المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أعمال قلبية للتلاوة



أسد المجاهدين
08-30-02, 8:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد

فإن للقلوب أعمالاً تقوم بها كما للجوارح أعمال ، ولعل من أعظم أحوال العبد حاله وهو يتلو كتاب ربه سبحانه وتعالى فينبغي له أعمال قلبية تمكنه من التدبر والاتعاظ به ، وإليك أهدي موعظة من كتاب ( موعظة المؤمنين ) للعلامة جمال الدين القاسمي - رحمه الله تعالى - علامة الشام في زمانه الذي عاش حياته مدافعاً عن السلفية الحقة توفي عام (1332هـ / 1914م).

قال رحمه الله تعالى:

أعمال الباطن في التلاوة وهي ]ثمانية[ :-

الأول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في إيصال كلامه إلى أفهام خلقه.

الثاني: التعظيم للمتكلم ، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرأه ليس كلام البشر ، ولن يحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله ، فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار ، وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد ، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته ، وبين نقمته وسطوته ، إن أنعم فبفضله ، وإن عاقب فبعدله ، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم الكلام.

الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس والتجرد له عند قراءته وصرف الهمِّ إليه عن غيره ، كان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية ، وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم ، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه ويستبشر به ويستأنس لا يغفل عنه ، وفي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلاً له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره.

الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره ، والمقصود من القراءة التدبر ، ولذلك سنّ فيه الترتيل ، لأن الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن ، قال علي رضي الله عنه : (( لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها )). وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآية يرددها.

الخامس: التفهم : وهو أن يستوضح عن كل آية ما يليق بها ، إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله وذكر أفعاله ، وذكر أحوال الأنبياء وأحوال المكذبين لهم ، وأنهم كيف أهلكوا ، وذكر أوامره وزواجره وذكر الجنة والنار . أما صفات الله عز وجل فكقوله : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " وكقوله : " الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ " فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها.

السادس: التخلي عن موانع الفهم : فإن أكثر الناسِ منعوا عن فهم القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن . وهذا يتولى حفظه شيطان وكِّل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل ، فلا يزال يحملهم على ترديد الحروف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه ، فهذا يكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف فأنّى تنكشف له المعاني ، وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعاً لمثل هذا التلبيس.

السابع: التخصيص : وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن ، فإن سمع أمراً أو نهياً قدّر أنه المنهي والمأمور ، وإن سمع وعداً أو وعيداً فكذلك ، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود ، وإنما المقصود أن تعتبر به وتأخذ من بضاعته ما تحتاج إليه ، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ، ولذلك قال تعالى : " مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ " ، فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى . وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين ، ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة لكتاب فقال تعالى : " وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ " وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد كما قال تعالى : " لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " قال محمد القرظي : (( من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله )) ا.هـ ، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه ، ولذلك قال بعض العلماء : هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل الله عز وجل بعهوده نتدبرها في الصلوات وننفذها في الطاعات .

الثامن : التأثر : وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره ، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فإن التضييق غالب على آيات القرآن ، فلا ترى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقروناً بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله عز وجل : " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ " ثم أتبع ذلك بأربعة شروط " لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى " وقوله تعالى : " وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) " ذكر أربعة شروط ، وحيث اقتصر ذكر شرطاً جامعاً فقال تعالى : " وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ " فالإحسان يجمع الكل ، وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره . ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن وإلا كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى : " أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " وفي قوله تعالى : " كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ " وفي قوله تعالى : " فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا " وفي قوله تعالى : " وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " إلى غير ذلك من الآيات ، فالقرآن يراد للعمل به ، وأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب ، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظ العقل تفسير المعاني ، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار ، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ.

وعد السماء
08-31-02, 1:48 AM
بارك الله فيك أخي الكريم موضوع قل من يهتم به مع إنه الأصل في صلاح الأعمال.

مســك
08-31-02, 5:59 AM
بارك الله فيك يا وائل .

الموحد 2
08-31-02, 6:05 PM
جزاك الله خيراً وبارك الله فيك موضوع جميل ومفيد