المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ظلال آية الحلقة الثانية



عمرعتيق
10-17-07, 07:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

في ظلال آية

الحلقة الثانية د. عمر عبد الهادي عتيق



ما الفرق بين النهي عن القرب والنهي عن التعدي ؟

ورد النهي في (فلا تقربوها) في قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها}[البقرة187]، وورد (فلا تعتدوها) في قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها}[البقرة229].

وقد اختص النهي في الآية الأولى بسياق الاعتكاف في المسجد، والمنهي عنه في هذا السياق هو مباشرة النساء في فترة الاعتكاف، وذلك من قوله تعالى:{ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها}[البقرة187] والمنهي عنه أمر عظيم، إذ روي عن قتادة "كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك (1) ولكن لماذا قال (فلا تقربوها) في الآية الأولى، و(فلا تعتدوها) في الآية الثانية؟

يتجلى سبب اختصاص (فلا تقربوها) بسياق مباشرة النساء من خلال الدلالات التي تفيدها مادة (قرب)، فالمقاربة والقراب: المشاغرة للنكاح (2)، وقربان المرأة: غشيانها (3) ويبدو النهي عن مباشرة النساء بلفظ القرب يقتصر على المباشرة أو الجماع المحرم، كما في مباشرة الرجل لزوجته في فترة الاعتكاف، أو الجماع في فترة الحيض كما في قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن}[البقرة222]. أو اقتراف الزنا، كما في قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا}[الإسراء32]. وما يعزز اختصاص مادة (قرب) بالمباشرة المحرمة قوله تعالى:{ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن}[البقرة222]، فقد جاء النهي في حالة الحيض بلفظ القرب، وفي حالة الطهارة جاء الأمر بالمباشرة بلفظ الإتيان.

كما أن مادة (قرب) تتقاطع مع سياق الآية ذاتها، فالقرب: طلب الماء ليلاً (4)، وهو ما يتناسب مع قوله تعالى:{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}[البقرة187].

لقد شكل النهي بلفظة القرب علائق دلالية سياقية، فلم يعد معنى القرب محصوراً على النهي، كما أن النهي بلفظة القرب في هذا السياق قد أحالنا إلى مواضع أخرى في القرآن تحقق فيها التناسب بين النهي بلفظة القرب ودلالة السياق.

إن انقياد المعنى في بعض الأحيان لا يكون يسيراً على القارئ الباحث حينما يكتفي بالوقوف على ضفاف الألفاظ إذ "إن من المعاني ما يوجد مرتسما في كل فكر ومتصوراً في كل خاطر ومنها ما يكون ارتسامه في بعض الخواطر دون بعض، ومنها ما لا ارتسام له في خاطر وإنما يتهدى إليه بعض الأفكار في وقت ما فيكون من استنباطه (5).

أما مجيء (فلا تعتدوها) في الآية الثانية فقد تناسب مع خاتمة الآية وهي قوله تعالى: {فأولئك هم الظالمون}، فالاعتداء والظلم بينهما علائق دلالية، فالعادي هو الظالم، وأصله من تجاوز الحد في الشيء، والاعتداء والتعدي والعدوان بمعنى الظلم (6).

وسياقا الآيتين يتفاوتان في الأمر المنهي عنه، إذ إن المنهي عنه في الآية الأولى هو مباشرة النساء في فترة الاعتكاف في المسجد، والمنهي عنه في الآية الثانية هو أخذ الأزواج من مهور زوجاتهم، وذلك في قوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً}[البقرة229]، ويترتب على هذا التفاوت أن النهي عن مباشرة النساء في فترة الاعتكاف أشد وذلك لعظم المنهي عنه كما أن النهي عن القرب يشمل النهي عن فعل محرم بنفسه والنهي عن وسائله الموصلة إليه (7)، أما النهي في الآية الثانية فهو أخف، لأنه نهي عن التجاوز، أي أن المرأة إذا افتدت لمهرها وخالعت زوجها لم يكن عليها إثم (8).

<<<<< يتبع



---------------الهوامش------------

(1) الزمخشري، جار الله: الكشاف. ص115.

(2) لسان العرب: مادة قرب.

(3) الأصفهاني، الراغب: المفردات في غريب القرآن. ص401.

(4) لسان العرب: مادة قرب.

(5) القرطاجني، حازم: منهاج البلغاء وسراج الأدباء. ص192.

(6) لسان العرب: مادة عدا.

(7) انظر: السعدي، عبد الرحمن بن ناصر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. بيت الأفكار الدولية، عمان، 1998، ص54.

(8) الخطيب الإسكافي: درة التنزيل. ص36.

عيسى محمد
10-18-07, 10:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاك الله خيرا وبارك في أوقاتك وأعمالك ونفع بك المسلمين.
أسأل الله عز وجل أن يعزك بالإسلام وأن يعز الإسلام بك حقا ، لكل أمريء نصيب من اسمه.