المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية



أبو زرعة الرازي
03-05-08, 03:06 PM
المقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ،و من يضلل فلا هادى له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد :
فقد كثر الكلام حول وسائل الدعوة هل هي توفيقية لا يحل لأحدٍ الزيادة علي ما ثبت عن رسول اللهr وأصحابه الكرام فيها .
أم أنها اجتهادية موكولة إلى نظر الداعي يزيد فيها ما يراه مناسباً لزمانه ومكانه في سبيل الوصول إلي الغاية المنشودة بالدعوة .
ولما كان القول بتوفيقية وسائل الدعوة هو القول الحق المؤيد بالحجج الشرعية استعنت الله تعالى في تحرير هذه الرسالة لإظهاره وبيانه ، نصرة للحق ، ونصحاً للخلق ، معتمداً على الكتاب والسنة ،وأقوال سلف الأمة.
وقد بينت أن القول بتوفيقية وسائل الدعوة لا يتعارض مع استخدام الأجهزة الحديثة – ونحوها – إذا لم تكن محظورة شرعاً.
كما بينت أن الوسائل الشرعية كافية في نشر الدعوة على أتم صورةٍ وأكملها في كل زمان ومكانٍ .
وأن القول بأن وسائل الدعوة ليست توفيقية أصل من أصول البدع المفضلة لا محدثة في الدين .
والله تعالى اسأل التوفيق والإعانة والتسديد ، والإصابة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتب ذلك
عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم
9/9/1413 هـ - الرياض














الدعوة إلى الله تعالي عبادة عظيمة ، وحث عليها وجعل أهلها أحسن الناس قولاً ، وأفضلهم عملاً ، فقال تعالى :
)وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( (فصلت:33)
والمعني لا أحد أحسن قولاً منه ، لكونه دعا إلى الله ، وعمل بما يدعو إليه ، وصرح بما هو عليه فلم يخجل بل قال : إنني من المسلمين.
ولا غرو أن يرقي الداعي إلى هذه المنزلة ، فهو أحد ورثة الأنبياء في وظائفهم ، فإن وظيفتهم الدعوة إلي الله تعالى ، كما قال الله تعالى لخاتمهم وإمامهم :
) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ( (يوسف:108)
فقوله : )وَمَنِ اتَّبَعَنِي ( عطف على الضمير في : ) أَدْعُو إِلَى اللَّهِ( ففيها دليل على أن إتباعه r هم الدعاة إلى الله تعالى .
قال ابن كثير – رحمه الله تعالى - :
( يقول الله تعالى لرسوله rآمراً له أن يخبر الناس أن هذه سبيله،
أي : طريقته وسنته ، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يدعو إلى الله بها علي بصيرة من ذلك ويقين وبرهان ، هو وكل من اتبعه يدعوا إلى ما دعا إليه رسول اللهr على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي ) () . انتهى .
وقد أوجب الله – سبحانه – أن تكون في هذه الأمة طائفة تدعوا إلى الله تعالي ، فترشد الناس إلى الخير ،وتأمرهم به ، وتحذرهم من الشر وتنهاهم عنه.
قال الله تعالى :
)وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (آل عمران:104)
وقال تعالى : )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ( (النحل: من الآية125)
واعتماد علي هذه الآيات الكريمات صرح العلماء – رحمهم الله تعالى – بأن الدعوة إلى الله تعالى فرض كفاية ، يجب على طائفة من المسلمين القيام بها في كل زمان ومكانٍ ، فإن لم يقم بها أحد منهم أثموا جميعاً () .
ولقد رتب الشارع لمن قام بهذا الأمر ثواباً عظيماً وأجراً جزيلاً، ففي (( الصحيحين )) من حديث سهل بن سعد - t – أن النبي r قال لعلي :
(( والله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ))
حمر النعم : هي الإبل الحمر ،وهي أنفس أموال العرب ، يضرب بها المثل في نفاسة الشيء ، وأنه ليس هناك أعظم منه ()
وفي (( صحيح مسلم )) عن أبي هريرة – t - ، أن رسول الله r قال :
(( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلي ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً )).
وفي (( صحيح مسلم )) – أيضاً – عن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله r (( من دل على خير فله مثل أجر فاعله )) .
فليستبق المسلمون إلى هذا الفضل ، وليغتنموا هذا الثواب في ذلك فليتنافس المتنافسون .
ومما لا يخفي علي ذي عقل وبصيرة : شدة حاجة الأمة في كل زمان – وخاصة في زماننا – إلي الدعاة الصالحين المصلحين ، الناصحين المشفقين . وذلك لما ألم بهذه الآمة من الغزو الخارجي لأفكارها ، وعقائدها ، وأخلاقها بما ألقاه في أوساطها من فتنة الشهوات ، والشبهات .
فكان الحال كما قال القائل :
والشر قد نتأت رؤوس صِلاله والخير تنهشه الرماح الشرع
والدين متصدع الجوانب ضارع والحق مضطهد النصير مضيع
وهراء كل مدجلٍ ومُخرفٍ ينكي القلوب وللرؤوس يصدع
ومنابر التضليل يفتر عونها جهراً فتهتز الجهات الأربع

فيجدر بالمسلمين - خصوصاً العلماء منهم وطلبة العلم – التصدي لهذه الشرور ، والقضاء عليها كل حسب طاقته ووسعه ، والله لا يضيع أجر المحسنين.
فإن فعلوا ذلك نجوا ونجا المجتمع ، وإن تركوا ذلك – جميعاً – أثموا ، وبقدر التقصير في ذلك يحل البلاء ، ويستشري الداء .


شروط صحة العبادة
وإذا تقرر أن الدعوة إلى الله تعالى عبادة : فإن قبول أي عبادة لله تعالى يتوقف على اجتماع أمرين :
الأمر الأول : الإخلاص لله تعالى .
والأمر الثاني : المتابعة لرسول اللهr.
والعمل الجامع لهذيت الأمرين هو العمل الصالح ، الذي قال الله تعالي فيه : )فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(الكهف: من الآية110)
وهو الذي قال الله تعالي فيه ) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ( (البقرة:112)
وقال فيه – أيضاً- )وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ( (النساء: من الآية125)
قال الفضيل بن عياض – رحمه الله تعالي – في قوله تعالى : ) لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )(الملك: من الآية2)
قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟
قال (( إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل . وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل ، حتى يكون خالصاً صواباً )). ا هـ.
وقال العلامة ابن القيم – رحمه الله تعالي - :
( لا يكون العبد متحققاً بـ (( إياك نعبد )) – أي : العبودية – إلا بأصلين عظيمين :
أحدهما : متابعة الرسولr
والثاني : الإخلاص للمعبود . فهذا تحقيق (( إياك نعبد )) .
والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين إلى أربعة أقسام :
أحدهما : أهل الإخلاص للمعبود ، والمتابعة ، وهم أهل(( إياك نعبد ))حقيقة . فأعمالهم كلها لله ، وأقوالهم لله وعطائهم لله ومنعهم لله ، وحبهم لله ، وبغضهم لله . فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لوجه الله تعالي وحده .
وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ، ولما يحبه ويرضاه .
وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله . فلا يقبل الله من عامل سواه ، وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله .
فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه علي متابعة أمره وماعدا ذلك فهو مردو على عامله ، يرد عليه – أحوج ما هو إليه – هباءً منثوراً .
وكل عمل بلا إقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعداً ، فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره ، لا بالآراء والأهواء .
الثاني : من لا إخلاص له ولا متابعة ، فليس عمله موافقاً لشرعٍ وليس هو خالصاً للمعبود كأعمال المتزينين للناس ، المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله . وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله عز وجل.
وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة علي الصراط المستقيم . فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الأتباع والإخلاص والعلم . فهم أهل الغضب والضلال.
الثالث : من هو مخلص في أعماله ، لكنها علي غير متابعة الأمر كالجهال العباد والمنتسبين إلي طريق الزهد والفقر وكل من عبد الله بغير أمره ، واعتقد عبادته هذه قربة إلي الله فهذا حاله .
كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة ... ونحو ذلك .
الرابع : من أعماله على متابعة الأمر ، لكنها لغير الله ، كطاعة المرائين وكالرجل يقاتل رياءً وحمية وشجاعة ، ويحج ليقال ويقرأ القرآن ليقال ، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها ، لكنها غير صالحة ، فلا تقبل ) () . ا هـ.
وقد دل على الإخلاص ، قوله تعالى :
)وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ( (البينة:5)
وقوله تعالي : ) فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ& أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ ( (الزمر: من الآية3)
وقوله تعالي : ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي( (الزمر:14)
وقوله تعالي :
) وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ( (لأعراف: من الآية29)
وقوله تعالي :
) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ( (غافر:14)
وفي (( الصحيحين )) عن عمر بن الخطاب ر- t - ، قال سمعت رسول اللهr يقول :
(( إنما الأعمال بالنيات ،وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله كانت هجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فجرته إلى ما هاجر إليه )).
قال الشوكاني – رحمه الله تعالى - ، على هذا الحديث :
( حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلا بنية ، فلا حصول ولا ثبوت لما ليس كذلك .
فكل طاعة من الطاعات ، وعبادة من العبادات إذا لم تصدر عن إخلاص نيةٍ وحسن طويةٍ : لا اعتداد بها ، ولا التفات إليها .
بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث واللعب ) () . ا هـ.
وأما المتابعة فقد دل عليها قوله تعالى :
) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ( (الأنعام: من الآية153)
وقوله : ) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ( (لأعراف:3)
) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ( (لأعراف:3)
) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ( (الأنعام:106)
وقوله : ) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( (آل عمران:31)
وفي (( الصحيحين )) من حديث عائشة - رضي الله عنها - ، قالت : قال رسول اللهr (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ))
وفي رواية لمسلم :
(( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))
قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله تعالي - :
( هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام ، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها ، كما أن حديث (( الأعمال بالنيات )) كيزان للأعمال في باطنها ، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله ، فليس لعامله فيه ثواب ، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله ، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله ، فليس من الدين في شيء .
قولهr : (( ليس عليه أمرنا )) إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة ،وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيا فمن كان عمله جارياً تحت أحكام الشرع موافقاً لها فهو المقبول ومن كان خارجاً عن ذلك فهو مردود ) () . ا هـ.
فمن أخل بالإخلاص فهو مشرك .
ومن أخل بالمتابعة فهو مبتدع .
وإذا تقرر أن الدعوة إلى الله عبادة ، فلابد للداعية أن يراعي هذين الشرطين عند القيام بها، ليكون عمله صالحاً متقبلاً .
يقول ابن قاسم – رحمه الله تعالى - ، في (( شرح التوحيد )):
( ولا بد في الدعوة إلى الله تعالى من شرطين :
أن تكون خالصة لله تعالي .
وأن تكون على وفق سنة رسولهr .
فإن أخل بالأول كان مشركاً وإن أخل بالثاني كان مبتدعاً ) () . ا هـ.

ومن هنا جاء حرص السلف – رضوان الله عليهم – علي إصلاح النية والعمل ، خشية الوقوع في هذين المحذورين العظيمين .
قال عبد الله بن مسعود – t - :
(( إنا نقتدي ولا نبتدي ، ونتبع ولا نبتدع ، ولن نضل ما تمسكنا بالأمر )).
أخرجه اللكائي في : شرح اعتقاد أهل الحديث () .
وأخرج الأجري في (( الشريعة )) () . عن على وابن مسعود – رضي الله عنهما – أنهما قالا :
(( لا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل إلا بقول ، ولا قول وعمل إلا بنية ولا نية إلا بموافقة السنة )).
وقال محمد بن سيرين :
(( كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا علي الأثر ))
وأخرج أبو نعيم في الحلية ( 2/199 ) عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال : (( صلاح القلب بصاح العمل ، وصلاح العمل بصلاح النية )) .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب (( الإخلاص والنية )) () .، وعن ابن عجلان أنه قال :
(( لا يصلح العمل إلا بثلاث : التقوى لله ، والنية الحسنة ، والإصابة )).
والآثار عن السلف الصالح في الباب كثيرة جداً ، وإنما المراد هنا الإشارة لا الحصر والاستقصاء .




كمال الشريعة

شريعة الإسلام شريعة كاملة من كل وجه ، لا نقص فيها ولا قصور . يقول الله تعالي مخراً عن هذه الحقيقة الثابتة :
) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)
فما من شيء تحتاجه الأمة في حاضرها ومستقبلها إلا وقد بينه الله تعالى بياناً تدرك الأمة من خلاله حكمه من حل أو حرمةٍ.
وهذا الأصل مقرر في الكتاب والسنة بما لا يدع مجالاً للشك فيه أو الارتياب . وقد أجمعت الأمة علي ذلك .
قال الله تعالى :
) مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ( (الأنعام: من الآية38)
وقال تعالى :
) وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ( (النحل: من الآية89)
وقال تعالى :
) وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً( (الاسراء: من الآية12)
وقال تعالى :
) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ & يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ( (المائدة :15،16)

وأنكر تعالي على من لم تكتف بالووحي عن غيره . فقال تعالى :
) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (العنكبوت:51)
) مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (يوسف: من الآية111)
وقال تعالى :
) الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( (إبراهيم:1)
وقال تعالى :
) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (لأعراف:52)
وقال تعالى :
) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (يوسف:111)
وقال تعالى :
)أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ( (الأنعام: من الآية114)
( مثل هذا في القرآن كثير ، مما يبيت الله فيه أن كتابه مبين للدين كله ، موضح لسبيل الهدى ، كاف لمن اتبعه ، لا يحتاج معه إلى غيره ، يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل ) ()
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي r قال :
(( ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم )).
وأخرج البغوي في شرح السنة ( 14/303-305 ) عن زيد اليامي وعبد الملك بن عمير ، عن ابن مسعود ، قال :
قال رسول الله r:
(( أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ، ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه ..)) الحديث .
وأخرجه الحاكم في المستدرك ( 2/4 ) من طريق آخر ، عن ابن مسعود . والبيهقي في (( شعب الإيمان – كما في لمشكاة ( 3/1458 ) () - .
قال العلامة ابن القيم – رحمه الله – في تقرير هذا الأصل :
( .. فرسالته rكافية عامة ، لا تحوج إلى سواها ، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته .. فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته ، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به .
وقد توفي رسول الله r وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علماً ، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلى وآداب الجماع ، والنوم والقيام والقعود ، والأكل والشرب ، والركوب والنزول ،والسفر والإقامة ، والصمت والكلام ،والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض ، وجميع أحكام الحياة والموت .
ووصف لهم العرش والكرسي ، والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين .
وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله .
وعرفهم الأنبياء وأممهم ، وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم .
وعرفهم من طريق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله .
وعرفهمr من أحوال الموت ما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره .
وكذلك عرفهمrمن أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده ، اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه .
وكذلك عرفهمr من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبداً .
وكذلك عرفهم r من مكايد إبليس وطرقه التى يأتيهم منها ، وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه .
وكذلك عرفهمr من أحوال نفوسهم وأوصافهم ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة معهم إلي سواه .
وكذلك عرفهم r من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة .
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ، ولم يحوجهم الله إلى أحدٍ سواه ... ا هـ كلامه – رحمه الله تعالى () –
ولما قرر الشاطبي – رحمه الله – هذا الأصل، ألزم من نظر في الشريعة بأمرين بناء على ما تقرر من كمال الدين :
أحدهما أن ينظر إليها – أي الشريعة – بعين الكمال لا بعين النقصان ويعتبرها اعتباراً كلياً من العبادات والعادات ولا يخرج عنها البتة لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمي في عماية . كيف وقد ثبت كمالها وتمامها؟
فالذائد في جهتها هو المبتدع بإطلاق ، والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطريق .
والثاني : أن يوقن بأنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر ، بل الجميع جارٍ علي مهيع واحدٍ، ومنتظم إلى معنى واحدٍ ...
إلى أن قال فأما الأمر الأول فهو الذي أغفله لمبتدعون ، فدخل عليهم بسبب ذلك الاستدراك في الشرع ... ا هـ. ()



الاعتصام بالمتابعة نجاة

تكفل الله تعالي لمن تمسك بالكتاب ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة فقال تعالى :
) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى( (طـه: من الآية123)
قال ابن عباس – رضي الله عنهما - :
(( أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى )) قلا : (( لا يضل في الدنيا ولا يشقي في الآخرة )).
ثم قرأ) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى( (طـه: من الآية123)
أخرجه – كما في الدر المنثور ( 5/607 ) - : الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم – وصححه - البيهقي في شعب الإيمان . ا هـ.
وفي رواية قال :
(( من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه : هداه الله من الضلالة في الدنيا ، ووقاه يوم الحساب سوء الحساب )).
رواه رزين – كما في مشكاة المصابيح – ( 1/67 ).
وأمر تعالى بالاعتصام به فقال :
) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ( (آل عمران: من الآية103)
وحبل الله تعالى هو كتابه .
كما ثبت في (( صحيح مسلم )) من حديث زيد بن أرقم أن رسول اللهr قال :
(( ألا وأني تارك فيكم ثقلين : أحدهما كتاب الله وهو حبل الله ، من اتبعه كان ه=على الهدى ومن تركه كان على ضلالة )).
وأخرج الدارمي في كتاب فضائل القرآن من (( سننه ))) عن ابن مسعود – t - ، أنه قال :
(( إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين ، ينادون يا عبد الله : هذا الطريق . فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن )).
وأخرج – أيضاً – عنه – t – أنه قال :
(( إن هذا القرآن حبل الله ، والنور والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه )).
قال الكرماني علي قوله تعالي :
)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً .... ( (آل عمران: من الآية103)
المراد بالحبل : الكتاب والسنة علي سبيل الاستعارة ... والجامع كونهما سبباً للمقصود الذي هو الثواب كما أن الحبل سبباً للمقصود من السقي ونحوه ) ()
كذا قال وقد تعقب ذلك العلامة علي القاري فقال :
( المشهور أن المراد بحبل الله هو القرآن ، كما ورد في بعض الأحاديث . والاعتصام به مستلزم بالسنة لقوله تعالى :
) وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ( () (الحشر: من الآية7)
وفي حديث جابر في صفة حج النبي rأنهr قال :
(( وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ))
رواه مسلم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - :
( قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة ، وبيان أن السعادة والهدى في متابعة الرسولr ،وأن الضلال والشقاء في مخالفته وأن كل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به ، وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة : والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها ، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء . والرسالة روح العالم ونوره وحياته ، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور ؟
والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة . وكذلك العبد في ظلمة وهو من الأموات ، قال تعالى :
) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ( (الأنعام: من الآية122)
فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نوراً يمشي به في الناس .
وسمي الله تعالي رسالته روحاً ،والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة ،
قال الله تعالى :
) َكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ( (الشورى: من الآية52)
فذكر هنا الأصلين ، وهما الروح والنور ، فلروح الحياة والنور النور ...
وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب : موت الأبدان . وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها : مات قلبه موتاً لا يرجى الحياة معه أبداً أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبداً فلا فلاح إلا بإتباع الرسول ، فإن الله خص بالفلاح أتباعه المؤمنين وأنصاره ، كما قال تعالى :
) فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (لأعراف: من الآية157)
أي لا مفلح إلا هم
كما قال تعالى :
) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (آل عمران:104)

فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما أنزل إلى رسوله وما أنزل من قبله ، ويوقنون بالآخرة : بالهدى والفلاح دائر حول ربع الرسالة وجوداً وعدماً ) () ا هـ.
وقد تتابعت وصايا السلف – y– بالاعتصام بالكتاب والسنة .
فمن ذلك ما جاء في كتاب صحيح البخاري – كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - : عن أبي برزة t – أنه قال :
(( إن الله يغنيكم – أو نعشكم – بالإسلام وبمحمد r)) .
قال أبو عبد الله وقع هنا (( يغنيكم ))وإنما هو (( نعشكم )) .
وأخرج محمد بن نصر في (( السنة )) ( ص 28 ) ، عن أبي الدرداء – t – أنه قال :
(( ... لن تخطئ الطريق ما اتبعت الآثر )).
وقال الزهري – رحمه الله تعالى - :
(( كان من مضى من علمائنا يقول : الاعتصام بالسنة نجاة )).

أبو زرعة الرازي
03-05-08, 03:08 PM
تـــــــــابع
رواه الدارمي في (( سننه )) ، واللالكائي ، والأجري في (( الشريعة )) ( ص 314 ) .
وأخرج البيهقي بسنده عن مالك أنه قال :
(( السنة سفينة نوح من ركبها نجا ،ومن تخلف عنها غرق )).
وفي (( الرد على المريسي )) للإمام الدارمي ( ص 145 ) عن شريح وابن سيرين أنهما قالا : (( لن نضل ما تمسكنا بالأثر )).
وأخرج اللالكائي ( 1/64 ) عن الأوزعي أنه قال :
(( ندور مع السنة حيث دارت )) وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود :
(( إنك لن تخطئ الطريق ما دمت علي الآثر ))
ذكره ابن أبي يعلي في (( الطبقات )) ( 1/71 ) .
وأخرج أبو داود في سننه ( 5/19) ، وابن وضاح في (( البدع والنهي عنها )) ( ص 30 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 5/338 ) عن عمر بن عبد لعزيز أنه قال :
(( عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة )).




التحذير من الابتداع
وبيان دخوله في العبادات والعادات

موضوع دخول البدع في (( العادات )) كدخولها في (( العبادات )9 ، له تعليق كبير بمسألتنا هذه .
ولذا فإني سأتكلم عن هذا الموضوع في إطار التمهيد للدخول في المسألة ، قم أبين وجوب الحذر من الوقوع في البدع عموماً في العبادات أو العادات ، فأقول :
البدعة : كل ترك أو فعل نية التعبد لله تعالى مما ليس في الدين هذا هو الضابط المختار الذي رجحه الشاطبي – رحمه الله تعالى - ، وصاغه بالصياغة الآتية فقال :
( البدعة : طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية ) ()
وهذا التعريف هو على رأي من قال بدخول الابتداع في الأمور العادية كدخوله في الأمور العبادية – ودخول البدع فيها إنما هو من جه ما فيها من التعبد لا بإطلاقه – وهذا هو الصحيح .
أما دخول الابتداع في الأمور العبادية فواضح .
وأما دخوله في الأمور العادية فقد شرح هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - ، فقال بعد كلام سبق :
( فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به :
وهو : أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحاتٍ .
فأما إذا اتخذت واجباتِ والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس في المحرمات منها .
فلا حرام إلا ما حرمه الله ، ولا دين إلا ما شرعه الله .
ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم يأذن الله به ، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه ، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات والمحرمات ؟
إلى أن قال :
إذا كان المسلمين متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عملٍ ، إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسولهr . وذلك يعلم بالأدلة المنصوصة على ذلك .
وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال : أنه قربة وطاعة .
فكذلك هم متفقون على إنه قربة وطاعة .
فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ، ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً ، ولا عمله من الحسنات ، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ، ولا بإرادة وعمل .
وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه ، بل يقال أنه جائز .
ولا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة .
ومعلوم ان اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد ، أو بهما ، أو بالقول أو بالعمل ، أو بهما : من أعظم المحرمات ، وأكبر السيئات .
وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاصى وسيئات ()
وقد أيد الشاطبي – رحمه الله تعالى – القول بدخول البدع في العادات بحجج ، منها :
( أن الأمور العادية داخلة ضمن الخطاب الشرعي ، وضمن المعنى العام للعبادة . ولذلك فإن المباح أحد أقسام الحكم التكليفي ، لأنه إنما ثبت كونه مباحاً بالدليل الشرعي.
وقد تكرر أن كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع ) ()
ومنها أن : ( الأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة تكون عادية ، فكلاهما مشروع من قبل الشارع فكما تقع المخالفة بالبتداع في أحدهما تقع في الآخر ) ()
ومنها أن :
( أفعال المكلفين إما أن تكون من قبيل التعبديات ، وإما أن تكون من قبيل العادات والمعاملات .
وقد تقرر بالأدلة الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة تعبدٍ لكونه مقيداً بأوامر الشرع إلزاماً أو تخييراً أو إباحة.
وعليه : فالبدع تدخل في الأمور العادية من الوجه العبادي المتعلق بها ) (). اهـ.
وهذا الذي قرره الشاطبي ، وعقد له باباً مستقلاً في كتابه (( الاعتصام )) () وهو الذي قامت عليه الأدلة وجاء عن السلف الصالح – y- .
فمن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك – t – قال :
فمن ذلك ما رواه الشيخان عن انس بن مالك – t – قال :
جاء ثلاثة رهط إلي بيوت أزواج النبيr ، يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها . فقالوا وأين نحن من النبي r، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً .
وقال الآخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر .
وقال الآخر : أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً .
فجاء الرسول r فقال :
(( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )).
وفي لفظ لمسلم :
(( فقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم لا أنام على فراشٍ .. ) الحديث
ومن ذلك أيضاً – ما أخرجه البخاري عن ابن عباس y– قال :
بينما النبي r يخطب إذا هو برجل قائم ، فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ، ولا يستظل ولا يتكلم ، ويصوم فقال النبي r .
( مره فليتكلم ، وليستظل ، وليقعد ، وليتم صومه )).
قال شيخ الإسلام :
( فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها ، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء : فذلك من البدع المذمومة أيضاً ) ()
وقال – أيضاً على هذا الحديث : ( فأمره النبي r بالصوم وحده لأنه عبادة يحبها الله تعالى ، عداه ليس بعبادة وإن ظنها الظان تقربه إلى الله تعالى ) () اهـ.
ومن ذلك – أيضاً – ما أخرجه البخاري عن قيس بن أبي حازم قال : دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب ، فرآها لا تتكلم . فقال ما لها لا تتكلم . قالوا : حجت مصمتة قال لها : تكلمي فهذا لا يحل فهذا من عمل الجاهلية .
قال الشاطبي تعليقاً علي قول الإمام مالك :
( فتأمل كيف جعل القيام في الشمس ، وترك الكلام ونذر المشي إلي الشام أو مصر معاصي ... مع أنها في أنفسها أشياء مباحات ، لكنه لما أجراها لما يتشرع به ويدان الله به صارت عند مالك معاصي لله ) () اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - :
( إن اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقاً إلي عبادة الله بدعة ) () اهـ.
فتقرر بذلك أن البدع تدخل في الأمور العادية والمعاملات كما تدخل في العبادات.
فترك أكل اللحم مباح . لكن إن قصد به القربة صار عمله بدعة ، إذ : ( لا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاده المبتدع مشروعاً وليس بمشروع ) ()
وكذلك لبس ثوباً بلون معينٍ ، فهذا مباح . لكن إن قصد القربة بذلك صار عمله بدعة ممقوتة .
وقد توافرت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف في ذم البدع والتحذير منها :
فمن الكتاب :
قول الله تعالى :
)هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ( (آل عمران:7)
وقد سألت عائشة – رضي الله عنها - ، رسول اللهr عن هذه الآية فقالr
(( إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم )). رواه الشيخان .
وقد نص جماعة من الصحابة على أن الخوارج دخلون في عموم هذه الآية – كما جاء عن ابن عباس وأبي أمامة – مما يدل على أنها في أهل البدع .
ومن الآيات قوله تعالى :
) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (الأنعام:153)
الصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة.
والسبل هي : سبل أهل البدع الحائدين عن الصراط المستقيم .
يدل على ذلك ما ثبت عن ابن مسعود – t – قال : خط لنا رسول اللهr خطاً ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ، ثم قال :
(( هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه )) وقرأ ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ..) الآية )) . رواه أحمد والنسائي والدارمي ، وصححه الحاكم في المستدرك ( 2/318 )
وأخرج أبو نعيم في (( الحلية )) ( 3/293 ) عن مجاهد – رحمه الله - ، أنه قال في قوله تعالى : ( ولا تتبعوا السبل ) :
(( البدع والشبهات ))
قال علي القارئ – رحمه الله - ، على حديث ابن مسعود :
( فيه إشارة إلى أن سبيل الله وسط وليس فيه تفريط ولا إفراط بل فيه : التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة .

وسبل أهل البدع مائلة إلى الجوانب ، وفيها : تقصير وغلو ،وميل وانحراف وتعدد واختلاف ) () .
ومن الآيات قوله تعالى :
) فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (النور: من الآية63)
قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – :
( عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ، ويذهبون على رأي سفيان والله تعالى يقول : ) فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( (النور: من الآية63)
أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة : الشرك . لعله إذا رد بض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ) أخرجه ابن بطة في (( الإبانة )) : ( 1/260).
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله تعالي - : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره )
أي : أمر رسول اللهr ، وهو سبيله ومنهجه وطريقته وسنته وشريعته ، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل ، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان .. فيحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً .
( أن تصبهم فتنة )
أي : في قلوبهم من كفرٍ أو نفاق أو بدعة ) () اهـ.
( أو يصيبهم عذاب أليم ) : أي : في الدنيا ، بقتلٍ أو حد أو حبس أو نحو ذلك .
* * *
أما الأحاديث عن رسول الله r في هذا الباب فكثيرة منها :
ما رواه الشيخان عن أنس – t – عن النبي r أنه قال :
(( من رغب عن سنتي فليس مني ))
ومنها م أخرجاه – أيضاً- عن عبد الله بن مسعود – t - ، قال : قال رسول اللهr :
(( أنا فرطكم علي الحوض ، وليختجلن رجال دوني ، فأقول يا رب أصحابي . فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك )).
وعن جابر t – قال : قال رسول الله r:
(( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ،وخير الهدى هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعةٍ ضلالة )).
رواه مسلم والنسائي ، زاد : (( وكل ضلالة في النار )) ، وسندها صحيح .
وروى مسلم في (( صحيحه )) عن أبي هريرة – t – قال : قال رسول الله r :
(( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، ولا ينقص من أجورهم شيئاً . ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً )) .
وفي حديث العرباض بن سارية – t- ، أن النبي r قال :
(( ... فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )). رواه أحمد وأبو داود .
* * *


أما الآثار عن السلف في هذا الباب فهي لا تحصى منها قول ابن عمر – رضي الله عنهما - :
(( خير الدين دين محمد r وشر الأمور محدثاتها . اتبعوا ولا تبتدعوا ، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتم الآثر . إن تتبعونا فقد سبقناكم سبقاً بعيداً ، وأن تخالفونا فقد ضللتم ضلالاً بعيداً . وما أحدثت أمة في دينها بدعة إلا رفع الله عنهم سنة هدى ثم لا تعود فيهم أبداً ولأن أرى في ناحية المسجد ناراً تشتعل فيه احتراقاً ، أحب على من أن أرى بدعة ليس فيه لها مغير )).
أخرجه محمد بن نصر في كتاب (( السنة )) ( ص 24 ) .
وروى ابن بطة في (( الإبانة )) ( 1/339 ) عن معاذ بن جبل – t – أنه قال :
(( إياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلال )).
وفي (( السنة )) لمحمد بن نصر ( ص 24 ) عن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال :
(( عليكم بالاستقامة واتباع الأمراء والآثر ، وإياكم والتبدع ))
وأخرج اللالكائي ( 1/92 ) ، ومحمد بن نصر في (( السنة )) ( ص 24 )، والبيهقي في المدخل ( ص 180 ) ، عن ابن عمر – رضي الله عنهما - ، أنه قال :
(( كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ))
وأخرج البيهقي في (( السنن )) ( 4/316 ) عن ابن عباس – t - ، أنه قال :
(( إن أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع )).
وأخرج اللالكائي ( 1/132 ) عن سفيان الثوري ، أنه قال (( البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ، والمعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها )) .
وجاء في ترجمة إبراهيم النخعي – رحمه الله – من كتاب الحلية لأبي نعيم ( 4/222 ) أنه سئل عن الأهواء ، فقال :
(( ما جعل الله فيها مثقال حبة من خردل من خيرٍ وما الأمر إلا الأمر الأول )).
وقال الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى - :
(( لأن يلقي الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك : خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء )) .
ذكره بهذا اللفظ البغوي في شرح السنة )) ( 1/271 )
وقال إمام أهل السنة الإمام أحمد – رحمه الله تعالى - :
(( أصول السنة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله r والاقتداء بهم ،وترك البدع ،وكل بدعة ضلالة )).
أسنده ابن أبي يعلي في (( الطبقات )) ( 1/241 ) في ترجمة عبدوس بن مالك العطار .
* * *

وسائل الدعوة توقيفية
سبق ن بينا مشروعية الدعوة وحكمها وأنها عبادة عظيمة جليلة وذكرنا شروط وصحة العبادة التي يتوقف قبولها عليها .
كما ذكرنا ما يؤيد ويثبت دخول البدع ي العاديات على جهة التعبد .
وبعد هذا التمهيد الموجز ندخل في صلب موضوع الرسالة فنقول :
إن مسألة توقيفية وسائل الدعوة أو عدم توقيفيتها مسألة تنازع فيها طائفتان من العلماء المعاصرين .
فذهب طائفة إلى أن وسائل الدعوة اجتهادية ليست علي التوقيف فللداعى أن يختار ما يراه مناسباً من الوسائل التي تحقق الإصلاح والاهتداء للمدعوين ، ولو لم تكن وسيلة من وسائل الدعوة التي قام بها النبي r وصحابته الكرام.
وهذا القول يفسر أحد تفسيرين وبكل واحدٍ من التفسيرين أخذ جماعة .
التفسير الأول :
أن يكون المراد من هذا القول : أن كل طريق وأسلوبٍ يوصل إلى الغاية – وهي إصلاح العباد – يصح للداعي أن يسلكه ولو قد ورد الشرع بالنهي عنه والمنع منه ما دام يحقق تلك المصلحة .
وهذا القول على هذا التفسير هو ما يعرف باعتبار المصلحة التى شهد الشرع بإلغائها . هو قول باطل ، لأن في اعتبارها مخالفة لنصوص الشرع بالمصلحة .
( وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها ) ()
وما مستند هذا القول إلا القاعدة اليهودية الحاكمة بأن الغاية تبرر الوسيلة )) قال تعالى :
) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( (آل عمران:72)
ومن أمثلة ذلك :
تجويز الدخول على (( البرلمانات الكافرة )) بقصد الدعوة إلى الله تعالي ،وإصلاح لعباد والبلاد .
ومن المعلوم أن الدخول في(( تلك البرلمانات الكافرة )) هو في حقيقته تضييع لمقاصد الشرع في الضروريات فضلاً عن الحاجيات فضلاً عن التحسينيات. إذ هو هدم للدين من أساسه ، وتنازل عن أسمى غاياته ، وهي تحقيق توحيد الله تعالى ()
ومن أمثلة ذلك - أيضاً - :
تجويز الرقص والغناء والإضرار بالمسلم والافتراء عليه وحلق اللحى وإسبال الثياب .... في سبيل الدعوة إلى الله تعالى !!

التفسير الثاني :
أن يكون المراد من هذا القول : أن كل طريق وأسلوب يوصل إلى الغاية – وهي إصلاح العباد – يصح للداعي أن يسلكه ، بشرط عدم ورود إلغائه في الشرع .
والقول على هذا التفسير هو ما يعرف بالمصالح التي سكتت عنها الشواهد الخاصة ، فلم تشهد باعتبارها ولا بإلغائها .
ولكي يكون الكلام على ذلك القول بهذا التفسير واضحاً جلياً يجب أن يعلم أن ما سكتت عنه الشواهد الخاصة ، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه على وجهين :
أحدهما : أن لا يرد نص على وفق ذلك المعنى . بمعني أن لا يوجد للعلة جنس معتبر في تصرفات الشرع : فلا يصح حينئذ التعليل بها ، ولا بناء الحكم عليها باتفاقٍ ، ومثل هذا تشريع من القائل به ، فلا يمكن قبوله .
الثاني : أن يلائم تصرفات الشرع ، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشرع في الجملة بغير الجميلة بغير دليل معين ، وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة ()

وإذا كانت هذه المصلحة تلائم تصرفات الشرع فإننا ننظر : هل المقتضي لقطعها لفعلها كان موجوداً على عهد رسول اللهr أو غير موجود .
( فكل أمر يكون المقتضي لفعله علي عهد النبي r موجوداً – لو كان مصلحة – ولم يفعل : يعلم أنه ليس بمصلحةٍ.
وأما ما حدث المقتضي بعد موته – من غير معصية الخالق – فقد يكون مصلحة ) ()
هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في ضابط التفريق بين البدع والمصالح المرسلة .
إذا تقرر هذا فإن هناك سؤلاً لابد من الإجابة عنه هنا ، هو :
هل الشريعة تهمل مصلحة ما للعباد ؟
وفي الجواب عن هذا السؤال يقول شيخ الإسلام عندما تكلم عن المصالح المرسلة وذكر الخلاف فيها ، وقال عنها :
( والقول بالمصالح المرسلة يشرع في الدين ما لم يأذن به الله غالباً )
قال ( والقول الجامع : أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة ، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي r وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك .
لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأخذ الأمرين لازم له :
أما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر .
أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة .
وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة ) () اهـ .
وهذا لا يقتضى إنكار(( المصالح المرسلة )) بل هي حق لا يصار إليها إلا عند توفر ضوابطها التي نص عليها أهل العلم وإذا تقيد الناظر بهذه الضوابط فإنه سيرى أن المصلحة المرسلة ( راجعة إلى أدلة الشرع ) ()
فجمع المصحف دل عليه قوله تعالى :
)إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ( (القيامة:17)

فإن قيل : فلماذا لم يفعله رسول الله r؟ قلنا : لوجود المانع ، وهو أن القرآن كان يتنزل عليه طيلة حياته ، وقد ينسخ الله – سبحانه – منه ما يريد . فلما انتفي المانع ، فعله الصحابة باتفاق ، و النبي r يقول : (( لا تجتمع أمتي علي ضلالة )) .
وتدوين العلم دل عليه قولهr
(( قيدوا العلم بالكتابة )) () .
وهكذا يرد من مسائل المصالح في كتب الأصول .
وإذا علم ما تقدم فإننا نرجع إلى ذلك التفسير فننقضه بما قرره شيخ الإسلام في فتوى طويلة له يبين فيها أن الشرع لم يغفل وسيلة من وسائل الدعوة التي يهدي الله بها الضالين ، فيقول – رحمه الله تعالى - :
( ... إذا عرف ذلك فمعلوم أنما يهدي الله بها الضالين ، فيقول – رحمه الله تعالى - :
( .... إذا عرف هذا فمعلوم أنما يهدي الله به الضالين ، ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين : لابد أن يكون فيما بعث الله به ورسوله من الكتاب والسنة ، و إلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول r لا يكفي في ذلك ، لكان دين الرسول ناقصاً محتاجاً تتمة .
وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها إيجاب أو استحباب . والأعمال الفاسدة نهى الله عنها .
والعمل إذا أشتمل علي مصلحة لم يشرعه ، بل نهى عنه ..
وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقرباً إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لابد أن يكون ضرره أعظم من نفعه . و إلا فلو كان نفعه أعظم من ضرره لم يهمله الشارع . فإنهr حكيم ، لا يهمل مصالح الدين ، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين ...
فلا يجوز أن يقال : أنه في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيهr ما يتوب به العصاة .
فإنه قد علم الاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية ) . اهـ. كلامه – رحمه اله تعالى - ، وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى .
وإذا كان الأمر كذلك – وهو كذلك – فلم يلجأ الداعي إلى وسائل لم ترد في الشرع ، مع أن ما ورد في الشرع كاف لتحصيل الغاية من الدعوة إلى الله تعالى ، وهي تتويب العصاة . وهداية الضلال ؟ !
ومما لا ريب فيه أن الوسائل الشرعية التي هدى الله بها العرب إلى دينه . وهي استقامت بها القرون المفضلة . وهي أساس كل نشأةٍ سلفية على الأرض .
فهي كفيلة بإخراج مجتمعاتٍ تحقق الإسلام كما كان أول الأمر .
ولذا كان الصحابة – y– أحرص الناس على التمسك بهذه الوسائل ، وأشد الناس إنكاراً لما يحدث فيها ، كما هو معلوم من سيرهم وأخبارهم .
وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – كما في رواية عبدوس بن مالك - :
(( أصول السنة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب رسول اللهrوالإقتداء بهم . وترك البدع ، وكل بدعة ضلالة )). ا هـ.
وأخرج ابن الجوزي في (( تلبيس إبليس )) ( ص 9 ) ، عن الأوزعي – رحمه الله – أنه قال :
اصبر نفسك على السنة ، وقف حيث وقف القوم ، وقل بما قالوا ، وكف عما كفوا عنه ، واسلك سبيل سلفك الصالح ، فإنه يسعك ما وسعهم )).اهـ.
فإن كان ما وسع أصحاب محمد r في وسائل الدعوة لا يسع بعض المنتسبين إلى الدعوة ، فأحد الأمرين لازم لهم :

أما أنهم أهدى من أصحاب محمد r.
أو أنهم أتو ببدعةٍ مفضلة ... وكلا الأمرين عظيم .
ألا فليسع الدعاة إلى الله – تعالى – ما وسع أصحاب محمد r في تلك الوسائل : فإنهم – y– عن علمٍ يردون ويصدرون .
ويقول ابن مسعود – t- :
(( أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم ، فإذا رأيتم محدثه فعليكم بالأمر الأول )) . رواه الدارمي في (( سننه )) ( 1/56 ) .
وروى عنه – أيضاً – ( 1/63 ) أنه يوصي الرجال والنساء فيقول : (( من أدرك منكم امرأة أو رجل : فالسمت الأول السمت الأول )) وروى الدارمي ( 1/50 ) عنه – أيضاً – أنه قال :
(( إياكم والتبدع ، وإياكم والتنطع ، وإياكم والتعمق ، وعليكم بالعتيق )).
وأخرج ابن وضاح في (( البدع والنهى عنها )) ( ً 2 ) ، عن حذيفة – t - ، أنه قال :
(( اتبعوا سبلنا ، ولئن اتبعتمونا قد سبقتم سبقاً بعيداً ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالاً بعيداً ))
ففي هذه الآثار إرشاداً إلى سلوك الجادة عند فشو البدع وظهور المحدثات . وذلك في قول ابن مسعود : (( وعليكم بالعتيق )) ، وقول حذيفة : (( اتبعوا سبلنا )).
فرد الأمور إلى ما كان عليه رسول اللهr وصحابته الكرام هو العاصم من التلطخ بأوضار الأهواء . إذ على أقوالهم وأفعالهم توزن الأقوال والأفعال فما وافقها فهو المقبول ، وما خالفها فهو المردود .
يقول النبي r عن رسم الفرقة الناجية :
(( ما أنا عليه وأصحابي )) . أخرجه الترمذي ، وهو حديث حسن .
ورحم الله عمر بن عبد العزيز – أمير المؤمنين – إذ يقول في وصيته العظيمة :
(( فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم ، فإنهم علي علمٍ وقفوا ، وببصرٍ نافدٍ كفوا ، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى .
فإن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه ، ولئن قلتم ( إنما حدث بعدهم ) : ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم .
فإنهم هم السابقون ، فقد تكلموا فيه بما يكفي ، ووصفوا منه ما يشفى ، فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر . وقد قصر قوم دونهم فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا . وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم )).
أخرجه أبو داود في كتاب السنة من (( سننه )) ( 5/19 ) ، وابن وضاح في (( البدع والنهي عنها )) ( ص 30 ) والآجري في (( الشريعة )) ( ص 233 )، وأبو نعيم في (( الحلية )) ( 5/338 )
وفي رد بعض المحدثات يقول العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين – رحمه الله تعالى - :
( فلو كان خيراً يحبه الله لسبقنا إليه أصحاب محمد r ، فإنهم كفوا من بعدهم ، كما قالوا : (( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم )) فإنهم – y– بالخير أعلم ، وعليه أحرص .
فمن ابتدع شيئاً يتقرب به إلى الله لم يجعله الله ورسوله قربة : فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله :
)أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ( (الشورى: من الآية21)
واستدرك على أصحاب محمد r، بأنهم لم يعلموا ما عمله أو أنهم يعملوا بما علموا فلزمه استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أو تقصيرهم في العمل .
فهم - y– قد كفوا من بعدهم ،والخير في الإتباع والشر في الابتداع ) . انتهى من (( الدرر السنية )) ( 7/50 ) .
تنبيه مهم :
ثمة أمر يتعلق بأمر المصالح – لا بد من ذكره هنا إذ قد أغفله كثير من القائلين بالمصالح ، ولو التزم بما حصلت تلك الفوضى التي نعيشها الآن في أمور المصالح – ألا وهو : أن تحديد المصلحة في أمرٍ ما ، صعب جداً ، فقد يظن الناظر أن هذا مصلحة وليس الأمر كذلك
ولذا فإن الذي يتولى تقدير المصلحة : أهل الاجتهاد الذين تتوفر فيهم العدالة والبصيرة النافذة بأحكام الشريعة ومصالح الدنيا إذا الاستصلاح يحتاج :
( إلى مزيد الاحتياط في توخي المصلحة ، وشدة الحذر من غلبة الأهواء ، لأن الأهواء كثيراً ما تزين المفسدة فترى مصلحة ، وكثيراً ما يغتر بما ضرره أكبر من نفعه ) ()
وفى هذا المعني يقول الشيخ عمر الفارسي في رسالة (( الوقف ))
( وأني للمقلد أن يدعي غلبة الظن أن هذه المصلحة فيها تحصيل مقصود الشارع ، وأنها لم يرد في الشرع ما يعارضها ، ولا ما يشهد بإلغائها ، مع أنه لا بحث له في الأدلة ، ولا نظر له فيها ؟ ! وهل هذا إلا اجتراء على الدين ، وإقدام على حكمٍ شرعي بغير يقين ) () . ا هـ.
وهذا إنما سقته ليعلم المتجرؤون على الخوض في (( تقرير المصالح )) وعورة ما سلكوه ، وصعوبة ما امتطوه ، فليتخلوا عنه لأهله الأشداء وأربابه الأقوياء.
وبهذا الكلام نكون قد أنهينا الكلام على القول الأول ، وهو أن وسائل الدعوة اجتهادية . وسيأتي – إن شاء الله – إيراد بعض الحجج التي تعلق بها أصحاب هذا القول مع الرد عليها في آخر الرسالة.
القول الثاني :
إن وسائل الدعوة توقيفية ، لا يحل لأحد أن يشرع فيها ما لم يأذن به الله ، وهو ما كان عليه رسول اللهr وأصحابه .
وهذا هو القول الحق الذي شهدت به النصوص ، وقام عليه عمل السلف الصالح ، رضوان الله عليهم أجمعين .
والحجة في ذلك مبنية على المقدمات التالية :
المقدمة الأولى :
أن الله – سبحانه وتعلي – أكمل الدين وأتم نعمته على عباده . كما قال تعالي : ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)
قال الإمام مالك - رحمه الله تعالي - :
(( من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول اللهr خان الدين ، لأن الله تعالى يقول : : ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)
المقدمة الثانية :
أن الله تعالى أوجب طاعة الرسول r، وعلق سعادة العبد بها ونهى عن معصيته ورتب شقاوة العبد عليها.
:
)وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً( (النساء:69)
وقال تعالى) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً( (الجـن: من الآية23)

المقدمة الثالثة
أن النبي r أمر بكل خير ونهى عن كل شر ، وأحل الطيبات وحرم الخبائث ، كما قال تعالى في صفته :
)ِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (لأعراف:157)
وقال تعالى فيهr
) وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ & صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ( (الشورى:52 ،53)

وعن أبي ذر – t – قال :
(( لقد تركنا رسول اللهr وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً ))
رواه أحمد والطبراني وزاد :
فقال النبي r:
(( ما بقي شيء يقرب من الجنة ويبعد من النار إلا وقد بُين لكم )).
وفي حديث مسلم من حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي r قال :
(( ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم )).
وفي بعض ألفاظ حديث العرباض بن سارية أن النبي r قال : (( تركتكم علي البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك )) . رواه ابن ماجة .
وأخرج ابن ماجه - أيضاً –عن أبي الدرداء – tأن النبي r قال :
(( .. وايم الله : لقد تركتكم علي مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء ))
واخرج الطبراني عنه – t – أنه قال (( لقد تركنا رسول الله r وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكرنا منه علماً )).
إذا تقرر هذا فإنا نقطع بأن النبي r بين لأمته وسائل الدعوة سواء بالقول أو بالفعل أو بهما إذ كيف يبينr آداب قضاء الحاجة ونحو ذلك ويدعوا وسائل لدعوة التي لا قيام للإسلام إلا بها؟
وبما أنه عليه الصلاة والسلام قد بين ذلك ، فإن بيانهr هو الطريقة الشرعية التي يرشد بها الغاوى ويهدى بها التائه .
وهي الطريقة التي أخرج بها النبي r الناس من الظلمات إلي النور ، وهداهم بها إلي التي هي أقوم . وسلكها من بعده صحابته الكرام وتابعوهم بإحسان وأشتد نكيرهم على من خالفها من الدعاة ، وأحدث فيها .
فليس من سبيل في إيجاد مجتمع كمجتمعهم إلا بهذه الوسائل الشرعية والطرق السلفية ، كما قال الإمام مالك – رحمه الله تعالى - : (( لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها )).
فالزيادة عليها زيادة في الشرع ،وخروج عن سبيل المؤمنين وقد قال النبي r (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))
وأنا أذكر أمرين من وسائل الدعوة – على وجه التمثيل لا الحصر – اشتد إنكار السلف لهما مع ما فيها من النفع . وذلك لأنهما لم يكونا من وسائل الدعوة النبوية ، وإنما أحدثا بعد النبي r ليعلم طالب الحق أن السلف مضوا على القول بتوقيف وسائل الدعوة .
الأمر الأول : حديث القصاص :
قال ابن الجوزي :
( القاص هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها ، والشرح لها ، وذلك القصص .
وهذا في الغالب عبارة عمن يروى أخبار الماضين .
وهذا لا يذم نفسه ، لأن في إيراد أخبار السالفين عبره لمعتبر وعظة لمزدجر واهتداء بصواب لمتبع.
وإنما كره بعض السلف القصص لأحد ستة أشياء :
أحدهما أن القوم كانوا علي الإقتداء والإتباع فكانوا إذا رأو ما لم يكن على عهد رسول اللهr أنكروه ) () .اهـ.
وقال الحافظ زين الدين العراقي – رحمه الله تعالى – في كتابه المسمى : (( الباعث علي الخلاص من حوادث القصاص )) بعد أن ساق حديث العرباض بن سارية المشهور :
فكان مما أحدث بعدهr ما أحدثه القصاص بعده ، مما أنكره جماعة من الصحابة عليهم كما سيأتي .
وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله r قال :
(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))
وروى ابن ماجه في سنده عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال :
(( لم يكن القصص في زمن رسول اللهr ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر )).
وروى الإمام أحمد والطبراني عن السائب بن يزيد ، قال (( إنه لم يكن يقص على عهد رسول اللهr ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر )).
وروى الطبراني عن عمرو بن زرارة قال :
وقف علي عبد الله بن مسعود وأنا أقص . فقال (( يا عمرو ! لقد ابتدعت بدعة ضلالة ، أو إنك لأهدى من محمدr وأصحابه ) () . اهـ.
وأخرج ابن وضاح في كتابه (( البدع والنهى عنها )) () بسنده إلى الضحاك أنه قال :
(( رأيت عمر بن عبد العزيز يسجن القصاص ، ومن يجلس إليهم )).
وفيه – أيضاً – عن همام بن الحارث التيمي قال :
(( لما قص إبراهيم التيمي : أخرجه أبوه من داره ، وقال ما هذا الذي أحدثت ))
وفيه – أيضاً – عن معاوية بن قرة أنه قال :
(( كنا إذا رأينا الرجل يقص قلنا : هذا صاحب بدعة )) . ا هـ.
وفيه – أيضاً – أن عمر بن علاء اليماني سأل سفيان الثوري ، فقال : يا أبا عبد الله أستقبل القصاص ، فقال سفيان : (( ولو البدع ظهوركم ))
فتأمل ما كان عليه السلف من التشنيع علي القصاص والتحذير منهم، وتبديعهم ، جزاء ما أحدثوه في دين الله ، مع أن يقومون به قد يحصل به نفع فيتذكر به غافل ، وينجز به فاسق : لكن لما كان هذا التذكير وهذا الزجر غير واردين في سنة المصطفيr كان ضررهما أشد من نفعهما وكان القائم بهما مبتدع في شرع الله تعالى ()
الأمر الثاني : السماع المجرد :
والسماع المجرد هو : تلحين بعض الصائد ، والترنم بها بقصد إصلاح القلوب ، وهداية الضال ، وجذب المعرض عن الذكر إلى الخير والصلاح .
يقول شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى - ، عن هذا السماع :
( فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك : أما نشيد مجرد ، نظير الغبار . وإما بالتصفيق ، ونحو ذلك :
فهو السماع المحدث في الإسلام ، فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثني عليهم النبي r حيث قال (( خير القرون القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ))
وقد كرهه أعيان الأمة ، ولم يحضره أكابر المشايخ .
وقال الشافعي – رحمه الله تعالى - :
(( خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه : التغبير ، يصدون به الناس عن القرآن )).
وسئل عنه الإمام أحمد بن حنبل ، فقال : (( هو محدث أكرهه ))
قيل له أنه يرق عليك القلب .
فقال : (( لا تجلسوا معهم )) .
قيل له : أيهجرون ؟
فقال : (( لا يبلغ بهم هذا كله )).
فبين أنه بدعة لم يفعلها القرون الفاضلة ، لا في الحجاز ، ولا في الشام ، ولا في اليمن ، ولا في مصر ، ولا في العراق ، ولا خراسان .
ولو كان للمسلمين به منفعة في دينهم لفعله السلف .
... إلى أن قال – رحمه الله تعالى - :
وبالجملة فعلى المؤمن أن يعلم أن النبي r لم يترك شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث به ولا شيئاً يبعد عن النار إلا وقد حدث به .
وإن هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله ورسوله ، فإن الله تعالى يقول :
) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)
وإذا وجد فيه منفعة لقلبه ، ولم يجد شاهد ذلك لا من الكتاب ولا من السنة : لم يلتفت إليه .
قال سهل بن عبد الله التستري :
(( كل وجدٍ لا يشهد له الكتاب والسنة فهو : باطل ))
وقال أبو سليمان الداراني :
(( إنه لتلم بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة ))
وقال أبو سليما ن – أيضاً - :
(( ليس لمن ألهم شيئاً من الخير أن يفعله حتى يجد فيه أثراً . فإذا وجد فيه أثراً كان نوراً علي نور ()
فتأمل أيها اللبيب هذا الكلام ، وانظر فيه بعين الإنصاف ، يتجلى لك ما كان عليه السلف – y– من إنكار كل وسيلة ليس فيها أثر عن رسول اللهr حتى ولو كانت نافعة ، تُلين القلب ، وترغب المعرض عن الحق فيه ... ونحو ذلك من الفوائد : لأننا نقطع بأن النبي r بين لنا كل شيء ولو كانت هذه الوسيلة مصلحة للعباد لما تركها الشارع ، بل لأمر بها أمر إيجاب أو استحباب .
والمؤمن الذي عظمت في نفسه السيرة المحمدية ، ورأى فيها الكمال المطلق : هو الذي يقبل هذا الكلام ، ويسلم به .
أما من انطوت نفسه على غير ذلك ، فهو الذي يبحث عن وسائل محدثة ليتم بها الشرع ، وليكمل بها الدين . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
يقول الله تعالى :
)إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ & وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ( (النور:51 ،52 )

وقال تعالى :
) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً( (النساء:61)

إلى قوله تعالى :
) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ( (المائدة:65)
وإذا ذكرنا أمرين مما أحدث في وسائل الدعوة قديماً ، فأنكروها السلف ، فإننا نذكر – الآن – أمرين مما أحدث في وسائل الدعوة حديثاً اشتد نكير علماء السنة أهل الحديث السلفيين لهما ، لما فيها من الابتداع ، والخروج عن منهج رسول اللهr .
الأمر الأول : التمثيل:
الذي اتخذه بعض الجهال ، أو الضلال وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالي .
وقد أنكر(( التمثيل ))جماعة من المحققين ، وكتبوا فيه كتاباً ، وأصدروا فيه فتاوى تقضى بتحريمه وإبطاله .
كما أنكروا إدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى لكونه من المحدثات في شرع الله تعالى :
فمن ذلك قول الشيخ حمود بن عبد الله التويجري – رحمه الله تعالى - :
( إن التمثيل في الدعوة إلى الله تعالى ليس من سنة رسول اللهr ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وإنما هو من المحدثات في زماننا .
وقد حذر النبي r من المحدثات ، وأمر بردها ، وأخبر أنها شر وضلالة .
فمن النصوص الواردة في ذلك قول النبي r :
(( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) رواه الإمام أحمد .
وهذا الحديث أصل من الأصول في المنع من التمثيل ،ومن إدخاله في الدعوة إلى الله تعالى ، لأنه لم يكن من سنة رسول اللهr ولا من سنة الخلفاء الراشدين .
ومن النصوص الواردة في ذلك – أيضاً – ما جاء في حديث جابر بن عبد الله – t – أن رسول اللهr كان إذا خطب يقول :
(( أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمدr وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) .
رواه أحمد ومسلم وابن ماجه ، والدارمى .
وقد رواه بإسناد جيد ولفظه : (( إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار )).
وهذا الحديث أصل في المنع من التمثيل ، ومن إدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى ، لأنه لم يكن من هدى رسول اللهr وإنما هو من المحدثات التي أحدثت في القرن الرابع عشر من الهجرة ...
ومن النصوص الواردة في ذلك : ما جاء في الصحيحين )) عن عائشة رضي الله عنها - ، أن النبي r قال :
(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))
وفي رواية لأحمد ، ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به :
(( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))
وفي رواية لأحمد وإسنادها صحيح علي شرط مسلم :
(( من صنع أمراً من غير أمرنا فهو رد ))

وهذه الرواية والتي قبلها كل واحدة منها تقطع دابر الشبه التي يتعلق بها المبيحون للتمثيل ....
وإذا علم هذا فليعلم – أيضاً – أنه لا يمكن لأحدٍ أن يقول أن التمثيل مصنوع بأمر النبي r ، وأنه قد أمر بإدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى .
ومن كابر وزعم أنه مصنوع بأمر النبي rوأن النبي r قد أمر بإدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى فعليه إبراز الأمر النبوي الذي ينص علي ذلك ، ولن يجد إليه سبيلا ) ()

الأمر الثاني البيعة البدعية عند الجماعات الإسلامية :
وهذه البيعة مما أحدثوه في وسائل الدعوة إلى الله تعالى ، وقد أنكرها جماعة من المحققين وكتبوا فيها كتاباً تقضي بإبطالها ، وضلالتها . فمن ذلك قول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد – حفظه الله تعالى - :
( ... أما وسيلة محدثة يتعبد بها ، فلا . فمن تلك الوسائل التي تهجن الدعوة وتثير الشغب ، وتجعل الأمة شيعاً ، تلكم البيعة البدعية الممتدة من معين المتصوفة إلى مستحدث بعض الجماعات الإسلامية )) وهكذا الأهواء يجر بعضها بعضاً
وعليه فاعلم أن في الإسلام بيعة واحدة في الإمامة العظمى ، وهي البيعة الجامعة ، تنعقد بموافقة أهل الشوكة والحل والعقد في الأمة .
سواء حصلت تلك البيعة بطريق محبوب إلى الله ورسولهr ، كبيعة الخلفاء الراشدين – y– أو بطريق الغلبة .
وهذه هي التي يحصل بها للإمام ولي أمر المسلمين مقاصد الولاية : القدرة والسلطان ، والشوكة ،والمنعة فيقيم حكم الإسلام ، كإقامة الحدود ، وقسمة الأموال ، ونصب الولاة ، وجهاد العدو ، وإقامة الحج والأعياد ، والجمع والجماعات ، وغير ذلك من مقاصد الولاية المحمودة برسم الشرع .
وما زال أمر الأمة على هذا ماضياً ، لا يعرفون بيعة لمن هو دون مرتبة الإمامة الكبرى .
ثم خلفت خلوف ، وبانت أور جرت على الأمة كباكب من البدع وأهواء ، فجرت بدعة الطرقية (( البيعة الرضائية )) ويقال : (( البيعة الاستثنائية )) ويقال : (( عهد المشايخ )) ، ويقال : (( عقد الطريق )) ويقال :
(( ميثاق الطريق )) وهذه بيعة بدعية محدثة ، لا دليل عليها من كتاب ،ولا سنة ، ولا عمل صحابي .
وقد أنكرها جماعة من العلماء ، وشددوا النكير على فعلتها ، وأنه لا أصل لها .
ثم أنتقلت بمسلاخ آخر إلي بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة حتى بلغ الحال إلى وجود جماعات من ورائها عدد من العهود والبيعات في بلد واحد .
وكل واحدة منها تدعو إلى ما هي عليه دون ما عليه الأخرى . فضاع من بينهم الميثاق النبوي لجماعة المسلمين (( ما أنا عليه وأصحابي ))
وهكذا تقطع جسم الأمة الإسلامية بين بيعات طرقية في أجواف الزوايا إلى بيعات حزبية في المواجهة .
وصار الشباب في حيرة إلي أي حزب ينتمي ، ولأي رئيس تنظيم يبايع ... ) ()

أبو زرعة الرازي
03-05-08, 03:10 PM
تــــــــــابع
ائل الدعوة وإنها إنما تكون علي منهاج النبوة .
ومن أحسن من قرر ذلك ، وبسطه واستدل له عقلاً ونقلاً : شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في جواب سؤال ورد عليه ، وهذا نصه :
سئل شيخ الإسلام عن (( جماعة )) يجتمعون على قصد الكبائر من القتل وقطع الطريق ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وغير ذلك .
ثم ن شيخاً من المشايخ المعرفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك .
فلم يمكنه إلا أنه يقيم لهم سماعاً يجتمعون فيه بهذه النية وهو بدُف بلا صلاصل ، وغناء المغني بشعر مباحٍ بغير شبابة .
فلما فعل هذا تاب منهم جماعة ، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات ، ويؤدي المفروضات ، ويجتنب المحرمات .
فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه ، لما يترتب عليه من المصالح ؟
مع أنه لا يمكنهم دعوتهم إلا بهذا ؟
فأجاب :
الحمد لله رب العالمين .
أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها : أ، يعلم أن الله بعث محمدr بالهدى ، ودين الحق ، ليظهره علي الدين كله ، وكفي بالله شهيداً . وأنه أكمل له ولأمته الدين ، كما قال تعالى :
) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)
وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه والشقاوة لمن عصاه ، فقال تعالى :
) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً( (النساء:69)
وقال تعالي
) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً( (الجـن: من الآية23)
وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به ، كما قال تعالى :
) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( (النساء:59)
وأخبر أنه يدعو إلى الله وغلى صراطه المستقيم ، كما قال تعالى :
)قلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي( (يوسف: من الآية108)
وقال تعالى :
) وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ & صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( (الشورى:52، 53 )

وأحب أنه يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث . كما قال تعالى :
) وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ&الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (لأعراف:156 ، 157)

وقد أمر الله الرسولr بكل معروف ونهى عن كل منكر وأحل كل طيب وحرم كل خبيث . وثبت عنهr في (( الصحيح )) أنه قال :
(( ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم )).
وثبت عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول اللهr موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون قال فقلنا يا رسول الله ! كأن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ، فقال :
(( أوصيكم بالسمع والطاعة ، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً . فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور . فإن كل بدعة ضلالة )).
وثبت عنهr ، أنه قال :
(( ما تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به )).
وقال :
(( تركتكم علي البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك )).
وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة وترجم عليه أهل العلم في الكتب : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة )) كما ترجم عليه البخاري والبغوي وغيرهما ، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين ، وحزبه المفلحين ، وجنده الغالبين ، وكان السلف - كمالك وغيره - ، يقولون : السنة كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق . وقال الزهري : كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة .
إذا عرف هذا فمعلوم أنما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين ولابد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة ، و إلا فإنه لو كان ما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسولr لا يكفي في ذلك لكان دين الرسول ناقصاً ، محتاجاً تتمة . وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب . والأعمال الفاسدة نهى الله عنها .
والعمل إذا أشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم . فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه ، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه ، بل نهى عنه ، كما قال تعالى :
) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ( (البقرة:216)
وقال تعالى :
)يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ( (البقرة: من الآية219)
ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك .
وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقرباً إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله ، فإنه لابد أن يكون ضرره أعظم من نفعه ، و إلا فلو كان نفعه أعظم غالباً على ضرره لم يهمله الشارع ، فإنهr حكيم لا يهمل مصالح الدين ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين .
إذا تبين هذا فنقول للسائل : أن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر ، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعى ، يدل أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة أو عاجز عنها ، فإن الرسولr والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية ، التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية .
قلا يجوز أن يقال : أنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة ، فإنه قد علم بالإضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعى ، بل السابقون الأولون ن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان – وهم خير أولياء الله المتقين ، من هذه الأمة – تابوا إلى الله تعالي بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية . وأمصار المسلمين وقراهم قديماً وحديثاً مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه ، وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية ، لا بهذه الطرق البدعية .
فلا يمكن أن يقال : أن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية بل قد يقال : أن في الشيوخ من يكون جاهلاً بالطرق الشرعية عاجزاً عنها ، ليس عنده علم بالكتاب والسنة ، وما يخاطب به الناس ، ويسمعهم إياه ، مما يتوب الله عليهم ، فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية إما مع حسن القصد – إن كان له دين – وإما أن يكون غرضه الترأس عليهم ، وأخذ أموالهم بالباطل ... – إلى أن قال - :
وقول السائل وغيره : هل هو حلال ؟ أو حرام ؟ لفظ مجمل فيه تلبيس ، ويشتبه الحاكم فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه وذلك لأن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين .
أحدهما : أنه هل هو محرم ؟ أو غير محرم ؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس ، وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها ، مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو ، لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله .
والنوع الثاني : أن الله يفعل على وجه الديانة ، والعبادة ، وصلاح القلوب ، وتجريد حب العباد لربهم ، وتزكية نفوسهم ، وتطهير قلوبهم ، وأن تحرك من القلوب الخشية ،والإنابة ، والحب ورقة القلوب ، وغير ذلك مما هو جنس العبادات ، والطاعات ، لا من جنس اللعب والملهيات .
فيجس الفرق بين سماع المتقربين ، وسماع المتلعبين ، وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس ، والأفراح ، ونحو ذلك من العادات وبين السماع الذي يفعل لصلاح القلوب ، والتقرب إلى رب السماوات فإن هذا يسأل عنه : هل هو قربة وطاعة ؟ وهل هو طريق إلى الله ؟ وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم ،وتحريك وجدهم لمحبوبهم ، وتزكية نفوسهم ، وإزالة القسوة عن قلوبهم ، ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد بالسماع ؟ كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة والطاعة ، لا على وجه اللهو واللعب .
إذا عرف هذا فحقيقة السؤال () هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي : أما محرمة ؟ أو مكروهة ؟ أو مباحة ؟ قربة وعبادة وطاعة ، وطريقة إلى الله يدعوا بها إلى الله ، ويتوب العاصين ، ويرشد به الغاوين ، ويهدي به الضالين .
ومن المعلوم أن الدين له (( أصلان )) فلا دين إلا ما شرع الله ، ولا حرام إلا ما حرمه الله . والله تعالي عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله ، وشرعوا ديناً لم يأذن به الله ...) () .اهـ.

هذا ما قرره شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – وهو في غاية الوضوح والصراحة ، إذ حقيقة السؤال الذي وجه إليه :
هل يباح لذلك الشيخ الذي أراد إصلاح أولئك العصاة ، أن يتخذ في سبيل إصلاحهم أي وسيلة تؤدي إلى هذا الغرض :
محرمة كانت .
أو مكروهة .
أو مباحة .
فأقام – رحمه الله تعالى – الحجج على القطع بتحريم أي وسيلة ليست شرعية ثبت أن النبي r استخدمها حتى لو كانت مباحة في أصل الشرع ()
وذلك التزاماً بالقاعدة الصلبة عند أهل السنة والجماعة : ألا نعبد إلا الله ، ولا نعبده إلا بما شرع على لسان رسولهr .
وهذا الذي قرره شيخ الإسلام قرره غير واحد من العلماء المحققين .
يقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – حفظه الله تعالى – ( ومن المعلوم أن هذه العوامل قام بها نبينا محمدr في مكة أولاً ثم في المدينة ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا الذي صلح به أولها ، كما ثال أهل العلم والإيمان ، ومن جملتهم الإمام مالك بن أنس قال هذه المقالة ، وتلقاها أهل العلم في زمانه وبعده ، ووافقوه عليها جميعاً : لن يصلح أخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .
والمعني الذي صلح به أولها ، وهو إتباع كتاب الله وسنة رسولهr : هو الذي يصلح به آخرها إلى يوم القيامة .
ومن أراد صلاح المجتمع الإسلامي ، أو صلاح المجتمعات الأخرى في هذه الدنيا بغير الطريق والوسائل والعوامل التي صلح بها الأولون فقد غلط ، وقال غير الحق .
فليس إلي غير هذا من سبيل ،وإنما السبيل إلى إصلاح الناس وإقامتهم على الطريق السوي ، هو السبيل الذي درج عليه نبينا محمدr ودرج عليه صحابته الكرام ، ثم أتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا ) () اهـ.
وقد قرر هذا الأمر- أيضاً – تقريراً بيعاً الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في كتابه (( تحذير العاقل النبيل مما لفقه المبيحون للتمثيل )) وكلامه هنا إن كان خاصاً بوسيلة (( التمثيل ))المحدثة ، إلا أنه يعد تأصيلاً قوياً يرد به كل وسيلة محدثة .
قال – رحمه الله – في الرد علي صاحب رسالة (( حكم التمثيل في الدعوة إلى الله )):
فصل :
ومن زلات صاحب النبذة زعمه في صفحة ( 13 ) أن التمثيل من وسائل الدعوة والتعليم المشروعة .
والجواب على هذه الزلة العظيمة من وجوه :
أحدهما : أن يقال أن المشروع ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسولهr وليس في القرآن ولا في السنة نص يدل على مشروعية التمثيل ، وحيث لم يكن في القرآن ولا في السنة نص يدل على مشروعية التمثيل فإن دعوى مشروعيته دعوى باطلة مردودة .
الوجه الثاني : أن يقال إن دعوى مشروعية التمثيل دعوى خطيرة جداً لأنها تتضمن الافتراء على الله وعلى رسولهr وذلك من أظلم الظلم وأعظم المحرمات .
الوجه الثالث : أن يقال أن دعوى مشروعية التمثيل تقتضى إدخاله في الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم ، وهذا من الزيادة في الدين والشرع فيه بما لم يأذن به الله وقد ورد الوعيد الشديد على هذا والنص على أنه من الظلم . قال تعالى :
)أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (الشورى:21)
الوجه الرابع : أن يقال أن دعوى مشروعية التمثيل تتضمن الطعن على رسول اللهr وعلى أصحابه بأنهم أهملوا أمراً من الأمور المشروعة في دعوة الناس وتعليمهم فلم يعملوا به ولم يرشدوا الناس إليه ، وما أعظم الخطر في الأمور التي تتضمن الطعن على رسول اللهr وعلى أصحابه – y- ، وقد ذكر الشاطبي في كتاب (( الاعتصام )) ما رواه ابن حبين عن ابن الماجشون قال : سمعت مالكاً يقول : (( من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدr خان الرسالة لأن الله يقول :
) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( (المائدة: من الآية3)
فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً )) وذكره الشاطبي في موضع أخر من كتاب (( الاعتصام )) ولفظه : قال مالك : (( من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول اللهr خان الرسالة )) وذكر بقية كلامه بمثل ما تقدم .
وإذا كان هذا قول ما لم فيمن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فكيف بمن يرى في بدعة التمثيل التي قد أحدثت في آخر هذه الأمة أنها من وسائل الدعوة والتعليم المشروعة . فهذه المجازفة التي قيلت من غير تثبت ولا تعقل أعظم بكثير مما شدد فيه الإمام مالك – رحمه الله تعالى – فلينتبه صاحب النبذة لما يلزم على هذه الجملة الخطيرة من الطعن على رسول اللهr وليتأمل كلام الإمام مالك فإنه مهم جداً وليتق الله تعالى وليعلم أن الشرع في الدين خطير جداً ، ولا يأمن أن يكون له نصيب من قول الله تعالى :
)أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (الشورى:21)
ولا يأمن – أيضاً – أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى :
) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ( (النحل:25)
وأن يكون له نصيب كامل مما جاء في قول النبي r (( من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً )).
رواه الإمام أحمد وأهل السن من حديث أبي هريرة – t- ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وصححه أيضاً ابن حبان .
وروى الإمام أحمد وأبو داود أيضاً بأسانيد جيدة عن أبي هريرة – t– أن رسول اللهr قال : (( من أفتي بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على من أفتاه )).
رواه الحاكم بنحوه وقال : صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه .
وروى الإمام أحمد – أيضاً – وابن ماجة والدارمي بأسانيد جيدة أن رسول اللهr قال : (( من أفتي بفتيا غير غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه )).
فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من التسرع إلى الفتيا بغير علم ، فإن عاقبة التسرع إلى الفتيا خطيرة على أهل العلم ولا يأنف العاقل أن يقول في الشيء الذي يخفى عليه : لا أعلم ، أو لا أدري فقد قال بعض السلف : (( لا أدري نصف العلم )).
الوجه الخامس : أن يقال أن الله تعالى قد أمر رسولهr أن يدعوا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة . قال بعض المحققين من المفسرين : الحكمة هي الكتاب والسنة ، والموعظة الحسنة هي ما جاء في القرآن من الزواجر والوقائع بالناس . فهذا هو هدى رسول اللهr في الدعوة والتعليم فأما التمثيل الذي يفعله بعض الناس في زماننا ويزعمون أنه من وسائل الدعوة والتعليم المشروعة فليس مما أمر الله به في كتابه وليس من هدى رسول اللهr ولا من عمل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ومن خالف هدى رسول اللهr وطريقة أصحابه في الدعوة والتعليم فإنه يخشى عليه أن يكون داخلاً في عموم قول الله تعالي :
) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً( (النساء:115)
) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً( (النساء:115)
) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً( (النساء:115)
فليحذر المؤمن الناصح لنفسه أن يكون من أهل هذه الآية وهو يحسب أنه من المهتدين () اهـ.
وفي تقرير أن وسائل الدعوة توقيفية ، يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد – حفظه الله تعالى - :
( فالدعوة تتكون من وسيلة وغاية .
فحقيقة الدعوة (( الغاية )) توقيفية ، لا مجال للاجتهاد فيها .
حقيقة الدعوة أمر ثابت لا يتغير
حقيقة الدعوة أمر ثابت لا يتحول
حقيقة الدعوة أمر ثابت لا يتغير بتغير الأزمان والمكان والأحوال . والأصل في وسائل نشر الدعوة – كذلك – التوقيف على منهاج النبوة .
وقد صح عن النبي r أنه قال:
(( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ))
وفي لفظ :
(( ن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) () اهـ.
وبعد

فهذه نماذج مما سطر العلماء في توقيفية وسائل الدعوة ، علها تستأصل ما في القلوب من لوثة البدع الدعوية ، وتوقف المنصف على سلامة الاستدلال بتلك الأصول الشرعية على حظر أي وسيلة دخيلة في ميدان الدعوة السلفية ، مما عظم نفعها ، ولمس عطاؤها .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .





فصـــــــــــــــــــــل

وفي الوسائل الشرعية غنية وكفاية عن الوسائل البدعية ، إذا ما من طريق فيه مصلحة للدعوة إلا وقد سلكه الرسولr ، وشرعه لأمته .
فالخطب المشروعة كخطب الجمعة ، والعيدين : من أعظم الوسائل النافعة في الدعوة ، حيث يطرق فيها الخطيب كل موضوع تحتاجه الأمة في عباداتها ، ومعاملاتها ، وأخلاقها وسلوكها .
وفي الحِلق العلمية – التي كان عليها رسول اللهr وصحابته وتابعوهم - - ما يكفل بث العلم ونشره ، وتقريبه لم أراده .
وفي الإفتاء والاستفتاء ما يقوم المسلمين في شئون دينهم ودنياهم ويسيرهم في ذلك على شرع الله تعالى .
وفي الجهاد في سبيل الله تعالى ، ما يضمن انتشار الإسلام في أنحاء الأرض ... وهكذا فلوسائل الشرعية كثيرة جداً ، تفي بحاجة الدعوة الإسلامية في كل زمان ومكان .
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد – حفظه الله تعالى - :
( ومن رحمة الله تعالى بعباده ، وبالغ حكمته في تشريعه لما يصلح الله به العباد والبلاد أنه – سبحانه – لما شرع الجهاد ، وشرع للأمة وسائل متعددة في ذلك ، ولم يجعلها إلى عقولهم ، بل أحالهم على ما شرعه لهم :
فالجهاد بالنفس ، والجهاد بالمال بالقوة ...
والدفاع كذلك .
وتغيير المنكر باليد وهذا لذي سلطان ، كرجال الحسبة وباللسان، ومثله القلم .
وبالقلب .
والأمر بالمعروف كذلك .
والنصيحة لائمة المسلمين وعامتهم بالتي هي أحسن : مناصحة بالكلمة ، ومناصحة بالكتابة ، وتذكير بأيام الله .
والدعوة تكون بالوظائف المرتبة في الإسلام : خطب الجمع والعيدين ، والحج ، وبالتعليم ، ومجالس الذكر والإيمان .
والصدع بكلمة الحق : ببيانها حتى يكشف الله الغمة عن الأمة .
وبفتوى عالم معتبر ، بغير الله بها الحال إلى أحسن ، فتعمل ما لا تعمله الأحزاب في عقودٍ .
وهكذا بعمل فردي من عالم بارع ، ينشر علمه في الأمة : في إقليم ، في ولاية ، في مدينة ، في قرية ... وهكذا .
وبعمل جماعي على رسم منهاج النبوية لا غير ، كجماعة الحسبة ودور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،ومراكز الدعوة ورابطة العلماء ) () اهـ.
وهذا الأمر – وهو شمولية الوسائل الشرعية – في غاية الظهور والوضوح ، لمن تأمل النصوص الشرعية ، ونظر في السير السلفية .
فلكم أسلم بسببها من كافر ،وتاب بها من فاسقٍ ، واهتدى بها من ضال ، واسترشد بها من غاوٍ .
وإنما يهزل المسلمون ، ويضعفون إذا كانت الوسائل البدعية هي السائدة بينهم ، لأن هذه الوسائل لا تخرج إلا منحرف المعتقد ، ضعيف الإيمان ، متلطخاً بأوضار البدع .
وهذه الوسائل البدعية إنما يصار إليها عند ضعف التمسك بآثار النبوة ، فإنه ( كلما ضعف تمسك الأمم بعود أنبيائهم ، ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك ) () ، وإذا تعلقت القلوب بهذه البدع فإنها تحجب عن السنن بحيث لا ترى فيها ما تراه في تلك المحدثات ، ومن ثم تزهد فيها ، وترغب عنها .
وقد روي الدارمي بسند صحيح عن حسان بن عطية – رحمه الله – أنه قال : (( ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ثم لا يعيدها إليهم إلي يوم القيامة )).
وقد روى ذلك من قول أبي هريرة – t– ويروى مرفوعاً ولا يصح .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - :
( فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته ، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره .
بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ، ومنفعته به ، ويتم دينه ، ويكمل إسلامه .
ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه : تنقص رغبته في سماع القرآن ، حتى ربما كرهه .
ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها : لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة .
ومن أدمن على أخذ الحكمة والأدب من كلام حكماء فارس والروم : لا تبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع .
ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم : لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام .
ونظير هذا كثير .
ولهذا جاء في الحديث عن النبي r :
(( ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم ن السنة مثلها )).
رواه الإمام أحمد () .
وهذا الأمكر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء ،والعباد والأمراء ،والعامة ، وغيرهم .
ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع ، وكرهتها ، لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافاً عليه ولا له لكان الأمر خفيفاً ، بل لابد أن يوجب له فساد منه تقص منفعة الشريعة في حقه ، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه ...) () اهـ.

فصـــــــــــــــــل

ولا يرد علي ما قررناه من توقيف وسائل الدعوة ما استجد في هذا العصر من الآلات ، والتطور في شتى المجالات .
وبيان ذلك أننا نقول : لا بأس باستخدام هذه الآلات – إذا سمح بها شرعاً – في مجال نقل الوسائل الشرعية .
فإن هذه الآلات إنما هي أدوات نقلٍ فإذا لم تكن في ذاتها محظورة ، فلا مانع من استخدامها .
فالمكبر (( الميكروفون )) ناقل للصوت ،والذي هو وسيلة شرعية في الدعوة إلى الله تعالى .
وكان أبو بكر يكبر بتكبير الرسولr ، والناس يكبرون بتكبير أبي بكر وذلك لما ضعف صوت النبي r وما زال السلف يضعون مستملياً ينقل الصوت إلى من كان بعيداً عن المكان المملي .
وهكذا(( الشريط )) فإنه في حد ذاته ليس وسيلة للدعوة . وما يفعل به إذا كان أجوف لاشيء فيه . إنما هو ناقل أو حافظ للمادة المسجلة فيه فالوسيلة هي إذاً المادة المسجلة (( الكلام )) وهو وسيلة شرعية .
ولا يقول عاقل : أن الشريط في حد ذاته وسيلة للدعوة بل بما يوضع فيه من الخير .
وهكذا المصور (( الفاكس )) فهو بمنزلة الرسل الذين يذهبون بكتب النبي r إلى الملوك والرؤساء . وهكذا .
فإذا كان الناقل للوسيلة مباحاً : أبحناه وإذا كان يشتمل على محرم حرمناه .
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد – حفظه الله تعالى -:
( والوسائل للدعوة هي في عصرنا وفيما قبله وبعده لابد أن تكون هي وسائل الدعوة التي بعث بها النبي r ، وبلغ بها الغاية .
ولا تختلف في عصرنا مثلاً إلا في جوانب منها مرتبطة بأصولها التوقيفية ، ومنها :
المؤسسات الإعلامية – المقبولة شرعاً بكل فروعها وأجزائها هي في العصر الحاضر من وسائل الدعوة .
وهي وسيلة كانت في بنية الدعوة منذ صدر الإسلام ، إذا كانت الدعوة تعتمد الكلمة
فالوسيلة الإعلامية هي هي ، لكن دخلها شيء في أدائها ، فلما كانت بالكلمة كفاحاً ، كانت كذلك بالكلمة المسموعة بالواسطة وبالمقروءة هكذا .
المؤسسات التعليمية ، والمدارس النظامية ، بمناهجها وسبلها ومراحلها :
فهذه لم تتجاوز وسيلة كانت في بنية الدعوة الإسلامية منذ صدر الإسلام ، إذا كانت الدعوة تعتمد التعليم ، وفي حديث جبريل – عليه السلام – المشهور في تعليم الإسلام والإيمان والإحسان مثل رائع في طلائع الدعوة ... وهكذا .
فالوسيلة التعليمية اليوم هي ما كانت عليه بالأمس ، لكن داخلها شيء من النهج في الأداء والبلاغ ... وهكذا .
لكن هذا التغيير مأثور بمضمار الشرع ، موزون بمقياس الكتاب والسنة ، فمتى أختل شيء منه ، وجب إبعاده والبراءة منه .
أما وسيلة يتعبد بها فلا () اهـ.
وبهذا يتضح أن هذه الآلات الحديثة والتطورات الحضارية لا تعيق القول بتوقيف الوسائل الدعوية ، علي شرط أن ينظر في الحكم الشرعي لهذه الآلات والتطويرات ، فإن أقرها الشرع قبلت وانتفع بها في بث الدعوة ، وإن رفضها ردت ولم ينتفع بها .
وفيما أباح الله تعالى غُنيه وكفاية عما حرمه ونهى عنه ( فإنه تعالى أغنانا بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة وما يسره من الدين علي لسان رسولهr وسهله للأمة عن كل باطل ومحرم ضار ) ()














فصــــــــــــــــــــــل

وهنا شبه قد يتمسك بها من يرى أن وسائل الدعوة ليست توقيفية
[ الشبهة الأولى ]
وقد ورد بعضها في كلام أبي القاسم القشيري – فيما يتعلق بمسألة (( السماع )) – فأجاد شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في الإطاحة بها ، ونقضها وذلك في كتابه (( الاستقامة )).
ونحن نذكر كلام القشيري ثم نخلص رد شيخ الإسلام عليه ، إذ كلامه تأصيل بديع في هذه المسألة به تنكشف الزيوف ، وتتهافت الشبه .
قال أبو القاسم القشيري :
( واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة ، والنغم المستلذة – إذا لم يعتقد المستمع محظوراً ، ولم يسمع على مذموم في الشرع ، ولم ينجر في زمام هواه ، ولم ينخرط في سلك لهو - : مباح في الجملة .
ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي النبي r وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها .
فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان : هذا ظاهر من الأمر .
ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات ، وتذكر ما أعده الله لعباده المتقين من الدرجات ، ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدى إلى قلبه في الحال صفاء الواردات : مستحب في الدين ومختار في الشرع ). اهـ. كلام القشيري .
قال شيخ الإسلام :
( قلت تضمن هذا الكلام شيئين :
أحدهما : إباحة سماع الألحان والنغمات المستلذة ، بشرط ألا يعتقد المستمع محظوراً ، ولا يسمع مذموماً في الشرع ، وألا يتبع منه هواه .
والثاني : أن ما أوجد للمستمع الرغبة في الطاعات ، والاحتراز من الذنوب ، وتذكر وعد الحق ووصول الأحوال الحسنة إلى قلبه فهو مستحب .
وعلى هاتين المقدمتين بنى من قال باستحباب ذلك ...
وهاتان المقدمتان كلاهما غلط مشتمل على دليل مجمل ...
ولهذا نشأ من هاتين المقدمتين اللتين لبس فيهما الحق بالباطل :
قول لم يذهب غليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ...
قال الحسن بن عبد العزيز : سمعت الشافعي يقول :
خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة ، يسمونه التغبير ، يصدون به الناس عن القرآن .
والتغبير هو الضرب بالقضيب . غبر أي : أثار غباراً وهو آلة من الآلات التي تقترن بتلحين الغناء ...
ونحن نتكلم عن المقدمتين – إن شاء الله – بكلام يناسب ما كتبته هنا .
أما قوله :
((فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان الطيبة : هذا ظاهر من الأمر . ))
فإن هذه حجة فاسدة جداً ، والظاهر أنما هو عكس ذلك فإن نفس سماع الألحان مجرداً عن كلام يحتاج إلى أن تكون مباحة مع انفرادها ، وهذا من أكبر مواقع النزاع ، فإن أكثر المسلمين على خلاف ذلك ، ولو كان كل من الشعر والتلحين مباحاً على الانفراد لم يلزم الإباحة عند الاجتماع إلا بدليل خاص ، فإن التركيب له خاصة يتعين الحم بها ...
فلو قال قائل : النبي r قد قرأ القرآن ، وقد استقر أه من ابن مسعود ، وقد استمع لقراءة أبي موسي ، وقال لقد أوتيت مزماراً من مزامير داود )) ، فإذا قال قائل إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان ، فلا يتغير الحكم بان يسمع بالألحان . كان هذا منكراً من القول وزوراً باتفاق الناس .
وأما المقدمة الثانية وهي قوله بعد أن أثبت الإباحة :
(( إن ما أوجب للمستمع أن يوفر الرغبة على الطاعات ، ويذكر ما أعد الله لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات : مستحب في الدين ، ومختار في الشرع )).
فنقول : تحقيق هذه المقدمة : أن الله – سبحانه – يحب الرغبة فيما أمر به والحذر مما نهي عه ويحب الإيمان بوعده ووعيده ، وتذكر ذلك ، وما يوجبه من خشيته ورجائه ومحبته والإنابة إليه ، ويحب الذين يحبونه فهو يحب الإيمان – أصوله وفروعه – والمؤمنين ،والسماع يحصل المحبوب ، وما حصل المحبوب فهو محبوب : فالسماع محبوب .

وهذه المقدمة مبناها علي أصلين
أحدهما : معرفة ما يحبه الله .
والثاني : أن السماع يحصل محبوب الله خالصاً أو راجحاً .
فإنه إذا حصل محبوبة ومكروهة ، والمكروه أغلب : كان مذموماً . وإن تكافأ فيه المحبوب والمكروه لم يكون محبوباً ولا مكروهاً
أما الأصل الأول : وهو معرفة ما يحبه الله ، فهي أسهل وإن كان غلط في كثير منها كثير من الناس .
وأما الأصل الثاني : وهو أن السماع المحدث يحصل هذه المحبوبات فالشأن فيها ، ففيها زل من زل وضل من ضل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ونحن نتكلم علي ذلك بوجوه نبين بها – إن شاء الله – المقصود :
الوجه الأول
أن نقول : يجب أن يعرف أن المرجع في القرب والطاعات والديانات والمستحبات إلى الشريعة ، ليس لأحد أن يبتدع ديناً لم يأذن الله به ، ويقول : هذا يحبه الله . بل بهذه الطريق بدل دين الله وشرائعه ، وابتدع الشرك ، وما لم ينزل الله به سلطاناً .
وكل ما في الكتاب والسنة ، وكلام سلف الأمة ،وأئمة الدين ومشايخه ، من الحض علي إتباع ما انزل إلينا من ربنا واتباع صراطه المستقيم ، والنهي عن ضد ذلك : فكله نهي عن هذا – وهو ابتداع دين لم يأذن الله به – سواء كان الدين منه عبادة غير الله أو عبادة الله يما لم يأمر به .
بل دين الحق : أن نعبد الله وحده لا شريك له ، بما أمرنا به علي ألسنة رسله ...
... إلى أن قال :
وهذا أصل عظيم من أصول سبيل الله وطريقه يجب الاعتناء به وذلك أن كثير من الأفعال قد يكون مباحاً في الشريعة ، أو مكروهاً أو متنازعاً في إباحته وكراهته ورما كان محرماً أو متنازعاً في تحريمه فتستحبه طائفة من الناس ، يفعلونه على أنه حسن مستحب ، ودين وطريق يتقربون به ، حتى يعدون من يفعل ذلك أفض ممن لا يفعله ، وربما جعلوا ذلك من لوازم طريقتهم إلى الله ، أو جعلوه شعار الصالحين وأولياء الله .
ويكون ذلك خطأ وضلالا وابتداع دينٍ لم يأذن به الله .
مثال ذلك : حلق الرأس في غير الحج والعمرة لغير عذرٍ فإن الله قد ذكر في كتابه حلق الرأس وتقصيره في النسك ، وذكر حلقه لعذر .
وأما حلقه لغير ذلك فقد تنازع العلماء في إباحته وكراهته نزاعاً معروفاً على قولين هما روايتان عن أحمد .
ولا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ذلك لا يشرع ولا يستحب ولا هو من سبيل لله وطريقه ، ولا من الزهد المشروع للمسلمين ، ولا مما أثني الله به علي أحد من الفقراء .
مع هذا فقد اتخذه جماعة من النساك الفقراء والصوفية ديناً حتى أن من لم يفعل ذلك يكون منقوصاً عندهم ، خارجاً عن الطريقة المفضلة المحمودة عندهم ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقتهم
وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين ، واتخاذ ذلك ديناً وشعاراً لأهل الدين من أسباب تبديل الدين ...
الوجه الثاني :
أن قولهم : إن السماع يحصل محبوب الله ، وما حصل محبوبة فهو محبوب له .
قول باطل وكثير من هؤلاء – أو أكثرهم – حصل لهم الضلال والغواية من هذه الجهة .
فظنوا أن السماع يثير محبة الله ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي هو عمل القلوب ، وبكمالها يكمل ...
فيقال : إن ما يهيجه هذا السماع المبتدع - ونحوه – من الحب وحركة القلب ليس هو الذي يحبه الله ورسوله ، بل اشتماله على ما لا يحبه الله وعلى ما يبغضه أكثر من اشتماله على ما يحبه ولا يبغضه وحده عما يحبه الله ونهيه عن ذلك أعظم من تحريكه .
وإن كان يثير حباً وحركة ويظن أن ذلك يحبه الله ، وأنه مما يحبه الله ، فإنما ذلك من باب الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جائهم من ربهم الهدى ()

فتحصل من هذا :
إن الانتفاع بالوسائل المحدثة لا يبرر شرعيتها لأننا مقيدون بالكتاب والسنة لا بالهوى والوجد .
فكل وسيلة بدعية – تمثيلاً كانت أو نشيداً (( سماعاً )) أو غير ذلك – وإن حركت القلوب وشوقت النفوس ، وذكرت بعض الغافلين ، وأرشدت بعض التائهين .. فلا خير فيها ، إذ لو كانت خير لأهتدي لها السابقون الأولون ، ولشرعها المصطفيr .
والمتذكر بها والمسترشد بها سرعان ما يرجع ‘لى غفلته ، وإن واصل فعلى غير طريق قويم ، وصراط مستقيم .
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام عندما قال قائل عن السماع المحدث : ( هذه شبكة يصاد بها العوام )
صدق ، فإن أكثرهم إنما يتخذون ذلك شبكة لأجل الطعام والتوانس علي الطعام .
ومن فعل هذا فهو من أئمة الضلال ، الذين قيل في رؤوسهم :
) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا & وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا & رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً( (الأحزاب:66-68)

وأما الصادقون منهم – أي من العوام – فهم يتخذونه شبكة ، لكن هي شبكة مخرقة يخرج منها الصيد إذا دخل فيها كما هو الواقع كثيراً فإن الذين دخلوا في السماع المبتدع في الطريق ، ولم يكن معهم أصل شرعي شرعه الله ورسوله : وأورثتهم أحوالاً فاسدة ... ()
فهذه أثار الوسائل البدعية سوء في ظلامٍ ، وظلام في ظلامٍ ، وليعتبر المسلم بما قاله الله تعالي في حق النصاري :
) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ( (الحديد:27)
والمعنى أنهم ابتدعوا لأنفسهم عبادة ما كتبها الله عليهم ولا فرضها ، بل هم الذين التزموها من عند أنفسهم ، وقصدهم بذلك تحصيل رضا الله – سبحانه –
فانظر كيف مقتهم الله وذمهم مع حسن قصدهم فيما التزموه من العبادة المحدثة فإن الله تعالى لا يريد من عباده أن يعبدوه إلا بما شرع على السنة رسله وبذلك يظهر صدق المستجيبين لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم .
فكما أن الله تعالى لا يقبل من مشرك في توحيد الإلهية عملاً مهما كبر ، فكذلك لا يقبل ممن أشرك في توحيد المتابعة عملاً مهما كثر .
قال تعالي :
) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( (القصص:50)
فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه ديناً ، وينهى عما يبغضه ، ويذمه ، ويتخذ ذلك ديناً : إلا بهدى من الله وهدى الله هو شريعته التي بعث بها رسولهr .
ومن اتبع ما يهواه حباً وبغضاً بغير الشريعة قد اتبع هواه بغير هدى من الله .
وأي إتباع للهوى أعظم من الإعراض عما شرع الله تعالى من الوسائل الشرعية في الدعوة إلي الوسائل البدعية ، التي يظنها الفاعل لها قربة وطاعة لله تعالى ، وهي – والله – عين الضلال ومنبع الفساد .
وصدق الله تعالى إذ يقول :
) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ & وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ( (الزخرف:36-37)

[ الشبهة الثانية ]
ومن الشبه التي قد يتعلق بها :
ما جاء في غزوة بدر من نزول النبي r عند أني ماءٍ من مياه بدر . فقال له الحباب بن المنذر بن عمر بن الجموح : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزله الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال النبي r : (( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ))
فقال : يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ، فانهض بنا حتى نأتي أدني ماءٍ من القوم فننزله ... فاستحسن النبي rهذا الرأي ونهض إلى آخر القصة .
ووجه الاستشهاد بها :
أن النبي r وكل أمر النزول إلى أصحابه ، وأخير أن النزول في مكان دون أخر ليس شرعاً وإنما هو الحرب والمكيدة فدل على أن وسائل الدعوة ليست توقيفية . هكذا قال من أورد هذه الشبهة .
والجواب أن يقال :
أولاً – أن القصة هذه لم تثبت بإسناد صحيح :
فقد رواها ابن إسحاق – كما في (( سيرة ابن هشام )) (2/272 ) – قال فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب .. فذكره وهذا الإسناد ضعيف كما ترى
وقد وصله الحاكم في المستدرك : (3/426 ،427 ) من حديث الحباب
قال الذهبي في (( تلخيصه )) : ( قلت حديث منكر ، وسنده ) هكذا في المطبوع .
قال المحدث الألباني : ( لعله سقط منه : واه ) قال : وفي سنده من لم أعرفه ()
وخرجه البيهقي في (( الدلائل )) : ( 3/31-35 ) ، وسنده ضعيف .
وقد رواه الأموي من حديث ابن عباس – كما في (( البداية )) : ( 3/267 ) وفيه الكلبي ، وهو كذاب .
ثانياً – ليس في القصة ما يتمسك به :
فإن العاقل يعلم بالضرورة أن نزول القائد في مكان دون آخر – من زمن النبي rإلى قيام الساعة ليس أمراً توقيفياً بل لا يتصور توقيفه ذلك .
وقد كان النبي r يبعث القادة ويعلمهم أحكام الجهاد ، ويوصيهم ولا يعين لهم مكاناً للنزول وهكذا كان خلفاؤه الراشدون ، يبعثون الجيوش ، فلا يجددون لهم مكان نزولٍ
وهذا كما لو سار النبي r مع طريق في الجهاد فإن مسيره مع هذا الطريق وصف طردي لا يتعلق الحكم به .
ونحن نقول :
أن وسائل الجهاد في سبيل الله تعالى توقيفية لا يجوز لأحد أن يدخل فيها ما لم يكن عليه رسول اللهr وصحابته الكرام .
وهديهr في الحرب أكمل هدي فما من صغيرة ولا كبيرة في الجهاد إلا وقد نترك لنا النبي r منها علماً ، عمله من علمه ، وجهله من جهله .
ولذا اشتد نكير السلف على من أحدث شيئاً في أمور القتال والجهاد لم يكن على عهد رسول الله r .
قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى - :
( وأما القتال فالسنة – أيضاً – فيه خفض الصوت ...
وهذه الدقادق () والأبواق التي تشبه قرن اليهود وناقوس النصارى : لم تكن على عهد الخلفاء الراشدين ، ولا من بعدهم من أمراء المسلمين .
وإنما حدث – في ظني – من جهة بعض ملوك المشرق من أهل فارس ، فإنهم أحدثوا في أحوال الإمارة والقتال أموراً كثيرة ، وانبثت في الأرض لكون ملكهم انتشر حتى ربا في ذلك الصغير ،وهرم فيها الكبير لا يعرفون غير ذلك بل ينكرون أن يتكلم أحد بخلافه ، حتى ظن بعض الناس أن ذلك من إحداث عثمان - t- .
ولكن ظهر في الأمة ما أخبر به النبي r ، حيث قال :
(( لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع )).
قالوا : فارس والروم ؟
قال : (( ومن الناس إلا هؤلاء ))
كما قال في الحديث الآخر :
(( لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )) .
قالوا : يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟
قال : (( فمن؟ )) .
وكلا الحديثين في (( الصحيح )9 : أخبر بأنه يكون في الأمة من يتشبه باليهود والنصارى . ويكون فيها من يتشبه بفارس والروم .
ولهذا ظهر في شعائر الجند المقاتلين شعائر الأعاجم من الفرس وغيرهم ، حتى في اللباس وأعمال القتال، والأسماء التي تكون لأسباب الإمرة ...
... إلى أن قال :
لكن المقصود هنا أن هذه الأصوات المحدثة في أمر الجهاد ، وإن ظن أن فيها مصلحة راجحة ، فإن التزام المعروف هو الذي فيه المصلحة الراجحة ، كما في أصوات الذكر .
إذ السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان: أفضل من المتأخرين في كل شيء : من الصلاة وجنسها من الذكر والدعاء وقراءة القرآن واستماعه ، وغير ذلك من الجهاد والإمارة ، وما يتعلق بذلك من أصناف السياسات والعقوبات والمعاملات في إصلاح الأموال وصرفها .
فإن طريق السلف أكمل في كل شيء ، ولكن يفعل المسلم من ذلك ما يقدر عليه ) . اهـ ()


* * *
[ الشبهة الثالثة ] :
ومن الشبهة التي قد يتعلق بها – أيضاً - :
أن الأمور المباحة يمكن تحويلها بالنية إلى قربةٍ يثاب عليها ، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص – الذي في الصحيحين )) - :
(( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ماتجعل في في امرأتك ))
وكما في قولهr :
(( وفي بضع أحدكم صدقة )) . قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال : (( أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أليس كان يكون عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال له أجر )).
أخرجه مسلم عبن أبي ذر – t - .
فعلى هذا : ننوى بهذه الوسائل المحدثة – إذا كانت مباحة – نية حسنة ، فنثاب عليها .
والجواب أن نقول :
ينبغي أن نوضح أولاً مسألة الأمور المباحة ومخالطة النية لها )) ثم بعد ذلك يتبن – إن شاء الله – سقوط هذه الشبهة التي هي في الحقيقة لا تمت إلى موضوعنا بصلة بل أقحمت فيه تعسفاً .
فنقول :
أختلف أهل العلم في إمكان تحويل المباحات بالنية الصالحة إلى قربة يثاب عليها .
فذهب فريق منهم إلى أن ( المباح لا يتقرب به إلى الله تعالى ، فلا معنى للنية فيه ) ()
يقول الحطاب في شرح (( مختصر خليل )) :
( الشريعة كلها إما مطلوب أو مباح ، والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه ) () اهـ.
واحتج علماء المالكية بقوله تعالى :
) وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ( (البقرة: من الآية189)
على أن الفعل بنية العبادة لا يكون إلا في المندوبات خاصة دون المباح ودون المنهي ... عنه ) ()
ومما يؤيد هذا :
( أن المباحات والمكروهات والمرحمات لا تلزم بالنذر ، فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه بل عليه كفارة يمين إذا لم بفعل عند أحمد وغيره . وعند آخرين لا شيء عليه فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادةٍ طاعةً وعبادةً ) ()
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن النية الصالحة تحول المباح إلى قربة يؤجر صاحبها .
يقول ابن الحاج في (( المدخل )) ()

( المباح ينتقل بالنية إلي الندب ، وإن استطعنا أن ننوي بالفعل نية أداء الواجب كان أفضل من نية الندب ) . اهـ .
وذكر ابن القيم – رحمه الله تعالي – أن أخواص المقربين هم الذين ( انقلبت المباحات في حقهم إلى طاعات وقربات بالنية فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين بل كل أعمالهم راجحة ) ()
قال الشيخ عمر الأشقر بعد أن ذكر هذين القولين :
قد يبدوا أن هناك تناقضاً بين ما ذهب إليه هذان الفريقان . إلا أن الناظر المتعمق في البحث يرى أن الذي نفاه الفريق الأول ليس هو الذي أثبته الفريق الثاني .
فالفريق الأول : ينكر أن تكون المباحات عباداتٍ وقرباتٍ في صورتها .
وهذا حق لا يجوز أن يخالف فيه أحد .
ومن ظن أنه يعبد الله بالمشي والوقوف واللباس الأسود أو الأخضر ... فهو مخطئ لأن هذه ليست عبادات في ذاتها ...
فمرادهم - إذن –أن المباحات لا يقصد التقرب بذواتها ، كما يتقرب بالصلاة وقراءة القرآن والزكاة .
أما القائلون بأن المباح يتقرب به فمرادهم مخالف لمراد الأولين وهم يفهمون ذلك بصورةٍ أو أكثر من الصور التالية :
المباح وسيلة للعبادات :
يقول شيخ الإسلام :
( ينبغي ألا يفعل من المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة ، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة ) () اهـ.
ويقول ابن الشاط :
( إذا قصد بالمباحات القوى على لطاعات ، أو التوصل إليها كانت عبادة ، كالأكل والنوم واكتساب المال ) () اهـ.
فالمسلم إذا قصد بنومه وأكله وشربه أن يتقوى بها على طاعة الله كي يتمكن من قيام الليل والجهاد في سبيل الله فهذا مثاب على هذه الأعمال بهذه النية .

الأخذ بالمباح على انه تشريع إلهي :
إذا نظر المسلم إلى المباح معتقداً أن الله أباحه ، كالذي يأتي زوجته – مثلاً – يقصد أن يعدل عما حرمه الله تعالى إلى ما أباحه : فهذا له أجر كما ورد في الحديث – الآنف الذكر – الذي أخرجه مسلم عن أبي ذر .
المباح بالجزء مطلوب بالكل
على جهة الندب أو الوجوب () قد يكون الأمر مباحاً بالجزء لكنه مطلوب بالكل فالعبد إذا جاز له أن يترك الطعام والشراب ، ويجهد نفسه في بعض الإحسان ، إلا أنه لا يجوز له أن يتمادى في ذلك حتى يهلك نفسه بسبب ذلك .
ولذلك أوجب جماهير العلماء على المضطر أن يأكل من الميتة ، وعدوه مستوجباً للوعيد إذا هو امتنع عن الأكل حتى هلك () . اهـ.
وبهذا التحقيق يتبين لك أن القول بخروج المباحات إلى المندوبات بالنية الصالحة حق ، لكن الاستدلال بذلك على صحة إحداث وسيلةٍ دعوية يتقرب إلى الله بها : باطل .
وقد تقدم تقرير أن البدعة تدخل في الأمور العادية كدخولها في أمور العبادات فليرجع إليه ( ص 22 ) ففيه ما يعين على كشق هذه الشبهة ويبطلها .
كما أن في رد شيخ الإسلام ابن تيمية – المتقدم قريباً – على أبي القاسم القشيري نقضاً لهذه الشبهة فأغني ذلك عن إعادة الكلام هنا .


[ الشبهة الرابعة ]
ومما يتعلق به – أيضاً – قاعدة (( الوسائل لها أحكام المقاصد )) فيقول المتعلق بها : أن هذه الأمور التي نتخذها في الدعوة إلى الله تعالي ووسائل توصل إلى الغاية المنشودة بالدعوة ، وهي : هداية الناس وإصلاحهم . وما دام الغاية هذه ، فإنها محمودة شرعاً ، فوسائلها تأخذ حكمها ، فتكون محمودة في الشرع – أيضاً –

والجواب
أن لفظة (( الوسائل )) هنا ، لا تعني أي وسيلة – ولو محرمة – إذا استخدمت في مقصد حسن : أخذت حكمه و إلا فليلزم علي ذلك إهدار النصوص الشرعية والعمل بالهوى ، فتتخذ المحرمات – مثلاً – في معالجة المرضي ، وترتكب المحرمات – كالمعاملة بالربا وإسبال الثياب – من أجل الدعوة ومصالحها ... وهكذا .
والمعني الصحيح للقاعدة :
أن الوسائل بالنسبة للمقاصد الحسنة ، لا بد أن تكون مشروعة – واجبة أو مندوبة أو مباحة – وقد تكون الوسيلة مكروهة . أما أنها تكون محرمة فلا .
ثم أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها فقد تكون الوسيلة محرمة أو مكروهة ، وما جعلت وسيلة غليه ليس كذلك .
يقول العلامة ابن القيم – رحمه الله تعالى – عندما قرر أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين ، بل إما راجحة وإما مرجوحة :
فإن قيل : فإذا كان الفعل – أي الغاية – متساوي الطرفين كانت حركة اللسان التي هي الوسيلة إليه كذلك إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم .
قبل : لا يلزم ذلك .
فقد يكون الشيء مباحاً ، بل واجباً ووسيلته مكروهة ، كالوفاء بالطاعة المنذورة وهو واجب مع أن وسيلته – وهو النذر – مكروه منهي عنه .
وكذلك الحلف المكروه () مرجوح مع وجوب الوفاء به أو الكفارة .
وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة .
وهذا كثير جداً .
فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها ، وما جعلت وسيلة إيه ليس بحرامٍ ولا مكروه ) (). اهـ.














خلاصة الرسالة
مما سبق بيانه وتقريره ، يتلخص ما يلي :
أولاً : أن وسائل الدعوة إلى الله تعالى توقيفية لا يحل لمرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يزيد فيها شيئاً لم يكن عليه عمل رسول الله r وصحابته الكرام .
والحجة في ذلك عموم الأدلة التي نصت على إكمال الدين وبيان كل شيء يقرب إلى الجنة ويباعد من النار .
وعموم الأدلة المحذرة من المحدثات في الدين والآمرة بلزوم الأمر العتيق .
ولسلامة الاستدلال بهذه الأدلة على المقصود ، أوردنا كلام بعض المحققين من العلماء فيها النص صراحة على المنع من إحداث أي وسيلة في الدعوة إلى الله تعالى ، اعتماداً على تلك العمومات من نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة .
ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى –
والشيخ حمود بن عبد الله التو يجري – رحمه الله تعالى –
والشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد – حفظه الله تعالى - .
وهذا هو الذي نص عليه العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – حفظه الله تعالى – كما تقدم النقل عنه في هذه الرسالة ( ص 76-77 ).
وهو قول الإمام المحقق العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – حفظه الله تعالى - .
ومما يتأيد به هذا القول : شدة إنكار السلف لأي وسيلة محدثة ولو كان يجنى منها رقة القلب ودمع العين … ولو كانت (( نافعة ))على حد تعبير المعاصرين .
فإنكار السلف على القصاص وعلى أصحاب السماع المجرد عن الآلة معروف ومشهور لا يخفى علي أحدٍ .
ثانياً : أن إحداث وسيلة في وسائل الدعوة يعتبر إحداثاً في الدين وخروجاً عن سبيل المؤمنين .
وما عرف إحداث الوسائل إلا عند أهل البدع والأهواء ، وعلى رأسهم : الصوفية . فهم سلف لمنادين بإحداث الوسائل المتلائمة مع العصر .
ثالثاً : أن ما شوش بعض الأغمار من معرضة ما تقرر من توقيفية الوسائل : بما استجد في هذا العصر من آلات (( تقنية )) هو باطل مردود وقد كشفت هذه الرسالة ذلك ، وبينت أنه لا تعارض بين القول بتوقيفية الوسائل وبين استخدام هذه (( الآلات ))بشرط أن تكون هذه (( الآلات ) غير ممنوعة شرعاً .
أسأل الله عز وجل أن يجعل ما كتبته خالصاً لوجهه الكريم ، مقرباً لديه في جنات النعيم ، وأن يعم بنفعها إنه سميع مجيب قريب وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .