المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصيحة عامة



المفيد
10-24-06, 04:31 PM
نصيحة عامة
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين وفقني الله وإياكم لقبول النصائح وجنبنا جميعاً موجبات المخازي والفضائح آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فإن الله تبارك وتعالى قد أوجب النصيحة والبيان، وحرم الغش والكتمان، قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" إلى آخره. وقد أمر الله بالتذكير، وأخبر أن الذكرى تنقع المؤمنين، قال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ (. وقال تعالى: ( وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ (. وهذا يشمل التذكير بالنصوص القرآنية، وصحاح الأحاديث النبوية، المشتملة على الأمر بطاعته سبحانه وتعالى، وطاعة رسله، والتحذير من معصيته ومعصية رسله، وبيان ما في امتثال أوامره وترك زواجره من حصول الخيرات، وحلول البركات، واندفاع النقمات، وما في معصيته تعالى ومخالفة أمره من محق البركات، في العلوم والأعمال والأعمار والمكاسب وجميع التصرفات، ويشمل أيضاً التذكير بأيام الله تعالى في خلقه وما أحل بمن عصوا رسله من المثلات، وسائر ألوان الأخذ والعقوبات، مما يكون من أعظم واعظ لمن في قلبه أدنى حياة، إذا عرف ذلك فإن المعاصي هي أسباب كل نقص وشر وفساد في الأديان والبلاد والعباد، كما قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (. فما أهبط الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب إلا معصيتهما بأكلهما لقمة من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، وما أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه وجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع غير معصيته بامتناعه من سجدة واحدة أمر أن يسجدها، وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال، وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، وما الذين رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ثم قبلها عليهم واتبعوا بحجارة من سجيل، وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى، وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى نار جهنم، فأبدانهم للغرق، وأرواحهم للنار، والحرق إلا المعاصي، فإنها هي التي دمرت عليهم وأصارتهم إلى أسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة، ومن ثمرات المعاصي حرمان العلم وحرمان الرزق كما في المسند: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". ومنها وحشة يجدها العبد بينه وبين الله وبينه وبين الناس لا سيما أهل الخير منهم، وتعسير أموره فلا يتوجه لأمر إلا وجده مغلقاً أو متعسراً عليه، ومنها حرمان الطاعة، ومنها ظلمة القلب، وجبنه، ووهنه، ووهن البدن، وتقصير العمر، ومحق بركته، فإن البر كما يزيد في العمر فإن الفجور ينقصه، ومنها انسلاخ القلب من استقباحها فتصير له عادة، والمعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، وتورث الذل ولابد، وتفسد العقل، وإذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، وتدخل العبد تحت لعنة الله، وتحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن والاشجار، قال الله تعالى: (ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(. قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، وقال ابن زيد: (ظهر الفساد في البر والبحر) قال: الذنوب. ولا منافاة بين القولين، فإن الآية تشمل هذا وهذا، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذي مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم" وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما طفف قوم كيلاً ولا بخسوا ميزاناً إلا منعهم الله عز وجل القطر، وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل بعضهم بعضاً إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم".
ولا شيء يستجلب به الرزق بل وكل خير ويستدفع به كل سوء غير التوبة إليه سبحانه بالرجوع عما يكرهه من المعاصي إلى ما يحبه من الطاعة، بأن يحقق العباد توحيدهم، ويباعدوا جميع ما ينافيه أو ينقصه أو يقدح فيه، ويحافظوا على فرائض دينهم من إقامة الصلوات الخمس في جماعة وأداء الزكاة وغير ذلك من أركان الإسلام وفرائضه العظام كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، ويجتنبوا محارمه من أنواع الفواحش وأجناس المنكرات، والمخدرات، والمفترات، والربا في المعاملات، والخيانة في الأمانات، واستعمال أنواع الملهيات، الصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، وكافة المحرمات، فعلى المسلمين عموماً وخصوصاً التوبة إلى ربهم، والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر فيما بينهم، وتعاون بعضهم مع بعض فيما يصلح دينهم الذي به صلاح معاشهم، والفوز في معادهم.
هذا وأسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحفظ إمام المسلمين من كل نواحيه، ويزيده من التوفيق لمحاب الله ومراضيه، ويقمع به كل فساد، ويصلح بمساعيه البلاد والعباد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
حرر 0/3/1376هـ