المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما الذي جري في قطاع غزة؟ مقال آخر



sabet
06-23-07, 07:48 AM
ما الذي جري في قطاع غزة؟ حماس إذ تدشن بداية نهاية الحقبة المكية في التفكير الإخواني في غضون أسبوع واحد تمكنت حركة حماس من إلحاق هزيمة كاسحة بحركة فتح وأجهزة الأمن الفلسطينية التابعة لها ولمؤسسة الرئاسة الفلسطينية في قطاع غزة. ومع سقوط مقر الأمن الوقائي في تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة في يد حماس يوم الخميس (14/6)، انهارت أسطورة الهرم الثلاثي الأضلاع الحاكم في القطاع، محمد دحلان ورشيد أبو شباك وسمير مشهراوي، قادة هذا الجهاز وسادته. ومع صباح يوم الجمعة (15/6)، كانت حماس وجناحها العسكري المعروف باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، والقوات التابعة للداخلية الفلسطينية القوة التنفيذية ، يحكمون سيطرتهم الكاملة علي قطاع غزة ومعابره، وذلك بعد أن سقطت السرايا ، مقر حكم الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، وبالتالي سقوط قوات حرس الرئاسة التابعة له.
لماذا ابتدأت بهذه المعلومات المعروفة لدي الجميع؟ ببساطة لأنها تحمل مدلولات أعمق من الخبر ذاته أو سرديته، والتي يبدو أن كثيرين لم ينتبهوا لها أو أنهم يتقصدون التغاضي عنها.
فإذا كانت حماس تمتلك فعليا كل هذه القدرة التي أبرزتها في قرار الحسم العسكري مع حركة فتح والأجهزة الأمنية التابعة لها في غزة، فما الذي دفعها إذن لأن تتحمل لمدة 15 شهرا مماحكات ومؤامرات بعض أطراف حركة فتح ومؤسسة الرئاسة والأجهزة الأمنية التابعة لهما؟ وما الذي دفعها مثلا إلي أن تتغاضي عن جريمة محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية في 14/12/2006 عندما كان عائدا من جولة خارجية له عبر معبر رفح؟ ولماذا صمتت علي تحرشات حركة فتح ومؤسسة الرئاسة والأجهزة الأمنية التابعة لهما كل هذه المدة؟ ولماذا قبلت باتفاق مكة في شهر شباط/فبراير الماضي، والذي كان في مضمونه انتقاص من فوزها المستحق في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، وإجهاض له؟ ولماذا قبلت قبل ذلك بسحب جلَّ الصلاحيات من حكومتها بل وحتي من المجلس التشريعي ذاته لصالح مؤسسة الرئاسة؟ ولماذا صبرت علي تعرض قوات فتح والأجهزة الأمنية لمسؤولي الحكومة عن حماس وأعضاء التشريعي عنها، وقادتها السياسيين والعسكريين؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير، توضح بما لا يدع مجالا للشك، بأن حماس لم تكن قد اتخذت يوما قرارا بـ الانقلاب علي السلطة الفتحاوية وهياكلها في قطاع غزة، رغم امتلاكها القدرة العسكرية علي ذلك، حتي قبل دخولها للانتخابات التشريعية. فهي التي صبرت في عز قوتها، وقبل دخول الانتخابات التشريعية علي التلاعب في الانتخابات البلدية، خصوصا في بلدية رفح أواخر عام 2005، وهي نفسها التي كظمت غيظها وهي تري موعد الانتخابات التشريعية يؤجل مرة بعد أخري بما يتواءم وظروف حركة فتح الداخلية. كما أنها هي نفسها من حافظت علي الحكمة والتعقل وهي تري ملف إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية يتلاعب به لسنوات حتي لا يتاح لها دخولها، ومن ثمّ يسلط عليها سيف وحدانية وشرعية تمثيلها للشعب وللقضية الفلسطينية وتعير بأنها لم تدخلها بعد وهي لا يسمح لها أصلا. وفوق هذا وذاك، التزمت حركة حماس جانب ضبط النفس وهي تري بأم عينيها تجاوزات وتعديات كوادر فتح والأجهزة الأمنية علي كوادرها وقادتها، حتي وصل الأمر إلي تصفية بعضهم، والتطاول علي بعض من قياداتها السياسية، بما في ذلك رئيس وزرائها نفسه، والذي منع موكبه يوما من أن يمر من أمام مقر جهاز الأمن الوقائي، وكادت أن تتحول الأزمة إلي مذبحة، لولا تعقل هنية واختياره للعودة من حيث أتي، وهو رئيس الوزراء... أو علي الأقل كان هذا هو المفترض.
واضح جدا أن حماس لم يكن في واردها فكرة الحسم العسكري في غزة، ليس عجزا وضعفا كما عيرها دحلان في خطابه الشهير مطلع العام الحالي في مهرجان انطلاقة فتح في غزة 1/1/2007، وذلك عندما أخذ يصرخ في ذكري انطلاقة فتح ويتحدي حماس أن تطلق عليه الرصاص إن كانت تستطيع (وين حماس .. خلي حماس تطخني!؟)، فقد ثبت أن حماس كانت تستطيع ذلك حينها لو أرادت، وها هو الدليل قد جاءه في صيغة لا تخطئها العين، ولعله من حسن حظ دحلان أنه كان هاربا منذ أشهر خارج قطاع غزة، وإلا لكان تحديه لحماس قد تجسد حقيقة.
إذن ما الذي دفع حماس إلي الوصول إلي قناعة بضرورة الحسم العسكري؟ وهو قرار واضح بالمناسبة أنه لم يكن جراء فقدان القيادة السياسية للسيطرة علي عناصرها العسكرية والميدانية. فالذي رفض الهدنة التي أعلنتها فتح من جانب واحد في خضم المعركة وبعد أن بدا واضحا اتجاهها لخسارتها لم تكن القيادة العسكرية لحماس، بل إن الرفض جاء علي لسان ناطق وقائد سياسي بالحركة، هو فوزي برهوم. أيضا وخلال فترة الحسم العسكري، اختفت تقريبا قيادات حماس السياسية الكبيرة عن الساحة وغابت تصريحاتها، وكان من الواضح أن ذلك إنما يجيء في سبيل إعطاء فرصة كاملة للجناح العسكري لإنجاز المهمة التي أوكلت إليه بدحر الانقلابيين ، كما تسميهم حماس. بل إن رئيس المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل، لم يخاطب وسائل الإعلام إلا يوم الجمعة (15/6)، أي بعد أن أحكمت حركته سيطرتها التامة علي قطاع غزة. وفي ظهوره ذاك، دعا مشعل حركة فتح إلي الحوار، مؤكدا أن المعركة في غزة لم تكن موجهة ضد حركة فتح، وإنما إلي تيار داخلها سعي دائما إلي إجهاض مبادرات الوفاق الوطني عبر تحكمه بالبنية القيادية للأجهزة الأمنية، والتي تمثل صميم المشكلة. وأكد مشعل تمسك حركته بحكومة الوحدة الوطنية بعد معالجة الملفات العالقة، وخصوصا الملف الأمني، إلا أن رد فتح ـ والتي كانت تشعر بالإهانة- جاء بالرفض علي لسان مستشار عباس، أحمد عبد الرحمن.
ولنعد مرة أخري إلي السؤال حول دافع حماس للحسم عسكريا في قطاع غزة هذه المرة.
لقد كتب الكثير وقيل أكثر حول مشروع أمريكي ـ إسرائيلي وبعض عربي وبعض فلسطيني كان يطبخ علي نار هادئة لمدة أكثر من عام للإطاحة بحكومة حماس المنتخبة، ولإجهاض قوة الحركة ذاتها في قطاع غزة. وكانت التقارير حول تفاصيل هذا المشروع تجد طريقها إلي صفحات الجرائد الأجنبية والعربية، بما في ذلك الأمريكية والإسرائيلية، نقلا عن مصادر مطلعة. وكان واضحا من تلك التقارير المتسارعة وحجم المعلومات المتوافقة التي احتوتها أن ساعة الصفر للتحرك والحسم مع حركة حماس قد تمّ ضبطها في أشهر الصيف القادمة، وغالبا في شهر تموز (يوليو) القادم. حماس بالتأكيد لم تكن غائبة عن هذه المعلومات. كما أنها لم تتعامل معها علي أساس أنها إشاعات إعلامية، كيف وهي تري بأم عينيها عبر معابر القطاع مع إسرائيل ومصر، شاحنات الأسلحة تلك، بما فيها شبه الثقيلة، تدخل ليلا ونهارا باتجاه الأجهزة الأمنية الفلسطينية المحسوبة علي الرئاسة وفتح؟ فضلا عن تلك المعلومات التي أشارت إلي أن دحلان كان يقوم بتكوين جهاز أمني آخر من الموالين له وللرئاسة مائة بالمائة، والذين كانوا يرسلون بالمئات للتدريب في دول عربية كمصر. أضف إلي ذلك سعي الإدارة الأمريكية مرة أخري عبر وزيرة الخارجية الأمريكية، كوندوليزا رايس، والمبعوث العسكري الأمريكي إلي المنطقة، الجنرال كيث دايتون، لدي الكونغرس للمصادقة علي تخويل الإدارة بإنفاق عشرات الملايين من الدولارات علي بناء الأجهزة الأمنية التابعة لعباس. ففي إعلانها يوم الاثنين (18/6) عن قرار الإدارة الأمريكية رفع الحصار عن حكومة الطوارئ الفلسطينية، التي شكلها أبو مازن، برئاسة سلامة فياض، تقول رايس بما لا لبس فيه: وكنا قد حددنا في السابق ما يصل إلي 86 مليون دولار لدعم جهود الرئيس عباس في تشكيل قوات أمن مسؤولة. والآن، وفي ضوء الحكومة الفلسطينية الجديدة، سنعمل مع الكونغرس لإعادة هيكلة تلك المساعدة بحيث يمكن استخدامها بشكل فعال .
أما صحيفة يونغافيلت الألمانية فأشارت في تقرير لها نشر يوم الخميس (14/6) إلي أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خططت منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية وتحريض تيار موال لها داخل حركة فتح علي القيام بتصفيات جسدية لقادة الفصائل العسكرية لحركة حماس. وقال المعلق السياسي للصحيفة فولف راينهاردت إن هذا الاتهام مبني علي أقوال لا تحتمل اللبس أدلي بها مسؤول الاتصال العسكري الأمريكي المقيم في إسرائيل الجنرال كيث دايتون أواخر ايار (مايو) الماضي أمام جلسة استماع في لجنة الشرق الأوسط بالكونغرس الأمريكي. وأوضح راينهاردت أن دايتون اعترف أمام اللجنة بوجود تأثير قوي للولايات المتحدة علي كافة تيارات حركة فتح، وذكر لأعضاء اللجنة أن الأوضاع ستنفجر قريبا وبلا رحمة في قطاع غزة. ولفتت صحيفة يونغافيلت إلي تأكيد الجنرال دايتون لرئيس لجنة الشرق الأوسط بالكونغرس السيناتور غاري أكرمان علي إلقاء وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية (سي . آي . أي) بكامل ثقلهم خلف حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل داخل حركة فتح. ونقلت الصحيفة عن دايتون قوله إن تعبئة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ضد حماس مثل ويمثل خيارا إستراتيجيا للإدارة الأمريكية الحالية. وأشارت إلي نجاح الجنرال دايتون في الحصول من الكونغرس علي مبلغ 59 مليون يورو لتدريب حرس عباس الرئاسي في مصر والأردن منذ عام 1996 وإعداده لخوض مواجهة عسكرية ضد حركة حماس. ونوهت الصحيفة إلي أن التيار الأمريكي ـ الإسرائيلي داخل فتح لم ينجح رغم كل الدعم السخي المقدم له في كسر شوكة حماس جيدة التنظيم والتسليح عبر القتال المباشر. وقالت إن هذا الفشل دفع وكالة (سي. آي. أي) لاستدعاء خبرتها السابقة في جمهورية السلفادور وتوجيهها الأطر الفتحاوية التي تحركها لتشكيل فرق موت لاغتيال قادة وكوادر حماس. وتحدثت يونغافيلت عن وجود خيوط كثيرة تربط بين فرق الموت والحرس الرئاسي الفلسطيني الذي يشرف عليه النائب في فتح محمد دحلان. ونسبت الصحيفة إلي خبيرة التخطيط السياسي بالجامعات الإسرائيلية د. هيجا باومجارتن قولها إن دحلان مكلف من وكالة الاستخبارات المركزية وأجهزة أمريكية أخري بتنفيذ مهمة محددة هي تصفية أي قوي مقاومة لإسرائيل داخل وخارج حماس.
ليس هذا فحسب، بل إن وكالة رويترز وفي تقرير لها أعده مراسلها من القدس المحتلة آدم أنتوس، ونشر يوم الأحد (17/6) تحت عنوان: بعد غزة... من كان يسعي للإطاحة بمن؟ ، يشير بوضوح إلي أن الخطة الأمريكية كانت بدأت قبل عام علي الأقل لتمهيد الطريق أمام الرئيس الفلسطيني محمود عباس للإطاحة بالحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس. بل وأبعد من ذلك حيث ينقل التقرير عن مصادر غربية وإسرائيلية وفلسطينية رسمية في مطلع الأسبوع إن إعلان عباس حالة الطوارئ وتنصيب سلام فياض الذي يتمتع بقبول لدي الغرب مكان رئيس الوزراء المنتمي لحماس لم يكن مجرد رد علي هجوم حماس بل جاء تتويجا لشهور من المشاورات والتخطيط وراء الستار وتحريض الولايات المتحدة . ويذهب التقرير إلي القول: وفي نهاية الأمر كان الضغط علي عباس للعمل ضد حماس بنفس القدر من داخل حركة فتح إن لم يكن أكبر من ضغط واشنطن التي تحاول التقليل من أهمية دورها . مضيفا: ولا يمكن أن يقال ان أمرا كهذا كان بمثابة مفاجأة سيئة للأمريكيين إلا الأحداث الأخيرة التي أسفرت عن سيطرة حماس علي كل قطاع غزة وذهبت أدراج الرياح خطط الولايات المتحدة وحلفائها لبناء قوات عباس في غزة في مواجهة حماس. ويري كثير من المسؤولين والمحللين الغربيين أن الهجوم كان ضربة وقائية وجهتها حماس قبل أن تتمكن واشنطن من بناء فتح.. هناك عناصر قوية داخل حماس رأت أن الوقت ليس في صالحهم . وينقل التقرير عن إدوارد أبينجتون مستشار عباس والقنصل الأمريكي السابق في القدس، منذ وقت طويل والعضو في جماعات للضغط في واشنطن، أن إدارة الرئيس بوش أبلغت الرئيس الفلسطيني بنواياها بعد قليل من فوز حماس في الانتخابات في مطلع عام 2006. وأضاف أنه جري إبلاغ عباس بأن حماس منظمة غير مشروعة وأنهم يفعلون كل ما يستطيعونه لإجبارها علي ترك السلطة . وحكي أبينجتون عن اجتماع عقد في تموز (يوليو) العام الماضي قائلا ذكر لي (عباس خلاله) أن الأمريكيين يحثونه علي حل الحكومة وتشكيل حكومة طوارئ. إلا أنه رفض أن يفعل ذلك لأنه سيؤدي إلي حرب أهلية. لم يكن يريد الدخول في مواجهة لكنه قال في نهاية الأمر إن ذلك كان مفروضا عليه . وقال مسؤولون غربيون-حسب التقرير-إن عباس استطاع أن يتحرك بسرعة الأسبوع الماضي لتشكيل حكومة جديدة لأن جزءا كبيرا من العمل التحضيري كان قد أنجز بالفعل. ويشير التقرير إلي أن بعض المسؤولين الغربيين والفلسطينيين يجادلون بأن واشنطن أذكت النار بمجرد انتهاء حماس وفتح في آذار/مارس من تشكيل حكومة وحدة لم تستمر طويلا. وحث مسؤولون أمريكيون عباس علي منح محمد دحلان السيطرة علي الأمن ثم حثوه علي نشر قوات فتح في غزة.
بل إن دينس روس، المبعوث الأمريكي السابق للسلام في الشرق الأوسط زمن إدارة الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، وأحد اعتذاري إسرائيل في أمريكا بامتياز، كتب مقالا في واشنطن بوست في ـ ((4/6 أي خمسة أيام قبل بدء المواجهات الأخيرة الحاسمة بين قوات حماس والتنفيذية ضد قوات الأمن وفتح والرئاسة في قطاع غزة-تحت عنوان: شبح حماسستان: يجب فعل المزيد من أجل مواجهة انتصارات الإسلاميين في غزة ، أشار فيه بوضوح إلي أنه حضر نقاشات في رام الله والقدس لم تدر حول الطريق المسدود الذي وصلت إليه العملية السلمية، ولا حول المبادرة العربية للسلام، بل كان (ت) حول الصراع الذي يدور في غزة بين المنظمتين الفلسطينيتين، فتح وحماس، وما إذا كان قطاع غزة قد أصبح بالفعل بيد الإسلاميين. فقد كان الإسرائيليون والفلسطينيون علي حد سواء يتساءلون عن عواقب تحوّل غزة إلي ما يسمونه بمصطلحهم حماسستان . ويضيف: كما سمعت أيضاً من الفلسطينيين والإسرائيليين علي حد سواء بأنه يمكن لمصر أن تفعل أكثر مما تفعله بكثير من أجل منع حماس من تلقي الأسلحة والأموال المهربة من الأنفاق المحفورة التي تصل سيناء بغزة . ويتابع روس ناقلا لما دار في تلك النقاشات علي جانبها الفلسطيني: أما بالنسبة للفلسطينيين، فإنهم يرون أنه من الضروري أن لا تحقق حركة حماس في الضفة الغربية النجاح الذي حققته في قطاع غزة. والدافع الأكبر وراء ما خلص إليه الفلسطينيون المشاركون في النقاشات هو خوفهم، الذي ربما يكون كبيراً بما فيه الكفاية ليجعلهم يتعالون علي الخصومات الشخصية والداخلية التي أنهكت حركة فتح وأعاقتها في منافستها لحركة حماس... وسمعت من هؤلاء الفلسطينيين طرحاً مثيراً للاهتمام، يتطلعون من خلاله إلي جعل الضفة الغربية مثالاً ناجحاً في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، يرفعونه في وجه الفشل الذي يعاني منه قطاع غزة، حيث تبلغ نسبة البطالة ما يقارب السبعين بالمائة. ويقولون: فلتتولي حماس شؤون الدولة التي تعاني من الشلل وغياب القانون والنظام ولنبن نحن دولتنا، ولنتوصل إلي تفاهم مع الأردن وإسرائيل، علي الأقل من أجل التوصل إلي كونفدرالية اقتصادية وأمنية. وإذا ما بقيت حماس صامدة في غزة فربما يكون هناك حل قائم علي إنشاء ثلاث دول ! بمعني آخر، فإن ثمة تخطيطا مسبقا كان من أجل فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وتحويلهما إلي كيانين في حال هزمت فتح عسكريا في قطاع غزة، فضلا عن أن إعلان الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل عن استئناف مساعداتها لحكومة الطوارئ في الضفة الغربية لم يكن وليد لحظته وإنما كان مخططا له من قبل، وذلك في أفق إفشال حماس جماهيريا فــي قطاع غزة، بعد أن يري سكانه بركات التماهي مع المشروع الأمريكي-الغربي-الإسرائيلي في الضفة الغربية، في حين يعيشون هم تحت الحصار والفاقة والعوز بسبب خطاب الممانعة والحقوق والثوابت الذي تتمسك به حماس. ولعل الرئيس الأمريكي جورج بوش، كان أكثر من واضح في تصريحاته التي أطلقها خلال اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت فــي البيت الأبيض، يوم الثلاثاء (19/6) وذلك عندما أعرب بوش عـن أمله أن يتلقي عباس وفياض دعما يمكنهما مـن قيادة الفلسطينيين فـي اتجاه مختلف . موضحا أنه وأولمــــرت لديهما إســـــــتراتيجية مشتركة لمحاربة من سـماهم المتطرفين فــي قطاع غــزة. من جانبه قـــال أولمرت إنه يريد دعـــم المعتدلين والتعاون مـع عباس، مبديا اســتعداده لبدء مفاوضــات معه.
إذن لا شك، أن كل الدلائل كانت تشير إلي استعداد فتحاوي-رئاسي، بدعم أمريكي-إسرائيلي وبغطاء بعض عربي، للقيام بانقلاب عسكري علي حركة حماس في قطاع غزة. وهو الأمر الذي كتبت فيه مقالات كثيرة، لعل أهمها مقال الأستاذ فهمي هويدي تحت عنوان: محاولة لفهم ما جري في غزة ، وأن كل ما قامت به حماس هو أنها سارعت إلي التغذي بخصومها قبل أن يتعشوا بها . ولا شك أن حماس استصحبت-محقة-في قرار حسمها، أنها تمثل الشرعية في الساحة السياسية الفلسطينية، والتي تواجه تمردا من قبل قادة الأجهزة الأمنية، والذين يتحرك غالبيتهم بأجندة فصائلية ضيقة وأخري خارجية، بما في ذلك الأمريكية والإسرائيلية.
ولكن ثمة سؤال يبرز في هذا السياق، وبدأت تتبلور محاوره الآن مع تصاعد التهديدات بعض الفلسطينية وبعض العربية، والإسرائيلية والأمريكية والغربية بفرض حصار علي قطاع غزة وعزله... فهل كانت حماس لا تدرك طبيعة الثمن الذي ستدفعه في حال سيطرتها علي غزة؟
في الحقيقة يصعب تصور غياب تداعيات وارتدادات سيطرة حماس علي قطاع غزة محليا وإقليميا ودوليا عن ذهن وتفكير قادة الحركة. فمثل هذه التداعيات المتوقعة، لا تحتاج إلي عقل استراتيجي متفتق لكي يستوعب مفرداتها وسياقاتها. فقطاع غزة، لا يشكل أكثر من شريط أرضي ضيق وصغير (365 كيلومترا مربعا) بسكان يناهزون المليون ونصف المليون إنسان محاصر برا وبحرا وجوا. محاصر من الداخل الفلسطيني، المتمثل في مؤسسة الرئاسة وحكومة الطوارئ وحركة فتح في الضفة الغربية، والذين أنعم عليهم الآن باستئناف المساعدات الغربية وتحرير أموال عائدات الضرائب الفلسطينية والتي كانت تحتجزها إسرائيل منذ تشكيل حماس لحكومتها الأولي في آذار (مارس) 2006، حيث ستصرف في الضفة دون غزة حتي يشعر سكان القطاع بالفرق ويثورون علي حماس. ومحاصر من جهة إسرائيل والتي تسيطر علي معابره البرية والبحرية فضلا عن فضائه الجوي، كما أنه محاصر من قبل الأشقاء في النظام المصري العتيد.
وفوق هذا وذاك، فإن القطاع تحت سيطرة حماس لوحدها، يعني أنه أكثر عرضة وأسهل هدفا الآن للتعرض لحملة اجتياح أو تصعيد عسكري إسرائيلي، أو حتي تصعيد داخلي جديد فلسطيني-فلسطيني في القطاع بدعم أمريكي-إسرائيلي-مصري، في جولة جديدة لحسم المعركة.
إذن لماذا قررت حماس رغم كل ذلك المضي قدما في الحسم العسكري؟ ببساطة، وبناء علي كل ما سبق، فإن مرحلة الحسم العسكري من قبل فتح وقوات الرئاسة كانت أمرا مفروغا منه، بدعم إسرائيلي-أمريكي وبعض عربي. وكل الذي فعلته حماس في هذا السياق هو أنها قدمت موعد الصدام العسكري وغيرت نتيجته المتوخاة، من انتصار لفتح والأجهزة الأمنية المرتبطة بها، إلي انتصار لحماس وإحباط مخططات سحق عظمها دون أدني دفاع عن النفس. يبدو أن حماس قد قررت، عن وعي منها أو دون وعي، أن تضع حدا للـ الحقبة المكية في تفكير المدرسة الإخوانية وتدشن بداية نهايتها. تلك الحقبة التي تستصحب التلذذ بالمحنة وآلامها كما يعبر عنها الإخوان المسلمون في أدبياتهم، ربما دون وعي. فإذا كان السحق هو قدر حماس وعقوبتها، فلماذا تنسحق حانية الرأس مطأطأة الجبين!؟ وإذا كان يراد كسر عظمها فلماذا لا تُكَسِّرُ عظام خصمها معها!؟ من المفارقات أن حماس كانت تخوض معركة الحسم مع فتح، في حين كان أشقاؤهم في تنظيم الإخوان المسلمين في مصر يسامون سوء العذاب في انتخابات الشوري الأخيرة، والتي زورها النظام المصري عيني عينك . والمفارقة الأخري الأكثر تراجيدية، أن النظام المصري والذي يخنق جماعة الإخوان عنده هو ذاته الوسيط غير النزيه بين حماس وفتح. منذ أواخر العشرينيات من القرن الماضي، تاريخ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وهم يتقلبون بين محنة وأخري، ولم يفد تعقلهم و حكمتهم في جلب السلامة لهم. صحيح أن الوضع في غزة والأراضي الفلسطينية مختلف عن أوضاع فروع جماعة الإخوان المسلمين الأخري في البلدان العربية المختلفة. ولكن خطوة حماس هذه قد تدفع بالإخوان المسلمين إلي التفكير بطرق خلاقة أخري لمواجهة القمع والكبت الممارس عليهم وعلي شعوبهم من قبل الأنظمة. ليس معني هذا، أنهم قد يلجأون إلي خيار العنف ، سيكونون هم الخاسرين فيه طبعا، وإنما علي الأقل، فإنهم قد يلجأون إلي تغيير قواعد اللعبة مع الأنظمة، ونقل التوتر معها إلي الشارع في صورة عصيان مدني واسع، وهو أمر ينبغي أن تفكر فيه الجماعة في مناطق نفوذها. فما فعلته حماس في غزة، رغم ما تدفعه وستدفعه من ثمن في القطاع والضفة الغربية، حيث تعلو يد فتح والأجهزة الأمنية في هذه الأخيرة بغطاء إسرائيلي، قد دق مسمارا آخر في نعش الحقبة المكية في التفكير الإخواني التي طالت. ولعله من المفارقة أن الحقبة المكية زمن الرسول صلي الله عليه وسلم، قد دامت 13 عاما، في حين أنهت حماس هذه الحقبة في قطاع غزة، وإن مؤقتا، بعد 13 عاما أيضا، من دخول السلطة الفلسطينية منذ شهر نيسان (أبريل) 1994، وتغولها منذئذ.
بل أبعد من ذلك فإن أولئك الذين حملوا علي ما فعلته حماس، حتي من قبل قوميين ويساريين، متعاطفين معها نوعا ما كحركة مقاومة، فإنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم اعتادوا علي الأنموذج الإخواني الذي يقبل أن يتعرض للسحق دونما أدني مقاومة. أنا هنا لا أتحدث عن أعداء حماس، بقدر ما أتحدث عن أولئك من غير الإسلاميين الذين كان عندهم نوع من التعاطف مع حركة حماس، كحركة مقاومة إسلامية في فلسطين. فهم ورغم أن كل الحقائق متوفرة بين أيديهم عن حقيقة الأوضاع في الساحة الفلسطينية، إلا أنهم ليسوا علي استعداد لهذا التغيير في منطق التفكير الإخواني (والذي يبقي خصما لهم علي الصعيد الإيديولوجي)، فهم يريدون للإخوان أن يبقوا أساري فكر المحنة والاستسلام القدري، وهو الأمر الذي دشنت حماس بداية نهايته في هذا الفضاء الفكري الواسع.
نعم، قد يكون ثمن سيطرة حماس في غزة وانتصارها علي بيادق المشروع الإسرائيلي-الأمريكي (كما تراهم) في الساحة الفلسطينية، انتصارا مكلفا، بما قد يستدعيه ذلك من حصار عربي ودولي وإسرائيلي، بل وربما تصعيد عسكري واجتياح شامل بدعم من بعض الدول العربية، وقطعا من فلول المهزومين الهاربين من قطاع غزة، إلا أن حماس-في منطق التفكير السياسي- لم يكن أمامها خيار آخر، فهي كانت أمام خيارين لا ثالث لهما: إما السحق مع الدعاء علي الظالم، وإما سحق الظالم معها والدعاء عليه بعد ذلك. وفي أي حال، فإن اجتثاث حماس حلم صعب المنال، فالإخوان ورغم كل ما قاسوه في الجارة مصر من حروب استئصال واجتثاث، سواء تحت الملكية أم تحت النظام الجمهوري، لا زالوا هم القوة الشعبية الأولي هناك. وحماس نفسها تعرضت لعمليات سحق عام 1996 علي أيدي هاربي اليوم، ومع ذلك عادت لهم من تحت الرماد من جديد لتذيقهم من نفس الكأس.
كل ما سبق لا يعني أنه لم يبق مجال لأصوات التعقل والحكمة داخل حركة فتح، فالقضية الفلسطينية مركب واحد، وأينما حدث الخرق فالجميع لا محالة غارق. هذا الكلام لا يعول فيه علي المجموعة الدحلانية ومن لف لفها، ولكن يعول فيه علي شرفاء فتح والذين غيبوا جراء الدعم الغربي والإسرائيلي لدحلان ومن علي شاكلته. ويبقي الأمل أن لا تتوه فتح وراء أصوات الحقد القادمة من ذلك التيار، والذي انضم إليه للأسف، القيادي الفتحاوي المعتقل، مروان البرغوثي، والذي قد يكون الورقة الأمريكية-الإسرائيلية القادمة لمواجهة نفوذ حماس. أما الأنظمة العربية، فعليها أن تدرك، أن أخذ جانب طرف علي حساب طرف آخر يعني أن مسألة التوتير الداخلي في دولهم أضحت مسألة وقت، وذلك بعد أن بدا واضحا من تجربة سقوط النظام العراقي علي أيدي الاحتلال الأمريكي وسقوط إمبراطورية دحلان الأمنية في غزة علي أيدي حماس بأنهم ليسوا أقوياء كما يبدون، رغم تحالفهم مع أعداء شعوبهم.
وكلمة أخيرة إلي بعض من يلقون باللوم علي حماس لدخولها الانتخابات التشريعية ابتداء وتشكيلها للحكومة بعد ذلك، فسواء دخلت حماس هذه الانتخابات أم لم تدخلها فإن الصدام كان قادما لا محالة. فالقضية متعلقة بمشروعين وبرنامجين في الساحة الفلسطينية. مشروع يريد بيع كل شيء وبأي ثمن مهما كان بخسا... ومشروع يريد الحفاظ علي الحقوق والثوابت ولو في حدودها الدنيا. وإذا كانت حماس تحارب اليوم لنجاحها الكاسح في الانتخابات، فإنها كانت سَتُحارَبُ لو لم تدخلها باسم الشرعية والتمرد عليها. فالقضية ليست مسألة فخ نصب لحماس ووقعت فيه بمشاركتها في الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة وبعد السيطرة علي قطاع غزة.. فالفخ قائم في كل الأحوال ضد القضية الفلسطينية، وكل ما فعلته حماس أنها حاولت وتحاول إفشاله. ولعله من الخطأ الجزم بأن أيام حماس قد أصبحت معدودة... فاحتمالات تفجر المنطقة ككل لا زالت مفتوحة، وهي بلا ريب ستفيد كل قوي الممانعة فيها، ومن ضمنها حماس. بعد ذلك كله إنها دعوة للتعقل وتغليب مصلحة الشعب والأمة العليا... فهل من مذكر!؟
أسامة أبو ارشيد ....... كاتب ومحلل سياسي