المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عن المجاز



مهاجر المصري
02-23-09, 08:23 AM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أما بعد :

من أشهر من تكلم في مسألة المجاز نفيا من المتأخرين : ابن تيمية ، رحمه الله ، ومن المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، وفي هذه النافذة نوع بيان لكلامهما في هذه المسألة من باب عرض آراء أهل العلم في مسألة ما ، فالخلاف في هذه المسألة : خلاف شهير قد انتشر بين أهل اللغة والأصول ، والمتكلمين في أصول الدين ، لا سيما باب الصفات الإلهية ، سواء أكانوا على طريقة السلف أم على طريقة المتكلمين ، والخلاف تضيق دائرته في باب اللغويات وتتسع دائرته في الشرعيات لا سيما الخبريات الغيبية كالصفات الإلهية . فالمراد في هذا الموضع : بيان وجهة نظر في المسألة لا تقريرها .


فبداية : تعرض ابن تيمية ، رحمه الله ، لمسألة الحقيقة والمجاز بنوع تفصيل في كتابه "الإيمان" في معرض الرد على من قال بأن : الإيمان حقيقة في التصديق ، مجاز في الأعمال ، وعليه غلا القوم في مقالة الإرجاء حتى أخرجوا العمل بالكلية من مسمى الإيمان ، فلم يعد تارك العمل عندهم مستحقا للوعيد ، كما هو الحال عند :
أهل السنة : الذين يقولون بأن تارك العمل ، معه مطلق الإيمان الذي لا يخرجه من حد الوعيد ، وإن أخرجه من حد الخلود فيه ، فتارك العمل عندهم مذموم ، لأنه انتفى عنه بتركه العمل : كمال الإيمان الواجب للنجاة من الوعيد ، فهو مؤمن ناقص الإيمان ، أو : مسلم عاص لم ينتف عنه أصل التصديق بترك الواجب أو فعل المحرم ، ما لم يستحل ذلك ، فمعه أصل الإيمان ، كما تقدم ، على تفصيل في مسألة تارك العمل بالكلية ليس هذا موضعه ، وإن كان ذلك ، عند التحقيق ، غير متحقق في أغلب صور المسألة ، فلا يتصور وجود مسلم لم يطع الله ، عز وجل ، في حياته قط !!! ، وعلى تفصيل في مسألة تارك الصلاة ولو كسلا ، فالخلاف بين الحنابلة ، رحمهم الله ، من جهة ، والجمهور من جهة أخرى في هذه المسألة ، خلاف مشهور مبسوط في كتب الفقه .


ومرجئة الفقهاء : الذين قالوا بذم تارك العمل ، تماما كأهل السنة ، وإن أخرجوا العمل من مسمى الإيمان ، فالخلاف عند ابن تيمية رحمه الله : خلاف لفظي ، لأن كلا الفريقين اتفق على ذم تارك العمل ، على التفصيل السابق ، وفي المسألة أخذ ورد ، وليس المقام مقام تحرير الخلاف بين الفريقين ، ومعرفة هل هو لفظي أو حقيقي .

وقل مثل ذلك في قول المرجئة بأن تسمية المعصية كفرا في نصوص الوعيد : مجاز ، والصحيح أنه كفر ، منه : الكفر الأكبر سواء أكان اعتقادا أم قولا أم فعلا ، ومنه الكفر الأصغر العملي كالنياحة على الميت في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ) ......... إلخ من المعاصي التي لا يخرج فاعلها من الملة ما لم يستحلها .

وفي باب الصفات الإلهية : صار المجاز ذريعة إلى نفي الصفات الإلهية فهي مجاز في حق الله ، عز وجل ، حقيقة في حق العبد ، إذ اتصاف الله ، عز وجل ، بصفات يصح إطلاقها على البشر : تشبيه مذموم !!! ، مع أن الاشتراك في هذا الباب إنما يكون في أصول المعاني التي لا تفهم الألفاظ إلا بإدراكها ، وتلك أمور كلية مطلقة لا توجد خارج الذهن إلا جزئية مقيدة بموصوفها ، فصفة فلان من البشر غير صفة فلان ، مع اشتراكهما في أصل الصفة وكون كليهما مخلوقا تجري عليه الأقيسة العقلية ، فإذا كان ذلك متصورا في حق مخلوق مقابل مخلوق فكيف بالخالق ، عز وجل ، الذي لا يجري عليه قياس إلا المثل الأعلى فله من كل كمال مطلق جاء به الوحي : المثل الأعلى ، ولا يدرك كنه ذاته وصفاته وهم ، كيف به ، جل وعلا ، في مقابل المخلوق ، ألا يكون التباين حاصلا من باب أولى ؟!! ، وذلك أصل مطرد في هذا الباب الجليل ، فإن الاشتراك كما تقدم لا يكون إلا في أصل المعنى ، دون كماله ، فكمال المعنى المطلق لله ، عز وجل ، ونقصانه للمخلوق ، إذ كمال وصف الباري ، عز وجل ، فرع عن كمال ذاته ، ونقصان وصف المخلوق فرع عن نقصان ذاته ، ودون حقيقته : فحقيقة صفة الرب ، جل وعلا ، لا يعلمها إلا هو ، بخلاف حقيقة صفة العبد التي تدركها حواس البشر ، فمعنى السمع الكلي ، على سبيل المثال ، واحد ، ولكن كمال سمع الرب ، جل وعلا ، مطلق ، فـــ : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) ، ولم يكن ذلك لسمع عائشة ، رضي الله عنها مع كونها في نفس الحجرة ، وحقيقة سمعه ، عز وجل ، تباين حقيقة سمع زيد أو عمرو ، فلا يدرك كنهها إلا المتصف بها ، جل وعلا ، فلا يحيط بشيء من علم الباري ، عز وجل ، خلق ، إذ لا تدرك البصائر منه شيئا إلا ما شاء ، مصداق قوله تعالى : (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) ، ولا تدرك الأبصار منه إلا ما شاء لأهل دار المقامة فضلا منه ومنة ، فليست رؤية أهل الجنان له : رؤية إحاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق بالخالق ؟!! ، بل هي رؤية تنعم .
فالضابط يدور على ثلاثة أمور :
أصل المعنى فذاك مما يصح النظر فيه ، وكماله وحقيقته ، فذانك مما لا قدرة لبشر عليه . وذلك ، كما تقدم ، أصل مطرد في كل الصفات الإلهية ذاتية كانت أو فعلية ، معنوية كانت أو خبرية .

وفي مسألة الكلام تحديدا : وقع الخلاف فرعا على مقالة المجاز في باب الإلهيات الغيبيات ، فنسبته إلى الله ، عز وجل ، نسبة مجازية ، إذ هو مخلوق منفصل عنه ، كما قال أصحاب مقالة خلق القرآن ، إذ نسبته إلى الباري ، عز وجل ، عندهم ، نسبة مخلوق إلى خالقه تشريفا ، لا نسبة صفة إلى متصف بها تحقيقا كما هو قول أهل السنة .

وفي باب القدر : قال الجبرية : فاعل المفعولات واحد ، وهو الله ، عز وجل ، فنسبته إلى البشر : نسبة مجازية ، فليس الفعل فعل فلان على الحقيقة ، وإنما قام به الفعل قيام الموت بالمكلف ، فلا إرادة له فيه ، فجعلوا : صلى وصام الاختياريين بمنزلة : مرض ومات !!! ، وذلك في مقابل غلو نفاة القدر الذين ردوا الأمر كله للمكلف ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فالحق وسط بينهما ، إذ للعبد إرادة مؤثرة في إيقاع الفعل ولكنها لا تخرج عن إرادة الباري ، عز وجل ، الكونية ، وإن خرجت عن أمره الشرعي حال المعصية ، فلا يقع شيء في هذا الكون من الخير أو الشر دون إرادته ، جل وعلا ، الكونية النافذة ، فبكلماته التكوينيات تكون الكائنات ، وبكلماته الشرعيات تكون التكليفات .

الشاهد مما تقدم : بيان ما حصل بالتوسع في مقالة المجاز من فساد في الإلهيات ، إذ المجاز ، إن قيل بجوازه بابه : الأدبيات ، إذ لا بد له من قرائن عقلية ، والقرائن العقلية في باب السمعيات الغيبية تعد على مقام النبوة ، إذ لا يدرك الغيب إلا من خبرها ، فلا استقلال للعقل بإدراكه ، إذ هو معزول عن منصب البيان فيما لا تدركه قواه من الغيبيات النسبية في عالم الشهادة ، فكيف بالغيبات المطلقة كالصفات الإلهية وأخبار دار الجزاء الأخروية .

وقد غلا أقوام كالمعتزلة في هذا الباب حتى أولوا نصوصا غيبية من قبيل الحوض والميزان والصراط .......... إلخ بحجة أنها مجازات لأمور معنوية فليست مدركة بالحس كما دلت على ذلك ظواهر النصوص .

بل زاد آخرون على ذلك تأويل الأحكام العملية ، فأولوا الصلاة والصيام والحج ....... إلخ بمعان باطنية بدعوى المجاز كما هو حال غلاة الباطنية . مع أن المجاز ، إن قيل بجوازه في لسان العرب ، إنما يكون في باب الخبر لا الإنشاء .






&&&&&

وبداية أشار ابن تيمية إلى أن اصطلاح المجاز :
اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين فى العلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبى حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم" .
"الإيمان" ، ص59 .
فأهل اللسان ممن يحتج بقولهم وأهل العربية ممن يحتج بنقلهم لم يؤثر عنهم هذا التقسيم .

وأول من عرف أنه تكلم بهذا اللفظ : أبو عبيدة معمر بن المثنى ، رحمه الله ، في كتابه : "مجاز القرآن" ، ولكنه لم يرد به المعنى الاصطلاحي الذي اشتهر بين المتأخرين ، وإنما أراد به : ما يصح حمل الآية عليه من معنى جرى به اللسان العربي ، ولا بد في هذا المقام من التنبيه على اختلاف المعنى المراد من اللفظ الواحد تبعا لزمن المتكلم ، فاللفظ قد يستخدم في زمن ما لمعنى معين ، ثم يتغير الاصطلاح ، أو العرف ، فيحمل هذا اللفظ على معنى آخر ، قد يكون فرعا عن المعنى الأصلي ، كأن يقيد العرف أو الاصطلاح المعنى اللغوي العام الذي عرفته العرب في كلامها ، فيقصره على معنى لغوي خاص ، فيأتي بعض المتأخرين ويحمل ألفاظ المتقدمين على ما استقر عنده من اصطلاح ، فيحدث الخلل في تفسير كلامهم لأنه حمله على ما لم يرده المتكلم ، بل لم يكن معروفا أصلا في زمانه .

فأبو عبيدة ، رحمه الله ، لم يكن يعرف المجاز الاصطلاحي المتأخر الذي هو : اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي وقرينة صارفة ، وإنما تكلم بما تعورف عليه في زمانه ، إذ كان المجاز يطلق في عصره على معنى الكلام . فمجاز الاستواء على سبيل المثال : العلو لا الاستيلاء كما زعم المتكلمون في باب الصفات الإلهية .

وكذلك الحال في مصطلح النسخ ، فالمتقدمون أطلقوه على كل صور صرف النص عن العمل به كـــ : تخصيص العام ، سواء كان مقارنا له أو متراخيا عنه ، وتقييد المطلق ، والنسخ الاصطلاحي عند المتأخرين ، والزيادة على النص ............ إلخ ، بينما قصره المتأخرون على : رفع الحكم الشرعي الثابت بخطاب متقدم بآخر متأخر متراخ عنه .

وقل مثل ذلك في "الكسب" الذي توسط أصحابه بين مقالة القدرية نفاة القدر من جهة ، والجبرية من جهة أخرى ، فجعلوا العبد مختارا في الظاهر مجبورا في الباطن ، وذلك يرجع عند التحقيق إلى مقالة أهل الجبر ، ولذلك عدهم بعض من صنف في المقالات ، كابن حزم ، رحمه الله ، من طوائف الجبرية .
إذ حملوا لفظ "الكسب" في الكتاب العزيز على مصطلحهم الحادث ، فالكسب في الكتاب العزيز في نحو قوله تعالى : (لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، إنما يأتي بمعنى الفعل الذي يفعله الإنسان بقدرة تامة مؤثرة في إيقاع الفعل وإرادة جازمة لا تخرج عن إرادة الله ، عز وجل ، الكونية النافذة ، لا بمعنى قيام الفعل بالعبد بإرادة اقترانية غير مؤثرة يحدث الفعل عندها لا بها ، فالنار عند أصحاب هذه المقالة يحدث الإحراق عندها لا بها ، فمقالتهم تؤول في حقيقتها إلى نزع القوى المؤثرة في الأعيان والأسباب ، فيصير مرد الأمر برمته إلى إرادة الله ، عز وجل ، الكونية ، دون نظر إلى الإرادات والأسباب المخلوقة .

الشاهد أنه لا بد من تفسير النصوص ، شرعية كانت أو غير شرعية بلغة عصرها لا بلغة حادثة بعدها ، وإلى هذا أشار ابن تيمية ، رحمه الله ، بقوله :
"ولهذا ينبغي أن يقصد اذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التى يخاطب بها عباده وهى العادة المعروفة من كلامه ثم اذا كان لذلك نظائر فى كلام غيره وكانت النظائر كثيرة عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة لا يختص بها هو بل هي لغة قومه ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده فى الخطاب لم تكن معروفة فى خطابه وخطاب أصحابه كما يفعله كثير من الناس وقد لا يعرفون انتفاء ذلك فى زمانه" . اهــــ


ويقول في موضع تال :
"ولا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ وكيف يفهم كلامه فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقة مراد الله ورسوله بكلامه وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه ولا يكون الأمر كذلك ويجعلون هذه الدلالة حقيقة وهذه مجازا كما أخطأ المرجئة فى اسم الإيمان ، جعلوا لفظ الإيمان حقيقة في مجرد التصديق وتناوله للأعمال مجازا" .
"الإيمان" ، ص75 .

والشافعي ، رحمه الله ، وهو أول من صنف في "أصول الفقه" ، لم يتعرض لهذه المسألة ، وكذا محمد بن الحسن الشيباني ، رحمه الله ، الذي اشتهر عنه الكلام على مسائل مبنية على العربية في كتبه ، كمسألة الأيمان ، وقد تعرض لها أحمد ، رحمه الله ، تعرض أبي عبيدة ، إذ لم يرد هو الآخر المعنى الاصطلاحي المتأخر ، وإنما قال في كتابه : "الرد على الجهمية" في قوله : (إنا ، نحن) : هذا من مجاز اللغة ، أي : مما يجوز في كلام العرب .

يقول ابن تيمية مشيرا إلى ما سبق :
"وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام فى أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في الجامع الكبير وغيره ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز فى كلام أحد منهم إلا فى كلام أحمد بن حنبل فإنه قال فى كتاب الرد على الجهمية فى قوله : (إنا ، ونحن) ونحو ذلك فى القرآن : هذا من مجاز اللغة يقول الرجل إنا سنعطيك إنا سنفعل فذكر أن هذا مجاز اللغة"
"الإيمان" ، ص59 .



&&&&&

ويحكي ابن تيمة أقوال المتأخرين في هذه المسألة فيقول :
"وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه ، (أي : من أصحاب أحمد رحمه الله) ، من قال إن في القرآن مجازا كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون فى القرآن مجاز كأبي الحسن الخرزي وأبي عبد الله بن حامد وأبي الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي وكذلك منع أن يكون فى القرآن مجاز محمد بن خويز منداد وغيره من المالكية ومنع منه داود بن علي وابنه أبو بكر ومنذر بن سعيد البلوطي وصنف فيه مصنفا" .
فكأن أتباع أحمد ، رحمه الله ، قد وقعوا فيما حذر منه ابن تيمية ، إذ حملوا ، لفظ المجاز في كلام أحمد ، رحمه الله ، على ما استقر عندهم من اصطلاح متأخر .

وإنكار الظاهرية من أمثال : داود بن علي وابنه أبي بكر ومنذر بن سعيد ، رحم الله الجميع ، إنكارهم المجاز يطرد مع مقالة أهل الظاهر التي انتحلوها ، فإن المجاز خلاف الظاهر .




&&&&&

ووجه اعتراض ابن تيمية ، رحمه الله ، أنه لا يسلم بالوضع الأول ، فالقائلون بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ، يقولون :
الحقيقة : هي التي وضعت لبيان المعنى أولا .
والمجاز : هو الذي وضع ثانيا بقرينة صارفة عن الوضع الأول .
فعلى سبيل المثال : في لفظ : "أسد" قال مثبتو المجاز : وضع أولا للحيوان المفترس ، ثم استعير للرجل الشجاع لعلاقة : الشجاعة ، بقرينة صارفة : كقولك : رأيت أسدا يرمي ، فالحيوان المفترس لا يقدر على الرماية ، فيكون الأسد : حقيقة في الحيوان المفترس ، مجازا في المقاتل الشجاع .
على أن الكلام لا يعلم معناه إلا بتأمل سياقه ، فلا تنتزع الألفاظ من سياقاتها انتزاعا لتفسر بمعزل عنها ، فمن سمع قول القائل : رأيت أسدا يرمي ، علم من السياق أنه لا بد أن يكون المقصود بالأسد هنا : الرامي الشجاع ، فلا مجاز هنا لأننا لم نضطر إلى الانتقال من معنى ظاهر إلى آخر مرجوح بقرينة صارفة ، بل فهمنا المعنى ابتداء .

وقوله : "يرمي" : قرينة سياقية ، وملاحظة السياق الذي ورد فيه اللفظ أصل في فهم معناه ، وليس ذلك من المجاز في شيء ، لأن ظاهر اللفظ المفرد يتعين بما دل عليه ظاهر العبارة المركب .

وقل مثل ذلك في لفظ : "الجناح" : فمثبتو المجاز بقولون : قد وضع اللفظ أولا : لجناح الطائر ، ثم استعير لمعنى الميل في حق البشر ، كما في قوله تعالى : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ) ، وقوله تعالى : (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) ، أي : لا تبعة ، والتبعة إنما تكون فرعا عن ميل الإنسان عن الحق إلى الباطل فيصير بذلك موضع الذم والإنكار ، فالميل
في حق الطائر إذ جناحه وسيلة ذلك : حقيقة ، والميل في حق البشر : مجاز ، إذ لا جناح حقيقي للإنسان ، وإنما يكون جنوحه في المعنويات المدركة بالعقل لا الماديات المدركة بالحس .
والمانعون من المجاز ينكرون الوضع الأول ، إذ هو عندهم دعوى لا دليل عليها ، فلقائل أن يقول : بل وضع أولا للمعنويات ثم استعير للماديات ، فدعوى مقابل دعوى !!! ، ولآخر أن يقول : الميل والجنوح معنى كلي مطلق ، فرع المتكلم عنه معان جزئية مقيدة ، فيقيد بالحس في جناح الطائر ، وبالمعنى في ميل المائل عن الحق ، وعلى هذا فقس ، فالكليات المطلقة لا يمتنع وقوع الشركة فيها ، بخلاف الجزئيات المقيدة فإنها تبع للمتصف بها والسياق الذي وردت فيه ، فهو قرينة تدل على المعنى المراد تحديدا كما تقدم .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ عُلِمَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْعَرَبِيَّةَ وُضِعَتْ أَوَّلًا لِمَعَانٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اُسْتُعْمِلَتْ فِيهَا ؛ فَيَكُونُ لَهَا وَضْعٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ . وَهَذَا إنَّمَا صَحَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ اللُّغَاتِ اصْطِلَاحِيَّةً فَيَدَّعِي أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْعُقَلَاءِ اجْتَمَعُوا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَمُّوا هَذَا بِكَذَا وَهَذَا بِكَذَا وَيَجْعَلَ هَذَا عَامًّا فِي جَمِيعِ اللُّغَاتِ . وَهَذَا الْقَوْلُ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ قَبْلَ أَبِي هَاشِمِ بْنِ الجبائي ؛ فَإِنَّهُ وَأَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ كِلَاهُمَا قَرَأَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الجبائي لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَخَالَفَهُمْ فِي الْقَدَرِ وَالْوَعِيدِ وَفِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَّنَ مِنْ تَنَاقُضِهِمْ وَفَسَادِ قَوْلِهِمْ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُ . فَتَنَازَعَ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ ؛ فَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ : هِيَ اصْطِلَاحِيَّةٌ وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ : هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ . ثُمَّ خَاضَ النَّاسُ بَعْدَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَقَالَ آخَرُونَ : بَعْضُهَا تَوْقِيفِيٌّ وَبَعْضُهَا اصْطِلَاحِيٌّ وَقَالَ فَرِيقٌ رَابِعٌ بِالْوَقْفِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَنْقُلَ عَنْ الْعَرَبِ بَلْ وَلَا عَنْ أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فَوَضَعُوا جَمِيعَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِي اللُّغَةِ ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ الْمَنْقُولُ بِالتَّوَاتُرِ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِيمَا عَنَوْهُ بِهَا مِنْ الْمَعَانِي فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ يَعْلَمُ وَضْعًا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْطِلٌ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ" . اهــــ
"الإيمان" ، ص60 .




&&&&&

ويعرج ابن تيمية ، رحمه الله ، على مسألة "تعلم اللغات" ، فيرى أن مدار الأمر على "الإلهام" ، (وهو ممن يرى أن اللغة : إلهام ، فلم يقل بالتوقيف أو الوضع) ، فالله ، عز وجل ، ألهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضه مراد بعض ، وكذا الطفل الصغير ، يسمع والديه ، فتتكون لديه ، شيئا فشيئا ، حصيلة لغوية ، فلا يوقفه والداه على معاني الأشياء ابتداء ، فيقولا له : هذا كتاب ، وهذا قلم ، وهذه ورقة .............. إلخ ، وإنما يدرك هو ذلك بنفسه ، فإذا ما استشكل عليه معرفة اسم شيء ما ، لكونه يراه لأول مرة ، ولم يسمع أحدا سماه من قبل فإنه يسأل والديه عن اسمه ، ولو كانت اللغة وضعا أو اصطلاحا ، لاضطر كل أبوين إلى عقد مجالس إملاء لسرد أسماء الأشياء على ابنهما ، وهذا غير حاصل بطبيعة الحال .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وَكَذَلِكَ الْآدَمِيُّونَ ؛ فَالْمَوْلُودُ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ التَّمْيِيزُ سَمِعَ أَبَوَيْهِ أَوْ مَنْ يُرَبِّيهِ يَنْطِقُ بِاللَّفْظِ وَيُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى فَصَارَ يَفْهَمُ أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْ : أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثُمَّ هَذَا يَسْمَعُ لَفْظًا بَعْدَ لَفْظٍ حَتَّى يَعْرِفَ لُغَةَ الْقَوْمِ الَّذِينَ نَشَأَ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ اصْطَلَحُوا مَعَهُ عَلَى وَضْعٍ مُتَقَدِّمٍ ؛ بَلْ وَلَا أَوْقَفُوهُ عَلَى مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَإِنْ كَانَ أَحْيَانًا قَدْ يَسْأَلُ عَنْ مُسَمَّى بَعْضِ الْأَشْيَاءِ فَيُوقَفُ عَلَيْهَا كَمَا يُتَرْجَمُ لِلرَّجُلِ اللُّغَةُ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا فَيُوقَفُ عَلَى مَعَانِي أَلْفَاظِهَا وَإِنْ بَاشَرَ أَهْلُهَا مُدَّةَ عِلْمِ ذَلِكَ بِدُونِ تَوْقِيفٍ مِنْ أَحَدِهِمْ" . اهــــ
"الإيمان" ، ص61 .


وعن الإلهام في نطق اللغات يقول ابن تيمية رحمه الله :
"فَبِالْجُمْلَةِ نَحْنُ لَيْسَ غَرَضُنَا إقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ ؛ بَلْ يَكْفِينَا أَنْ يُقَالَ : هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وُجُودُهُ بَلْ الْإِلْهَامُ كَافٍ فِي النُّطْقِ بِاللُّغَاتِ مِنْ غَيْرِ مُوَاضَعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ ؛ وَإِذَا سُمِّيَ هَذَا تَوْقِيفًا ؛ فَلْيُسَمَّ تَوْقِيفًا وَحِينَئِذٍ فَمَنْ ادَّعَى وَضْعًا مُتَقَدِّمًا عَلَى اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ ؛ فَقَدْ قَالَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ . وَإِنَّمَا الْمَعْلُومُ بِلَا رَيْبٍ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : تَتَمَيَّزُ الْحَقِيقَةُ مِنْ الْمَجَازِ بِالِاكْتِفَاءِ بِاللَّفْظِ فَإِذَا دَلَّ اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ ، وَإِذَا لَمْ يَدُلَّ إلَّا مَعَ الْقَرِينَةِ ؛ فَهُوَ مَجَازٌ وَهَذَا أَمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى لَا بِوَضْعِ مُتَقَدِّمٍ" . اهـــ
"الإيمان" ، ص63 .

فهو يعول على السياق بغض النظر عن الدلالة الوضعية للألفاظ ، مع أنه لا يسلم بها أصلا ، ولكن : هب أن للألفاظ دلالة وضعية ، فيكون لفظ : أسد قد وضع ابتداء للحيوان المفترس ، فلا أحد ، كما تقدم ، يفهم من قولك : رأيت أسدا يرمي ، أن الحيوان المفترس قد أمسك رمحا أو قوسا ليرمي ، وإنما المتبادر إلى الذهن مباشرة دون أي وسائط عقلية : أنه رام شجاع ، فلن يلجأ العقل إلى تصور الوضع اللفظي الأول ، ومن ثم صرفه عن ظاهره لقرينة لفظية هي : "يرمي" ، فتكون النتيجة : المقصود هنا ليس الأسد المعروف وإنما هو الرامي الشجاع ، فهذه الخطوات المنطقية سيختزلها أي عقل اختزالا ليصل إلى المعنى المراد مباشرة لدلالة السياق عليه ، فيكون الأسد في هذا السياق بعينه : حقيقة في المقاتل الشجاع ، والاستعارة من الفنون البلاغية التي استعملها العرب في كلامهم ، وطالما استعملت فقد صارت حقيقة في اللغة ، بمثابة المجاز المشتهر الذي ينزل منزلة الحقيقة العرفية ، التي تعارف الناس على استعمالها دون اللجوء في فهمها لتسلسل المجاز المنطقي ، فـــ :
كلمة "الغائط" على سبيل المثال : في الوضع الأول : تستعمل في الدلالة على المكان المنخفض ، ومن ثم صارت مجازا مشتهرا في الدلالة على الخارج ، لأن العرب كانت تتحرى الأماكن المنخفضة المطمئنة لقضاء حاجتها .
وكذا كلمة "العذرة" : فهي في الوضع الأول : تستعمل في في الدلالة على فناء الدار ، ومن ثم صارت مجازا مشتهرا في الدلالة على الخارج ، أيضا ، لأن العرب كانت تلقي بالمخلفات في أفنية الدور ، فلما صارت مجازا مشتهرا ، من باب : إطلاق المحل وإرادة الحال فيه ، آلت إلى كونها حقيقة عرفية في كلام العرب ، حتى هجر المعنى الأصلي لها ، وصار مهملا فلم يعد كثير من الناس يعرفه أصلا ، فانتقل اللفظ من باب : المجاز إلى الحقيقة .
وكذلك "المرحاض" : فهو في اللغة المغتسل ، ولكنه ، أيضا ، كناية عن موضع التخلي .

وقل مثل ذلك في نحو قول الشاعر :
أعرف منها الجيد والعينانا ******* ومنخرين أشبها ظبيانا .
فإن مثبت المجاز يقول : استعمال المنخر في الصوت الخارج من الأنف : مجاز علاقته المحلية ، إذ أطلق المحل وهو المنخر أو الأنف ، وأراد الحال فيه من الصوت ، ومنكر المجاز يقول : المعنى المراد يعرف ابتداء بقرينة السياق ، ففي البيت السابق : دل السياق على أن المراد بــ : "المنخر" : الأنف ، إذ شبه منخريها بمنخري رجل يسمى ظبيان ، فتقدير الكلام : ومنخرين كمنخري ظبيان ، وحذف المشبه به : "منخري" ، على وزان قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، ويأتي بيانه إن شاء الله .

فكل تلك الأمثلة مما اشتهر في لغة العرب ، فلو قيل بأنه مجاز فهو مجاز مشتهر ينزل منزلة الحقيقة العرفية التي تقدم على الحقيقة اللغوية ، فتقديمه على الحقيقة اللغوية ، مع كونه مجازا من جهة التقسيم الاصطلاحي ، راجع إلى استعمال اللسان لا إلى قوانين المجاز العقلية .



فكذلك الاستعارة أكثر العرب من استعمالها ، حتى صارت فنا من فنون التخاطب عندهم ، فصارت حقيقة في كلامهم ، لا سيما ونافي المجاز يعول دائما على السياق الذي يدل على المعنى المراد من اللفظ بلا كلفة عقلية .

الشاهد أنه لا بد من ملاحظة السياق الذي يرد فيه اللفظ قبل تفسيره ، وإلا وقع الخطأ في تعيين مراد المخاطب بنزع ألفاظه من سياقاتها ، فتحمل ما لا تحتمل كحال كثير من أصحاب الأهواء والمقالات الحادثة الذين يقتطعون من النصوص ما يشهد لمقالاتهم دون نظر إلى السياق الذي ينقضها في كثير من الأحيان . فحالهم حال من يتتبع المتشابه القليل ويعرض عن المحكم الكثير .


فالنصارى يقتطعون من آية النساء قوله تعالى : (وَرُوحٌ مِنْهُ) ، ويعرضون عن بقيتها : (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) ، وهي ناقضة لقولهم بألوهية المسيح عليه السلام .

والمعتزلة يقتطعون من سياق آيات المدثر قوله تعالى : (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) ، ليستدلوا به على نفي الشفاعة لعصاة الموحدين ، وسياق الآيات إنما ورد في بيان حال الكفار لا أصحاب الكبائر من الموحدين .


يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في معرض حجاج مثبتي المجاز ، كما في "مختصر الصواعق المرسلة" :
"إنكم فرقتم أيضا بينهما ، (أي : بين الحقيقة والمجاز) ، بأن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن فالمدلول إن تبادر إلى الذهن عند الإطلاق كان حقيقة ، وكان غير المتبادر مجازا . فإن الأسد إذا أطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع ، فهذا الفرق مبني على دعوى باطلة وهي تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية والنطق به وحده وحينئذ يتبادر منه الحقيقة عند التجرد . وهذا الفرض هو الذي أوقعكم في الوهم فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها لا تفيد فائدة ، وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيبا إسناديا يصح السكوت عليه وحينئذ فإنه يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ما قيد به فيتبادر منه في هذا التركيب ما لا يتبادر منه في هذا التركيب الأخير" . اهــــــ

فيكون "الأسد" في قولك : "رأيت أسدا يفترس غزالا" : حقيقة في الحيوان المفترس بقرينة : "يفترس" وهي قرينة سياقية معتبرة في فهم مراد المتكلم ، ويكون "الأسد" في قولك : "رأيت أسدا يرمي في الميدان" : حقيقة بقرينة : "يرمي" ، فلا يعلم مراد المتكلم إلا من سياق كلامه .



&&&&&

وتطرق ابن تيمية ، رحمه الله ، إلى نقض دعوى : نقل اللغة بالتواتر ، إذ يلزم من ذلك أن الله ، عز وجل ، علم آدم ، عليه السلام ، كل اللغات المعروفة اليوم ، على القول بوضع اللغات ، وأن كل من كان بالسفينة مع نوح ، عليه السلام ، نقلوا ما نعرفه اليوم من لغات ، وهذا أمر غير متصور ، لأنهم كانوا عددا محدودا من البشر يعيش في بلد واحد ، والعادة المطردة في أهل البلد الواحد : أنهم يتكلمون بلغة واحدة فقط ، وإن حصل اختلاف في الألسنة فهو اختلاف لهجات لا لغات .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْ آدَمَ جَمِيعَ اللُّغَاتِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا جَمِيعُ النَّاسِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ تِلْكَ اللُّغَاتِ اتَّصَلَتْ إلَى أَوْلَادِهِ فَلَا يَتَكَلَّمُونَ إلَّا بِهَا فَإِنَّ دَعْوَى هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا يُنْقَلُ عَنْهُ بَنُوهُ وَقَدْ أَغْرَقَ اللَّهُ عَامَ الطُّوفَانِ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ إلَّا مَنْ فِي السَّفِينَةِ وَأَهْلُ السَّفِينَةِ انْقَطَعَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ إلَّا أَوْلَادَ نُوحٍ وَلَمْ يَكُونُوا يَتَكَلَّمُونَ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَتْ بِهِ الْأُمَمُ بَعْدَهُمْ . فَإِنَّ "اللُّغَةَ الْوَاحِدَةَ" كَالْفَارِسِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالْأَنْوَاعِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ ، وَالْعَرَبُ أَنْفُسُهُمْ لِكُلِّ قَوْمٍ لُغَاتٌ لَا يَفْهَمُهَا غَيْرُهُمْ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُنْقَلَ هَذَا جَمِيعُهُ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ وَأُولَئِكَ جَمِيعُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسْلٌ وَإِنَّمَا النَّسْلُ لِنُوحِ وَجَمِيعُ النَّاسِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ : سَامُ وحام ويافث كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ } . فَلَمْ يَجْعَلْ بَاقِيًا إلَّا ذُرِّيَّتَهُ وَكَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّ أَوْلَادَهُ ثَلَاثَةٌ" . رَوَاهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْطِقُوا بِهَذَا كُلِّهِ وَيَمْتَنِعُ نَقْلُ ذَلِكَ عَنْهُمْ ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ هَذِهِ اللُّغَةَ لَا يَعْرِفُونَ هَذِهِ ، وَإِذَا كَانَ النَّاقِلُ ثَلَاثَةً ؛ فَهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَوْلَادَهُمْ ، وَأَوْلَادُهُمْ عَلِمُوا أَوْلَادَهُمْ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاتَّصَلَتْ . وَنَحْنُ نَجِدُ بَنِي الْأَبِ الْوَاحِدِ يَتَكَلَّمُ كُلُّ قَبِيلَةٍ مِنْهُمْ بِلُغَةِ لَا تَعْرِفُهَا الْأُخْرَى وَالْأَبُ وَاحِدٌ ، لَا يُقَالُ : إنَّهُ عَلَّمَ أَحَدَ ابْنَيْهِ لُغَةً وَابْنَهُ الْآخَرَ لُغَةً ؛ فَإِنَّ الْأَبَ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا ابْنَانِ وَاللُّغَاتُ فِي أَوْلَادِهِ أَضْعَافُ ذَلِكَ . وَاَلَّذِي أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَادَةَ بَنِي آدَمَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُعَلِّمُونَ أَوْلَادَهُمْ لُغَتَهُمْ الَّتِي يُخَاطِبُونَهُمْ بِهَا أَوْ يُخَاطِبُهُمْ بِهَا غَيْرُهُمْ فَأَمَّا لُغَاتٌ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِهَا فَلَا يُعَلِّمُونَهَا أَوْلَادَهُمْ" . اهـــ
"الإيمان" ، ص61 ، 62 .

فلم تكن اللغات الحادثة كالإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية .............. إلخ معروفة زمن نوح هليه السلام !!! لتنقل إلينا نقلا متواترا .



&&&&&

وأشار ابن تيمية إلى نكتة لطيفة في الفرق بين اللغات التي نزل بها الوحي واللغات الأرضية التي نطق بها أقوام لا كتاب لهم ، فالأولى تزيد على الثانية ألفاظا لا تعلم إلا من جهة الشرع ، كأيام الأسبوع .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللُّغَاتِ لَيْسَتْ مُتَلَقَّاةً عَنْ آدَمَ ؛ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَاتِ نَاقِصَةٌ عَنْ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ لِلْأَوْلَادِ وَالْبُيُوتِ وَالْأَصْوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُضَافُ إلَى الْحَيَوَانِ ؛ بَلْ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي ذَلِكَ الْإِضَافَةَ . فَلَوْ كَانَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَّمَهَا الْجَمِيعَ لَعَلَّمَهَا مُتَنَاسِبَةً ، وَأَيْضًا فَكُلُّ أُمَّةٍ لَيْسَ لَهَا كِتَابٌ لَيْسَ فِي لُغَتِهَا أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي لُغَتِهَا اسْمُ الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُرِفَ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ ؛ فَوَضَعَتْ لَهُ الْأُمَمُ الْأَسْمَاءَ ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ يَتْبَعُ التَّصَوُّرَ ، وَأَمَّا الْأُسْبُوعُ فَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِالسَّمْعِ ، لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ إلَّا بِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ شُرِعَ لَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْأُسْبُوعِ يَوْمًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ وَيَحْفَظُونَ بِهِ الْأُسْبُوعَ الْأَوَّلَ الَّذِي بَدَأَ اللَّهُ فِيهِ خَلْقَ هَذَا الْعَالَمِ ؛ فَفِي لُغَةِ الْعَرَبِ والعِبْرانِيِّينَ ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُمْ ، أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ ؛ بِخِلَافِ التُّرْكِ وَنَحْوِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي لُغَتِهِمْ أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ فَلَمْ يُعَبِّرُوا عَنْهُ" . اهـــ
فالترك لا تعرف أيام الأسبوع إذ لا رسالة لها ، والمسلمون واليهود والنصارى يعرفونها إذ جنس النبوة فيهم معلوم .
"الإيمان" ، ص63 .



&&&&&

ومن ثم ناقش ابن تيمية ، رحمه الله ، تقسيم اللغويين للحقيقة ، سواء أكانت قسمتهم ثناية (لغوية وعرفية) ، أم ثلاثية (لغوية وعرفية وشرعية) ، ورجح الحقيقة العرفية المشتهرة على الحقيقة اللغوية ، واعتبر الأولى ناسخة للثانية ، وهي مع كونها نقلت عن أصلها اللغوي بقرينة عرفية إلا أنها لم تصر : مجازا ، وإنما بقيت على حقيقتها ، وإن قيدت بكونها : عرفية ، فهذه حقيقة ، ومع ذلك لم يثبت لها وضع أول ، بل على العكس من ذلك : الوضع الأول ثابت للحقيقة اللغوية التي نقلت منها ، وعليه يبطل القول بأن مدار الحقيقة على أصل الوضع ، إذ قد يكون اللفظ حقيقيا بوضع ثان نقل من وضع أول بتقييد عرفي .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"ثُمَّ يُقَسِّمُونَ الْحَقِيقَةَ إلَى لُغَوِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ وَأَكْثَرُهُمْ يُقَسِّمُهَا إلَى ثَلَاثٍ : لُغَوِيَّةٍ وَشَرْعِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ . "فَالْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ" : هِيَ مَا صَارَ اللَّفْظُ دَالًّا فِيهَا عَلَى الْمَعْنَى بِالْعُرْفِ لَا بِاللُّغَةِ وَذَلِكَ الْمَعْنَى يَكُونُ تَارَةً أَعَمَّ مِنْ اللُّغَوِيِّ وَتَارَةً أَخَصَّ وَتَارَةً يَكُونُ مُبَايِنًا لَهُ ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةٌ اُسْتُعْمِلَ لِأَجْلِهَا . فَالْأَوَّلُ : مِثْلُ لَفْظِ "الرَّقَبَةِ" وَ "الرَّأْسِ" وَنَحْوِهِمَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعُضْوِ الْمَخْصُوصِ ثُمَّ صَارَ يُسْتَعْمَلُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ . وَالثَّانِي مِثْلُ لَفْظِ "الدَّابَّةِ" وَنَحْوِهَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا دَبَّ ثُمَّ صَارَ يُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ بَعْضِ النَّاسِ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَفِي عُرْفِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْفَرَسِ وَفِي عُرْفِ بَعْضِهِمْ فِي الْحِمَارِ . وَالثَّالِثُ مِثْلُ لَفْظِ "الْغَائِطِ" وَ "الظَّعِينَة" وَ "الرَّاوِيَةِ" وَ "الْمَزَادَةِ" فَإِنَّ الْغَائِطَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ مِنْ الْأَرْضِ ، فَلَمَّا كَانُوا يَنْتَابُونَهُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ سَمَّوْا مَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِنْسَانِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ ، وَالظَّعِينَةُ اسْمُ الدَّابَّةِ ثُمَّ سَمَّوْا الْمَرْأَةَ الَّتِي تَرْكَبُهَا بِاسْمِهَا وَنَظَائِرَ ذَلِكَ . وَ "الْمَقْصُودُ" أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْعُرْفِيَّةَ لَمْ تَصِرْ حَقِيقَةً لِجَمَاعَةِ تَوَاطَئُوا عَلَى نَقْلِهَا وَلَكِنْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ وَأَرَادَ بِهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى الْعُرْفِيَّ ثُمَّ شَاعَ الِاسْتِعْمَالُ فَصَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً بِهَذَا الِاسْتِعْمَالِ ، وَلِهَذَا زَادَ مَنْ زَادَ مِنْهُمْ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا التَّخَاطُبُ ثُمَّ هُمْ يَعْلَمُونَ وَيَقُولُونَ : إنَّهُ قَدْ يَغْلِبُ الِاسْتِعْمَالُ عَلَى بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ أَشْهَرَ فِيهِ وَلَا يَدُلُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا عَلَيْهِ فَتَصِيرُ الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ نَاسِخَةً لِلْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ . وَاللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَالِ الْحَادِثِ لِلْعُرْفِيِّ وَهُوَ حَقِيقَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ ذَلِكَ تَقَدُّمُ وَضْعٍ ، فَعُلِمَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْحَقِيقَةِ بِهَذَا لَا يَصِحُّ"
"الإيمان" ، ص64 .



&&&&&

وتطرق ابن تيمية ، إلى مسألة غاية في الأهمية أشبعها بحثا في أكثر من موضع من كتبه ، وهي مسألة :
الدلالة المطلقة والدلالة المقيدة للألفاظ ، فعمدة من قال بالمجاز أنه جرد الألفاظ عن أي قيد ، فجعلها مطلقة ، وقال بأن هذا المعنى المطلق عن أي قيد هو : حقيقتها ، مع أن أحدا لم ينطق بها مجردة ، لعدم إفادتها مجردة معنى موجودا في الخارج ، فاللفظ المطلق لا يوجد إلا في الأذهان ، فإذا ما قيد صارت له حقيقة في خارج الذهن تبعا لمقيده ، وهذه هي القاعدة التي أبطل بها ابن تيمية ، رحمه الله ، حجة القائلين بالوجود المطلق من الاتحادية ، إذ جعلوا الوجود كله : واحدا بالعين ، فوجود زيد هو عين وجود عمرو ، ووجود الخالق ، عز وجل ، هو عين وجود المخلوق لمجرد الاشتراك في معنى الوجود الكلي المطلق !!!! ، مع أن الصحيح أنه : واحد بالنوع ، فنوع الوجود : مطلق لا يوجد إلا في الأذهان ، لا حقيقة له في الخارج ، ولا يلزم من إثباته مطلقا ، وقوع الشركة فيه في الأعيان المقيدة بأوصافها التي تتمايز بها ، بل إذا قيد الوجود ، فإنه يتباين تبعا لتباين الأفراد المتصفة به ، ولا يقال بأنها عين واحدة ، فوجود زيد مباين لوجود عمرو ، كما تقدم ، وإن اشتركا في معنى الوجود الكلي ، الذي يمثل النوع هنا ، فاتحد نوع الوصف واختلفت أفراده ، تبعا لاختلاف ذواتها ، فذات زيد لها وجود يختص بها ، وذات عمرو لها وجود يختص بها ، ولله المثل الأعلى ، فله وجود يختص بذاته العلية ، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، فكما أنه ، عز وجل ، ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذا في صفاته وأفعاله ، فلا يندرج كفرد ضمن مجموعة أفراد تحت نوع واحد لمجرد الاشتراك في أصل معنى من معاني الكمال المطلق التي يجوز إطلاقها على الخلق ، ويجب إثباتها للخالق ، جل وعلا ، من باب أولى ، طالما جاءت بها النصوص ، لا يندرج مع خلقه تحت نوع واحد ، لمجرد الاشتراك في أمر كلي مطلق لا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه بخلاف الأمور الجزئية المقيدة خارج الذهن ، فإن نفس تصورها يمنع وقوع الشركة فيها ، فتصور ذات زيد يمنع اشتراك عمرو معه فيها ، وإذا كان ذلك التباين حاصلا بل واجبا بين الذوات المخلوقة مع اشتراكها في وصف الحدوث ، فهو في حق الخالق ، عز وجل ، أولى وآكد ، إذ ذاته العلية لا تشترك مع الذوات المخلوقة في وصف الحدوث ، بل هي أزلية أبدية لا يعتريها نقص أو فناء ، فلا يندرج الباري ، عز وجل ، قاعدة كلية شمولية ، إذ كيف يصح ذلك وهو خالق هذه القاعدة الشمولية ، وخالق ما يندرج تحتها من أفراد ، فكيف يحكم بالأدنى على الأعلى ؟!!!! .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"ثُمَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا : نَجِدُ أَحَدَهُمْ يَأْتِي إلَى أَلْفَاظٍ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ إلَّا مُقَيَّدَةً فَيَنْطِقُ بِهَا مُجَرَّدَةً عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَتُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا نُطِقَ بِهَا مُجَرَّدَةً وَلَا وُضِعَتْ مُجَرَّدَةً ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ حَقِيقَةُ الْعَيْنِ هُوَ الْعُضْوُ الْمُبْصِرُ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ عَيْنُ الشَّمْسِ وَالْعَيْنُ النَّابِعَةُ وَعَيْنُ الذَّهَبِ ؛ لِلْمُشَابَهَةِ . لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ لَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ؛ فَيُمَثِّلُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ لَفْظِ الرَّأْسِ . يَقُولُونَ : هُوَ حَقِيقَةٌ فِي رَأْسِ الْإِنْسَانِ . ثُمَّ قَالُوا : رَأْسُ الدَّرْبِ لِأَوَّلِهِ وَرَأْسُ الْعَيْنِ لِمَنْبَعِهَا وَرَأْسُ الْقَوْمِ لِسَيِّدِهِمْ وَرَأْسُ الْأَمْرِ لِأَوَّلِهِ وَرَأْسُ الشَّهْرِ وَرَأْسُ الْحَوْلِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ . وَهُمْ لَا يَجِدُونَ قَطُّ أَنَّ لَفْظَ الرَّأْسِ اُسْتُعْمِلَ مُجَرَّدًا ؛ بَلْ يَجِدُونَ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ بِالْقُيُودِ فِي رَأْسِ الْإِنْسَانِ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } وَنَحْوِهِ وَهَذَا الْقَيْدُ يَمْنَعُ أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ تِلْكَ الْمَعَانِي . فَإِذَا قِيلَ : رَأْسُ الْعَيْنِ وَرَأْسُ الدَّرْبِ وَرَأْسُ النَّاسِ وَرَأْسُ الْأَمْرِ ؛ فَهَذَا الْمُقَيِّدُ غَيْرُ ذَاكَ الْمُقَيِّدِ ، وَمَجْمُوعُ اللَّفْظِ الدَّالِّ هُنَا غَيْرُ مَجْمُوعِ اللَّفْظِ الدَّالِّ هُنَاكَ ؛ لَكِنْ اشْتَرَكَا فِي بَعْضِ اللَّفْظِ كَاشْتِرَاكِ كُلِّ الْأَسْمَاءِ الْمُعَرَّفَةِ فِي لَامِ التَّعْرِيفِ ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ النَّاطِقَ بِاللُّغَةِ نَطَقَ بِلَفْظِ رَأْسِ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُتَصَوَّرُ رَأْسُهُ قَبْلَ غَيْرِهِ ، وَالتَّعْبِيرُ أَوَّلًا هُوَ عَمَّا يُتَصَوَّرُ أَوَّلًا ، فَالنُّطْقُ بِهَذَا الْمُضَافِ أَوَّلًا لَا يَمْنَعُ أَنْ يُنْطَقَ بِهِ مُضَافًا إلَى غَيْرِهِ ثَانِيًا ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ الْمَجَازِ كَمَا فِي سَائِرِ الْمُضَافَاتِ فَإِذَا قِيلَ : ابْنُ آدَمَ أَوَّلًا ؛ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنَا : ابْنُ الْفَرَسِ وَابْنُ الْحِمَارِ مَجَازًا وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : بِنْتُ الْإِنْسَانِ ؛ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنَا : بِنْتُ الْفَرَسِ مَجَازًا . وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : رَأْسُ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُنَا : رَأْسُ الْفَرَسِ مَجَازًا وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُضَافَاتِ إذَا قِيلَ : يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ" . اهـــ
"الإيمان" ، ص64 ، 65 .
وعليه فالمطلق المجرد عن أي قيد ، لا يمكن ادعاء أنه أريد به ابتداء : معنى كذا ، ثم نقل إلى : معنى كذا ، فيقال ، على سبيل المثال ، بأن لفظ : "رأس" المطلق قصد به أولا : رأس الإنسان ، فصار حقيقة فيه ، ثم نقل إلى رأس الفرس فصار مجازا فيه ، لأن البحث الآن في لفظ : "رأس" المطلق لا المقيد بكونه رأس إنسان ، وهذا المطلق ، كما تقدم ، لا وجود له خارج الأذهان فلا يتصور إلا فيها ، فكيف نتحكم بتقييده ابتداء بفرد من أفراده التي يدل عليها بعد تقييده ، فيقال : المراد به ، مع كونه مطلقا ، الرأس المقيدة بكونها رأس إنسان ؟!!! ، ثم نقلت بعلاقة وقرينة مجازية إلى بقية الرؤوس .

فلا وجود للمطلق بشرط الإطلاق إلا في الأذهان ، فمجرد إضافته خارج الذهن قيد فارق يجعله حقيقة في المضاف إليه ، فرأس الإنسان : حقيقة في الإنسان ، ورأس الفرس حقيقة في الفرس ، فلا حاجة إلى تكلف وقوع المجاز وما يتفرع عنه من علاقات وقرائن عقلية .


ويقول في موضع تال مناقشا المناطقة في دعوى اللفظ المطلق من جميع القيود :
"وَأَيْضًا فَقَدْ بَيَّنَّا .............. أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ إلَّا بَيَّنَ مَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِينَ وَلَمْ يحوجهم إلَى شَيْءٍ آخَرَ .............. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ هَؤُلَاءِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ مِنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ ؛ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَدَّرًا فِي الْأَذْهَانِ لَا مَوْجُودًا فِي الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ . كَمَا أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ الْمَنْطِقِيُّونَ مِنْ الْمَعْنَى الْمُطْلَقِ مِنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَدَّرًا فِي الذِّهْنِ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ خَارِجٌ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ" . اهـــ
بتصرف من : "الإيمان" ، ص69 ، 70 .


ويؤكد على أن هذا المعنى الكلي المشترك الذي تواطأت عليه هذه الأفراد لا يوجد إلا في الذهن فلا يلزم من إثباته تشبيه أو تمثيل ، لأنه ، كما تقدم ، إنما يوجد في الأذهان دون الأعيان ، فإذا ما قيد ، كان تبعا لمقيده .

يقول ابن تيمية :
"وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ مُسَمَّيَاتِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ عَامٌّ لَا يُوجَدُ كُلِّيًّا عَامًّا إلَّا فِي الذِّهْنِ وَهُوَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْعَامَّ الْكُلِّيَّ كَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَحْتَاجُونَ إلَى مَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ وَإِلَى مَا يُوجَدُ فِي الْقُلُوبِ فِي الْعَادَةِ . وَمَا لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ إلَّا مُضَافًا إلَى غَيْرِهِ ؛ لَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ مُجَرَّدًا بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ غَيْرَ مُضَافٍ تَعَوَّدَتْ الْأَذْهَانُ تَصَوُّرَ مُسَمَّى الْإِنْسَانِ وَمُسَمَّى الْفَرَسِ بِخِلَافِ تَصَوُّرِ مُسَمَّى الْإِرَادَةِ وَمُسَمَّى الْعِلْمِ وَمُسَمَّى الْقُدْرَةِ وَمُسَمَّى الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ الْعَامِّ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ لَهُ فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ مُطْلَقٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ لَا يُوجَدُ لَفْظُ الْإِرَادَةِ إلَّا مُقَيَّدًا بِالْمُرِيدِ وَلَا لَفْظُ الْعِلْمِ إلَّا مُقَيَّدًا بِالْعَالِمِ وَلَا لَفْظُ الْقُدْرَةِ إلَّا مُقَيَّدًا بِالْقَادِرِ . بَلْ وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَعْرَاضِ لَمَّا لَمْ تُوجَدْ إلَّا فِي مَحَالِّهَا مُقَيَّدَةً بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ إلَّا كَذَلِكَ" . اهـــ
"الإيمان" ، ص71 .


ويضرب مثلا بألفاظ "السواد" و "البياض" ، فإنها لا توجد في الخارج إلا مقيدة بمن يتصف بها ، فيقال : هذا أسود ، وهذا أبيض ، يضرب المثل بذلك فيقول :
"فَلَا يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ لَفْظُ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ إلَّا مُقَيَّدًا بِالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وَالطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ قَيْدٍ ؛ وَإِنَّمَا يُوجَدُ مُجَرَّدًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ فِي اللُّغَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ مَا يُرِيدُونَ بِهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" . اهـــ
"الإيمان" ، ص71 .

وهذا صنيع أمثال ابن فارس ، رحمه الله ، في معجمه ، فإنه اهتم ببيان مواد المعاني الكلية المطلقة ، فيقول على سبيل المثال : (الباء والثاء أصلٌ واحد ، وهو تفريق الشيء وإظهاره) ، فعرف "البث" مطلقا ، وهو إنما يوجد خارج الذهن مقيدا بباث ومبثوث بعينه ، كما في قوله تعالى : (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) ، فذلك معنى جزئي مقيد تفرع عن معنى البث الكلي المطلق وعلى هذا فقس في باب المعاني الكلية المجردة التي لا يعلم مراد المتكلم إلا بإثباتها .

ويقول في خاتمة هذا المبحث : "فما لم ينطق به إلا مضافا أولى أن لا يكون مجازا" ، لأنه صار حقيقة في معناه بعد الإضافة ، فلم يستعمل مطلقا ليقال بأن في تقييده بالإضافة صرفا له عن وضعه الأول بقرينة فيكون مجازا من هذا الوجه .



&&&&&
ثم عرض ابن تيمية لأهم الأيات التي استدل بها من قال بوقوع المجاز في القرآن ، فذكر :
قوله تعالى : (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، إذ يقول مثبتو المجاز : إن الذوق وضع أولا للفم فصار حقيقة فيه ، واللباس وضع أولا لما يلبس على البدن فصار حقيقة فيه ، ومن ثم نقل بالاستعارة إلى المعنى المراد في الآية ، والرد من وجهين :
الوجه الأول : أنه لا يسلم بهذا الوضع الأول ، كما تقدم ، فهو دعوى معارضة بدعوى ، إذ ما المانع أن يكون الأمر بالعكس فيكون الذوق واللباس قد وضعا ابتداء للدلالة على المعنى الذي يدعون أنه مجاز ، فيكون فيه حقيقة ، ويكون في المعنى الذي أثبتوه حقيقةً : مجازاً ، وهذه دعوى مطردة في كل ما ادعي أنه حقيقة في الوضع الأول في كذا ، مجاز في الوضع الثاني في كذا .
والوجه الثاني : أن هذه الأفراد قد تشترك في معنى الذوق الكلي وهو : وجود طعم الشيء ، ولا يلزم من ذلك تماثلها ، وإنما يكون الأمر من باب : "التواطؤ اللفطي" أو : "الاشتراك المعنوي" ، فهي مشتركة في أصل المعنى دون فرعه ، إذ لا إشكال في وقوع الشركة في المعاني الكلية المطلقة .

يقول ابن تيمية :
"وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } . فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : الذَّوْقُ حَقِيقَةٌ فِي الذَّوْقِ بِالْفَمِ ، وَاللِّبَاسُ بِمَا يُلْبَسُ عَلَى الْبَدَنِ ، وَإِنَّمَا اُسْتُعِيرَ هَذَا وَهَذَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ قَالَ الْخَلِيلُ : الذَّوْقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ وُجُودُ طَعْمِ الشَّيْءِ ، (أي : مطلقا عن أي قيد) ، وَالِاسْتِعْمَالُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، (أي : على المعنى المراد مقيدا) . قَالَ تَعَالَى : { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ } . وَقَالَ : { ذُقْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } . وَقَالَ : { فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } . وَقَالَ : { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } - { فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ } - { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى } - { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا } { إلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ رَسُولًا" . وَفِي بَعْضِ الْأَدْعِيَةِ : "أَذِقْنَا بَرْدَ عَفْوِك وَحَلَاوَةَ مَغْفِرَتِك" . فَلَفْظُ "الذَّوْقِ" يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُحِسُّ بِهِ وَيَجِدُ أَلَمَهُ أَوْ لَذَّتَهُ فَدَعْوَى الْمُدَّعِي اخْتِصَاصَ لَفْظِ الذَّوْقِ بِمَا يَكُونُ بِالْفَمِ تَحَكُّمٌ مِنْهُ ، لَكِنَّ ذَاكَ مُقَيَّدٌ فَيُقَالُ : ذُقْت الطَّعَامَ وَذُقْت هَذَا الشَّرَابَ ؛ فَيَكُونُ مَعَهُ مِنْ الْقُيُودِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَوْقٌ بِالْفَمِ وَإِذَا كَانَ الذَّوْقُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا يُحِسُّهُ الْإِنْسَانُ بِبَاطِنِهِ أَوْ بِظَاهِرِهِ ؛ حَتَّى الْمَاءُ الْحَمِيمُ يُقَالُ : ذَاقَهُ فَالشَّرَابُ إذَا كَانَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا يُقَالُ : ذُقْت حَرَّهُ وَبَرْدَهُ . وَأَمَّا لَفْظُ "اللِّبَاسِ" : فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كُلِّ مَا يَغْشَى الْإِنْسَانَ وَيَلْتَبِسُ بِهِ ، (وهذا أيضا : معنى كلي مطلق) ، قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا } . وَقَالَ : { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } . وَقَالَ : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } . وَمِنْهُ يُقَالُ : لَبَسَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ إذَا خَلَطَهُ بِهِ حَتَّى غَشِيَهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ . فَالْجُوعُ الَّذِي يَشْمَلُ أَلَمُهُ جَمِيعَ الْجَائِعِ : نَفْسَهُ وَبَدَنَهُ وَكَذَلِكَ الْخَوْفُ الَّذِي يَلْبَسُ الْبَدَنَ . فَلَوْ قِيلَ : فَأَذَاقَهَا اللَّهُ الْجُوعَ وَالْخَوْفَ ؛ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْجَائِعِ بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ : لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ . وَلَوْ قَالَ فَأَلْبَسَهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَاقُوا مَا يُؤْلِمُهُمْ إلَّا بِالْعَقْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْجَائِعَ الْخَائِفَ يَأْلَمُ" . اهـــ
بتصرف من : "الإيمان" ، ص71 ، 72 .



&&&&&
وكذلك ادعى القوم المجاز في صفات الكمال المقيد كـــ : "المكر" و : "الاستهزاء" ، وهي حقيقة في بابها ، لأنه لا نقص فيها بعد تقييدها ، فالمكر المقيد بكونه بالماكرين كمال ، خلاف "المكر" المطلق الذي يحتمل كمالا ويحتمل نقصا ، فرفع التقييد احتمال النقص وصار اللفظ حقيقة في الكمال المقيد الثابت لله ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بذاته العلية .
يقول ابن تيمية :
"وَكَذَلِكَ مَا ادَّعَوْا أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْقُرْآنِ كَلَفْظِ "الْمَكْرِ" وَ "الِاسْتِهْزَاءِ" وَ "السُّخْرِيَةِ" الْمُضَافِ إلَى اللَّهِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ مُسَمًّى بِاسْمِ مَا يُقَابِلُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُسَمَّيَاتُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إذَا فُعِلَتْ بِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ ظُلْمًا لَهُ وَأَمَّا إذَا فُعِلَتْ بِمَنْ فَعَلَهَا بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ كَانَتْ عَدْلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } . فَكَادَ لَهُ كَمَا كَادَتْ إخْوَتُهُ لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ : { لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } . وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا } { وَأَكِيدُ كَيْدًا } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ } . وَقَالَ تَعَالَى : { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } . وَلِهَذَا كَانَ الِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ فِعْلًا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّهُ يُفْتَحُ لَهُمْ بَابٌ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُمْ فِي النَّارِ فَيُسْرِعُونَ إلَيْهِ فَيُغْلَقُ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُمْ بَابٌ آخَرُ فَيُسْرِعُونَ إلَيْهِ فَيُغْلَقُ فَيَضْحَكُ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ . قَالَ تَعَالَى : { فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } { عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ } { هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }" . اهــــ
"الإيمان" ، ص72 .



&&&&&


وكذلك المثال المشهور وهو قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) ، إذ يقول مثبتو المجاز ، بأن في الكلام : مجازا بالحذف ، فتقدير الكلام : واسأل أهل القرية ، ومن ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .
والجواب من ثلاثة أوجه :
الأول : أن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ، مما استعمله العرب في لغتهم ، فصار باستعماله حقيقة في كلامهم ، وإليه أشار ابن مالك ، رحمه الله ، في ألفيته بقوله :
وما يلي المضاف يأتي خلفا ******* عنه في الإعراب إذا ما حذفا
والثاني : أن المعنى المتبادر لذهن السامع هو : سؤال أهل القرية ، لأن السياق يدل على ذلك ، والقرينة العقلية تؤكد أن المراد : أهل القرية لا جدرها ومبانيها ، فلا نحتاج إلى أي وسائط عقلية معقدة لمعرفة هذا المعنى ، لأن البيوت والجدران لا تسأل بداهة .
والثالث : أن لفظ القرية والمدينة وأمثال هذه الألفاظ التي فيها الحال والمحل كلاهما داخل في الاسم ، ثم قد يعود الحكم على الحال تارة وهو : السكان ، وعلى المحل وهو : المكان تارة أخرى ، والسياق هو الذي يحدد ، وطالما رجع فهم المعنى المراد إلى الدلالة السياقية فلا مجاز ، لأن السياق أصل في معرفة مراد المتكلم ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

ففي قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) ، المراد هو الحال ، وهم : سكان القرية ، بقرينة : (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) ، والبيوت والجدران لا تقيل ، و : (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) ، والبيوت والجدران لا تدعو ، وإن كانت تسبح تسبيحا لا نفقهه ، فعلم المعنى المراد دون الحاجة إلى القول بالمجاز .

وفي قوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) ، المراد هو المحل ، بقرينة : (خاوية على عروشها) ، وهذا الوصف لا يطلق على ساكني القرى وإنما يطلق على القرى نفسها ، فلا مجاز هنا ، أيضا ، لأن السياق هو الذي حدد المعنى المراد .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وَمِنْ الْأَمْثِلَةِ الْمَشْهُورَةِ لِمَنْ يُثْبِتُ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } . قَالُوا الْمُرَادُ بِهِ أَهْلُهَا فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ فَقِيلَ لَهُمْ : لَفْظُ الْقَرْيَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالنَّهْرِ وَالْمِيزَابِ ؛ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا الْحَالُّ وَالْمَحَالُّ كِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي الِاسْمِ . ثُمَّ قَدْ يَعُودُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَالِّ وَهُوَ السُّكَّانُ وَتَارَةً عَلَى الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمَكَانُ وَكَذَلِكَ فِي النَّهْرِ يُقَالُ : حَفَرْت النَّهْرَ وَهُوَ الْمَحَلُّ . وَجَرَى النَّهْرُ وَهُوَ الْمَاءُ وَوَضَعْت الْمِيزَابَ وَهُوَ الْمَحَلُّ وَجَرَى الْمِيزَابُ وَهُوَ الْمَاءُ وَكَذَلِكَ الْقَرْيَةُ قَالَ تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً } . وَقَوْلُهُ : { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إلَّا أَنْ قَالُوا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } . وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ } . فَجَعَلَ الْقُرَى هُمْ السُّكَّانُ . وَقَالَ : { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ } . وَهُمْ السُّكَّانُ . وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } . وَقَالَ تَعَالَى : { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } . فَهَذَا الْمَكَانُ لَا السُّكَّانُ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ أَنَّهُ كَانَ مَسْكُونًا ؛ فَلَا يُسَمَّى قَرْيَةً إلَّا إذَا كَانَ قَدْ عُمِّرَ لِلسُّكْنَى مَأْخُوذٌ مِنْ الْقُرَى وَهُوَ الْجَمْعُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : قَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إذَا جَمَعْته فِيهِ . وَنَظِيرُ ذَلِكَ لَفْظُ "الْإِنْسَانِ" يَتَنَاوَلُ الْجَسَدَ وَالرُّوحَ ثُمَّ الْأَحْكَامُ تَتَنَاوَلُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً لِتَلَازُمِهِمَا ؛ فَكَذَلِكَ الْقَرْيَةُ إذَا عُذِّبَ أَهْلُهَا خَرِبَتْ وَإِذَا خَرِبَتْ كَانَ عَذَابًا لِأَهْلِهَا ؛ فَمَا يُصِيبُ أَحَدَهُمَا مِنْ الشَّرِّ يَنَالُ الْآخَرَ ؛ كَمَا يَنَالُ الْبَدَنَ وَالرُّوحَ مَا يُصِيبُ أَحَدَهُمَا . فَقَوْلُهُ : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } . مِثْلُ قَوْلِهِ { قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً } . فَاللَّفْظُ هُنَا يُرَادُ بِهِ السُّكَّانُ مِنْ غَيْرِ إضْمَارٍ وَلَا حَذْفٍ" . اهـــ
"الإيمان" ، ص73 .

فتكلف دلالة النص على مضاف محذوف اقتضاء لا حاجة إليه وإن كان صحيحا من جهة التصور العقلي ، لا حاجة إليه إذ المخاطب قد أدرك المعنى المراد ابتداء دون حاجة إلى تقدير محذوف ، والأصل عدم الحذف فلا يعدل عنه إلا لضرورة ، ولا ضرورة هنا ، كما تقدم ، لوضوح المعنى المراد ابتداء .



&&&&&


وكذلك في قوله تعالى : (جدارا يريد أن ينقض) ، إذ قال مثبتو المجاز : الإرادة حقيقة في الحيوان مجاز في الجماد ، والجدار جماد ، والرد ، أيضا ، من وجهين :
الأول : أن هذه دعوى مقابلة بدعوى : فما المانع أن تكون الإرادة قد ثبتت أولا للجماد ثم نقلت للحيوان ، فكلا الطرفين عاجز عن إثبات الوضع الأول فتكافآ .
الثاني : أن المعنى الكلي للإرادة : الميل ، والحيوان النامي والجدار الجامد كلاهما يشترك في المعنى الكلي المطلق للإرادة ، فإذا ما قيد الميل بميل الجدار فهو : حقيقة فيه ، وإذا ما قيد بميل الحيوان ، فهو حقيقة فيه ، فتكون المسألة من باب التواطؤ في معنى : "الميل" الكلي المطلق .
يقول ابن تيمية رحمه الله :
"فَمِنْ أَشْهَرِ مَا ذَكَرُوهُ قَوْله تَعَالَى : { جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } . قَالُوا : وَالْجِدَارُ لَيْسَ بِحَيَوَانِ ، وَالْإِرَادَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِلْحَيَوَانِ ؛ فَاسْتِعْمَالُهَا فِي مَيْلِ الْجِدَارِ مَجَازٌ . فَقِيلَ لَهُمْ : لَفْظُ الْإِرَادَةِ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَيْلِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ شُعُورٌ وَهُوَ مَيْلُ الْحَيِّ وَفِي الْمَيْلِ الَّذِي لَا شُعُورَ فِيهِ وَهُوَ مَيْلُ الْجَمَادِ وَهُوَ مِنْ مَشْهُورِ اللُّغَةِ ؛ يُقَالُ هَذَا السَّقْفُ يُرِيدُ أَنْ يَقَعَ وَهَذِهِ الْأَرْضُ تُرِيدُ أَنْ تُحْرَثَ وَهَذَا الزَّرْعُ يُرِيدُ أَنْ يُسْقَى ؛ وَهَذَا الثَّمَرُ يُرِيدُ أَنْ يُقْطَفَ وَهَذَا الثَّوْبُ يُرِيدُ أَنْ يُغْسَلَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ"
"الإيمان" ، ص70 .

وبهذا التقرير رد ، رحمه الله ، على منكري صفات الأفعال كالغضب والضحك ، لأنها ، على حد قولهم تستلزم معان تقوم بالبشر يتنزه الباري ، عز وجل ، عنها ، فكذلك الشأن من باب الإلزام في صفة الإرادة ، فهي في حق البشر : ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة ، وذلك معنى يتنزه عنه الباري ، عز وجل ، لتمام غناه عن خلقه فلا يحتاج إلى ما تحتاجه الخلائق من أسباب تستجلب بها المنافع وتستدفع بها المضار ، فلماذا ينفى الغضب وتثبت الإرادة ، أليس ذلك تفريقا بين متماثلين ؟! ، فإما :
أن يثبت الكل على الوجه اللائق بجلال الله ، عز وجل ، إذ الإثبات إنما يتوجه إلى المعاني الكلية ، كما تقدم ، ولا تشبيه مذموم في ذلك ، فالتشبيه المذموم إنما يكون في الحقائق الجزئية لا المعاني الكلية ، فيقول الممثل : له يد كيدي ، تعالى الخالق ، عز وجل ، عن ذلك .
وإما أن ينكر الكل ، فيكون قد وقع في التعطيل الكامل مذهب نفاة صفات الباري ، عز وجل ، بزعم تنزيهه عن مشابهة الحوادث !!! .

يقول ابن تيمية ، رحمه الله ، في الأصل الأول من "التدمرية" :
"فإن كان المخاطب ممن يقول : بأن الله حي بحياة ، عليم بعلم ، قدير بقدرة ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، متكلم بكلام ، مريد بإرادة ، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهته ، فيجعل ذلك مجازا ويفسره ، إما بالإرادة وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات ، (وهذا مذهب المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري رحمه الله) ، فيقال له : لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته ، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر ، فإن قلت : إن إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه . وهذا هو التمثيل وإن قلت : أن له إرادة تليق به ، كما أن للمخلوق إرادة تليق به قيل لك : وكذلك له محبة تليق به ، وللمخلوق محبة تليق به وله رضا وغضب يليق به ، وللمخلوق رضا وغضب يليق به وإن قلت : الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال له : والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قلت : هذه إرادة المخلوق قيل لك : وهذا غضب المخلوق وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته ، إن نفي عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين ، فهذا منتف عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات وإن قال : أنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين ، فيجب نفيه عنه قيل له : وهكذا السمع والبصر
والكلام والعلم والقدرة" . اهـــــ

فالباب واحد إذ القول في بعض الصفات كالقول في بعض ، فاختلاف القول في أفراد يجمعها باب واحد تناقض يأباه العقل الصريح .



&&&&&


وتطرق ابن تيمية ، رحمه الله ، إلى مبحث آخر نفيس ، سبقت الإشارة إلى طرف منه ، وهو مسألة : الاصطلاحات الحادثة وحمل كلام المتقدمين عليها ، لاسيما نصوص الوحي ، إذ تفسيرها بلغة حدثت بعد نزولها ، بعجمة لسان ، أو بوضع أصحاب كل فن مصطلحات فنهم ، خطا جسيم نجم عنه حمل كلام المتقدمين على غير محمله ، كما وقع من الشافعية ، رحمهم الله ، لما حملوا الكراهة في كلام إمامهم على الكراهة الاصطلاحية التي حدثت بعد ذلك في كلام الأصوليين ، مع أنه كان يقصد بها التحريم ، وذلك أمر جرت به ألسنة العرب ، وجاء به الكتاب العزيز في نحو قوله تعالى : (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) ، فالكبائر التي بينتها الآيات السابقة لهذه الآية لا يمكن حمل حكمها على الكراهة الاصطلاحية الحادثة في كلام الأصوليين ، فيثاب تاركها ولا يعاقب فاعلها !!! .


يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْحَقِيقَةَ مَا يَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؛ فَمِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : إذَا كَانَ اللَّفْظُ لَمْ يُنْطَقْ بِهِ إلَّا مُقَيَّدًا ؛ فَإِنَّهُ يَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ . وَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ ؛ فَهُوَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَلَامِ مُطْلَقًا قَطُّ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَالُ إطْلَاقٍ مَحْضٍ حَتَّى يُقَالَ : إنَّ الذِّهْنَ يَسْبِقُ إلَيْهِ أَمْ لَا . وَأَيْضًا : فَأَيُّ ذِهْنٍ فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ الَّذِي يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ ؛ يَسْبِقُ إلَى ذِهْنِهِ مِنْ اللَّفْظِ مَا لَا يَسْبِقُ إلَى ذِهْنِ النَّبَطِيِّ الَّذِي صَارَ يَسْتَعْمِلُ الْأَلْفَاظَ فِي غَيْرِ مَعَانِيهَا وَمِنْ هُنَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَعَوَّدُوا مَا اعْتَادُوهُ إمَّا مِنْ خِطَابِ عَامَّتِهِمْ وَإِمَّا مِنْ خِطَابِ عُلَمَائِهِمْ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَعْنًى فَإِذَا سَمِعُوهُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ظَنُّوا أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فَيَحْمِلُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى لُغَتِهِمْ النَّبَطِيَّةِ وَعَادَتِهِمْ الْحَادِثَةِ . وَهَذَا مِمَّا دَخَلَ بِهِ الْغَلَطُ عَلَى طَوَائِفَ ، بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ تَعْرِفَ اللُّغَةَ وَالْعَادَةَ وَالْعُرْفَ الَّذِي نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْهَمُونَ مِنْ الرَّسُولِ عِنْدَ سَمَاعِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ ؛ فَبِتِلْكَ اللُّغَةِ وَالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ خَاطَبَهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . لَا بِمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ" . اهــــ
"الإيمان" ، ص69

ويقول في موضع تال : "وَالْحَالُ حَالُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُسْتَمِعِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي جَمِيعِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ إذَا عُرِفَ الْمُتَكَلِّمُ فُهِمَ مِنْ مَعْنَى كَلَامِهِ مَا لَا يُفْهَمُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُعْرَفُ عَادَتُهُ فِي خِطَابِهِ ، وَاللَّفْظُ إنَّمَا يَدُلُّ إذَا عُرِفَ لُغَةُ الْمُتَكَلِّمِ الَّتِي بِهَا يَتَكَلَّمُ وَهِيَ عَادَتُهُ وَعُرْفُهُ الَّتِي يَعْتَادُهَا فِي خِطَابِهِ ، وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى دَلَالَةٌ قَصْدِيَّةٌ إرَادِيَّةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ ، فَالْمُتَكَلِّمُ يُرِيدُ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى ؛ فَإِذَا اعْتَادَ أَنْ يُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ عَنْ الْمَعْنَى كَانَتْ تِلْكَ لُغَتَهُ وَلِهَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ عِنَايَةٌ بِأَلْفَاظِ الرَّسُولِ وَمُرَادِهِ بِهَا : عَرَفَ عَادَتَهُ فِي خِطَابِهِ وَتَبَيَّنَ لَهُ مِنْ مُرَادِهِ مَا لَا يَتَبَيَّنُ لِغَيْرِهِ . وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ إذَا ذُكِرَ لَفْظٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَنْ يَذْكُرَ نَظَائِرَ ذَلِكَ اللَّفْظِ ؛ مَاذَا عَنَى بِهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَيَعْرِفُ بِذَلِكَ لُغَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَسُنَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الَّتِي يُخَاطِبُ بِهَا عِبَادَهُ وَهِيَ الْعَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ كَلَامِهِ ثُمَّ إذَا كَانَ لِذَلِكَ نَظَائِرُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ وَكَانَتْ النَّظَائِرُ كَثِيرَةً ؛ عُرِفَ أَنَّ تِلْكَ الْعَادَةَ وَاللُّغَةَ مُشْتَرَكَةٌ عَامَّةٌ لَا يَخْتَصُّ بِهَا هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ هِيَ لُغَةُ قَوْمِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى عَادَاتٍ حَدَثَتْ بَعْدَهُ فِي الْخِطَابِ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً فِي خِطَابِهِ وَخِطَابِ أَصْحَابِهِ . كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَقَدْ لَا يَعْرِفُونَ انْتِفَاءَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ"
"الإيمان" ، ص74 ، 75 .


ويلفت ابن تيمية الانتباه إلى أن أصل الخلل عند المتكلمين هو إفراطهم في الاعتماد على الحقائق اللغوية في مقابل تفريطهم في الاعتماد على الحقائق الشرعية ، واللغة ، وإن كانت ضرورية لفهم كلام الشارع ، جل وعلا ، إلا أن الخلل يقع إذا ما فسرت النصوص وفق لغة حادثة ، كما تقدم ، أو إذا ما كان في المسألة : نص يدل على حقيقة شرعية فيعدل الناظر عنها إلى الحقيقة اللغوية ، مع أنه قد كفي مشقة البحث بورود المعنى الذي أراده الشارع ، جل وعلا ، منصوصا عليه ، فلا كلام لأحد بعد بيان الشارع .

يقول ابن تيمية :
"وَقَدْ عَدَلَتْ " الْمُرْجِئَةُ " فِي هَذَا الْأَصْلِ ، (أي : تفاوت الإيمان زيادة بالطاعة ونقصانا بترك الطاعة أو فعل المعصية) ، عَنْ بَيَانِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَاعْتَمَدُوا عَلَى رَأْيِهِمْ وَعَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ بِفَهْمِهِمْ اللُّغَةَ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد يَقُولُ : أَكْثَرُ مَا يُخْطِئُ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ . وَلِهَذَا تَجِدُ الْمُعْتَزِلَةَ وَالْمُرْجِئَةَ وَالرَّافِضَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِمْ وَمَعْقُولِهِمْ وَمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ اللُّغَةِ ؛ وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى أَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَلَا يَعْتَمِدُونَ لَا عَلَى السُّنَّةِ وَلَا عَلَى إجْمَاعِ السَّلَفِ وَآثَارِهِمْ ؛ وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْعَقْلِ وَاللُّغَةِ وَتَجِدُهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورَةِ وَالْحَدِيثِ ؛ وَآثَارِ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى كُتُبِ الْأَدَبِ وَكُتُبِ الْكَلَامِ الَّتِي وَضَعَتْهَا رُءُوسُهُمْ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَلَاحِدَةِ أَيْضًا ؛ إنَّمَا يَأْخُذُونَ مَا فِي كُتُبِ الْفَلْسَفَةِ وَكُتُبِ الْأَدَبِ وَاللُّغَةِ وَأَمَّا كُتُبُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْآثَارِ ؛ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهَا . هَؤُلَاءِ يُعْرِضُونَ عَنْ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ إذْ هِيَ عِنْدَهُمْ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَأُولَئِكَ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِمْ وَفَهْمِهِمْ بِلَا آثَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ فِي إنْكَارِ هَذَا وَجَعْلِهِ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ . وَإِذَا تَدَبَّرْتَ حُجَجَهُمْ وَجَدْت دَعَاوَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ" . اهـــ
"الإيمان" ، ص75 ، 76 .

وكلام الشيخ ، رحمه الله ، في هذه المسألة يكاد يكون منحصرا في كتاب "الإيمان" في مناقشة دعوى قصر الإيمان على التصديق .

والله أعلى وأعلم .


&&&&&&&&&&

وأما الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، فقد بدأ رسالة "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز" ، التي صنفها في هذه المسألة ، بذكر الخلاف في أصل وقوع المجاز ، فقال :

"اعلم أولا أن المجاز اختلف في أصل وقوعه ، قال أبو إسحاق الإسفرائيني وأبو علي الفارسي : إنه لا مجاز في اللغة أصلا ، كما عزاه لهما ابن السبكي في : "جمع الجوامع" ، وإن نقل عن الفارسي تلميذه أبو الفتح (وهو ابن جني ، إمام العربية ، صاحب التصانيف) : أن المجاز غالب على اللغات كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع" . اهـــ
حتى توسع بعض أهل العلم في صور صريحة في كونها حقائق لا تقبل المجاز من قبيل : ضرب زيد عمرا ، فجعلوه مجازا علاقته الجزئية ، إذ ضرب زيد ببعضه وهو يده بعض عمرو وهو العضو الذي وقع عليه الضرب ، وفي ذلك من التكلف ما لا يخفى !!! .

وتبرز أهمية هذا العزو ، إذا رجعنا ، إلى كلام ابن القيم ، رحمه الله ، في : "الصواعق المرسلة" ، حيث وسم أبا علي الفارسي ، المتوفى سنة 377 هــــــ ، وتلميذه ابن جني ، المتوفى سنة 392 هــــــ ، بالاعتزال (وهو الغالب على أئمة اللغة المتأخرين ، خلاف المتقدمين كالخليل بن أحمد وسيبويه وغيرهما) ، ورغم ذلك ، نفى أبو علي ، المجاز ، رغم حاجته إليه في تقرير تأويلات المعتزلة في أبواب الإلهيات ، فالقول بالمجاز ، هو مستند من نفى الصفات الإلهية تحت ستار التأويل ، بل ونقل عنه ذلك السبكي ، رحمه الله ، وهو على طريقة المتكلمين المتأخرين في الأصول ، فلم يسلم من التأويل ، أيضا ، فحاجته إلى إثبات المجاز كحاجتهما إجمالا وإن كانت تأويلات المتكلمين أقل من تأويلات أهل الاعتزال ، وحكايته ما ينقض مقالته مئنة من تحقيقه ، بغض النظر عن بطلان التأويل الذي سلكه في باب الصفات الإلهية .

ثم ذكر الشيخ ، رحمه الله ، قاعدة نفيسة ، سوف يعود إليها في نهاية الرسالة ، في تخريج الآيات التي احتج بها المجوزون لوقوع المجاز في القرآن ، هي أن : "كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازا فهو عند من يقول بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية" .

وتطرق إلى مسألة الإطلاق والتقييد ، فاللفظ قد يحتاج إلى قيد من السياق الذي ورد فيه إذا لم يظهر المعنى إلا به ، وقد لا يحتاج ، كقولك : رأيت أسدا يفترس غزالا ، فإن الأسد في هذا السياق : حقيقة في الحيوان المفترس ، فلا يحتاج إلى قيد من السياق ، إذ المعنى قد ظهر ابتداء ، فلا يلزم ذكر أوصاف الحيوان المفترس ، فيقال على سبيل المثال : رأيت أسدا يمشي على أربع ، أو ذا لبد .......... إلخ ، بخلاف ما لو أردت المقاتل الشجاع ، فإن اللفظ في هذه الحال يفتقر إلى قيد من السياق الذي ورد فيه ، فيلزم ذكر وصف يختص بالمقاتل تمييزا له عن الحيوان المفترس ، فيقال على سبيل المثال : رأيت أسدا يرمي في الميدان ، فقرينة التقييد بوصف : "يرمي في الميدان" : صيرت الأسد في هذا السياق : حقيقة ، أيضا ، ولكن في المقاتل الشجاع لا الحيوان المفترس ، ولا يسمى ذلك تأويلا ، ولا يلزم منه إثبات وقوع المجاز ، إذ لم يحتج المخاطب في كلا القولين إلى إعمال علائق وقرائن المجاز العقلية ، فقد ظهر المراد ابتداء بالإطلاق والتقييد ، وكلاهما قرينة لفظية من ذات السياق ، فلم يحتج المخاطب كما تقدم إلى قرائن خارجية تعين مراد المتكلم .

يقول الشيخ رحمه الله :
"فمن أساليبها ، (أي : لغة العرب) ، إطلاق الأسد مثلا على الحيوان المفترس المعروف ، وأنه ينصرف إليه عند الإطلاق ، وعدم التقيد بما يدل على أن المراد غيره .
ومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك . ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد والثاني يحتاج إليه ، لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فلا يحتاج إلى قيد وبعضها لا يتعين المراد فيه إلا بقيد يدل عليه ، وكل منهما حقيقة في محله . وقس على هذا جميع أنواع المجازات .
وعلى هذا ، فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلا ، كما حققه العلامة ابن القيم ، رحمه الله ، في "الصواعق" . وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل ، وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه ، ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل ، فقولك : "رأيت أسدا يرمي" يدل على الرجل الشجاع ، كما يدل لفظ الأسد عند الإطلاق على الحيوان المفترس" . اهــــ
"رسالة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز" ، ص35 .

وقوله رحمه الله : "ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل" : إشارة إلى ما اصطلح أهل العلم على تسميته : "الظاهر المركب" الذي ينظر فيه إلى دلالة اللفظ على معناه وإلى السياق الذي ورد فيه فيتوقف فهمه على كلا الأمرين فهو مركب الدلالة من هذا الوجه بخلاف "الظاهر البسيط" فإنه ، عند التحقيق ، لا وجود له في كلام الناس ، وإن وجد في المعاجم اللفظية ، فإن الكلمة مجردة عن أي سياق لا تفيد معنى ، فلا تسمى كلاما بلا قرينة من سياق حقيقي ، كقولك : جاء محمد ، أو : مقدر كقولك : محمد فيمن سألك : من جاء ؟ ، فإن دلالة السؤال على العامل المحذوف في الجواب هو الذي سوغ حذفه ، فلم يحذف ابتداء ، فهو محذوف لفظا مقدر معنى ، ولذلك أفاد اللفظ المفرد : "محمد" معنى مع كون الأصل في الألفاظ المفردة المجردة ، كما تقدم ، عدم حصول الفائدة بنطقها لتجردها عن القرائن .

فلا تسمى دلالة اللفظ على معناه دلالة مركبة على التفصيل المتقدم : تأويلا ، لأنه لم يفسر إلا بالمتبادر إلى الذهن ، وهو أمر ، كما تقدم ، لا يتوقف على مجرد مبنى اللفظ أو مادته المعجمية .

ففي نحو قوله تعالى : (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ)
فسر أهل العلم الإتيان ، بالإهلاك ، بخلاف قوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ، فإن الإتيان فيه حقيقي على الوجه اللائق بجلال الله ، عز وجل ، لأن القرينة في الآية الأولى رجحت معنى الإهلاك ، فالسياق سياق عذاب ، فيكون الراجح المتبادر إلى الذهن ابتداء دون تأويل بصرف اللفظ عن معناه الأصلي إلى معنى فرعي لقرينة ، يكون الراجح : إتيانه ، عز وجل ، بصفات جلاله القاهرة ، لا إتيانه بذاته القدسية ، فضلا عن استحالة أن يكون المراد إتيانه بذاته القدسية لما يستلزمه ذلك من معنى حلوله ، عز وجل ، في خلق من مخلوقاته وهو : البنيان المذكور في الآية ، وذلك نقص مطلق يتنزه عنه الباري ، عز وجل ، بخلاف الإتيان في الآية الثانية فإنه لا قرينة من السياق تصرفه عن الإتيان الحقيقي ، فيكون إتيانا بالذات القدسية على الوجه اللائق بها كما اطرد في صفات الأفعال المتعلقة بمشيئته ، جل وعلا ، النافذة ، فيضحك متى شاء كيف شاء ، ويغضب متى شاء كيف شاء ............ إلخ .

ومن ذلك قوله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)
فتفسير بسط اليدين في هذا السايق بالعطاء ليس تأويلا بصرف ظاهر اللفظ عن معناه المتبادر وهو صفة الذات : اليد إلى معنى آخر غير متبادر وهو العطاء والنعمة ، تفسيره ليس كذلك لأوجه منها :

أولا : أن اللفظ ، كما تقدم ، لا يفسر بدلالته الإفرادية بقطعه عن السياق الذي ورد فيه ، إذ ليس له معنى يفهم إلا إذا ورد في سياق مفهم ، فيفسر بالدلالة التركيبية للسياق الذي ورد فيه ، ولما كان السياق هنا : سياق رد على من وصف الله ، عز وجل ، بغل اليد ، ولازمه البخل ، تعالى الملك عما تقول يهود علوا كبيرا ، كان الرد الأليق ، إبطال دعواهم بإثبات نفيضها من بسط اليد ، ولازمه الجود والعطاء ، فصار السياق قيدا في تحديد المعنى المراد ، وليس ذلك من التأويل في شيء .

ويقال أيضا :
ثانيا : تفسير اليد بالنعمة تفسير باللازم والتفسير باللازم لا يمنع إثابت الملزوم ، فلا يمنع إثبات وصف البسط بالعطايا إثبات وصف اليد كصفة ذات خبرية لله ، عز وجل ، فالنص على اللازم إثباتا لا يقتضي النص على الملزوم نفيا ، وإنما غايته ، إن سلم لمخالف ، أن يقال بالوقف حتى يرد الدليل المثبت أو النافي من طريق آخر ، وقد جاء الدليل المثبت في أكثر من موضع من قبيل قوله تعالى : (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) ، والتثنية نص لا يقبل التأويل ولا يتصور ذلك في المعاني التي قررها المؤولة من نحو القدرة والنعمة والقوة فإنها مصادر ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع على المشهور من كلام العرب إذ هي بمنزلة أسماء الأجناس التي تدل على القليل والكثير فلا حاجة إلى تثنيتها وجمعها ، مع أن التلازم بين اللازم والملزوم وعدم انفكاك دلالتيهما أمر بدهي لا يحتاج إلى توقف حتى يرد الدليل من وجه آخر .

ومثل ذلك : قوله تعالى : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) :
فإن السياق قد دل بتركيبه على أن المراد هنا : عين الرعاية ، ولا يقال إن في ذلك تأويلا ، لأن الدلالة السياقية التركيبية وهي قرينة لفظية معتبرة لا عقلية متوهمة قد دلت على أن المراد لازم العين من الرعاية والحفظ ، وإثبات اللازم ، كما تقدم ، لا يقتضي نفي الملزوم ، بل هو من باب تفسير الصفة بلازمها ، فتثبت الصفة لله ، عز وجل ، على الوجه اللائق بجلاله ، ويثبت لازمها من وصف الحفظ والإحاطة على الوجه اللائق بجلاله ، عز وجل ، أيضا .

وقوله تعالى : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)
فلا يتوهم أحد بأن ظاهر هذه الآية أن السفينة تجري في عين الله ، عز وجل ، إذ ذلك معنى تنفر منه العقول الصريحة وتشمئز منه الفطر القويمة ، وإنما السياق ، قد دل هنا ، أيضا ، على أن المراد هو : عين الإحاطة والحفظ ، إذ تنجية نوح عليه السلام ومن معه في الفلك مئنة من حفظ الرب ، جل وعلا ، لهم .

وقوله تعالى : (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
فإن السياق قد دل في أحد أقوال أهل العلم في هذه الآية على أن المراد : فثم وجهة الله ، عز وجل ، لا وجهه الذي هو صفة لذاته القدسية ، فإن المتولي إنما يتولى الوجهة لا الوجه ، فيولي وجهه قبل وجهة المشرق أو المغرب ....... إلخ .

وقوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ)
فإن تفسير الوجه بالثواب هنا ليس صرفا لظاهر الآية عن المعنى المتبادر إلى الذهن ، إذ المعنى المتبادر إلى الذهن بقرينة سياق التقرب إلى الله ، عز وجل ، بإيتاء المال إرادة التزكية ، ذلك المعنى المتبادر هو : الثواب ، فما أطاع الطائعون وما أنفق المنفقون إلا ابتغاء الثواب عند الله ، عز وجل ، ومن جملته ، بل أعظم صنوفه : النظر إلى وجه الله ، عز وجل ، في دار المقامة ، فصار المعنى الأول متضمنا للمعنى الثاني ، فالرؤية من النعيم .

وقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
فإن تفسير المعية بمعية العلم في هذا السياق ليس تأويلا ، إذ الآية قد افتتحت بذكر العلم ، واختتمت به ، وتلك قرينة لفظية معتبرة ترجح معية العلم على بقية أنواع المعية .

وقوله تعالى : (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ)
فإن قرينة سياق الندم على التفريط ترجح أن المراد : إنشاء التحسر على التفريط في حق الله ، عز وجل ، وذلك معنى بدهي ، إذ لا يقال في عالم الشهادة : إن فلانا قد فرط في جنب فلان ، بمعنى أنه فرط في جنبه المتصل بأضلاعه ، فذلك معنى في غاية الفساد ، إذ التفريط إنما يتعلق بالمعاني المعقولة لا الأعيان المحسوسة ، فإذا كان هذا المعنى فاسدا في حق المخلوق فهو أفسد في حق الخالق ، عز وجل ، من باب أولى ، فله المثل الأعلى .

وإلى ما سبق أشار ابن تيمية ، رحمه الله ، في معرض الرد على دعوى "بولس الأنطاكي" اقتضاء إثبات المسلمين للصفات : التمثيل والتجسيم ، بقوله :
"وليس في القرآن ما يدل ظاهره على ما ذكروه فإن الله تعالى قال في كتابه : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} .
واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل فأخبر أن يديه مبسوطتان كما قال : {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} .
فبسط اليدين المراد به الجواد والعطاء ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد .
ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء فلما قالت اليهود يد الله مغلولة وأرادوا بذلك أنه بخيل كذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد ماجد .
وإثبات اليدين له موجود في التوراة وسائر النبوات كما هو موجود في القرآن .
فلم يكن في هذا شيء يخالف ما جاءت به الرسل ولا ما يناقض العقل وقد قال تعالى لإبليس : {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} .
فأخبر أنه خلق آدم بيديه وجاءت الأحاديث الصحيحة توافق ذلك .
وأما لفظ العينين فليس هو في القرآن ولكن جاء فيه حديث .

وذكر الأشعري عن أهل السنة والحديث أنهم يقولون إن لله عينين .
ولكن الذي جاء في القرآن : {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} ، {و وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} .

وأما قولهم له وجه يوليه إلى كل مكان فليس هذا في القرآن ولكن في القرآن : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} .
وقوله : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
وقوله : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} .
وهذا قد قال فيه طائفة من السلف فثم قبلة الله أي فثم جهة الله والجهة كالوعد والعدة والوزن والزنة .
والمراد بوجه الله وجهة الله الوجه والجهة والوجهة الذي لله يستقبل في الصلاة كما قال في أول الآية : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} .
ثم قال : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} .
كما قال تعالى : {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}فإذا كان لله المشرق والمغرب ولكل وجهة هو موليها وقوله موليها أي متوليها أم مستقبلها فهذا كقوله : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي فأينما تستقبلوا فثم وجهة الله وقد قيل إنه يدل على صفة الله لكن يدل على أن ثم وجه لله وأن العباد أينما يولون فثم وجه الله فهم الذين يولون ويستقبلون لا أنه هو يولي وجهه إلى كل مكان فهذا تحريف منهم للفظ القرآن عن معناه وكذب على المسلمين .
ومن قال بالقول الثاني من المسلمين فإن ذلك يقتضي أن الله محيط بالعالم كله .......... إذ المقصود هنا بيان ضلال هؤلاء في دينهم

فيما ابتدعوا من الكفر والتثليث والاتحاد دون الذين آمنوا بالله ورسله وما أخبرت به الرسل عن الله تبارك وتعالى .

وأما قولهم وجنب فإنه لا يعرف عالم مشهور عند المسلمين ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنبا نظير جنب الإنسان وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله : {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} .
فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق كقوله تعالى :{نَاقَةُ اللَّهِ} و : {عِبَادَ اللَّهِ} بل وكذلك : {رَوْحِ اللَّهِ} عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم .
ولكن إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره مثل كلام الله وعلم الله ويد الله ونحو ذلك كان صفة له .
وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان فإنه قال : {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} .
والتفريط ليس في شيء من صفات الله عز وجل .
والإنسان إذا قال فلان قد فرط في جنب فلان أو جانبه لا يريد به أن التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص بل يريد به أنه فرط في جهته وفي حقه .
فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أن التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه بل ذلك التفريط لم يلاصقه فكيف يظن أن ظاهره في حق الله أن التفريط كان في ذاته .
وجنب الشيء وجانبه قد يراد به منتهاه وحده ويسمى جنب الإنسان جنبا بهذا الاعتبار قال تعالى : {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} .
وقال تعالى : {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب" .
وإذا قدر أن الإضافة هنا تتضمن صفة الله كان الكلام في هذا كالكلام في سائر ما يضاف إليه تعالى من الصفات وفي التوراة من ذلك نظير ما في القرآن" . اهــــ
"الجواب الصحيح" ، (2/546_548) .



&&&&&



ثم ذكر ، رحمه الله ، فصلا في الرد على من قال بأن : (كل ما جاز في اللغة العربية جاز في القرآن لأنه بلسان عربي مبين) .

فناقش الدعوى ابتداء من جهة القياس المنطقي ، فأجراها مجرى القياس الشمولي المؤلف من :
مقدمة صغرى : وهي : المجاز جائز في لغة العرب ، على قول من يجيزه مطلقا .
ومقدمة كبرى : وهي : كل جائز في لغة العرب جائز في القرآن .
فتتولد منهما نتيجة : المجاز جائز في القرآن .
انظر الرسالة : طبعة مكتبة السنة : ص39 .

ثم شرع في نقض المقدمة الكبرى ، بذكر أساليب بلاغية يصح وقوعها في اللغة ولا يصح وقوعها في الكتاب العزيز ، فمن ذلك :

أولا : الرجوع :

وهو رجوع المتكلم ، عن معنى تكلم به ، إلى معنى آخر ، كقول زهير :
قف بالديار التي لم يعفها القدم ******* بلى وغيرها الأرواح والديم .
والديم : جمع ديمة وهو المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق .
"فقوله : بلى وغيرها ........ إلخ . عندهم ينقض به قوله : "لم يعفها القدم" لأنه قال الكلام الأول من غير شعور ، ثم ثاب إلى عقله فرجع إلى الحق ، وهذا بليغ جدا في إظهار الحب والتأثر عند رؤية دار الحبيب ، ولا شك أن مثل هذا لا يجوز في القرآن ضرورة" . اهـــــ بتصرف .

فمعنى البيت : قف بالديارالتي لم تندرس آثارها ثم عدل عن ذلك بالإضراب بـــ : "بلى" فقد كانت لحظ طرب تذكر فيها الديار أيام كانت عامرة ، ثم ثاب إلى رشده فنظر فإذا هي أطلال قد عفا رسمها وغيرها تعاقب الليل والنهار ، وتوالي الرياح والأمطار .

وذلك ممتنع في حق الله ، عز وجل ، إذ لا يجوز أن يريد معنى ، ثم يرجع عنه إلى معنى آخر . وليس النسخ كذلك لأن المعنى المنسوخ كان مرادا زمن العمل به فلما انفكت الإرادة الإلهية الشرعية عنه وصارت الحكمة في المعنى الناسخ صار غير مراد ، وتعلقت الإرادة الشرعية بناسخه . فليس في ذلك ، كما تقدم ، ما يوهم البداء ، وهو طروء الشيء بعد أن لم يكن ، كما في الرجوع ، فإنه يذهب مذهبا ثم يبدو له ما كان ذاهلا عنه فيرجع إلى صوابه ، ومجرد تصور ذلك في حق الله ، عز وجل ، أمر تشمئز منه الفطر السوية .




&&&&&



ثانيا : إيراد الجد في قالب الهزل :
كقول الشاعر :
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ******* فقل عد عن ذا كيف أكلك الضب .
فإن قوله : كيف أكلك للضب ، يظهر أنه هزل صيغ في قالب جد ، فهو يقصد به تعييرهم بأكلهم الضب . وهذا من البديع المعنوي فهو بديع المعنى ، مع أنه لا يجوز في القرآن لاستحالة الهزل فيه ، قال تعالى : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) .



&&&&&



ثالثا : حسن التعليل :
وهو استنباط علة مناسبة للشيء غير حقيقية ، بحيث تكون على وجه لطيف بليغ ، يحصل بها زيادة في المعنى على سبيل التمليح .
ومنه قول أبي الطيب المتنبي ، مالئ الدنيا وشاغل الناس ، المتوفى سنة 354 هـــــ :
لم تحك نائلك السحاب وإنما ******* حمت به فصبيبها الرحضاء .
فهذا بديع معنوي عند أهل البلاغة ، ولا يخفى أن القرآن لا يجوز أن يقع فيه ذلك الكذب الذي يدعي صاحبه أن السحاب أصابته الحمى من الغيرة من كرم الممدوح ، فانصب منه العرق لشدة الغيرة ، وأن ماءه هو ذلك العرق الحادث من شدة الغيرة . وقد قيل : أعذب الشعر أكذبه !!! ، ولا يتصور ذلك في الكتاب العزيز .


وقوله :
ما به قتل أعاديه ولكن ******* يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب .
وهذا أيضا كذب ظاهر ، للمبالغة في وصف الممدوح بالشجاعة ، حتى أنه يقتل أعدائه ، ليفي للذئاب بما وعدها من لحومهم ، ومثل هذا لا يجوز وقوعه في القرآن .

وقول الآخر :
تقول وفي قولها حشمة ******* أتبكي بعين تراني بها
فقلت إذا استحسنت غيركم ******* أمرت الدموع بتأديبها
فهو كذب ، يدعي صاحبه أنه ما بكى ، عند رؤيتها ، إلا ليؤدب عينه لما استحسنت صورة غيرها ، وحقيقة الأمر ، أنه ما أبكاه إلا عشق صورتها الذي ملك قلبه وأسال عينه .



&&&&&



رابعا : الإغراق والغلو :
o والإغراق هو : أن يدعي المتكلم لوصف ممكن عقلا ، لا عادة ، بلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستبعدا أو مستحيلا .

ومنه قول الشاعر :
ونكرم جارنا ما دام فينا ******* ونتبعه الكرامة حيث مالا
فاتباعه الكرامة في كل مكان ارتحل إليه دائما مما تمنعه العادة ، وإن جاز عقلا .

ومنه قول أبي الطيب :
كفى بجسمي نحولا أنني رجل ******* لولا مخاطبتي إياك لم ترني .
لأنه يجوز عقلا وصول الشخص في النحول إلى هذه الحال ، وإن امتنع عادة ، ومعلوم أن مثل ذلك الإغراق لا يجوز في القرآن .

o وأما الغلو فهو : أن يدعي المتكلم لوصف من الشدة أو الضعف مستحيلا عقلا وعادة ، فهو أشد من الإغراق .
ومنه قول أبي نواس :
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ******* لتخافك النطف التي لم تخلق .
ومثل هذا البيت لا يجوز عند أهل البلاغة ، فما بالك في القرآن ، ولكن الغلو يجوز عندهم في بعض الأحوال ككونه خارجا مخرج الهزل والخلاعة ، كقوله :
أسكر بالأمس إن عزمت على ******* الشرب غدا إن ذا من العجب .

ثم انتقل الشيخ ، رحمه الله ، إلى رد زعم كثير من البلاغيين ، وقوع الغلو في القرآن ، مقترنا بما يجعله مقبولا ، وهو اقترانه بما يقربه إلى الصحة ، ممثلين بقوله تعالى : (يكاد زيتها يضيء) ، فقال :
فإنه كلام باطل ومنكر من القول وزور ........ ، فهذا الكلام الذي قاله تعالى لا شك في أنه صحيح ، وقوله : يكاد ، معناه : يقرب ، ولا شك أن ذلك الزيت يقرب من الإضاءة ولو لم تمسسه نار ، ولكنه لم يضيء بالفعل كما هو مدلول الآية .

ولم يكتف الشيخ ، رحمه الله ، بهذا ، بل قام يرد على من ادعى وقوع الإغراق ، في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، في حديث فاطمة بنت قيس : (وأبو جهم لا يضع عصاه عن عاتقه) ، ومعلوم أنه يضعها في بعض الأوقات كأوقات النوم والصلاة وغير ذلك ، وملخص جواب الشيخ ، رحمه الله ، أن هذا من قبيل الكناية لا الإغراق ، وبينهما فرق دقيق وهو :
o أن الكناية لا تراد لذاتها ، فلم يرد أنه لا يضع العصا عن عاتقه أبدا ، وإنما أراد لازمها ، وهو بيان غلظته مع النساء .
o وأما الإغراق ، فيراد لذاته ، فلو كان هذا إغراقا ، لكان المعنى أنه دائم الحمل لعصاه ، حتى في أوقات صلاته ونومه وطعامه وحاجته ..... الخ ، وهو بالتأكيد غير مراد .
بتصرف من : الرسالة : ص48 _ 49 .



&&&&&



خامسا : تجاهل العارف :
وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة ، تجاهلا لنكتة ، ومن ذلك قول الشاعر :
بالله يا ظبيات الوادي قلن لنا ******* ليلاي منكن أم ليلى من البشر .
فهو يسأل سؤالا يعرف جوابه ، فليلاه بالتأكيد من البشر ، ولكنه سأل عنها متجاهلا ، لنكتة ، وهي بيان شبهها بالظبية في الحسن والخفة ، ومعلوم أن ذلك التجاهل لا يجوز في كلام الله عز وجل .



&&&&&



سادسا : أن يذكر لفظا ، وهو يقصد متعلقا ، غير المتعلق الذي يتبادر لذهن المستمع :
أي أنه يقصد معنى آخر ، غير المعنى المتبادر ، وإن كان اللفظ واحدا .

ومن ذلك قول الشاعر :
لقد بهتوا لما رأوني شاحبا ******* فقالوا به عين فقلت وعارض .
أرادوا بالعين إصابة العائن ، فحمله هو على إصابة عين المعشوق بذكر ملائمه الذي هو العارض في الأسنان كالبرد ، فكأنه قال : صدقتم فإن بي عينا ، لكن بي عينها وعارضها ، لا عين العائن . اهـــــ .
ومعلوم أن ذلك لا يجوز في كلام الله ، عز وجل ، فلا يجوز أن يخاطبنا بلفظ يتبادر إلى الذهن معناه القريب ، وهو يريد معناه البعيد ، فيخاطبنا على سبيل المثال : بلفظ الرحمة ، وهو يقصد إرادة الإنعام ، كما يقول المتكلمون ، إذ ما الذي يحمل آحاد البلغاء على العدول عن اللفظ الذي يبين مراده بلا إلباس إلى لفظ يحتمل أكثر من معنى ، أو لا يدل على المعنى المراد أصلا إلا بتكلف تأويل يخالف قانون اللسان ، فإذا كان ذلك ممتنعا في حق آحاد البلغاء من البشر ، فكيف برب البشر ، جل وعلا ، الذي لا يشبه كلامه كلامهم ، فلا يقدرون على مثله ، مصداق قوله تعالى : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) .



&&&&&



سابعا : الاستعارة التخيلية :
وهو تخيل شيء وهمي لا وجود له ، فيستعيرون له موجودا تقريبا لصورته في الأذهان ، كقول أبي تمام :
لا تسقني ماء الملام فإنني ******* صب قد استعذبت ماء بكائي .
فإنه توهم للملام شيئا يمازح ، (هكذا في النسخة الموجودة لدي ، ولعله أراد : يمازج) ، الروح شبيها بالماء فأطلق اسمه عليه استعارة تخيلية .

ومنه قول الشيخ الشنقيطي ، رحمه الله ، مصنف هذه الرسالة :
قد صدني حلم الأكابر عن لمي ******* شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها ******* رمانتي روض كحق العاج

ومحل الشاهد ، البيت الثاني ، فقد أراد به الشيخ ، رحمه الله ، وصف ثديي الفتاة البكر ، فاستعار لهما وصف الرمانتين .



&&&&&



ثم انتقل الشيخ ، رحمه الله ، إلى فصل في بيان الإجابة عن آيات احتج بها مجوز المجاز على وقوع المجاز في آي القرآن ، فذكر منها :

• قوله تعالى : (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) ، فنسبة الإرادة للجدار مجاز ، والجواب : أنه لا مانع من حمله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة ، لأن الله يعلم للجمادات ما لا نعلمه لها ، كما قال تعالى : (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) .
وقد ثبت في صحيح البخاري حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وعلى آله سلم قال : إني أعرف حجرا كان يسلم علي في مكة .

والعرب كثيرا ما تستعمل الإرادة في مشارفة الأمر ، أي قرب وقوعه كقرب الجدار من الانقضاض ، (وهذا ضابط مهم جدا ، وهو استعمال العرب الكلمة لمعنى تدل عليه ، فمتى ثبت الاستعمال ، انتفى المجاز ، لأن الاستعمال صيره حقيقة فيما أريد به ، وإن لم تكن الدلالة مستفاده ابتداء من مبناه اللفظي) .
ومنه قول الشاعر :
يريد الرمح صدر أبي براء ******* ويعدل عن دماء بني عقيل .
فقوله : يريد الرمح صدر أبي براء ، أي يميل إليه .
وقد قرر شيخ الإسلام ، رحمه الله ، أن الميل ميلان : ميل ما شعور له ، كميل القلب ، و : ميل ما لا شعور له ، كميل الجدار ، فيقال هذا الجدار يريد أن يسقط ، وهذا الثوب يريد أن يغسل .......... إلخ ، وكل هذا من مشهور اللغة . كما سبقت الإشارة إلى ذلك .



&&&&&


• ومن ذلك قوله تعالى : (فقبضت قبضة من أثر الرسول) ، حيث قال من جوز المجاز ، بأن في هذه الآية : "مجازا بالحذف" ، فتقدير الكلام : فقبضت قبضة من أثر حافر فرس الرسول ، فحذفت ثلاث كلمات ، والرد على ذلك يكون ، بما سبق أن قرره ابن القيم ، رحمه الله ، من وجوب مراعاة سياق الكلام الذي ورد فيه اللفظ ، فسياق الكلام هنا يدل على المعنى المراد ، دون تكلف تقدير أي محذوف .



&&&&&



• وقوله تعالى : (ليس كمثله شيء) ، فهو ، عند مجوز المجاز ، من : مجاز الزيادة ، بزيادة كاف التشبيه فتقدير الكلام : ليس مثله شيء ، والرد على ذلك :
أن العرب تطلق المثل وتريد الذات ، فهو أيضا من أساليب اللغة العربية . وهو حقيقة في محله كقول العرب : مثلك لا يفعل هذا ، يعنون : لا ينبغي لك أن تفعل هذا ، ودليل هذا وجوده في القرآن ، في نحو قوله تعالى : (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله) ، أي شهد على القرآن أنه حق ، فقصد بالمثل هنا ، القرآن نفسه ، إذ لا مثل للقرآن ، فلا يقدر أحد من البشر على الإتيان بمثله مصداق قوله تعالى : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) .

وإلى طرف من ذلك أشار ابن هشام ، رحمه الله ، في "مغني اللبيب" فقال في الاستعماال الخامس من استعملات "الكاف" :
"التوكيد : وهي الزائدة نحو : (ليسَ كمثلِه شيء) قال الأكثرون : التقدير ليس شيء مثله ؛ إذ لو لم تُقدَّر زائدةً صار المعنى ليس شيء مثل مثله ؛ فيلزم المحال ، وهو إثبات المثل ، وإنما زيدت لتوكيد نفي المثل ؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانياً ، قاله ابن جني ، ولأنهم إذا بالغوا في نفي الفعل عن أحد قالوا : مثلُكَ لا يفعلُ كذا ومرادهم إنما هو النفي عن ذاته ، ولكنهم إذا نفوهُ عمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه .
وقيل : الكاف في الآية غير زائدة ، ثم اختلف ؛ فقيل : الزائد مثل : كما زيدت في (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم بهِ) قالوا : وإنما زيدت هنا لتفصل الكاف من الضمير .
والقول بزيادة الحرف أولى من القول بزيادة الاسم ، بل زيادةُ الاسم لم تثبت" . اهـــــ

وقوله تعالى : (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات) ، يعني : كمن هو في الظلمات .

وقوله تعالى : (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) ، أي بما آمنتم به ، على أظهر الأقوال . ويدل عليه قراءة ابن عباس رضي الله عنهما : (فإن آمنوا بما آمنتم به) ، وتروى هذه القراءة عن ابن مسعود رضي الله عنه أيضا .

o وممن تعرض لهذه الآية بالشرح والتبيين ، الشيخ ابن عثيمين ، رحمه الله ، في شرح العقيدة الواسطية ، فقال :
اختلفت عبارات النحويين في تخريج هذه الآية على أقوال :

 القول الأول : أن الكاف زائدة ، (وهذا قول من أجاز وقوع مجاز الزيادة) ، وتقدير الكلام : ليس مثله شيء ، وهذا القول مريح ، وزيادة الحروف في النفي كثيرة ، كما في قوله تعالى : (وما تحمل من أنثى) ، فيقولون : إن زيادة الحروف في اللغة العربية للتوكيد أمر مطرد ، (فالزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى) ، وهي هنا لتوكيد نفي المثلية .

 القول الثاني : أن الزائد هو "مثل" ، ويكون تقدير الكلام : ليس كهو شيء ، وهو قول ضعيف ، لأن الزيادة في الأسماء في اللغة العربية قليلة جدا أو نادرة ، بخلاف الحروف .

 القول الثالث : أن (مثل) بمعنى : صفة ، والمعنى : ليس كصفته شيء ، ومنه قوله تعالى : (مثل الجنة التي وعد المتقون) ، أي صفة الجنة ، وهذا ليس ببعيد عن الصواب .

 القول الرابع : أنه ليس في الآية زيادة ، لكن إذا قلت : (ليس كمثله شيء) ، لزم من ذلك نفي المثل ، وإذا كان ليس للمثل مثل ، صار الموجود واحدا وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نقدر شيئا ، (وهذا القول هو قول من نفى المجاز) ، . قالوا : وهذا قد وجد في اللغة العربية مثل قوله : ليس كمثل الفتى زهير . اهـــــ .
بتصرف من : "شرح العقيدة الواسطية" ، ص128 .



&&&&&




• وقوله تعالى : (واخفض لهما جناح الذل) ، فالجناح هنا مستعمل في حقيقته ، لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يد الإنسان وعضده وإبطه . قال تعالى : (واضمم إليك جناحك من الرهب) ، والخفض مستعمل في معناه الحقيقي الذي هو ضد الرفع ، لأن مريد البطش يرفع جناحيه ، ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه ، وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب أسلوب معروف ، ومنه قول الشاعر :

وأنت الشهير بخفض الجناح ******* فلا تك في رفعه أجدلا .

وأما إضافة الجناح إلى الذل في الآية ، فهو من باب إضافة الموصوف للصفة ، بمعنى : واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة ، ونظيره في القرآن :
o قوله تعالى : (مطر السوء) ، أي المطر الموصوف بالسوء .
o وقوله تعالى : (عذاب الهون) ، أي العذاب الموصوف بالشدة ، وإليه أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله : "والهون الشديد ، وإضافة العذاب إليه كقولك : رجل سوء يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه" . اهــــ
o وقوله تعالى : (بجانب الغربي) ، أي الجانب الغربي .

وعليه فلا مجاز لأن إسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية .

وقال ابن القيم ، رحمه الله ، في "الصواعق" :
إن معنى إضافة الجناح إلى الذل أن للذل جناحا معنويا يناسبه ، لا جناح ريش .

ومن ذلك أيضا :
قوله تعالى : (وبلغت القلوب الحناجر) ، فالقائل بالمجاز ، يقول بأن في الآية مجازا عن شدة الخوف ، لأن القلوب لا يمكن أن تتحرك من الصدور لتصل إلى الحناجر ، والرد بأن ذلك أيضا من مشهور اللغة ، وسياق الكلام يبين المقصود دون حاجة للقول بالمجاز .

(مستفاد من تعليقات الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود ، حفظه الله ، على كتاب الإيمان لشيخ الإسلام رحمه الله) .


&&&&&&&&&&&&&&&
خلاصة البحث


أن القول بوقوع المجاز في لغة العرب ، لا إشكال فيه في غير نصوص الغيبيات الخبرية فتلك مما لا عمل لقرائن العقل فيه ، إذ العقل لم يدرك حقيقتها ابتداء ليصرفها إلى مجازها انتهاء ، فإن التأويل حكم على اللفظ المؤول ، والحكم على الشيء فرع عن تصوره ، وليس للعقل أن يتصور ما لا يدركه من أمور الغيب ، فإذا كان يجهل الحقائق ابتداء وإن كان يعلم المعاني الكلية فيعلم معنى السمع الكلي المطلق مع جهله بحقيقة سمع الخالق ، عز وجل ، فلا يعلم كيف صفاته إلا هو ، كما لا يعلم كيف ذاته إلا هو ، فالقول فيهما واحد ، إذا كان يجهل تلك الحقائق ، فكيف يمكنه الحكم عليها بإلحاقها بأصل مقيس عليه من عالم الشهادة كحال من يقيس صفات الخالق ، عز وجل ، على المخلوق ، أو صرف إلى معنى غير متبادر ، كحال المؤولة ، وهل علمنا الحقيقة الغيبية ابتداء لنتصرف فيها تمثيلا أو تأويلا بأقيسة وقرائن عقلية من عالم الشهادة ، وقياس الغائب على الشاهد : قياس مع الفارق ، فدلالة العقل الصريح تبطله ، إذ فيه التسوية بين المختلفين .

وخطورة المجاز تكمن في أنه قد صار قنطرة إلى تمرير كل المقالات المحدثة في تلاعب واضح بدلالات الألفاظ لم تسلم منه حتى نصوص الأحكام العملية التي لا يتصور تطرق التأويل والتجويز العقلي إليها كما وقع من الباطنية الغلاة .

والكلمة لها دلالتان :
دلالة لفظية إفرادية : لا يمكن إدراك المعنى المراد منها بمعزل عن السياق الذي وردت فيه ، إذ بتر الألفاظ عن سياقاتها بتر لمعانيها ، وذلك سمة ظاهرة في مناهج أصحاب المقالات المحدثة ، فيقطع اللفظ عن سابقه ولاحقه ، ليتصرف في معناه تبعا لهوى المستدل .
ودلالة سياقية تركيبية : هي المعتبرة في بيان معناه ، إذ السياق قرينة في بيان مراد المتكلم ، فليس سياق التوبيخ كسياق التكريم ، وليس سياق التقبيح كسياق التمليح ........... إلخ ، والكلمة قد تكون بدلالتها اللفظية : نصا في الذم ، فتأتي في سياق يصيرها نصا في المدح ، كما قيل في الاستعارة العنادية التمليحية من قبيل وصف الذكي بأنه : "غبي" على سبيل المثال ، فإن ذلك يخرج مخرج المداعبة فلا يريد المتكلم معناها الأول لقرينة السياق الصارفة .

والله أعلى وأعلم .

ملاحظة : مرفق مع المشاركة ملف Word يحوي نصها .

<!-- / message -->