المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القراءات القرآنية و منهج المحدثين في التوثيق



أحمد بزوي الضاوي
03-25-07, 02:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين

( سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )
ـ البقرة: من 32 ـ

الإخوة الأفاضل : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أما بعد ، فإني أشكر للسادة الأساتذة المشاركين في موقع تفسير كافة ، وللأخوة الأفاضل السادة الأساتذة العلماء الدكتور أمين الشنقيطي ، و الدكتور جكني، والدكتور أنمار ، والشيخ محمد يحيى شريف ـ حفظهم الله ـ تثويرهم لعلم القراءات، بما يشحذ الهمم، ويوقظ الوسنان، ويحرك الراكض، ويدفع إلى إعادة النظر في كثير من القضايا التي يعتبرها البعض مسلمات، وهي في حاجة إلى دراسة تستجلي غوامضها، وتكشف أسرارها. ومن ثم فإنني أشاطركم فكرة إعادة النظر في موروثنا القرائي بما يحقق فهمه، ويمكن من استيعابه، فاستبطانه، فالوصول إلى عتبات الإبداع والإضافة العلمية . ، صيانة لها من عبث العابثين ، وتشكيكات المبطلين ، وتخرصات الجاهلين ، و نقيم الحجة لمن يحتاجها أن القرآن الكريم تكفل الله بحفظه : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ، ومن حفظ الله و رعايته أن هيأ له أسباب الحفظ ، فاصطفى طائفة من صفوة الأمة انتدبها الله تعالى لحمل القرآن في الصدور ، و توثيقه في السطور ، وتناقله جيلا عن جيل ، فوصلنا غضا طريا كما تلقاه الرسول الكريم ـ صلى الله عليه و سلم ـ عن رب العالمين : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة:122) .
إن جامعاتنا ـ كما هو الشأن بالنسبة للساحة الثقافية عموما ـ ابتليت اليوم بإعادة إنتاج ما هو موجود دون فهمه. ومن ثم تجدنا غير قادرين على الإبداع ، بل إننا نعيش المنحدر. فما منا أحد إلا ويشكو إلى الله تدني المستوى العلمي لطلابنا وباحثينا، دون أن ندرك أن هذه الآفة يساهم فيها كثير من الأساتذة الباحثين ، بشكل كبير للأسف الشديد .
إن للقراءات القرآنية صلة وثيقة بعلوم الحديث عامة، وما يتعلق بالتوثيق خاصة، أما التفريق بين الحقول العلمية فيرجع إلى أسباب تعليمية ، أكثر من أن يكون حقيقة واقعية، لأن العلوم الإسلامية تشكل منظومة متكاملة ، ذات بعدين : التوثيق و الفهم . ومن ثم تجدنا في حقل التفسير ـ مثلا ـ نكون في حاجة إلى إعمال كل الحقول المعرفية لتحديد مراد الله تعالى من الخطاب القرآني .
أما بالنسبة للقراءات القرآنية، بل كثير من الحقول المعرفية الأخرى فهي في حاجة ماسة إلى إعمال منهج المحدثين في التوثيق، لأن جامعي الثقافة العربية الإسلامية اعتمدوا ـ في الغالب ـ الإسناد ، المؤسس على قاعدة " من أسند إليك فقد أبرأ ذمته " ، ومن ثم فإنه يبقى على عاتق من أتى بعدهم من الدارسين نخل هذه المرويات والروايات باستخدام منهج المحدثين في التوثيق لتمييز صحيحها من سقيمها .
أما بالنسبة للوعي بالتمايز الحاصل بين الحقول المعرفية فهو أمر أساس في كل دراسة تتوخى العلمية والموضوعية ، والوصول إلى النتائج المرضية المؤسسة على البرهان العلمي . فكل حقل معرفي له خصوصياته، ومن ثم فإن الباحث المقتدر هو الذي يدرك تلك الخصوصيات التي تجنبه الوقوع في إسقاط مناهج وأدوات علمية مجافية لمجال الدراسة .
وإذا تقرر ذلك نقول ـ وبالله التوفيق ـ إن القراءات القرآنية لها صلة وثيقة بعلم الحديث، خاصة ما يتعلق بدراسة السند، ومعرفة الرجال، وما يتعلق بكل ذلك مما هو مقرر في علم الجرح و التعديل ، ولكن مع احترام خصوصيات مجال القراءات القرآنية .
إن القراءة لا يمكن أن تكون قراءة ما لم يتحقق فيها شرط صحة السند، أي صحة نسبتها إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فالقراءة سنة متبعة ، أي : ما قرأ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو ما قرئ بحضرته فأقره ، فالقراءة إذن هي ما فعل الرسول وإقراره . ومن ثم جاءت مشروعية إعمال منهج المحدثين في توثيق القراءات القرآنية ، وجاء حديثهم عن سند القراءات ، ورجال القراءات .
أما ما يتعلق بدراسة المصطلحات التي يستعملها علماء القراءات القرآنية فإن الدراسة العلمية تقتضي اعتماد آلية الاستقراء، وذلك بتتبع المصطلح في كتاب معين وتحديد صيغه وسياقاته، وضبط معناه أو معانيه من خلال السياقات التي استعمل فيها، معتمــدين نظرية " الحقول الدلالية " ونظرية " السياق". وبعد الانتهاء من هذه الدراسات التفصيلية التي تعتمد الاستقراء، يمكننا أن ننتهي إلى دراسة شاملة تمكننا من تحديد المعنى الاصطلاحي كما هو متداول عند أهل الجـهة ـ الاختصاص ـ .
إننا في حاجة ماسة لمثل هذه الدراسات العلمية الرصينة التي تحدد المعنى الاصطلاحي للألفاظ المستعملة في كل حقل معرفي، مما يرفع اللبس، ويحقق التواصل العلمي بين أهل الاختصاص، ويؤسس لنهضة علمية راشدة .
إننا في حاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى توحيد جهود العلماء و الباحثين ، والعمل في إطار فرق البحث ، و الوسائل المعلوماتية اليوم تمكننا من تجميع هذه القدرات والخبرات في شكل عمل موحد ، فقد انتهى زمن البحث الذي يقوم بها الأفراد ، نتيجة التدافع الذي يعرفه عصرنا على كافة المستويات ، فضلا عن التدفق الهائل للمعغلومات في شكل تيار جارف ، وذلك بقصد فهم موروثنا الثقافي ، وفهم آليات اشتغاله ، لنتمكن من القيام بوظيفتي البلاغ و البيان ، فهناك قطاع عريض من الأمة بله الأمم الأخرى في حاجة ماسة إلى من يبلغهم حقائق دينهم ، أما البيان فالحاجة إليه أمس و أكبر . وذلك هو السبيل ـ في اعتقادي ـ إلى أن نبلغ و نبين أن القراءات القرآنية موثقة توثيقا لا يرقى إليه ،الشك ، وأن نقد بعض المحدثين لبعض القراء ، هو من باب الصناعة الحديثية ، وهو دليل على تحري الصدق و الأمانة العلمية ، و القيام بواجب صيانة النص الشرعي من كل تحريف ، فذلكم الإعجاز : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) . مع التنبيه على ضرورة احترام خصوصية كل حقل معرفي ، فلا ينبغي إسقاط المقررات العلمية والمنهجية الحديثية جملة و تفصيلا على القراءات القرآنية ، التي تحتكم إلى المقياس القرائي الثلاثي الأبعاد :
1- صحة السند .
2- موافقة الرسم العثماني ولو احتمالا .
3- موافقة العربية و لو بوجه .
إنها محاولة فهم و إفهام ، بلاغ و بيان ، وانتصار لدين الله بإقامة الحجة و البرهان على تهافت دعاوى المبطلين ، الذين يهرفون بما لا يعرفون ، أكثر منها محاولة تجديد .
وهذا نصا لأحد العلماء المغاربة الفضلاء ، إنه للشيخ سعيد أعراب ـ رحمه الله ـ حيث يقول : " إن من أركان القراءة الصحيحة صحة الإسناد، فعلى القارئ أن يعرف أحوال الرواة وطبقاتهم، و القراءة سنة متبعة ، ونقل محض ، وقد تقرر أن من شروط المقرئ أن يكون عاقلا ، عدلا ، ثقة، كامل الضبط ، ولا يجوز له أن يقرأ إلا بما سمع ممن تتوفر فيه هذه الشروط ، أو قرأ عليه وهو مصغ له ، أو سمعه بقراءة غيره عليه . وتشدد المتأخرون فلم يجيزوا إلا القراءة على الشيخ ، لأن المقصود كيفية الأداء ، ولا تتحقق إلا بذلك ، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته.
أما الصحابة ، فربما ساعدتهم فصاحتهم و سليقتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولأن القرآن نزل بلغتهم .
والإسناد من خصائص هذه الأمة ... وقد تنافس الناس في الأسانيد العالية ، وشدوا الرحال من أجلها ، وحلوا فهارسهم وأثباتهم بها " . ( القراء و القراءات بالمغرب : سعيد أعراب ، ص 72 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1410 هـ / 1990 م .
ويقول الشوشاوي ( ت 899 هـ) في كتابه " الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة " : " وأما بماذا ثبتت القراءة هل بالتواتر أم بالآحاد ؟ فاعلم أنها إنما ثبتت بالتواتر في الحروف والحركات دون أحكام التلاوة من المد والقصر ، والتفخيم والترقيق والتحقيق والتسهيل ، والإظهار والادغام ، والفتح والإمالة ، وغير ذلك من أحكام القراءة . وإلى هذا أشار ابن الحاجب في الأصول بقوله : " مسألة القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة ، وتخفيف الهمز ونحوها ، لأنها لو لم تكن لكان بعض القرآن غير متواتر كملك ومالك ونحوهما ، وتخصيص أحدهما تحكم باطل لاستوائهما " مختصر أصول الفقه لابن الحاجب 2/21. " الفوائد للشوشاوي ص 244/245 .
و أحب أن أبين أن ما أثاره بعض الإخوة الأفاضل عند نشري للموضوع على موقع تفسير كفكرة بسيطة عنت لي من خلال أسئلة و استشكالات تلقيتها من بعض طلبتي ، حثني على المزيد من البحث والتنقيب في كتب تنتمي لمجالات علمية قد يظنها البعض بعيدة عن القراءات القرآنية ، فإذا بي أجد بها قضايا مثارة منذ زمن بعيد من قبل الفقهاء المالكية ، و نص عليها الونشريسي ( ت 914 هـ ) في كتابه الرائع : " المعيار المعرب و الجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب " تحقيق مجموعة من الفقهاء تحت إشراف أستاذنا الدكتور محمد حجي ـ رحمه الله ـ ، نشر وزارة الأوقاف ، المغرب . مما يؤكد ما أشرت إليه في أول عرض للموضوع من أن العلوم الإسلامية تشكل منظومة متكاملة لا يمكن فهم إحدى جزئياتها إلا في إطارها الشمولي ، مما يحتم علينا كباحثين تجاوز النظرة التجزيئية ، وأن تكون مقارباتنا العلمية ذات بعد شمولي تتمثل الإسلام باعتباره منظومة متكاملة .
و قبل أن أشرع في عرض ما نوهت به ، أحب أن أبين أنسب الفضل لأهله الذين أثروا الموضوع بنقاشاتهم و فتحوا الباب أمام الباحثين لارتياد آفاق جديدة ، وأخص بالذكر منهم السادة العلماء الأجلاء الأستاذ الدكتور أمين السنقيطي ، و الأستاذ الدكتور أنمار ، و الأستاذ الدكتور الجكني و الشيخ محمد يحيى شريف
و ليت الذين يبحثون عن مواضيع تصلح لإنجاز أبحاث الماجستير والدكتوراه ، يتابعون مثل هذه المحاورات العلمية ، فإنهم سيقعون على نفائس ودرر، تحتاج عينا بصيرة ترمقها ، و عقلا كبيرا يستوعبها ، و قلبا فياضا يحتضنها ، ويدا قديرة تتعهدها.
وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه و يرضاه ، و أن تكون هذه المناسبة فرصة لمزيد من التواصل و التعاون .
** تسير العلوم الإسلامية في خطين متوازيين :
1- التوثيق .
2- الفهم .
وما يهمنا هنا هو التوثيق مناهجه ، قواعده و أصوله العامة ، وطرقه الإجرائية التي اعتمدها العلماء في كل حقل معرفي من حقول المنظومة المعرفية الإسلامية. تجنبا لما يمكن الاصطلاح عليه بالإسقاط المنهجي ، حيث اعتماد مناهج لا تراعي خصوصيات المجال أو الموضوع ، مما يجعل الدراسة غير علمية ، و تفتقد للمصداقية ، فضلا عن أنها تنتهي إلى نتائج غير مرضية ، و غير علمية ، لأن ما أسس على باطل فهو باطل . وهذه المسألة لا ينتبه إليها كثير من الباحثين ، حيث تجدهم حذرين من الوقوع في الإسقاط المعرفي ، و لكنهم لا يرون بأسا في الإسقاط المنهجي ، علما أن البحث العلمي يعتمد الرؤية و المنهج ، فهما رجلاه اللتان يستوي عليهما قائما، و دعامتاه اللتان يبنى صرحه عليها . و من ثم وجب التنبيه إلى أن الإسقاط إسقاطان : معرفي و منهجي .
أ ـ البديهيات المعرفية و المنهجية : لا بد لنا من بيان البديهيات المعرفية و المنهجية بالنسبة للقراءات القرآنية في صلتها بعلوم الحديث من حيث التوثيق ، و التي يمكن حصرها في ما يلي :
1 - للقراءات القرآنية صلة بعلوم الحديث .
2 - القراءة سنة متبعة .
أهمية السند بالنسبة للقراءات القرآنية .
3 - لا يمكن أن تكون القراءة قراءة ما لم تكن صحيحة السند .
4 - التواتر عند القراء ليس هو التواتر عينه عند المحدثين ، باعتباره يعتمد المقياس القرائي :
أ ـ صحة السند .
ب ـ موافقة الرسم العثماني و لو احتمالا .
ج - موافقة اللغة العربية و لو بوجه .
إن القراءة متى توفرت فيها شروط المقياس القرائي فهي قراءة صحيحة ، لا يجوز ردها سواء كانت من السبعة أم غيرها . ومن ثم يمكننا أن نفهم كيف أن بعض العلماء قد تكلموا في بعض القراء ، و مع ذلك فإن ذلك لم يؤثر في صحة قراءتهم ، و صحة الأخذ عنهم .
إن القراءة متى اتصل سندها برسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ ، ووافقت الرسم العثماني ، ووافقت سنن العرب في الكلام ، فإنها أصبحت قراءة متواترة . أليس رسم المصحف متواترا ، أخذه الجمع الغفير الذين لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن نظائرهم وصولا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ . أليست موافقة العربية محققة للتواتر ؟، باعتبارها القوانين التي تحكم اللغة العربية ، و التي يستبطنها الوجدان العربي ، و يستطيع بفضلها قبول أو رد جملة أو جملا دون الاحتكام إلى قواعد مقررة ، و دون حاجة إلى التعلم . إنها السليقة اللغوية التي يمتلكها صاحب اللسان العربي ، باعتبارها لغته الأم ، كما هو متعارف عليه في العلوم اللغــــوية : " اللسانيات "
تأسيسا على ما سبق نجد القراء يشترطون في قبول القراءة أن تكون غير مخالفة لما استقر عند أئمة الإقراء قراءة صحيحة سليمة من الغلط و الشذوذ .
وهنا نتساءل : الشذوذ عن ماذا ؟ إنه الشذوذ عن العرف القرائي ، حيث استقرت القراءة بأن أخذها جيل عن جيل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ .
إن المسألة عندي شبيهة بموقف المحدثين و الفقهاء من الحديث المرسل ، فبينما يعتبره المحدثون حديثا ضعيفا باعتبارها لا تتحقق فيه شروط الصحة بفقدانه شرط اتصال السند . نجد قطاعا عريضا من الفقهاء يعتبرونه حديثا صحيحا قد يرقى إلى مرتبة المتواتر ، باعتبار المُرسل لا يُرسله إلا بعد أن يكون قد رواه عن أئمة عدول ثقاة ضابطين كثر ، يطول الأمر بذكرهم ، فلما اطمأن لصحته أرسله .
إن الحرص على التوثيق حرص على سلامة النصوص الشرعية من التحريف بالزيادة أوالنقصان، أو التغيير و التبديل ، أو غيرها من صنوف التحريف التي تلحق ضررا بالغا بالمتلقين، ونخص بالذكر منهم المؤمنين ، لأنهم يتعبدون الله تعالى بما تقرره النصوص الشرعية . فضلا على أن الحكم التوقيفي و الاجتهادي مرتبط من جهة بوثوقية النص ، ومن جهة أخرى بدلالته . إن الأمر باختصار شديد يتعلق بالتوثيق و الفهم .
إن خصوصية القراءات القرآنية تحتم علينا عدم إسقاط أحكام المحدثين و مقاييسهم على القراء و القراءات جملة و تفصيلا . مما يلزمنا برد الأمور إلى نصابها بالاحتكام إلى قواعد علم القراءات ومقرراته التي لا يمكن أن ينضبط إلا بها . يقول الونشريســي ( ت 914 هـ ) ـ رحمه الله ـ : " لا يعرف القراءة ووجوهها إلا أهلها ، وغيرهم لا يعرفون أصلها ، فضلا عن توافرها . وسبيل ذلك سبيل أصحاب الصنائع و الآلات يعرفونها ، فتواترها عندهم خاص بهم ، وهكذا أرباب العلوم في اصطلاحات لهم تتواتر عندهم " ( المعيار المعرب و الجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية و الأندلس و المغرب ، ج 12 ، ص 118) .
فلا تناقض ـ في اعتقادي ـ بين تعامل القراء مع المجروحين من قبل علماء الحديث ، لأن المحدثين يتكلمون بمقاييسهم ، و يحتكمون إلى قواعدهم ، و كل ذلك يخص مجال الحديث ، ونخل المرويات ، ليصطفوا منها أحاديث نبوية شريفة ، ترقى من حيث الوثوق لأن تكون المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي .
ومن ثم فإنه يمكن أن نجد من القراء من هو في عداد المجروحين عند المحدثين ، ورغم ذلك تؤخذ عنه القراءة ، لأن مجال القراءة يعتمد مقياسا ثلاثي الأبعاد :
أ‌. السند .
ب‌. الرسم .
ت‌. العربية .
فضلا عن العرف القرائي المتمثل في ما اجتمعت عليه العامة ، كما بين مكي بن أبي طالب ( ت 437 هـ ) في كتابه الإبانة عن معاني القراءات : " إن الصفات المعتبرة في المختار من القراءات أن تكون القراءة قد اجتمعت عليها العامة " فمكي ـ رحمه الله ـ يرد الأمر إلى الاتباع من غير نظر في شروط و لا في أركان ، و السبع عنده و عند غيره من القراءات المختارة . و الصواب في القراءة اتباع الجماعة و تقليد الأمة الماضية ، و لاأجد حجة عن الحق ، و الحق هو الحجة على الخلق " ( المعيار 12 / 121.
ويؤكد ذلك علم الدين السخاوي ( ت 643 هـ ) في كتابه جمال القراء وكمال الإقراء في رده على انتقاد محمد بن جرير الطبري لقراءة ابن عامر : " وأما ما رواه عن ابن عامر أنه قال : هذه حروف أهل الشام التي يقرؤونها فليس في ذلك ما يناقض رواية هشام عن عراك ، بل في ذلك تأييد لروايته وتقوية لها ، إذ كان أهل الشام قد أجمعوا عليها ، و لا يلزمه أن يذكر الإسناد في كل وقت ، و من أين للطبري أنه كان يقول ذلك في كل وقت و لا يذكر إسـنادا" جمال القراء ج 2 ، ص 435 .
بل إن ما ينبغي الإشارة إليه أنه داخل مجال الحديث نجد العلماء يجرحون بعض العلماء الأفذاذ في مراحل متقدمة من حياتهم ، باعتبار المسألة نسبية و ليست على إطلاقها كما يعتقد الغر الذي لم يتمرس بصناعة القوم . وهنا نتساءل من من الناس ـ إلا من رحم الله ـ من يظل ضابطا متقنا دون أن تنوء به نوائب الدهر ، وتعود عليه عوادي الزمان ؟ . وكل ذلك يقوم شهادا على حراسة العلماء للدين ، ونزاهتهم العلمية ، ودقتهم في التوثيق ، وصدقهم و أمانتهم وإخلاصهم . وما دفعهم إلى ذلك إلا إيمانهم بأن الله تكفل بحفظ الدين عامة و كتابه خاصة ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) .فلم يكن لديهم ما يخشونه أو يتسترون عليه ، بل كان رائدهم الحق ، ومقصدهم الحقيقة ، و سبيلهم بذل الجهد ، و صدق التوجه ، و إخلاص النية ، وعزيمة و عمل ، و توكل ، وتعليق النتائج على رب الأسباب .فلم يجعلوا من أنفسهم أوصياء على الدين ، و لم يدعوا احتكار الحقيقة ، فالله تعالى حافظ كتابه ، و ناصر دينه ، و مظهره و لو بعد حين ، فالعاقبة للمتقين : ( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(لأعراف: من الآية128).
إننا كما سبق أن بينا مقصدنا الفهم و الإفهام ، و الاطمئنان و الطمأنة ، ليصبح إيماننا مؤسسا على العلم و المعرفة ، فيرقى إلى اليقين ، هذا من جهة ، و من جهة أخرى نطمح إلى أن نوفق إلى بيان لمن يحتاجه ، أن نصوص الشريعة الإسلامية موثقة محفوظة ، وأن الذين يحاولون اللعب على وتر التشكيك في النصوص الشرعية من حيث التوثيق لن يفلحوا لأنهم بذلك إنما يحادون الله تعالى ، و الله بالغ أمره . كما أنني طرحت الموضوع عندما وجدت من ينسبون إلى الثقافة ظلما و عدوانا ، ويتبوؤون مقاعد قيادية ، يهرفون بما لا يعرفون ، حتى إنك لتجد أحدهم ينسب التحريف لقراءة حفص ، ويزعم أنها مخالفة لمعهود قراءة المغاربة ، ويعلن ذلك على الناس في إحدى الفضائيات الإخبارية : (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً)(الكهف: من الآية5).
ونخلص مما سبق إلى تقرير ما يلي :
1- - القراءة سنة ، و من ثم لا يردها كما قال ابن الجزري في النشر : " قياس عربية، و لا فشو لغة " النشر 1/10 .
2- - وجوب الاقتداء بمن سلف .
3- - تلقى الصحابة القرآن الكريم عن الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ بالسماع و العرض، وكذلك نقلوها إلى التابعين ، فأتباع التابعين إلى أن وصلنتا ، و لا زال الأمر كذلك .
4- - تواتر نقل الوجوه الصحيحة للقراءات .
5- - القراءة موثقة بالمشافهة و الكتابة .
6- - لا يخالف القارئ جمهور أهل بلده الثقات ، باعتبار القراءة عرفا مستقرا .
7- - لا يخالف القارئ ما رواه الأئمة أصحاب السند الأصل ، فالقراءة توقيفية ، لا مجال للاجتهاد فيها .
8- - شروط المقرئ :
أ‌. الإسلام .
ب‌. العقل .
ت‌. البلوغ .
ث‌. العدالة .
ج‌. الأمانة .
ح‌. الخلو من الفسق .
خ‌. المروءة .
د‌. الضبط .
ذ‌. التمكن المعرفي .
ر‌. الشهرة العلمية .
ز‌. الخبرة الناتجة عن طول الممارسة للقراءة و الإقراء .
س‌. الإقراء بما سمعه من شيوخه أو عرضه عليهم ، أو سمعه بقراءة غيره عليه .
ش‌. الاقتصار على القراءات الصحيحة .
ص‌. اختيار الشيوخ بأن يأخذ عمن ثبتت عدالته عنده أو عمن تقدمه ، وتحقق لقيه لمن أخذ عنه إذا صحت معاصرته .
ض‌. أن تكون الكتب التي قرأ بها على شيوخه مشتملة على شرطين : أحدهما ثبوت الرواية فيه أصلا .و الثاني ثبوته فيه أداء . ( النشر 1/192 – 193 .
ط‌. بركة العمر .
و الله من وراء القصد و هو يهدي السبيل .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

عيسى محمد
09-04-07, 09:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزاك الله خيرًا و بارك الله فيك وأحسن الله إليك وغفر لك ما تقدم من ذنبك.

أحمد بزوي الضاوي
10-13-07, 03:25 AM
جزاكم الله خيرا أخي الفاضل عيسى محمد .
و كل عام و أنتم بخير .