المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف أميز أن هذا بيدي وخطـأي وبين ما كتبه الله عليَّ وقدره



محب الجنان
10-28-06, 08:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتـه

سـؤال/ وددت العلم في مسألة القضاء والقـدر، ودوماً يشكل علي كيف أميز أن هذا بيدي وخطـأي و بين ما كتبه الله عليَّ وقَدَّرَه. فإني دومـاً ألوم نفسي على كل شـي . وأي شي فاتني أو أتى لي من سـوء. وجزاكم الله خير الجـزاء .

الجواب: وجـزاك الله خيرا . يجب أن يُعلَم أنَّ كل ما يَعمَلـه الإنسان مُقدَّر ومكتوب عليه ، وهو مما جَرى به القَلَم قبل خَلْـق السماوات والأرض. ومراتب القَدَر عند أهل السنة والجماعة أربع مراتـب، وهي: العِلْم والكِتَابة والمشيئة والْخَلْـق. وتفصيل هذه المراتب في كِتاب " شفاء العلـيل في مسائل القضاء والقَدَر والْحِكْمَة والتَّعليل " لابن القيـم رحمه الله .

وهـي باختصار: العِلْم بـما كان وما يَكون وما لم يَكن لو كان كيف يَكون، وهو مُقتض للإحاطة بِكلّ مَوجود قبْـل وُجُوده. والكِتابة، وهي كِتابة مقادِير الخلائق قبل خَلْق السماوات والأرض، وهـي مَبْنِيَّة على عِلْم الله السابق. والمشـيئة، وهي أنّه لا يَكون شيء في الوُجود إلا بـمشيئة الله ، فما شاء كان وما لم يـشأ لم يَكُن. والْخَلْق، وهو خَلْق الْخَلْق وأفعالَهـم .

فـإذا عَلِمنا هذه الْمُقَدِّمة الْمُخْتَصَرة عَلِـمْنا أنّ الله تبارك وتعالى عَلِم ما يَعمله كلّ مخلوق ، وقَدِّر عليه ما سـيَعمَل مِن خيّر وشَـرّ. ولذلك قال تعالى : (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) . وقال سبحانه وتعـالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً). وما يَعمله الإنـسان مُقدَّر عليه ، سواء كان مِن خير أو مِن شَرّ. إلا أن عقيـدة أهل السنة والجماعة أن الله لم يَخْلُق شَـرًّا خالصًا ، بل لا يَخلو الشرّ مِن الخيـر.وكان مِن دُعائه عليه الصلاة والسلام : والشَّـرّ لَيس إلَيك . رواه مسلـم .

وأمَّـا ما يَكون بسبب ذُنوب الإنسان، فكـثير مِن الشّر الخاص بِكلّ إنسان، أوْ العَامّ لِعُمُوم النَّاس ، إنـما يَكون بِسَبب ذُنُوبـهم ، وليس بِسببها كُلّها ، بل بسبب بعضها ؛ لأنّ الله لا يُؤاخِذ بِجميع الذنوب ، وإلاَّ لَهَلَـك الناس. قال تعالى : (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ) وقال عـزّ وَجَلّ : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِـنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وقال سبـحانه وتعالى : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وقـال تبارك وتعالى مُخبِرا عن عفـوه عن كثير من الذُّنُوب : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصـِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيـرٍ) .

فـما يُصيب الإنسان من شرّ وسوء إنـما هو بسبب ذُنُوبه ، وما يُصيبه مِن خير فهو مَحضُ تفضّل مِن الله عزّ وَجَلّ. قال جـلّ جلاله : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) . ولا تَعـارُض ولا تناقض بين هذا مبين ما تقدّم مِـن تقدير الله للمقادِير ، وتقدير للخير والشَرّ. فإنّ الله عَلِـم ما يَعْمَله كلّ إنْسان مِن خَير وشَرّ ، ثـم قَدّر عليه ما عَلِم أنه سَيَعْمَله. ومعنى الآية: ما أصابك مِن حـسنة فَهي مِن الله تَفَضُّلا ونِعْمة، وما أصـَابك مِن شَرّ وبلاء فَبِسَبَبِ ذُنوبِك . وإن كـان الله هو الذي قَدَّر ذلك كُلّـه .

وأنـا أضرب مثالا لذلك لتقريب الصورة ، والمثـال بِمُدرِّس يُدرِّس طُلابا .. ثـم لَمَّا كان آخر العام كَتَب في ورقة عِنـده : هؤلاء الطلاّب ينجحون ، وهـؤلاء الطلاّب يُخفِقُون ويرسبون . ثـم خبأها عنده . وجاءت النتيجة كمـا قال الْمُدرِّس. فعلى من يكون اللوم ؟ هل يَكون على المُـدرِّس الذي كَتَب ما سبق بِه عِلْمَه؟ الجـواب : لا.. اللوم على من أهمل وقصّر وأساء .

ولله المثـل الأعلى.. الله تبارك وتعالى عَلِـم ما يَعمل الْخَلْق قبْل خَلْقِهـم ، وكَتَب ذلك في اللوح المحفوظ ، ثـم لَمّا وُجِد الْخَلْق وخَلَق الْخَلْق عَمِلـوا كما كَتَبه الله عليهم ، وهو لم يَظلِمهم . لعله اتّضَح المقصـود .

وأخيـرا .. فإن المؤمن لا يَحتجّ بالقَدَر على المعاصـي ، ولذا كان أهل العِلْم يقولون : القَدَر يُحتَجّ به على المصائب لا علـى المعائب. قال الشيخ مرعي الحنبلي : وأما الذنوب فليس لأحد أن يحتج على فعلـها بقدر الله ، بل عليه أن لا يفعلها ، وإذا فعلها فعليـه أن يتوب منها كما فعل آدم عليه السلام. قال بعـض السلف : اثنان أذنبا ، آدم وإبليس ، فآدم تاب فتاب الله عليه واجتباه ، وإبليس أصرّ على معصيتـه وأحتج بالقدر فلُعن وطُرد ، فمـن تاب من ذنبه أشبه بآدم ، ومن أصرّ وأحـتج بالقدر أشبه إبليس ، ومن تاب لا يَحـسن لَومه على ذنبه الذي صدر منه . اهـ .

ولشيـخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة فـي الاحتجاج بالقدر صغيرة الحجم كبيرة القَدْر والنفع . كمـا أن المؤمن يَرْجِع باللوم على نفسه إذا أصـابته مُصيبة أو وقَع له ما يَكْره. وهذا سبقت الإشـارة إليه في مقال بعنـوان :
http://www.saaid.net/Doat/assuhaim/76.htm

والله تعالى أعلم .

المجـيب/ الشيخ عبدالرحمن السحـيم حفظه الله، عضو مركز الدعوة والإرشاد "الريـاض" المملكة العربية السعوديـة.