المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال عن تصحيح أحد المعاصرين لحديث : ( إن الله قد أذن لي أن أحدث عن ديك....) ؟



مشكاة الفتاوى
07-18-09, 03:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
كيف حالكم شيخنا الكريم,
لي عند فضيلتكم سؤال وهو خاص بحديث عند الطبراني في الأوسط ونصه:
إن الله قد أذن لي أن أحدث عن ديك مرقت رجلاه الأرض ورقبته منثنية تحت العرش يقول سبحانك ربي ما أعظمك, فيقول الله عز وجل : لا يعلم هذا من حلف بي كاذباً.
بعض المعاصرين الأفاضل صحح هذا الحديث, وأحد رجاله ليس من رجال البخاري كما ذكر الشيخ الفاضل, بل أخرج له البخاري في الشواهد,
وقد استشكل هذا الحديث عليَّ لاسيما مع جزم بعض أهل العلم ومنهم ابن القيم في (المنار المنيف) بأن كل حديث في الديك موضوع إلا حديث: (لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة .
بل وقد سمعت من أخٍ كريم أنه وقف على تعيين أحد أهل العلم لواضع كتاب الديك باسمه , وأنه سرق منه وانتشر بين الرواة .
ومتن هذا الحديث فيه غرابة, ومشابه لمجموعة الأحاديث التي وضعت في الديك تسترعي الانتباه، كحديث الديك الذي يحمل العرش على كتفيه , والآخر الذي يقف على الأرض وله زغب أحمر وريش أخضر وجناحيه في المشرق والمغرب!
فأفتونا يا شيخنا في هذا الحديث لاسيما قد استعمله بعض الطاعنين في السنة بقولهم : أين هذا الديك ؟؟ ولو كان الديك على الأرض ورأسه تحت العرش فهذا يستلزم منه أنكم تقولون بأن عرش الرحمن في الفضاء , وأن الأرض لا تدور , إلى آخر ترهات المستشرقين عافانا الله وإياكم من شرهم.
فسؤالي ينحصر في وجهين:
هل صح هذا الحديث؟
ولو كان صحيحاً كيف نجيب أولئك الطاعنين ؟
وجزاكم الله خيراً

http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif

الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا

إذا صحّ الحديث فلا يُلتفت إلى طعن طاعن ، ولا إلى لَمْز لَمَّاز !

وما أكثر طُعون المستشرقين وأتباعهم من المستغرِبين في السنة النبوية .. فقد طعنوا في بعض أحاديث الصحيحين ! بل طعنوا في القرآن الكريم !
وعقولهم الآسِنة أولى بالطَّعن .

وهذا الحديث بخصوصه قد صححه جَمْع مِن أهل العلم .
فالحاكم روى الحديث وصححه .
وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبراني محمد بن العباس بن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه .
وقال عن رواية ثانية : رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح . اهـ .

وشيخ الطبراني في الحديث هو محمد بن العباس ، ويروي عن الفضل بن سهل الأعرج .

وليس مدار الحديث على شيخ الطبراني .

وقال المنذري : رواه الطبراني بإسناد صحيح ، والحاكم وقال : صحيح الإسناد .

وقال السيوطي : أخْرَج أبو يعلى وابن مردويه بِسَنَدٍ صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُذِن لي أن أُحَدِّث عن مَلك قد مَرَقت رِجلاه الأرض السابعة والعرش على منكبيه وهو يقول سبحانك أين كنت ؟ وأين تكون ؟

وليس في هذا الحديث ما يُستنكر من حيث المتن .
ففي متن الحديث : " ن الله أذن لي أن أُحَدِّث عن ديك رِجلاه في الأرض وعُنقه مُثنية تحت العرش" .

فأما قولهم :
أين هذا الديك ؟؟
فالجواب عنه أن يُقال : وهل أحَطْتُم بِكل شيء عِلما ؟
ومثل هذا ما طعن به بعض المسلمين - بل من انتسب إلى العِلم - بحديث الجساسة ، وما فيه مِن خبر الدَّجال وأنه موثق بالحديد في بعض الْجُزُر . والحديث مُخرّج في صحيح مسلم .
فقال الطاعن : هذا ليس بصحيح . ثم عَلّل قوله بأن العلم اليوم توصّل لكل شبر في الأرض ، وأن الأقمار الصناعية تصوّر كل شيء ! إلى آخر كلامه .
والجواب عنه أن يُقال : هذا ليس بصحيح !
بل إن الرجل يختفي في بعض الجبال فلا تستطيع قوى الأرض الوصول إليه !
وفي أندونيسيا ثلاثة عشر ألف جزيرة مجهولة غير مأهولة ! لم تُكتشف طبيعة تلك الجزُر ولا ما فيها .
بل إنني قرأت قبل أيام عن سقوط طائرة رُكّأب كينية في بعض دول أفريقيا ، ولا تَزال الجهود جارية لمعرفة مكان الطائرة ! مع علمهم بِمكان الطائرة ، وفي سماء أي دولة لحظة السقوط ، أو على الأقل لحظة انقطاع الاتصال ! مع ما زُوِّدت به تلك الطائرات من أجهزة إنذار وصناديق أمان .. إلى غير ذلك ، ومع ذلك يقف العلم حائرا باحثا عن حُطام طائرة في بعض مجاهل أفريقيا !

ويقَِف العْلِم اليوم حائرا أمام ما يُعرف بِـ " مثلث برمودا " .. وغيرها مما يُخْبِر بحقيقة (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا) .

فَعُدّ ذلك الذي خَفِي عليك من العِلم الذي أخفاه الله عن خَلْقِه .

وقد قرر ابن القيم رحمه الله أن العِلْم نوعان : عِلم ممنوح ، وعِلم ممنوع .
ثم ذَكَر الحكمة في ذلك .

وأما قولهم :
ولو كان الديك على الأرض ورأسه تحت العرش فهذا يستلزم منه أنكم تقولون بأن عرش الرحمن في الفضاء , وأن الأرض لا تدور .

فالجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول : أنه ليس في هذا الحديث ما يقتضي وُقوع المماسة بين رأس الديك والعرش ، وإنما فيه : " وعُنقه مُثنية تحت العرش " .
وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام : إن قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن . رواه مسلم .
فليس فيه ما يقتضي المماسَّة .
قال شيخنا الشيخ ابن عثيمين عن هذا الحديث : كون قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة لا يلزم منه المباشرة والمماسة ، ولا أن تكون أصابع الله عز وجل داخل أجوافنا ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ). فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض ولا يماسها . اهـ .

الوجه الثاني : أن علماء الطبيعة أنفسهم قد اختلفوا قديما وحديثا حول ما يُعرف بِدوران الأرض ، فطائفة منهم تقول بِثبوتها ودوران الشمس والقمر – وهذا ما دَلَّت عليه نصوص الوحيين – وطائفة أخرى قالت بِعكس ذلك ، فقالت : بِدوران الأرض وثبوت الشمس والقمر . وهذا القول مُصَادِم لنصوص الوحيين .

الوجه الثالث : أن أهل الإسلام والإيمان يُؤمِنون بِما جاء عن الله على مراد الله ، وبِ/ا جاءئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يُعارضونه بِمعقول ولا بقول قائل كائنا من كان .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم وأجلّ في أعين أهل الإسلام أن تُعرض أقواله على عقول وأقوال الكفار ، ثم يُردّ قوله لأجل عقول قاصرة وخيالات فاسدة !
وما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق وصِدق .

ثم إن مسألة إنكار الأمور الغيبية أو قياسها قياساً عقلياً مُخالف لما عليه سلف هذه الأمة ، لأن الأمور الغيبية لا يُمكن أن يُتعامَل معها بهذه الصورة .

والله المستعان على ما يصِفُون .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مركز الدعوة والإرشاد