين فينفس عنه.
"نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القيامَة" الجزاء من جنس العمل من حيث الجنس،تنفيس وتنفيس،لكن من حيث النوع يختلف اختلافاً عظيماً،فكرب الدنيا لا تساوي شيئاً بالنسبة لكرب الآخرة،فإذا نفس الله عن الإنسان كربة من كرب الآخرة كان ثوابه أعظم من عمله.
وقوله: "يَومِ القيامَة" هو الذي تقوم فيه الساعة، وسمي بذلك لثلاثة أمور:
الأول:أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله عزّ وجل،قال الله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
الثاني:أنه تقام فيه الأشهاد،كما قال الله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)
الثالث:أنه يقام فيه العدل،لقول الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً)
"وَمَنْ يَسَّرَ" أي سهل.
"عَلَى مُعسَر" أي ذي إعسار كما قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)
"يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ في الدُّنيَا وَالآخِرَة" ويشمل هذا التيسير تيسير المال،وتيسير الأعمال، وتيسير التعليم وغير ذلك،أي نوع من أنواع التيسير.
وهنا ذكر الجزاء في موضعين:
الأول:في الدنيا، والثاني:في الآخرة.
"وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً" أي أخفى وغطى،ومنه الستارة تخفي الشيء وتغطيه، والمقصود ستر مسلماً ارتكب ما يعاب. إما في المروءة والخلق ،وإما في الدين والعمل، "سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة" .
"وَاللهُ في عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ في عَونِ أخيهِ" يعني أنك إذا أعنت أخاك كان الله في عونك كما كنت تعين أخاك.
"وَمَنْ سَلَكَ طَريقَاً" أي دخله ومشى فيه.
"يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً" أي يطلب علماً.
"سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَريقَاً إِلَى الجَنَّةِ" يعني سهل الله له هداية التوفيق بالطريق إلى الجنة، والمراد بالعلم هنا علم الشريعة وما يسانده من علوم العربية والتاريخ وما أشبه ذلك.
والجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين،فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأوصافها وأوصاف ما فيها من النعيم موجود في الكتاب والسنة بكثرة.
"وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِنْ بيوتِ اللهِ" ما : نافية بدليل أنها جاء بعدها إلا المثبتة.
وبيوت الله هي المساجد، فإن المساجد هي بيوت الله عزّ وجل،كما قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) .
"يَتلونَ كِتَابَ الله" أي يقرؤونه لفظاً ومعنى.
"وَيَتَدَارَسونَهُ بَينَهُم" أي يدرس بعضهم على بعض هذا القرآن.
"إِلا نَزَلَت عَلَيهم السَّكينَة" أي طمأنينة القلب،وانشراح الصدر.
"وَغَشيَتهم الرَّحمَة" أي غطتهم، والرحمة هنا يعني رحمة الله عزّ وجل.
"وَحَفَّتهُم المَلائِكة" أي أحاطت بهم إكراماً لهم.
"وَذكرهُم اللهُ فيمَن عِنده" أي أن هؤلاء القوم الذين اجتمعوا في المسجد يتدارسون كلام الله عزّ وجل يذكرهم الله فيمن عنده،وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: "من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"
وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرع بِهِ نَسَبُهُ بطأ: بمعنى أخَّر، والمعنى: من أخره العمل لم ينفعه النسب،لقوله تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
* من فوائد الحديث :
1الحث على تنفيس الكرب عن المؤمنين، لقوله: "مَنْ نَفَّس عَنْ مُؤمِن كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَوم القيامَةِ".
.2أن الجزاء من جنس العمل،تنفيس بتنفيس،وهذا من كمال عدل الله عزّ وجل ولكن يختلف النوع، لأن الثواب أعظم من العمل .
.3إثبات يوم القيامة، لقوله: "نَفّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَوم القيامَةِ".
.4أن في يوم القيامة كرباً عظيمة، لكن مع هذا والحمد لله هي على المسلم يسيرة،لقول الله تعالى: ( وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً) وقال الله عزّ وجل: (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) وقال عزّ وجل:( يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) أما المؤمن فإن الله عزّ وجل ييسره عليه ويخففه عنه والناس درجات، حتى المؤمنون يختلف يسر هذا اليوم بالنسبة إليهم حسب ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح.
.5الحث على التيسير على المعسر،وأنه ييسر عليه في الدنيا والآخرة.
والمعسر تارة يكون معسراً بحق خاص لك،وتارة يكون معسراً بحق لغيرك .
لكن إذا كان الحق لك فالتيسير واجب، وإن كان لغيرك فالتيسير مستحب .
فإن قال قائل: ما أكثر أهل الباطل في الوقت الحاضر الذين يدعون الإعسار وليسوا بمعسرين، فصاحب الحق لا يثق بادعائهم الإعسار؟
فنقول:نعم، الأمانات اليوم اختلفت لا شك، وقد يدعي الإعسار من ليس بمعسر، وقد يأتي بالشهود على أنه معسر،لكن أنت إذا تحققت أو غلب على ظنك أنه معسر وجب عليك الكف عن طلبه ومطالبته.
أما إذا علمت أن الرجل صاحب حيلة وأنه موسر لكن ادعى الإعسار من أجل أن يماطل بحقك فهنا لك الحق أن تطلب وتطالب، هذا بالنسبة للمعسر بحق لك.
أما إذا كان معسراً بحق لغيرك فإن التيسير عليه سنة وليس بواجب،اللهم إلا أن تخشى أن يُساء إلى هذا الرجل المعسر ويحبس بغير حق وما أشبه ذلك،فهنا قد نقول بوجوب إنقاذه من ذلك، ويكون هذا واجباً عليك مادمت قادراً.
.6أن التيسير على المعسر فيه أجران: أجر في الدنيا وأجر في الآخرة.
.7الحث على الستر على المسلم لقوله: "وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً سَتَرَهُ الله في الدُّنيَا وَالآخِرَة".
ولكن دلت النصوص على أن هذا مقيد بما إذا كان الستر خيراً، والستر ثلاثة أقسام:
القسم الأول:أن يكون خيراً.
والقسم الثاني: أن يكون شراً.
والقسم الثالث:لا يدرى أيكون خيراً أم شراً.
أما إذا كان خيراً فالستر محمود ومطلوب.
أما إذا كان الستر ضرراً فهنا ستره مذموم ويجب أن يكشف أمره لمن يقوم بتأديبه، إن كانت زوجة فترفع إلى زوجها، وإن كان ولداً فيرفع إلى أبيه،وإن كان مدرساً يرفع إلى مدير المدرسة، وهلم جرا.
المهم: أن مثل هذا لا يستر ويرفع إلى من يؤدبه على أي وجه كان،لأن مثل هذا إذا ستر- نسأل الله السلامة- ذهب يفعل ما فعل ولم يبال.
الثالث:أن لا تعلم هل ستره خير أم كشفه هو الخير:فالأصل أن الستر خير،ولهذا يذكر في الأثر( لأن أخطىء في العفو أحب إليّ من أن أخطىء في العقوبة) ولكن في هذه الحال تتبع أمره، لا تهمله، لأنه ربما يتبين بعد ذلك أن هذا الرجل ليس أهلاً للستر.
.8أن الله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه،ففيه الحث على عون إخوانه من المسلمين في كل ما يحتاجون إلى العون فيه حتى في تقديم نعليه له إذا كان يشق على صاحب النعلين أن يقدمهما،وحتى في إركابه السيارة، وحتى في إدناء فراشه له إذا كان في بَرٍّ أو ما أشبه ذلك.لكن الحث على معونة أخيك المسلم، ولكن هذا مقيد بما إذا كان على بر وتقوى،لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)
وإن كان على شيء مباح فإن كان فيه مصلحة للمعان فهذا من الإحسان،وهو داخل في عموم قول الله تعالى: ( وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وإن لم يكن فيه مصلحة للمعان فإن معونته إياه أن ينصحه عنه، وأن يقول: تجنب هذا، ولا خير لك فيه.
.9علم الله عزّ وجل بأمور الخلق وأنه يعلم من نفس عن مؤمن كربة، ومن يسر على معسر، ومن ستر مسلماً، ومن أعان مسلماً ، فالله تعالى عليم بذلك كله.
.10بيان كمال عدل الله عزّ وجل، لأنه جعل الجزاء من جنس العمل، وليتنا نتأدب بهذا الحديث ونحرص على تفريج الكربات وعلى التيسير على المعسر،وعلى ستر من يستحق الستر،وعلى معونة من يحتاج إلى معونة .
.11أن الجزاء من جنس العمل، بل الجزاء أفضل، لأنك إذا أعنت أخاك كان الله في عونك، وإذا كان الله في عونك كان الجزاء أكبر من العمل.
.12الحث على سلوك الطرق الموصلة للعلم،وذلك بالترغيب فيما ذكر من ثوابه.
.13الإشارة إلى النية الخالصة، لقوله : "يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً" أي يطلب العلم للعلم،فإن كان طلبه رياءً وهو مما يبتغى به وجه الله عزّ وجل كان ذلك إثماً عليه.
.14إطلاق الطريق الموصل للعلم، فيشمل الطريق الحسي الذي تطرقه الأقدام، والطريق المعنوي الذي تدركه الأفهام.
.15أن الجزاء من جنس العمل، فكلما سلك الطريق يلتمس فيه العلم سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.
.16أنه ينبغي الإسراع في إدراك العلم وذلك بالجد والاجتهاد، لأن كل إنسان يحب أن يصل إلى الجنة على وجه السرعة .
.17أن الأمور بيد الله عزّ وجل، فبيده التسهيل، وبيده ضده، وإذا آمنت بهذا فلا تطلب التسهيل إلا من الله عزّ وجل.
.18الحث على الاجتماع على كتاب الله عزّ وجل
19إضافة المساجد إلى الله تشريفاً لها لأنها محل ذكره وعبادته.
.20أن رحمة الله عزّ وجل تحيط بهؤلاء المجتمعين على كتاب الله، لقوله: "وَغَشيتهم الرَّحمَةُ .
.21أن حصول هذا الثواب لا يكون إلا إذا اجتمعوا في بيت من بيوت الله،لينالوا بذلك شرف المكان،لأن أفضل البقاع المساجد.
.22تسخير الملائكة لبني آدم، لقوله: "حَفَّتهم المَلائِكة" .
.23إثبات الملائكة،والملائكة عالم غيبي، كما سبق الكلام عليهم في شرح حديث جبريل عليه السلام.
.24علم الله عزّ وجل بأعمال العباد، لقوله: "وَذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَن عِنده" جزاء لذكرهم ربهم عزّ وجل بتلاوة كتابه.
.25. أن النسب لا ينفع صاحبه إذا أخره عن صالح الأعمال لقوله: "مَن بطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ" يعني أخَّره "لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُهُُ".
فإن لم يبطىء به العمل وسارع إلى الخير وسبق إليه، فهل يسرع به النسب؟
فالجواب:لا شك أن النسب له تأثير وله ميزة، ولهذا نقول : جنس العرب خير من غيرهم من الأجناس، وبنو هاشم أفضل من غيرهم من قريش،كما جاء في الحديث "إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة،واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم،واصطفاني من بني هاشم"وقال "خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا"
فالنسب له تأثير ، لذلك تجد طبائع العرب غير طبائع غيرهم،فهم خير في الفهم، وخير في الجلادة وخير في الشجاعة وخير في العلم ، لكن إذا أبطأ بهم العمل صاروا شراً من غيرهم.
انظر إلى أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا كانت أحواله؟
كانت أحواله أن الله تعالى أنزل فيه سورة كاملة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) .
.26أنه ينبغي للإنسان أن لا يغتر بنسبه وأن يهتم بعمله الصالح حتى ينال به الدرجات العلى والله الموفق.
الحديث السادس والثلاثون
عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إِلىَ أَضْعَاف كَثِيْرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيْحَيهِمَا بِهَذِهِ الحُرُوْفِ <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
قوله "فيمَا يَرويهِ عَنْ رَبِّهِ" يسمى هذا الحديث عند العلماء حديثاً قدسياً.
قوله "كَتَبَ" أي كتب وقوعها وكتب ثوابها، فهي واقعة بقضاء الله وقدره المكتوب في اللوح المحفوظ، وهي أيضاً مكتوب ثوابها كما سيبين في الحديث.
أما وقوعها: ففي اللوح المحفوظ.
وأما ثوابها: فبما دل عليه الشرع.
" ثُمَ بَيَّنَ ذَلِك" أي فصله.
"فَمَن هم بِحَسَنةٍ فَلَم يَعمَلهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً" والمهم هنا ليس مجرد حديث النفس، لأن حديث النفس لا يكتب للإنسان ولا عليه، ولكن المراد عزم على أن يفعل ولكن تكاسل ولم يفعل، فيكتبها الله حسنة كاملة.
فإن قيل: كيف يثاب وهو لم يعمل؟
فالجواب: يثاب على العزم ومع النية الصادقة تكتب حسنة كاملة.
واعلم أن من هم بالحسنة فلم يعملها على وجوه:
الوجه الأول:أن يسعى بأسبابها ولكن لم يدركها، فهذا يكتب له الأجر كاملاً، لقول الله تعالى: ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )
الوجه الثاني:أن يهم بالحسنة ويعزم عليها ولكن يتركها لحسنة أفضل منها،فهذا يثاب ثواب الحسنة العليا التي هي أكمل، ويثاب على همه الأول للحسنة الدنيا
الوجه الثالث:أن يتركها تكاسلاً، مثل أن ينوي أن يصلي ركعتي الضحى،فقرع عليه الباب أحد أصحابه وقال له:هيا بنا نتمشى،فترك الصلاة وذهب معه يتمشى،فهذا يثاب على الهم الأول والعزم الأول، ولكن لا يثاب على الفعل لأنه لم يفعله بدون عذر،وبدون انتقال إلى ما هو أفضل.
"وَإِن هَمَّ بِهَا فَعمَلَهَا" تكتب عشر حسنات - والحمد لله - ودليل هذا من القرآن قول الله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)
"كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ عَشرَ حَسَنَاتٍ" هذه العشر حسنات كتبها الله على نفسه ووعد به وهو لا يخلف الميعاد.
"إلى سَبعمَائةِ ضِعف" وهذا تحت مشيئة الله تعالى، فإن شاء ضاعف إلى هذا، وإن شاء لم يضاعف.
"إلى أَضعَافٍ كَثيرةٍ" يعني أكثر من سبعمائة ضعف.
قال: "وَإِن هَمَّ بِسَيئةٍ فَلَم يَعمَلهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنةً كَامِلَةً" جاء في الحديث: "لأنهُ إِنَمّاٍ تَرَكَهَا مِن جَرائي" أي من أجلي، فتكتب حسنة كاملة،لأنه تركها لله.
واعلم أن الهم بالسيئة له أحوال:
الحال الأولى:أن يهم بالسيئة أي يعزم عليها بقلبه،وليس مجرد حديث النفس، ثم يراجع نفسه فيتركها لله عزّ وجل،فهذا هو الذي يؤجر، فتكتب له حسنة كاملة، لأنه تركها لله ولم يعمل حتى يكتب عليه سيئة.
الحال الثانية:أن يهم بالسيئة ويعزم عليها لكن يعجز عنها بدون أن يسعى بأسبابها ،فهذا يكتب عليه سيئة، لكن ليس كعامل السيئة،بل يكتب وزر نيته،كما جاء في الحديث بلفظه: "فَهوَ بِنيَّتهِ"، فَهُمَا في الوِزرِ سواء
الحال الثالثة:أن يهم بالسيئة ويسعى في الحصول عليها ولكن يعجز، فهذا يكتب عليه وزر السيئة كاملاً .
الحال الرابعة:أن يهم الإنسان بالسيئة ثم يعزف عنها لا لله ولا للعجز، فهذا لا له ولا عليه،وهذا يقع كثيراً،يهم الإنسان بالسيئة ثم تطيب نفسه ويعزف عنها، فهذا لا يثاب لأنه لم يتركها لله، ولا يعاقب لأنه لم يفعل ما يوجب العقوبة.
وعلى هذا فيكون قوله في الحديث: "كَتَبَهَا عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً" أي إذا تركها لله عزّ وجل.
"وَإِن هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيئةً وَاحِدةً" ، ولهذا قال الله عزّ وجل: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "إِنَّ رَحْمَتِيْ سَبَقَتْ غَضَبِيْ"وهذا ظاهر من الثواب على الأعمال، والجزاء على الأعمال السيئة.
قال النووي - رحمه الله - :
فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ
وقوله: "عِندَهُ" إشارة إلى الاعتناء بها.
وقوله: "كَامِلَةً" للتأكيد وشدة الاعتناء بها.
وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فأكدها بكاملة وإن عملها كتبها سيئة واحدة، فأكد تقليلها بواحدة، ولم يؤكدها بكاملة، فلله الحمد والمنة، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه ، وبالله التوفيق.
هذا تعليق طيب من المؤلف - رحمه الله - .
* من فوائد الحديث :
.1رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه،وما رواه عن ربه في الأحاديث القدسية:هل هو من كلام الله عزّ وجل لفظاً ومعنى، أو هو كلام الله معنى واللفظ من الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
اختلف المحدثون في هذا على قولين، والسلامة في هذا أن لا تتعمق في البحث في هذا،وأن تقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجل وكفى،وتقدم الكلام على ذلك.
.2 اثبات كتابة الحسنات والسيئات وقوعاً وثواباً وعقاباً .
.3 أن الحسنات الواقعة والسيئات الواقعة قد فرِغ منها وكتبت واستقرت.
ولكن ليس في هذا حجة للعاصي على معاصي الله، لأن الله تعالى أعطاه سمعاً وبصراً وفهماً وأرسل إليه الرسل، وبيّن له الحق وهو لا يدري ماذا كُتِبَ له في الأصل، فكيف يقحم نفسه في المعاصي،ثم يقول: قد كتبت عليَّ، لماذا لم يعمل بالطاعات ويقول: قد كتبت لي؟‍‍ ‍!!
فليس في هذا حجة للعاصي على معصيته .
.4إثبات أفعال الله عزّ وجل لقوله: "كَتَبَ" وسواء قلنا إنه أمر بأن يكتب، أو كتب بنفسه عزّ وجل.
وهذه المسألة اختلف فيها الناس،وليس هذا موضع ذكر الاختلاف،لأن كلامنا على شرح الحديث.
والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن صفات الله عزّ وجل:فعلية متعلقة بمشيئته، وذاتية لازمة لله.
.5عناية الله عزّ وجل بالخلق حيث كتب حسناتهم وسيئاتهم قدراً وشرعاً.
.6أن التفصيل بعد الإجمال من البلاغة، يعني أن تأتي بقول مجمل ثم تفصله،لأنه إذا أتى القول مجملاً تطلعت النفس إلى بيان هذا المجمل،فيأتي التفصيل والبيان وارداً على نفس مشرئبة مستعدة، فيقع منها موقعاً يكون فيه ثبات الحكم.
.7فضل الله عزّ وجل ولطفه وإحسانه أن من هم بالحسنة ولم يعملها كتبها الله حسنة،والمراد بالهم: العزم، لا مجرد حديث النفس .
.8مضاعفة الحسنات، وأن الأصل أن الحسنة بعشر أمثالها، ولكن قد تزيد إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
ومضاعفة ثواب الحسنات تكون بأمور ، منها:
الأول: الزمان .
الثاني:باعتبار المكان .
الثالث:باعتبار العمل .
الرابع:باعتبار العامل
وهناك وجوه أخرى في المفاضلة تظهر للمتأمل و متدبر الأدلة.
أيضاً يتفاضل العمل بالإخلاص ولهذا ينبغي لنا ونحن نقوم بالعبادة أن نستحضر أمر الله بها، ثم نستحضر متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها،حتى يتحقق لنا الإخلاص والمتابعة.
.9أن من هم بالسيئة ولم يعملها كتبها الله حسنة كاملة، وقد مر التفصيل في ذلك أثناء الشرح، فإن هم بها وعملها كتبها الله سيئة واحدة.
ولكن السيئات منها الكبائر والصغائر،كما أن الحسنات منها واجبات وتطوعات ولكلٍ منهما الحكم والثواب المناسب، والله الموفق.

<HR>

الحديث السابع والثلاثون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ. وَمَا تَقَرَّبَ إِلِيَّ عَبْدِيْ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلِيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ. ولايَزَالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيْ يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِيْ بِهَا. وَلَئِنْ سَأَلَنِيْ لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِيْ لأُعِيْذَنَّهُ) رواه البخاري
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>
الشرح
هذا حديث قدسيّ كالذي سبقه، وقد تكلمنا على ذلك.
قوله: "مَنْ عَادَى لِي وَليَّاً" أي اتخذه عدواً له، ووليُّ الله عزّ وجل بيَّنه الله عزّ وجل في القرآن، فقال: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- من كان مؤمناً تقياً كان لله وليَّاً أخذه من الآية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)
"فَقَدْ" هذا جواب الشرط "آذَنْتُهُ ِبالحَرْبِ" أي أعلنت عليه الحرب، وذلك لمعاداته أولياء الله.
"وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيْ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلِيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ" ولكن الفرائض تختلف كما سنبين إن شاء الله في الفوائد، إنما جنس الفرائض أحب إلى الله من جنس النوافل.
"وَلاَ يَزَالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ" لايزال:هذا من أفعال الاستمرار،أي أنه يستمر يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يحبه الله عزّ وجل،و (حتى) هذه للغاية، فيكون من أحباب الله .
"فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيْ يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِيْ بِهَا"
قوله: "كُنْتُ سَمْعَهُ" من المعلوم أن الحديث ليس على ظاهره، لأن سمع المخلوق حادث ومخلوق وبائن عن الله عزّ وجل، فما معناه إذن؟
المعنى أن الله يسدده في سمعه وبصره ويده ورجله، ويكون المعنى: أن يُوفّق هذا الإنسان فيما يسمع ويبصر ويمشي ويبطش. وهذا أقرب، أن المراد: تسديد الله تعالى العبد في هذه الجوارح.
وقوله: "وَلَئِنْ سَأَلَنِيْ لأَعْطيَنَّهُ" هذه الجملة تضمنت شرطاً وقسماً، السابق فيهما القسم، ولهذا جاء الجواب للقسم دون الشرط، فقال: لأَعْطِيَنَّهُ .
"وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي" أي طلب مني أن أعيذه فأكون ملجأ له "لأعِيذَنَّهُ " فذكر السؤال الذي به حصول المطلوب، والاستعاذة التي بها النجاة من المرهوب، وأخبر أنه سبحانه وتعالى يعطي هذا المتقرب إليه بالنوافل ما سأل، ويعيذه مما استعاذ.
* من فوائد الحديث :
.1أن معاداة أولياء الله من كبائر الذنوب، لقوله: "فَقَدْ آذَنتُهُ بِالحَرْبِ" .
.2-إثبات أولياء الله عزّ وجل، ولا يمكن إنكار هذا لأنه ثابت في القرآن والسنة .
واعلم أن ولاية الله عزّ وجل نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: ولايته على الخلق كلهم تدبيراً وقياماً بشؤونهم، وهذا عام لكل أحد، للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، ومنه قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ*ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) .
وولاية خاصة: وهي ولاية الله عزّ وجل للمتقين، قال الله عزّ وجل: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فهذه ولاية خاصة وقال الله عزّ وجل: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) .
فإن قال قائل: هل في ثبوت ولاية الله تعالى لشخص أن يكون واسطة بينك وبين الله في الدعاء لك وقضاء حوائجك وما أشبه ذلك؟
فالجواب: لا، فالله تعالى ليس بينه وبين عباده واسطة، وأما ا لجاهلون المغرورون فيقولون: هؤلاء أولياء الله وهم واسطة بيننا وبين الله. فيتوسلون بهم إلى الله أولاً ثم يدعونهم من دون الله ثانياً.
.3 إثبات الحرابة لله عزّ وجل، لقوله: "آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ" .
.4 إثبات محبة الله وأنها تتفاضل، لقوله: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيْ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْته عَلَيْهِ".
.5 أن الأعمال الصالحة تقرب إلى الله عزّ وجل، والإنسان يشعر هذا بنفسه إذا قام بعبادة الله على الوجه الأكمل من الإخلاص والمتابعة وحضور القلب أحس بأنه قَرُبَ من الله عزّ وجل. وهذا لا يدركه إلا الموفقون وشعور العبد بقربه من الله لاشك أنه سيؤثر في سيره ومنهجه.
.6 أن أوامر الله عزّ وجل قسمان: فريضة، ونافلة. والنافلة: الزائد عن الفريضة، ووجه هذا التقسيم قوله: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلِيَّ عَبْدِيْ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ. ولا يَزَالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ".
.7تفاضل الأعمال من حيث الجنس كما تتفاضل من حيث النوع. فمن حيث الجنس: الفرائض أحب إلى الله من النوافل. ومن حيث النوع:الصلاة أحب إلى الله مما دونها من الفرائض، ولهذا سأل ابن مسعود رضي الله عنه رسول الله : أي الأعمال - أو العمل - أحب إلى الله؟ فقال: "الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا"
.8الحثّ على كثرة النوافل، لقوله تعالى في الحديث القدسي: "وَلاَ يَزَالُ عَبدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ".
.9أن كثرة النوافل سبب لمحبة الله عزّ وجل، لأن: (حتى) للغاية، فإذا أكثرت من النوافل فأبشر بمحبة الله لك.
ولكن اعلم أن هذا الجزاء والمثوبة على الأعمال إنما هو على الأعمال التي جاءت على وفق الشرع، فما كل صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وما كل نافلة تقرّب إلى الله عزّ وجل،أقول هذا لا تيئيساً ولكن حثّاً على إتقان العبادة وإكمال العبادة، حتى ينال العبد الثواب المرتب عليها في الدنيا والآخرة.

.10 أن الله تعالى إذا أحب عبداً سدده في سمعه وبصره ويده ورجله، أي في كل حواسه بحيث لا يسمع إلا ما يرضي الله عزّ وجل، وإذا سمع انتفع، وكذلك أيضاً لا يطلق بصره إلا فيما يرضي الله وإذا أبصر انتفع، كذلك في يده: لا يبطش بيده إلا فيما يرضي الله، وإذا بطش فيما يرضي الله انتفع، وكذلك يقال في الرِّجل.
.11أن الله تعالى إذا أحب عبداً أجاب مسألته وأعطاه ما يسأل وأعاذه مما يكره، فيحصل له المطلوب ويزول عنه المرهوب.
يحصل له المطلوب في قوله: "وَلَئِنْ سَأَلَنِيْ لأُعْطِيَنَّهُ" ويزول المرهوب في قوله: "وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنَي لأُعِيذَنَّهُ".
فإن قال قائل: هل هذا على إطلاقه، أي أنه إذا سأل الإنسان أي شيء أجيب مادام متصفاً بهذه الأوصاف؟
فالجواب: لا، لأن النصوص يقيد بعضها بعضاً، فإذا دعا بإثم، أو قطيعة رحم، أو ظلماً لإنسان فإنه لا يستجاب له، حتى وإن كان يكثر من النوافل، حتى وإن بلغ هذه المرتبة العظيمة وهي: محبة الله له فإنه إذا دعا بإثم، أو قطيعة رحم، أو ظلم فإنه لا يستجاب له، لأن الله عزّ وجل أعدل من أن يجيب مثل هذا.
.12كرامة الأولياء على الله تعالى حيث كان الذي يعاديهم قد آذنه الله بالحرب.
.13أن معاداة أولياء الله من كبائر الذنوب، لأن الله تعالى جعل ذلك إذناً بالحرب. والله أعلم.
<!-- / message -->

<!-- message -->

الحديث الثامن والثلاثون
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
النووي -رحمه الله- في هذا الكتاب يتساهل كثيراً، فيورد أحاديث ضعيفة وربما يحسّنها هو لأنه من الحفاظ، وابن رجب - رحمه الله- في كتابه: (جامع العلوم والحكم) يتعقّبه كثيراً، ولذلك يحسن منا أن نعلّق على المتن ببيان درجة الحديث، لكن الغالب أن ما يذكره من الأحاديث الضعيفة في هذا الكتاب أن له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن.
هنا يقول المؤلف - رحمه الله -: رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما فلو أخذنا كلامه على العموم،لكان رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي لدخول هؤلاء في قوله: وغيرهما لكن هذا ليس بوارد، لأنه من عادتهم إذا ذكروا المخرجين الذين دون درجة الصحيحين ثم قالوا: وغيرهما فالمراد ممن هود ونهما أو مثلهما، لا يريدون أن يدخل من هو أعلى منهما، لأنه لو أرادوا من هو أعلى منهما لعيب على من ذكر الدون وأحال على الأعلى، وهذا واضح، لأن الواجب أن يذكر الأعلى ثم يقال: وغيره.
قوله: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِيْ" اللام هنا للتعليل، أي تجاوز من أجلي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
والخطأ: أن يرتكب الإنسان العمل عن غير عمد.
والنسيان: ذهول القلب عن شيءٍ معلوم من قبل.
والاستكراه: أن يكرهه شخص على عمل محرم ولا يستطيع دفعه، أي: الإلزام والإجبار.
وهذه الثلاثة أعذار شهد لها القرآن الكريم.
أما الخطأ والنسيان فقد قال الله عزّ وجل: ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ).
وأما الإكراه: فقال الله عزّ وجل: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106)
فرفع الله عزّ وجل حكم الكفر عن المكرَه،فما دون الكفر من المعاصي من باب أولى لاشك.
إذاً هذا الحديث مهما قيل في ضعفه فإنه يشهد له القرآن الكريم كلام رب العالمين.
* من فوائد الحديث :
.1سعة رحمة الله عزّ وجل ولطفه بعباده حيث رفع عنهم الإثم إذا صدرت منهم المعصية على هذه الوجوه الثلاثة، ولو شاء الله لعاقب من خالف أمره على كل حال.
.2 أن جميع المحرّمات في العبادات وغير العبادات إذا فعلها الإنسان جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً فلاشيء عليه فيما يتعلق بحق الله، أما حق الآدمي فلا يعفى عنه من حيث الضمان،وإن كان يُعفى عنه من حيث الإثم.
فجميع المحرّمات يرفع حكمها بهذه الأعذار وكأنه لم يفعلها ولا يستثنى من هذا شيء،
وهذا الحديث عام في كل حق لله عزّ وجل من المحظورات، أما المأمورات فإنها لا يسقط أداؤها وقضاؤها،فلابد أن تُفعل. ولكن يسقط الإثم في تأخيرها بعذر.
مسألة : هل الواجبات تسقط بالجهل مطلقاً، أو يقال:تسقط بالجهل إن كان غير مقصّر، فإن كان مقصّراً لم يعذر؟
والظاهر: أن الواجبات تسقط بالجهل ما لم يمكن تداركها في الوقت .
فالمهم أن هذا الحديث مؤيَّدٌ بالقرآن الكريم كما سبق، وينبغي للإنسان أن ينظر إلى الحوادث التي تقع نسياناً أو جهلاً أو إكراهاً نظرة حازم ونظرة راحم.
نظرة حازم: بأن يلزم الإنسان إذا علم أن فيه تقصيراً.
ونظرة راحم: إذا علم أنه لم يقصّر، لكنه جاهل لا يدري عن شيء.
وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله - يقول في المسائل الخلافية: إذا كان الإنسان قد فعل وانتهى فلا تعامله بالأشد،بل انظر للأخف وعامله به، لأنه انتهى ولكن انهَهُ أن يفعل ذلك مرّة أخرى،إذا كنت ترى أنه لا يفعل. والله الموفّق.

<HR>

الحديث التاسع و الثلاثون
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمنْكبيَّ فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ. وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ..رواه البخاري.
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>
الشرح
قوله: "أَخَذَ بِمنْكَبَيَّ" أي أمسك بكفتي من الأمام. وذلك من أجل أن يستحضر مايقوله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "كُنْ فِي الدُّنِيا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ" فالغريب لم يتخذها سكناً وقراراً، وعابر السبيل: لم يستقر فيها أبداً، بل هو ماشٍ.
وعابر السبيل أكمل زهداً من الغريب، لأن عابر السبيل ليس بجالس، والغريب يجلس لكنه غريب.
"كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابرُ سَبِيْلٍ" وهذا يعني الزهد في الدنيا، وعدم الركون إليها، لأنه مهما طال بك العمر فإن مآلك إلى مفارقتها.
وَكَانُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.
هذه كلمات من ابن عمر رضي الله عنهما يقول:
إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ والمعنى: اعمل العمل قبل أن تصبح ولا تقل غداً أفعله، لأن منتظر الصباح إذا أمسى يؤخر العمل إلى الصباح، وهذا غلط، فلا تؤخر عمل اليوم لغد.
وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ أي اعمل وتجهّز، وهذا أحد المعنيين في الأثر.
أو المعنى: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاح لأنك قد تموت قبل أن تصبح. وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاء لأنك قد تموت قبل أن تمسي. وفي هذا يقول بعضهم: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) والمعنى: الدنيا لاتهمّك، الذي لا تدركه اليوم تدركه غداً فاعمل كأنك تعيش أبداً، والآخرة اعمل لها كأنك تموت غداً، بمعنى: لا تؤخر العمل.
وهذا يروى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ليس بحديث.
وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ فالإنسان إذا كان صحيحاً تجده قادراً على الأعمال منشرح الصدر، يسهل عليه العمل لأنه صحيح، وإذا مرض عجز وتعب، أو تعذر عليه الفعل، أو إذا أمكنه الفعل تجد نفسه ضيّقة ليست منبسطة، فخذ من الصحة للمرض، لأنك ستمرض أو تموت.
وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ الحي موجود قادر على العمل، وإذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، فخذ من الحياة للموت واستعد.
هذه كلمات نيّرات، ولو أننا سرنا على هذا المنهج في حياتنا لهانت علينا الدنيا ولم نبال بها واتخذناها متاعاً فقط.
* من فوائد الحديث :
.1التزهيد في الدنيا وأن لا يتخذها الإنسان دار إقامة، لقوله: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ".
.2حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال المقنعة .
.3فعل ما يكون سبباً لانتباه المخاطب وحضور قلبه، لقوله: "أَخَذَ بِمنْكَبَيَّ" .
.4أنه ينبغي للعاقل مادام باقياً والصحة متوفرة أن يحرص على العمل قبل أن يموت فينقطع عمله.
.5الموعظة التي ذكرها ابن عمر رضي الله عنهما: أن من أصبح لا ينتظر المساء، وذكرنا لها وجهين في المعنى، وكذلك من أمسى لا ينتظر الصباح.
والموعظة الثانية: أن يأخذ الإنسان من صحته لمرضه، لأن الإنسان إذا كان في صحة تسهل عليه الطاعات واجتناب المحرمات بخلاف ما إذا كان مريضاً، وكذلك أيضاً أن يأخذ الإنسان من حياته لموته.
.6فضيلة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث تأثّر بهذه الموعظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
<!-- / message -->
الحديث الأربعون
عَنْ أَبِيْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بِنِ عمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ"حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ.
<HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>


الشرح
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من المكثرين رواية للحديث،لأنه كان يكتب، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يغبطه على هذا،ويقول: لا أعلم أحداً أكثر حديثاً مني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما،فإنه كان يكتب ولا أكتب
يقول: "لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ" يعني الإيمان الكامل.
"حَتَّى يَكُونَ هَواهُ" أي اتجاهه وقصده.
"تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ" أي من الشريعة.
قوله: "حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ" . تعقّب ابن رجب - رحمه الله - هذا التصحيح من المؤلف وقال: الحديث لا يصح، ولذلك يحسن تتبع شرح ابن رجب - رحمه الله - ونقل تعقيبه على الأحاديث .
لكن معنى الحديث بقطع النظر عن إسناده صحيح، وأن الإنسان يجب أن يكون هواه تبعاً لما جاء به صلى الله عليه وسلم.
* من فوائد الحديث :
.1-تحذير الإنسان من أن يحكم العقل أو العادة مقدماً إياها على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وجه ذلك: نفي الإيمان عنه.
فإن قال قائل: لماذا حملتموه على نفي الكمال؟
فالجواب: أنَّا حملناه على ذلك لأنه لا يصدق في كل مسألة، لأن الإنسان قد يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر مسائل الدين، وفي بعض المسائل لا يكون هواه تبعاً، فيحمل على نفي الكمال .
.2أنه يجب على الإنسان أن يستدلّ أولاً ثم يحكم ثانياً،لا أن يحكم ثم يستدل، بمعنى أنك إذا أردت إثبات حكم في العقائد أو في الجوارح فاستدل أولاً ثم احكم، أما أن تحكم ثم تستدلّ فهذا يعني أنك جعلت المتبوع تابعاً وجعلت الأصل عقلك والفرع الكتاب والسنة.
.3تقسيم الهوى إلى محمود ومذموم، والأصل عند الإطلاق المذموم كما جاء ذلك في الكتاب والسنة، فكلما ذكر الله تعالى اتباع الهوى فهو على وجه الذم، لكن هذا الحديث يدلّ على أن الهوى ينقسم إلى قسمين:
محمود: وهو ما كان تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومذموم: وهو ما خالف ذلك.
وعند الإطلاق يحمل على المذموم، ولهذا يقال: الهدى، ويقابله الهوى.
.4وجوب تحكيم الشريعة في كل شيء، لقوله: "لِمَا جِئتُ به" والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بكل ما يصلح الخلق في معادهم ومعاشهم، قال الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)
.5أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. والله أعلم.

<HR>

<!-- message -->
الحديث الحادي والأربعون
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: "يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِيْ، يَا ابْنَ آَدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِيْ بِقِرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيْتَنِيْ لاَ تُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحَيْحٌ. <HR style="COLOR: #0000ff" SIZE=1>

الشرح
هذا حديث قدسي وقد سبق تعريفه.
قوله: "مَا دَعَوتَنِي" (ما) هنا شرطية، وفعل الشرط: (دعا) في قوله: "دَعَوتَنِي" وجواب الشرط: "غَفَرْتُ" .
"مَا دَعَوتَنِيْ" الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة، ودعاء عبادة.
فدعاء المسألة أن تقول: يا رب اغفر لي. ودعاء العبادة أن تصلي لله
فنحتاج الآن إلى دليل وتعليل على أن العبادة تسمّى دعاءً؟
الدليل: قول الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) فقال:(ادْعُونِي) ثم قال: (يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) فسمى الدعاء عبادة، وقد جاء في الحديث: "أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ"ووجهه ظاهر جداً،لأن داعي الله متذلل لله عزّ وجل منكسر له، قد عرف قدر نفسه،وأنه لا يملك لها نفعاً ولا ضرّاً.
أما كيف كانت العبادة دعاءً: فلأن المتعبّد لله داعٍ بلسان الحال، فلو سألت المصلي لماذا صلى لقال: أرجو ثواب الله، إذاً فهو داع بلسان الحال، وعليه فيكون قوله: "مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِي" يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، ولكن لاحظ القيد في قوله: "وَرَجَوتَنِيْ" فلابد من هذا القيد، أي أن تكون داعياً لله راجياً إجابته .
وقوله: "غَفَرْتُ لَكَ" المغفرة: هي ستر الذّنب والتجاوز عنه.
"عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ" أي على ما كان منك من الذنوب والتقصير.
"وَلاَ أُبَالِي" أي لا أهتم بذلك.
"يَا ابْنَ آدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ" المراد بقوله: "عَنَانَ السَّمَاء" أي أعلى السماء،وقيل إن "عَنَانَ السَّمَاء" ما عنَّ لك حين تنظر إليها ، وقيل "عَنَانَ السَّمَاء" أي السحاب أعلاه، ولاشك أن السحاب يسمى العنان ، لكن الظاهر أن المراد به ( عنان السماء) .
والسماء على الأرض كالقبة له جوانب وله وسط، أعلاه بالنسبة لسطح الأرض هو الوسط.
"ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِيْ" أي طلبت مني المغفرة، سواء قلت: أستغفر الله، أو قلت: اللهم اغفر لي. لكن لابد من حضور القلب واستحضار الفقر إلى الله عزّ وجل.
"يَا ابنَ آدَمَ إنِّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقِرَابِ الأَرْضِ خطَايَا ثُمَّ لَقِيْتَني لا تُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً"
قوله: "لَوْ أَتَيْتَنِيْ" أي جئتني بعد الموت. "بِقِرَابِ الأَرْضِ" أي ما يقاربها، إما ملئاً،أو ثقلاً، أو حجماً، خَطَايا جمع خطيئة وهي الذنوب، "ثُمَّ لَقِيْتَنِيْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئَاً" قوله: "شَيئَاً" نكرة في سياق النفي تفيد العموم أي لا شركاً أصغر ولا أكبر، وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان
"لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً" وهذا لاشكّ من نعمة الله وفضله، بأن يأتي الإنسان ربه بملء الأرض خطايا ثم يأتيه عزّ وجل بقرابها مغفرة، وإلا فمقتضى العدل أن يعاقبه على الخطايا .
* من فوائد الحديث :
.1شرف بني آدم حيث وجه الله إليه الخطاب بقوله "يَا ابْنَ آدَمَ" ولاشك أن بني آدم فضّلوا على كثير ممن خلقهم الله عزّ وجل وكرّمهم الله سبحانه وتعالى
.2 أن كلمة (ابن) أو: (بني) أو ما أشبه ذلك إذا أضيفت إلى القبيلة أو إلى الأمة تشمل الذكور والإناث، وإذا أضيفت إلى شيء محصور فهي للذكور فقط.
.3 أن من دعا الله ورجاه فإن الله تعالى يغفر له.
.4 أنه لابد مع الدعاء من رجاء، وأما القلب الغافل اللاهي الذي يذكر الدعاء على وجه العادة فليس حريّاً بالإجابة، بخلاف الذكر كالتسبيح والتهليل وما أشبه ذلك، فهذا يُعطى أجراً به، ولكنه أقل مما لو استحضر وذكر بقلبه ولسانه.
.5-إثبات صفات النفي التي يسميها العلماء الصفات السلبية، لقوله: "وَلاَ أُبَالِي" فإن هذه صفة منفية عن الله تعالى، وهذا من قسم العقائد .
ولكن اعلم أن المراد بالصفات المنفية إثبات كمال الضد، فيكون نفي المبالاة هنا يراد به كمال السلطان والفضل والإحسان، وأنه لا أحد يعترض على الله أو يجادله فيما أراد.
.6 أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً مهما عظمت لقوله: "لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاء ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ" وأن الإنسان متى استغفر الله عزّ وجل من أي ذنب كان عِظَمَاً وقدراً فإن الله تعالى يغفره، وهذا كقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً)
ولكن هل الاستغفار مجرّد قول الإنسان: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله؟
الجواب: لا، لابد من فعل أسباب المغفرة وإلا كان دعاؤه كالاستهزاء كما لو قال الإنسان: اللهم ارزقني ذرية طيبة، ولم يعمل لحصول الذرية، والذي تحصل به المغفرة التوبة إلى الله عزّ وجل.
والتوبة: من تاب يتوب أي رجع. وهي الرجوع من معصية الله إلى طاعته. ويشترط لها خمسة شروط:
الشرط الأول: الإخلاص:
والإخلاص شرط في كل عبادة، والتوبة من العبادات، قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) فمن تاب مراءاة للناس، أو تاب خوفاً من سلطان لا تعظيماً لله عزّ وجل فإن توبته غير مقبولة.
الشرط الثاني: الندم على ما حصل:
وهو انكسار الإنسان وخجله أمام الله عزّ وجل أن فعل ما نهي عنه، أو ترك ما أوجب عليه.
فإن قال قائل: الندم انفعال في النفس، فكيف يسيطر الإنسان عليه؟
فالجواب: أنه يسيطر عليه إذا أشعر نفسه بأنه في خجل من الله عزّ وجل وحياء من الله ويقول: ليتني لم أفعل وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن الندم ليس بشرط:
أولاً: لصعوبة معرفته.
والثاني: لأن الرجل إذا أقلع فإنه لم يقلع إلا وهو نادم، وإلا لاستمر. لكن أكثر أهل العلم -رحمهم الله - على أنه لابد أن يكون في قلبه ندم.
الشرط الثالث: الإقلاع عن المعصية التي تاب منها:
فإن كانت المعصية ترك واجب يمكن تداركه وجب عليه أن يقوم بالواجب،كما لو أذنب الإنسان بمنع الزكاة، فإنه لابد أن يؤدي الزكاة، أو كان فعل محرماً مثل أن يسرق لشخص مالاً ثم يتوب،فلابد أن يرد المال إلى صاحبه، وإلا لم تصح توبته
فإن قال قائل: هذا رجل سرق مالاً من شخص وتاب إلى الله، لكن ا لمشكل كيف يؤدي هذا المال إلى صاحبه؟ يخشى إذا أدى المال إلى صاحبه أن يقع في مشاكل فيدّعي مثلاً صاحب المال أن المال أكثر، أو يتَّهَم هذا الرجل ويشيع أمره، أو ما أشبه ذلك، فماذا يصنع؟
نقول: لابد أن يوصل المال إلى صاحبه بأي طريق، وبإمكانه أن يرسل المال مع شخص لا يتهم بالسرقة ويعطيه صاحبه، ويقول: يا فلان هذا من شخص أخذه منك أولاً والآن أوصله إليك، ويكون هذا الشخص محترماً أميناً بمعنى أنه لا يمكن لصاحب المال أن يقول: إما أن تعين لي من أعطاك إياه وإلا فأنت السارق، أما إذا كان يمكن فإنه مشكل.
مثال ذلك: أن يعطيه القاضي، أو يعطيه الأمير يقول: هذا مال لفلان أخذته منه، وأنا الآن تائب، فأدّه إليه. وفي هذه الحال يجب على من أعطاه إياه أن يؤدّيه إنقاذاً للآخذ وردّاً لصاحب المال.
فإذا قال قائل: إن الذي أخذت منه المال قد مات، فماذا أصنع؟
فالجواب: يعطيه الورثة، فإن لم يكن له ورثة أعطاه بيت المال.
فإذا قال :أنا لا أعرف الورثة، ولا أعرف عنوانهم؟
فالجواب: يتصدّق به عمن هو له، والله عزّ وجل يعلم هذا ويوصله إلى صاحبه. فهذه مراتب التوبة بالنسبة لمن أخذ مال شخص معصوم.
تأتي مسألة الغيبة: فالغيبة كيف يتخلص منها إذا تاب:
من العلماء من قال: لابد أن يذهب إلى الشخص ويقول: إني اغتبتك فحللني ، وفي هذا مشكلة.
ومنهم من فصّل وقال: إن علم بالغيبة ذهب إليه واستحله، وإن لم يعلم فلا حاجة أن يقول له شيئاً لأن هذا يفتح باب شرّ.
ومنهم من قال: لا يُعلِمْه مطلقاً،كما جاء في الحديث: "كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَستَغْفِرَ لَهُ"فيستغفر له ويكفي.
ولكن القول الوسط هو الوسط، وهو أن نقول: إن كان صاحبه قد علم بأنه اغتابه فلابد أن يتحلل منه، لأنه حتى لو تاب سيبقى في قلب صاحبه شيء، وإن لم يعلم كفاه أن يستغفر له.
الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود:
فلابد من هذا، فإن تاب من هذا الذنب لكن من نيته أن يعود إليه متى سنحت له الفرصة فليس بتائب، ولكن لو عزم أن لا يعود ثم سوّلت له نفسه فعاد فالتوبة الأولى لا تنتقض، لكن يجب أن يجدد توبة للفعل الثاني.
ولهذا يجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: من الشرط أن لا يعود، وأن نقول:من الشرط العزم على أن لا يعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة وقت قبول التوبة:
فإن كانت في وقت لاتقبل فيه لم تنفعه، وذلك نوعان: نوع خاص، ونوع عام.
النوع الخاص: إذا حضر الإنسان أجله فإن التوبة لاتنفع،لقول الله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) ولما غرق فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين فقيل له: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) .
أي الآن تسلم، ومع ذلك لم ينفعه.
وأما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، فإن الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، فإذا طلعت من المغرب آمن الناس كلهم، ولكن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لاً تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلا تَنْقَطعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا"
فهذه هي شروط التوبة، وأكثر العلماء - رحمهم الله - يقولون:شروط التوبة ثلاثة: الندم، والإقلاع، والعزم على أن لا يعود .
ولكن ما ذكرناه أوفى وأتمّ، ولابد مما ذكرناه.
.6 أن الإنسان إذا أذنب ذنوباً عظيمة ثم لقي الله لايشرك به شيئاً غفر الله له. ولكن هذا ليس على عمومه لقول الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .
فقوله هنا في الحديث:"لأَتيتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً" هذا إذا شاء، وأما إذا لم يشأ فإنه يعاقب بذنبه.
.7-فضيلة التوحيد وأنه سبب لمغفرة الذنوب، وقد قال الله عزّ وجل: (ُقلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) فمهما عظمت الذنوب إذا انتهى الإنسان عنها بالتوحيد غفر الله له.
.8 إثبات لقاء الله عزّ وجل، لقوله: "ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِك بِي شَيْئَاً" وقد دلّ على ذلك كتاب الله عزّ وجل، قال الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ)
فلابد من ملاقاة الله عزّ وجل، والنصوص في هذا كثيرة، فيؤخذ من ذلك: أنه يجب على الإنسان أن يستعد لملاقاة الله، وأن يعرف كيف يلاقي الله، هل يلاقيه على حال مرضيةٍ عند الله عزّ وجل، أو على العكس؟ ففتّش نفسك واعرف ما أنت عليه.
ومن حسن تأليف المؤلّف - رحمه الله - أنه جعل هذا الحديث آخر الأحاديث التي اختارها - رحمه الله - المختوم بالمغفرة، وهذا يسمّى عند البلاغيين براعة اختتام.
وهناك مايسمّى براعة افتتاح فإذا افتتح الإنسان كتابه بما يناسب الموضوع يسمونه براءة افتتاح، مثل قول ابن حجر - رحمه الله - في بلوغ المرام:
"الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديماً وحديثاً" يشير إلى أن هذا الكتاب في الحديث.
وإلى هنا ينتهي الكلام على الأربعين النووية المباركة،التي نحثُّ كل طالب علم على حفظها وفهم معناها والعمل بمقتضاها،نسأل الله عزّ وجل أن يجعلنا ممن سمع وانتفع إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
<HR>
<!-- / message -->


رحم الله شيخنا العلامة
محمد بن صالح العثيمين
و جزاه عنا و عن المسلمين خيرا

<!-- / message -->

الدمشقي
04-24-10, 04:08 PM
للرفع
رحم الله الشيخ و غفر له

مسلم وكفى
04-24-10, 11:23 PM
رائع جدا
مجهود مشكور
نافع لفضيلة العلامة المجدد
ننقله ان شاء الله لمكان اخر ولك الاجر

الدمشقي
10-14-10, 04:42 AM
رائع جدا
مجهود مشكور
نافع لفضيلة العلامة المجدد
ننقله ان شاء الله لمكان اخر ولك الاجر

الله يحفظك و يرضى عنك

كتبته في ثلاث منتديات تقريباً منذ سنوات و لم يدخل أحد و لو مرة بالدعاء للشيخ رحمه الله

نعم تفضل انقله و لنا و لك الأجر إن شاء الله و الله المستعان