:



03-05-08, 04:05 PM
ذكر خوف الملائكة عليهم السلام
قال الله تعالى في صفتهم‏:‏ ‏{‏يخافون ربهم من فوقهمويفعلون ما يؤمرون‏} (http://javascript<b></b>:openquran(15,50,50))‏ ‏[‏النحل‏:‏ 50‏]‏‏.‏
وقد روينا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏“ إن لله ملائكة ترعد فرائصهم منمخافته” (4) (http://javascript<b></b>:opencomment('‏‏(‏‏(‏&#37;20لم%20نجده‏.‏‏)‏‏)%20%20%20 %20%20‏'))‏‏.‏ وذكر تمام الحديث‏.‏
وبلغنا أن من حملة العرش من تسيل عينيه مثل الأنهار، فإذا رفع رأسهقال‏:‏ سبحانك ما تخشى حق خشيتك، فيقول الله‏:‏ لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لايعلمون ذلك‏.‏
وعن جابر رضى الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم‏:‏” لما كان ليلة أسرىبى، رأيت جبريل عليه السلام كالشن(5) (http://javascript<b></b>:opencomment('‏‏(‏‏(‏%20الشن‏:‏%20القربة%20الخلق‏. ‏‏)‏‏)%20%20%20%20%20‏'))‏(‏‏(‏ الشن‏:‏ القربةالخلق‏.‏‏)‏‏) "‏البالي من خشية الله تعالى”‏.‏
وبلغنا أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلموهو يبكى فقال‏:‏ له‏:‏“ ما يبكيك، قال‏:‏ ما جفت لى عين منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه، فليقينيفيها”‏.‏
وعن يزيد الرقاشى قال‏:‏ إن لله تعالى ملائكة حول العرش تجرى أعينهممثل الأنهار إلى يوم القيامة، يميدون كأنما تنفضهم الريح من خشية الله تعالى، فيقوللهم الرب عز وجل‏:‏ يا ملائكتي ما الذي يخيفكم وأنتم عندى‏؟‏ فيقولون‏:‏ يارب‏!‏ لوأن أهل الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا عليه، ما أساغوا طعاماً ولاشراباً، ولا انبسطوا في فرشهم، ولخرجوا إلى الصحارى يخورون كما تخور البقر‏.‏
وقال محمد بن المنكدر‏:‏ لما ظهر من إبليس ما ظهر، طفق جبريلوميكائيل يبكيان، فأوحى الله تعالى إليهما‏:‏ “ ما هذا البكاء‏؟‏ قالا‏:‏ يارب‏!‏ما نأمن من مكرك‏.‏ فقال تعالى‏:‏ هكذا فكونا”‏.

‏ـ ذكر خوف الأنبياء عليهم السلام
قال وهب‏:‏ بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة عام، وما رفعرأسه إلى السماء بعد ما أصاب الخطيئة‏.‏
وقال وهيب بن الورد‏:‏ لما عاتب الله تعالى نوحاً عليه السلام فيابنه فقال‏:‏‏{‏إنى أعظك أن تكون من الجاهلين‏} (http://javascript<b></b>:openquran(10,46,46))‏‏[‏هود‏:‏ 46‏]‏ بكى ثلاثمائة عام حتىصار تحت عينيه أمثال الجداول من البكاء‏.‏
وقال أبو الدرداء رضى الله عنه‏:‏ كان يسمع لصدر إبراهيم عليهالسلام إذا قام إلى الصلاة أزيز من بعد خوفاً من الله عز وجل‏.‏
وقال مجاهد‏:‏ لما أصاب داود عليه السلام الخطيئة، خر لله ساجداًأربعين يوماً حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى يارب‏:‏ قرحالجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه فى خطيئته شىء، فنودي‏:‏ أجائع أنتفتطعم‏؟‏ أم مريض فشفى‏؟‏ أم مظلوم فتنصر، فنحب نحيباً هاج كل شىء نبت، فعند ذلكغفر له‏,‏‏.‏
وقيل‏:‏ كان داود عليه السلام يعود الناس يظنون أنه مريض، وما بهإلا شدة الفرق من الله عز وجل‏.‏
وكان عيسى عليه السلام إذا ذكر الموت يقطر جلده دماً‏.‏ وبكى يحيىبن زكريا عليهما السلام حتى بدت أضراسه، فاتخذت أمه قطعين من لبود فألصقتهابحدية‏.‏
ذكر خوف التابعين ومنبعدهم
قال هرم بن حيان‏:‏ وددت والله أنى شجرة أكلتني ناقة، ثم قذفتنيبعراً، ولم أكابد الحساب يوم القيامة، إنى أخاف الداهية الكبرى‏.‏
وكان على بن الحسين إذا توضأ اصفَّر وتغير، فيقال‏:‏ ما لك‏؟‏فيقول‏:‏ أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم‏؟‏
وكان محمد بن واسع يبكى عامة الليل لا يكاد يفتر‏.‏
وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكىحتى تجرى دموعه على لحيته‏.‏ وبكى ليلة فبكى أهل الدار ، فلما تجلب عنهم العبرةقالت فاطمة‏:‏ بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت‏؟‏ قال‏:‏ ذكرت منصرف القوم منبين يدي الله تعال، فريق في الجنة، وفريق في السعير‏.‏ ثم صرخ وغشى عليه‏.‏
ولما أراد المنصور بيت المقدس، نزل براهب كان ينزل به عمر بن عبدالعزيز فقال له‏:‏ أخبرني بأعجب ما رأيت من عمر‏.‏ فقال‏:‏ بات ليلة على سطح غرفتيهذه وهو من رخام، فإذا أنا بماء يقطر من الميزاب، فصعدت فإذا هو ساجد، وإذا دموععينه تنحدر من الميزاب‏.‏
وقد روينا عن عمر بن العزيز وفتح الموصلي أنهما بكيا الدم‏.‏
وقال إبراهيم بن عيسى اليشكرى‏:‏ دخلت على رجل بالبحرين قد اعتزالالناس، وتفرغ لنفسه، فذاكرته شيئاً من أمر الآخر، وذكر الموت‏.‏ قال‏:‏ فجعل يشهقحتى خرجت نفسه‏.‏
وقال مسمع‏:‏ شهدت عبد الواحد بن زيد وهو يعظ، فمات يومئذ في ذلكالمجلس أربعة أنفس‏.
وكان يزيد بن مرشد يبكى كثيراً ويقول‏:‏ والله لو تواعدني ربى أنيسجنني في الحمام، لكان حقي أن لا أفتر من البكاء، فكيف وقد تواعدني أن يسجنني فيالنار إن عصيته‏؟‏‏!‏
وقال السري السقطى‏:‏ إنى لأنظر كل يوم إلى أنفى مخافة أن يكون قداسود وجهي‏.‏
فهذه مخاوف الملائكة والأنبياء والعلماء والأولياء، ونحن أجدربالخوف منهم، ولكن ليس الخوف بكثرة الذنوب ولكن بصفاء القلوب وكمال المعرفة، وإنماأمنا لغلبة جهلنا وقوة قساوتنا، فالقلب الصافي تحركه أدنى مخافة، والقلب الجامدتنبو عنه كل المواعظ‏.‏

قال بعض السلف‏:‏ قلت لراهب‏:‏ أوصني، فقال‏:‏ إن استطعت أن تكونبمنزلة رجل قد احتوشته السباع والهوام، فهو خائف حذر يخاف أن يغفل فيفترسنه، أويسهو فينهشنه، فهو مذعور فافعل‏.‏ قلت‏:‏ زدني‏.‏ فقال‏:‏ الظمآن يجزيه من الماءأيسره‏.‏ وما ذكره هذا الراهب من تقدير شخص احتوشته السباع والهوام، فهو حقيقة فيحق المؤمن، فان من نظر إلى باطنه بنور بصيرته، رآه مشحوناً بالسباع والهوام،كالغضب، والحقد، والحسد، والكبر، والعجب، والرياء، وغير ذلك، وكلهن ينهشه ويفترسنهإن سها عنهن، إلا أنه محجوب عن مشاهدتها، فإذا انكشف الغطاء ووضع في القبر، عاينهامتمثلة حيات وعقارب يلدغنه، وإنما هي صفاته الحاضرة الآن، فمن أراد أن يقهرها قبلالموت ويقتلها فليفعل، وإلا فليوطن نفسه على لدغها لصميم قلبه، فضلاً عن ظاهر بشرته والسلام‏.‏
#################
من كتاب مختصر منهاج القاصدين للامام بن قدامه المقدسى