المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلاصة في أصول الحوار وأدب الاختلاف للشاملة 3+ ورد مفهرسا



علي بن نايف الشحود
09-26-08, 03:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) [سبأ/1]
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأصلي وأسلم على حبيبنا وشفيعنا وقدوتنا محمد رسول الله ، وعلى آله وصحبه الغر الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فإن الاختلاف من طبيعة الحياة ، والنصوص ، والمخلوقات ، شاءه الله تعالى ، ولن يستطيع أحد في الأرض أن يزيله .قال تعالى :{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)} [هود/118، 119]
يَا أَيُّها النَّبِيُّ إِنَّكَ حَرِيصٌ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِكَ ، وَحَزِينٌ لإِعْرَاضِهِمْ ، أَوْ إِعْرَاضِ أَكْثَرِهِمْ ، عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِكَ ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ ، بِمُقْتَضَى الغَرِيزَةِ وَالفِطْرَةِ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الاسْتِعْدَادِ ، وَكَسْبِ العِلْمِ . وَكَانُوا فِي أَطْوَارِهِمُ الأُولَى لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ كَثُرَتْ حَاجَاتُهُمْ وَتَنَوَّعَتْ ، وَكَثُرَتْ مَطَالِبُهُمْ ، فَظَهَرَ فِيهِم الاسْتِعْدَادَ لِلاخْتِلاَفِ ، وَهُمْ لاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِي شُؤُونِهِمِ الدِّينِيَّةِ وَالدَّنْيَوِيَّةِ ، تَبَعاً لِمُيُولِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ ، وَاسْتِعْدَادِهِم الفِطْرِيِّ ، يَتَعَصَّبُ كُلُّ فَرِيقٍ لِرَأْيِهِ ، وَلِمَا وَجَدَ عَلَيْهَ آبَاءَهُ .
إِلاَّ الذِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ فَإِنَّهُمْ يَبْقَوْنَ مُتَمَسِّكِينَ بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَغَيْرَ مُخْتَلِفِينَ ، وَلَقَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللهِ أَنَّ النَّاسَ سَيَكُونُونَ مُخْتَلِفِينَ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ فَرِيقاً سَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ ، وَسَتَكُونُ الجَنَّةَ مَصِيرَهُمْ وَمَأْوَاهُمْ ، وَقَدْ قَضَى اللهُ ، لِحِكْمَةٍ يَرَاهَا هُوَ ، أَنَّهُ سَيَمْلأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنِّ وَمِنَ البَشَرِ جَمِيعاً
وهذا الاختلاف قد يكون بين الحق والباطل ،قال تعالى : { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)} [سبأ/24-26]
ومن ثم فقد أمرنا الله تعالى بحوار هؤلاء فقال تعالى :{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } [آل عمران/64]
وأمر بجدالهم بالتي هي أحسن بقوله تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)} [العنكبوت/46]
وحثنا على القول المعروف والكلمة الطيبة ولاسيما مع من يملك القوة والسلطة ، قال تعالى :{ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) }[طه/43، 44]
وأمر بالدعوة غلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، قال تعالى { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) } [النحل/125 ]
بل وأمرنا أن ندفع بيننا وبين بعضنا البعض بالتي هي أحسن ، بقوله تعالى :{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) } [فصلت/33-35]
وأمرنا بالإصلاح بين بعضنا البعض والوقوف مع الحق ، قال تعالى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات/9-10]
وفي صحيح مسلم(6751 ) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ».
والتفرقُ في الدين أو الاختلاف فيه ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما كان اختلافاً في العقائد، وأصول الأحكام الثابتة، وما ثبت بإجماع صحيح عن خير القرون، فهذا تفرقٌ مذمومٌ بلا شك، ذلك أن دلائل تلك المسائل واضحة في الكتاب والسُّنَّة، مجمع عليها عند سلف الأمة، فالمخالف فيها متبع للهوى مفارق لسبيل المؤمنين، مقدم عقله على نصوص الوحي، وهذا قد ذمَّه الله ورسوله والمؤمنون
أما الاختلاف في فروع العقيدة ، فقد وقع منذ عهد الصحابة ، فمنه ما هو سائغ وهو مما احتملته النصوص الشرعية ، ومنه ما هو غير سائغ وهو الذي يخالف النصوص الشرعية الثابتة ،كما حدث مع كثير من الفرق التي خالفت منهج أهل السنة والجماعة في فهم النصوص الشرعية ، قال ابن تيمية :" وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ كَمَا أَنْكَرَ شريح قِرَاءَةَ مَن قَرَأَ { بَل عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ } وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي فَقَالَ إنَّمَا شريح شَاعِرٌ يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ . كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَعْلَمَ مِنهُ وَكَانَ يَقْرَأُ { بَل عَجِبْتَ }(1). وَكَمَا نَازَعَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رُؤْيَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رَبَّهُ وَقَالَتْ : مَن زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ ، وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِى صُورَتِهِ ، وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الأُفُقِ(2).
وَمَعَ هَذَا لَا نَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمُنَازِعِينَ لَهَا : إنَّهُ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ . وَكَمَا نَازَعَتْ فِي سَمَاعِ الْمَيِّتِ كَلَامَ الْحَيِّ وَفِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ."(3)
وَمَعَ هَذَا فَمَا أَوْجَبَ هَذَا النِّزَاعُ تَهَاجُرًا وَلَا تَقَاطُعًا . وَكَذَلِكَ نَاظَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَقْوَامًا مِن أَهْلِ السُّنَّةِ فِي " مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ " حَتَّى آلَتْ الْمُنَاظَرَةُ إلَى ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ، وَكَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَهْجُرُوا مَن امْتَنَعَ مِن الشَّهَادَةِ ؛ إلَى مَسَائِلَ نَظِيرِ هَذِهِ كَثِيرَةٍ(4).
الثاني: ما كان خلافاً في الفروع الفقهية والمسائل التي لم تجمع الأمة فيها على رأيٍ واحد، وذلك كالاختلاف الواقع في المذاهب الأربعة، وكثير من المسائل الحادثة التي اختلف فيها أهل العلم، فهذا النوع من الاختلاف غيرُ مذمومٍ إذا وقع من أهله العارفين بأصوله، بل يمدحُ إن كان الحاملُ عليه اتباعَ الحق وتقديمه، ذلك أن نصوص القرآن والسُّنَّة في بيان تلك الأحكام ظنيةٌ في دلالتها، فربما رجح مجتهد مالم يرجحه آخر، فالكلُّ مأجور في اجتهاده، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » متفق عليه(5).
وقد كان خلاف الصحابة، وأئمة السلف من هذا النوع، فلم يوجب فسقاً ولا بدعة، بل كان بعضهم يجلُّ بعضاً، ويكرمه من غير أن يكون خلافهم لتفرقهم، طالما أن الحقَّ بغيةُ كل واحدٍ منهم ومطلبه، لكن خلفهم خلوفٌ ادعَى كلُّ طائفةٍ منهم التمسك برأي إمامٍ، وتعصبَ كلُّ فريق لإمامة، وضللَّ الطائفة الأخرى، فتركت كل طائفة بعض ما أمرت به من الحقِّ، وارتكبت بعض ما نهيت عنه، فوقعت العداوةُ والبغضاءُ، شأن أهل الكتاب من قبلنا، فلله الأمر من قبل ومن بعدُ. والله المستعان.
والاختلاف منه المذموم ومنه المحمود أيضاً :
الاختلاف المذموم(6):
وهو اختلاف تضاد ، ويرجع إلى أسباب خلقية متعددة ، ومن هذه الأسباب :
1- الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي .
2- سوء الظن والمسارعة إلى اتهام الآخرين بغير بينة .
3- الحرص على الزعامة أو الصدارة أو المنصب .
4- اتباع الهوى وحب الدنيا .
5- التعصب لأقوال الأشخاص والمذاهب والطوائف .
6- العصبية لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة أو قائد .
7- قلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين .
8- عدم التثبت في نقل الأخبار وسماعها .
وهذه الأسباب وغيرها من الرذائل الأخلاقية والمهلكات هي التي ينشأ عنها اختلاف غير محمود وتفرق مذموم ، وكل واحد من هذه الأسباب يطول شرحه ، وسنأتي على ذكر الكثير من هذه الأسباب عند الكلام عن القواعد العلمية والأخلاقية في أدب الخلاف .
الاختلاف المحمود(7):
وهو اختلاف تنوع ، وهو عبارة عن الآراء المتعددة التي تصب في مشرب واحد ، ومن ذلك ما يعرف بالخلاف الصوري ، والخلاف اللفظي ، والخلاف الاعتباري . وهذه الاختلافات مردها إلى أسباب فكرية ، واختلاف وجهات النظر ، في بعض القضايا العلمية ، كالخلاف في فروع الشريعة ، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية .
وكذلك الاختلافات في بعض الأمور العملية ، كالخلاف في بعض المواقف السياسية ، ومناهج الإصلاح والتغيير ، ويدخل في الخلافات الفكرية : اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل : علم الكلام والمنطق والفلسفة والتصوف . والاختلاف في تقويم الأحداث التاريخية وبعض الشخصيات التاريخية والعلمية .
وهذا الخلاف ليس فيه مذمة ، وإنما الذم في عدم مراعاة آداب الخلاف العملية والأخلاقية التي سيأتي ذكرها في ثنايا هذا البحث .
وجود الخلاف في خير قرون الأمة :
لقد كان الخلاف موجودًا في عصر الأئمة المتبوعين الكبار : أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم . ولم يحاول أحد منهم أن يحمل الآخرين على رأيه أو يتهمهم في علمهم أو دينهم من أجل مخالفتهم .
بل كان الخلاف موجودًا في عصر شيوخ الأئمة وشيوخ شيوخهم من التابعين الكبار والصغار ، بل كان الخلاف موجودا في عصر الصحابة نظرًا لاختلاف أفهامهم وتفسيرهم للنصوص .
بل إن الخلاف وجد في عهد النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فأقره ولم ينكره ، كما في قضية صلاة العصر في بني قريظة ، وهي مشهورة ، وفي غيرها من القضايا.
فأما طبيعة الدين :
فقد أراد الله أن يكون في أحكامه المنصوص عليه والمسكوت عنه ، وأن يكون في المنصوص عليه : المحكمات والمتشابهات ، والقطعيات والظنيات ، والصريح والمؤول ، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط ، فيما يقبل الاجتهاد .
ولو شاء الله لأنزل كتابه كله نصوصًا محكمة قطعية الدلالة ، لا تختلف فيها الأفهام ، ولا تتعدد التفسيرات . ولكنه لم يفعل ذلك ، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة ، وطبيعة الناس وضروريات الزمن .
وأما طبيعة اللغة :
فإن نصوص القرآن والسُّنَّة ، جاءت على وفق ما تقتضيه اللغة في المفردات والتراكيب ، ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى ، وفيها ما يحتمل الحقيقة والمجاز ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد .
وأما طبيعة البشر :
فقد خلقهم الله مختلفين ، فكل إنسان له شخصيته المستقلة ، وتفكيره المتميز ، وميوله الخاصة ، ومن العبث صب الناس في قالب واحد ، ومحو كل اختلاف بينهم ، فهذا أمر مخالف للفطرة التي فطر الله عليها الناس .
وأما طبيعة الكون والحياة :
فالكون الذي نعيش في جزء صغير منه ، خلقه الله - سبحانه - مختلف الأنواع والصور والألوان ، وهذا الاختلاف ليس اختلاف تضارب وتناقض بل هو اختلاف تنوع .
وكذلك طبيعة الحياة ، فهي أيضا تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة ، في المكان والزمان .
فالخلاف سنة كونية اقتضتها الحكمة الإلهية ، قال الله عز وجل : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } [هود : 118] .
وفي الأثر :" لَا يَزَال النَّاس بِخَيْرٍ مَا تَفَاضَلُوا فَإِذَا تَسَاوَوْا هَلَكُوا" يَعْنِي لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا كَانَ فِيهِمْ أَهْل فَضْل وَصَلَاح وَخَوْف مِنَ اللَّه يُلْجَأ إِلَيْهِمْ عِنْد الشَّدَائِد وَيُسْتَشْفَى بِآرَائِهِمْ وَيُتَبَرَّك بِدُعَائِهِمْ وَيُؤْخَذ بِتَقْوِيمِهِمْ وَآثَارهمْ .(8).
الاختلاف رحمة(9):
الاختلاف مع كونه ضرورة ، هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها .
ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة ، ولم يضيقوا ذرعا بذلك بل نجد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول عن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم : "ما يسرني أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا ، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة" .
فهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم ، كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية ، وظلوا معها إخوة متحابين .
الاختلاف ثروة :
اختلاف الآراء الاجتهادية يثري الفقه ، وينمو ويتسع ، لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية .
وبهذا التعدد والتنوع تتسع الثروة الفقهية التشريعية ، وإن تعدد المذاهب الفقهية وكثرة الأقوال كنوز لا يقدر قدرها وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث ، فقد يكون بعضها أكثر ملاءمة لزمان ومكان من غيره(10).
--------------
ولكن غالب أنواع الحوار اليوم لا يلتزم فيها بآداب الإسلام وقيمه العليا ، ومن ثم فلا تؤتي أكلها .
وكثير من الناس المختلفين في الفروع العقدية أو الفقهية أو السياسية ،لا يقبلون بالرأي الآخر ، ويعتبرونه ضلالاً أو بدعة منكرة ، أو زندقة أو شذوذا وانحرافاً عن سواء السبيل .
بل يجعلون فهمهم للدين هو الفهم الحق وما سواه فباطل ، وكل ذلك خلل في فهم هذه الرسالة الخاتمة ، فقد شاء الله تعالى أن تكون معظم النصوص الشرعية ( في القرآن والسنة ) ظنية الدلالة ، تحتمل وجوها كثيرة ، فكيف نلزم الناس بواحد منها ؟
والصواب أن يقال رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب ، وغالب الخلافات بين المسلمين اليوم ليس بين قطعي الشريعة وظنيها ، بل بين ظنين محتملين أو ظنون محتملة ، فكيف نزعم أنها حق وما سواها باطل ؟!!!
وكل النصوص الظنية الدلالة لا يقال فيها صواب وخطأ ، بل كلها صواب ومرادة للشارع الحكيم
وأعداء هذه الأمة يوقعون بين أفرادها وجماعاتها ، ويفرقون صفوفهم من هذا الباب .
ولذلك تجد كل واحد منهم متعصب لرأيه أو جماعته ، ولا يقبل رأيا آخر بتاتاً مهما كان قويا.
ومن لم يكن رائده تقوى الله تعالى وبغية الحق ، لن يصل إليه ولو عمر بعمر النبي نوح عليه السلام
ففي صحيح مسلم(1847) عن أبي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَىِّ شَىْءٍ كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ « اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ».
وقد قسمته لتمهيد وبابين
أما التمهيد ، فتكلمت فيه عن أصول أدب الحوار بين المختلفين ...
وأما الباب الأول -أصول الحوار ، وهو مجموعة من البحوث والمقالات حول هذا الموضوع
وأما الباب الثاني فعن آداب الاختلاف بين المسلمين ، وهو مجموعة من البحوث والمقالات .
وكل بحث معزو لصاحبه أو مصدره ، وغالبها من المواقع التالية :
صيد الفوائد ، شبكة نور الإسلام ، الإسلام اليوم ، الشبكة الإسلامية ، والإسلام سؤال وجواب ، والمختار الإسلامي ....
ومن أراد تفصيل أسباب الاختلاف بين الفقهاء فليرجع إلى كتابي (( الخلاصة في بيان أسباب الاختلاف الفقهاء )) وهو على الشبكة في صيد الفوائد والمشكاة وغيرهما .
أسأل الله تعالى أن ينفع به جامعه وقارئه وناقله والدال عليه وناشره في الدارين .
جمعه وأعده
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 23 رمضان 1429 هـ الموافق ل 23/9/2008 م

- - - - - - - - - - - - - - -
__________
(1) - المستدرك للحاكم(3608) صحيح
(2) - صحيح البخارى(3234 )
(3) - مجموع الفتاوى - (ج 3 / ص 229)
(4) - مجموع الفتاوى - (ج 6 / ص 502)
(5) - صحيح البخارى برقم(7352 ) وصحيح مسلم برقم(4584)
(6) - آداب الحوار وقواعد الاختلاف - (ج 1 / ص 31)
(7) - آداب الحوار وقواعد الاختلاف - (ج 1 / ص 32)
(8) - انظر : [ فتح الباري 13 / 16] .
(9) - مجموع الفتاوى - (ج 30 / ص 80) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 88) وأبحاث هيئة كبار العلماء - (ج 3 / ص 177) والصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - (ج 1 / ص 37)
(10) - الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم ، للقرضاوي ، ص 53 .
http://www.almeshkat.net/books/images/paper.gifالخلاصة في أصول الحوار وأدب الاختلاف (http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=50&book=3434)

مســك
09-27-08, 12:53 PM
http://www.almeshkat.net/books/images/paper.gif الخلاصة في أصول الحوار وأدب الاختلاف (http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=50&book=3434)

علي بن نايف الشحود
10-02-08, 02:04 PM
جزاك الله خيرا وغفر لنا ولكم وتقبل منا ومنكم