المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من بيان القرآن "تفسير سورة القدر ج 2



الحسن محمد ماديك
02-21-08, 06:26 PM
} لهم عذاب في الحياة الدنيا {

إن المثاني في قوله :
· } وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير { التوبة 74
· } فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون { التوبة 55
· } ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون{ التوبة 85
لتعني أن المنافقين سيعذبهم الله في الحياة الدنيا كما هو صريح القرآن ولن يتأتى تأويله بالعذاب في القبر إذ هو قبل أن تزهق أنفسهم وهم كافرون .
وإن من المثاني قوله :
· } بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق { الرعد 33 ـ 34
· } ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم { عمران 54 ـ 58
· } وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين { عمران 141
ويعني حرف الرعد أن الله وعد الذين كفروا ومكروا وصدوا عن السبيل في هذه الأمة عذابا أليما في الدنيا وما لهم من يقيهم العذاب الأليم في الدنيا ولا من يقيهم العذاب الأشق في الآخرة .
وأما حرف عمران فهو من نبوة عيسى المنتظرة التي لم تقع بعد ونبّأ الله بها كذلك خاتم النبيين r في القرآن وجعله من الذكر الحكيم وهو الذي سيتذكر متأخرا عن نزول القرآن كما هي دلالة وصف الذكر بالحكمة ، ويعني أن مما نبأ الله به عيسى قبل رفعه إليه أن الله وعده وعدين سيتم نفاذهما بعد نزول عيسى إلى الأرض في آخر هـذه الأمة قبيل الساعة ، أما الوعد الأول فقوله } وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة { أي أنه سينصر المؤمنين نصرا من عنده دونما جهد منهم ثم لن يغلبهم الكفار إلى يوم القيامة ، وأما الوعد الثاني فقوله } فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا { وهو العذاب الموعود في الدنيا .
ويعني حرف عمران أن الله وعد بمحق الكافرين أي إتلافهم وتدميرهم بعد أن يمحص الذين آمنوا أي يبتليهم ليميز الله الخبيث من الطيب وسيأتي بيانه في كلية القتال في سبيل الله .

} ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده {

إن قوله :
· } وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم { غافر 28
· } ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد { هود 89
· } قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب { هود 81
· } هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { النحل 34 ـ 35
· } قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هـؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين { الزمر 50 ـ51
ليعني أن الذي أصاب المكذبين من قبل هو العذاب الذي أهلكوا به .
ويعني حرف غافر أن رجلا مؤمنا من آل فرعون حذر قومه أن يصيبهم بعض ما يعدهم به موسى من العذاب إن لم يتبعوا الهدى .
ويعني حرف هود أن شعيبا حذر قومه أن يصيبهم مثل العذاب الذي أهلك الله به قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ، أو قوم لوط ، وقد أصابهم مثل العذاب الذي أهلكت به ثمود . ويعني حرف النحل أن الذين أهلكوا من قبل قد أصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون أي أهلكوا في الدنيا كما سيأتي قريبا وقد وعد الله المكذبين من هـذه الأمة بمثل ذلك كما هي دلالة قوله } هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم { ويعني حرف الزمر أن الأولين قد أصابهم سيئات ما كسبوا أي عذبوا فأهلكوا في الدنيا ، وكذلك الذين ظلموا من هـذه الأمة وعدهم الله أن يصيبهم سيئات ما كسبوا أي سيهلكهم وما هم بمعجزين أي لن يفلتوا من العذاب .
وإن المثاني كما في قوله :
§ } قال عذابي أصيب به من أشاء { الأعراف 156
§ } سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون { الأنعام 124
§ } قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون { التوبة 52
§ } أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون { الأعراف 100
§ } ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال { الرعد 13
لتعني أن الله وعد في القرآن أن يصيب بعذاب من عنده المنافقين والذين أجرموا وأن يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله .
إن حرف الأعراف من نبوة موسى يوم اختار سبعين رجلا ليعتذروا عن عبادة قومهم العجل وأخذتهم الرجفة فنبئ موسى يومئذ بقوله } قال عذابي أصيب به من أشاء { ونبّأ الله به كذلك خاتم النبيين r في القرآن وهو منتظر إذ لم تهلك أمة بعذاب كالذي أهلك به الأولون بعد نزول التوراة التي أوتيها موسى وهو وعد لم يقع بعد نفاذه وذكر به القرآن لأجل ذلك .
ويعني حرف الأنعام أن الذين سيجرمون في آخر هـذه الأمة ويعرضون عن الآيات الخارقة للتخويف والقضاء ، أولئك الموصوفون بالذين أجرموا سيصيبهم صغار عند الله وعذاب شديد في الدنيا كما في الآخرة وهو وعد في القرآن لم يقع بعد نفاذه وسيأتي بيانه ضمن بيان القرآن .
ويعني حرف التوبة أن من القول في القرآن ومما أمر النبي r والمؤمنون بتربصه أن يصيب الله المنافقين بعذاب من عنده وهو وعد متأخر في سياق خطاب المؤمنين بالغيب وأن يصيب المنافقين عذاب بأيدي المؤمنين وهو الوعد المتقدم كما بينت في كلية النصر في القتال في سبيل الله .
ويعني حرف الأعراف أن الذين سيرثون الأرض من بعد أهلها أي سيسكنون في مساكن الذين ظلموا أنفسهم أي سيتخذون من ديار عاد وثمود وقوم لوط مساكن سيهديهم البحث العلمي المجرد إلى أن الله قادر على أن يصيبهم بذنوبهم أي يعذبهم في الدنيا كما عذب أهل تلك الديار من قبل كما سيأتي قريبا بيانه في هذه الكلية .
ويعني حرف الرعد أن من الوعد في القرآن أن الله سيعذب بالصواعق قوما يجادلون في الله .
وإن المثاني :
§ } إن عذاب ربك كان محذورا وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا { الإسراء 57 ـ 58
§ } ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين { الأنبياء 46
لتعني أن عذاب ربنا المحذور هو قبل يوم القيامة وهو عذاب سيأتي على كل قرية ليهلك أهلها ومتى كانت القرى في يوم القيامة ، والوعد مسطور في الكتاب أي في التوراة ، وها قد سطر في القرآن ، وسيقول الظالون إذا مستهم نفحة من عذاب ربنا يا ويلنا إنا كنا ظالمين .
إن قوله :
§ } إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم { الأعراف 59 الأحقاف 21 الشعراء 135
§ } قال هـذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم { الشعراء 155ـ 156
§ } قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما تعملون فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم { الشعراء 185 ـ 189
ليعني أن كلا من نوح وهود وصالح وشعيب قد خاف على قومه عذاب يوم عظيم ، ويقع الوصف بعذاب يوم عظيم على العذاب في الآخرة وعلى العذاب في الدنيا الذي أهلك الله به المجرمين المكذبين من قبل ، ولقد كان الطوفان الذي أغرق قوم نوح هو عذاب يوم عظيم الذي أغرقوا به كما في حرف الأعراف ، وكان العذاب الذي أهلك عادا هو عذاب يوم عظيم الذي أهلكهم كما في حرف الأحقاف وأول الشعراء ، وكانت الصاعقة التي أصابت ثمود هي عذاب يوم عظيم الذي أهلكهم كما في ثاني الشعراء ، وكان عذاب يوم الظلة هو عذاب يوم عظيم الذي أهلك أصحاب الأيكة كما في ثالث الشعراء ، ولن يتأتى تأويل عذاب يوم عظيم في ثالث الشعراء بالعذاب في اليوم الآخر لأن الله وصف به عذاب يوم الظلة الذي أخذ أصحاب الأيكة .
وإن المثاني :
§ } قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم { الزمر 13 الأنعام 15
§ } قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم { يونس 15
لتعني أن عذاب يوم عظيم هو من القول الذي لن يقع في حياة النبي r وإنما في أمته بعده كما هي دلالة القول ، وإن الخوف من عذاب يوم عظيم لمما كلف به النبي r كما هي دلالة أمره بالخوف منه ، فكان من سنة النبي r وليخف كذلك منه كل مؤمن ، ومن لم يخف مثله فقد رغب عن سنته ومن رغب عنها فليس منه . وليقعن في أمة النبي r بعده يوم كالذي أهلك به المكذبون من قبل كما هي دلالة قوله } كتابا متشابها مثاني { الزمر 23 ودلالة قوله }ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم { الأعراف 52 وأهلكت عاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم نوح وقد خاف عليهم رسلهم عذاب يوم عظيم وكذلك سيهلك المكذبون في هـذه الأمة ، وهل يخاف النبيون والرسل وهم أعلم الناس ما لن يكون أبدا معاذ الله إنهم لا يخافون الأوهام .

} حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون {


إن قوله :
· } فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا { المزمل 16
· } وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون { العنكبوت 38 ـ 40
· } وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية { الحاقة 9 ـ 10
· } ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون { الأعراف 96
ويعني أن الأخذ الوبيل في حرف المزمل الذي أخذ به آل فرعون هو الإغراق ، ويعني حرف العنكبوت أن أخذ عاد بذنبها هو الحاصب الذي أرسل عليها ، وأن أخذ ثمود بذنبها هو الصيحة التي أخذتهم أي عذبوا بها ، وأن أخذ قارون بذنبه هو خسف الأرض به ، وأن أخذ فرعون وقارون بذنبهما هو الإغراق ، ويعني حرف الحاقة أن المكذبين من قبل وهم فرعون ومن قبله من الأمم المكذبة قد أخذهم رب العالمين أخذة رابية أي أهلكوا بأقل مما أخذهم من العذاب ، ويعني حرف الأعراف أن أهل القرى الذين كذبوا رسلهم بالآيات قبل نزول القرآن قد عذبوا في الدنيا كما فصلته سورة الأعراف وهو أخذهم بما كانوا يكسبون .
وإن المثاني في قوله :
· } أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف { النحل 45 ـ47
· } ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون { يـس 49
· } بل قلوبهم في غمرة من هـذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون { الفلاح 63 ـ 65
· } ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب { سبأ 51
لمن الموعود المنتظر بعد نزول القرآن في هـذه الأمة ، وسيأخذ العذاب الذين مكروا السيئات والمترفين وستأتي صيحة واحدة على المكذبين فتهلكهم ، وستتنزل الملائكة كما سيأتي بيانه قريبا إلى الأرض فتأخذهم من مكان قريب ، ولن يتأتى تأويله بالعذاب الموعود في اليوم الآخر وإنما هو العذاب الذي سيأخذ المكذبين من هـذه الأمة فيهلكهم كما أخذ من قبلهم فأهلكهم ، ومتى كان في اليوم الآخر رجوع إلى الأهل ووصية إليهم قبل الهلاك كما في حرف يـس .
إن قوله } ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون { لمن المثاني مع قوله } ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال { الرعد 13 فتخاصمهم في حرف يـس هو مجادلتهم في الله في حرف الرعد ، والصواعق الموعودة في حرف الرعد هي الصيحة الموعودة في حرف يـس .


} ليقطع طرفا من الذين كفروا {

وإن من الموعود في القرآن قوله :
· } وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب { الحجر 40 ـ 41
· } أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين { الأنبياء 44 ـ 46
· } وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين { عمران 126 ـ 127
· } ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذهم فكيف كان عقاب { الرعد 31 ـ 32
ويعني أن الله سيقتطع طرفا من الذين كفروا وهم الذين كانوا في أطراف المعمورة فتنقص الأرض من أطرافها فتغرق أو يخسف بها أو يسقط عليها كسف أي قطع من السماء فلا يبقى على أطراف الأرض أحد ، وسيصبح الناس يوما فلا يجدون إقليما من أقاليم الكفار في أطراف الأرض ، وهكذا حتى لا يبقى من الكفار إلا الأحزاب في وسط الأرض الذين سيقاتلهم المؤمنون وإمامهم منهم في سبيل الله كما بينت في كلية النصر في القتال في سبيل الله .
ويأتي بيان حرف الرعد في كلية الكتاب .

} أو يكبتهم فينقلبوا خائبين {

وإن من موعودات القرآن قوله } إن الذين يحادّون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم { المجادلة 5 ومن المثاني معه قوله } أو يكبتهم فينقلبوا خائبين { عمران 127 ويعني أن الذين حادوا الله ورسوله من قبل وهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم قد كبتوا أي أهلكوا جميعا في الدنيا ، وكذلك خلفهم في هـذه الأمة موعودون أن يكبتوا أي يهلكون بالعذاب في الدنيا كأولئكم .

من الغيب في القرآن

ومن الغيب في القرآن قوله :
· } ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد { سبأ 51 ـ 53
· } قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هـذا فاصبر إن العاقبة للمتقين { هود 48 ـ 49
· }حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول { الجن 25 ـ 27
· } قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { الزمر 46 ـ 48
· } وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين { يونس 19 ـ 20
ويعني حرف سبإ أن الذين سيفزعون من العذاب الموعود في الدنيا سيؤمنون كما في قوله } وقالوا آمنا به { وهو التناوش الذي سيتعلقون به بأسباب النجاة ، وهيهات نجاتهم إذ هي بالإيمان بالغيب من قبل ، أي بموعودات القرآن يوم كانت غيبا قبل أن تصبح شهادة ، وهو ما قذفوا به من مكان بعيد أي فرطوا فيه من قبل .
ويعني حرف هود أن قوله } وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم { هو من الغيب الذي نبّأ الله به نوحا قبل أن يهبط من الفلك ونبّأ به رسوله بالقرآن خاتم النبيين r فهو من الغيب في القرآن .
ويعني حرف الجن أن العذاب الموعود في الدنيا الذي سيراه المكذبون هو من الغيب في القرآن الذي أظهر عليه رسوله النبي الأمي r .
ويعني حرف الزمر إجابة استفتاح النبي r وهو قوله } قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون { وهو الموعود المتأخر في سياق خطاب المؤمنين ـ كما بيّنت في كليات من التفسير ـ وهو الفتح في يوم القيامة بعذاب الظالمين كما في قوله } ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة { وتأخر ذكر الموعود المتقدم كما في قوله } وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { يعني الإهلاك في الدنيا .
ويعني حرف يونس أن الكلمة التي سبقت من ربنا وأخر بسببها العذاب عن المكذبين الذين عاصروا النبي r هي وعده بتأخير العذاب إلى آخر الأمة ، وأن العذاب الموعود في الدنيا والآيات الخارقة للتخويف والقضاء هما من الغيب في القرآن الذي لن يأتي به غير الله وأنه مما يجب على المؤمنين انتظاره لتكليف النبي r بانتظاره فمن يرغب من المؤمنين عن وعد وعد به الله وكلّف نبيه r بانتظاره .

من النبوة
} تلك القرى نقص عليك من أنبائها{



إن قوله } تلك القرى نقص من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع لله على قلوب الكافرين { الأعراف 101 لمن المثاني مع قوله } ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة { هود 100 ـ 103 ويعني الحرفان أن ما تضمنه قصص القرآن من مصارع القرى التي أهلكت من قبل هو مما نبّأ الله به خاتم النبيين r في القرآن وسيقع في هذه الأمة مثله والقرينة في حرف الأعراف أن قوم نوح قد أهلكوا كما في قوله } وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين { الأعراف 64 وأهلكت عاد كما في قوله } وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين { الأعراف 72 وأهلكت ثمود كما في قوله } فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين { الأعراف 78 وأهلكت قوم لوط كما في قوله } وأمطرنا عليهم مطرا { الأعراف 84 وأهلكت مدين كما في قوله } فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين { الأعراف 91 وجميعه في وصف القرى التي أهلكت تفصيلا في سورة الأعراف ثم قال تعالى } ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون { الأعراف 96 وهو في وصف القرى التي أهلكت إجمالا ثم خوطبت هذه الأمة بقوله } أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين { الأعراف 96 ـ 102 ويعني أن القرى العامرة اليوم في مشارق الأرض ومغاربها موعودة ببأس الله سيأتيهم بياتا وهم نائمون وهو عذاب الله بغتة ، أو يأتيهم ضحى وهم يلعبون وهو عذاب الله جهرة كما في قوله } قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون { يونس 50 وقوله } قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون { الأنعام 47 .
وإن البيات والنوم والبغتة والتخوف والقيلولة كما هو مدلول قوله } أو هم قائلون { أوصاف واحدة لا حيلة للإنسان فيها ولا حول .
وإن الضحى واللعب والجهرة أوصاف واحدة فتدبروا قولا فصلا وما هو بالهزل ، ومتى كان البيات والنوم والضحى واللعب من أوصاف يوم القيامة ، إنه الوعد في الدنيا وليس هو العذاب يوم القيامة .
إن الذين يرثون الأرض من بعد أهلها الذين أهلكوا من قبل هم الذين سيسكنون في مساكن الذين ظلموا أنفسهم كما سيأتي سيطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنون حتى يروا العذاب فيهلكون كما أهلك أهل القرى من قبل كما هي دلالة قوله } كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين { .
والقرينة في حرف هود أن قوم نوح أهلكوا كما في قوله } حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور { إلى قوله } قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين { هود 40 ـ 43 .
وأن عادا أهلكوا كما في قوله } ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة { هود 58 ـ 60 .
وأن ثمود أهلكت كما في قوله } فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود { هود 66 ـ 68 .
وأن قوم لوط أهلكوا كما في قوله } فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد { هود 82 ـ 83 .
وأن مدين أهلكت كما في قوله } ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود { هود 94 ـ 95 .
ثم خوطبت هذه الأمة بقوله } ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب { هود 100 ـ 101 ، حكاية عن القرى التي أهلكت من قبل .
ونبّأ الله خاتم النبيين r بقوله } وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة { هود 102 ـ 10 أي أن أخذ ربنا القرى الظالمة الموعود سيكون كذلك أي مثل ما فصّلته سورة هود ، ونبّئ به النبي الأمي r في القرآن .
إن قوله } ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد { التغابن 5 ـ 6 لمن المثاني مع قوله } ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون { التوبة 70 ويعني أن الله نبّأ النبي الأمي محمدا r في القرآن بأن الكفار والمنافقين سيهلكون في الدنيا بمثل ما أهلكت به الأمم المكذبة من قبل ، ودلالة قوله } فذاقوا وبال أمرهم { هي أنهم قد عذّبوا في الدنيا بعذاب جامع ماحق وعطف عليه أن لهم عذابا أليما يعني في الآخرة ، ودلالة قوله } فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون { حيث وقعت في القرآن أنهم قد عذبوا .
إن قوله } وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار { في حرف التوبة قد تعدى إلى موعودين تقدم ذكر المتأخر منهما كما هو تفصيل الكتاب في سياق خطاب المؤمنين ، فالموعود الأول المتأخر ذكره هو قوله } ولعنهم الله { ، والموعود الثاني المتقدم ذكره هو قوله } نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم { ، ولعنهم في الدنيا يعني إهلاكهم بعذاب من عند الله كما تقدم والمعنى أن الله لعنهم كالذين من قبلكم وهم الأمم المهلكة من قبل ، وكذلك وعدهم نار جهنم كالذين من قبلكم من الأمم المكذبة المهلكة .
فالوعدان متعلقان بقوله } كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة { .
وإن قوله } وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله { إبراهيم 8 ـ 9 لمن المثاني مع قوله } أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ...{ النجم 36 ـ 54
ويعني حرف إبراهيم أن موسى نبّأ قومه بني إسرائيل بمثل مصارع قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وهم القرون الكثيرة بين ثمود وقوم لوط ، وإنما خاطب موسى في نبوته هذه بني إسرائيل وهم قومه بقرينتين أولاهما أن القرآن لم يصف فرعون وقومه بأنهم قوم موسى وإنما وصف به بني إسرائيل ، وثانيهما قوله } وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم { إبراهيم 6 وإنما تمت نجاة بني إسرائيل من آل فرعون بعد إهلاك فرعون ، مما يعني أن قوله } ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم { هو من خطاب موسى بني إسرائيل بعد هلاك فرعون وكذلك قوله } وذكّرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور { إبراهيم 5 يعني تذكيرهم بأيام الله أن يوما كالذي أهلكت فيه كل أمة مكذبة من قبل سيأتي مثله فيتذكر به بنو إسرائيل أيام الله وبقرينة قوله } إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور{ كما بينت في كلية الآيات .
ولقد نبّأ الله موسى بمثل ذلك بعد هلاك فرعون وبعد أن آتاه التوراة وذلك قوله } وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين { الأعراف 145 فقوله } سأوريكم دار الفاسقين { هو مما نبّأ الله به موسى ولم يقع بعد إلى يومنا هذا ، وليقعنّ ما وعد الله به موسى ونبّأه به ونبّأ به سائر النبيين مما لم يقع بعد .
وإن قوله } وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى { النجم 50 ـ 54 لمما تضمنته الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ونبئ به خاتم النبيين r في القرآن كذلك فهو منتظر .
إن قوله } قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هـذا فاصبر إن العاقبة للمتقين { هود 48 ـ49 ومن المثاني معه قوله } ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر{ القمر 4
ويعني حرف هود أن قوله } وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم { هو مما نبّأ الله به نوحا بعد إغراق قومه المكذبين ، ولقد متّعت أمم بعد نوح مثل عاد وثمود ومدين وقوم فرعون ثم مسّها عذاب أليم في الدنيا ، لكن نبوة نوح لم تنقض بعد ، بل تضمنها القرآن ونبّأ بها خاتم النبيين r وذلك قوله } تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هـذا فاصبر إن العاقبة للمتقين { ، ويعني أن الله نبّأ خاتم النبيين r بمثل ما نبّأ به نوحا من قبل ولم يتم إيقاعه منذ نزول القرآن إلى يومنا هـذا وإنما سيتم في آخر هـذه الأمة لإيقاع وعد الله } والعاقبة للمتقين { القصص 83 لدلالتها على نهاية الصراع في الدنيا بين الحق والباطل كما سيأتي بيانه في كلية الخلافة على منهاج النبوة .
ويعني حرف القمر أن الساعة إذا اقتربت ، وانشق القمر ، وكذّب المكذبون بآيات ربهم للتخويف والقضاء سيستقرّ عليهم كل أمر أهلك به الأولون ليهلك بمثله الآخرون الذين أعرضوا عن أنباء القرآن ولو عقلوا لازدجروا عن التكذيب فلا يهلكون بمثل ما أهلك به الأولون .
إن قوله } فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هـذا يوم عسر{ القمر 6 ـ 8 لمن الموعود المتأخر الذي تقدم ذكره في خطاب النبي r والمؤمنين والمعنى فتولّ عنهم فسيهلكون كما أهلكت الأمم المكذبة قبلهم كما هي دلالة قوله } كذبت قبلهم قوم نوح { القمر 9 وقوله } كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر{ القمر 18 وقوله } كذبت ثمود بالنذر{ القمر 23 وقوله } كذبت قوم لوط بالنذر { القمر 33 وقوله } ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها { القمر 41 ـ 42 ولقد بيّن الله مصارع كل منهم ، فأما مصرع قوم نوح فكما في قوله } ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر { القمر 11 ـ 12 وبيّن الله أن هـذا المصرع سيقع مثله في هـذه الأمة ليتذكر بالقرآن كما هي دلالة قوله } فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل مدكر { القمر 16 ـ 17 أي عاقل يذّكّر فينجو من هـذا المصرع الموعود مثله ، وأما مصرع عاد فكما في قوله } إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر { القمر 19 ـ 20 وبيّن الله أن مصرعهم سيقع مثله في هـذه الأمة ليتذكر بالقرآن كما هي دلالة قوله } فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر { القمر 21 ـ 22 أي عاقل يذّكّر فينجو من هـذا الموعود ، وأما مصرع ثمود فكما في قوله } إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر { القمر 31 وبيّن الله أن مصرعهم سيقع مثله في هـذه الأمة ليتذكر بالقرآن كما هي دلالة قوله } ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر { القمر 32 أي عاقل يذّكّر فينجو من هـذا الموعود ، وأما مصرع قوم لوط فكما في قوله } ولقد صبّحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر { القمر 38 ـ 39 وبيّن الله أن مصرعهم سيقع مثله في هـذه الأمة ليتذكر بالقرآن كما هي دلالة قوله } ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر{ القمر 40 أي عاقل يذّكّر فينجو من هـذا الموعود ، وأما مصرع آل فرعون فكما في قوله } فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر { القمر 42 وبيّن الله أن مصرعهم سيقع مثله في هـذه الأمة كما هي دلالة الاسمين العزيز المقتدر كما بيّنت في حرف الأسماء الحسنى في مقدمة التفسير ، ثم خاطب الله هـذه الأمة بقوله } أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر { القمر 43 ويعني أن الله سيهلك الكفار في هـذه الأمة بمثل مصارع المذكورين في هـذه السورة فهو الموعود المتأخر ذكره بعد قوله } فتول عنهم { ، ويعني أن الله لم ينزل في الزبر وهو الكتب المنزلة من قبل عهدا منه أن لا يهلك المكذبين في هـذه الأمة بمثل ما أهلك به المكذبين من الأمم السابقة .
إن قوله } ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار { إبراهيم 28 لمن المثاني مع قوله } سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب { البقرة 211 ويعني حرف إبراهيم أن مما عرض على النبي الأمي r عرضا رآه ونبئ به أن قوما سيبدّلون نعمة الله كفرا بدل شكرها وسيحلّون قومهم دار البوار أي يجعلونهم يعذبون في الدنيا كما يأتي تحقيقه ، ويعني حرف البقرة أن الله شديد العقاب سيعذّب في الدنيا قوما من بني إسرائيل سيبدلون نعمة الله كفرا بدل شكرها كما يأتي تحقيقه .
وإن قوله } ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور { لقمان 31 لمن المثاني مع قوله } إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية { الحاقة 11 ـ 12 ويعني أن مما نبئ به النبي r عرضا عليه كما هو مدلول قوله } ألم تر { ومما وعد به في القرآن أن الفلك ستجري بنعمة الله بطائفة من المؤمنين ينجيهم الله فيها من الإغراق كما يأتي تحقيقه .
الأحزاب


إن قوله } أم يقولون نحن جميع منتصر { القمر 44 ليعني أن الجميع المنتصر هم الجمع وهم الأحزاب الذين سيهزمون في آخر هذه الأمة وقد بدأت الأحزاب تتحزب عليها وتتداعى .
وإن قوله } سيهزم الجمع ويولون الدبر { القمر 45 لمن المثاني مع قوله } جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب { ص 11 ويعني أن الله وعد في القرآن أن يهزم الأحزاب المتأخرين عن نزول القرآن كما هزمت الأحزاب من قبل كما في قوله } كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب { غافر 5 .
وقد هزمت الأحزاب من قبل كما في قوله } وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين { الأنبياء 11 ـ 14 وقوله } وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم{ غافر 30 ـ 33 و قوله } جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب { ص 11 .
وإن قوله } ويولون الدبر { لمن المثاني مع قوله } إذا هم منها يركضون { وقوله } يوم تولون مدبرين { فالذين يركضون طلبا للنجاة قد ولّوا مدبرين وولوا الدبر وإنما ذلك كله من أوصاف الدنيا لا الآخرة .
وسيأتي من البيان في من بيان القرآن .

دلالة الاستهزاء بالرسل

إن قوله } وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون { الأنعام 4 ـ 5 لمن المثاني مع قوله } وما يأتيهم من ذكر من الرحمـان محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون{ الشعراء 5 ـ 6 ويعني أن المكذبين في هذه الأمة سيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون وهو العذاب في الدنيا الذي كانوا به يستعجلون استهزاء به وتكذيبا ، وكما في قوله } ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا يستهزئون { هود 8 أي سيحلّ عليهم العذاب الموعود الذي كانوا يستهزئون بالوعد به ولا يأخذونه بقوة ، وكذلك حاق بالذين كفروا من قبل ما كانوا به يستهزئون أي أهلكوا في الدنيا كما في قوله } ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون{ الأنبياء 41 الأنعام 15 وحذّر الله هـذه الأمة من ذلك كما في المثاني :
· }هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولـكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { النحل 33 ـ 34
· } أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون { الروم 9 ـ 10
· } أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون { خاتمة غافر
· } واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف { إلى قوله } فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { الأحقاف 21 ـ 26
· } يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون { يس 30
وفي حرف النحل قرينتان على أن ذلك سيتكرر مثله في هـذه الأمة أولاهما قوله } هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة { أي للإهلاك كما في قوله } ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين { الحجر 8 وكما فصلته في بيان قوله } تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم { ، وثانيهما قوله } كذلك فعل الذين من قبلهم { أي مثل تكذيب هـؤلاء كذّب به من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون أي أهلكوا في الدنيا وكذلك سيهلك هـؤلاء ، والقرينة في حرف الروم أمر المكذبين في هـذه الأمة بالسّير في الأرض للاعتبار بعاقبة الذين أهلكوا من قبل بسبب تكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بوعده فلا يصيبهم مثل ما أصابهم ، وكذلك القرينة في حرف خاتمة غافر .
والقرينة في حرف الأحقاف أنه من الذكر كما هي دلالة الذكر .
والقرينة في حرف يس أنه من المثل الذي ضربه الله لهـذه الأمة كما هي دلالة ضرب الأمثال في القرآن ولكن لا يعقلها إلا العالمون .
ضرب الأمثال


إن قوله } وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون { العنكبوت 43 ليعني أن ضرب الأمثال في القرآن ليس للتسلية والترفيه وإنما هو للدلالة على التخويف من موعود قد وقع مثله من قبل وسيقع مثله من بعد أي بعد نزول القرآن ، كما سيأتي تحقيقه في من بيان القرآن .

} وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال {

إن قوله } وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا { الفرقان 37 ـ 39 ليعني أن لا عذر بعد ضرب الأمثال وأن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون حيث وقعت وكيف وقعت في سياق إهلاك القرون الأولى .
إن المثاني في قوله :
· } وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين { الزخرف 6 ـ 8
· } فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين { الزخرف 56
لتعني أن المكذبين من الأمم الماضية إنما هم سلف سيأتي بعدهم خلف متأخر هم الآخرون وسيهلكون في الدنيا بمثل ما أهلك به الأولون .
ويعني أول الزخرف أن الأمم المهلكة قبل نزول القرآن كانوا أشد بطشا من آبائهم الذين عاصروا النبيين واستهزأوا بهم ويعني أن الذين استهزأوا بخاتم النبيين r ما كانوا ليهلكوا في الدنيا بمثل ما أهلك به الأولون وكما في المثاني معه في قوله } وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون { الأعراف 94 ـ 95 وقوله } وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم { الأنفال وإنما سيهلك من هم أشد منهم بطشا وهم كالذين عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء .
ويعني ثاني الزخرف أن ربنا قد جعل آل فرعون الذين انتقم منهم فأغرقهم أجمعين سلفا ومثلا للآخرين أي سيأتي في آخر هذه الأمة من يسيرون سيرتهم كلها وينتقم الله منهم فيغرقهم أجمعين .
وإن قوله } ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين { النور 34 لمن المثاني مع قوله } كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم { الحشر 15 وقوله } ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات { الرعد 6 ويعني أن القرآن قد تضمن مثلا من الأمم المكذبة المهلكة من قبل ، ووعد المكذبين في آخر هذه الأمة بالإهلاك كما هي دلالة التشبيه بمثل الذين خلوا من قبلهم ، والمثلات التي خلت من قبل منها تدمير المكذبين .
وإن قوله } واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون { إلى قوله } إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون { يس 13ـ 29 لمن المثاني مع قوله } وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون { النحل 112 ـ 114
ويعني أن مثل الفريتين سيتكرر بعد أن أرسل الله رسوله النبي r بالقرآن وأن سيقع الاستهزاء فتأتي على المستهزئين صيحة واحدة تجعلهم خامدين ، وأن سيقع كفر النعمة فيذيقهم الله لباس الجوع والخوف ويأخذهم العذاب وهم ظالمون .
وإن قوله } وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال { إبراهيم 44 ـ 45 ليعني أن المتأخرين الذين سيأتيهم العذاب الموعود في الدنيا سيسألون ربهم أن يؤخرهم ليؤمنوا ولن يؤخرهم الله وإنما سيهلكهم وهم ظالمون لأن الأمثال قد ضربت لهم في القرآن من قبل .
وقد بدأ الوعد يقترب لقوله } أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال { وهو من المثاني مع قوله } وظن أهلها أنهم قادرون عليها { يونس 24 ولقد اقتربت البشرية من هـذه المرحلة بما بلغته من التقدم التقني والعلمي .
إن قوله } فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب { ليعني أن هذا الموعود هو في الدنيا ، أما في الآخرة فلا يسأل الظالمون التأخير وإنما يسألون أن يردوا إلى الدنيا كما في قوله } ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين { الأنعام 27 وقوله } وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل { الشورى 44 وقوله } هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل { الأعراف 53 ويعني أنهم يوم القيامة يتمنون أن يردوا أي يرجعون إلى الدنيا موطن التكليف ليعملوا صالحا .
أما التأخير كما في قوله } وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب{ فإنما هو في الدنيا كما في المثاني :
· } ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { هود 8
· } لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون { يونس 49
· } ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون { الأعراف 34
· } ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولـكن يؤخرهم مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون { النحل 61
· } ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون { الحجر 5 الفلاح 43
· } وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون { خاتمة المنافقين
·} إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون { نوح 4

منالقول

} أفلم يدبروا القول {

إن نوحا خاطب قومه كما في قوله } قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم { هود 38 ـ 39 وقد حلّ على قومه في الدنيا عذاب أخزاهم وهو الطوفان وسوف يحلّ عليهم في الآخرة في جهنم عذاب مقيم ، وخاطب شعيب قومه كما في قوله } ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب { هود 93 وقد جاءهم في الدنيا عذاب أخزاهم وهو الصيحة وجاء السياق بترتيب الموعودين الأول قبل الثاني لأنه في خطاب الذين لا يؤمنون بالغيب وهم قوم نوح وقوم شعيب .
ومن القول في القرآن قوله } قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم { الزمر 39 ـ 40 ويعني أن المكذبين بعد حياة النبي r كما هي دلالة القول سيعلمون رأي العين أنهم هم الذين سيأتيهم عذاب يخزيهم في الدنيا وسيحلّ عليهم في جهنم عذاب مقيم .
ومنه قوله } قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين { الأنعام 40 ومن المثاني معه قوله } قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمـان مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا { مريم 75 ويعني أن عذاب الله سيأتي على المجرمين في الدنيا قبل الساعة إذ غاير بينهما .
ومنه قوله } قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون { الأنعام 47 ومن المثاني معه قوله } قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون { يونس 50 .
ومنه قوله } فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين { الأنعام 147 ويعني أن رحمة ربنا الواسعة ستشمل بعد حياة النبي r قوما لا يكذبونه ، وأن بأس ربنا يومئذ لن يردّ عن القوم المجرمين ومن المثاني معه قوله } ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين { يوسف 110 أي سيهلكهم وعدا منه .
ومنه قوله } قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين { الأنفال 38 ويعني أن الذين كفروا بعد حياة النبي r سيؤمرون بالإسلام فإن أسلموا يغفر لهم ما قد سلف والإسلام يجبّ ما قبله وإن يعودوا إلى الكفر فستأتي عليهم سنة الأولين وهو الإهلاك الذي دمّر قوم نوح وعادا وثمود والذين من بعدهم .
ومنه قوله } قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما { خاتمة الفرقان ويعني أن الذي سوف يكون لزاما هو العذاب الموعود بعد حياة النبي r كما هي دلالة القول وكما في المثاني معه في قوله } أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى { طه 128 ـ 129 ويعني أن الكلمة التي سبقت من ربنا هي تأخير العذاب إلى أجل مسمى وإلى أمة معدودة كما في حرف هود ، فلولا تأخير العذاب إلى آخر الأمة لكان لزاما أن يعذب المكذبون الذين عاصروا النبي r .
ومنه قوله } قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذّب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون { الأنعام 65 ـ 67 ويعني أن الله سيبعث على طائفة من مكذبي هذه الأمة عذابا من فوقهم ويبعث على طائفة أخرى منهم عذابا من تحت أرجلهم كما هي دلالة القول وأنه مما ينتظر في أمة النبي r بعد حياته ودلالة قوله } انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون { ويعني أن الله قد جعل من الصواعق وما يتساقط من الشهب وهي القطع أو الكسف من السماء آيات على أن الله قادر على أن يبعث علي المكذبين عذابا من فوقم فهلا فقهوا ذلك ، وجعل من الزلازل والخسف والبراكين ونحوها آيات ودلائل على أن الله قادر على أن يبعث عليهم عذابا من تحت أرجلهم فهلا فقهوا ذلك ، وإن العذاب من فوق ومن تحت أرجل المكذبين سيحل عليهم كما في قوله } وكذّب به قومك وهو الحق { أي كذّب قومه بالقرآن ومنه هذا الوعد وهو الحق غير الباطل واللعب ، وكما هي دلالة قوله } لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون{ ويعني أن هـذا الوعد والقول من النبوة في القرآن وسيعلمه الناس رأي العين كما هي دلالة النبوة .
ومنه قوله } قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون { التوبة 52 وقوله } ويقولون متى هـذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون { خاتمة السجدة وقوله } فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين { يونس 102 ويعني حرف التوبة أن الله سيصيب المنافقين بعذاب من عنده في الدنيا بعد حياة النبي r كما هي دلالة القول ودلالة أنه مما ينتظر ، ويعني حرف يونس أن يوما مثل أيام الذين خلوا من قبل هـذه الأمة سيأتي على المكذبين بعد حياة النبي r كما هي دلالة القول ودلالة أنه مما ينتظر ، ويعني حرف السجدة أن يوم الفتح إذا جاء فلن ينفع الذين كفروا إيمانهم بل سيهلكون ، وأنه مما ينتظر بعد حياة النبي r في أمته وهو اليوم الذي سيفتح الله فيه بين الفريقين من هـذه الأمة فينجي المؤمنين ويستخلفهم في الأرض ويهلك المكذبين كما أهلك سلفهم المجرمين من الأمم الماضية .
إن يوم الفتح هو الذي سأله الرسل من قبل كما في قوله :
· } قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين { الشعراء 118
· } ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين { الأعراف 89
· } واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد { إبراهيم 15
ويعني أن نوحا وشعيبا وسائر الرسل بالآيات استفتحوا ربهم طلبا للنصر وقد أجاب الله دعاءهم فنجاهم ومن معهم وأهلك المجرمين في يوم الفتح .

من الذكر

} ولقد يسرنا القرآن للذكر {

إن قوله } ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر { المكررة في القمر بعد ذكر تكذيب وإهلاك كل من قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط ليعني أن سيقع في هـذه الأمة مثل تلك المصارع سواء بسواء ولن ينجو منها إلا من ادكر أي تذكر بالقرآن لينجو من العذاب الموصوف في سورة القمر .
وأمر الله الناس أن يعقلوا الذكر بقوله } لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون { الأنبياء 10 قبل قوله } وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين { الأنبياء 11 ـ 15 ، أفلا يعقل الناس أن هـذا مما سيتذكر مثله في هـذه الأمة .
وأمر الله كذلك بالذكر قبل قوله } وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين { الأعراف 4 ـ5 ، وتضمنت سورة الأعراف نماذج الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم ولم يتبعوا من دونه أولياء وهم الذين اتبعوا نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا وموسى وقد نجوا جميعا من بأس الله في أيام الله ، وليعلم الناس في هـذه الأمة أنهم قد أنزل إليهم ذكر من الأولين وأنهم لم يكلفوا إلا بما يطيقون ليمتثلوا قوله } اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون { الأعراف 3 ، وليعرضوا عن نماذج المكذبين من قوم نوح ومن عاد وثمود وقوم لوط ومدين وفرعون وملئه ، وقد أهلكوا جميعا .
وإن من الذكر قوله } وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هـذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون { الأعراف 172 ـ 173 ويعني أن من الذكر في القرآن كما هي دلالة قوله } وإذ { أن المشركين سيهلكون في الدنيا بعذاب من عند الله ولن يعذروا بما اعتذروا به أي بتقليد سلفهم .
وأمر الله في القرآن بتأمل مثل الفريقين وتذكره كما في قوله } مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون { هود 24 قبل ذكر الفريقين من قوم كل من نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ، فالفريق البصير والسميع هم الذين نجوا برحمة ربهم من العذاب الذي أهلك به الفريق الأعمى والأصم من قوم نوح ومن عاد وثمود ومن قوم لوط ومن مدين وفرعون وملئه .
وأما مثل الفريقين فمنتظر في هـذه الأمة وسيقع ليصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه هو مثل البصير والسميع وإلى فسطاط نفاق وكفر لا إيمان فيه هو مثل الأعمى والأصم ليهلك مثل الأعمى والأصم وينجو برحمة ربنا مثل السميع والبصير .
وتضمنت سورة الشعراء من ذكر الفريقين مثل ما تضمنت سورتا هود والأعراف ، وهو ذكر من الرحمـان كما في قوله } وما يأتيهم من ذكر من الرحمـن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون { الشعراء 5 ـ 6 أي سيهلك بالعذاب الموعود المعرض عن ذكر الرحمان كما أهلك به الأولون وفصلته سورة الشعراء تفصيلا وحذرت من مثله في قوله } كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين { الشعراء 200 ـ 209 ويعني أن ذكرى أي سيتذكر مثله في القرى القائمة قبل إهلاكها .
إن قوله :
· } وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد { سورة ق 26 ـ 27
· } وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين { الشعراء 208 ـ 209
ليعني أن إهلاك المكذبين بعد نزول القرآن قد وعد به الله في القرآن وسيتذكّره من كان له قلب وألقى السمع إلى القرآن وهو شهيد أي حاضر بعقله وفكره وتدبره وهم الذين سينجون من ذلك العذاب الموعود .
إن قوله :
· } مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون { هود 24
· } وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون { غافر 58
· } ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون { إبراهيم 25
ليعني أن الذين هداهم الله هم الذين يستمعون القول فيتذكرون ويتبعون أحسن ما أنزل إليهم من ربهم وهو مثل البصير والسميع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويعرضون عن مثل الأعمى والأصم وهو المسيء فتأمل دلالة قوله } فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب { الزمر 17 ـ 18


من الأسماء الحسنى

إن قوله } إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير { التوبة 39 ليعني أن من الموعودات في الدنيا عذاب المنافقين الممكنين في الأرض عذابا أليما قبل أن يستخلف غيرهم في الأرض ، وهو وعد حسن كما هي دلالة اسمه القدير .
وإن قوله } أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير { الحج 39 ليعني أن من الموعودات أن ينصر الله المؤمنين دونما جهد منهم ، وهو وعد لم يقع في حياة النبي r والذين آمنوا بل جاهدوا بجهدهم وقاتلوا بأموالهم وأنفسهم ونصرهم الله في مواطن كثيرة جاهدوا وقاتلوا فيها .
وإن قوله } قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أومن تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض { الأنعام 65 ليعني أنه من الوعد الحسن ولقد تأخر الموعود المتقدم وهو أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض وهو ما نشهده اليوم ، وتقدم ذكر الموعود المتأخر وهو أن يرسل الله عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم .
وإن قوله } ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر { القمر 42 ليعني أن من الوعد الحسن أن يأخذ الله خلف آل فرعون أخذا وبيلا يتم به قضاء الله بين الفريقين ووعده كما هي دلالة اسمه العزيز ، ويتم به إهلاكهم ليعلموا رأي العين قدرة الله عليهم كما في قوله } أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون { الزخرف 42 .
وإن قوله } وإن ربك لهو العزيز الرحيم { الشعراء 68 ـ 122 ـ 140 ـ 159 ـ 175 ـ 191 بعد ذكر إغراق فرعون وجنوده وقوم نوح وإهلاك عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة ليعني أن الله بعزته قد قضى بعذاب كالذي أهلك به كلا منهم في هـذه الأمة ووعد به فلن ينجو منه إلا من رحمه الرحيم برحمته .
وإن من تفصيل الكتاب أن الاسمين القوي العزيز هما للدلالة على قضاء قضى الله به ووعد بإنفاذه وسيقع بعد نزول القرآن بقوة الله وعزته لا بجهود الناس وأسبابهم التي عرفوها من قبل كما في قوله :
· } ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا { الأحزاب 25
· } فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز { هود 66
ويعني قوله } وكان الله قويا عزيزا{في حرف الأحزاب أن الله قد ردّ الذين كفروا بغيظهم وهزمهم دونما جهد من المؤمنين في القرون الأولى وكما شهده الفريقان في غزوة الأحزاب وليقعن في الأمة مثله بعد نزول القرآن كما هي دلالة الأسماء الحسنى
ويعني حرف هود أن رب العالمين قد وعد النبي الأمي r بنصر كالذي نصر به صالحا والذين آمنوا معه ، وهو وعد خارق معجز لن يقدر عليه غير رب العالمين كما هي دلالة إسناد الاسمين القوي العزيز إلى ربه .
وإن المثاني في قوله :
· } إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب { عمران 10 ـ 11
· } ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب { الأنفال 50 ـ 52
· } أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب { غافر 21 ـ22
لتعني أن الله شديد العقاب سيأخذ الذين كفروا بذنوبهم فيعذبهم بعد نزول القرآن عذابا شديدا كما عذب آل فرعون والذين من قبلهم ، وليعلم الناس أن الله شديد العقاب كما أخبر به من قبل في القرآن المنزل على خاتم النبيين r ، ولن تنفعهم قوتهم لأن الله هو القوي وهو أشد منهم قوة .
وكذلك دلالة قوله } ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال { الرعد 13 .


بيان سورة القدر


} إنا أنزلناه {

إن قوله } إنا أنزلناه { بإسناد الفعل إلى رب العالمين كما بينت في دلالة الاسمين الله رب العالمين ليعني أن المنزل خارق معجز لا يقدر عليه غير رب العالمين ، وكذلك المنزل في قوله } إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان { الأنفال 41 ويعني أن الذي أنزل على النبيr وأصحابه يوم بدر هو النصر والملائكة والفرقان الخارق المعجز كما في رميه بيده الحصى فأصابت وجوه العدو يوم بدر ، وليس المنزل في حرف الأنفال هو القرآن إذ لم تنزل سورة الأنفال إلا بعد رجوعهم إلى المدينة وأخذهم الفداء من الأسرى .
وكما أنزل النصر أنزل العذاب في القرآن كما في قوله } فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون { البقرة 59 وقوله } إنا منزلون على أهل هـذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون { العنكبوت 34 وقوله } أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين { الصافات 176 ـ 177 وقوله } وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين { الحجر 89 ـ 91 ولا يخفى أن الذي أنزل على ظالمي بني إسرائيل يومئذ هو الرجز الذي عذبوا به ، وأن المنزل على قوم لوط هو الحاصب الذي أمطروا به ، وحرف الصافات صريح في أن الموعود إنزاله هو العذاب ويعني فإذا نزل العذاب بساحة المجرمين فسيسوء صباحهم ، ولا يخفى أن المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين هم الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، والنبي الأمي rهو النذير المبين الذي أنذرهم ما أنزل في شأنهم من العذاب الموعود الذي سينزل عليهم كما في قوله } أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب { البقرة 85 ويعني أنهم موعودون في الدنيا بعذاب شديد ينزل عليهم فيهلكهم وموعودون في يوم القيامة أن يردوا إلى أشد العذاب مما يعني أنهم قد عذبوا في الدنيا بعذاب شديد قبله .
إن قوله } إنا أنزلناه في ليلة القدر{ ومن المثاني معه قوله } إنا أنزلناه في ليلة مباركة { الدخان 3 هو من الماضي الذي يراد به المستقبل كما بينت من خلال هـذا البحث ومن القرائن في حرف القدر قوله } واسجد واقترب { في خاتمة العلق ويعني أن أمر النبي r بالسجود هو لطلب النصر على الذي ينهى عبدا إذا صلى ويتوعد بناديه ، وسينزل الله النصر في ليلة القدر ولن يبقى على ظهر الأرض بعد مطلع فجرها من ينهى عبدا إذا صلى إذ سيعذب فيه المشركون والكفار والمنافقون كما بينت ويبقى أهل الكتاب في الأرض المباركة وقد حقّ عليهم وعد الله } وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله { البقرة 61 ويومئذ يقاتلهم المسلمون فيختبئون وراء الحجر والشجر كما يأتي بيانه في كلية القتال في سبيل الله ، ويومئذ يقع عليهم وعد الله في القرآن } غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا { المائدة 64 أي أن فعل الأمر في القرآن } غلّت أيديهم { سيقع عليهم يومئذ فلا يستطيعون حمل السلاح ولا تحريك أيديهم فيختبئون وراء الحجر والشجر ويقاتلهم في سبيل الله يومئذ المسلمون وإمامهم منهم ومعهم عيسى ابن مريم كما بيّنت كذلك في كلية المنظرين ذلك مما نبّأ الله به محمدا في القرآن ولم يتدارسه الناس ، والقرينة في حرف الدخان قوله } وقيله يا رب إن هـؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون { في خاتمة الزخرف ويعني أن النبي r سأل ربه النصر على الذين لا يؤمنون فأمر بالصفح عنهم وأخبر بأن المكذبين سيعلمون رأي العين ما وعدهم به الله في الدنيا وفي الآخرة وإن من موعوداته في الدنيا تنزل النصر من الله دونما جهد من المؤمنين في ليلة مباركة هي ليلة القدر .

}في ليلة القدر {

إن ليلة القدر في أحرفها الثلاثة لمتفق على قراءتها بإسكان الدالأي من القدرة كما في اسمه القادر القدير المقتدر كما في قوله } قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم { الأنعام 65 وقوله } فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير{ البقرة 109 وقوله } عند مليك مقتدر { خاتمة القمر وكما في قوله } وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها { الفتح 21 .
وإن القدر ـ بإسكان الدال من القدرة ـ ليس مثل القدر بفتح الدال كما في قوله} وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم{ الحجر 21 وقوله } ثم جئت على قدر يا موسى { طه 40 وقوله } وأنزلنا من السماء ماء بقدر{ الفلاح 18 .
نعم إن ربنا خلق كل شيء بقدر ـ بفتح الدال ـ كما في قوله } إنا كل شيء خلقناه بقدر{ القمر 49 وليلة القدر كذلك مخلوقة بقدر .
ولا أعترض على القول بنزول القدر بفتح الدال في ليلة من السنة معلومة أو متغيرة في رمضان أو غيره .
إن نصرا من عند الله موعودا في القرآن سينزل على المؤمنين في ليلة القدر لم يأت بعد ولم تعرفه الأمة منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا بل هو مما نبأ الله به خاتم النبيين r والنبيين قبله وسيتم وقوعه في آخر هذه الأمة قبيل الساعة .
إن ليلة القدر سيدمر الله في ساعتها بين مطلع الفجر ومطلع الشمس المجرمين المكذبين في آخر هذه الأمة بمثل ما دمر الله به سلفهم قوم نوح وقوم لوط وبمثل ما دمر به عادا وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب مدين وفرعون وقومه ، أي أن الله سيهلك طائفة من المكذبين في آخر هذه الأمة بالطوفان والغرق وطائفة بالريح العقيم وطائفة بالصاعقة وطائفة بالصيحة وطائفة بعذاب يوم الظلة وطائفة بالخسف وأن يمطروا بحجارة من سجيل منضود...

} وما أدراك ما ليلة القدر {

إن من تفصيل الكتاب أن جميع ما في الكتاب والقرآن من قوله } وما أدراك { حيث وقع فإنما لبيان الإخبار عن غيب ذي هول وفزع منتظر بعد نزول القرآن لن يدركه النبي r في حياته كما في قوله :
· } وما أدراك ما يوم الفصل { المرسلات 14
· } وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله { خاتمة الانفطار
· } وما أدراك ما القارعة { القارعة 3
· } وما أدراك ما هيه نار حاميه { خاتمة القرعة
· } وما أدراك ما الحطمة { الهمزة 5
· } وما أدراك ما سقر { المدثر 27
· } وما أدراك ما سجين { التطفيف 8
· } وما أدراك ما عليون { التطفيف 19
وجميعه من الغيب الموعود في يوم القيامة أو في اليوم الآخر ، وأما قوله } وما أدراك ما الحاقة { الحاقة 3 فهو من الغيب المنتظر في الدنيا كما بينت وفي الآخرة كذلك ، وأما قوله } وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب { الطارق 2 ـ3 فهو من الغيب المنتظر في الدنيا لا في الآخرة ومن المثاني معه قوله } والنجم إذا هوى { وإنما أقسم الله به لتأكيد أنه من الغيب المنتظر كما هي دلالة القسم في القرآن كما بيّنت في مقدمة التفسير ، وكذلك قوله } وما أدراك ما ليلة القدر { هو من الغيب المنتظر بعد نزول القرآن ولن يدركه النبي r في حياته قبل موته .

} ليلة القدر خير من ألف شهر {

إن قوله } ليلة القدر خير من ألف شهر { ليعني أن ألف شهر هي التي سيمتع فيها من سيهلكون في فجر ليلة القدر كما في قوله } أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون { الشعراء 205 ـ 207 والمعنى أن العذاب الموعود سينتهي به ما متع به المكذبون قبله إذ سيدمر الله في فجر ليلة القدر ما سيمتعون به سنين قبلها .
ويعني قوله } ليلة القدر خير من ألف شهر { أنها ليست جزءا مما خيّرت عليه وإذا لاختلّ المعنى وفسد النظم ، وإن من تفصيل الكتاب أن الذي هو خير ليس جزءا من الذي هو أدنى ، مما يعني المغايرة كما في قوله :
· } قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى { البقرة 263
· } من جاء بالحسنة فله خير منها { القصص 84
· } فما آتاني الله خير مما آتاكم { النمل 36
ويعني أن الأذى ليس جزءا من الصدقة والمعروف ، وأن مغفرة الله وجنته ليست جزءا من الأعمال الصالحة في الدنيا ، وأن ما آتى الله سليمان من النبوة والملك والتمكين ليس جزءا من ملك أهل سبأ .
وكذلك ليلة القدر خير من ألف شهر ، وليست جزءا منها كما زعم التراث أنها تأتي كل عام أو في كل رمضان أي أنها متكررة في ألف شهر ثلاثا وثمانين مرة وإنما المعنى أن الكفار سيغلبون بالنصر يتنزل على المؤمنين في ليلة واحدة هي ليلة القدر ، ولا ينفع المكذبين ما متعوا به ألف شهر قبلها وسيهلك الله فيها من الأحزاب أكثر مما قتل الأحزاب في ألف شهر قبلها من المسلمين .

} تنزل الملائكة والروح فيها {

إنالمثاني :
· } هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولـكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { النحل 33 ـ34
· } هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون { الأنعام 158
ويعني حرف النحل أن المكذبين إنما يؤخرون إيمانهم لفرط تكذيبهم بالغيب كأنما ينتظرون أن تأتيهم الملائكة في الدنيا أو يأتيهم أمر ربنا وهو العذاب ، وكذلك فعل الذين من قبلهم فلم يؤمنوا حتى جاءتهم الملائكة منزلة بالعذاب كما يأتي تحقيقه .
ويعني حرف الأنعام أن المكذبين إنما يؤخرون إيمانهم لفرط تكذيبهم بالغيب كأنما ينتظرون أن تأتيهم الملائكة في الدنيا أو يأتي ربنا للحساب في يوم القيامة أو تأتيهم الآيات الخارقة الموعودة كما بينت في كلية الآيات ، وقد وعد الله أن سيكون جميع ذلك كما هي دلالة قوله } قل انتظروا إنا منتظرون { ، ويعني قوله } إنا منتظرون { أن انتظار جميع ذلك هو مما كلف به النبي r أي هو من سنته وأن المؤمنين ينتظرون ذلك الوعد تبعا لنبيهم r ومن لم ينتظره منهم فقد رغب عن سنته وما هو من أمته .

} بإذن ربهم {

إن قوله :
· } سندع الزبانية { العلق 18
· } ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين { الحجر 8
· } ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون { الأنعام 8
· }وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا { مريم 64
· } تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم { الفجر 4
وسيأتي بيان حرف العلق مفصلا كثيرا وطويلا في كلية الكتاب .
ويعني حرف الحجر أن تنزل الملائكة لن يكون لأجل أن تقرّ أعين الكفار بهم ، ولن يكون عبثا أو هزلا أو لعبا وإنما سينزل ربنا الملائكة بالحق لإنفاذ وعده بإهلاك المجرمين في آخر الأمة ، فإذا تنزلت الملائكة بالعذاب فسيسأل المكذبون التأخير ليؤمنوا ولن ينظروا بل سيهلكون كما في قوله } وما كانوا إذا منظرين { ومن المثاني معه قوله } ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون { .
والحرفان صريحان في أن رب العالمين هو الذي سينزل الملائكة ـ كما هي دلالة الضمير المتصل في قوله } ولو أنزلنا { وقوله } ننزل {
ويعني حرف مريم أن الملائكة لن تتنزل إلى الأرض إلا بأمر ربنا أي بعذابه كالذي أهلك به الأولون وفي إضافة الملائكة الأمر إلى رب النبي الأمي r دلالة إخباره أن ربه سينصره على المجرمين بعذاب من عنده لا بجهود المؤمنين، وتعني دلالة قوله } له ما بين أيدينا { أنه تبارك وتعالى هو الذي أذن لهم بالتنزل من قبل لإهلاك المكذبين من الأمم السابقة ، فتنزلهم من قبل بالعذاب هو ما بين أيديهم وأما ما خلفهم من التنزل بالعذاب كما في قوله } وما خلفنا { فهو المنتظر وما يستقبل من تنزلهم ومن المثاني معه قوله } تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم { ، فالله وحده هو الذي يملكه وسيأذن به مهما تأخر كما في قوله } وما كان ربك نسيا { ويعني أن تنزل الملائكة بالعذاب سيتأخر كثيرا عن نزول القرآن .
ويعني حرف القدر أن الملائكة ستتنزل في ليلة القدر وأن الروح أي جبريل سينزل كذلك مع الملائكة فيها بإذن ربهم وهو تنزل خارق معجز لا يقدرون على مثله لأنفسهم بل يأذن لهم ربهم به .


وإن قوله :
· } ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب { سبأ 51
· } ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون { الأنعام 93
· } ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم { الأنفال 50
· } فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم { القتال 27
· } قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا { مريم 75
· } حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا { الجن 24 ـ 25
· } يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا{ الفرقان 22
· } ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما { الفتح 6 ـ7
ويعني حرف سبإ أن الذين سيضلون عن الحق الذي أوحي إلى النبي الأمي r وهو القرآن سيفزعون فزعا في الدنيا بعد حياة النبي r كما هو مدلول قوله } ولو ترى { كما بينت في النبوة في مقدمة التفسير ويعني أن ذلك الموعود سيتأخر نفاذه عن حياة النبي r ويوم يقع نفاذه وهو الميعاد الذي لا يخلفه الله ولا يستبشرون من تنزل الملائكة التي ستأخذهم من مكان قريب تماما كما بيّنه القرآن في حرف الأنعام والأنفال والقتال بأن الظالمين وهم في غمرات الموت ستكلمهم الملائكة بقولها } أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون { وإنما هو عذاب في الدنيا على جمع الظالمين يوم يعذبون كالأحزاب من قوم نوح ومن بعدهم من المكذبين المستكبرين عن الحق الذين كانوا يقولون على الله غير الحق ، ويومئذ تتوفى الملائكة من يقع عليهم الوصف بالذين كفروا يضربون وجوههم وأدبارهم وهم يومئذ في غمرات الموت أي أنهم في الحياة الدنيا .
ومن القرائن في حرف سبإ أن المكذبين حين يفزعون سيقولون آمنا به ولكن لن ينفعهم الإيمان بل سيحال بينهم وبين ما يشتهون من المتاع الأهل وإنما هو في الدنيا } كما فعل بأشياعهم من قبل { وهم قوم نوح وقوم لوط وعاد وثمود ومدين والأحزاب المعذبون قبل نزول القرآن .
ويعني حرف مريم أن من القول المتأخر عن حياة النبي r أن أهل الضلالة سيستدرجون في الدنيا بما يمدهم به الرحمان من أسباب القوة والتمكين حتى إذا رأوا ما يوعدون يعني الوعدين في القرآن وهما أولا العذاب في الدنيا كما عذّب الأولون وثانيا الساعة وهي أدهى وأمرّ وفي كل من الوعدين سيعلم الضالون أنهم شرّ مكانا وأضعف جندا وسيعلمون كما في حرف الجن أنهم أضعف ناصرا وأقل عددا ، والمقارنة إنما هي بين جندهم وناصرهم وعددهم وبين الملائكة التي ستتنزل عليهم بالعذاب في الدنيا ، أما في الآخرة فكما في قوله } وكلهم آتيه يوم القيامة فردا { مريم 95 فأنى لهم الجنود والناصر والعدد ، وسيأتي مزيد من البيان .
ودلّ حرف الفرقان على أن الذين استكبروا وعتوا عتوّا كبيرا سيرون الملائكة مرتين أولاهما في الدنيا في ليلة القدر فيقولون حجرا محجورا إذ لا حيلة إلى الهروب ولا حول إلى أسباب النجاة كما في المثاني معه في حرف سبإ } فلا فوت { ، أي لن يفلت منهم أحد ، وثانيهما في يوم القيامة يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ، فهما يومان لا تخفى المغايرة بينهما ، ويأتي قريبا تفصيله وبيانه .
ويعني حرف الفتح أن الله نصر المؤمنين في القرون الأولى بجنود السماوات وهم الملائكة كالذين أرسلوا إلى قوم لوط ، ونصرهم بجنود الأرض كالذين كانوا مع سليمان ، كما هي دلالة قوله } وكان الله عزيزا حكيما { يعني أن النصر بكل من جنود السماوات وجنود الأرض قد وقع قبل نزول القرآن ، وكذلك سيقع النصر بهما في هـذه الأمة بعد نزول القرآن ، وهو وعد وقضاء سيتم بعزة الله وإن تأخر لحكمة بالغة .
يتواصل
الحسن محمد ماديك