المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الآن : إحصل على محاضرة الشيخ عبدالكريم الخضير "المنهجية في قراءة الكتب ..." مكتوبة.


الأخ أبو أسامه
11Mar2007, 02:07 مساء
http://www.almeshkat.com/vb/images/slam.gif


http://www.almeshkat.com/vb/images/taheyatayeba.gif

إليكم يامشايخي وأحبائي محاضرة الشيخ عبدالكريم الخضير

" المنهجية في قراءة الكتب وجرد المطولات " مكتوبة ومفرغة

وهي إهداء لكم جميعاً ، وإهداء خاص لكل من قام بتحميلها وقراءتها

والاستفادة منها ، والدعاء لي بدعوة صالحة في ظهر الغيب.

إضغط هنـــا (http://up.9q9q.net/up/index.php?f=ZYx8C6Y2W)

ولد السيح
12Mar2007, 09:31 صباحاً
http://www.almeshkat.com/vb/images/rdslam.gif

جــزاك الله خيرا ...
ونفع الله بشيخنا العلامة الشيخ عبد الكريم الخضير ..

لكن لم أتمكن من تحميل المادة المكتوبة لعلك تعيد رفعها يا رعاك الله ..

وإليكم المادة مسموعة ...

http://media.islamway.com/lessons/abdulKreeM//275_Al_Mnhjeh.rm

للحفظ حفظكم الله (http://media.islamway.com/lessons/abdulKreeM//275_Al_Mnhjeh.rm)

الأخ أبو أسامه
15Mar2007, 05:34 مساء
الملف يعمل بشكل صحيح أخي ولد السيح ،

وسأرفعه مباشرة إلى الموقع.

الأخ أبو أسامه
15Mar2007, 06:00 مساء
المنهجية في قراءة الكتب وجرد المطولات

للشيخ: د. عبدالكريم الخضير


قام بتفريغ المحاضرة : الأخ أبو أسامه
( يُمنع وضع بريد إلكتروني - الإدارة )

الحمدلله رب العالمين وصلى اللـه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد: فإن هذا الموضوع الذي اختاره الإخوة عنواناً لهذا الدرس يحتاج إلى محاضرات ، بل إلى وقت ، لأن كل فن يحتاج إلى وقت من فنون العلم ، سواء كان العلم الشرعي ، أو ما يعين على فهم العلم الشرعي ، وفي هذا الدرس نُلِمُّ ـ إن شاء اللـه ـ بأطرافه ، ونذكر بإذن اللـه ـ جل وعلا ـ ما لعله أن يفيد السامع ، وإن كان قد تقدم لقاءات كثيرة في هذا الشأن ، وسُجِّلت ، والأشرطة موجودة ، ولكنها متشعبة تحتاج إلى تلتقط من عدة لقاءات ، وفي هذه الساعة نبدأ بمقدمة في بداية التصنيف والتأليف:
* مقدمة في بداية التأليف :
في عهد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يكن هناك كتب مصنفة ولا مؤلفة ، حتى القرآن لم يكن مجموعاً في مصحف ، بل كان محفوظاً في الصدور ، ومكتوباً كتابات متفرقة ، والخشية مأمونة مع وجوده ـ عليه الصلاة والسلام ـ في أن يختلط هذا القرآن بغيره ، وفي أن يضيع منه شيء لأن اللـه ـ جل وعلا ـ تكفل بحفظه.
ولما فتحت البلدان ووجدت بوادر للاختلاف على أصل الأصول وهو القرآن ، بادر الصحابة ـ رضوان اللـه عليهم ـ بجمعه ، فجمع في عهد أبي بكر جمعاً مبدئياً ، ثم جمع الجمع النهائي في عهد عثمان ـ رضي اللـه تعالى عنهما ـ ، وكَتَبَ منه نسخاً أربعاً ، أو خمس ، وأرسلها إلى الأمصار ، واعتمدها الناس ، ومازالت بأيدي الناس إلى يومنا هذا ، وهذا برهان على حفظ القرآن الذي تكفل اللـه بحفظه من الزيادة والنقصان ، حتى ذكر البيهقي في دلائل النبوة: عن يهودي دعاه القاضي يحيى ابن أكثم، فلم يُسْلِم لما دعاه القاضي يحيى ابن أكثم ، وبعد مرور سنة جاء ليعلن إسلامه على يد القاضي يحيى ابن أكثم ، فسأله عن السبب في هذا التأخر ؟ فذكر له : أنه عمد إلى التوراة فكتب منها نسخاً حَرَّفَ فيها وغير وبدل ثم ذهب بها إلى سوق اليهود ، فتخطفوها من يده ، واشتروها ، وقرأوها ، وعملوا بما فيها ، ثم صنع مثل ذلك في الإنجيل ، ثم بعد ذلك عرضه على النصارى ، فاشتروه ، واعتمدوه ، ثم بعد ذلك عَمِدَ إلى القرآن الكريم فغير فيه تغييرات يسيرة جداً لا تكاد تُلْحَظ ، فجاء به إلى سوق المسلمين ـ سوق الوراقين ـ ، فمن نظر فيه رماه في وجهه ، ثم بعد ذلك أعلن إسلامه ، وذكر القصة ليحيى بن أكثم ، فلما حج يحيى بن أكثم إلتقى بسفيان بن عيينة ، واجتمع به ، وذكر له القصة ، فقال : هذه القصة شاهدها في القرآن ، فاللـه ـ جل وعلا ـ ، قد تكفل بحفظه ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فلا يستطيع أحد ، ولا يجرؤ أن يزيد أو ينقص ، وأما بالنسبة للتوراة والإنجيل ، فقد استحفظوا عليها ، ووكل حفظها إليهما ، فلم يحفظوهما ، فوقع ما وقع من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان ، وهذا الكتاب المحفوظ بين الدفتين هو أصل الأصول بالنسبة للأمة ، وفي فلكه تدور جميع الكتب ، بما في ذلك السنة ، لأنها مفسرة للقرآن ومبينة له وموضحة له.
نعم! فيها أحكام زائدة على ما جاء في القرآن وتستقل بتشريع بعض الأحكام ، وهي من الوحي كما قال : ﴿ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ﴾ وبالنسبة لتدوين السنة ، فقد جاء في حديث أبي سعيد عند مسلم : (( لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن ، ومن كتب شيئاً غير القرآن فليمحه )) ، ومع ذلكم كان من الصحابة من يكتب ، فمنهم من حمل هذا النهي على الكراهة ، بمعنى إعتنوا بالقرآن ولا تخلطوا معه غيره ، ومنهم من حمل هذا النهي على ما إذا خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن بأن تكتب السنة مع القرآن في صحيفة واحدة فيتجه النهي حينئذٍ ، ومنهم من حمله على ما إذا اعتمد الناس على الكتابة وتركوا الحفظ ، والواقع يشهد بهذا ، أن من اعتمد على ما يكتب فإن الحافظة عنده تضعف إلى أن تذهب ، فاللي يكتب ما يحتاج إليه ، يعتمد على هذا المكتوب ، ثم إذا تذكر شيئاً منه لم يذكره ، بينما من لم يكتب وانتبه لما يُذْكر وما يُقال لا شك أنه يحفظه ، والناس متفاوتون في الحفظ قوة وضعفاً.
وبعد هذا أُمن المحظور فأمر عمر بن عبدالعزيز بكتابة السنة خشية أن تضيع بموت الصحابة ـ رضوان اللـه عليهم ـ ، وهذا هو بداية التدوين الرسمي للسنة ، وأما قبل ذلك فهو تدوين شخصي ككتابة عبدالله بن عمرو بن العاص ، وقوله عليه الصلاة والسلام : (( اكتبوا لأبي شاة )) فهذا أمر بالكتابة لكنه نادر ، ويبقى أن الضبط والكتابة للقرآن ، ولم يكتب غيره خشية أن يختلط به ، وما خيف منه من الاعتماد على الكتابة وضياع الحفظ هو الحاصل ، فالناس قبل أن يكتبوا يحفظون ، والتدرج الزمني الذي حصل يشهد بها ، فكان الصحابة يحفظون السنة ، ثم بعد ذلك جاء بعدهم التابعون وهم حفاظ ، ثم بعد ذلك بدأ التدوين وما زال الحفظ في الأمة حتى وجد من الأئمة من يحفظ سبعمائة ألف حديث ( أكثر مما جمع بالحواسب بكثير ) ، ثم انتشرت الكتابة وما زال الأمر يضعف ، أعني مسألة الحفظ ؛ حفظ الصدر ، وإن حفظ الكتاب الذي هو عنوان وبرهان لحفظ هذا الدين ما زال مستمراً ، ولم يفت على الأمة شيء ، ولم يضع من دينها وعلمها شيء ، واستمر الأمر على ذلك والحافظة عند الناس تضعف اعتماداً على هذه الكتب ، ونظراً لكثرتها وتنوعها وتشعبها.
في أول الأمر كتبت السنة ، ثم كتبت الآثار عن الصحابة والتابعين ، ثم دونت أقوال الرجال ، وصار لها أثر على حفظ السنة. ودونت العلوم وصنفت الكتب فمنها الغايات ومنها الوسائل ، ومنها ما يتوصل به إلى المطلوب ، ويكون مطلوباً لا لذاته ، ثم بعد ذلك جاءت المطابع ، فصارت الكتب متيسرة أكثر مما كانت عليه الأمر قبل.
في السابق قبل وجود هذه المطابع إذا احتجت إلى كتاب: إما أن تستعيره وتحرص على قراءته والفراغ منه ثم تعيده إلى صاحبه ، أو تنسخ الكتاب "وكتابة الكتاب ونسخه أفضل من قراءته عشر مرات" ، ويستفيد الطالب بهذه الكتابة كما أنه يستفيد إذا استعار الكتاب لأن يوماً من الأيام لا بد أن يرد على صاحبه ، بخلاف إذا اقتناه الإنسان ، والاقتناء غير متيسر للسواد الأعظم من طلاب العلم ، فيصعب على طلاب العلم اقتناء الكتب قبل وجود المطابع ، فأوجدت هذه المطابع ، وهي بقدر ماهي نعمة من نعم اللـه ـ جلّ وعلا ـ إلا أن لها من الأثر على الحفظ ودراسة هذه الكتب ما يشاهده كل أحد.
في أول الأمر ، في بداية الطباعة أفتى بعض شيوخ الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية ، وأجازوا طباعة كتب التواريخ والأدب واللغة وما أشبهها ، ولاشك أن هذه في أول الأمر نظرة طبيعية ؛ لأن هذه الكتب توجد ريبة في قلوب العلماء ، لأنهم يعرفون من آثارها ما يعرفون ، فإذا كان الأمر قبل الكتابة الاعتماد كله على الحفظ ، ثم بعد ذلك لما انتشرت الكتابة صار الاعتماد على الكتابة ، والكتابة تحتاج إلى معاناة ، وبالمعاناة يثبت العلم ، ثم بعد الطباعة حصل أن طالب العلم يجمع من الكتب أضعاف ما كان عند شيوخه ، ومع ذلك لا يعرف عنها شيئاً ، يعني طالب العلم الحريص المجتهد الذي إذا اشترى الكتاب قرأ المقدمة وصار عنده تصور عن الكتاب ، وأما أن يقرأ الكتاب من أوله إلى آخره ، مع كثرة المطبوعات لا شك أن دونه خرط القتاد ، ثم استمر الأمر بعد الطباعة إلى أن ظهرت هذه الحواسب التي يسرت كثيراً على المتعلمين ، وبضغطة زر في ثواني تحصل على ما تريد ، ولكن القاعدة " أن ما أخذ بسهولة يفقد بسهولة " يعني تضغط زر وتستخرج ما تريد من النصوص من الكتاب والسنة ، بالطرق والأسانيد ، فستخرج ما تريد من أقوال العلم بسهولة ، لكن ما الذي يثبت من هذا العلم الذي يؤخذ بسهولة ، إذا فقد الكهرباء عاد طالب العلم عامياً ، وهذا هو الواقع ؛ لأن العلم متين يحتاج إلى معاناة ، يحتاج إلى حفر في القلوب ، ما يحتاج أن يمر مرور السراب ، ومثلنا لذلك: بمن يمشي على رجليه في شارع من الشوارع ، وهذا الشارع فيه محلات تجارية ، وينظر في هذه العناوين الموضوعة على المحلات ، فإذا انتهى من الشارع يكون قد حفظ شيئاً كثيراً ، وعرف ما في هذا الشارع من المحلات ، لكن إذا مر بهذا الشارع بالسيارة ، هل يحفظ منها شيء ؟ أو يعرف المحلات ؟ لا يعرف شيء.
فالذي يمر بسرعة لا شك أنه لا يثبت في القلب منه شيء . . .
وقد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك ، فهل نكتب الكتب ولا نعتمد على الطباعة ؟
نقول: لا ، فالطباعة فرضت نفسها ، وقد يقول قائل : هل نترك هذه الحواسب ؟
نقول : لا يا أخي ، إذاً كيف يتفق هذا مع ما ذكرت ؟ نقول الكتب يقتنى منها ما يحتاج إليه ، لأن كثرة التصانيف كما قال ابن خلدون مشغلة عن التحصيل.
وأما بالنسبة لهذه الحواسب فلا يعتمد عليها ، ولا يعول عليها في بناء طالب علم أبداً ، فطالب العلم لا يعتمد عليه البته في بناءه العلمي ، وإنما يتعلم على الجادة : على طريقة من سبق بحفظ المتون ، ومجالسة الشيوخ وملازمتهم ، وبمطالعة الشروح والحواشي ، ثم بعد ذلك يستفيد من هذه الآلات ، فإذا أراد أن يخرج حديث يخرجه بنفسه من الكتب ، وإن استطاع أن يخدم نفسه بنفسه دون الفهارس فهو أولى.
وقد يقول قائل: إن في هذا إضاعة وقت ؟ نقول : نعم ، ولكن وقت في سبيل التحصيل ، وأنت تريد حديثاً من الأحاديث في طريقك إلى الوقوف على هذا الحديث تمر بأحاديث كثيرة ، أنت قد تكون بحاجة إليها أشد من الحديث الذي تنشده وتطلبه.
وأيضاً أن أردت أن تقف على مسألة من مسائل العلم ، وتوصلت إليها بنفسك ، ما توصلت إلا بعد أن مررت على مسائل كثيرة.
- كثير من طلاب العلم مع الأسف يقول: الناس في عصر السرعة ، وتعدو هذا الكلام وتخطوه ، فالآن في لحظة تأخذ ما تريد ؟ فنقول: نعم ، ولكن ما النتيجة ؟
فإذا أردت تخريج حديث فاتعب عليه ، إتعب على جمع طرقه وألفاظه ، وقد تقف على عشرين طريقاً بنفسك ، ثم بعد ذلك لا ما نع من أن ترجع إلى هذه الآلات فتختبر العمل ، لعلك أن تقف على طرق لم تقف عليها بنفسك ، وحينئذ تثبت هذه الطرق التي أخذتها من الآلات في قلبك ، لأنه قدر زائد على جمعت تتشوف إليه ، فهذي يستفاد منها في اختبار العمل ، ويستفاد منها أيضاً عند ضيق الوقت ، فعندك خطبة جمعة ، ومابقي إلا ربع ساعة ، وعندك حديث ما تدري ماذا قال فيه أهل العلم ؟
لا مانع من أن تطلع على درجته من خلال هذه الآلات ، وأما أن تعول عليها في مبتدأ أمرك فلا ، فلا بد أن يكون طلب العلم على الجادة ، وأن يتعب في تحصيله ، وأن يسلك السبل والطرق التي سلكها من تقدم ، لنحصل على ما حصلوا عليه ، ولذلكم مع هذه التيسيرات والتسهيلات ، كم في الأمة من الحفاظ ؟ ( أعني حفاظ السنة ) ، وإن كانت البوادر ولله الحمد قد ظهرت وتبشر بخير ، وبعثت آمال ، وكانت الطريقة عند أهل العلم حفظ المختصرات الصغيرة اليسيرة ، مثل: الأربعين ، العمدة ، ثم البلوغ. ومن يتطاول على المنتقى فضلاً عن الكتب المسندة ؟ لكن مع ذلك الآمال ولله الحمد وجدت ، ففي الشباب من يحفظ آلاف الأحاديث ، وهذا يبشر بخير ، ولكن لا يكفي هذا ، فلا بد من معرفة الفقه والاستنباط من هذه الأحاديث ، ومعرفة ثبوت هذه الأحاديث من عدم ثبوتها ، فلا بد أن نتحقق من عدم ثبوتها بمعرفة الأسانيد والطرق ، لأن الإخوان يحفظون أحاديث مجردة بدون تكرار ، ولكن لا بد من التكرار .. لا بد من الأسانيد .. لا بد من النظر في المتون.
- قد يقول قائل: إنهم في هذه المرحلة في مرحلة تخزين ، تخزين للمتون ؟
نعم صحيح ، ولكن لا بد أن يعود إلى هذا العلم مرة أخرى ليتفقه فيه على طريقة شرحناها مراراً ، وإن كان الآن بدأنا أن ندخل في السنة ، والأصل أن نتحدث عن القرآن.
- كيفية التفقه في السنة ؟
ذكرناها مراراً ، وهي سهلة وميسورة ، وتحتاج إلى وقت ، وتحتاج إلى معاناة ، وتحتاج إلى تعب. باختصار: تأتي إلى البخاري ، وتجعله المحور والأساس الذي تدور عليه ، وهذه مرحلة لاحقة بعد حفظ المتون المعتبرة عند أهل العلم ، وعلى حسن الترتيب الطبقي لمستويات الطلاب ، فتأتي إلى الحديث الأول في البخاري ، فتجد الإمام البخاري خرجه في سبعة مواضع ، فتنظر في هذه المواضع كلها ، وتنظر بم ترجم البخاري على هذا الحديث في هذه المواضع ، وتقارن بين الأسانيد في المواضع السبعة ، هل هي متطابقة ؟ مختلفة ؟ هل زاد البخاري في هذا الموضع على الموضع الآخر ؟ هل تغير بعض الرواة ؟ هل تغيرت صيغ الأداء ؟ كل هذا مؤثر في فهم السنة ، وفي تحصيل هذا العلم العظيم. فإذا انتهيت من المواضع ، تنظر في مطابقة الحديث للترجمة التي وضعها البخاري عنواناً لهذا الحديث ، وتربط هذا الحديث بترجمته ، وتنظر في أقوال السلف من الصحابة والتابعين التي يذكرها المؤلف رحمه اللـه تعالى وتحتاج إلى ترجمة ، لأنها خير معين على فهم الحديث ، وإذا نظرت في المواضع السبعة على هذه الطريقة ، تكشف لك أمور ، لا تتكشف إذا اقتصرت على أمر واحد كما هو شأن المختصرات ، لأنه أحياناً يختصر البخاري ، وأحياناً يبسط ، وأحياناً تجد كلمة تفتح لك آفاق في فهم هذا الحديث ، وكم حصل من الخلط بالنسبة للشروح التي لا يُعنى مؤلفوها بالنظر في أطراف الحديث ثم إذا أنت انتهيت من هذه المواضع تنظر في حديث صحيح مسلم وطرقه وألفاظه ، ولذا ترجم عليه الشراح لأن مسلم لم يترجم الكتاب ، ثم بعد ذلك تنظر في سنن أبي داوود ثم في الترمذي والحديث مخرج عند الجماعة ، بهذه الطريقة يكون لديك التصور كامل للحديث ، وبهذه الطريقة تتفقه في السنة ويكون عندك فقه الحديث على طريقة أهل الحديث.
ـ كيف تقرأ القرآن ؟ وكيف تفهم القرآن ؟ يعني لابد من أن نبدأ بأصل الأصول.
القرآن محفوظ بين الدفتين فلذلك لا تتعب في مسألة ثبوته كالسنة ، ولا في جمع طرقه ، ولا في غير ذلك ، فتقرأ القرآن على الوجه المأمور به ، وهذا يكون بعد الحفظ إن تيسر ، لأن الحفظ ما يتيسر لكل الناس مع أن الله جل وعلا قد يسر القرآن ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) القرآن ميسر ولله الحمد ، فيكون هذا بعد الحفظ ، تأخذ المصحف ، وتقرأ القرآن على الطريقة المأمور بها بالتدبر والترتيل ، وأنت تنظر في كلماته ، ما يشكل عليك من كلماته تدونه في كراس ، وهذا يسميه أهل العلم غريب القرآن ، ومن أفضل ما كتب في غريب القرآن : كتاب صغير إسمه : نزهة القلوب لابن عزيز السجستاني كتاب مختصر في غريب القرآن أثنى عليه أهل العلم كثيراً من المتقدمين والمتأخرين ويكون بيد طالب العلم المبتدي بعض التفاسير الموثوقة المختصرة جداً ، لأن كثرة التفاريق تذهب على الطالب الوقت فلا يستوعب ، ومن أنفع ما يرجع إليه طالب العلم المبتدي في فهم ألفاظ القرآن ، لأن الألفاظ لا بد أن تفهم ، والمعاني أيضاً لا بد أن تفهم. في فهم القرآن يكون بيد طالب العلم توفيق الرحمن لدروس القرآن للشيخ: فيصل المبارك هذا على اختصاره هو سهل جداً ، مختصر من ابن جرير والبغوي وابن كثير ، وهو على منهج السلف فجعل القرآن على ثلاثمئة وخمسين درس بقدر أيام السنة ، وأيضاً يستفاد في فهم معاني القرآن من تفسير الشيخ السعدي ــ رحم الله الجميع ــ ، فهذه التفاسير المختصرة تجعل طالب العلم لا يتشتت ، فيرجع في غريب القرآن إلى السجستاني ، ويرجع في التفسير إلى تفسير الشيخ فيصل بن مبارك ، ويرجع أيضاً إلى تفسير ابن سعدي في هذه المرحلة ، ومع ذلك يفيد من علوم القرآن : كتب علوم القرآن التي ألفت على طريقة المتون تفيد طالب العلم بمرحلته الأولى منها رسالة للسيوطي جيدة في هذا الباب ، وكذلك منظومة الزمزمي تضاف إلى الرسالة السابقة ، والرسالة المقصودة مستلة من كتاب للسيوطي إسمه النقاية وهذه الكتب موجودة ومتداولة ومشروحة ، والشروح مسجلة ومطبوعة فيفاد منها ، ومع ذلك يحتاج إلى فهم المشكل من معاني القرآن ، ولابن قتيبة كتاب إسمه المشكل من تأويل القرآن ، لكن عندي أن كتاب مشكل القرآن يؤجل إلى المرحلة الثانية ويكفي أن نفهم ونعنى بألفاظ القرآن بحيث لايشكل علينا لفظ ، وأما المشكل والاستنباط من القرآن واستخراج درر وعجائب القرآن فهذه مرحلة لاحقة ، فإذا أكمل القرآن على هذه الطريقة فحفظ القرآن ونظر في ألفاظه ورجع في ما يشكل عليه إلى كتب الغريب ، وهذه التفاسير المختصرة إذا أنهى القرآن على هذه الطريقة لاشك أنه يخرج بفائدة عظيمة وقد يطلب العلم سنين عديدة ثم تسأله عن لفظة غريبة في القرآن فلا يجد جواباً ، لكن إذا عنى به من أول الأمر سهل عليه ، بعد هذا إذا تعدى هذه المرحلة يعنى بتفسير الإمام الحافظ ابن كثير ، ويكون مع ذلك مضى في العلوم الأخرى على ما سيأتي ، تفسير ابن كثير : كثير من الناس يقول قرأت تفسير ابن كثير فلما انتهيت ما عندي شيء ، فنقول إذا كانت الحافظة لا تسعفك فاختصر التفسير لنفسك ، وقد يقول تفسير ابن كثير له مختصرات ؟ نقول: ياأخي لاتعتمد ولا تعول على المختصرات إذ إن العلم يثبت بالمعاناة فاختصر تفسير ابن كثير لأن عندك الآن شيء من الأهلية ، عند أرضية كما يقولون ، فإذا اختصرت تفسير ابن كثير وعرضته على من تثق بعلمه وسدد لك هذا المختصر بعد الرجوع إلى أصله ، لاشك أنك إذا انتهيت عندك رصيد كثير مما ذكره الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ من الأحاديث والآثار والتوجيهات من الأقوال والاستنباط والفقه ، فإذا ارتفعت درجة وأردت أن تنظر وتجمع بين التفسير في الأثر الذي عليه المعول والتفسير بالرأي ـ كتب التفسير التي تعنى بالصناعة اللفظية ـ فتجمع بين تفسير البغوي بعد ابن كثير أو الطبري مع تفسير أبو السعود لعنايته بالمباحث البلاغية ، وتفسير أبي حيان لعنايته بالمباحث النحوية والصرفية ، وغيره من التفاسير.
وقد يقول قائل: العمر لا يستوعب إذا كان هذا فن واحد ونحتاج إلى هذه الكتب ؟ فنقول : نعم ، تحتاج إلى هذه الكتب ، وبعض طلاب العلم قد يتقدم به السن ويتسلم المناصب ويسود على غيره ويتصدر لتعليم الناس وإرشاد الناس ووعظهم وتوجيههم ولو تسأله هل قرأت تفسيراً كاملاً ؟ لقال: لم أقرأ تفسيراً كاملاً ، فإذا اختصر تفسير ابن كثير وانتهى منه اِرتقى إلى البغوي والطبري ثم نظر في كتب التفاسير الأخرى المتنوعة الفنون ممن يعنى بالعلوم الأخرى المعينة على فهم القرآن كفروع علوم اللغة من نحو وصرف ومعاني وبيان وبديع وإعجاز وغير ذلك.
وأيضاً ينظر في كتب أحكام القرآن وهي موجودة ، ومع الأسف أنها موجودة على المذاهب عدا المذهب الحنبلي (كلام متداول بين الناس) ، فتجد أحكام القرآن لابن العربي على مذهب مالك ، إليكا الطبري الرازي على مذهب الشافعي ، الجصاص على مذهب أبي حنيفة ، ولا مانع على طالب العلم أن يتخذ آلية تعينه على فهم الكتب فينظر في آيات الأحكام ويراجع لها هذا الكتب ، ويثبت المذاهب الثلاثة من هذه الكتب ثم بعد ذلك يأتي بالمذهب الحنبلي من كتب الفقه الحنبلي فيسدد هذا النقص ، فإذا انتهى من هذه الكتب الثلاثة ( المسألة ما هي مسألة سوا ليف أو مسألة استرخاء يقول: والله أنا عندي روحات وجيَّات وأسفار ورحلات ) وهو يريد أن يقرأ هذه الكتب ، ما يمكن ، فلابد أن يقتطع من عمره سنين حتى يثبت العلم في قلبه ، وإلا لو كان العلم بهذه السهولة لكان الناس كلهم علماء ، لأننا نرى رفعة العلماء في الدنيا فضلاً عن الآخرة ، وفي أسواق المسلمين من يفوق في الفهم والحفظ والذكاء كثير ممن ينتسب إلى العلم ، ولكان هؤلاء علماء ، لكن دون تحصيله هذا التعب الشديد ، فنحتاج إلى نعتكف لقراءة هذه الكتب ، فإذا نظرنا في هذه الكتب على هذه الطريقة وجمعنا بين أقوال أهل العلم ، فمذهب أبي حنيقة نأخذه من الجصاص ، ومذهب مالك نأخذه من ابن العربي ، ومذهب الشافعي نأخذه من الطبري ، والمذهب الحنبلي نأخذه من المغني ما المانع ؟ يراجع هذه المسائل في المغني ونضيف حقل رابع للمذهب الحنبلي.
وقد يقول قائل: إنه مع الجد تحتاج إلى سنة ! فنقول: علامَ الإستعجال ؟ لأننا نمضي عشرات السنين ما صنعنا شيء ، وبعد ذلك إذا تأهل ينظر في الكتب التي فيها فائدة ، وفيها شوب بدعة ، لأنها فيها فوائد ، ومع ذلك يمنع من النظر فيها في المرحلة الأولى والثانية والثالثة لوجود هذه البدع ، فعندك تفسير البغوي فيه من الفوائد اللغوية والبلاغية والبيانية قد لا يوجد في غيره مثله ، فنعرف أنه معتزلي وشبهه إستخرجها أهل العلم بالمناقيش ، ومع ذلك لا تنظر فيه مجرداً ، أنظر فيه مع حواشيه ، والأمنية قائمة في أن يتصدى أهل السنة وأهل الخبرة ، أهل الإختصاص في العقيدة ، وأهل الذهن الحاضر الوقاد لهذه الكتب فيعلق على ما فيها من المخالفات ، لأن قد يريد أن يعلق على الزمخشري ويبين اعتزالياته ، لكن وهو متلبس ببدعة أخرى ، فكون هذه الكتب لا ينظر فيها من قبل أهل السنة ، وقد يدور ذكرها على بعض الألسنة ونجد في تفسير ابن كثير نقول عن الزمخشري ، نقول عن الرازي ، فطالب العلم إذا قرأ في هذه النقول استهواه ما نقله الحافظ ابن كثير عن هذه الكتب إلى الرجوع إلى هذه الكتب ، لكن لا يمكن أن يجرؤ طالب علم إلى القراءة في مثل تفسير الرازي ، لأنه خطر على طالب العلم ، ولذا المرجو والمطلوب من أهل التحقيق من أهل العلم الذين عندهم خبرة المعرفة بهذه الأمور أن يعلقوا على هذه الكتب ، فيستفاد منها ويتقى شرها ، فإذا انتهينا من هذه الطريقة قرأنا كتب التفسير بهذه الطريقة نخرج بفائدة عظيمة ، وهذه الكتب مطولات قد يقول طالب: أنا لا أستطيع أن أستوعب هذه المطولات ، وهذه الطريقة تصلح لكتب التفسير وكتب الحديث وغيرها من الكتب.
ويكون معك أقلام أربعة أو خمسة بألوان ، وأنت تنظر في تفسير القرطبي مثلاً : وهو أطول تفسير في أحكام القرآن ، وفيه من الفوائد شيء كثير ، لكنه على مذهب الأشاعرة ، وأيضاً فيه من الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة شيء كثير ، لأنه ليس من أهل الصناعة ، فتقرأ تفسير القرطبي وعندك الأقلام الملونة ، فالمسألة مسألة جرد ، لأن الكتاب من عشرين مجلد ، فإذا أردت أن تقف عند كل مسألة لاتنتهي ، فتأخذ القلم الأحمر فتقول: قف عند مبحث تريد حفظه ، لأن بعض المباحث يمر عليك في هذا التفسير أوفي غيره لابد أن تحفظه لأنه لا يمكن أن يمر بك مرة ثانية ، وهذا تستفيد منه في كل العلوم ينير لك طريقك ، بعض التوجيهات في بعض الكتب يفتح الله جل وعلا بها على هذا المؤلف بحيث لا توجد عند غيره ، فمثل هذه تقول: قف بالقلم الأحمر ، وفي طرة الكتاب مثلاً تقول اللون الأحمر صفحة كذا ، وقد تأتيك مسألة صعبت عليك وتريد أن تراجعها لتفهمها باللون الأخضر قف ، وتذكر الإصطلاح في طرة الكتاب : الأحمر لما يراد حفظه ، الأخضر لما يراد مراجعته ، فتحتاج تراجع لأجل أن تفهم ، فإذا ما فهمت بنفسك تراجع أهل العلم يحلون لك هذا الإشكال ، ثم قد تجد مقطعاً يعجبك أسلوبه وتريد أن تستفيد منه في إنشاءك ، وفي إلقاءك وفي تعليمك فتأتي بالقلم الأسود وتقول قف ، لتعود إليه مرة ثانية ، فتنقله إلى مذكرتك ... وهكذا ، فبهذه الطريقة في سائر الكتب المطولة يستفيد طالب العلم لأن هذه المطولات لا يمكن أن تعامل معاملة متون ، فتفهم كل شيء فيها ، لأن أهل العلم لما صنفوا المصنفات وجعلوا منها المختصرات لتحفظ ، وجعلوا منها المطولات لتُفْهِم ويستفاد منها ، ويستعان بها على فهم هذه المختصرة ، فالكتب عند أهل العلم على أنواع: منها المتون ، ومنها الشروح ، ومنها الحواشي ، ومنها النكت ، وبعض الطلاب يسمع النكت على كتاب كذا ، يظنه الأخبار الطريفة المضحكة ، فليس الأمر كذلك ، بل هي المسائل المشكلة: يعني ليست حاشية تتعرض لكل شيء ، وإنما هي في مسائل دون مسائل ، فهذا المطولات تقرأ بهذه الطريقة ، فهنا انتهينا من التفسير ، نأتي إلى الحديث.
الحديث يبدأ فيه بالأربعين النووية ، لأن ابن عباس يقول: الرباني هو الذي يبدأ بصغار العلم قبل كباره ، فتبدأ العتبة الأولى لهذا السلم الذي ترتقيه لنيل هذه المطالب بالأربعين النووية وهي أحاديث جوامع من كلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتحفظ الأربعين وتراجع عليها الشروح الموثوقة من قبل أهل العلم ، والمختصرة أيضاً ، ثم تقرأ في العمدة في العرضة الأولى تقرأ كتاباً ميسراً على العمدة لأن العمدة ألف في شرحها كثير ، فتقرأ عليها شرحاً مبسطاً كشرح الشيخ عبدالله بن بسام ( تيسير العلام) يقرأه ويستفيد منه ، سهل جداً كتاب شبه مدرسي ، ثم يقرأ بعد ذلك على العمدة شرح ابن دقيق العيد ، أو يؤجل حتى يقرأ في كتب أخرى ، فشرح ابن دقيق العيد في غاية الصعوبة ، إن استطاع أن يتعامل مع شرح ابن دقيق العيد ويخرج منه بحيث لا يشكل عليه شيء فهذا تعلم السباحة ، فيقرأ أي كتاب من شروح السنة ، بعد هذا يحفظ البلوغ ويقرأ في شروحه فيجمع في سبل السلام وتوضيح الأحكام للشيخ عبدالله البسام ، فإذا جمع بينهما استفاد فائدة عظيمة ، لأن شرح الصنعاني شرح متين يمكن أن يربى عليه طالب علم بخلاف الشروح التي أشبه بالمذكرات التي لايستشكل منها شيء ، فهذه لايربى عليها طالب العلم ، لكنه ينتفع منها وفيها فوائد ، وفيها ما يعين طالب العلم ، فإذا قرأ بلوغ المرام لأنه مخدوم ، وقرأ معه في المتن نفسه المحرر لابن عبدالهادي ، وقارن بين الكتابين ، ونظر في زوائد هذا ، وزوائد هذا ، واستخرج الزوائد على الكتابين ، ونظر في أحكام ابن حجر وابن عبدالهادي وقارن بينهما ، وبحث ليصل إلى القول الصائب من هذين القولين مع مراجعته للشروح ، وبعد ذلك يتأهل للكتب المسندة الكبرى ، فيقرأ في البخاري ، في مسلم ، في بقية الكتب الستة ، ويراجع على كل كتاب منها شرح ، وإن أراد أن تكون قراءته بالشروح سرداً وجرداً ، لأن الفائدة من قراءة المطولات مثل: شروح البخاري تولد عند طالب العلم ملكة يستطيع بواسطتها أن يتعامل مع الأحاديث ، لذا كل الأحاديث مشروحة ، مباشرة إذا سمعت حديث مباشرة ترجع إلى شرحه فترى كلام أهل العلم له ، فأنت في يوم من الأيام ستقف على حديث لم يشرح ، فإذا نظرت في الشروح ، وجردت على كل كتاب شرح أو أكثر من شرح ، فإنك حيث إذن تتولد لديك هذه الملكة ، ويفتح عليك بعض الأمور التي لا توجد في هذه الكتب ، وهذا مجرب ، لكن قد يقول قائل إذا بدأت بالبخاري ، كيف أقرأ فتح الباري ؟ وكم يحتاج فتح الباري من المدة حتى أنتهي منه ؟ نقول يا أخي فتح الباري ، لا شك أن صعوبة مثل: لحم الجمل بالنسبة للصبي فيه وعورة بالنسبة لطالب العلم ، ونقول إقرأ قبله كما يقول أهل العلم : الكوامخ والجوارش مشهيات ، إقرأ الكرماني مثلاً: الكرماني فيه فوائد وفيه طرائف تشد طالب العلم ، حقيقة من بدأ بهذا الكتاب لا يتمالك أن يتركه حتى ينهيه ، ويقرأه بالطريقة التي ذكرناها عندما يقرأ تفسير القرطبي بالأقلام الأربعة بالطريقة السابقة ، فإذا قرأ الكرماني انفتحت نفسه وتعود على القراءة ، لأن طالب العلم أول ما يبدأ بالقراءة ، القراءة لاشك أنها تحتاج إلى صبر ، تحتاج إلى حبس نفس ، فإذا قرأ يقرأ في أول الأمر لو ساعة ، ثم بعد من الغد النفس تجره وتسحبه إلى القراءة ، لا سيما إذا بدأ بمثل هذا الكتاب ، فإذا قرأ الكرماني فيه الطرائف ، وفيه الغرائب ، وفيه العجائب بالنسبة للرواة ، ففيه استنباطات ، وفيه أشياء ، وعليه ملاحظات وأوهام ، فاالذي يستشكله يضع عليه من الخطوط ما قدمناه سابقاً ، ويراجع عليه ماذا قال ابن حجر: هل وافق الكرماني أو ماوافق ؟
ثم بعد الكرماني يقرأ في شرح النووي على مسلم ،وهو أيضاً من المشهيات ، وهي ما في شرح الكرماني ، وإن كان الكرماني قد يذكر في ترجمة راوي ويطيل فيها بخلاف غيره من الشروح ، فيذكر في ترجمة هذا الراوي أطرف ما ذكر في ترجمته ، وما يستغرب في ترجمة هذا الراوي سواء كان في علمه في عبادته في زهده في أخباره العجيبة التي ذكرت عنه ، فالكرماني ، النووي لاشك أنهما ييسران القراءة على طالب العلم ، بعد ذلك إذا قرأ في هذين الكتابين لا مانع أن يقرأ في فتح الباري ، ويجد النفس قد انفتحت لقراءته ، وفتح الباري إذا خصص له وقت يحتاج إلى سنتين بالطريقة السابقة بالأقلام ، وش المانع أن تفهم البخاري ويرسخ في ذهنك صحيح البخاري بمعانيه ولا يشكل عليك شيء سنتين ؟ يعني متكاثر على البخاري سنتين ، لأن بعض الطلاب يستعجل الفائدة ، ثم بعد ذلك تنبيه أريد أن أنبه له الإخوة أنه لابد أن يكون شيء على حساب شيء ، فإذا استرسل الإنسان وراء الشروح التي تحتاج إلى مدد متطاولة لاشك أنها سوف تكون على حساب المتون ، وقد يغفل الطالب إذا بدأ بالشروح على هذه الطريقة عن أهم المهمات عن القرآن ، مراجعة القرآن ، تلاوة القرآن ، فنقول لابد أن يقتطع للقرآن جزء يقتطعه من وقته من سنام وقته لا من فضوله جالس في انتظار ، ولا عند إشارة ولا في مستوصف ، ويفتح المصحف ، لا ، إنما يفرض للقرآن إن استطاع أن يقوم قبل صلاة الفجر ويقرأ حزبه من القرآن هذا أفضل بلا شك، وأحضر لقلبه ، إن كان لا يستطيع فبعد صلاة الفجر إلى تشرق الشمس ينتهي من حزبه ، لأنه في خضم هذا الكم الهائل من المقروءات وما يخطط له طالب العلم من الإضطلاع عليه قد يغفل عن القرآن ، نعم الأوقات المفضولة أوقات الاستجمام لا مانع أن يقرأ طالب العلم في كتاب تاريخ مثلاً للإستجمام وللإعتبار، لأن كتب التواريخ فيها العبرة ، وكذلك ينظر في كتب الأدب فيها متعة ، وقد يحتاج إليها طالب العلم ، ومرَّ بنا في علوم القرآن ، وعلوم السنة ماكان مفتاحه في كتب الأدب ، ولو أن الوقت يستوعب لذكرت أمثلة ، ثم التوقف للأذان.
بعد الأذان: الحديث الذي نتحدث عنه عبارة عن متون وأسانيد وفقه واستنباط من هذه المتون ، فالأسانيد وسيلة لإثبات هذه المتون ، والغاية العظمى هو الإستنباط الذي على ضوءه يكون العمل ، فإذا قرأنا في هذه الشروح ورأينا كيف استنبط أهل العلم من هذه الأحاديث ، الأذهان تتفتق ويكون لديها الاستعداد للإستنباط والمزيد منه ، لأن طالب العلم ليس مثل الآلة لا تزيد ولا تنقص ، هذه الآلات خزن فيها تجد لا أكثر ولا أقل ، لكن طالب العلم وهبه الله جل وعلا هذا العقل الذي به يستطيع النظر والموازنة فينظر إذا قلنا يقرأ في فتح الباري ووجد صاحب الفتح ينتقد الكرماني يدون هذا النقد على شرح الكرماني الذي سبق أن قرأه ، ثم بعد ذلك نريد أن ننبه إلى أن كل شرح من الشروح له مزيته وله خصيصته. شرح الخطابي الذي هو أقدم الشروح إسمه "أعلام الحديث" أو "أعلام السنن" لا شك أن مؤلفه إمام وفتح مجال لغيره وفيه قصور وعواز شديد ، وشرح الكرماني فيه مثل ذلك من القصور ما يسدد من الكتب التي جاءت بعده لكنه قلنا إنه يفتح الشهية ، وفيه فوائد ولطائف وطرائف ، وفيه أوهام.
إذا قرأ في شرح النووي ثم فتح الباري استفاد فائدة عظمى ثم بعد ذلك هناك كتب لا يستغنى عنها ، فإذا كانت خصيصة فتح الباري تكمن في إحاطة الحافظ ابن حجر في الأحاديث التي يشرحها بجميع أطرافها فإن لغيره من المزايا ما لا يوجد فيه.
شرح الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ فيه نفس السلف ، شرح معتمد إعتماد كلي على أقوال السلف ، وهو أيضاً مجرد من أقوال الخلف وتعقيداتهم.
العيني يفيد طالب العلم في الناحية اللغوية والناحية العملية لأنه يطيل أيما إطالة في المسائل اللغوية ، ويطيل أيضاً في الفقه والاستنباط إلا أنه فقيه حنفي ، فقد يكون مدلول على خلاف ما يريد وخلاف ما يقرر فعلى هذا يستفاد منه أصل المسألة ، وأما تقرير الحكم فالحكم هو النص.
شرح القسطلاني المسمى إرشاد الساري شرح لا يستغنى عنه , ولا يستغني عنه طالب العلم ، لاسيما الذي يريد أن يفهم البخاري ، لأن البخاري مروي بروايات متعددة ، روى البخاري عن صاحبه ، الصحيح رواه عن مؤلفه ما يقرب مئة ألف راوي، والبخاري كغيره من كتب المتقدمين في كل رواية يزيد المؤلف وينقص ويغير ، فإرشاد الساري ميزته في بيان هذه الروايات ، الحافظ ابن حجر اعتمد على رواية أبي ذر وأشار إلى ما عداها ، وأما إرشاد الساري فأشار إلى جميع ما وقف عليها من الروايات وهذه ميزة له ، ومفيد من هذه الحيثية على اختصاره ، وهو في الجملة كأنه زبدة لفتح الباري وعمدة القاري ، فيستفاد منه ، ويستفاد لمعرفة ثبوت الخبر من كتب علوم الحديث، وعلوم الحديث مشتملة على أنواع: كل نوع يستفاد منه في ما يخصه ، فمنها ما يتعلق بالأسانيد ، ومنها ما يتعلق بالمتون ، ومنها ما يتعلق بالظاهر ، ومنها ما يتعلق بالباطن كالعلل ، فيستفاد من كتب علوم الحديث ، وكتب العلل في إثبات الأخبار وعدم إثباتها.
كتب العقائد: يتدرج فيها طالب العلم بدءً من مؤلفات المجدد ـ رحمه الله تعالى ـ الأصول الثلاثة ، والقواعد الأربع ، وكشف الشبهات ، وكتاب التوحيد ، ثم الواسطية، ثم الحموية ، الطحاوية ، التدمرية على هذه الطريقة ، وعلى هذا التسلسل يمسك المتن ويحفظ ، ويراجع في أول الأمر شرح مختصر يحل له بعض الإشكالات ، ثم يراجع ما هو أطول منه على ما تقدم في كيفية دراسة التفاسير وشروح الأحاديث ، فإذا قرأ هذه المتون ، مؤلفات الشيخ الإمام المجدد الأصول الثلاثة ، والقواعد الأربع ، وكشف الشبهات ، كتاب التوحيد ، الواسطية ، الحموية ، التدمرية والطحاوية ، أيهما يُقَدِم على الآخر ؟ لا شك أن الحموية أسهل من التدمرية ، لكن التدمرية لا بد منها ، يقرأ بعد ذلك أو قبل التدمرية والطحاوية لو قرأ في سلم الوصول مثلاً وفي عقيدة السفاريني وراجع عليها الشروح ، وفي هذين الكتابين وغيرهما من كتب التوحيد يختصر الشروح ، قد يقول قائل: أنا أقرأ شروح التوحيد ثم بعد ذلك إذا انتهيت الفائدة موجودة لكنها أقل مما توقعت ، نقول: إختصر ..إختصر فتح المجيد مالمانع ، إختصر تيسير العزيز الحميد ، أو أنقل زوائد هذا على هذا لأنه العلم بالتقليص وبالمعاناة هذه وبكثرة التعب يثبت ، فعندك سلم الوصول أبيات قليلة شرحت في ألف وثلاثمائة صفحة مالمانع أن تختصر هذا الكتاب في ثلاثمائة صفحة فقط ويرسخ عندك الكتاب فتحفظ المنظومة وترسخ عندك معاني هذه الأبيات ، وقل مثل هذا في منظومة السفاريني في عقيدته الدرة المضية مع شرح لوامح الأنهار البهية ، أو لوامع الأنوار ؛ لأنه في طبعته الأولى طبعة المنار سموه لوائح ، وفي الطبعة الثانية لوامع ، فالإختصار أنا عندي في غاية الأهمية لطالب العلم ، ولا يختصر هذا بنية النشر على أنه مؤلف له جديد ينشره بين الناس ، لا ، بل أول من يستفيد منه نفس المختصر هذا ، ولذا يقول الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: وإذا عزم لي تمامه فأول من يفيد منه أنا ، صحيح أن المؤلف أول من يستفيد من كتابه لا على أن ينشره بين الناس ، ولا مانع أنه إذا تأهل بعد ذلك وعرضه على أهل العلم والخبرة والاختصاص أن يقدمه للناس يستفيدون منه ، فعندي مسألة الاختصار خير معين للتحصيل ، وإذا قلت أنها من أقرب الطرق لا سيما لمتوسط الحافظة ، أما قوي الحافظة فهذا إذا قرأ ما عنده مشكلة ، من الناس من إذا قرأ الكتاب ـ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ـ مرة واحدة إستوعب الكتاب ، وبعض الناس إذا قرأ مرتين إنتهى ، وبعض الناس يقرأ مئة مرة ما يستوعب الكتاب ، فمثل لا بد له أن يعاني ويتعب على الكتاب ، والاختصار من أفضل الوسائل ، ذكرنا هذا بالنسبة لتفسير ابن كثير ، ونذكره في مثل هذه الكتب ، ونذكره في شروح كتب الأصول مثلاً ، لأن كثير من طلاب يقول مثلاً أنا أعاني ، عجزت ما مسكت شي ، أو كتب النحو ، نقول : تقرأ الورقات وتسمع شروح الورقات فتستفيد ، فتتأهل للمرحلة التي بعدها ، والمرحلة التي بعدها يكون فيها الاختصار ، تأتي إلى مختصر التحرير ، فقد لا تفهم المختصر لأنه صعب ، كَلّ ، أو تأتي إلى مختصر الروضة للطوفي ، ثم بعد ذلك هذان الكتابان مشروحان بشرحين مبسوطين ، فشرح مختصر التحرير ـ إسمه الكوكب المنير ـ ، هذا في أربعة مجلدات ، والمختصر في صفحات يسيرة ، مالمانع في أن تنظر في هذا الشرح ، وتنظر في المتن مسألة مسألة ، وماذا قال الشارح ، فتحاول أن تفهم هذا الشرح ، فتعيده مرتين . . . ثلاث ، فتصوغه بأسلوبك ، بدل ما هو في ثلاث صفحات . . أربع صفحات ، تصوغه في أسطر ، فإذا انتهيت من الكتاب المكون من أربعة مجلدات ، تكون قد اختصرته في مئتي صفحة . . ثلاثمئة صفحة ، وبهذا يثبت العلم ، وينحفر في الذهن ، وقل مثل هذا في مختصر شرح الروضة ، للمؤلف نفسه ، والشرح من أنفس الكتب في هذا الباب ، ماتستطيع أن تستوعب ألف وسبعمائة صفحة من القطع الكبير ، لكن إذا اختصرت وأنهيت من هذا الكتاب تستوعب ، ولا بد أن ننبه إلى أن من استطال الطريق لن يحصل علم. لا بد أن يطول الطريق ، لأن العلم لا بد أن يطلب من التمييز إلى الوفاة ، فأنت إذا حفظت المتون ، وقرأت في الشروح المختصرة بعد الحفظ ، ثم بعد ذلك تختصر الشروح المطولة.
كتب العقائد التي ذكرناها على هذا الترتيب وهذا التسلسل إذا انتهيت أنت مؤهل لأن تقرأ أي كتاب في العقائد ، نعم إذا يكن لديك معرفة بعلم الكلام ، يبقى عندك إشكالات في مثل منهاج السنة ، وفي مثل درء تعارض العقل والنقل ، وفي مثل تقض التأسيس ، فنقول : يا طالب العلم ، لا تكلف نفسك بفهم كل شيء يقوله شيخ الإسلام في هذه الكتب الثلاثة ، لأنها تعوقك عما هو أهم منها ، يعني في شرح السنة عندك في المجلد الأول أو الثاني ما يقرب من ثلاثمئة صفحة أشبه ما تكون بالطلاسم ، إلا شخص عنده دربه في الكلام ، وله معاناة في هذا الفن ، وقل مثل هذا في درء تعارض العقل والنقل مملوء من هذه المباحث ، فما تفهمه أعد النظر فيه وكرره ، والذي لا تفهمه إمرار ، ولا يلزم أن تقف عليه ، لأن من الكبار من يمر هذه المباحث ، وضع عليها علامة الصعوبة ، بالقلم المعين لهذه المباحث ، وليكن في يده قلم خامس ، بلون خامس ، يضع على الموضع علامة بأنه لا يرجع إليه ، وعلم الكلام كما شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : المنطق علم غث ، كلحم جمل ، على رأس جبل ، لايحتاجه الذكي ، ولا يفيد منه الغبي ، نعم يحتاجه من يريد أن يرد على الفلاسفة وعلماء الكلام ، لكن كم تحتاج الأمة إلى مثل هؤلاء لأجل أن نقول لطلاب العلم : كلكم إقرءوا في هذا ، ويكون هذا على حساب المقاصد التي هي علوم الكتاب والسنة ، والسواد الأعظم من طلاب العلم لا يحتاجونه ، وكتب شيخ الإسلام وابن القيم لايستغني عنها طالب علم ، منها ما لا يمكن تصنيفه تحت عنوان ، أو تحت فن من الفنون ، فإذا تدرج طالب العلم في الفنون قد يغفل عن هذه المهمات ، وهو بحاجة إلى هذه الكتب التي تعالج أدواء القلوب ، فإذا مشى على الترتيب المعروف لتحصيل العلم الذي يتعلق بعلم الجوارح متى يرجع إلى هذه الكتب التي تعالج أمراض القلوب ؟ متى يقرأ الجواب الكافي لا بن القيم ؟ متى يقرأ في حادي الأرواح ؟ متى يقرأ في مدارج السالكين ؟ متى يقرأ في إغاثة اللهفان ؟ متى يقرأ ـ وهو بأمس الحاجة ـ إلى زاد الموقعين ؟ أو زاد المعاد ؟ فلا بد أن يقتطع لها جزءاً من وقته ، وقل مثل في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتكون بجواره الأقلام التي ذكرناها لتتم الاستفادة.
كتب الفقه يحتاج فيها إلى التدرج ، فيقرأ الطالب في آداب المشي إلى الصلاة مع شروطها للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب ، ثم يقرأ في عمدة الفقه للإمام الموفق ، يعني في المرحلة الأولى والثانية طريقة الشيخ عبدالقادر ابن بدران نافعة ، فيحفظ المتن ، ويجتمع مع مجموعة متقاربين في السن والفهم ، ثم بعد ذلك كل واحد من هؤلاء الطلاب يشرح القدر المحدد بنفسه من غير رجوع إلى الشروح ، ثم بعد ذلك إذا اجتمعوا يقرأ كل واحد شرحه ، ويتناقشون ، فالأولى يقول : أنا فهمت كذا ، والثاني يقول: لا أنا فهمت في هذه الجملة كذا ، فإذا انتهوا من قراءة ما عندهم يقرأون الشرح (شرح الكتاب) ، ثم يصححون أخطاءهم ، فإذا صححت هذه الأخطاء لن تعود إلى القلب مرة ثانية ، ثم يرجعون إلى الحواشي ، ثم بعد ذلك يحضرون الدرس عند الشيخ ، فيصير عندهم استعداد تام لما يزيده الشيخ على ما في الكتب ، وفي المرحلة الثالثة يقرأ في الزاد على أنه خطة بحث ، أو عناصر بحث ، لا على أنه دستور لا يحاد عنه ، فتمسك المسألة الأولى ثم تبحث لها عن دليل وتعليل لهذه المسألة ، وتبحث عمن وافق المؤلف على هذا من أتباع المذهب ، ومن خالفه ، وأيضاً من وافقه من المذاهب الأخرى ، ومن خالفه ، وينظر في أدلة الجميع ، ويأخذ بالقول الراجح ، فطالب العلم إذا انتهى من زاد المستقنع على هذه الطريقة يصبح فقيهاً بدون تردد ، وهذا إذا كان لديه فقط نفس ، لأن ليس كل من يعاني العلم يكون عالم ، فقد يطلب العلم سنين ولا يحصل علم ، ولكن إذا مسك الجادة من أولها ، ومعه من الإخلاص ما يعتمد عليه مما يكون سبباً إلى توفيقه ، ومعه حرص واجتهاد ، وعنده من يستشيره من أهل العلم ممن يثق بعلمه ، فبإذن اللـه يحصل علماً ، وإلا فلا يلزم لكل من طلب العلم يكون عالم ، ويكفي من لم يقدر اللـه له شيئاً من العلم ، يكفيه أن يكون قد سلك الطريق " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل اللـه له فيه طريقاً إلى الجنة "، وقد يقول قائل : هل نحفظ كتب الفقه ؟
نقول: إذا كانت الحافظة قوية وتسعف ، فلا شك أن كلام أهل العلم مفيد ، فتجد بعض الناس عنده محفوظ من كلام أهل العلم ، فكلامه رزين ومتين ، وبعض الناس ماعنده حفظ فتجده أقرب ما يكون إلى الإنشاء ، وهذا عند تفريغ الكلام وطبعه ، لا تقبله الأسماع ـ الذي ليس لديه رصيد من كلام أهل العلم ـ.
* اللغة :
طالب العلم بأمس الحاجة إلى اللغة ، لأن القرآن عربي، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ عربي ، فعلوم اللغة متفرعة ، فتصل إلى اثني عشر فرعاً ، لكن أكثر ما يحتاج إليه : النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والوضع والاشتقاق ومتن اللغة وفقه اللغة ، فيأخذ طالب العلم من كل فن من هذه الفنون المختصر ، فيبدأ بالآجرومية فيحفظها ويقرأ عليها الشروح المطبوعة ، ويحضر فيها الدروس ، وقراءة الكتب يا إخوان لا تغني عن حضور الدروس ، وهذا لا بد أن نؤكد عليه ، فلا بد من الحضور عند المشايخ ، ويقول أهل العلم قديماً: من كان علمه من كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه ، فإذا حضر الدروس وسمع من المشايخ ، وقرأ الشروح ، وسمع ما سجل على هذا الكتاب من أشرطة يستفيد فائدة عظيمة ، ويعتبر لبنة أولى في هذا الفن ، ثم بعد ذلك يبدأ بقطر الندى ، أو الملحة بشروحها ، ثم بعد ذلك يتأهل للنظر في ألفية ابن مالك ، فإذا قرأ هذه الكتب ، قد يقول قائل: أنا حفظت الألفية ، لكن ماثبت في ذهني من شروحها شيء ؟ فنقول : عليك تمسك الشروح ، فشرح ابن عقيل مثلاً تصوغه بأسلوبك ، وشرح ابن هشام مثل شرح مختصر التحرير صعب ، فأنت إذا فهمته وصغته بأسلوبك فهمت ، ولو تطلع إلى ما فوق ذلك من شروح الأشموني ، مع حاشية الصبان ، وتختصر من أربع مجلدات إلى مجلد واحد تستفيد فائدة عظيمة ، وأما ما يتعلق بعلوم الحديث فقد كررناها مراراً ، وكتبت في مقدمة بعض الكتب ، يرجع إليها طالب العلم.
وبقي عندنا الصرف ، فإذا تدرجنا في النحو الآجرومية ، القطر ، الألفية ، وفيها مباحث صرفية ، ويقرأ قبل الألفية مما يعينه على فهم المباحث الصرفية الشافية لابن الحاجب ، ولها شأن عند أهل العلم ، وهي مشروحة ، لكن مع الأسف أنه قد لا يجد شيخ يعينه على فهمها ، ولا مانع من أن يجتمع ثلة من طلاب العلم يذكرون حاجتهم إلى شرح هذا الكتاب إلى شخص متخصص ، ويحتسب لهم بدرس ، وعليها شروح وموجودة ومطبوعة.
والمعاني والبيان والبديع ، هذا يقوم بها تلخيص المفتاح مع شروحه ، ويقرأ المطولات في كل علم من العلوم على الطريقة التي أبديناها سابقاً في التفسير المطولة ، بالأقلام ، والمذكرات.
وهناك علوم يستهين كثير من طلاب العلم ، وكثير منها لا شك أنه ليس من متين العلم ، بل من ملحه ، ككتب التاريخ ، فإذا قرأ الطالب في كتب التاريخ لا شك أنها في شيء من المتعة والاستجمام ، لأنك إذا انتقلت من أصول الفقه إلى النحو ، ورجعت إلى التفاسير ، ثم عدت إلى كتب شروح الحديث ، فلا شك أن الذهن يحتاج إلى شيء من الاستجمام فيحصل الاستجمام بكتب التواريخ ، وكتب الأدب.
وكتب التواريخ بالإضافة إلى الاستجمام فيها العظة ، والاعتبار ، لأن السنن الإلاهية واحدة لا تتغير ، فالأسباب التي أهلك بسببها الأمم يهلك فيها غيرهم ، ولم يستثنى من ذلك إلا قوم يونس ، وأما من عداهم إذا توافرت الأسباب حقت الكلمة.
وأما لو قرأنا في تاريخ ابن كثير ـ رحمه اللـه ـ في الأمم الماضية واللاحقة ، في الأمم التي قبل الإسلام ، والدول التي جاءت بعد الإسلام ، لوجدنا أن كثير من بلدان المسلمين يحذو حذو تلك الأمم التي حقت عليها الكلمة ، وحصل ما حصل في بعض البلدان من الأسباب ما حصل ، والنتائج حصل فيها ما حصل في العصر الذي نعيشه ، وما أشبه الليلة بالبارحة ، وإذا كنا نقرأ قصص القرآن في الأمم الماضية على أنها للتسلية ، فنحن إذاً لسنا على الصراط " مضى القوم ولم يرد به سواكم " ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة﴾ يعني لو قرأنا في المجلد السادس مثلاً من نفح الطيب في تاريخ الأندلس ، لوضع الإنسان يده على قلبه ، وسأل اللـه السلامة ، وأن يدفع عن المسلمين ما يستحقونه من عذاب ، فلا بد من القراءة في هذه الكتب لما ذكرنا ، ويقرأ في كتب الأدب ، وفيها من المتعة أكثر مما في كتب التاريخ ، وفيها أيضاً ثروة لغوية يستطيع العالم أن يبين ما في نفسه بواسطتها ، وإن في كثير منها شيء مما لا يقبله ذوق الرجل العادي فضلاً عن عالم ومتعلم ، وشيء يستحيى من ذكره ، ولكن لا بد من قرائتها ، ووجدنا من أهل العلم من يقرأ ، ووقع في أيدينا من كتب الأدب المطولة ما عليه إسم بعض كبار أهل العلم والورع ، وعليها تعليقات لهم ، فدل على أنهم يقرأون في هذه الكتب ، ولكن ليس معنا هذا أن يكون على حساب علوم الكتاب والسنة ، فهذه يستفاد منها متعة واستجمام ، وشيء به يتحدث العالم حينما يشرح لطلابه ، ويذكر نكتة من هذه الكتب يريح الطلاب فيها ، ويجعلهم يتقبلون ما عنده ، فإذا لم يكن في الدرس طرفة ، لا شك أن الطالب يمل ، وما يشاهد في بعض الدروس من نوم بعض الطلاب إلا أنها ماشية على وتيرة واحدة ، فالخروج إلى مثل هذه الكتب والإفادة منها ، وإفادة الطلاب ، وإلقاء مثل هذه العلوم عليهم ، لا شك أنه ينشط الطلاب "والأمور بمقاصدها " ، ويستعمل في هذه الكتب المطولة ما ذكرناه من الأقلام ، وكتب التواريخ كثيرة جداً ، فيها مطولات ومن أنفعها لطالب العلم : الكامل لابن الأثير ، وصياغته للأحداث لا نظير لها ، وفيه أيضاً لفتات له ـ رحمه اللـه ـ ، وتنبيهات لا توجد في غيره ، فعلى سبيل المثال: لما ترجم لابن الراوندي ( ملحد ) ، ذكر عنه ما يستحق من الألفاظ ، ثم قال: ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان ، وأشاد به وأطال في ترجمته كعادته في معاملة الأدباء ، وبخس العلماء ، ولم يذكر عنه ما عرف عنه من زندقة ، وكأن الكلب ما أكل له شيئاً من العجين. يعني ما كأن الأمر يعنيه ، مع أن العالم هذه وظيفته : بيان الحق من الباطل ، فإذا عاملنا ابن الراوندي مثل ما نعامل أئمة الإسلام ، وأضفنا عليه من الثناء والمدح ، ولو في فنه ، مثل ما يضاف إلى علماء المسلمين ، كيف يفرق طالب العلم. فالحافظ ابن كثير له تنبيهات مهمة جداً ، وله أيضاً عناية بالتراجم ، أكثر من ابن الأثير ، وأيضاً يفيد طالب العلم من تاريخ ابن خلدون ، وفيه تحليل للأحداث ، ولا شك أن هذا يفتح آفاق لطالب العلم ، فيحلل بها الأحداث المماثلة بدل من أن يتخبط كما يتخبط الناس الآن ، مع الأسف حتى بعض طلاب العلم يخرجون في وسائل الإعلام ، ثم بعد ذلك يتحدثون عن بعض القضايا المعاصرة ، وكأنهم صحفيون ، توقعات ، ما كأنهم يأوون ويرجعون إلى نصوص ، فطالب العلم بحاجة إلى قراءة في كتب التواريخ والأدب.
وكتب الأدب متفاوتة ، ففيها المسف ، وفيها النزيه إلى حدٍ ما ، فزهر الآداب للحصري نزيه إلى حدٍ ما ، وأيضاً نزهة المجالس وأنس المجالس لا بن عبدالبر كتاب نفيس ، فهذا في كتب أدب الدرس ، وأما في كتب أدب النفس فعلى طالب العلم أن يعنى بها عناية فائقة ، فالآداب الشرعية لابن مفلح ، ومنظومة الآداب لابن عبدالقوي ، فهذه في غاية الأهمية لطالب العلم ، وأيضاً المنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية للشيخ حافظ الحكمي ، فطالب العلم عليه أن يُعنى بهذه الكتب ، ويستفيد منها من أدب النفس ما لا يجده في غيرها من الكتب ، والطريقة في قراءة هذه الكتب على ما ذكرنا ، فالمقطع الذي بحاجة إلى حفظه يعلم عليه علامة ما يراد حفظه ، والمقطع الذي يراد فهمه ، و إعادة النظر فيه كذلك ، والذي يراد نقله كذلك . . إلى آخر ما ذكرنا ، والكتب كثيرة لا يمكن أن تنتهي ، والعلم دربه طويل لا يمكن أن يقطع بمرحلة أو مراحل ، فعلى طالب العلم أن يوطن نفسه على هذا ، وحين إذٍ إذا صاحب ذلك الإخلاص ، والجد فإن طالب العلم حينئذٍ يوفق ويسدد واللـه أعلم ، وصلى اللـه وسلم وبارك على عبده ورسوله ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


* أكرمونا بدعوة صالحة في ظهر الغيب *

الأستاذة عائشة
15Mar2007, 10:05 مساء
http://www.almeshkat.com/vb/images/intro.gif