المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب نشر العبير في منظومة قواعد التفسير



منير بن ابي محمد
12-16-06, 04:53 PM
كتاب نشر العبير في منظومة قواعد التفسير
وفيه دفاع عن الصحابة الأبرار والأئمة الأخيار




بسم الله الرحمان الرحيم

رسالة من خلف قضبان السجن المحلي
بتطوان

تحت عنوان :
نَشْرُ الْعَبِيرْ فِي منظومة قواعد التفسير


بقلــــــم :
أبي الفضل عمر بن مسعود الحدوشي
السجن المحلي بتطوان جمادى الأولى 10/1427




شكر وتقدير
أتقدم بجزيل الشكر والتقدير والاحترام لأم الفضل زوجتي المحترمة فالفضل في هذه الرسالة كله لله ثم لزوجتي الفاضلة حنان الموساوي فقد ساعدتني في كتابتها وترصيفها وترتيبها. مع ما لها من الأشغال الكثيرة من الحفظ والتدريس لبعض الأخوات. زادها الله علماً وعملاً. وأشهد الله العظيم أنني راضٍ عنها في الدنيا والآخرة. كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى أبويها: أبو نعيمة محمد الموساوي الرجل الصالح، وأمها أم نعيمة ارحيموا محمادي فقد قاموا بالواجب تجاهي وتجاه أبنائي الأربعة: الرميصاء، وعاصم، وصهيب، وعفراء. كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى أخي الفاضل (أبو محمد عبد الخالق) وزوجته الفاضلة (أم محمد اعشوشة) أصلحها الله وأبناءها. وأخيها (أبو محمد مصطفى). وصديقنا الصادق (أبو يحيى محمد الجزار). وأشكر كل من قدم لي يد العون والمساعدة من الشباب المسلم، من خارج السجن وأتقدم بالشكر إلى أبي العزيز الذي رباني على محبة القرآن وعلومه فجزاه الله خير الجزاء. كما أطلب منه تعالى أن يرحم والدتي العزيزة، وأن يرزقها جنة الفردوس. (آمين يا رب العالمين) كما أسأله تعالى أن يرحم شيوخي – أحياءً وأمواتاً- وأن يشفي فضيلة شيخنا علم الأدب. وعالم السنة والكتاب، أبي أويس محمد بن الأمين بوخبزة. وأن يبارك لنا في علمه وعمره. وأن يجزيه خير الجزاء رضي الله عنه وأرضاه. وهذا اجتهادي وجهدي أخي القارئ: (فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله، ولا تلتفت إلى قائله، بل انظر إلى ما قال، لا إلى من قال. وقد ذم الله من يرد الحق إذا جاء به من يُبغضه، ويقبله إذا قاله من يحبه، فهذا خلق الأمة الغَضَبية). (فرحم الله امرأً قهر هواه، وأطاع الإنصاف وقواه، ولم يعتمد العنت ولا قصد من إذا رأى حسناً ستره وعيباً أظهره ونشره، وليتأمله بعين الإنصاف، لا بعين الحسد والانحراف. فمن طلب عيباً وجدَّ وجَدَ، ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضا والإنصاف فقد فقدَ، والكمال محال لغير ذي الجلال).
كتبه المسجون من أجل عقيدته
أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي
بالسجن المحلي بتطوان جمادى الأولى 10/1427هــ






بسم الله الرحمان الرحيم


الحمد لله الذي مهد قواعد الدين بكتابه المحكم، وشيد معاقِدَ العلم بخطابه وأَحْكَمَ، وفقَّهَ في دِينه من أراد به خيراً من عباده وفهَّم، وأوقف من شاء على ما شاء من أسرار مراده وألهم، فسبحان من حكم فأحكم !وحَلَّلَ وحرم! وعرف وعلم! علَّمَ بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تهدي إلى الطريق الأقوم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المخصوص بجوامع الكلِم، وبدائع الحكم، وودائع العلم، والحلم والكرم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .

*أما بعد: فَمِمَّا لا يخفى على من شمَّ رائحة العلم الشرعي ولو من بعيد أن فائدة النظم أفضل بكثير من فائدة النثر. وهو آلة علمية قوية ومفيدة للطالب يسبر به معاني العلوم الشرعية، والنظم بَحْرٌ زاخر خاض في لججه شيوخنا الأوائل والأواخر من أهل الكتابة والخطابة، ومهرة البراعة واليراعة، وأهل المغاصات الغامصة، والأذهان السائلة، والأقلام السيالة، الذين لا يحبون فضلات الكلام، ولا نزوات الأقلام، وليس وراء أقلامهم وراء يعلم هذا من له أدنى تمييز بعد استقراء وتتبع كتبهم بعين الإنصاف وزانها بميزان علم السلف،
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة *** بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
إي وربي إنهم بنوا لنا قواعد غزيرة، وفوائد عزيزة، وفرائدة جميلة، وشرائد جليلة، ودقائق علمية لطيفة، وجواهر ولآلئَ وَدُرراً ثمينة، كانت مدفونة في خِضَمِّ الأمهات، ومبعثرة هنا وهناك في بطون البنات، (لا فُضَّ فُوهُمْ، ولا سعد من يجفوهم). أجادوا وأفادوا، نصوص بينة، وفصوص غالية، ومباحث عالية، وأدلة نيرة، وبراهين سامية، علم وعمل (ومن لغا فلا جمعة له). بنوا فأحكموا، وهدموا البِدَعَ فحطموا، وقالوا وأصَّلوا، وعملوا وأخلصوا، وأَلـَّفُوا ووُفِّقُوا، وحققوا ودققوا، وجرحوا وعدلوا، وصححوا وعَلّلُوا، واستدركوا وأفادوا، وانتقدوا وأجادوا، وسددوا وبعبارة: (فكل الصيد في جوف الفرا) أُعطوا ذكاءً وزكاءً، نصروا وكسروا، من غير رشقٍ بالأسنة، ولا مشقٍ بالألسنة، ولا تمزيق الأديم، ولا مضع اللحوم، لا تفاصح، ولا جعجعة، ولا قعقعة، ولا ضجيج يصم الآذان، ولا تفاضح باسم التناصح بمساعدة من الشيطان، ولا إليكَ إليك.
وَالشَّمسُ في صَادِعِ أنوارهَا ** غنية عن صفة الواصف
عليهم فَلْيَبْكِ العلم وأهلُه. فهم كما قال الإمام أحمد عن شيخه الشافعي: (كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلفٍ؟ أوْ مِنْهما من عوض؟) و(الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة). وأبو الإفادة أقوى من أبي الولادة.
صُحْبَةُ يــومٍ نَسَبٌ قَرِيب ** وذمّة يَعْرِفهــا اللبِــــيب
ولله در عثمان رضي الله عنه القائل:(فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل). وصدق الحافظ السخاوي حين قال: ( إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش؟) لأن العلم رَحِمٌ بين أهله. ورضاع أدبي. فهذا النووي جعل العلم مثل الرضاع الشرعي حيث يقول في (مجموعه) وهو يترجم للإمام أبي العباس بن سريج: (وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه) ويقول في مقدمة (تهذيبه): (إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين). وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله r: (..إنما أنا لكم مثل الوالد لولده- وفي لفظ آخر: بمنزلة الْوَالِدِ أُعلمكم)، فبين الشيخ والتلميذ أُبوة علمية ولهذا صدق من قال:
أُفَضِّلُ أُسْتَاذي على فضل والِدِي * وَإن نــالني من والدي المجد والشرف
فهذا مُربي الروحِ والروحُ جَوْهَرٌ * وذاكَ مربي الجسمِ والجسمُ كالصَّدَف
ولـذا تعظم المصيبـة بفقدهم، وتَعُم الرزية بمـــوتهم. قـال ابن مسعود: (موت العالم ثُلْمَةٌ في الإسلام، لا يسدها شيء ما طرد الليل والنهـار) . وروي مرفوعا بلفظ: (إذا مات العالم انثلم في الإسلام ثُلمة، لا يسدُّها شيء إلى يوم القيامة) قال حماد بن زيد: (كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيُرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فما يرى ذلك فيه). وقال أيوب: ( إِنِّي أُخْبَرُ بموت الرجل من أهل السنة فكَأَنِّي أفقد بعض أعضائي). وقال أيضاً: (إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطْفِئُوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون). ولما مات زيد بن ثابت قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهب العلم، فهكذا ذهاب العلم، وأيم الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثير، يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه -ويشير إلى قبر زيد ويقول:- لقد دفن اليوم علمٌ كثير) وقال أيضاً: (أَتَدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا : لا، قال: ذهاب العلماء ولا يزال عالمٌ يموت،وأثر للحق يَدْرس حتى يكثر أهل الجهل وقد ذهب أهل العلم فيعْملون بالجهل ويدينون بغير الحق ويَضِلون عن سواء السبيل) . قال هلال بن خباب: سألت سعيد بن جبير قلت: (يا أبا عبد الله ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم) . ولذا عظمت المصيبة بفقدهم، وعمت الرزية بموتهم
تعلّم ما الرزية فَقْدُ مَالٍ ** ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فَقْدُ حُرٍّ ** يموت بموته بشر كثير
وأرثى بيت قالته العرب. بيت عبدةَ بن الطيب:
فما كان قيسٌ هلكُه هلكَ واحِدٍ * ولكنه بنيانُ قَومٍ تَهَدَّمَا
قال الثوري: (مات الحديث بموت شعبة) . وشعبة هو القائل:(كل من سمعت منه حدثنا فأنا له عبد) وقال يحيى بن جعفر البِيكَنْدي: (لَوْ قَدَرْتُ أن أزيِدَ من عُمُري في عمُر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم، وكان يقول له: لولا أنت ما استطعت العيش ببخارى) . وكتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل كتاباً فيه:
المسلمون بخير ما بقيت لهم ** وليس بعدك خير حين تُفْتَقَدُ
وقال آخر:
منْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ ** فعليكَ كُنت أُحَاذِرُ
كَنْتَ السَّوَادَ لِنَاظِري ** فَعَمِيْ عَلَيْكَ النَّاظِرُ
لَيْتَ الْمنَازِلَ والدّ ** يَارَ حَفَائرٌ وَمَقَابِـرُ
إِنِّي وغَيْرِي لا مَحَا ** لَةَ حَيْثُ صِرْتَ لَصَائِر
قال الحسنُ البصري: (الدنيا كُلُّهَا ظُلمة إلا مَجَالس العلماء). وقال آخر: (لولا العلماء لصار الناس كالبهائم). وقال أبو بكر الآجري: (...فما ظنكم –رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء فإن لم يكن فيه ضياء وإِلاَّ تحيَّروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعْبَدُ اللهُ في جميع ما يَعْبُدُهُ به خلقُه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحيَّر الناس، ودَرَسَ العلم بموتهم وظهر الجهل) . وقال سفيان بن عيينة: (وأي عقوبة أشد على أهل الجهل أن يذهب أهل العلم؟)، (وهذا أوضح من النهار، لأولي النهى والاعتبار) .
فهذا الحق ليس به خفاء * فدَعْنِي من بُنَيات الطريق
وصلى الله على نبينا القائل: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) . وفي رواية من حديث أبي أمامة مرفوعاً: (خذوا العلم قبل أن يذهب، قالوا: وكيف يذهب العلم يا نبي الله وفينا كتاب الله؟ قال: فغضب، ثم قال: ثكلتكم أمهاتكم أو لم تكن التوراة والإنجيل في بني إسرائيل فلم يغنيا عنهم شيئاً؟ إن ذهاب العلم أن يذهب حملته) . وذهب ابن الوزير إلى أن (الحديث محمول على وقت مخصوص لم يأت بعدُ، وهو بعد نزول عيسى عليه السلام وموته وموت المهدي المبشر به، وذلك مبين في أحاديث صحيحة) . وصح من حديث أنس أنه r قال: (من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل) . وفي رواية من حديث عبد الله وأبي موسى مرفوعاً:(إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم) .كتبت هذه الحروف (لأرفع الغبار والعِثــْيَر الذي أثاره فيلقٌ وفِئَام وكُرْدُوسٌ) من الراوافض والشيوعيين تحت غطاء (النقد الحر) وتارة تحت (حرية التعبير) ومن لم يصدق فليقرأ جريدة (الأحداث) أقلام تتكلم، وإسلام يتألم، أناس اتسع بطنهم للكلام، كما اتسع بطن البعير للشعير. قصبوا الصحابة والأئمة والأعلام ودافعوا عن الأقزام، وليست أول قارورة تكسر في هذه الجريدة. إسهال فكري في أقلام كتابها. تارة يزعمون: (أن نظام الإسلام يجب أن يحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى)، وأخرى: (يجب إعادة النظر في جوهر الإسلام) و(أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين)، وسمعنا صيحات إبليس هنا وهناك وهنالك: (المرأة ليست نصف الذكر) و(الإسلام دين جاف وجامد يريد أن يجمد نصف المجتمع)، و(إن الذين يريدون العودة للإسلام في قضية المرأة لهم عقلية متخلفة)، و(كيف تكون شهادة امرأة دكتورة عالمة الذرة نصف شهادة رجل أمي جاهل)،
و(كيف تقولون: النساء ناقصات عقل ودين، وقد بلغت شأْواً كبيراً في العلم والثقافة) حتى سمعنا من تقول:
ملعون من قال فيك من ضلع أعوج خرجت
ملعون من قال ناقصة عقل ودين أنت
وجهلت أن الأمر خلقي من أمور الفطرة وليس فيه ما يعاب عن المرأة، ولا سيما في الحالة التي تغلب عليها العاطفة. حقاً سكوت الألكن نعمة، وكلام الأحمق نقمة لأن كلام الأشرار بعضه يأخذ برقاب بعض. يلسعون القِمَم والأعلام ثم يختبئون بدءوا بالطعن في إمام الأنبياء. وثنوا بالأخيار، وبورثته الأبرار عبثوا وخربوا واعتدوا على الإسلام باسم الحرية و(هدم القمم طريق مختصر لهدم الإسلام) كما قال ابن القيم. اسمعي أختي المسلمة إلى ما قاله أستاذ التحريريين قاسم أمين في كتابه المشؤوم (تحرير المرأة): (إن المرأة مساوية للرجل من جميع الوجوه وإن الرجل ظالمٌ لها في حقوقها) ثم بعده بكثير يقول: (لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في تحرير نسائهم، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم، ولكن، أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي، رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاءة، ثم ما وجدت زحاماً في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسن جميعاً) وكأن ابن القيم عناهم حين قال:
هَرَبُوا من الرّق الذي خُلِقوا له ** فَبُلُوا برق النفس والشيطان
ومن تكلم من العلماء ولغوا في عرضه، وأكلوا لحمه المسمومة كما قال الخطيب البغدادي: (لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصيها معلومة) وأشمل منه قول الأمام أحمد: (لحوم العلماء مسمومة ومن شمَّها مرض، ومن أكلها مات) اتقوا الله عباد الله فقد بلغ السيل الزُّبَى. واتسع الخرق على الراقع. (ومن تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائبِ) ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه. فلكل علم أهله، ولكل فن فرسانه. (وفاقد الشيء لا يعطيه) (ومن قل علمه كثر لغطه) اكسروا أقلامكم الغربية قلقل الله أنيابها، واستأصل عقاربها.
يا باريَ القَوْسِ بَرْياً لستَ تُحسِنُهَا * لاَ تُفْسِدنْهَا وأعط الْقوس بَارِيها
إذْ كيف يداوي الناس طبيبٌ وهو مريض؟ وصدق من قال:
مَهْلاً هداك الله مَا الحديث لك * من خاض في اللجاج حتما قد هلك
لا تحسبن أن بالكُـتْب مثلنا ستصير * فللدجاجة ريش لكنها لا تطير
وقال آخر:
فدع عنك الكتابة لست منها * ولو سودت وجهك بالمداد
لا تفرضوا على الناس أذواقكم الغربية، ولا صيحاتكم الأمريكية. التي تهافت في مهاوي الضلال والإضلال، والخبط في تيه الوبال. فمصائبكم لا يحصيها الرجل الفصيح في الكلام.
مساوٍ لو قُسِمْنَ على الْغَوَاني * لما أُُمْهِرْنَ إلاَّ الطلاق
قواصم بلا عواصم. ولسان حالكم يقول:
وإني كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل
ويقول: (اسمعوا لنا حتى نضع لكم نقطاً في طريقكم). أوصياء على الإسلام!!
أمور يضحك السفهاء منها * ويبكي من عواقبها اللبيب
وكأني بهم يقولون: (يا أرض اشتدي ما عليك أحد قدي). ركبوا عمياء، وخبطوا خبط عشواء. كل يوم ترى في جرائدنا: (زلة شنعاء، وعظيمة صلعاء، وداهية دهياء –على حد تعبير ابن كثير).أسلوب الجرح والتجريح، في أعراض علمائنا الأجلاء، وشيوخنا الألباء، وكتابنا النجباء (ومن المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح) .نرى زلزالاً من الحماقات بل والضلالات وصدق أحمد بن خِضْرَوَيْهٍ حين قال: (القلوب جَوّالة: إما أن تجول حول العرْش، وإما أن تجول حول الحُشْ) وقال بعضهم: (نزول همة الكسَّاح، دلاَّهُ في جب العَذِرَةْ). قال ابن القيم: (الأرواح في الأشباح -الأجسام- كالأطيار في الأبراج، وليس ما أعد للاستفراخ كمن هُيِّئ للسِّباق)
خلق الله للحروب رجالاً ** ورجالاً لقصعة وثريد
فليس لهم همة إلا تحصيل الشهوات:
كالعير ليس له بشيء هِمّةٌ ** إلا اقتضام الْقَضْب ِ حول المِذْوَد ِ
فالأنعام غافلة عن عاقبة الذبح والنحر بعد الطعام. وهؤلاء أيضاً ساهون عما في غدهم قال سعد بن معاذ: (رأيت قوماً ليس لهم فضل على أنعامهم، لا يهمهم إلا ما يجعلونه في بطونهم، وأعجب منهم: قوم يعرفون ما جهل أولئك، ويشتهون كشهواتهم)، قال أبو حازم: (رحمه الله): (صار الناس في زماننا يعيب الرجل من هو فوقه في العلم ليرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهو على من هو دونه، فذهب العلم وهلك الناس) . وقال أبو الدرداء: (ما لي أرى علماءكم يموتون وجهالكم لا يتعلمون، لقد خشيت أن يذهب الأول ولا يتعلم الآخر، ولو أن العالم طلب العلم لا زداد علماً، ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائماً، ما لي أراكم شباعاً من الطعام جياعاً من العلم) . قال حافظ إبراهيم: (أرى كل يوم بالجرائد مزلقا). مقالات تنهش في أحشاء الأمة، وتطعن رموز الإسلام من الخلف، (تختلف أساليبهم ولا تختلف عزائمهم ونواياهم، وتختلف ألسنتهم ولا تختلف أفئدتهم وقلوبهم ). يريدون للمرأة حرية بلا شرف ولا ضمير، ولا وازع ديني، أو أخلاقي أو حتى إنساني. وصدق من قال:(أما والله إني لأرى العالم قد حفر قبراً للمرأة ثم وأدها فيه، ثم رفع قبعته محييا لها) لكن نحن المسلمات لا نريد حرية تجعل المرأة شاذة لا هوية لها!! لا هي بالشرقية ولا هي بالغربية،ولا هي بالعربية... بل خليط عجيب من ذلك كله؟ إنها المذلة والتبعية للغرب! والمرأة نفسها –للأسف- تريد حرية تحررها من دينها، وتُعَريها في الشوارع والأسواق والشواطئ، وتدفعها إلى أحضان الشيطان دفعاً عن طرائق قِدداً: مرة باسم: (الخطة الوطنية) ومرة باسم: (حقوق النساء) إنها ألعوبة التمدن، والتحرر، والتحضر. وأصاب المِفصل من قال: (تعالت هُتافاتُهم. حرروها. تعالت هتافاتهم.أطلقوها.دعوها تمارس حق الحياة تميطي اللثام وتُلْقي الحجاب، تحطم كلَّ قيود القديم. تثور على كل شيء قديم. تعالت شعارات. أهل الفساد. لكي يخدعوها. فباسم التقدم واسم التحرر. واسم التمدن. قالوا دعوها، دعوها تمارس ما تشتهي. دعوها تعاشر من تشتهي. دعوها تطالبكم بالحقوق، دعوها تشارككم في الحقوق. دعوها دعوها ولا تمنعوها. أفيقي أُخية، وقولي دعوني، دعوني فإني أريد حيائي، أريد إبائي. دعوني دعوني فإني أبيّة. أنا لست أُلعوبة في أيديكم. تريدون أن تعبثوا بشبابي فألقي حجابي. وأخرج أَلْقى قطيع الذئاب. وبعض الكلاب... أَفيقي أُخية يريدون هدم صروح الفضيلة.يريدون قتل المعاني الجميلة. يريدون وأْدَكِ والنَّفْسُ حية. أَهذي الحقوق كما تزعمون فأُفٍّ لكم ولما تَدَّعون. أنا لست أقبل هذا الهراء. فهيا اخرسوا أيها الأدعياء، أنا لست أقبل غير تعاليم ديني. ففيها النجاة. وفيها الحياة، وفيها السعادة حتى الممات. أفيقي أُخية، أفيقي أُخية). إنها الحرية الملغومة، إنها حرية إخراج المرأة من بيتها لتحتك بالرجال في الشوارع والأسواق، وفي الحافلات و الحفلات، وفي المدارس والشواطئ، وفي المعامل والعمل الخ . نحن المسلمات نريد حرية تعيدنا إلى ديننا الحنيف ومجدنا وعزنا، حرية تصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها، نريد حرية تحرر ديننا قبل بلداننا، تحرر أفكارنا قبل أجسادنا، تحرر تصورنا قبل سلوكنا، تعيننا عن حمل سلاح العلم والفهم والوعي، تقوّم سلوكنا وتضبط عواطفنا، وتحرر رقابنا من الاستعباد: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) نريد حرية تجعلنا أحراراً أمام البشر عبيداً أمام الجبار، حرية تزرع النور والأمل في أنياط قلوبنا، حرية تنقل مجتمعنا من الرذيلة إلى الفضيلة، حرية تمنع المرأة من الترجل، والرجل من التخنث، حرية لا تعرضنا للطرد من رحمة الله. ورحم الله من قال:
إِنْ عَجِبْنـــــــا مِن إنَاثٍ تَمَرَّدْن بكبريـــــــاء
يطــــــالِبْن التسَــاوِي بِالرِجــــــــَال اعتـــــدَاء
فعجب كُلّ عَجب مِن رِجـــــال كالنِّسَاء
إن لِلْكَوْن نِظـــاماً فِي الوجُود وَفِي النمَــــاء
مِن ذُكور وَإنَــــــــاثٍ لَيْس عنهن عَنـــــــــَاء
فإذا تأنثَتِ الرجَـــــــال وترجَلــت النِّســـَاء
فعلى الدنيَا السلاَمُ، وعلى الجنسين العفاء
واسمعي أختي ماذا يقول حاملوا لواء التحرر من الحداثيين: (إن من تمسك بالدين، أو اللغة العربية أو التاريخ، فقد تمسك بخيط العنكبوت) هكذا يطاردنا الإلحاد والملحدون، إنها (الحداثة العربية). إنها تعاليم الشيوعية المنكودة. تطاردنا في كل مكان وزمان، تطاردنا بالليل والنهار تطاردنا في الشوارع والبيوت تطاردنا –حتى- على أمواج الإذاعة والتلفزيون. إنها تعاليم استالين اللعين تُنَفَّذ وتُتَّبع! أليس هو القائل في سنة (1928م) :(يجب أن تقوم التربية في المدارس على أساس إنكار الدين وعلى أساس إنكار فكرة الله) وفي سنة (1933) قال: (الثقافة النافعة هي الثقافة التي تحرر عقول الناس من استبداد الدين، والتعليمُ النافع هو التعليم الذي ينشر الإلحاد، والرأْيُ العام الصالح هو الرأي العام الذي لا يؤمن بأية أفكار سوى الأفكار الماركسية) وأضاف في عام (1935) قوله: (الدين هو الذي يغرس في نفوس الناس الأفكار والأخلاق المثالية التي لا وجود لها في الواقع، ولهذا نحارب الدين لأننا لا نريد أن تتغَلْغَل في نفوس النَّشء آراء مثالية زائفة) وفي عام (1937) قال: (يجب أن يكون مفهوماً أن الدين خرافة، وأن فكرة الله خرافة، وأن الإلحاد هو مذهبنا) وفي عام (1938) قال: (يجب على الشيوعي المخلص أن ينكر الدين، فالدين يمنع المؤمن به من التوسع بالكذب والخداع والغش والتضليل في نشر الدعوة التي يريد نشرها، أما الشيوعي المخلص الذي ينكر الدين، ولا يؤمن به، فإنه يستطيع أن يحرر عقله من أفكار الدين المثالية، وهكذا يستطيع أن يتوسل بكل الوسائل من كذب إلى خداع إلى تضليل إلى غش، في تحقيق الأهداف الشيوعية!! . وكلما تحررنا من نفود الدين ازدَدْنا اقتراباً من الواقع الاشتراكي!! . ولهذا يجب علينا أن نحرر عقولنا من خرافة الدين). وفي سنة (1905) قال: (الدين أفيون الشعوب. فالدين ورجل الدين يخدران أعصاب المظلومين والفقراء، ويتسببان في خضوعهم للظلم. لماذا لا نعلن في برامجنا أننا ملحدون؟ إننا نفعل ذلك لكي لا نزود خصومنا بسلاح يهاجموننا به. فعدد المؤمنين بالله لا يزال يفوق عدد الملحدين) وفي سنة (1927) قال:(إننا نقوم بالدعوة ضد الدين الآن، لأننا أقوى من أن ينال منا خصومنا عن طريق التشهير بإلحادنا. ولقد كنا نحرص في الماضي على عدم إعلان إلحادنا لأننا لم نكن أقوياء. أما الآن، فإننا نعلن بصراحة أننا ملحدون، وأننا نرى في الأديان خطراً على الحضارة الأنسانية، فالأديان أفيون مخدر) وفي سنة (1944) قال:(نحن ملحدون، ونحن نؤمن أن فكرة الله خرافة، ونحن نؤمن بأن الإيمان بالدين يعرقل تقدمنا، ونحن لا نريد أن نجعل الدين مسيطراً علينا، لأننا لا نريد أن نكون سكارى!. إن حزبنا الثوري لا يستطيع أن يقف موقفاً سلبياً من الدين، فالدين خرافة وجهل) وفي سنة (1913) قال: (ليس صحيحاً أن الله هو الذي ينظم الأكوان، وإنما الصحيح هو أن الله فكرة خرافية اختلقها الإنسان ليبرر عجزه، ولهذا فإن كل شخص يدافع عن فكرة الله إنما هو شخص جاهل عاجز) وفي سنة (1915) قال:(الدين مرتبط بالظلم دائماً، فحيثما يوجد الظلم يوجد الإيمان بالدين، وإذا ما تخلصنا من الظلم، وجب علينا أن نتخلص من الدين، بل إن تخلُّصنا من نفود الدين يساعدنا على التخلص من الظلم، إن الطبقات الظالمة تلجأ دائماً إلى سلاحين: هما المشنقة، ورجل الدين، فالمشنقة تقضي على المعارضين، والدين نوع من المخدر الروحي الذي يتناوله الأرقاء لينسوا مشكلاتهم). وأخذ هذه النصائح والتعاليم الشيوعية الصحافيون (الأعراب) وصاغوها بأسلوب ثقافي فقالوا:(إن الحرية والديمقراطية ترى أن الدين سبب الطائفية والشقاق) . أرجو أن تكون هذه الأقوال تزيح الداء عن العليل، وتشفي الصدور والغليل. وتتبع ضلالهم أمرٌ يطول، وباب لن يغلق إلى نزول عيسى عليه السلام. (ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين: العلم الناقص، والذي هو أشد خطراً من الجهل البسيط، لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشداً عالماً أطاعه ولم يتفلسف عليه، فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون) . وأرجو أن يكون هذا الاستطرد لمناسبة الدفاع عن الصحابة عن أبي هريرة راوية السنة، وأئمتنا الأخيار، وأعلامنا الأبرار قد قام بدوره إن شاء الله ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. لأن الإعلام يجعل أتفه الناس وأجهل الناس وأحقر الناس بطلاً قومياً، أصبح ذا حد واحد، لئيما خسيسا (...). اللهم إنا نشكو إليك غلبة الأعداء، وتفشي الداء، وتحكم الأهواء، وتخاذل العلماء، وظلم الأقوياء، وتكالب الأغنياء، وغرور السفهاء، ونزول البلاء بعد البلاء، وغربة الإسلام وأهله في هذه الفترة القاتمة، وما يتناوبنا فيها من فتن مظلمة ومحن مؤلمة، لا نحن عندها بالبررة الأتقياء ولا ذوي الشكيمة الأقوياء، اللهم اردد لنا الكرة على أعدائك، ووفقنا إلى موجبات نصرك، وأنزل علينا سكينتك، وامددنا بعونك وتأييدك، واجعلنا أكثر نفيراً، اللهم أقل عثرات المسلمين من عبادك، تحقيقاً لآمالنا في إعلاء كلمتك، وقبل أن نرى فينا غضبك لانتصار الباطل على الحق، وتغلب الجور على العدالة، يا من وعده الحق وله دعوة الحق وهو شديد المحال، اللهم ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واردد كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واشدد عليه وطأتَكَ واقدر له أسوأ المصائر. أطلق سراح شيخي وزوجي وسائر المظلومين آمين يــا رب العلمين.
وقبل أن نضع القلم، أحب أن أقول كلمة مختصرة عن هذه الأرجوزة التي خرجت من السجن المحلي بتطوان. فقد اختصر فيها شيخنا فوائد فأفاد، وقواعد فأجاد، (بأسلوب رشيق، ومعنىً أنيق، على وجه منيف، وبيان لطيف) وطريق وجيز، من غير تطويل ممل، ولا اختصار زائد مخل، تسهيلاً على المبتدئين، وعوناً على شحذ الهمة، ودفع الذاكرة إلى الأمام، حتى تكون هذه القواعد محررة ومرتبة ومنسقه وميسورة ومنتشرة بين الطلبة، وأن لا تكون محصورة في أشخاص معدودين تموت بموتهم. فيصدق عليها ما قاله عمر بن عبد العزيز: (فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً) قدمها لنا شيخنا في صورة خواطر وشجون فاضت بها قريحة المسجون من وراء القضبان في عزلة تامة، وحراسة مستمرة، بعيداً عن كتب تفسير القرآن وعلومه، وكتب الحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله، والنحو وما أشبه ذلك مما له علاقة بقواعد التفسير. وصدق شيخنا في قوله:
فِي خلوة أنت اسْتَفِد لاَ تحزنَنْ *** من جَلْوةٍ أَنْت ابتعِد لا تطلبَنْ
وهو القائل في قصيدة من بحر الوافر:
أُكَابِدُ فِي العُلُومِ صبَابَةً فَلَهَا *** لَدَيَّ محبةٌ وَلَدَيَّ خَالصُها
بناظمة مؤصَّلةٍ قواعِدُها *** أُبينُ طريقةً وضَحَتْ معالِمُها
على أُسُسِ العلُوم غَدَتْ مُؤسَّسةً *** مُبـَاركةً وَمِنْ ذَهَبٍ سَبائِكُهـَا
مُفَسّـرَةً لآي إِلَهِنـَا طَهـُرَتْ *** مَـوارِدهَا مُكَرَّمةً مَصَادِرُهَـا
تُعينُ على مُدَارسَةٍ مُصرفهـا *** وحفـظِ عِبادةٍ وتفيدُ عَارفَهَا
تَباركَ رَبُّنَا وتكاملتْ نِعَمُـهْ *** تقدَّس من أَبانَ لنا منافِعَهَـا
فَيا عَضُدِي ويَا سندِي ومُعْتَمَدِي *** قبُولُــك مُنْيتي فَتَوَلَّ مُؤْمِلَهـَا
وشيخنا هو القائل في قصيدة من بحر المتقارب بعنوان: (الإِمَارة وَلَو عَلى حِجَارة).
أَخِي قَدْ عَلِمْتَ الْهُدَى وَالسَّدَادَا ***وَمِنْهـاجَ رُشْدٍ يُفِيدُ الرَّشَادَا
وَمَا جَاءَ عَنْ رَبِّنَا فِي كِتَـابِهْ *** لأَهْلِ التُّقَى مَنْطِقاً مُسْتَفَادَا
لِمَنْ لاَ يَلِي بَيْـنَ خَلْقِ الإِلَهْ ***عُلّوّاً بأَرْضٍ -هُنَا- أَوْ فَسَادَا
نَعِيمٌ وَمـَا لَمْ تَرَاهُ الْعُيُونُ *** وَلاَ هُوَ يَخْطُرْ بِقَلْبٍ كهَذَا
فَنَعْـآءُ خُلْدٍ أُعِدَّتْ لِقَوْمٍ *** تُقاةٍ كِرَامٍ تَعَـاطَوْا جِهـَاداً
هـمُ الْقَوْمُ لاَ غَيْرُهُمْ إِنْ تُفَاضِلْ *** صُنُوفَ الأَناسِي كِرَاماً شِدَادَا
وَلَيْسُوا كَمْنْ جَالَسَ الأَرْضِ سَيْراً *** بِنَهْجِ الْمَعَاصِي بَدَا أَوْ أَعَـــادَا
وَمِنْ كُلِّ ذَي فِتْنَةٍ أَوْ ضَلاَلٍ *** وَمِنْ كُـلِّ ذِي جُرْمٍ قَدْ تَمَـادَا
وَمِنْ كُلِّ ذِي خِبْرَةٍ فيِ الْخِطَابِ *** وَمِنْ كلِّ مَنْ شَأْنُهُ الشَّرُّ هَذَا
وَمِنْ حَاسِدٍ أَوْ جَحُودٍ كَفُورٍ *** وَمِنْ طَالِبٍ فِي (غُرُورِهْ) مـُـرَادَا
حَرِيصٌ عَلَى كُلِّ (زَعْمٍ)زَعَامَهْ *** عَرِيٌّ عَنِ الصِّدْقِ يَبْغِي سَوَادَا
مَلِيٌّ بِكِبْـرٍ وَبَطْرٍ وَحُمْقٍ *** كأَبْقَار وَحْشٍ تَرُومُ السِّفَادَا
وُحُوشُ الخَطَايَا تُنادِي بِنَفْسِهْ *** ضَعيفٌ حَقِيرٌ وهَالك فَماذا
فَيَا حَسْرَتَا كَيْفَ بِالْعِلْمِ يُمْسِي *** يَتِيمـاً يَزِيدُ الّـلآمَ ابْتِعَادَا
أَفِقْ إِنَّمَا الْعِلْمُ تَقْوَى الإِلَهِ *** وَرُكْنَـاهُ إِنْ تَذْكُرَنْ يا مُنَادَا
فَإِخْلاَصُ فِعْلٍ وَتَحْقِيقُ سُنَّهْ *** فَبـَادِرْ إِلى الْحَقِّ تُرْزَقْ سَدَادَا
وَأَخْلاَقُ رُسْلٍ كِرَامِ السَّجَايَا *** وَفِي الآيِ وَعْظٌ جَلِيلٌ كهذا
أَلاَ فَاتَّبِعْهُمْ وَدَعْ عَنْكَ غَيَّكَ *** فـَفِي ذَاكَ عِنْدَ الْمَضِيقِ النَّفَادَا
وغيرها كثير. ونرجو أن يكون قد بذل جهده، واستفرغ وسعه، ووافق الإثمد الحدقة، وشن طبقة. (وكم ترك الأول للآخر) وقد قال ابن مالك في أول كتابه (التسهيل): (وإذا كانت العلوم منحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مُسْتَبْعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر على كثير من المتقدمين، نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف) وطالب علم ينبغي أن يكون فعلاً متعدياًً لا جامداً –على حد تعبير شيخنا- وكاتبة حروف هذا التمهيد (كَمُبْضِعَةِ تَمْرٍ إلى هَجَرْ)
تُهْدى العلوم إليه وهو حقيقة *** أدرى من المهدي بهن وأعلَمُ
لأنه لولاه –بعد توفيق من الله- ما وضعت سواداً في بياض عن العلوم الشرعية. فأنا حسنة من حسناته. (وكنت في إهدائه إلى مقامه، كمن يهدى إلى بستان أزهاره، وإلى الفلك شموسه وأقماره، وإلى البحر جدولاً، وإلى السَّيْل وشَلاً ) .وقد عشت مع هذه الأرجوزة وكتبتها مرتين لأن شيخنا بدأ نظمها بالسجن المركزي بالقنيطرة ولما رُحِّل إلى السجن المحلي بتطوان أعرض عن المنظومة الأولى كلها ما عدا خمسة أبيات، فبدأ نظمها من جديد بالسجن المحلي بأسلوب آخر مختصر أمْلى معظمها عليَّ بالهاتف، وقد صححها ثلاث مرات وكل مرة يزيد فيها وينقص شأنه في ذلك كما قال معمر: (لو عرض الكتاب مائة مرة ما كاد يسلم من أن يكون فيه سقط. أو قال: خطأ) . وعن المزني تلميذ الشافعي: (لو عرض كتاب سبعين مرة، لوجد فيه خطأ، أبى الله أن يكون كتاب صحيحاً غير كتابه) ويقول المزني: (قرأت كتاب (الرسالة)على الإمام الشافعي ثمانين مرة، فما من مرة إلا كان يقف على خطأ، فقال: الشافعي: هيه-أي حسبك واكْفُفْ- أبى الله أن يكون كتاب صحيحاً غير كتابه) وقول الشاعر:
كم من كتابٍٍ قد تصفحتُه ** وقلت في نفسي أصلـحتُه
حتى إذا طـالعتُه ثانيـاً ** وجدت تصحيفاً فصححتُه
وقد بعث القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني إلى العماد قائلاً له: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، هذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر) . (نداء للعلماء)
يا مَعْشر العلمآء لَبُّوا دعوةً ** تُـعْلِي مَقَامَكُمُوا على كِيوانِ
يا معشر العلمآء هَبُّوا هَبَّةً ** قد طال نومُكُمُوا إلى ذا الآنِ
يا معشر العلمآء قُومواُ قَوْمَةً ** لله تُـعْلِي كـِلْمَةَ الإيمانِ
يا معشر العلمآء عَزْمَةَ صادقٍ ** متجــرد لله غيرَ جبانِ
يا معشر العلمآء أنتم ملتجا ** للدين عند تفاقم الحدَثـانِ
يا معشر العلمآء كونــوا قدوة ** للناس في الإسلام والإحسانِ
يا معشر العلمآء أنتم حجة ** للناس فادعوهم إلى القــــرآن
يا معشر العلمآء إن سكوتكم ** من حجة الجهال كلَّ زمان
يا معشر العلمآء لا تتخاذلوا ** وتعاونوا في الحق لا العدوان
وتجردوا لله من أهوائكم ** ودَعُوا التنافس في الحُطام الفاني
وتعاقدوا وتعاهَدوا أن تنصُروا ** متعاضِدين شريعةَ الرحمنِ
كونوا بحيثُ يكونُ نصب عيونكم ** نصرُ الكتاب وسنةِ الإيـمانِ
قد فرقتنا كثرةُ الآراء إذْ ** صِرْنا نُشايعُهـا بلا برهان
ومن أجلها صِرْنا يعادي بعضنا ** بعضاً بلا حقٍّ ولا ميـزانِ
وغَدَتْ أُخوةُ ديننا مقطوعةً ** والظلم معروفٌ عن الإنسانِ
واللهُ ألف بيننا في دينـهِ ** وعلى التفرق عاب في القرآنِ
عودوا بنا لسماحة الدين الذي ** كنا به في عزة وصيـانِ
عودوا لما كانت عليه من الهدى ** أسلافكم في سالف الأزمانِ
فإليكموا تتطلعوا الأنظار في ** توحيد كلمتنا على الإيمانِ
كتبته تلميذة وحرم المؤلف أم الفضل حنان بنت محمد المساوي بتطوان صبيحة يوم الجمعة 12ذو الحجة 1426هـ اللهم أطلق سراح زوجي وسائر المظلومين من الموحدين.



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمُد لله الذي قَدْ يَسَّرَا ** لِـحِفْظِ دِينه حُمَــاةً كُبـَرَا
فَقَدْ نَفَوْا تَحْرِيفَ غَالٍ قَدْ بَغَا ** وَأَبْطَلُوا انتحـال مُبْطِلٍ طَغَا
وَرَثَةُ الرُّسْلِ عَلَيْهِمُ السـَّلاَمْ ** كَمَا بِهِ جَاءَ الحَدِيثُ بِالتَّمَامْ
فَهُمْ عَنِ الأَرْضِ يُزيلُونَ العَمَى ** دَلاَئِلُ الهُدَى كَنَجْــمٍ في السَّمَا
ثُمَّ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ السَّرْمَدِي ** عَلَى النَّبِيِّ المُصْطَفـى محمــدِ
وَآلِـهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ غَـدَا ** لِنَهْجِهمْ وَ هَدْيِهِــمْ قَدِ اقْتَدَا
وبعدُ؛ فَالأُصُولُ عِلْمٌ ذُو شَرَفْ ** بِهِ اعْتَنى السَّلَفُ و العَدْل الخَلَفْ
وَمِنْ أَهَمِّ مَا اعْتَنَـى بِهِ السَّرِي ** مَعْرِفَـةُ التَّفْسِيرِ خَيْرِ الخّبَرِ
فَذِي فَوَائِدٌ لَهُ وَجِيـزَهْ ** تَنْفـَعُ مَنْ يَحْفَظُهَـا عَزِيزَهْ
تَجْمَعُ مِنْـهُ نُبَـذًا تُفِيـدُ ** فَسَارِعَنْ للحفْظِ يَا سَعِيدُ
قاعِدَةً مـُفِيدَةً للطالبينْ ** وَسِيـلةً للحفظِ عند الراغِبِـينْ
وَاللَّهَ أَرْجُو فِي قَبُولِ عَمَلِــي ** مَعَ الرِّضَا عند انقِضَاءِ أجَلِـي

*أما بعد؛ فهذه مقدمة مختصرة لمنظومتي المسماة : (نَشر العبير في نظم قواعد التفسير) بينت فيها بعض الحدود والتعاريف تسهيلاً على المبتدئ، وتَكميلَ الانتفاع بالنّظم بعبارة واضحة وسهلة، ومن غير تعقيد ولا تنافر، ومن غير استطراد ولا تكرار، لأن الهِمَمَ تميل إلى الاختصار المفيد، والإيجاز من القواعد، رجاء أن يكون عوناً وعنواناً على شحذ الهمة، ودفع الذاكرة إلى الأمام، ولا سيما والنظم وِعاء صلب لحفظ العلوم الشرعية، وأدعى لضبطه وإتقانه، وأيضا لما فيه من سهولة العلوم، وتقريبها للأذهان، والإحاطة بأحكامه الضرورية اللازمة.
مع الأخذ بعين الاعتبار بأنني لست أديبًا ولا شاعرًا، لكن أحدو وما لي بعير!، وَأمد القوس وما له وتر، أتجشأ من غير شبع. وأخشى أن يصدق علي قول القائل: (إذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل) ، و(الخير عادة، والشر لحاجة) ، (اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر) .
فالأمة تحتاج إلى فعّالين أكثر مما تحتاج إلى قوالين. وإلى فصيح السنان لا إلى فصيح اللسان. لأن كلام الألكن في العمل نقمة، وسكوته نعمة، حتى وإن سحرت بلاغته الأسماع، وإشراق ديباجته الأنظار. فقد تشبعنا من عبارات الغرور: (أنا، وإنا، ونحن، وعندنا، والذي نراه، ونحن نعتقد، وهذا عندنا جائز، وهذا عندنا غير جائز)، فأصبحنا وسرنا أمام سلفنا الراحل: (مجمع اللؤم والخسة والسفاسف والصفات الذميمة، والأفعال المرذولة، وتطاولنا عن علمائنا الكبار. مع التنطع والتقعر الزائديْن، و (إن الله عز وجل يُبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه، كما تخلل الباقرة بلسانها) ، وورد بلفظ: (سيكون قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقرة من الأرض) .
ومع هذا كله؛ فلا بلاغة بليغة، ولا فصاحة واضحة، ولا بيان بيّن، ولا برهان صحيح، ولا جزالة ألفاظ، ولا رائحة إنشاء. وسنتقي –إن شاء الله– مأثور القول البذيء والجارح بعد اليوم، مرة أخرى عذرًا شيوخنا ومغفرة، وعفوًا من زلة القلم، ومن بعض عقاربه المسمومة. قلقل الله أنيابه. وما أردنا من ذلك إلا نصرة الإسلام، ولكن أخطأنا بابه، لأن السباب والحمية للإسلام –في الغالب– ساكنان لا يلتقيان، ولا أحب أن أُلاَمَ وأحاسب على الفعل الماضي، نعم على الحال والاستقبال فأهلا وسهلا.
ولا زال أهل العلم يتراجعون إلى ما هو أفضل، وللإمام الشافعي مذهبان، وللأشعري ثلاث حالات، ولابن معين وابن حنبل رأيان بل سبعة أقوال في بعض المسائل، وهكذا...ولا أظنني بهذا الاعتراف أمكنت الرامي من صفاء الثغرة، وليس بيننا وبين الحق حجاب. ورحم الله امرأً أهدى لنا عيوبنا، (ومن حذرك كمن بشرك).
فهذا - عزيزي القارئ - جهد المقل أضعه بين يديك من وراء القضبان، من داخل زنزانتي الانفرادية، ومع الحراسة المشددة والمستمرة، فلك غنمه، وعلي غُرمه، وأنت الظافر، وأنا العاثر، فإن وُفِّقت فذلك فضل الله وإحسانه إلي، لا بحولي وقوتي: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} ، وإن كانت الأخرى؛ فأسأله سبحانه أن يتجاوز عني ويستر عيبي وذنبي.
وقد اشتملت هذه المقدمة على مباحث خمسة، والله من وراء القصد.

المبحث الأول: في التعريفات


وبما أن الأشياء تعرف بحقائقها. وأضدادها، وأنواعها، وأمثالها، والخطب فيها جليل، والكلام في جنسها ونوعها عسير، والخوض في لججها ليس بـيسير، وراقمه أسير، وضُرب بينه وبين مكتبته بسور، والكاتب بلا كتاب قصير، وصاحب الدعوة حقير، وعند العلماء فقير، ولا سيما في أهم العُلوم، أعني علوم القرآن بفروعه المختلفة، و(التحقيق قليل، وطَرْف التنقيح في الغالب كَليل، والوهم نَسِيبٌ للأخبار وخَليل، والتقليد عريقٌ في الآدميين وسليل) . والتعريفات لا بد فيها من العلم والمعرفة حتى يمكن فهمها وأداؤها والقيام بها على الوجه المطلوب شرعاً.
 وصف الحملة الشرسة على الإسلام والقرآن:
أما أن تعيد مُعادا، لا شرح، ولا اختصار، ولا إتمام، ولا فتح، ولا استدراك: (فمصيبة لا لَعَا لها). ومعضلة لا أبا الحسن لها. مؤلفات ومقالات لو وزنت بالفحم أو كتبت به كان كثيراً في حقها. مقالات في جرائدنا باسم الإسلام، لا يحسن مثلها الشيطان.
يخط في الــــرق خطــــــــــاً *** كــــأنه خط شيطــــــــــــــــان
(لا لها عند الله عدد ولا مقدار) . لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء. يطحنون الدقيق، ويجرحون الإسلام باسم التحقيق، صح لهم ما لم يصح لإبليس، اجتمع فيهم من الضلال ما تفرق في غيرهم و(الأحداث) شاهدة، كاتب واحد من كتابها أمة في الجهل والضلال، قطفوا الأزهار من محنة الأخيار، تكاشف في هذه الفتنة الأشرار. وكأن أيمن بن خُريم عناهم بقوله:
إِنَّمَا يُسَعّرهَا جاهِلُهَا *** حطب النار فَدَعْها تشتعل
أعمى البصر والبصيرة يريد أن يقودنا، إعلام فاسد، وإبليس حاسد، وفكر كاسد.
أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم *** قد ضل من كانت العميان تهديه
أيام حزينة، وحضارة خليعة، وأحكام بلا جريمة، وتُهَمٌ جاهزة بلا بينة، وعدالة معطلة، وأقلام حاقدة، وتبعية خانعة، والعري (أبْكى العيون، وأنكأ القلوب، وَفَتَّ في الأعضاد، وفتت الأكباد) والصالح في البلاد من يقارع الفساد، فساد لو كتب على آماق البصر، لكان عبرة لمن اعتبر. و(من لم يعتبر فقد خسر.. من سلك الجدد أمن العثار. من مأمنه يؤتى الحذر. ويل للسجيّ من الخليّ) . أعطوا غباء لا ذكاء. وحتى لو أعطوا ذكاء فـــ(لَعَنَ اللهُ الذكاءَ بلا إِيمان، ورضي الله عن البلادة مع التقوى) .
حُزْنِي عَلى مَا قَدْ جَرَى فَتَّ الْكَبِدَ * وَالْقَلْبُ مِنْ آلامِهِ مُسْتُأْصلاَ
يَا رَبِّ إِنِّي مُشْفِقٌ مِنْ غُرْبَتِــــــــــــي * يَوْمَ الِلّقَــــاءِ القَادِمِ أَنْ أُسْأَلاَ
رَبّاهُ ذُو الفَضْلِ الذِي عمَّ الْوَرَى * أَنْزِلْ أَبَــا الْفَضْلِ بِخَيْرٍ مِنْزِلاَ
(لا نريد أن نرد النهر إلى مصبّه، والشمس إلى مطلعها، والطفل إلى بطن أمه، واللبن إلى الثدي، والدمعة إلى العين)، ولكن بكينا:
حِينَ اعْتَدَى ذِئْبُ إِنْسٍ * وَاسْتَوْطَنَ الثُّعْلَبَــــــــانُ
قَدْ عَادَ شَرْعُ الرَّجِيمِ * وَالْحَقُّ أَمْسَـــــى يُدَانُ
ومع هذا كله؛ فلا تحزن أخي بل اسعد، واصمد، واطمئن، وأبشر، وتفاءل، فكل أمر مرهون بوقته: {إن الباطل كان زهوقاً} ، وصدق العقاد حين قال: (كثيراً ما يكون الباطل أهلاً للهزيمة، لكنه لا يجد من هو أهل للانتصار عليه)، فالمفسدون (يومهم بلا غد، وأرضهم بلا سماء، وعملهم بلا خاتمة، وسعيهم بلا نتيجة)، {أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفيه حسابه والله سريع الحساب} ، قال تعالى: {وَقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً} ، تذللوا وخضعوا لفقه القساوسة والرهبان، فكان إسلامهم (هدماً بلا بناء، وصفة بلا معنى)، وما أكثر -فيهم- من يحب أن يدعى قساً ولم يخدم الكنيسة.
صَعَافقة (الأحداث) – ليس عندهم علم ولا فقه، يشهدون السوق وليست لهم رؤوس أموال ولا نقد- بل هم رجْرجة الكتاب لا سَبَدٌ ولا لَبَدٌ ، ولا عافطة ولا نافطة ، أسلوبهم (ماله هِلَعٌ ولا هِلَعَة ولا سَعْنَة ولا مَعْنة ولا هَاربٌ ولا قارب وأبلغ الرد على هؤلاء الذين قلدوا الغرب بعين عوارء، وأخرى شوهاء: نشر كتب التفسير وعلومه، وكتب الحديث وعلومه، وسائر علوم الشرع الحنيف. وفكرهم مسموم بل هو مولود غير طبيعي لأنه ولد مشوهاً، ورضع ألباناً فاسدة.
إنهم يركبون قصبة فيرونها فرساً سبوقاً، ويحملون خشبة يُلَوحُون بها في (أحداثهم) على أنها سيف صقيل، (فيا لله العجب من ذبابة تطن في أُذن فيل) ، ولسان حال القارئ يقول: ( يا عمر أبعدت النجعة، أسْرع الله بك الرَّجعة) ، (إفْعَلْ ما هو صحيح، ثم أدِرْ ظهرك لكل نقد سَخيف). فقد أحنى عليهم الدهر. حتى ولو خلطوا الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين. وتمثل في وُجوههم بقول الشافعي:
والصمت عن جاهل أو أحمق شَرفُ * وفيه أيضاً لصون العرض إصلاحُ
أما ترى الأُسْدَ تُخْشَى وهي صامِتةٌ * والكلبَ يُخْسَى -لعمري- وهو نَـــبَّــــاحُ
وقوله:
أعرض عن الجاهل السفيه * فكل ما قــال فهـــْـو فيـــــــــــــه
وما ضرَّ بَحْرَ الفُرات يوماً * أن خاص بعضُ الكلاب فيه
وبقول القائل:
لو كل كلب عوى القمتَه حجرا * لأصبح الصخر مثقالاً بدينار
فإن للإسلام جنوداً من الأقلام:
دونكـــــــــها مترعة دهــــــــــاقاً * كأساً زُعاقاً مُزِجَتْ زُعاقــــــا
يشنون حرباً شعواء على الصحابة والعلماء والأخيار في جرائدهم الساقطة، فأبوا إلا أن نتعامل معهم بلغة: (عاشر الذئاب على أن تكون فأسك في يدك)، ولغة: (إن كنت ريحاً فقد لا قيت إعصاراً)، وثقافتهم نعتبرها لوثة وافدة لبلادنا، ووعكة نازلة لأهل المغرب المجاهدين، وأسلوب الحوار عندهم مفقود نشم رائحته ولا نرى عينه، حاشا: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} . {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا} ، وجريمتنا النكراء: {أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} ، وأخرى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} ، وأخرى: {هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون} .
أمور يضحك السفهاء منها * ويبكي من عواقبهــا اللبيب
والحق أبلج والباطل لجلج، ولن يدوم بنيان الباطل مهما زخرج وبهرج في جرائدهم وإعلامهم فمصيره إلى الزهق.
وَهَبْني قلت: إن الصبح ليل * أيعمى المبصرون عن الضياء؟
ويذكرني صنيع هؤلاء بدود القز، وذلك أن دود القز لما أخذ ينسج؛ أقبلت العنكبوت تتشبه وقالت: (لك نَسْج ولي نسج)، فقالت دودة القز: (ولكن نَسْجي أردية بنات الملوك، ونسجك شبكة الذباب وعند مس النسيجين يتبين الفرق). وبيت العنكبوت في منتدى الأخباث ومن لم يصدق فليقرأ فيه: (العلمانية الإنسية هي الحل)، ولو صدق لقال: (العلمانية الإبليسية هي الضلال) .
مساوٍ لو قُسِمْن على الغواني * لـــــــــما أُمْهِرن إلا بالطــــــــــلاق
أو العنوان: (من الكلب إلى الكلب). فتحققت فيهم نبوءة نبينا محمد r: (وينطق فيها الرويبضة)، قيل: وما الرويبضة؟. قال: (الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة) ، وقوله r: (سيكون أقوام يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقرة من الأرض) ، (ولو سكت من لا يعلم لقل الخلاف)، و(من تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائب)، فلكل علم أهله، ولكل فن فرسانه. وفاقد الشيء لا يعطيه. طبيب يداوي الناس وهو مريض. فكيف بالذي رضع ألباناً فاسدة، وتربى في أحضان الغرب، وترعرع على موائدهم، وتشبع بأفكارهم المسمومة، وثقافتهم الملوثة (وجريدة الأحداث نموذجا) لا يرون أبعد من أرنبة أنفهم؟. فكُتّاب الغرب يقولون: (اللهم اجعلنا من الضالين المضلين)، وهؤلاء يقولون: (آمين).
مع قصور نظرهم، وضيق أفقهم: طاش دماغهم في بحر قذورات الغرب، فظنوا أن كل سوداء تمرة، وكل بيضاء شحمة، وكل مدور رغيف، وكل كتابة علم، وظنوا أن المسك يستخرج ويستخلص من جيف الكلاب. وكل إناءٍ بما فيه ينضح أو يرشح. وحبكَ الشيء يعمي ويصم. والطيور على أشكالها تقع.
يُزَهِّدُني في وُدِّكِ ابنُ مُسَاحِقٍ * مودتك الأراذِلَ دون ذَوِي الفضل
ومن قل علمه كثر لغطه، وارتفع نباحه على السحاب.
وما ضر بدر السماء في الأفق * سود الكلاب وقد مشى على مَهَل
ولعلنا نعود إليكم يوماً ما لنريكم من أين تؤكل الكتف.
هاشم جدنا فإن كنت غضبى * فاملئي الوجه الجميل خدوشا
لكم أقلام ولنا أقلام، لكم أقزام ولنا أعلام. ومرحباً بكم في الساحة تكتبون ونكتب، وبيننا وبينكم الأيام. (وإن غداً لناظره قريب).
حكمة المرء في سن قلمه * وقلمه فيما تخط يده
دون اللجوء إلى أسلوب امرأة لوط، ومهنة الزبال. أو تهديد فرعون نكيل لكم بمعيار عقولكم، ونزن لكم بميزان عقولكم. ومن أفواهكم ندينكم. ومقالاتكم وتأليفاتكم عبارة عن شقشقة وفخفخة، سرتم فيها على منوال أساتذة مدرسة: (دع ما ليقيصر لقيصر، وما لله لله). حَذْو القذة بالقذة. فإن العلمانيين: (كأسراب القَطَا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض) ، ولِذَلكم (أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر، حتى يتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيُّع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله) وكأن القائل عناهم حين قال:
هذي التآليف من بعض الخطيئات * فاشهد علي وأشهد كل من يأتي
أنهـــا شقشقــات واتبــــــــــاع هوى * وفخفخـــــات وعجباً بالوريقــات
ليْس في القنافذ أملس. وفكرهم من (رُبـْد الصدور لا من زبدها) وصدق البوصيري حين قال:
اللـــــــه أكبرُ إن ديــــــن محمدٍ * وكتــــــابه أقـــــوى وأقوم قيـــلاً
طلعت به شمس الهداية للورى * وأبى لها وَصْفُ الكمال أُفُولاَ
والحق أبلج في شريعتـــــه التــــــي * جمعت فروعاً للهدى وأُصـــــولا
لاتذكروا الكُتْبَ السوالف عنده * طلع الصبـــــاح فأطفئ القنديلاَ
ومصائبهم لا يحصيها الرجل الفصيح في الكلام، ومن تكلم رَعِف. (يضيق صدري ولا ينطلق لساني).
ولا جرم في فمي ماءٌ وهل * ينطق من في فيه ماء
وقد طفح كيل (الأحداث المغربية)، واتسع الخرق على الراقع، وكشف العلمانيون المائعون عن أنيابهم الوسخة والقذرة والعفنة طعناً واستهزاء بالإسلام وشريعته وحراس الحقيبة –بدل العقيدة- والعلماء الرسميون –بالفاء بدل الميم- نائمون إن لم أقل (ميتون) يخافون أن ينعتوا بالدفاع عن الأفكار الإرهابية، أو لم تعط لهم إشارة ليتكلموا، فهم بين إحراج رسمي، وواجب ديني، طبعاً الرسمي مقدم على كل شيء. تباً لكم ولمجالسكم المعمية التي تسمع برلمانياً اشتراكياً يستهزئ بشعيرة من شعائر الدين ولم تحرك ساكناً. عذراً قد سمعناهم يوجهون خطاباً إلى من خطف المغربيين فسمعنا ما قرح قلوبنا، الناطق عذب سيبويه في قبره أخطاء نحوية فاحشة، (وتكفير ولعن) حين قال ابن يَسَّفْ: (نلعنكم ونكفركم)!!. عش رجباً تسمع عجباً، أصبحوا من الهجرة والتكفير دون أن يشعروا. كل هذا لا يَهم، لكن عندما يقرأون في جريدة رسمية: (الأحداث المغربية) استهزاءً لمسئول برلماني اشتراكي استئصالي فلا رد ولا: (نلعنكم ونكفركم)، ولا، ولا.
وإليكم بعض ما قاله المدعو (عبد القادر البنة) البرلماني الاشتراكي في جريدة (الأحداث) تحت عنوان: (لحيتي عُبْوَتي): (يتهمونكِ –أي: اللحية- بالتحجر وأنت مثال في التحرر تفرضين في إثبات الزنا شروط المستحيل، وتضعين رقاب النساء في ملكية الذكور وأنت في ذلك على حق لأن المرأة خرجت من ضلع الرجل.. يفضل –أي الغرب- مشاهدة النكاح في الأفلام عوض ممارسته على الفراش، ولهذا يشكو من نقص في الإنجاب، ولولا أمة الإسلام لتعرضت البشرية إلى الانقراض، لأن شريعتكِ –أي اللحية- توصيني بالنكاح والتناسل حتى أكون مصدر افتخار يوم القيامة.. فالنساء ناقصات عقل ودين وعقولهن في فروجهن، أرى فيك هويتي، وأقرأ فيك تاريخي، تحملين ذاكرتي وتسطرين توقيتي، تذكرينني بالصلوات الخمس وبالشفع والوتر، أتحسسك عند الذكر والتسبيح، وأتمثل بك السلف الصالح، من حمزة إلى عمر مروراً بطلحة والزبير، فديني لا يكتمل إلا بك، ولا دين من السَّماء إلا دينك، وتأسياً بأسيادي (حماة الإسلام) من ابن لادن إلى الظواهري... أغسلك بماء زمزم وأرقيك ببخور قندهار).
ثم يقول –عليه بهلة الله، وفض فوه، ولا سعد من ينشر له-: (يتهمونك بالتعصب وأنت تحملين الحقيقة المطلقة التي لا جدال فيها ولا نقاش، فالله واحد والنبي واحد وأمة الإسلام واحدة وهي خير أمة أخرجت للناس، فملعون ذلك الألماني اليهودي الذي جاء بنظرية النسبية، ومصيره جهنم ولا غرابة في ذلك، فحروف الشيطان توجد كلها في إنشطاين).
ولا أنسى ما كنت قرأته في هذه الجريدة الحاقدة على الإسلام والمسلمين حول: (الاختبارات الموحدة للدورة الثانية في مادة: اللغة العربية)، في إعدادية (مولاي سليمان) نيابة أنفا-الدار البيضاء مدة الإنجاز: (ساعة ونصف): (لا أدري لماذا يكره المتطرفون الإسلاميون المرأة، ويصرون على أن تظل مجرد دمية يعبثون بها في غرف نومهم المظلمة، ويسلبون إرادتها ولا يقبلون إلا أن تكون مجرد جارية حتى ولو حملت لقب زوجة، وعند ما فكرت الدولة في إصدار القوانين الجديدة لتصون كرامتها وتحميها من القهر والظلم، هاج أصحاب الفضيلة أعداء المرأة وكأنه لدغتهم العقارب، وأشهروا في وجهها كل أسلحة التخلف والظلام، كعادتهم فتشوا في أحكام الشريعة الغراء، فسروها حسب أهوائهم واستغلوا تعاليم الدين السمحة أسوأ استغلال، وأخرجوا من جرابهم تفسيرات أشبه بالثعابين السامة، وهي أمور لا تُسِئ للنساء فقط، بل تدين المجتمعات التي تخيم عليها مثل هذه الأفكار، وتصمها بالعنصرية والتخلف، لقد أظهروا شريعة إسلامية تنكل بالمرأة وتنزل بها أشد العقاب، وأسرفوا في استنباط الأحكام، واستبدلوا بشرائع إسلامية –شرائع بالجمع يعني شريعة اليهود والنصارى، والمجوس وإبليس- غراء أخرى مستمدة من عصور الجاهلية). بدون تعليق. من جريدة (الأحداث المغربية) .
صرح أحمد ادغيرني للجزيرة قائلاً: (ستزول العربية من المغرب، وسيزول الإسلام). من (الأسبوعية) . وقال آخر: (يجب علينا أن نقوم بإنحاء الشعبة الإسلامية من الكليات) . وفي جريدة (اتحاد اشتراكي) قال أحدهم: (يجب إعادة النظر في جوهر الإسلام)، وقال آخر: (نصوص القرآن والسنة يجب أن يعاد فيهما النظر لأنهما غير مسايرين للعصر). وقال آخر: (إن نظام الإسلام يجب أن يحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى...لأنه لا يصلح أن يطبق في القرن العشرين)، نترك التعليق لحماة الاسلام من المجالس العلمية. قال ابن القيم:
هربوا من الرق الذي خُلقوا له * فبُلوا برق النفس والشيطان
هل قرأتم يا معشر (العلماء!!) في جرائدهم هذا الضلال: (الإسلام دين جاف وجامد يريد أن يُجَمّد نصف المجتمع وهي: المرأة. إن الذين يريدون العودة للإسلام في قضية المرأة لهم عقلية متخلفة.. المرأة ليست نصف الذكر. كيف تكون شهادة امرأة دكتورة عالمة الذرة نصف شهادة رجل أمي جاهل. كيف تقولون: النساء ناقصات عقل ودين، والمرأة قد بلغت شأواً كبيراً في العلم والثقافة والحضارة). يريدون من المرأة أن تكون مجرد دمية.
وهاهم مُؤسسوا الحرية وصناعها يعترفون لكنها اعترافات جاءت متأخرة واحدة تقول: (أريد أن أرجع إلى أنوثتي)، وأخرى تقول: (امنعوا الاختلاط، وقيدوا حرية الفتاة)، وأخرى تقول: (قروية ساذجة في حجرها طفل، أفضل للأمة وأنفع للبلاد من ألف نائبة وألف محامية، وحكمة الله فيكن أن تكنَّ أمهات)، وأخرى تقول: (لا تأخذي من العائلة الأوروبية مثالاً لك)، وأخرى تقول: (بيوت الأزياء جعلت مني مجرد صنم متحرك، مهمته العبث بالقلوب والعقول)، وأخرى تقول: (أنا أنثى أعتز بأنوثتي، وأنا امرأة أعتز بما وهبني الله)، وأخرى تقول: (أفكر كثيراً في أن أشعل النار في جميع شهاداتي التي أنستني كل العواطف)، ثم تقول: (إنني أروي ذلك لكم للعبرة والعظة فقط، ولأقول: نعم، من أجل الحياة. من أجل الزواج لا، للعنوسة). وأخرى تقول: (خذوا شهادتي وأعطوني زوجاً). وأخرى تقول: (خذوا شهرتي وأعطوني بيتاً يضج بالأطفال). وأخرى تقول: (إني أتعس امرأة... كم كنت سافلة).
وأول من نادى بحرية المرأة المسلمة والعربية قاسم أمين في كتابه (تحرير المرأة)، حيث قال: (إن المرأة مساوية للرجل من جميع الوجوه، وإن الرجل ظالم لها في حقوقها). ثم قال: (بلزوم رفع الحجاب، ووجوب الاختلاط، لأن حجاب المرأة وعدم اختلاطها بالرجال مما يقيد حريتها التي منحها الله إياها). إلى آخر ما يدعو إليه من المناكير.
ثم رجع وقال: (لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلي اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في (تحرير نسائهم)، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم، ولكن أدركت خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال - بكل أسف - ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي، رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاءة، ثم ما وجدت زحاماً في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسنة جميعاً).
وآخر يقول: (نتمنى على بعض علمائنا (الكرام) أن يبقوا في مجالات تخصصهم، وألا يزجوا بأنفسهم في بحار السياسة، وهم لا يحسنون السباحة فيها، حتى لا يغرقوا، ويغرقوا شبابنا الحائر معهم، وقديماً قال فقيه ألمعي: بين أصحابنا من أرجو بركته ولا أقبل شهادته. قلت: في أمور السياسة).
ثم قال: (إن أي فتوى مهما كان رأينا في مرجعيتها، إن أمور الشرع قابلة للنقاش، وإن الفتاوى تتغير، وليست وحياً منزلاً، وإننا نتطلع إلى مرحلة يكون كل شيء فيها قابلاً للنقاش). إنها الحداثة التي ينادون بها - يقول زعيم الحداثيين العرب عبد الصبور المصري: (والشيطان خالقنا ليجرح قدرة الله العظيم). (ديوانه ص38) تحت عنوان: (الناس في بلادي). وله كلام أخبث من هذا أيضاً في (ص29) وفي (ص47/ تحت عنوان: الإله الصغير).
وكما قالوا: (إما أن يكون المثقف حداثياً أو لا يكون مثقفاً). ثم قالوا: (لا يهمنا فهم الناس أو لم يفهموا). ويقول أستاذ الحداثيين نزار قباني في قصيدة –أو عصيدة- تحت عنوان (أصهار الله): (وهل غلاء الفول والحمص والطراشي والجرجير شأن من شؤون الله)؟. واقرأ إن شئت في (الأعمال الشعرية الكاملة) : (يا إلهي إن تكن رباً حقيقياً فدعنا عاشقينا).
ويقول بدر شاكر السيّاب : (فنحن جميعاً أموات. أنا ومحمد والله، وهذا قبرنا أنقاض مِئْذنة معفرة، عليها يكتب اسم محمد والله). ثم يقول عليه بهلة الله ولا رحم فيه مغرز إبرة: (وإن الله باقٍ في قرانا ما قتلناه ولا من جوعنا أكلناه).
يقول أحد الحداثيين المدعو عبد الوهاب البياتي العراقي في (ديوانه): (كلمات لا تموت): (الله في مدينتي يبيعه اليهود، الله في مدينتي مشرد طريد، أرادهُ الغزاة أن يكون لهم أجيراً شاعراً قوادْ –نقلنا كلام هؤلاء الحداثيين بلحنه- يخدع قيثاره المذَهَّب العباد، لكنه أصيب بالجنون، لأنه أراد أن يصون زنابق الحقول من جرادهم أراد أن يكون).
ويقول حداثي آخر –أكرمكم الله- يدعى محمود درويش مستهزئاً بالله تعالى: (نامي فعين الله نائمة عنا).
ويقول الحداثي عبد العزيز المقالح اليمني اليساري في (شَعِيرِه): (صار الله رماداً صمتاً رعباً في كف الجلادين، حقلاً ينبت سبحات وعمائم بين الرب الأغنية الثورة والرب القادم في هوليود.. كان الله قديماً حباً كان سحابة كان نهاراً في الليل أغنية تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض).
ويقول أدونيس النصيري وكان اسمه: علي أحمد سعيد. ثم ترك النصيرية واعتنق الشيوعية، وتسمى باسم أحد أصنام الفينيقيين (أدونيس) وهو مرجع وقدوة لجريدة (الأحداث المغربية): (كاهنة الأجيال قولي لنا شيئاً عن الله الذي يولد قولي: أفي عينيه ما يُعبد.. مات إلهٌ كان هناك يهبط من جمجمة السماء) . وهو الذي قال: (نقد الدين شرط لكل نقد).
إنها الغارة والثورة على الإسلام، وأصحاب الفضيلة –عفواً الفضيحة- من حراس -الحقيبة- لا العقيدة نائمون. أما قرأتم أيها العلماء –عفواً العلفاء- الاستهزاء بالصحابة الكرام في جرائد الحداثيين، يقول أحدهم ساخراً من رجال الحديث: (حدثنا محبط عن محبط عن جاهل). وقال آخر: (حدثنا الشيخ إمام عن صالح بن عبد الحي عن سيد بن درويش عن أبيه عن جده). وقال آخر: (عادل إمام مثل أبي ذر الغفاري، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة وحده).
وتقول أمينة السعيد –وما إخالها أمينة ولا سعيدة عليها بهلة الله- ضاحكة عن حجاب المرأة المسلمة: (عجبت لفتيات مثقفات يلبسن أكفان الموتى وهن على قيد الحياة).
ويقول العلماني الحداثي أحمد عبد المعطي حجازي: (إن للسفور مساوئ لكنها أقل -قطعاً- من مساوئ الحجاب والنقاب، وشبيه بمن يدعونا للعودة إلى الحجاب من يدعونا للعودة إلى ركوب النياق والحمير والبغال.. هذه هي عقلية عصور الانحطاط). ويسمي المحجبات العفيفات الطاهرات: (المسرحية والحراج. وقوارير سوداء، ومسرحية مدهشة). ويصفهن بأنهن (بضائع)، لو قال المتبرجات والعاريات اللائي يعرضن أجسادهن في الشوارع والشواطئ، والمحافل والحافلات بضائع رخيصة لأصاب، ولكن إبليس يقلب الحقائق.
ويقول حداثي معروف بدفاعه عن أمه أم جميل زوجة أبي لهب، محمد جبر الحربي: (والنساء سواسية منذ تَبَّتْ، وحتى ظهور القناع تشترى لتباع، وتباع، وثانية تشترى تباع).
(فاللحية عندهم قذارة وأوساخ، والحجاب عندهم تخلف وظلام، والتعدد عندهم سفه ورجعية، والقميص عندهم تأخر وانحطاط، والتزام الصلاة في الجماعة عندهم فراغ وبطالة، والدعوة إلى عدَم الاختلاط بين الجنسين عندهم عودة إلى أصول الظلام، والمطالبة بحفظ الأعراض عندهم انتكاس عن المدنية والتطور)، إنها ألعوبة التمدن، والتحرر، والتحضر، إنها ألعوبة: (دعوها تمارس ما تشتهي). (دعوها تعاشر من تشتهي)، (دعوها تطالبكم بالحقوق). (دعوها تشارككم في القضاء).
وصدق من قال: (تعالت هُتافاتُهم. حرروها. تعالت هتافاتهم. أطلقوها. دعوها تمارس حق الحياة تميطي اللثام وتُلْقي الحجاب، تحطم كلَّ قيود القديم. تثور على كل شيء قديم. تعالت شعارات. أهل الفساد. لكي يخدعوها. فباسم التقدم واسم التحرر. واسم التمدن. قالوا: دعوها، دعوها تمارس ما تشتهي. دعوها تعاشر من تشتهي. دعوها تطالبكم بالحقوق، دعوها تشارككم في الحقوق. دعوها دعوها ولا تمنعوها. أفيقي أُخية، وقولي: دعوني، دعوني فإني أريد حيائي، أريد إبائي. دعوني دعوني فإني أبيّة. أنا لست أُلعوبة في أيديكم. تريدون أن تعبثوا بشبابي. فألقي حجابي. وأخرج أَلْقى قطيع الذئاب. وبعض الكلاب... أَفيقي أُخية يريدون هدم صُروح الفضيلة. يريدون قتل المعاني الجميلة. يريدون وأْدَكِ والنَّفْسُ حية. أَهذي الحقوق كما تزعمون؟. فأُفٍّ لكم ولما تَدَّعون. أنا لست أقبل هذا الهراء. فهيا اخرسوا أيها الأدعياء، أنا لست أقبل غير تعاليم ديني. ففيها النجاة. وفيها الحياة، وفيها السعادة حتى الممات. أفيقي أُخية، أفيقي أُخية) .
وصور كثيرة من الكفر في جرائدنا أعرضنا عنها اختصاراً. وفيما ذكرنا كفاية لتجرح قلوب المسلمين الصادقين، (ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق)، وأستسمح على هذا الاستطراد المفيد وأعود إلى مبحث التعريفات. فأقول:
هذا المبحث يشمل:
1- تعريف القواعد في اللغة والاصطلاح.
2- تعريف التفسير في اللغة والاصطلاح.
3- تعريف: (قواعد التفسير)، باعتباره عَلَماً ولقباً على نوع معين من (القواعد)، وفن معين من فنون العلم، لا بد من معرفة معاني جزأيها اللذين تركبت منهما، وهما: (قواعد) و(التفسير)، من حيث المعنى اللغوي والاصطلاحي، لأن معناها اللقبي ليس بمعزل عن معاني ما تركبت منه –وللعراقي (684هــ) وجهة نظر اعترض بها على القول بأن العلم بالمركبات متوقف على العلم بالمفردات، عند كلامه على تعريف أصول الفقه .
1-تعريف القواعد:
أ-معنى القواعد لغة: جمع قاعدة، قال ابن مالك في (خلاصته):
والألف الثاني المزيد يُجعل واواً كذا ما الأصل فيه يُجهل
تقول: جازم جمعه جوازم، ناصب نواصب، قاعد(ة) قواعد، فاعل فواعل. قس على هذا ما لم يُذكر.
وقد ذكرت (المعاجم) اللغوية في هذه المادة كلمات متعددة يَبْدُو من ظاهرها الخلاف، ولكنها عند تأملها، نجدها تعود: إلى معنى الاستقرار والثبات ولو بضرب من التأويل. كقعيدة الرجل – أي: امرأته، وامرأة قاعد عن الحيض والأزواج، {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً}، ملتفتاً في ذلك إلى قعودهن واستقرارهن في بيوت آبائهن أو أوليائهن. ومنه آية (58) من سورة النور السابقة. كما أن امرأة الرجل تسمى قعيدة؛ لثبوتها واستقرارها في بيت زوجها.
والقُعْدد: اللئيم؛ لقعوده عن المكارم، ورجلٌ قعْدِيٌّ، بالضّم والكسر: عاجز. وقعيد النَّسب، وقُعْدُدٌ وقُعْدَدٌ وأقْعَدُ وقُعُودٌ: قريب الآباء من الجد الأكبر. أو: هو الأقرب نسباً إلى الأب الأكبر، فكأنه قاعِدٌ معه. ومن ذلك ذو القَعْدة: الشهر الذي كانت العرب تقعد فيه عن الأسفار.
وأيضا القُعْدُد: البعيد الآباء منه، ضِدٌّ، والجبان اللئيمُ القاعد عن المكارم، والخامل. ولمادة قعد معان أخرى تنظر في (المعاجم) اللغوية .
وقد لخص كلام أهل اللغة يعقوب الباحسَين في كتاب (القواعد الفقهية) بقوله: (.. وقواعد البيت أساسه، ومنه قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} ، والقواعد أيضاً جمع قاعدة، وهي: المرأة المُسِنَّة، لكونها ذات قعود. وقواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السَّمَاء، شبهت بقواعد البناء. وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضات في أسفله).
(وبوجه عام: فإن المعنى اللغوي لهذه المادة: هو الاستقرار والثبات. وأقرب المعاني إلى المراد في معاني القاعدة هو: الأساس، نظراً لابتناء الأحكام عليها، كابتناء الجدران على الأساس).
قال الراغب الأصبهاني في معنى القاعدة في اللغة : (الأساس، وهي تجمع على قواعد، وهي أسُسُ الشيء وأصوله، حسياً كان ذلك الشيء: كقواعد البيت، أو معنوياً: كقواعد الدين. أي: دعائمه. وقد ورد هذا اللفظ في القرآن. ثم ذكر الآيتين السابقتين فقال: فالقاعدة في الآيتين الكريمتين بمعنى الأساس، وهو ما يرفع عليه البيان) . وقال الزجّاج: (القواعد: أساطين البناء التي تعمده).
وقد لخص ما سبق وزاد عليه الأستاذ خالد بن عثمان السبت في كتابه: (قواعد التفسير، جمعاً ودراسة) ، قال: (معنى القواعد لغة: جمع قاعدة، وهي: الأصل والأساس الذي يبنى عليه غيره ويعتمد، وكل قاعدة هي أصل التي فوقها ، ويستوي في هذا الأمور الحسية والمعنوية، فهي في كل شيء بحسبه، فقاعدة البيت: أساسه. ومنه قوله.. فذكر الآيتين السابقتين. وقواعد الهودج: هي الخشبات الأربع المعترضة في أسفله، تركب عِيدانُه فيها. وقواعد السحاب: أصولها المعترضة في آفاق السماء. وقاعدة الباب: وهي الأصل الذي تبنى عليه مسائله).
وهذا الأخير أظنه: الأقرب في الدلالة على المطلوب دون تكلف وتمحل. وهناك تعاريف أخرى أعرضت عنها اختصاراً.
وحتى يكون التعريف جامعاً مانعاً –كما يقول المناطقةُ- ينبغي أن نراعي التعاريف التي تقرر التعريف على وجه منيف، وبيان لطيق، وطور رشيق، وطرز أنيق، بطريق الإيجاز والاختصار. كما قيل: التعريف ينبغي أن يكشف عن خبايا أستار العلم الذي يوضحه ويعرفه، ويُبين طرق الوصول إلى ذخائر كنوزه، ويرفع النقاب عن وجوه رموزه، من غير تطويل ممل ولا اختصار زائد مخل. حتى يراه الطالب مغنماً عظيماً وظفراً جسيماً.
ب- معنى القاعدة اصطلاحاً : أمَّا القاعدة من الناحية الاصطلاحية: (فهي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها) .
وعرفها أبو البقاء بقوله: (القاعدة اصطلاحاً: قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها) .
وقال التهانوي : (هي: في اصطلاح العلماء تطلق على معانٍ ترادف الأصل والقانون ، والمسألة والضبط والمقصد، وعرفت بأنها أمر كلي منطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه.. وأنه يظهر لمن تتبع موارد الاستعمالات أن القاعدة هي الكلية التي يسهل تعرف أحوال الجزئيات منها).
وعرفها سعد الدين التفتازاني بأنها: (حكم كلي ينطبق على جزئياته ليُعرف أحكامها منه، كقولنا: كل حكم دل عليه القياس فهو ثابت).
وبهذا عرفها الشيخ خالد الأزهري حيث قال: (القاعدة لغة: الأساس، واصطلاحاً: حكم كلي منطبق على جميع جزئياته لتُتَعَرف أحكامها منه) .
وبتعريف سعد الدين عرفها ابن خطيب الدهشة ، لكنه نص على أن الانطباق على جميع الجزئيات، قال في تعريف القاعدة: (حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته لتتعرف أحكامها منه) .
فهذه التعريفات تعطي صورة واضحة لاصطلاح عام للقاعدة، وقد جرى هذا الاصطلاح في جميع العلوم، فإن لكل علم قواعد، فهناك قواعد أصولية وقانونية ونحوية وغيرها. فالقاعدة عند الجميع هي: أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته. مثل قول النحاة: (الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمضاف إليه مجرور). وقول الأصوليين: (الأمر للوجوب، والنهي للتحريم)، فمثل هذه القاعدة سواء في النحو أو في أصول الفقه أو ما سواهما من العلوم قاعدة تنطبق على جميع الجزئيات، بحيث لا يندّ عنها فرع من الفروع.
وإذا كان هناك شاذ خرج عن نطاق القاعدة، فالشاذ أو النادر لا حكم له، ولا ينقض القاعدة.
لكن الفقهاء قد عبروا عنها أحياناً بقولهم: (ينطبق عليها جزئيات كثيرة). فاكتسب الانطباق معنىً آخر وانبنى عليه.
عرف تاج الدين السبكي القاعدة بقوله: (هي الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة، تفهم أحكامها منها) .
قال أبو عبد الله المَقَّري (قواعده) (1/212): (ونعني بالقاعدة: كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود، وجملة الضوابط الفقهية الخاصة) .
ويقول الحموي : (إن القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين، إذ هي عند الفقهاء: حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتُعرف أحكامها) . وذكر ذلك مصطفى بن محمد كُوزل حصارى، المرادي، الرومي النقشبندي الحنفي الملقب بخُلوص، فقيه أصولي متكلم، من آثاره: (حاشية الشرح الصغير لإبراهيم الحلبي)، وسماه: (حلية التاجي في فروع الفقه الحنفي)، و(منافع الدقائق في شرح مجامع الحقائق في أصول الفقه) للخادمي. انظر: (معجم المؤلفين) .
و(هدية العارفين) ذكر ذلك بشيء من التفصيل فقال: (وأما في الاصطلاح؛ فحكم كلي ينطبق على جميع جزئياته، ليُتعرف به أحكام الجزئيات، والتي تندرج تحتها من الحكم: كالأمر للوجوب يندرج تحته قضية الصلاة واجبة، والزكاة واجبة مثلا، ويندرج تحتها جزئيات: صلاة زيد واجبة، وزكاة زيد واجبة مثلاً. قيل: هذا عند غير الفقهاء، وأما عندهم؛ فحكم أكثر ينطبق على أكثر جزئياته، لكن المختار: كون القواعد أعم من أن تكون كلية وأكثرية كما أشار إليه المصنف) .
قال الشيخ خالد السبت: (ذكر أهل العلم للقاعدة في الاصطلاح تعاريف متعددة –وكثيرة منها متقارب- أذكر منها ما أظنه أكثر دقة وأدل على المقصود، فأقول: هي حكم كلي يُتعرف به على أحكام جزئياته).
ذكر بعض محترزات التعريف:
1- قولنا: (حكم كلي): لا يرِد عليه أن كثيراً من القواعد لها استثناءات ، وأحكام تندُّ عنها، لأن العبرة بالأغلب. والنادر والشاذ لا يخرم القاعدة. قال الشاطبي : (..والأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يُخرجه عن كونه كلياً. وأيضاً؛ فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت. هذا شأن الكليات الاستقرائية، واعتبر ذلك بالكليات العربية؛ فإنها أقرب شيء إلى ما نحن فيه، لكون كل واحدٍ من القبيلين أمراً وضعياً لا عقلياً.
وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحاً في الكليات العقلية، كما تقول: (ما ثبت للشيء ثبت لمثله عقلاً)، فهذا لا يمكن فيه التخلف البتة، إذ لو تخلف لم يصح الحكم بالقضية القائلة: (ما ثبت للشيء ثبت لمثله). فإن كان كذلك؛ فالكلية في الإستقرائيات صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات.
وأيضاً: فالجزئيات المختلفة قد يكون تخلفها لحِكَمٍ خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلاً، أو تكون داخلة عندنا، لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى). وقال في (الكليات): (ص122): (وتخلف الأصل في موضع أو موضعين لا ينافي أصالته). وعليه؛ فالتعبير بــ(كلي) صحيح، ولا حاجة لاستبداله بــ(أغلبي) مثلا، لأن الأولى يتضمن هذا المعنى وزيادة، لأن القواعد التي تندرج تحتها جميع الجزئيات تسمى (كلية)، وكذلك تلك القواعد التي لها استثناءات تسمى كلية، فالكلية هنا نسبية. وهذا الأمر يشمل قواعد الفقه والأصول والنحو وسائر القواعد الاستقرائية. وأما التفريق –الذي ذهب إليه بعضهم- بين قواعد الفقه –بحيث قال: إنها أغلبية - وبين النحو والأصول –فيقال عنها (كلية) بناءاً على أنه لا يتخلف عنها شيء من أجزائها- فهذا غير صحيح والله أعلم. وإن كنا نُسَلّم أن قواعد الفقه لها من الاستثناءات أكثر من غيرها، لكن هذا لا يعني أن غيرها لا يَرِدُ عليها شيءٌ من المستثنيات.
وبعد هذا الإيضاح أقول: إن القواعد التي نذكرها في هذا الكتاب هي قواعد كلية وإن كان كثير منها مستثنيات. هذا؛ واعلم أن القواعد لا بد من أن يتحقق فيها وصف (الكلية) بحيث تكون مشتملة على أحكام ما تحت موضوعها من جزئيات، ولا تكون قاعدة لمجرد أنها مفيدة فائدة جديدة فحسب .
2- قولنا: (يتعرف به): هذا التعبير أدق من تعبير بعضهم بــ(ينطبق)، لأن استخراج الحكم المندرج تحت القاعدة لا يكون أمراً بدهياً، بل يحتاج إلى إعمال ذهن وشيء من التفكير والتأمل.
3- لقولنا (على أحكام جزئياته) ولم نقل: (على جميع جزئياته) ، لأن كثيراً من القواعد أغلبية، وذلك لوجود مستثنيات خارج عنها كما سبق . هذا باختصار فيما يتعلق بالقاعدة لغة واصطلاحاً.
والنفوس... تشرئب إلى النتائج دون المقدمات، وترتاح إلى الغرض المقصود، دون التطويل في (العبارات) ، ولهذا لا أدعي الاستيعاب ولا مقاربته، إذ هذا أمر يشبه المستحيل، وإنما صورة الأمر ما ذكره الزركشي –رحمه الله- بقوله: (واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه، لاستفرغ عُمره، ثم لم يُحكم أمره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة، والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير؟!.
قالوا خذ العين من كل فقلت لهم * في العين فضل ولكن ناظر العين
والشأن في التعاريف كما قال السبت : (.. أما المصطلحات الواردة في ضمن بعض القواعد فيكتفى بتعريفها الاصطلاحي، من غير اشتغال بشرحه، منعاً للتطويل، وهنا أمر يجب التنبه له، وهو: أني أذكر من التعريفات ما أظنه الأقرب في الدلالة على المطلوب، دون تكلف وتمحل. وقد صرح الجويني بأن الوفاء بشرائط الحدود شديد، وأن المطلب الأقصى رَسْمٌ يؤنس الناظر بمعنى المطلوب، وأن حق المسئول عن ذلك أن يقول: أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا. وأن الفاضل من يذكر في كل مسلكٍ الممكن الأقصى).
بل جاء في (الآيات البينات): (إن المناقشة في الألفاظ بعد فهم معناها ليست من شأن المحققين، وربما قالوا: المُحصِّلين، أو الفضلاء، بدل المحققين. بل شأنهم بيان محاملها الصحيحة، ولا يشتغلون بذلك إلا على سبيل التبعية، تدريباً للمتعلمين، وإرشاداً للطالبين) .
2-تعريف التفسير:
أ-معنى التفسير لغة : عند تتبع معنى هذه اللفظة نجد أنها تدور على: (الكشف والبيان). وسواء كان ذلك في المعاني أم المحسوسات والأعيان. فيقال: فسَّر الكلام أي: أبان معناه وأظهره، كما يقال: فَسَرَ عن ذراعه: أي: كشف عنها. (فهو إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التجلي) .
قال ابن فارس : (الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه. من ذلك: الفَسْرُ، يقال: فَسَرْت الشيء وفسَّرته).
وقد اختلف في مادة اشتقاقه على أقوال:
الأول: أنه مأخوذ من (التَّفْسِرَة)، وهو نَظَرُ الطبيب في بول المريض لمعرفة علته. قالوا: فكذلك المفسر ينظر في الآية لاستخراج حكمها ومعناها. وممن اختار هذا القول: الزركشي ، وصديق حسن خان –رحمهما الله تعالى- والحقيقة أن نظر الطبيب هذا مأخوذ من الفَسْر كما في (الصحاح) مادة: فسر (2/781)، و(اللسان) مادة: فسر (2/1095) ، و(القاموس) مادة: الفسر/ (ص: 587)، وانظر شرحه: (تاج العروس) (3/470).
قال ابن فاس: (وأما اشتقاقه فمن الفسر). ثم ساق بسنده إلى الخليل قال: (الفسر: البيان، واشتقاقه من فَسْر الطبيب للماء: إذا نظر إليه، ويقال لذلك: التفسرة أيضاً) . وقال في (معجم المقاييس) : (الفَسْر والتفسرة: نظر الطبيب إلى الماء وحكمه فيه). ونقل الأزهري عن الليث: (وكل شيءٍ يُعرف به تَعَرُّف تفسير الشيء ومعناه؛ فهو: تفسرته) . وأما الجوهري؛ فقد عدَّ (التفسرة) من المُوَلَّد .
الثاني: أنه تفعيل من الفسر، الذي هو البيان والكشف ، وظاهر صنيع ابن فاس،

الصحابي ، والأزهري ، والجوهري ، وابن منظور ، والفيروز أبادي والسيوطي ، يشعر باختيارهم هذا القول. وهو الراجح. والله أعلم الثالث: أنه مأخوذ من قول العرب: (فسرت الفرس،فسّرته).أي: أجريته وأعديته إذا كان به حُصْر ليستطلق بطنه. وكأن المفسر –على هذا المعنى- يجري فرس فكره في ميادين المعاني ليستخرج شرح الآية وَيحُل عقْد إشكالها. قال الألوسي: (ولعله يرجع لمعنى الكشف كما لا يخفى، بل كل تصاريف حروفه لا تخلو عن ذلك كما هو ظاهر لمن أمعن النظر). ولا يخفى أن هذه المعاني الثلاثة متقاربة؛ أما الأول والثاني: فظاهر أنهما يرجعان إلى معنى واحد.
و أما الثالث؛ فيقال: إنه آيل إلى معنى الظهور والانكشاف أيضا. قال أبو حيان: (التفسير في اللغة: الاستبانة والكشف. قال ابن دريد : ومنه يقال للماء الذي ينظر فيه الطبيب: تفسرة. وكـأنه تسمية بالمصدر، لأن مصدر فعَّل جاء أيضاً على تفعِلة. نحو جَرَّب تجرِبة، وكرَّمه تكرمة، وإن كان القياس في الصحيح من فعَّل التفعيل، كقوله تعالى: {وأحسن تفسيراً}. وينطلق أيضاً التفسير على التعرية للانطلاق. قال ثعلب : نقول: فسرت الفرس: عريته لينطلق في حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري) . وقال الزركشي في (البرهان في علوم القرآن) : (فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه، وإطلاق للمحتبس عن الفهم به، ويقال: فسرت الشيء أفسره تفسيراً، وفسرته أفسره فسراً، والمزيد من الفعلين أكثر في الاستعمال، وبمصدر الثاني منهما سمى أبو الفتح ابن جني كتبه الشارحه (الفسر).
الرابع: أنه مأخوذ من مقلوب لفظه، تقول العرب: (سفرت المرأة)، إذا كشفت قناعها عن وجهها، وسفرت البيت إذا كنسته. ومنه قيل للسفر: سفر؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال. وعليه؛ فيكون اشتقاقه من (التسفير) على القياس: جذب وجبذ. وصعق وصقع . وهذا القول فيه ضعف لا يخفى.
قال الألوسي في (روح المعاني): (والقول بأنه مقلوب السفر مما لا يسفر له وجه). وذهب الراغب إلى أن الفسر يستعمل لإظهار المعنى المعقول، والسفر لإبراز الأعيان للأبصار .
وهذا التفريق فيه نظر، إلا إن قُصِد به غلبة الاستعمال، أما من حيث المعنى اللغوي؛ فلا فرق. فأنت تقول: أسْفر عما في نفسه. وهذا راجع إلى المعنى الأول. والله أعلم.
الخامس: أنه مأخوذ من فسرت النورة، إذا نضحت عليها الماء لتنحل أو أخرها، وينفصل بعضها من بعض، وكأن التفسير يفصل أجزاء معنى المفسر بعضها من بعض حتى يتأتى فهمه والانتفاع به. كما أن النورة لا يتهيأ الانتفاع بها إلا بتفصيل أجزائها بتفسيرها. وقد ذهب إلى هذا القول الطوفي . وهو أضعفها.
ب-معنى التفسير اصطلاحاً : وقد تنوعت أقوال العلماء في تعريف (التفسير) اصطلاحاً تنوعاً كبيراً، وقد بلغ عدد تعاريفهم أكثر من عشرين، منها القريب المحتمل، أو البعيد المردود.
وأقربها وأحسنها وأجودها هو قولهم: (علمٌ يُبحث فيه عن أحوال القرآن العزيز من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية). اشتمل هذا التعريف على جنس، وثلاثة فصول أو قيود.
وقولنا (علمٌ) جنس يشمل كل العلوم كيف ما كانت. وقولنا: (يبحث فيه عن أحوال القرآن). هذا فصل أو قيد أول خرج به العلوم الأخرى التي تبحث عن أحوال غيره. وقولنا: (من حيث دلالته على مراد الله). قيد ثانٍ يخرج به العلوم المتعلقة بالقرآن من حيثيات أخرى غير موضوع الدلالة، كعلم الرسم، فهو يبحث في القرآن من جهة كتابه. وكعلم القرءات، إذ هو يبحث فيه من جهة ضبط ألفاظه وكيفية أدائها.كما يخرج أيضاً بعض المباحث المتعلقة بالقرآن من جهة حكم قراءته بالنسبة للمحدث حدثاً أصغر أو أكبر ، وكحكم القيام للمصحف وتقبيله.. ونحو ذلك. وقولنا: (بقدر الطاقة البشرية) قيد ثالث. وهو قيد ضروري ذُكر لبيان أن عدم الإحاصة بمعاني كلام الله عز وجل لا يقدح في العلم بالتفسير.
3- معنى قواعد التفسير باعتباره لقباً على فنّ معين من العلم: (هي الأَحْكَامُ الكُلية التي يُتوصل بها إلى استنباط معاني القرآن العظيم ومعرفة كيفية الاستفادة منها.
1- وقولنا: (الأحكام الكلية) سبق الكلام على هذه الفقرة عند تعريف القاعدة اصطلاحاً. فراجعه إن شئت.
2- وقولنا: (التي يتوصل به إلى استنباط معنى القرآن العظيم). أي: بالقوة، بمعنى أنها قابلة لذلك، ومُعَدَّة له، وإن لم يستعملها أحد لهذا الغرض. وهذا القيد يُخرج القواعد التي لا يُتوصل بها إلى الاستنباط من القرآن، كبعض قواعد الأصول واللغة التي لا تمت لموضوعنا، كقواعد المنطق والهندسة مثلا.
3- قولنا: (ومعرفة كيفية الاستفادة منها): يُدخل القواعد الترجيحية. وهذا القيد يذكر أيضاً في تعريف أصول الفقه ليدخل به باب: التعارض والترجيح.

 المبحث الثاني: في الفرق بين القاعدة والضابط

 أولا: الفرق بين القاعدة والضابط
وبعد فإن القاعدة تختلف عن الضابط، لأن مجال الضابط أضيق من مجال القاعدة. وقد نبه على هذا بعض الأصوليين والفقهاء.
جاء في حاشية البنَّاني ما نصه: (والقاعدة لا تختص بباب بخلاف الضابط) ، قال: (أي: في قواعده تشبه الأدلة، فناسب كونها خاتمة لبحث الأدلة، والقاعدة لا تختص بباب بخلاف الضابط). ووضح هذا الفرق تاج الدين السبكي بعد أن ذكر تعريف القاعدة في قوله: (ومنها ما لا يختص؛ كقولنا: اليقين لا يزال بالشك، ومنها ما يختص؛ كقولنا: كل كفارة سببها معصية فهي على الفور. والغالب فيما اختص بباب، قصد بها نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطاً). وقد مال إلى هذا التفريق ابن نجيم –كما في (الأشباه والنظائر) قال في الفن الثاني: (الفرق بين الضابط والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد، هذا هو الأصل) .
أما السيوطي؛ فقد أبان هذا الفرق في الفن الثاني من كتابه: (الأشباه والنظائر في النحو) يقول: (مما اشتمل عليه الكتاب.. في الضوابط والاستثناءات والتقسيمات، وهو مرتب على الأبواب لاختصاص كل ضابطٍ ببابه، وهذا هو أحد الفروق بين الضابط والقاعدة، لأن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروع باب واحد). وهذا ما جنح إليه أبو البقاء في (الكليات) (ص48)، قال في فصل: القاف، القسم الرابع، بعد أن عرف القاعدة: (والضابط يجمع فروعاً من باب واحد). ومنهم من لا يلاحظ هذا التدقيق والتفريق، مثل النابلسي (ت 1143هـ) في (كشف الخطائر عن الأشباه والنظائر –مخطوط 10)، إذ يقول: (قاعدة: هي في الاصطلاح بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته). وقد قام بعض العلماء بجمع الضوابط في كتاب مستقل؛ مثل ابن نجيم في كتابه: (الفرائد الزينية في فقه الحنفية)، توجد نسخة مخطوطة في (مكتبة الحرم المدني) بمكة المكرمة. وصل فيه إلى ذكر خمسمائة ضابط تتخللها أحياناً قواعد فقهية، وكلها بعنوان: (ضابط). ومن فقهاء المالكية: محمد بن عبد الله الشهير بالمكناسي (917هـ) ألف رسالة بعنوان: (الكليات في الفقه). كلها ضوابط فقهية. والرسالة مخطوطة، توجد منها نسخة بمكتبة الخزانة العامة بالرباط. برقم: (1219)، شريط مصور منه بمركز البحث العلمي، فقه مالكي رقن: (127). وكذلك أبو عبد الله محمد المقّري المالكي (758هــ) صاحب (القواعد) في الفقه، تناول في بعض كتبه هذه الضوابط بعنوان: (الكليات).
ولعل أحفل كتاب في هذا الباب مما وصل إلينا: ما ألفه الشيخ بدر الدين محمد ابن أبي بكر بعنوان: (الاستغناء في الفروق والاستثناء). وذكر فيه تقريباً ستمائة قاعدة، وجُلها ضوابط ذات شأن وقيمة في الفقه الإسلامي.
أمثلة من الضوابط الفقهية:
وفيما يلي أقدم نبذة يسيرة من أمثلة الضوابط الفقهية، لكي يتجلى الفرق بين المصطلحين تماماً.
ومن نماذجها في مجال السنة المطهرة: ما رواه عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- عن رسول الله r أنه قال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) . فهذا الحديث يمثل ضابطاً فقهياً في موضوعه، يغطي باباً مخصوصاً.
وفي معناه: ما رُوي عن إبراهيم النخعي (96هــ) قوله: (كل شيءٍ منع الجلد من الفساد فهو دباغ) . وفي رواية أخرى أنه قال: (مَا أصلحت به الجلد من شيء يمنعه من الفساد فهو له دباغ).
ومن باب الضوابط: ما رُوي عن مجاهد أنه قال: (كل شيء خرج من الأرض قلَّ أو كثر مما سقت السماء، أو سقي بالعيون؛ ففيه العشر) .
ومن هذا القبيل: ما شاع عن المتأخرين قولهم: (إن كل ماء لم يتغير أحد أوصافه طهور) . أو: (كل ماء مطلق لم يتغير فهو طهور) .
وقال العلامة القدوري : (كل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره؛ جاز السَّلَم فيه، وما لا يمكن ضبط صفته ولا يعرف مقداره؛ لا يجوز السلم فيه) . وهذا أيضاً ضابط مهم في موضوعه.
فإطلاق (القاعدة) على الضابط أمر شائع مصدّر في المصادر الفقهية وكتب القواعد كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفاً، مثال ذلك ما جاء في قواعد الإمام ابن رجب الحنبلي تحت عنوان: (القاعدة): (شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا في حكم المتصل) . وهكذا تناول بعض الضوابط الأخرى تحت عنوان: (القواعد) في سائر كتابه. وكذلك العلامة الكبري في كتابه (الاستغناء في الفروق والاستثناء). أما تاج الدين السبكي فيذكر الضوابط تحت عنوان: (القواعد الخاصة) ، فمعظمها ضوابط فقهية، ويعبر عما هو أعم من الضابط بعنوان: (القاعدة العامة).

 فروق للتمييز بين القاعدة والضابط:
ففي ضوء هذه النصوص المذكورة يمكن أن نستخلص النتائج التالية:
1- يبدو من خلال التعريفات المذكورة أنه لا يوجد هناك اتفاق بين القواعد والضوابط، فإن القواعد هي أعم وأشمل من الضوابط من حيث جمع الفروع وشمول المعاني.
2- تطور مفهوم الضابط تطوراً ملحوظاً، ومن ثم لم يلاحظ البعض الفرق والدقة بين القاعدة والضابط، ولم يتبين هنا في مجموعة التعريفات حد فاصل أو قاطع بين القاعدة والضابط، لكن أحسن الأقوال ما ذهب إليه أكثرهم؛ مثل السبكي والسيوطي وابن نجيم وغيرهم.
3- إن القواعد أكثر شذوذاً من الضوابط، لأن الضوابط تضبط موضوعاً واحداً فلا يُتسامح فيها بشذوذٍ كثير.
4- لا تستقر المصطلحات العلمية على نمط معين إلا بكثرة استعمالها في المواضع المختلفة وترددها على الألسنة، وهي دائماً تنتقل من طور إلى طور، وتتغير مع تعاقب العصور، فقد يكون الاصطلاح عاماً في فترة من الفترات فيتطور إلى أخص مما كان أولا – ويلاحظ هذا التطور في كثير من الكلمات اللغوية والاصطلاحية...الخ- وهذا ما جرى بالنسبة للقواعد والضوابط، فإنه لم يتميز الفرق بينهما تماماً إلا في العصور المتأخرة حتى أصبحت كلمة (الضابط) اصطلاحاً متداولاً شائعاً لدى الفقهاء والباحثين في الفقه الإسلامي، فهم يفرقون الآن بين الكلمتين في المجالات الفقهية .
أما الأستاذ خالد السبت (1/31) فقد لخص ذلك في فروق ثلاثة وهي:
1- القاعدة تجمع فروعاً في أبواب شتى. والضابط يجمعها من باب واحد –(شرح المجلة) سليم رستم 17 و(الأشباه والنظائر) لابن نجيم ص129- وعليه فالقاعدة أوسع من الضابط.
2- الخلاف الواقع في الضابط من حيث قبوله أو رده أكثر من الخلاف الواقع في القاعدة. لأن القواعد يقع الخلاف غالباً في بعض تفاصيلها لا في أصلها. أما الضوابط فيقع الخلاف كثيراً في أصولها. وذلك لكونها محدودة، فهي كالأجزاء بالنسبة للقاعدة.
3- أن المسائل التي تشذ عن القواعد وتُستثنى منها أكثر بكثير من المسائل التي تشذ عن الضوابط؛ لما مضى من سعة القواعد وضيق مجال الضوابط.
وذهب آخرون إلى عدم التفريق بين القاعدة والضابط. فَعَرَّفُوها بـه . وقال البركتي معلقاً على قول ابن نجيم في التفريق بينهما: (أما أنا؛ فقد أطلقت في كتابي هذا على كل من القاعدة والضابط (القاعدة) ولا مشاحة في الاصطلاح) . وقال الرهاوي : (واعلم أن القاعدة والقضية والأصل والضابط والقانون بمعنى واحد، وهو أمر كلي منطبق على جزئياته، ليعرف أحكامها منه).
هذا ومن حيث الواقع؛ فإن الناظر في الكتب المصنفة في القواعد يجد أصحابها يذكرون كثيراً من الضوابط –حسب اصطلاح من فرق بينهما- على أنها من عداد القواعد. والحاصل أن المسألة اصطلاح، فمن رأى التفريق فلا مشاحة في الاصطلاح. لكن عليه أن يلتزم الأصل الذي اصطلح عليه ولا يخرج عنه. ومن رأى عدم التفريق فله ذلك. وعلى هذا القول سنعول في ما نذكره من قواعد. إن شاء الله تعالى
ثانياً: الفرق بين التفسير وقواعد التفسير
قواعد التفسير: هي تلك الضوابط والكليات التي تُلتزم كي يتوصل بواسطتها إلى المعنى المراد.
أما التفسير: فهو إيضاح المعاني وشرحها المبني على تلك الأصول والضوابط المسماة بالقواعد.
فأصول التفسير وقواعده مع التفسير كالنحو بالنسبة للنطق العربي والكتابة العربية. فكما أن النحو ميزان يضبط القلم واللسان، ويمنع صاحبه من الخطأ في النطق والكتابة، فكذلك قواعد التفسير هي ثوابت وموازين تضبط الفهم لكلام الله عز وجل، وتمنع المفسر من الخطأ في تفسيره. وقل مثل ذلك في الفقه وقواعده.
ثالثاً: الفرق بين قواعد التفسير وبين علوم القرآن
تعتبر قواعد التفسير جزءاً من أشرف وأهم العلوم القرآنية، والنسبة بينهما هي نسبة الجزء إلى الكل. هذا وقد تطلق (قواعد التفسير) على جملة علوم القرآن. وهذا إما أن يكون من باب إطلاق الجزء على الكل، وإما لكون علوم القرآن والكتب المصنفة في ذلك تشتمل على قواعد كثيرة من قواعد التفسير منثورة في أبوابه المختلفة.
والخلاصة: إن (علوم القرآن) هي: عبارة عن جميع العلوم المتعلقة بالقرآن من وجوه شتى: أما (قواعد التفسير) فالمراد بها تلك الكليات والضوابط المخصوصة. والتي سبق تعريفها.

رابعا: الفرق بين قواعد التفسير وبين قواعد الأصول واللغة
يمكن أن يتبين الفرق بين هذه الأمور من خلال التعرف على الموضوعات التي يبحث عنها كل واحد من هذه الفنون:
فقواعد التفسير: تبحث في كلام الله تعالى من حيث دلالته على مراد الله عز وجل.
أما قواعد اللغة: فتبحث في لغة العرب من حيث أفرادها وتراكيبها وحقيقتها ومجازها –عند من يقررون المجاز- وما شاكل ذلك.
وأما قواعد الأصول: فتبحث في دلائل الفقه الإجمالية، إضافة إلى كيفية الاستفادة منها (أي إعمال الأدلة حال التعارض والترجيح)، وحال المستفيد (الذي هو المجتهد).
وبهذا يظهر التباين الواقع بين موضوعات الفنون الثلاثة، مع وجود قدر من التداخل بينها لا ينكر، بحيث إنك تجد ضمن قواعد الأصول وقواعد التفسير قدراً من المواد المستمدة من اللغة وأصولها. كما تجد قدراً من قواعد الأصول تدخل في قواعد التفسير والعكس. ومعلوم أن علم الأصول وعلم قواعد التفسير وكذا (علوم القرآن) حسب اصطلاح المتأخر هي علوم مركبة من فنون عدة؛ فعلم الأصول مستمد من الكتاب والسنة والعقيدة (وهي راجعة إلى الكتاب والسنة)، واللغة، إضافة إلى فهم السلف الصالح وتصور الأحكام. وهي (أصول الفقه) تشرح مصادر التشريع والاستدلال سواء المتفق عليه منها أو المختلف فيه. فالكلام فيها عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب وشرع من قبلنا، وقول الصاحب، والمصالح المرسلة... وهكذا، مع الكلام على أحوال الناظرين في تلك الأدلة والمؤهلات التي يحتاجون إليها (أبواب الاجتهاد والتقليد).وعند النظر في مثل هذه الموضوعات نجد أن الذي له تعلق بقواعد التفسير: بعضها لا كلها، وأهم ما يدخل منها في قواعد التفسير: الكلام على المصدر الأول الذي هو الكتاب، مع وجود قدر من التداخل غير قليل بين القواعد في التفسير وبين ما يذكر في الأصول من عوارض الألفاظ، كالخصوص والعموم، والإجمال والبيان... الخ. إضافة إلى وجود شيء من التداخل - أيضاً - بين قواعد التفسير وأبواب التعارض والترجيح في أصول الفقه .لكن أهل الأصول يذكرون أشياء كثيرة في هذه الأبواب لا مدخل لها في القواعد، بله يُحتاج إليها في أصول الفقه أصلا . ثم إن ما يصلح أن يكون قواعد لتفسير كتاب الله منثور بين تفاصيل طويلة في تلك الأبواب .





 المبحث الثالث: مفهوم الكليات وأثرها في التقعيد


يقرب مفهوم (الكلية) من مفهوم (الأصل) ؛ إذ يصلح كلّ منهما أن يكون عبارة عن قاعدة أو ضابط، فيمكن أن تكون الكليات في الفقه قواعد إذا اشتملت على فروع من أبواب، وإذا دارت المسائل المنطوية تحتها على باب واحد فهي ضوابط. ومن المألوف المعهود أن الكلام الذي استهل بكلمة (كل) في الفقه انسحب عليه مفهوم (الكلية) غالباً، سواء كان من قبيل القواعد أم الضوابط. ونشأ استعمال الكليات في سائر العلوم بالنظر إلى وضعها اللغوي في دلالتها على الشمول باعتبار كلمة (كل) صيغة من صيغ العموم، فلا يرجع ذلك في الأصل إلى اصطلاح المناطقة، وإن كان للذوق المنطقي لدى الفقهاء أثر في شيوع هذا التعبير، ويبدو أن العبارات التي تشكل كليات بسبب ابتدائها بــ(كل) صيغت أصالة على هذه الشاكلة بقصد الضبط والربط بين المسائل المتقاربة المتجهة إلى منزع فقهي مشترك واحد، ثم جرت مجرى العلل والقواعد أو الضوابط. وهناك أمثلة كثيرة من هذه الكلمات في جوامع كلام النبي r، ومنها الأحاديث الثلاثة الآتية:
1- (كُلُّْ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) .
2- (وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) .
3- (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام) .
ثم تعاقب العلماء يستخدمونها عبر القرون، وربما جرت على ألسنتهم وأقلامهم عَفْواً، ولا يخفى ذلك على من له أدنى إلمام بروايات ومقالات منقولة عن الأئمة المجتهدين، ولعل من المناسب أن أبرهن على ذلك بتقديم نماذج من الكليات التي صاغها الفقهاء:

1- الكليات التي تكون بمثابة قواعد:
فمن الكليات التي يتحقق فيها مفهوم القاعدة وتتغلغل في أبواب من الفقه: ما ورد في النصوص الآتية من كتاب (الأم) للإمام الشافعي –رحمه الله:
1- (كل ما كان على الإنسان أن يرده بعينه، ففات، رده بقيمته) .
2- (كل أمر لا يتم إلا بأمرين لم يجز أن يملك بواحد) .
3- (كل من كان مالكاً، فماله ممنوع به محرم إلا بطيب نفسه بإباحته، فيكون مباحاً بإباحة مالكه له) .
4- (كل ما أحل من محرم في معنى لا يحل إلا في ذلك المعنى خاصة، فإذا زايل ذلك المعنى، عاد إلى أصل التحريم) .
5- (كل ماله مثل يرد مثله، فإن فات يرد قيمته) .
6-(كل من جعل له شيء فهو إليه، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه) .
7- (كل حق وجب عليه فلا يبرئه منه إلا أداؤه) .
8- (كل ما قسمناه حلالاً حكمنا له حكم الحلال في كل حالاته، وكل ما قسمناه حراماً حكمنا له حكم الحرام...) .







2- الكليات التي تكون بمثابة ضوابط:

أما الكليات التي تكون بمثابة ضوابط؛ فهي كثيرة جداً، وهنا أكتفي بسرد أمثلة منها:
1- (كل حال قدر المصلي فيها على تأدية فرض الصلاة كما فرض الله تعالى عليه: صلاها، وصلى ما لا يقدر عليه كما يطيق) .
2-(كل ثواب جُهل من ينسجه، أَنَسَجَه مسلم، أو مشرك، أو وثني، أو مجوسي، أو كتابي، أو لبسه واحد من هؤلاء، أو صبي، فهو على الطهارة حتى يعلم أن فيه نجاسة) .
فإن هذين المثالين لا يسري عليهما حكم القاعدة، ولكن يمكن أن تعدَّ كلا المثالين ضابطاً في ميدان القواعد، من حيث إن المثال الأول بمثابة فرع لما تقرره القاعدة المتداولة بين الفقهاء: (الميسور لا يسقط بالمعسور)، والمثال الثاني يتضمن فروعاً تتعلق بالقاعدة الأساسية: (اليقين لا يزول بالشك).
3- (كل صنف فيه الصدقة بعينه: لا يجزيه أن يؤدي عنه إلا ما وجب عليه بعينه لا البدل عنه إذا كان موجوداً ما يؤدي عنه) .
4- (كل ما عرفت فيه الحياة، ثم ذبحت بعده، أكلت) .
وكان من أثر كتاب (الأم): أن تضافرت الكليات في كتب المتأخرين من فقهاء الشافعية، ويشهد لذلك (المنثور في القواعد) للإمام الزركشي (794هــ)، بحيث ذكر في حرف (الكاف) من هذا الكتاب مجموعة من الكليات مع الإشارات إلى الاستثناءات .
وهكذا إذا دققت النظر في (المدونة) التي دونت فيها (آراء الأمام مالك بن أنس) وأصحابه –رحمهم الله- وجدت نصوصاً تُشعر بأن ضبط المسائل بالكليات كان محل اعتبار واعتناء عندهم جميعاً، وهُنا أُورد نبذة يسيرة منها:
1- (كل شيء يجوز للبائع أن يشتريه لنفسه فهو جائز أن يشتريه لغيره إذا وكله) .
2- (كل مستهلك ادعى المأمور فيه ما يمكن وادعى الآمر غيره فالقول قول المأمور..) .
3- (كل ذي صنعة مثل الخياطة والصناعة، والصباغ وما أشبههم من الصناع فهو أحق بما في أيديهم من الغرماء في الموت والتفليس جميعاً..) .
4- (كل شيء لا يعرف لمن هو، يدعيه رجلان: فإنه يقسم بينهما) .
ثم إن كثرة الروايات بهذه الصياغات هي التي حدت بالإمام أبي عبد الله محمد بن الحارث الخشني (حوالي 361هــ) أن يدبج كتابه: (أصول الفتيا في المذهب المالكي) الذي حوى طائفة كبيرة من الكليات الناطقة بروايات إمام المذهب وحامليه، وكذلك (الكافي) للإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر (463هـ) اشتمل على نصوص تعبر عن هذا الاتجاه. ثم جاء العلامة أبو عبد الله المقَّري المالكي (758هــ) صاحب (القواعد) فتناول مجموعة من الضوابط الفقهية تحت عنوان: (الكليات) في بعض كتبه. وفي أوائل عام (893هــ) ألف العلامة ابن غازي (901هــ) كتابه (الكليات)، وهذه عبارة عن جمْع مسائل وضوابط مذهبية وليس فيها شيء من القواعد الفقهية ، ومن فقهاء المالكية أيضاً: محمد بن عبد الله الشهير بالمكناسي (917هــ) صنف رسالة بعنوان (الكليات في الفقه) ، كلها ضوابط فقهية.




أمثلة من الكليات في الفقه الإسلامي:

ولما يسر الله لي الاطلاع على مصادر من الفقه الاسلامي، وقفت فيها على عدد جم من الكليات، وأقطف منها هنا أمثلة متنوعة، أكثرها قواعد، وبعضها ضوابط، وقد تحريت في انتقائها أن تكون مفيدة وجامعة للأفراد والمعاني:
1- (كل أحد عامل لنفسه بتصرفه حتى يقوم الدليل على أنه يعمل لغيره بإقراره) .
2-(كل أرش يؤخذ مع بقاء العقد فإنه مسحوب من الثمن، وكل ما يؤخذ مع ارتفاع العقد فهو مسحوب من القيمة) .
3- (كل امرأتين بينهما من النسب أو الرضاع ما يمنع تناكحهما لو قدر إحداهما رجلاً والأخرى أنثى: لا يجوز الجمع بينهما بعقد ولا ملك) .
4-(كل أمرين لا يجتمعان، يقدم الشرع أقواهما على أضعفهما) .
5-(كل جهالة تفضي إلى المنازعة فهي مفسدة للعقد)( ).
6-(كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل) .
7- (كل حكم مبني على عادة، إذا تغيرت: تغير، كالنقود) .
8- (كل خبر يتعلق به اللزوم فقول الفاسق لا يكون حجة فيه) .
9- (كل دعوى يكذبها العرف وتنفيها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة) .
10- (كل سبب يفضي إلى الفساد؛ نُهي عنه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة) .
11- (كل شرط يوجب جهالة في الربح يفسده، لاختلاف مقصوده) .
12- (كل شيء تعومل استصناعه يصح فيه الاستصناع على الإطلاق) .
13- (كل شيء يدخل في المبيع تبعاً، لاحصة له من الثمن) .
14- (كل طاعة لا تصل إليها إلا بمعصية، لا يجوز الإقدام عليها) .
15- (كل عاقل يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها) .
16- (كل عقد اقتضى الضمان: لم يغيره الشرط) .
17- (كل عقد كانت المدة ركناً فيه، لا يكون إلا مؤقتاً، كالإجازة والمساقاة والهدنة) .
18- (كل غرر عسر اجتنابه في العقود، فإن الشرع يسمح في تحمله) .
19- (كل لفظٍ محمول على ما هو المتعارف بين الناس في مخاطباتهم) .
20- (كل ما أزال العين؛ رفع حكمه) .
21- (كل ما أضر بالعامة حبسه، فهو احتكار وإن كان ذهباً أو فضة أو ثوباً) .
22- (كل ما أضر بالمسلمين: وجب أن ينفى عنهم) .
23- (كل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب) .
24- (كل ما جرى عرف البلدة على أنه من مشتملات المبيع يدخل في البيع من غير ذكر) .
25- (كل ما دعت الحاجة إليه في الشريعة مما فيه منفعة ولم يعارضه محظور: فإنه جائز وواجب بحسب حاله). وهذا أصل بديع .
26- (كل ما صلح من المال أن يكون مهراً صلح أن يكون بدلاً للخلع) .
27- (كل ما كان سبباً للفتنة فإنه لا يجوز) .
28- (كل ما لا يتوصل إلى المطلوب إلا به فهو مطلوب) .
29- (كل ما لا يختلف باختلاف المستعملين فالتقييد فيه لغو) .
30- (كل ما لا يخطر بالبال إلا بالإخطار فإنه لا يجعل مراداً للمتكلم) .
31- (كل ما لا يصح بيعه مفرداً لا يصح استثناؤه) .
32- (كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابستة معفو عنه) .
33- (كل مال تلف في يد أمين من غير تعد: لا ضمان فيه) .
34- (كل مال ضائع فقد مالكه يصرف السلطان إلى المصالح).
35- (كل مال يزكو بالعمل لا يجوز استئجاره للمنفعة المقصودة منه كالدنانير والدراهم) .
36- (كل ما ورد به الشرع مطلقاً، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة: يرجع فيه إلى العرف) .
37- (كل ما يتذرع به إلى الشبهات: حسنت حمايته) .
38- (كل ما يكر على الأصل بالإبطال فهو باطل) .
39- (كل معروف جاز في الجميع جاز في البعض، كالإبراء والإنظار) .
40- (كل معصية ليس فيها حد مقدر: ففيه التعزير) .
41- (كل من ثبت له حق فلا يسقط إلا بنصه على إسقاطه، أو فعل يقوم مقام النص) .
42- (كل من دفع ما ليس بواجب عليه على ظن وجوبه فله استرداده قائماً أو استرداده مثله أو قيمته هالكاً) .
43- (كل من فعل ما أمر به بحسب قدرته من غير تفريط ولا عدوان، فلا إعادة عليه) .
44- (كل موضع تعذر فيه على المالك إقامة البينة اكتفى فيه بالصفة) .

 المبحث الرابع: في ذكر بعض المقدمات

ويشمل:

أولاً: أهمية معرفة القواعد عموماً وقواعد التفسير خصوصاً:

لما تشعبت العلوم، وتناثرت تفاصيلها وجزئياتها، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان الإحاطة بجزئيات فن واحد من فنون العلم فضلاً عن الإحاطة بجزئيات الفنون المختلفة، عمد العلماء إلى استقراء وإبراز الأصول الجامعة والقضايا الكلية التي ترجع إليها تلك الجزئيات، تيسيراً للعلم، وإعانة على حفظ ما تناثر من جزئياته، مع اختصار لكثير من الجهد والوقت، وإضافة إلى تربية ملكة الفهم، وضبطه بضوابط تحجزه عن الخطأ.
هذا؛ ولا يمكن للراغب في دراسة فن من الفنون أن يُحصل فيه تحصيلاً معتبراً إلا بمعرفة قواعده، والأصول التي تبنى عليها مسائله. وبما مضى تكون قد عرفت أهمية علم القواعد عموماً وعلو شأنها، وقبل أن أحدثك عن أهمية معرفة قواعد التفسير على وجه الخصوص، أنقل لك بعض كلام أهل العلم في معرض بيانهم لأهمية ما نحن فيه:
1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا؛ فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم) .
2- قال الزركشي في (المنثور في القواعد) (1/65/66): (أما بعد: فإن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة، هو أوعى لحفظها، وأدعى لضبطها، وهي إحدى حِكَمِ العدد التي وُضع لأجلها، والحكيم إذا أراد التعليم لا بد أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوق إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه).
3- وقال السعدي في معرض كلامه على كتب شيخ الإسلام: (ومن أعظم ما فاقت به غيرها وأهمِّه وتفردت على سواها: أن مؤلفها –رحمه الله- يعتني غاية الاعتناء بالتنبيه على القواعد الكلية، والأصول الجامعة، والضوابط المحلية في كل فن من الفنون التي تكلم بها. ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى، وينمي نماء مطرداً، وبها تُعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيراً). (طريق الوصول للسعدى ص4). وقال في موضع آخر: (من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أن أحكامها الأصولية والفروعية، والعبادات والمعاملات، وأمورها كلها لها أصول وقواعد تضبط أحكامها وتجمع متفرقاتها، وتنشر فروعها، وتردها إلى أصولها. فهي مبنية على الحكمة والصلاح، والهدى والرحمة، والخير والعدل، ونفي أضداد ذلك). انظر: (الرياض الناضرة) للسعدي ضمن (المجموعة الكاملة 1/522). وبعد هذا يمكن أن يقال: إن قواعد التفسير تتبين أهميتها مما مضى من الكلام على أهمية القواعد عموماً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن أهميتها تعرف من أهمية موضوعها وهو القرآن الكريم، إذْ هو أصل العلوم وفيه خير العاجل والآجل. فإذا فهمه العبد فهماً صحيحاً حاز علماً عظيماً لا يدانيه علم البتة. ولذا كان الرجل إذ حفظ سورة البقرة وآل عمران يعظم في أعين الصحابة. ومن سمات هذا القرآن الكريم: أنه يعبر فيه بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، كما أن عجائبه لا تنقضي، ولا يحيط بجميع معانيه إلا الله عز وجل. قال الزركشي رحمه الله: (ومعلوم أن تفسيرهُ يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة، وكشف معانيها، وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض لبلاغته ولطف معانيه، ولهذا لا يستغني عن قانون عام يُعَوَّلُ في تفسيره عليه، ويرجع في تفسيره إليه، من معرفة مفردات ألفاظه ومركباتها، وسياقه، وظاهره وباطنه، وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم ويدق عنه الفهم.
بين أقدامهم حديث قصير * هو سحر وما سواه كلام
وفي هذا تتفاوت الأذهان، وتتسابق في النظر إليه مسابقة، فمن سابق بفهمه وراشق كبد الرَّمِيَّة بسهمه، وآخر رمى فاشْوَى ، وخبط في النظر خبط عشوا، كما قيل: (وأين الدقيق من الركيك، وأين الزلال من الزُّعاق .
الحاصل: إن من عرف قواعد التفسير انفتح له من المعاني القرآنية مما يحمل عن الوصف، وصار بيده آلة يتمكن بواسطتها من الاستنباط والفهم، مع ملكة ظاهرة تصيره ذَا ذَوْقٍ واختيار في الأقوال المختلفة في التفسير، فيقوى على الفهم والاستنباط والترجيح.

ثانياً: موضوع قواعد التفسير:
موضوع هذا العلم هو القرآن الكريم، وإذا أردنا تحري الدقة فإننا نقول: موضوعه تفسير القرآن .


ثالثاً: غايته:
فهم معاني القرآن كي تُمتثل فيحصل الفوز في الدارين .

رابعاً: بيان شرفه:
يمكن أن نلخص هذه القضية في ثلاثة أوجه:
1- من جهة الموضوع، إذ موضوعه كلام الله تعالى الذي هو أجل الكتب وأعظمها وأشرفها.
2- من جهة مقصوده وغايته، وهي الاعتصام بحبله للوصول إلى السعادتين.
3- من جهة عظم الحاجة إليه، إذ إن كل فلاح ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى إذ هو أصلها .

خامساً: فائدته:
وهي: تحصيل المقدرة على استنباط معاني القرآن وفَهْمِهِ على الوجه الصحيح، وضبط التفسير بقواعده الصحيحة .
سادسا: ميزة القواعد:
تتميز القواعد في الصياغة مع المعنى وسعة الاستيعاب، إضافة إلى جزالة اللفظ وقوته.
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني http://www.almeshkat.com/vb/images/intro.gif

مســك
12-16-06, 05:39 PM
جزاكم الله خيراً ونفع بكم ..
وحبذا ارفاق ملف الكتاب كاملاً لنشره في مكتبة مشكاة ..
مكتبة مشكاة الإسلامية (http://www.almeshkat.net/books/index.php)

منير بن ابي محمد
12-23-06, 11:16 PM
إن شاء الله يا رعاكي الله وحاولي أنت .