المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من بيان القرآن"تفسير سورة القدر" ج 1



الحسن محمد ماديك
02-21-08, 06:17 PM
كلية النصر في ليلة القدر

من بيان القرآن

تفسير سورة القدر

توطئة

بسم الله الرحيمان الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد :
فإن الصراع بين الشعوب والأديان قد تضمنه تفصيل الكتاب المنزل كما هي دلالة المثاني في قوله :
§ }إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده {الأعراف 128
§ } وتلك الأيام نداولها بين الناس {عمران 140
ويعني أن من سنة الله أن يظلّ النصر والتمكين وأسبابهما بجهود الناس من ظاهر الحياة الدنيا قبل أن تكون العاقبة للمتقين في آخر الأمر أي في نهاية الصراع بين الحق والباطل قبل انقضاء الحياة الدنيا .
وحرف الأعراف من وعد الله على لسان موسى لم ينقض يوم نزل القرآن بل نبّأ الله به خاتم النبيين الأمي r في القرآن فلا يزال الوعد به ـ مستمرا ـ أن يورث الله الأرض من يشاء من عباده الكافرين والمؤمنين والفاسقين والظالمين والمنافقين كل شاء الله أن يورثه من الأرض ما يشاء كما أنه يبسط الرزق لمن يشاء ولم يشترط للرزق ولا لإرث الأرض بشرة ولا دينا ولا سلوكا ، وهكذا تضمن القرآن كما في حرف عمران وعدا آخر خاطب به الآخرين أي من هم بعد نزول القرآن ، فالأيام والدول هي بين الناس كلهم لا للعرب دون غيرهم ولا للروم دون غيرهم ولا لأولئك دون هـؤلاء .
وأما آخر الأمر في الحياة الدنيا فالعاقبة للمتقين كما سيأتي بيانه .
ولقد وعد الله نبيه الأمي r في القرآن أن ينصره في الدنيا بنصرين اثنين ينهزم في كل منهما الكفار والمنافقون والمشركون هزيمة لا نصر بعدها أبدا ، ولا يقع ذلك الوعد على الفتح الإسلامي في ظلّ النبوة وظلّ الخلافة الراشدة إذ وقعت هزيمة المسلمين بعد ذلك ووقع انحطاطهم حتى اجتاحهم المغول وتيمورلنك واجتاحهم العدو وتخطّفهم ووقع عليهم الذل بل أصبحوا أذل من اليهود ومن أمم وشعوب أخرى لم ينزل الله عليها كتابا تتدبره وتتدارسه لتهتدي به إلى أسباب القوة والعزة وإلى أسباب الأمن والطمأنينة والعيش الرغد ، فوا عجبا للمسلمين ما شغلهم عن الكتاب المنزل من عند الله ؟
وسيتم أول النصرين الموعودين في القرآن بجهود المؤمنين أي في القتال في سبيل الله كما في قوله } يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون {المائدة 54 ـ 56 ويعني أن حزب الله الموصوف في حرف المائدة هم الموصوفون بالأوصاف التالية :
1. أنهم متأخرون عن نزول القرآن كما هي دلالة قوله } فسوف يأتي الله بقوم {وكما في قوله } فقد وكّلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين { الأنعام 89
2. أن الله يحبهم ويحبونه
3. أنهم أذلة على المؤمنين
4. أنهم أعزة على الكافرين
5. أنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم
6. أنهم يتولّون الله ورسوله والذين آمنوا
7. أنهم هم حزب الله الغالبون أي لن يهزموا
وكما بينته وفصلته في كلية النصر في القتال في سبيل الله ، أما ما أصاب المسلمين ويصيبهم قبل أن تكون العاقبة للمتقين فلإيقاع قضاء الله ونفاذ وعده أن يبلو المؤمنين بعدوّهم ويفتن به عدوّهم كما في قوله } ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض { القتال 4 .
وثاني النصرين الموعودين في القرآن سيتمّ بغير جهود المؤمنين بل بعذاب مستأصل يستأصل المكذبين ويستخلف الله من بعده المؤمنين لتكون العاقبة للمتقين كما يأتي بيانه في هذه الكلية كلية النصر في ليلة القدر التي تضمنت من بيان القرآن : تفسير سورة القدر
ولا أشك لحظة واحدة أن المتقدمين في القرون الأولى من المفسرين والمحدثين غفر الله لي ولهم سيعذرونني يوم نجتمع عند الله في اليوم الآخر لأن المقدس والبرهان هو ما يجمعنا جميعا الإيمان به والوقوف عنده ألا وهو القرآن والحديث النبوي الثابت عن النبي الأمي r أما ما زاد عليهما فهو التراث الإسلامي العريض أي هو فهم الرجال بعد ذلك ـ ومنه بحوثي ـ وقد ثبت عن رسول الله النبي الأمي rفي حجة الوداع أنه قال " بلّغوا عني ولو آية فرب مبلّغ أوعى من سامع" وكذلك دلالة أن " رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" .
فرحم الله السلف ، أولئك الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين لقد بلّغوا العلم المنزل من عند الله ومضوا وبقي الوحي للناس يتدارسونه ويتدبرونه ويهتدون به وسينكشف للناس منه يوما بعد يوم ما لم يكشف من المعاني والدلالات ليعلم العالمون رأي العين أن محمدا r هو رسول الله بالقرآن إلى الناس جميعا وأن الله قد نبّأه بالقرآن الذي تضمن غيبا يوم نزل كلّف المؤمنون كلهم بالإيمان به وهو لا يزال غيبا فما يكون من المتأخرين الذين سيشهدون يوم يصبح غيب القرآن شهادة أينقضون الميثاق فلا يقرون به أم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ، وكما سأبينه في ما يتواصل من بيان القرآن .
أما ما استنسخ المتأخرون من التراث بدل التدبر والتفقه في الوحي فلا يزيد التراث قوة في الاستدلال والاحتجاج .
ولا أدعي ـ معاذ الله ـ أن ما انشغلت من تفصيل الكتاب وبيان القرآن هو الحق وحده دون غيره من التراث الإسلامي بل غاية تفسيري اجتهاد من طالب علم قاصر يخاف أن يكون ممن يكتمون البينات في الكتاب المنزل وإذن فلن يغني عنه موافقة التراث العريض من الله شيئا .
وكان نشر بحوثي وعلى رأسها التفسير هو أحسن الأمرين إذ يجنبني إثم كتمان العلم ويوجب على خواصّ الأمة أن يبيّنوا لي وللناس مواطن الخطإ والضلال والزيغ وأنا إن شاء الله تعالى أول المذعنين يومئذ .
وهكذا انطلقت قبل سبع سنين يوم بدأت كتابة التفسير من منطلق أن ما استنبطت من التفصيل والبيان يحتمل أن يكون صوابا وإذن فلا أحمل يوم القيامة جريرة كتمانه ، وأن ما خالفه من التراث أي فهم الرجال يحتمل أن يكون خطأ وإذن فلا أحمل يوم القيامة وزر السكوت عنه .



كلية النصر في ليلة القدر

من بيان القرآن

تفسير سورة القدر

} يستعجلونك بالعذاب {

إن قوله :
· } قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين { هود 32
· } قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين { الأعراف 70
· } فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين { الأعراف 77
· } قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون { النمل 46
· } فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين العنكبوت { 29
وشبهه ليعني أن المكذبين من قوم نوح كما في حرف هود وقوم هود كما في أول الأعراف وقوم صالح كما في النمل وثاني الأعراف وقوم لوط كما في حرف العنكبوت قد استعجلوا العذاب الذي وعدهم به رسلهم في الدنيا ، وقد أهلكوا جميعا كما فصل في القرآن .
وإن المثاني كما في قوله :
· } وإذ قالوا اللهم إن كان هـذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم { الأنفال 32
· } وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب { ص 16
· } أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا { الإسراء 92
ليعني أن المكذبين الذين عاصروا النبي r في أول الأمة قد استعجلوا في الدنيا مثل العذاب الذي أهلك به الأولون لفرط تكذيبهم بصدق الوعد به .
وإن المثاني كما في قوله :
· } فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون { الذاريات 59
· } ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات { الرعد 6
· } ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب { العنكبوت 53 ـ 54
· } ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير { الحج 47 ـ 48
لتعني أن العذاب الذي استعجلوه سيأتيهم في أجل مسمى هو الميعاد وكما وعد الله ولن يخلف الله وعده في حرف الذاريات الذي تضمن وعدا من الله أن يعذب المكذبين بعد نزول القرآن بذنوب من العذاب مثل الذنوب الذي عذب به أصحابهم المكذبين من قوم نوح وقوم لوط وعذب به عادا وثمود ومدين وأصحاب الأيكة وقوم فرعون ، وهو الوعد الآتي مهما تأخر واستعجله المكذبون الذين عاصروا نزول القرآن .
ولن يخلف الله وعده في حرف الرعد الذي يعني أن سنة الله لا تتبدل ومنها أن يعذب في الدنيا الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ، وقد استعجل المكذبون بعد نزول القرآن العذاب في الدنيا لفرط تكذيبهم بالغيب الذي جاء به النبي الأمي r وسيهلكون بالعذاب في الدنيا كما هي المثلات التي خلت من قبل أي سنة الله في الذين خلوا من قبل من الأمم المكذبة ، والتذكير بالمثلات التي خلت من قبل لتأكيد أنها ستأتي عليهم لا تبديل لها .
ولن يخلف الله وعده في حرف العنكبوت كما هو صريح الوعد به في قوله } وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب {
ولن يخلف الله وعده في حرف الحج وإنما سيملي للقرى الظالم أهلها ثم يأخذها بالعذاب كما هي سنته في المكذبين من قبل .

} أفأمنوا مكر الله {
33
إن قوله :
· } أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون { الأعراف 97 ـ 99
· } أفـأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف { النحل 45 ـ 47
· } أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون { يوسف 107
· } أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير { الملك 16 ـ 17
· } أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا { الإسراء 68 ـ 69
لتعني أن الذين حسبوا أنفسهم آمنين من العذاب الموعود واهمون .
وإن قوله } أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض وقوله أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور { وقوله } أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر وقوله أو من تحت أرجلكم في قوله قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم { الأنعام 65 لمن المثاني مع قوله } فخسفنا به وبداره الأرض { القصص 81 وقوله } فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها { هود 82 وشبهه .
ويعني أن حرف القصص وهود قد تضمنا ذكرا من الأولين .
وتضمن حرف النحل والملك والإسراء والأنعام وعدا في الآخرين وكذلك دلالة المثاني .
وإن قوله } أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا { وقوله } أو يرسل عليكم حاصبا { وقوله } قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم { الأنعام 65 لتعني وعدا في الآخرين وهي من المثاني مع قوله } إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر { القمر 34 وقوله } فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا { العنكبوت 40 وقوله } ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء { الفرقان 40 وقوله } وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل { الحجر 74 وشبهه وهي من الذكر في الآخرين .
ويعني حرف الأعراف الإنكار على القوم الخاسرين أن يأمنوا مكر الله الموعود وهو أن يأتي بعض أهل القرى بأسه بياتا وهم نائمون وأن يأتي بعضهم بأسه ضحى وهم يلعبون .
ويعني حرف النحل الإنكار على الذين مكروا السيئات أن يأمنوا أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب وهم لا يشعرون أو يأخذهم بالعذاب في تقلبهم أي غير مقيمين وغير مصحوبين بأسباب القوة والدفاع أو يأخذهم بالعذاب على تخوف .
ويعني حرف يوسف الإنكار على المشركين المعرضين عن آيات ربهم التي يمرون عليها في السماوات والأرض أن يأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله في الدنيا بغتة وهم لا يشعرون .
ويعني حرف الملك الإنكار على المكذبين من هـذه الأمة أن يأمنوا أن يخسف الله بهم الأرض فتمور بهم أو يرسل عليهم حاصبا من السماء .
ويعني حرف الإسراء الإنكار على الذين يتبعون الشيطان ويفتنون بصوته وبخيله ورجله ويشركون بالله أن يخسف الله بهم جانب البر من الأرض أو يرسل عليهم حاصبا من السماء أو يغرقهم في البحر بكفرهم .
ودلالة الاستفهام للإنكار تعني أنهم أمنوا موعودا سيحل بهم في الدنيا .

} فهل ينظرون إلا سنة الأولين {

إن قوله :
· } قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين { عمران 137
· } كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين { الحجر 13
· } وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا { الكهف 55
· } وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا { خاتمة فاطر
· } أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون { خاتمة غافر
لتعني أن سنة الله في الذين خلوا من قبل هي أن يعذب المكذبين المجرمين في الدنيا بعذاب من عنده ، ويعني أن لن يجد النبي r لسنة الله تبديلا ولا تحويلا الوعد من الله أن يهلك الذين سيستكبرون في الأرض ويمكرون المكر السيّء بعد نزول القرآن كما أهلك المكذبين الأولين .

} وما أنتم بمعجزين في الأرض {

إن قوله :
· } قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين { هود 32 ـ 33
· } وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء { العنكبوت 22
ليعني في حرف هود أن نوحا وعد قومه بعذاب من عند الله في الدنيا والآخرة لن يفلتوا منه ولن يسبقوه ولن يفوت منهم أحد ينجو منه كما هي دلالة قوله } وما أنتم بمعجزين { ولقد عذب المكذبون من قوم نوح أجمعون في الدنيا فلم يعجزوا أي لم يكن الذي أنزل عليهم العذاب في الدنيا بعاجز عن إلحاقه بهم سبحانه وتعالى ، وكذلك سيعذب المكذبون من قوم نوح في الآخرة ولا يعجزون الله بل يعذبهم وهم صاغرون داخرون .
وإن من تفصيل الكتاب أن مما أوحي إلى إبراهيم فبلّغه قومه قوله } وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم { العنكبوت 18 ـ 23 ، وذلك لخمس قرائن أولاها قوله } قل { في خطاب الرسل والنبيين وتعني أن ما بعدها هو من الوحي من عند الله كما هي دلالة القرينة الثانية وهي قوله } أولئك يئسوا من رحمتي { أي من رحمة الله وحده الذي أوحى إلى إبراهيم وأرسله إلى قومه ، والقرينة الثالثة قوله } وما على الرسول إلا البلاغ المبين { بتغييب الرسول للدلالة على الوحي المنزل من عند الله ولو كان من تتمة خطاب إبراهيم قومه لكان السياق وما علي إلا البلاغ المبين على نسق قوله } قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين { يس 16 ـ 17 من كلام الرسل الثلاثة أصحاب القرية ، والقرينة الرابعة تعني قوة قراءة الجماعة بالغيب في قوله } أولم يروا { ويدفع قراءة حمزة والكسائي وخلف بالخطاب القرينة السابقة إذ لو كان قوله } أولم يروا بالخطاب لكان متصلا بقول إبراهيم كما في قوله } وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون { العنكبوت 16 ـ 17 ولما كان مفصولا بالغيب في قوله وما على الرسول إلا البلاغ المبين لدلالته على أنه ليس من كلام إبراهيم وإلا لما غيب نفسه ، والقرينة الخامسة قوله } فما كان جواب قومه { العنكبوت 24 وتعني نهاية ما بلغه إبراهيم قومه ابتداء من قوله } وإذ قال إبراهيم لقومه { العنكبوت 16 .
ولقد عذّب قوم إبراهيم في الدنيا كما هي دلالة قوله :
· } وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير { الحج 42 ـ 44
· } ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون { التوبة 70
· } وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين { الأنبياء 70 ـ 71
· } فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين { الصافات 98
ويعني أنهم قد عذبوا في الدنيا كما عذب فيها قوم نوح وعذبت عاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون فلم يعجزوا وكذلك سيعذبون في الآخرة وما هم بمعجزين .
وإن قوله } وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء { لمما أوحي إلى إبراهيم ونبّأ الله به خاتم النبيين محمدا r في القرآن ويعني أن الإنسان سيصعد في السماء ولكنه لن يعجز الله هربا يوم ينزل العذاب الموعود في الدنيا كما يأتي تحقيقه .
وإن المثاني :
· } أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا { فاطر 44
· } وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا { الجن 12
· } ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض { الأحقاف 32
· } لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار { النور 57
· } الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء { هود 19 ـ 20
· } وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير { الشورى 31
· } ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون { الأنفال 59
· } أفـأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين { النحل 45
· } والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين { الزمر 51
· } إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين { الأنعام 134
· } وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله { التوبة 3
وجميعه في خطاب المكذبين بعد نزول القرآن الذي تضمن أنهم لن يعجزوا الله يوم ينزل عليهم العذاب الموعود في الدنيا كما لم يعجزه الذين كانوا من قبلهم كما هي دلالة حرف فاطر الذي تضمن الوعد من الله أن لن يعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض ومنه وعده أن يعذب المكذبين بعد نزول القرآن في الدنيا على نسق المكذبين من قبلهم ، وإن الله العليم بما في السماوات والأرض ليعلم أن البشرية سيكون منها صعود إلى الفضاء وهروب إلى السماوات وهو القدير عليهم فلن يعجزوه بل سيقع عليهم وعده كما وقع على الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة .
ويعني الاسمان العليم القدير أن الله وعد وعدا حسنا غير مكذوب أن الله سيعذب في الدنيا المستكبرين في الأرض الذين يمكرون المكر السيء ـ كما بينت في كلية الآيات ـ وأنهم ستأتي عليهم سنة الأولين وهو العذاب في الدنيا .
وسيأتي من بيان حرف العنكبوت وفاطر في تفصيل للكتاب .
ويعني حرف الجن أن الجن قد علموا لما استمعوا القرآن أنهم إذا لم يؤمنوا فسيعذبون في الدنيا ولن يعجزوا الله في الأرض ولن يعجزوه هربا إلى الفضاء إذ كانوا يلمسون السماء كما في قوله } وأنا لمسنا السماء { الجن 8 ، وإنما الظن يقين كما أخبروا عنه في حرف الأحقاف وكما بينت في مقدمة التفسير .
ويعني حرف النور أن الذين كفروا سيعذبون في الدنيا ولا يعجزون ثم مأواهم إلى النار يعذبون فيها كذلك .
ويعني حرف هود أن الأحزاب الذين سيصدون عن سبيل الله بعد نزول القرآن ويبغونها عوجا لن يعجزوا في الأرض بل سيعذبون في الدنيا ويضاعف لهم العذاب كما يأتي بيانه .
ويعني حرف الشورى إخبار البشرية جميعا بقدرة الله عليهم وأنهم لا يعجزون الله في الأرض وليؤمن منهم من يخاف العذاب في الدنيا .
ويعني حرف الأنفال الوعد من الله أن لا يعجزه الذين كفروا أي سيعذبهم في الدنيا وإن حسبوا أنفسهم سبقوا أي هربوا من العذاب الموعود وأفلتوا منه .
ويعني حرف النحل الإنكار على الذين مكروا السيئات أن يأمنوا أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم العذاب في تقلبهم فلا يعجزون بل يعذبون ويهلكون بالعذاب الموعود في الدنيا .
ويعني حرف الزمر الوعد من الله أن يصيب الذين ظلموا من هـذه الأمة ـ بعد نزول القرآن ـ سيئات ما كسبوا أي يعذبهم في الدنيا فلا يعجزون بل يهلكون به كما أصاب من قبلهم وهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم سيئات ما كسبوا فأهلكوا في الدنيا .
ويعني حرف الأنعام أن ما يوعد المكذبون في القرآن آت فمعذبون به في الدنيا وما هم بمعجزين بل سيأخذهم العذاب فلا يفلتون منه .
ويعني حرف التوبة أن المشركين الذين سيتولون عن التوبة سيعلمون رأي العين كما يأتي قريبا بيانه أنهم غير معجزي الله بل سيعذبهم في الدنيا .

} إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا {

إن المثاني كما في قوله :
· } وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم { هود 48
· } أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون { الشعراء 205 ـ 207
ليعني أن المكذبين في هـذه الأمة موعودون أن يمتعوا سنين وأن ما سيمتعون به لن يغني عنهم العذاب الموعود في الدنيا إذا جاءهم بل سيهلكون به وكما هي نبوة نوح من قبل ونبوة خاتم النبيين r مثله .
وإن المثاني كما في قوله :
· } والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين { الأعراف 182 ـ 183
· } فذرني ومن يكذب بهـذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يشعرون وأملي لهم إن كيدي متين { الطور 44 ـ 45
· } ذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون { الفلاح 54 ـ 56
· } من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون { الأعراف 186
· } فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون { الزخرف 83 المعارج 42
وشبهه ليعني أن رب العالمين يمهل الذين يكذبون بآياته ويملي لهم في النعم والمال والبنين حتى يحسبوا أنه يسارع لهم في الخيرات فيخوضون ويلعبون ويطغون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ولا يبصرون ما هم عليه من طغيان حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون .
وإن المثاني كما في قوله :
· } إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا { خاتمة الطارق
· } أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون { الطور 42
· } ذالكم وأن الله موهن كيد الكافرين { الأنفال 18
ليعني أن الكفار سيقع منهم كيد وأن الله سيوهن كيدهم ويكيدهم كما سيأتي بيانه .
وإن قوله :
· } إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم النساء 142
· } يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون { البقرة 9
لمن شاكلة ما تقدم عن الكافرين وسيأتي بيانه .
وإن المثاني في قوله :
· } ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله { فاطر 43
· } يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم { يونس 23
لتعني أن الله سيمكر ويكيد بالمكذبين ويخادعهم كما يأتي بيانه في كلية الآيات من بيان القرآن .

الوعد في الدنيا

إن قوله } قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين { هود 32 ليعني أن نوحا قد وعد قومه بالعذاب في الدنيا إن لم يؤمنوا ، وأن قومه لفرط تكذيبهم قد تعجلوا ما وعدهم به من العذاب .
وإن قوله } قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين { الأعراف 70 وقوله } قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين { الأحقاف 22 ليعني أن هودا قد وعد عادا بالعذاب في الدنيا إن لم يؤمنوا ، وأن عادا لفرط تكذيبهم قد تعجلوا ما وعدهم به من العذاب .
وإن قوله } وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين { الأعراف 77 وقوله } فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب { هود 65 ليعني أن صالحا قد وعد ثمود بالعذاب في الدنيا إن لم يؤمنوا ، وأن ثمود لفرط تكذيبهم قد عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وتعجلوا ما وعدهم به من العذاب .
وإن قوله } وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم { غافر 28 ليعني أن موسى قد وعد آل فرعون بالعذاب في الدنيا إن لم يؤمنوا ، وأن رجلا مؤمنا من آل فرعون قد حذّر قومه أن يصيبهم العذاب الذي وعدهم به موسى .
وإن قوله } كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبّع كل كذّب الرسل فحقّ وعيد { ق 12 ـ 14 ليعني أن القرون الأولى قد كذبوا الرسل فحق عليهم أول الوعيد الذي جاءهم به الرسل وهو إهلاكهم في الدنيا إن لم يؤمنوا .
وإن قوله } وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين { الأنبياء 7 ـ 9 ليعني أن رب العالمين قد صدق وعده رسله فأنجاهم ومن معهم وأهلك المسرفين أي عذّبهم عذابا استأصلهم في الدنيا كما هو مدلول أهلك الرباعية بخلاف هلك الثلاثية التي تعني الموت كما في قوله } ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبيّنات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك { غافر 34 أي مات .
وإن الله قد وعد رسوله وخاتم النبيين r بمثل ما وعد به الرسل قبله كما يأتي بيانه ، وقد صدقهم الله وعده ، أفلا يصدق رسوله خاتم النبيين r كذلك وعده بإهلاك المجرمين المكذبين بعذاب من عنده كالذي أهلك به الأولين ، وتساءل المجرمون الذين عاصروا نزول القرآن لفرط تكذيبهم متى يقع الوعد بإهلاكهم وتعجلوه كما في المثاني:
· } قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ويقولون متى هـذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون { النمل 69 ـ 72
· } ويقولون متى هـذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به ءالآن وقد كنتم به تستعجلون { يونس 48 ـ 51
· } ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإليّ المصير { الحج 47 ـ 49
ويعني أن العذاب الموعود في هـذه الأمة سيتأخر إلى أن يحين أجلها ، وقد سمّى يوما واحدا وهو ألف سنة ستنقضي قبل العذاب الموعود في الدنيا ، وسكت عن اليوم الثاني فلن يتم وإلا لسمّى يومين كما سمّى يوما واحدا والله أعلم .
وإن المثاني :
· } قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون { الفلاح 93 ـ 95
· } أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نريك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون { الزخرف 40 ـ 42
· } فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون { غافر 77
· } وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب { الرعد 40
· } وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم { يونس 46
· } قل إن أدري أقريب ما توعدون أو يجعل له ربي أمدا { الجن 25
· } فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون { الأنبياء 109
· }وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور{فاطر 4ـ 5
وشبهها ليعني أن المكذبين في هـذه الأمة موعودون بانتقام في الدنيا لن يدركه النبي r في حياته ، وكما في قوله } وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم { الأنفال 33 ، ويعني وصف وعده بأنه حق أنه سيتأخر كثيرا حتى يوسوس الشيطان ، وكذلك دلالة أمره بالصبر قبله في حرف غافر .
وإن المثاني :
· } فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون { خاتمة الأحقاف
· } كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون { الشعراء 200 ـ 207
· } وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمـن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا { مريم 74 ـ 75
· } ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا { الجن 23 ـ 24
ليعني أن الفاسقين والمجرمين ومن كان في الضلالة ومن يعص الله ورسوله سيرون ما يوعدون من العذاب الذي يهلكهم ولا يؤخرون حين يسألون التأخير كما هي دلالة قوله } كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار { وكما هو صريح قوله } فيقولوا هل نحن منظرون { بل يهلكون إذ كانوا يستعجلون العذاب الذي سيصيبهم منه مثل ما أصاب الأولين وسيعلمون أنهم شر مكانا وأضعف جندا وأقل عددا من جند الله من الملائكة التي ستتنزل عليهم بالعذاب كما يأتي تقريره وبيانه وتفصيله قريبا .
وإن المثاني في قوله :
§ } فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون { خاتمة الذاريات
§ } وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار{ الأنعام 133 ـ 135
§ } فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون { المعارج 40 ـ 42
§ } فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون { الزخرف 83
§ } والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إن ما توعدون لصادق {
§ } والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إن ما توعدون لواقع {
لتعني أن الله وعد المكذبين في هـذه الأمة بعذاب في الدنيا سيأتيهم ولا يعجزون بل يهلكون به وسيلاقيهم إذ هو وعد صادق واقع بهم كما يأتي قريبا تحقيقه .

} ثم نتبعهم الآخرين {

وإن من الموعود في القرآن قوله :
§ } ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين { المرسلات 16 ـ 18
· } وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين { الزخرف 6 ـ 8
· } وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب { خاتمة سبإ
· } فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين { الزخرف 55 ـ 56
· } فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في لك لعبرة لمن يخشى { النازعات 25 ـ 26
ويعني أن الأولين وهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ومنهم فرعون وجنوده قد أهلكوا من قبل ، ولم تعذب أمة بعد فرعون وجنوده بمثل ما عذب به الأولون ، ويعني الوعد به في القرآن أنه من الغيب المنتظر كما هي دلالة قوله } ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين { بالقطع والرفع ، وهو من المثاني مع قوله } ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى { القصص 43 ولم تهلك أمة بعد نزول التوراة التي أهلكت قبلها القرون الأولى .
ويعني أول الزخرف أن مثل الأولين وهم القرون الأولى قد مضى وانقضى وأن الغيب المنتظر الموعود هو مثل الآخرين وإهلاك القرون الأخرى .
ويعني حرف سبأ أن الآخرين سيحال بينهم وبين ما يشتهون من الأمن ومتاع الحياة الدنيا كما فعل بأشياعهم من قبل وهم القرون الأولى.
ويعني ثاني الزخرف أن فرعون وجنوده قد أغرقوا في البحر وأنهم سلف لخلف منتظر هم الآخرون الذين سيغرقون كذلك .
ويعني حرف النازعات أن الإغراق الذي أهلك به فرعون هو النكال في المرة الأولى أي العذاب الذي عذب به قوم نوح ، وهو النكال المنتظر الذي سيعذب به في المرة الآخرة خلفه من الآخرين ، ولن ينجو من نكال الآخرة إلا من اعتبر وخشي ربه .

} فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم {

إن قوله :
· } وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا { الكهف 59
· } وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة { الأنبياء 11
· } وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم { إبراهيم 45
· } فقطع دابر القوم الذين ظلموا { الأنعام 45
· } ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا { يونس 13
· } كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين { الأنفال 54
وشبهه ليعني أن الله وصف أهل القرى إجمالا من قبل بالظلم وأهلكهم ، وكذلك وصفهم تفصيلا بالظلم كما في قوله } ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون { العنكبوت 14 ويعني أن الله وصف قوم نوح بالظلم وأهلكهم بالطوفان ، وقوله } وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود { هود 67 يعني أن الله وصف ثمود بالظلم وأهلكهم ، وقوله } وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود { هود 94 يعني أن الله وصف مدين بالظلم وأهلكهم ، وقوله } إنا مهلكوا أهل هـذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين { العنكبوت 31 يعني وصف قوم لوط بالظلم قبل إهلاكهم ، وقوله } وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم { الحجر 78 يعني أن الله وصف أصحاب الأيكة بالظلم وأهلكهم ، وقوله } فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين { القصص 40 يعني أن الله وصف فرعون وجنوده بالظلم وأهلكهم ، وأما عاد فيشملها الوصف بالظلم الموصوف به كل من كانوا قبل فرعون في حرف الأنفال وغيره .
وإن المثاني كما في قوله :
§ } قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين { الفلاح 94
§ } ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالين { الأنبياء 46
§ } قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون { الأنعام 47
§ } ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم { الأنعام 93
§ } فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون { خاتمة الذاريات
§ } وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا رنا أخرنا إلى أجل قريب { إبراهيم 44
§ } وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون { الطور 44 ـ 47
§ } قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هـؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين { الزمر 50 ـ 51
§ } وهـذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون { الأحقاف 12 ـ13
§ } وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون { خاتمة الشعراء
لتعني أن سيكون في هـذه الأمة ظالمون مثل الظالمين من قوم نوح والأحزاب من بعدهم وسيهلك الظالمون في هـذه الأمة كما أهلك أولئك ، والظالمون في هـذه الأمة هم الموعودون في الدنيا أن تمسهم نفحة من عذاب ربنا في حرف الأنبياء وأن يأتيهم عذاب الله بغتة أو جهرة في أول الأنعام وأن تعذبهم الملائكة في الدنيا بعذاب الهون يوم تتوفاهم وهم في غمرات الموت في ثاني الأنعام .
والذين ظلموا في هـذه الأمة هم الموعودون بذنوب من العذاب كالذي أهلك به من قبلهم من المكذبين كما في خاتمة الذاريات وأن يأتيهم العذاب في الدنيا كما في حرف إبراهيم وأن يصعقوا في الدنيا فلا يغني عنهم كيدهم شيئا وأن يعذبوا بعذاب من قبله كما في حرف الطور وأن يصيبهم سيئات ما كسبوا أي يعذبون به كما في حرف الزمر وهم الذين أنذروا في القرآن بالعذاب كما حرف الأحقاف وهم الموعودون بسوء المنقلب في الدنيا كما في خاتمة الشعراء .

} الحاقة ما الحاقة {

إن قوله :
· } كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب { ص 12 ـ 14
· } كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد { ق 12 ـ 14
· } كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار { غافر5 ـ 6
· } ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين { النحل 36
وشبهه ليعني أن المكذبين من قبل هم الذين حقت عليهم الضلالة وحق عليهم الوعيد والعقاب الذي جاءهم به الرسل أي عذبوا في الدنيا وسيحقّ عليهم كذلك العذاب المقيم في يوم القيامة .
وإن حرف ص لمن المثاني إذ سيقع مثله في هـذه الأمة لقوله } جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب { سورة ص 11 وهو من الوعد المنتظر في الدنيا إذ لا أحزاب في يوم القيامة ، ولقوله } وما ينظر هـؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب اصبر على ما يقولون { ص 15 ـ 17 ، والصيحة الواحدة ما لها من فواق من الوعد في الدنيا كذلك ، ويعني الأمر بالصبر في القرآن انتظار موعود بعيد . وإن قوله } كذبت قبلهم { في كل من حرف ص وحرف ق وحرف غافر وحيث وكيف وقعت في القرآن لتعني أنه من المثاني والمعنى وإن يكذبوك فسيهلكون كما أهلك الذين كذبوا من قبلهم . وإن حرف غافر لمن المثاني لقوله } ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد { غافر 3 ويعني أن الله سيمهلهم حتى يتقلبوا في البلاد كناية عن التمكين في الأرض قبل أن تحق عليهم كلمة ربنا أي وعده بالعذاب الموعود في كل من الدنيا والآخرة .
وإن حرف النحل لمن المثاني لقوله } قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين { ويعني ليعتبروا ولا يكذبوا كما كذب الذين من قبلهم وحقت عليهم الضلالة فأهلكوا في الدنيا بعذاب من عند الله ، ولقوله } إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين { النحل 37 أي أن الله لا يهديهم بل سيهلكهم في الدنيا ويعذبهم في الآخرة وما لهم من ناصرين .
وإن المثاني في قوله :
· } وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا { الإسراء 16 ـ 17
· } كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون { يونس 33
· } إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين { يونس 97 ـ 102
· } الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذ رابية إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية { الحاقة 1ـ 12
ويعني حرف الإسراء أن من القول في القرآن أن سيحق على المترفين الذين سيفسقون في القرى أي يستوجبون العذاب قبل أن يدمرها الله بمن فيها تدميرا .
وإن ما تضمن القرآن من الوعد بالعذاب في الدنيا هو كلمة ربنا التي ستقع على الذين سيفسقون ولا يؤمنون حتى يعذبوا في يوم مثل أيام الذين خلوا من قبل وهي أيام الله التي أهلك فيها الذين لم يؤمنوا بآيات ربهم الخارقة للتخويف والقضاء .
ويعني حرف الحاقة أن الحاقة هي كلمة العذاب أي الوعد به الذي سيحق أي يقع على المكذبين في هـذه الأمة في الدنيا كما حقت على ثمود وعاد وعلى فرعون ومن قبله وعلى قوم لوط المؤتفكات فأهلكوا ، وإن من الموعود في القرآن أن ينجي الله المؤمنين ـ إذا حق العذاب المنتظر وطغا الماء ـ كما نجى نوحا ومن معه في الفلك فهلا تذكروا من قصص القرآن ووعيت أذن واعية .

} فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون {

إن قوله :
· } وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين { الذاريات 43 ـ 45
· } فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود { فصلت 13
ليعني أن الصاعقة قد عذب بها الأولون فأهلكت بها ثمود ، وحرف الذاريات من المثاني لقوله } وفي ثمود { ردا على قوله } وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم { الذاريات 37 والمعنى وفي ثمود وعتوهم والصاعقة التي أخذتهم آية ـ وهي التي تقع دليلا على التكرار ـ للذين يخافون العذاب الأليم في الدنيا والآخرة كالموعود فيهما .
وحرف فصلت كذلك من المثاني إذ لم ينذر الله ونبيه r إلا بما سيكون .
وإن المثاني :
· } ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال { الرعد 13
· } فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون { الطور 45 ـ 46
ليعني أن الصاعقة سيعذب بها بعض المتأخرين في هـذه الأمة فيرسلها الله ويصيب بها الذين يجادلون في الله كما أصاب بها أهل الكتاب من قبل وأصاب بها ثمود .
ويعني حرف الطور أن المكذبين في هـذه الأمة سيلاقون يومهم الذي فيه يصعقون ولا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون بل يصعقون ويهلكون ، ودلالة أمر النبي r بالصبر تعني أن ذلك سيكون متأخرا ودلالة أمره بالتسبيح بحمد ربه تعني أن ذلك الوعد سيتم بحمد الله وأنه سبحانه لن يخلف وعده .

} فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون {

إن قوله :
· } فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم { الأعراف 135 ـ 136
· } فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين { الزخرف 55 ـ 56
· } وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين { الحجر 78 ـ 79
· } قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين { الزخرف 24 ـ25
· } ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين { الروم 47
لتعني أن رب العالمين قد انتقم من الأولين أن كذبوا بآياته الخارقة وكانوا عنها غافلين وكانوا مجرمين وظالمين .
وإن المثاني :
· } ومن أظلم ممن ذكّر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون { السجدة 22
· } فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هـذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون { الدخان 10 ـ 16
· } وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام { إبراهيم 44 ـ 47
لتعني أن وعد الله بالانتقام من المجرمين والذين ظلموا في هـذه الأمة لمما يرتقب وليعذبهم في الدنيا ، وإنما سيقع الوعد على الذين سيكذبون الرسل الموعودين الذين سيذكرون الناس بآيات ربهم الخارقة .
وسيأتي بيان حرف الدخان وإبراهيم مفصلا تفصيلا هنا وفي كلية الرسالة .

} حتى يروا العذاب الأليم {

وإن قوله :
· } ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم { يونس 88
· } فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون { خاتمة غافر
· } فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هـذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم { الأحقاف 24 ـ 25
لتعني أن المكذبين من قبل قد رأوا بأعينهم بأس ربهم أي العذاب الذي أرسل عليهم ليهلكهم قبل أن يهلكوا به ، ولم يؤمن فرعون وملؤه حتى رأوا العذاب الأليم لما أدركهم الغرق ، ورأت عاد الريح العقيم قبل أن تهلك بها ، وآمنوا كلهم لما رأوا العذاب ولم ينفعهم إيمانهم وإنما أهلكوا إلا قوم يونس .
وإن المثاني في قوله :
§ } كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون { الشعراء 200 ـ207
· } إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم { يونس 97
· } وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا { الفرقان 42
· } وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم { الطور 44
· } فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون { خاتمة الأحقاف
· } وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمـن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا { مريم 74 ـ 75
· } حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا { الجن 24
· } ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون { الصافات 171 ـ 179
ليعني أن المجرمين الذين لا يؤمنون بآيات ربهم سوف يرون العذاب الموعود في الدنيا وسيقولون سحاب مركوم كما قالتها من قبلهم عاد لما رأوا العذاب وسيعلمون رأي العين أنهم شر مكانا وأضعف جندا وناصرا وأقل عددا وأضل سبيلا ، وإذا نزل العذاب بساحتهم فسيبصرونه بالعين المجردة بعد أن كانوا يستعجلونه لفرط تكذيبهم ، وإن ذلك لمما ينتظر لقوله } وأبصرهم { وقوله } وأبصر{ يأمره بانتظار الموعود .

} ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت {

إن قوله :
· } ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب { خاتمة سبإ
· } ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم { الأنعام 93
· } ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم { الأنفال 50
ليعني أن النبي r لن يدرك هـذا الموعود في القرآن وإنما سيقع بعده في أمته ، ولو رآه في الدنيا أي أخر عنه الموت حتى يدركه لسرّ به ، وكما بيّنت في كلية النبوة .
وإن قوله :
· } ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ...{
· } ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب { الفجر 6 ـ 13
· } ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار { إبراهيم 28
ليعني الحوادث الماضية التي سبقت النبي الأمي r وعرضت عليه فرآها عرضا بعينيه يقظة كما بينت في النبوة وكما هي دلالة قوله } كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية { الحاقة 4 ـ7 ويعني أنه قد عرض عليه القوم وهم صرعى يوم صرعوا بالصاعقة وصرعوا بالريح العقيم ، ولهـذا العرض الذي نبئ به النبي الأمي r دلالة كبرى تعني أنه سيقع مثله في أمته كما بينت في النبوة ، وسيغزو جيش الكعبة فيفعل بهم ربنا كما فعل بأصحاب الفيل ولو عقل المتأخرون القرآن لكانوا كأنما أدركوا النبي r وعاصروه .
وسيصب ربنا سوط عذاب على خلف عاد الأولى وهم عاد الأخرى الذين سيبنون بكل ريع آية يعبثون ويبطشون جبارين لا يرحمون وعلى خلف ثمود وهم الذين سيتخذون من الصخر والجبال بيوتا وعلى خلف فرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد وهم الحكام الذين سيتخذون أركانا لنظمهم يطلقون أيديهم في شعوبهم فيطغون ويكثرون الفساد ثم يجدون ربهم بالمرصاد أي يعذبهم في الدنيا كما سيأتي قريبا بيانه والله المستعان .

} وسوف يعلمون حين يرون العذاب {

إن قوله :
· } قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه { هود 39
· } ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه { هود 93
· } سيعلمون غدا من الكذاب الأشر { القمر 26
ليعني أن كلا من نوح وشعيب قد وعد قومه أنهم سيعلمون رأي العين أيا من الفريقين سيأتيه عذاب يخزيه في الدنيا ويحل عليه في الآخرة عذاب مقيم ، ويعني حرف القمر أن الله قد أوحى إلى صالح أن ثمود سيعلمون رأي العين من الكذاب الأشر ، وقد علمت ثمود لما عقروا الناقة أنهم هم الكذاب الأشر وأن صالحا مرسل من ربه .
وإن المثاني كما في قوله :
· } قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم { الزمر 39
· } وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا { الفرقان 42
· } وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمـان مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا { مريم 74 ـ 75
· } حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا { الجن 24
· } لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون { الأنعام 67
لتعني العلم بالمشاهدة رأي العين ، وحرف الزمر يعني أن من القول في القرآن ـ الذي لن يقع في حياة النبي r وإنما بعده في أمته ـ أن يعلم المكذبون من أمته بعده رأي العين العذاب في الدنيا يأتيهم فيخزيهم قبل العذاب المقيم في الآخرة ، ولقد وعد الله في حرف الزمر هـذه الأمة بمثل ما وعد به نوح وشعيب قومهما ، وقد تحقق في قومهما وعد رسوليهما ، وإني لأنتظر وعد الله في هـذه الأمة إيمانا به وبقوله } فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله { إبراهيم 47 .
وإن حرف الفرقان } وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا { لمن المثاني مع حرف القمر } سيعلمون غدا من الكذاب الأشر { ويعني حرف الفرقان أن المكذبين في هـذه الأمة سيعلمون حين يرون العذاب بأعينهم أنهم كانوا أضل سبيلا إذ لم يهتدوا إلى الإيمان بموعودات القرآن لينجوا من العذاب الموعود ، وحرف مريم وحرف الجن صريحان في أن المكذبين من هذه الأمة سيرون بأعينهم الملائكة تتنزل بالعذاب فيعلمون رأي العين أنهم شر مكانا وأضعف جندا وناصرا وأقل عددا ، ويعني حرف الأنعام أن ما نبأ الله به خاتم النبيين r في القرآن سيكون معلوما رأي العين في الدنيا ومنه العذاب في الدنيا .

} فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا {

إن قوله :
· } كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون { الزمر 25 ـ 26
· } فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون { فصلت 16
· } قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم { هود 38 ـ 39
· } فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين { هود 66 ـ 68
· } ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود { هود 93 ـ 95
· } فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين { يونس 98
ويعني حرف الزمر أن الخزي في الحياة الدنيا هو العذاب الذي أهلكت به الأمم المكذبة من قبل ، وهو في حرف فصلت الريح الصرصر التي أهلكت عادا ، وهو في أول هود الطوفان الذي أغرق به قوم نوح ، وهو في ثاني هود الصيحة التي أخذت ثمود فأهلكتها ، وهو في ثالث هود الصيحة التي أخذت مدين فأهلكتها ، وهو في حرف يونس العذاب الذي كشف عن قوم يونس لما آمنوا فمتعوا إلى حين .
وإن المثاني :
· } ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى { خاتمة طـه
· } قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم { الزمر 40
· } فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين { التوبة 2
لتعني أن العذاب الذي أهلك الله به الأولين فأخزاهم سيخزي به الله كذلك الكافرين في هـذه الأمة .
والقرينة في حرف طـه أن الإهلاك بالعذاب هو الذل والخزي الذي سينتظره الفريقان بعد نزول القرآن كما هي دلالة القول } قل كل متربص فتربصوا { .
والقرينة في حرف الزمر أن العذاب المخزي سيأتي المكذبين بعد نزول القرآن كما هي دلالة القول .
والقرينة في حرف التوبة أن الله سيخزي الكافرين وعدا منه في القرآن أي يعذبهم في الدنيا كما هي دلالة أمرهم بالعلم الذي يعني وعدا سيعلمونه رأي العين في الدنيا كما بينت في كليات من التفسير .

} وأتبعوا في هـذه الدنيا لعنة {

إن قوله } ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هـذه الدنيا لعنة { هود 58 ـ 60 ليعني أن عادا لعنوا بالعذاب الغليظ وهو الريح العقيم أبعدوا بها عن رحمة الله التي نجّى بها هودا والذين آمنوا معه ، ويعني قوله } وأتبعوا في هـذه الدنيا لعنة { أن عذابا غليظا بالريح العقيم كذلك سيبعد الله به قوما آخرين عن رحمته ، ولم تهلك أمة بعد عاد بالريح العقيم إلى يومنا هـذا .
إن ثمود ومدين قد أبعدا عن رحمة الله بالصيحة كما في قوله } ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود { هود 95 ويعني أنهما أبعدا بنفس العذاب ، وقد كان بينهما قرون كثيرة ، وكانت ثمود بعد عاد من غير فصل بينهما كما في قوله } واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد { الأعراف 74 من قول صالح ، ولم يأت في القرآن أن ثمود قد أبعدت كما أبعدت عاد لاختلاف العذاب الذي عذبت به كل منهما .
إن اللعنة التي أتبعها عاد هي من نبوة خاتم النبيين r في القرآن وهي منتظرة ستحل بعاد الأخرى ، وهم الذين سيوافقون عادا الأولى في أوصافهم كما في قوله } أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين { الشعراء 128 ـ 130 وسيقولون مثل قولهم كما في قوله } وقالوا من أشد منا قوة { فصلت 15 ، وستهلك عاد الأخرى بالريح العقيم .
وإن قوله } وأتبعوا في هـذه لعنة { هود 99 لمن المثاني مع قوله } وأتبعناهم في هـذه الدنيا لعنة { القصص 42 يعني فرعون وجنوده لعنوا إذ أبعدوا بالإغراق عن رحمة الله التي نجّى بها موسى ومن معه ، وإن اللعنة التي أتبعها قوم فرعون لمن نبوة خاتم النبيين r في القرآن وهي منتظرة إذ لم تقع بعد منذ نزل القرآن ، وسيغرق الله خلف فرعون لتقع عليهم اللعنة التي أتبعها فرعون وجنوده .
وإن المثاني في قوله } إن الله لعن الكافرين { الأحزاب 64 وقوله } فلعنة الله على الكافرين { البقرة 89 لتعني أنهم سيعذبون في الدنيا بعذاب يبعدهم عن رحمة الله كالذي عذب به الكافرون من الأمم من قبل .
وإن المثاني في قوله :
· } ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم { الفتح 6
· } فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم { القتال 22 ـ 23
· } والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار { الرعد 25
لتعني أن المنافقين والمشركين سيعذبون بعذاب يبعدهم عن رحمة الله .
وقد بينت لعن إبليس في كلية الآيات .
وإن قوله :
§} قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل { المائدة 59 ـ 60
§ليعني أن من القول في القرآن الذي سيقع متأخرا عن حياة النبي r أن تقع لعنة الله على اليهود والنصارى أي يعذبون في الدنيا بعذاب يبعدهم عن رحمة الله كما يأتي بيانه وتفصيله في كلية خلافة على منهاج النبوة

}وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب {

إن قوله :
· } قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم { النحل 26 ـ 27
· } كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا { الزمر 25 ـ 26
· } قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم { هود 39
· } ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب { هود 93
ليعني أن المكذبين من قبل قد أتاهم العذاب في الدنيا فأهلكوا به ، وكذلك وعد الله بمثله في هـذه الأمة كما في المثاني معه :
· } وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل { إبراهيم 44
· } قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم { الزمر 39 ـ 40
· } قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون { الزمر 54 ـ 55
· } قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون { الأنعام 47
· } قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به ءالآن وقد كنتم به تستعجلون { يونس 50 ـ 51
· } وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا { الكهف 55
· } ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون { هود 8
· } كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون { الشعراء 201 ـ 208
· } ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم { الحج 55
وتعني أن العذاب في الدنيا كالذي أهلك به المكذبون من قبل سيأتي المكذبين من هـذه الأمة كذلك .
ويعني حرف إبراهيم أن الله كلف خاتم النبيين r أن ينذر الناس عذابا سيأتيهم في الدنيا ، وأن الله علام الغيوب أخبر عن الذين ظلموا أنهم سيتمنون تأخير العذاب عنهم ليتأتى لهم الإيمان ، وسبحان الله أن يكلف نبيه بإنذار عذاب في الدنيا لن يكون .
وتقدم أول الرمز ، ويعني ثانيه أن الله وعد بعذاب سيأتي الذين أسرفوا على أنفسهم ثم لا ينصرون ووعدهم بعذاب سيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ، وإنما هو في الدنيا موطن التكليف حيث كلفوا قبله أن ينيبوا إلى ربهم ويسلموا له وأن يتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم .
ويعني حرف الأنعام ويونس أن المكذبين موعودون بعد نزول القرآن كما هي دلالة القول بعذاب سيأتيهم بغتة أي بياتا وبعذاب سيأتيهم جهرة أي نهارا فيهلك الظالمين ولا ينفع المجرمين إيمانهم به حين يرون العذاب بل يهلكون به .
ويعني حرف الكهف أن المكذبين لن يؤمنوا حتى يأتيهم العذاب قبلا أي أنواعا متقابلة منه ، فتعذب طائفة بالإغراق ، وطائفة بالريح العقيم ، وطائفة بالصاعقة ، وطائفة بالصيحة والرجفة والخسف والحاصب .
ويعني حرف هود أن العذاب إنما أخر عن هـذه الأمة إلى أجل معدود معلوم فيأتي العذاب ولا يصرف عن المكذبين بل يهلكهم .
ويعني حرف الشعراء أن المجرمين من هـذه الأمة لن يؤمنوا بالقرآن حتى يروا العذاب الأليم الموعود الذي متعوا قبله سنين فإذا رأوه آمنوا وسألوا الإنظار أي تأخير الإهلاك .
ويعني حرف الشعراء أن العذاب الأليم سيأتي المجرمين بغتة وهم لا يشعرون فيسألون التأخير بعد أن كانوا يستعجون بالعذاب وقد وعد الله أن يأتيهم ما كانوا يوعدون في القرآن ومنه العذاب الموعود ثم لا يغني عنهم ما متعوا به سنين قبله بل يهلكون .
ويعني حرف الحج أن الذين كفروا لن يزالوا في شك وتردد حتى تأتيهم الساعة بغتة وهو الموعود المتأخر ، تقدم ذكره في سياق خطاب المؤمنين لإيمانهم بالغيب ، وحتى يأتيهم عذاب يوم عقيم هو الموعود في الدنيا .
إن العذاب العقيم هو الذي لا حياة بعده بل سيهلك المكذبين به وكذلك الريح العقيم كما في قوله } وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم { الذاريات41 ـ 42 أي أنها بعد سبع ليال وثمانية أيام أهلكت ما أتت عليه حتى جعلته كأنما فني وتآكل في الأرض منذ مئات السنين حتى أصبح بعد سبع ليال وثمانية أيام كالرميم وهي العظام التي يفتتها اللمس وهي أبعد ما تكون عن الحياة .
يتواصل
الحسن محمد ماديك