المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ** شرح دعــاء ‘‘ اللهم اهــدنـا فيـمن هـديت ‘‘ **



الكلمة
09-30-06, 07:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

شرح دعاء ,, اللهم اهدنا فيمن هديت ,, للشيخ ابن عثيمين رحمه الله
لكتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع ,,


قوله: «اللهم اهدني فيمن هديت» ظاهر كلامه: أنه لا يبدأُ بشيءٍ

قبل هذا الدُّعاءِ، لكن الصَّحيحُ أنَّه يبدأ بقوله: «اللَّهمَّ إِنَّا نَستعينُكَ، ونَستهديكَ،

ونستغِفرُكَ، ونتوبُ إليكَ، ونؤمنُ بك، ونَتوكَّلُ عليك، ونُثْنِي عليكَ الخيرَ كُلَّه، ونَشْكُرُكَ

ولا نَكْفُرُكَ. اللَّهمَّ إياك نعبدُ، ولك نُصلِّي ونسجدُ، وإِليكَ نَسعَى ونَحْفِدُ، نَرجو رحمَتَكَ،

ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّار مُلحِق» ثم يقول: «اللَّهمَّ اهدني فيمن هَدَيتَ»

إلخ، هكذا قال الإمامُ أحمدُ ؛ لأنه ثناءٌ على الله، والثناءُ مقدَّمٌ على الدُّعاءِ؛ لأنه فَتْحُ
بابِ الدُّعاءِ.



وقوله: «اللَّهُمَّ» أصلُه: يا اللهُ، لكن حُذِفت ياءُ النِّداءِ، وعُوِّضَ عنها الميمُ وبقيت «الله»، وإنما حُذفت الياءُ لكثرةِ الاستعمالِ وعُوِّضَ عنها الميمُ للدّلالةِ عليها
، وأُخِّرت للبَدَاءة باسم الله، وجُعلت ميماً للإشارة إلى جَمْعِ القلب على هذا الدُّعاءِ؛ لأن الميم تدلُّ على الجَمْعِ.


وقوله: «اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» الذي يقول: «اللَّهُمَّ اهْدِني» هو المنفردُ، أما

الإمام فيقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا» وقد رُوي عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أمَّ

قوماً فَخَصَّ نفسَه بالدُّعاءِ فقد خَانَهم» لأنَّه إذا دعا الإمامُ فقال: «اللَّهُمَّ اهْدِني»

والمأمومون يقولون: آمين؛ صار الدُّعاءُ له، والمأموم ليس له شيء، إلا أنه يؤمِّنُ

على دُعاءِ الإمامِ لنفسِهِ، وهذا نوعُ خِيانةٍ.



وقوله: «اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» أي: في جُمْلة مَنْ هديتَ، وهذا فيه نوعٌ مِن التوسُّلِ بفِعْلِ الله ، وهو هدايتُه مَنْ هَدى، فكأنَّك تتوسَّلُ إلى الله
الذي هَدى غيرَك أنْ يهديَكَ في جُملتِهم، كأنَّكَ تقول: كما هَديتَ غيري فَاهْدِني.

والهداية هنا يُرادُ بها: هدايةُ الإرشاد، وهدايةُ التوفيق.

فهدايةُ الإرشادِ: ضِدّها الضَّلالُ.

وهدايةُ التوفيقِ: ضِدُّها الغَيُّ.

فأنت إذا قلتَ: «اللَّهُمَّ اهْدِني» تسألُ الله الهِدايتين: هدايةَ الإرشادِ وذلك بالعِلْمِ، وهدايةَ التوفيقِ وذلك بالعمل؛ لأنه ليس كلُّ مَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وليس كلُّ مَنْ عَمِلَ
يكون عملُه عن عِلْمٍ وتمامٍ، فالتَّوفيقُ أن تعلَمَ وتعمَلَ.

قوله: «وعافني فيمن عافيت» أي: في جُملةِ مَنْ عافيتَ، وهذ
ا _ كما قلتُ آنفاً _ مِنَ التَّوسُّلِ إلى الله تعالى بفِعْلِه في غيرِك، فكأنَّكَ تقول: كما عافيتَ غيري فعافِني.
والمعافاة: المُراد بها المعافاةُ في الدِّين والدُّنيا،

فتشملَ الأمرين: أنْ يعافيكَ مِنْ أسقام الدِّين، وهي أمراضُ القلوب
التي مدارُها على الشَّهوات والشُّبُهاتِ، ويعافيك من أمراضِ الأبدان، وهي اعتلال صِحَّةِ البَدَنِ.

والإنسانُ مُحتاجٌ إلى هذا وإلى هذا، وحاجتُه إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ القلبِ أعظمُ مِن حاجتِهِ إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ البَدَنِ. ولهذا؛ يجبُ علينا أنْ نُلاحِظَ دائماً قلوبَنَا،
وننظُرَ: هل هي مريضةٌ أو صحيحةٌ؟ وهل صَدِئتْ أو هي نظيفةٌ؟ فإذا كنت تنظِّفُ قلبَكَ
دائماً في معاملتِكِ مع الله، وفي معاملتِكِ مع الخَلْقِ؛ حَصَّلتَ خيراً كثيراً، وإلا؛ فإنَّكَ سوف تَغْفُلُ، وتَفْقِدُ الصِّلةَ بالله، وحينئذٍ يَصْعُبُ عليكَ التراجعُ.

فحافظْ على أنْ تُفتِّشَ قلبَكَ دائماً، فقد يكون فيه مَرَضُ شُبْهةٍ أو مَرَضُ شهوةٍ، وكلُّ شيءٍ ولله الحمدُ له دَواءٌ، فالقرآن دواءٌ للشُّبُهاتِ والشَّهواتِ، فالترغيبُ في الجَنَّةِ والتحذيرُ مِن النَّارِ دواءُ الشَّهواتِ.

وأيضاً: إذا خِفْتَ أنْ تميلَ إلى الشَّهواتِ في الدُّنيا التي فيها المُتْعَةُ؛ فتذكَّرْ مُتْعَةَ الآخرة.

ولهذا كان نبيُّنَا صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجِبُه مِن الدُّنيا قال: «لبيَّكَ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرةِ»
فيقول: «لبيَّكَ» يعني: إجابةً لك، مِن أجلِ أنْ يكبَحَ جِمَاحَ النَّفْسِ؛ حتى لا تغترَّ بما شاهدت مِن مُتَعِ الدُّنيا، فَيُقبل على الله، ثم يوطِّن النَّفسَ ويقول: «إن العَيْشَ عَيْشُ الآخرة» لا عيشُ الدُّنيا.
وصَدَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، والله؛ إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرةِ، فإنه عيشٌ
دائمٌ ونعيمٌ لا تنغيصَ فيه، بخِلافِ عيشِ الدُّنيا فإنه ناقصٌ منغَّصٌ زائِلٌ.

وأما دواءُ القُلوبِ مِن أمراضِ الشُّبُهَاتِ؛ فالقُرآنُ كلُّه بيانٌ وفُرقانٌ تزولُ به جميعُ الشُّبهاتِ، فكتابُ الله كلُّه مملوءٌ بالعِلْمِ والبيانِ الذي يزولُ به داءُ الشُّبهاتِ، ومملوءٌ بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ الذي يَزولُ به داءُ الشَّهواتِ، ولكنَّنا في غَفْلةٍ عن هذا الكتاب العزيز
؛ الذي كلُّه خيرٌ، وكذلك ما في السُّنَّةِ المطهَّرَةِ الثابتةِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

أما عافيةُ الأبدانِ، فَطِبُّهَا نوعان:

النوع الأول : طِبٌّ جاءت به الشَّريعةُ، فهو أكملُ الطِّبِّ وأوثقُهُ؛ لأنه مِن عند الله الذي خَلَقَ الأبدانَ؛ وعَلِمَ أدواءَها وأدويتَها،

والطِّبُّ الذي جاءت به الشريعة ضربان:

الأول : طب مادي، كقول الله تعالى في «النحل»: {)يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس)(النحل: من الآية69) } وكقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحَبَّةِ السَّوداءِ «إنها شفاء من كل داء إلا السام» يعني: الموتَ، وكقوله صلى الله عليه وسلم في الكَمْأَةِ: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُهَا شِفاءٌ للعَيْنِ»
وأمثالُ ذلك، وكلُّ هذا طِبٌّ ماديٌّ قرآنيٌّ ونبويٌّ.

الضرب الثاني : طِبٌّ معنويٌّ رُوحيٌّ: وذلك بالقِراءة على المَرضى، وهذا قد يكون أقوى وأسرعَ تأثيراً، انظر إلى رُقيَةِ النبي صلى الله عليه وسلم للمَرضَى، تَجِدُ أنَّ المريضَ يُشفى في الحَالِ، فإنَّه لما قال في يوم خيبر: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ
غداً رَجلاً يَفْتحُ اللهُ على يَدَيْه، يُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ» باتَ النَّاسُ تلك الليلة يخوضون في هذا الرَّجُلِ؟ فلما أصبحوا غَدَوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
كلُّ واحدٍ متشوِّفٍ لها؛ لأنه سوف ينالُ هذا الوصف، وهو أنَّه «يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه
اللهُ ورسولُه» فقال: أين عليُّ بنُ أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه، فدعا به فجيء به
فبصَقَ في عينيه، ودعا له فبَرِىءَ في الحال؛ كأنْ لم يكن به أثرٌ؛ فأعطاه الرَّايةَ .



النوع الثاني : طِبٌّ ماديٌّ يُعرفُ بالتَّجاربِ، وهو ما يكون على أيدي الأطبَّاءِ، سواء درسوا في المدارس الرَّاقيةِ وعرفوا، أو أخذوه بالتَّجارب، لأنه
يوجد أُناسٌ من عامَّة النَّاس يُجْرُون تَجَارِبَ على بعض الأعشاب، ويحصُل منها فائدةٌ، ويكونون بذلك أطبَّاءَ بدون دراسة؛ لأن هذا يُدرك بالتَّجَاربِ.



قوله: «وتولني فيمن توليت» هل هي من «الوَلي» بفتح الواو،
وسكون اللام مخفَّفة، بمعنى القُرب. أو هي من التَّولِّي بمعنى الولاية والنُّصرة. أو هي منهما جميعاً؟

الجواب : هي منهما جميعاً، فعلى

المعنى الأوَّل: اجعلني قريباً منك، كما يُقال: وليَ فلانٌ فلاناً، وقال
النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «ليلنِي منكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهَى» أي: مِنَ الوَلْي، وهو القُرْبُ.


وعلَى المعنى الثاني: اعْتَنِ بي فكن لي وَلِيًّا وناصراً ومعيناً لي في أموري، فيشمَل الأمرين، وإنْ كان المُتبادر إلى الذِّهن أنه مِنَ الموالاة وهي النُّصرةِ.

والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصَّة؛ لأنَّ الولايةَ العامَّةَ شاملةٌ لكلِّ
أحدٍ مؤمنٍ وكافرٍ؛ بَرٍّ وفاجرٍ، فكلُّ أحدٍ فاللهُ تعالى مولاه، قال الله تعالى: {)وَهُوَ الْقَاهِرُ
فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا
يُفَرِّطُونَ) (الأنعام:61) )ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام:62)

فقوله: {) رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقّ)(الأنعام: من الآية62) } يشمَلُ كلَّ مَنْ ماتَ مِن
مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، وهذه هي الوِلاية العامَّة؛ لأن الله يتولَّى شؤون جميع الخَلْقِ.


) أما الوِلاية الخاصَّة فهي المذكورة في قوله تعالى:)اللَّهُ وَلِيُّ
الَّذِينَ آمَنُوا )(البقرة: من الآية257)} وفي قوله:{)أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)(يونس:63

والسَّائل الذي قال: «تولَّني فِيمَنْ تولَّيتَ» يريد الولاية الخاصَّة.



قوله: «وبارك لي فيما أعطيت» أي: أنزل البركةَ لي فيما أعطيتني
مِنَ المال، والعِلْمِ، والجاه، والولد، ومِنْ كُلِّ ما أعطيتني {

)وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)(النحل: من الآية53) } إذاً؛ باركْ لي في جميع ما أنعمتَ به عليَّ، وإذا أنزل اللهُ البركةَ لشخص فيما أعطاه صار القليلُ منه كثيراً، وإذا نُزعت
البركةُ صار الكثيرُ قليلاً، وكم مِن إنسانٍ يجعلُ اللهُ على يديه مِنَ الخير في أيامٍ قليلة
ما لا يجعلُ على يدِ غيرِه في أيَّام كثيرةٍ؟، وكم مِن إنسانٍ يكون المالُ عنده قليلاً لكنه
متنعِّمٌ في بيته، قد بارك اللهُ له في مالِهِ، ولا تكون البركةُ عند شخصٍ آخرَ أكثرَ منه مالاً؟
وأحياناً تُحِسُّ بأن الله باركَ لك في هذا الشيء بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلةً.



قوله: «وقِنِي شَرَّ ما قضيتَ» ما قَضَاهُ الله قد يكون خيراً، وقد يكون
شرًّا، فما كان يُلائمُ الإنسانَ وفِطرتَه فإن ذلك خير، وما كان لا يُلائِمه فذلك شرٌّ،
فالصِّحَّةُ والقوةُ والعِلْمُ والمالُ والولدُ الصَّالحُ وما أشبه ذلك خير، والمَرَضُ والجهل والضَّعف والولد الطالحُ وما أشبه ذلك شرٌّ؛ لأنه لا يُلائم الإنسانَ.

وقوله: «ما قضيت» «ما» هنا بمعنى الذي، أي: الذي قضيتُه، ويجوز أن تكون مصدريَّة، أي: شَرَّ قضائِكَ.

والمراد: قضاؤه الذي هو مقضيَّه؛ لأن قضاءَ الله الذي هو فِعْلُه كلُّه خير. وإنْ كان المقضيُّ
شرًّا؛ لأنه لا يُراد إلا لحكمةٍ عظيمةٍ، فالمرضُ مثلاً قد لا يَعرفُ الإنسانُ قَدْرَ نِعمة الله عليه بالصِّحَّة إلا إذا مَرِضَ، وقد يُحْدِثُ له المرضُ توبةً ورجوعاً إلى الله، ومعرفةً لِقَدْرِ نفسِهِ، وأنه ضعيفٌ، ومُحتاجٌ إلى الله ، بخلاف ما لو بقيَ الإنسانُ صحيحاً معافى، فإنه قد ينسى قَدْرَ هذه النِّعمة، ويفتخرُ كما قال الله تعالى: { )وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ) (هود:9) )وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (هود:10)

فإن قال قائلٌ: كيف نجمعُ بين قوله: «قِني شرَ ما قضيتَ» وقوله صلى الله عليه وسلم: «والشرُّ ليس إليكَ»

فالجواب عن ذلك : أنَّ الشَّرَّ لا يُنسب إليه تعالى؛ لأن ما قضاه وإنْ
كان شرًّا فهو خير، بخلاف غيره، فإن غيرَ الله رُبَّما يقضي بالشَّرِّ لشرٍّ محضٍ، فربما يعتدي إنسانٌ على مالكَ أو بدنكَ أو أهلكَ لقصد الشَّرِّ والإضرار بك، لا لقصدِ مصلحتِكَ، وحينئذٍ يكون فِعْلُهُ شرًّا محضاً.

وفي قوله: «ما قضيتَ» إثباتُ القضاءِ لله.

وقضاءُ الله: شرعيٌّ، وقَدَريٌّ.

فالشَّرعيُّ مثل قوله تعالى ()وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)(الاسراء: من الآية23)

والقدريُّ مثل قوله تعالى:)وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً) (الاسراء:4)

[الإسراء] والفَرْقُ بينهما مِن وجهين:

الوجه الأول : أنَّ القضاءَ الكونيَّ لا بُدَّ مِن وقوعِهِ، وأما القضاءُ الشَّرعيُّ فقد يقع مِن المقضيِّ عليه وقد لا يقعُ.

الوجه الثاني : أنَّ القضاءَ الشَّرعيَّ لا يكون إلا فيما أحبَّه الله، سواءٌ أحبَّ فِعْلَه أو أحبَّ تَرْكَهُ، وأما القضاءُ الكونيُّ فيكون فيما أحبَّ وفيما لم يحبَّ:

وقوله: «ما قضيت» يشمَلُ ما قضاه مِن خيرٍ وشرٍّ.

فإن قيل: وهل في الخير من شرٍّ؟

فالجواب: نعم؛ قد يكون فيه شرٌّ، فتكون النِّعَمُ سبباً للأَشَرِ والبَطَرِ؛
فتنقلبُ شرًّا، فكم من إنسانٍ كان مستقيماً؛ أنعمَ اللهُ عليه، فحملته النِّعَمُ على الاستكبار عن الحقِّ وعلى الخَلْقِ فهَلك. واُقرأْ قول الله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(الانبياء: من الآية35).

قوله: «إنكَ تَقضي ولا يُقضى عليك» فالله يَقضي بما أرادَ، ولا أحدٌ
يَقضي على الله ويَحكمُ عليه، قال الله تعالى)وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ
دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (غافر:20)



قوله: «إِنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ» أي: لا يلْحَقُ مَنْ واليتَهُ ذُلٌّ وخُذلان،
والمراد: الولاية الخاصَّة المذكورة في قوله تعالى: { )أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا
هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) }.


قوله: «ولا يَعِزُّ مَنْ عاديت» أي: لا يَغلِبُ مَنْ عاديته، بل هو ذليلٌ؛
لأَنَّ مَنْ والاه الله فهو منصورٌ، كما قال الله تعالى: {)إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51) وقال الله تعالى (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40

وأمَّا مَنْ عاداه اللهُ فهو ذليلٌ؛ لأنَّ الله إذا نَصَرَ أولياءَه فعلى أعدائه. إذاً؛ فالعِزُّ للأولياءِ،
والذُّلُّ للأعداء. فإنْ قال قائلٌ: هل هذا على عُمُومِهِ، لا يَذِلُّ مَنْ وَالاه الله، ولا يَعِزُّ مَنْ عاداه؟


فالجواب: ليس هذا على عُمُومه، فإنَّ الذُّلَّ قد يعرِضُ لبعض المؤمنين، والعِزُّ
قد يعرِضُ لبعض المشركين، ولكنَّه ليس على سبيل الإدالة المطلقة الدَّائمة المستمرَّة،
فالذي وقع في أُحُدٍ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ لا شَكَّ أنَّ فيه عِزًّا للمشركين، ولهذا اُفتخروا به فقالوا: يومٌ بيومِ بَدْرٍ، والحربُ سِجَالٌ ، ولا شَكَّ أنه أصابَ
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابَه من الجراح والضَّعف ما لم يسبق مِن قبلُ، ولكن
هذا شيءٌ عارضٌ ليس عِزًّا دائماً مطَّرِداً للمشركين، وليس ذُلًّا للمؤمنين على وجه
الدَّوام والاستمرار، وهذا فيه مصالح عظيمة كثيرة ذَكَرَها اللهُ تعالى في سورة «آل عمران»، واستوعبَ الكلامَ عليها ابنُ القيم في «زاد المعاد» في فِقْهِ هذه الغزوة، وذَكَرَ
فوائدَ عظيمةً مِن هذا الذي حصَل للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

إذاً؛ فقوله: «لا يذلُّ مَنْ واليتَ ولا يَعِزُّ مَنْ عَاديتَ»، لنا أنْ نقول:
هذا ليس على عُمُومه، ويُخصَّص بالأحوال العارضة، ولنا أن نقول: إنه عامٌّ؛ باقٍ على
عُمُومه لا يُخصَّص منه شيء، لكنه عامٌّ أُريد به الخُصوص، يعني: أنَّ المراد: لا يَذِلُّ ذُلًّا دائماً، ولا يَعِزُّ عِزًّا دائماً.

قوله: «تباركت رَبَّنَا» التقدير: تباركتَ يا رَبَّنَا، والبركة: كثرةُ الخير وسعته. مشتقٌّ من «بِرْكَةَ الماء» وهي حوض الماء الكبير

ومعنى التَّبارك في الله : أنه عظيمُ البَركة واسعها، ومنزِّلُ البَرَكة،
وأن بذِكْرِه تحصُلُ البَرَكةُ، وباسمِهِ تحصُلُ البركةُ، ولذلك نجد أن الرَّجُل لو قال على
الذَّبيحة: «بسم الله» صارت حلالاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صارت حراماً، ولو
قال: «بسم الله» على وُضُوئه صار صحيحاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صار غيرَ صَحيح عند
كثير من أهل العِلْمِ.

وإنْ كان الصَّحيح أنَّ التَّسمية في الوُضُوء لا تجب، لكن على القول بأنها واجبة إذا تَركَها عمداً لم يصحَّ وُضُوؤه .

وقوله: «رَبَّنَا» أي: يا ربَّنا، وحُذِفَت «ياء النداء» لسببين:

1 _ لكثرة الاستعمال.

2 _ وللتَّبرُّك بالبَدَاءَة باسم الله .

وقوله: «رَبَّنا» اسم من أسماء الله: يأتي مضافاً أحياناً كما هنا وكما في قوله تعالى: { )
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الزخرف:82) ويأتي غير مضاف
مُحَلّاً بأل؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «فأمَّا الرُّكوع فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ» وقوله صلى الله عليه وسلم: «السِّواك مطهرةٌ للفَمِ مرضاةٌ للرَّبِّ» .

قوله: «تعاليت» من التَّعالي وهو العُلو، وزِيدت التَّاء للمبالغة في عُلوه.

وعُلوُّ الله ينقسم إلى قسمين: عُلوِّ الذِّات، وعُلوِّ الصِّفَة.

فأما عُلوُّ الذَّات فمعناه: أنَّ الله نَفْسَهُ فوقَ كُلِّ شيء.

وأمَّا عُلوُّ الصِّفة فمعناه: أنَّ الله تعالى موصوفٌ بكلِّ صفاتٍ عُليا.

أما الأول : فقد أنكره حُلولية الجهمية وأتباعهم الذين قالوا: إنَّ الله في كُلِّ مكان بذاته،
وأنكره أيضاً الغالون في التَّعطيل حيث قالوا: إنَّ الله ليس فوقَ العالم ولا تحتَ العالم، ولا
يمينَ ولا شِمالَ، ولا أمامَ ولا خلفَ، ولا متَّصل ولا منفصل إذاً هي عَدَمٌ!

ولهذا أنكر محمودُ بن سُبُكْتِكين على مَنْ وَصَفَ اللهَ بهذه الصِّفَة، وقال: هذا هو العَدَمُ . وصَدَق؛ فهذا هو العَدم.

أمَّا أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة، فقالوا: إنَّ الله فوقَ كُلِّ شيءٍ بذاتِهِ.

واستدلُّوا لذلك بأدلةٍ خمسة: الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، والعقلِ، والفِطْرَةِ.


قوله: «أعوذ برضاك مِن سَخَطك» هذا من باب التَّوسُّل برضاء الله
أنْ يُعيذك مِن سَخَطِهِ، فأنت الآن استجرت مِن الشَّيء بضدِّه، فجعلت الرِّضاءَ وسيلةً تتخلَّصُ به من السُّخط.

قوله: «وبعفوك مِن عقوبتك» الحديث: «وبمعافاتك من عقوبتك» .

والمعافاة هي: أنْ يعافيكَ اللهُ مِن كُلِّ بَلِيَّة في الدِّين، أو في
الدُّنيا،
وضِدُّ المعافاة: العقوبةُ، والعقوبةُ لا تكون إلا بذَنْبٍ، وإذا استعذت بمعافاة الله مِن
عقوبته، فإنك تستعيذُ مِن ذنوبك حتى يعفوَ اللهُ عنك، إما بمجرَّدِ فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التَّوبة.

والتعوُّذ بالرضا من السُّخط، وبالمعافاة مِن العقوبة، تعوُّذ بالشيء مِن ضِدِّه، كما أن معالجة الأمراض تكون بأدوية تضادُّها.

قوله: «وبك منك» لا يمكن أن تستعيذ مِنَ الله إلا بالله، إذ لا أحدَ
يُعيذك مِن اللهِ إلا اللهُ، فهو الذي يُعيذني مما أرادَ بي مِن سوءٍ، ومعلومٌ أنَّ الله قد يريد
بك سوءاً، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله، وأنَّ الإنسان يُقِرُّ بقلبه ولسانِهِ أنه لا مرجعَ له إلا رَبُّهُ .

قوله: «لا نحصي ثناء عليك» أي: لا نُدْرِكُهُ، ولا نبلغُه، ولا نصلُ إليه.

والثناء هو: تَكْرَارُ الوصف بالكمال، ودليلُ ذلك: قوله تعالى في
الحديث القُدسيِّ: «إذا قال العبدُ: الحمدُ لله رَبِّ العالمين. قال اللهُ تعالى: حَمَدَني
عبدي. وإذا قال العبدُ: الرَّحمن الرحيم. قال اللهُ تعالى: أثنى عَلَيَّ عبدي» فلا يمكن أن
تُحصي الثناءَ على الله أبداً، ولو بقيت أبد الآبدين، وذلك لأن أفعال الله غير محصورة، وكلُّ
فعلٍ مِن أفعال الله فهو كمالٌ، وأقوالُه غيرُ محصورة، وكلُّ قولٍ من أقواله فهو كمالٌ، وما
يدافع عن عباده أيضاً غير محصور. فالثناءُ على الله لا يمكن أنْ يَصِلَ الإنسانُ منه إلى
غاية ما يجب لله مِنَ الثَّناء؛ مهما بلغ مِنَ الثَّناء على الله.


قوله: «اللهم صل على محمد» أي: يختم الدُّعاء بالصَّلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك مِنْ أسباب الإجابةِ؛ كما يُروى ذلك في حديثٍ
فيه مقال: أنَّ الدُّعاءَ موقوفٌ بين السَّماء والأرض حتى تُصلِّي على نَبيِّكِ .

جوهرة
09-30-06, 09:13 PM
http://www.almeshkat.com/vb/images/barak_allahu_feek.jpg

و

http://www.almeshkat.com/vb/images/intro.gif


و

http://www.almeshkat.com/vb/images/tmt.gif

\

البتار النجدي
09-30-06, 10:48 PM
جزاك الله خير الجزاء على هذا النقل ونسال الله الا يحرمك الاجر


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم البتار النجدي
أبو محمد

أبو يوسف محمد زايد
10-02-06, 06:29 AM
جزاك الله خيرا كثيرا على هذا النقل النافع وأسال الله الا يحرمك الاجر ...
وأن يبارك سعيك ...

ولد السيح
10-02-06, 11:08 AM
رحم الله سماحة العلامة الشيخ ابن عثيمين رحمة واسعة ،
وبارك الله فيكم ..

ماجد1
10-03-06, 12:11 AM
رحمه الله ابن عثيمين


وجزيتي خيرا


اختي الفاضله

الكلمة
10-04-06, 04:41 AM
جزاكم الله خيرا جميعا وبارك الله فيكم

وفقكم الله ونفع بكم ..