المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "و ان هذه أمتكم أمة واحدة" صدق الله العظيم



Ali Amman
09-27-06, 09:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

1. و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (1) مقدمـة

يتعلق هذا الموضوع بأمر من أخطر الأمور التي تهدد مستقبل المسلمين كما هددت حاضرهم و ماضيهم بسبب الفرقة التي وجدت بينهم، على الرغم مما يجمعهم من العقيدة و التوحيد و غيرها من الأمور الأساسية لهذا الدين الحنيف. فالهدف هو عمل التقريب الضروري بين جميع الذاهب و التيارات الإسلامية بحيث تكون بإذن الله أكثر اجتماعاً و توحداً بما يتعلق بالمفاهيم الأساسية للإسلام.

إذا نظرنا إلى الخريطة الموجودة لواقع الأمة الآن فسنجد فيها ما يبكي العين و يدمي القلب من الانقسامات و الفرقة و الشرذمة التي أدت إلى ما نحن فيه من التقهقر و الهزيمة و الخذلان. و المأساوي في الأمر أن ذلك لا يقتصر على العوام من الناس الذين ألفوا مذاهبهم و ورثوها فهم متمسكون بما ألفوا عليه آباءهم، و لكن الأغرب من ذلك أولئك الفئة من الأمة ألأكثر علماً بهذا الدين و الذين حملوا راية هذا الدين فهم كذلك تفرقوا بصورة أكبر و أكثر شراسة و كان كل حزب بما لديهم فرحون. و بين الفئتين عامة و عالمة هنالك ما بين مداراة على حساب الحق و بين تنافر و عدم انسجام لكبر الفجوة و عمقها بين الفئتين.

كل ذلك أدى إلى تفرق الاتجاهات و الأهواء و تشتت الطاقات و الإمكانيات، مما عطل أي أمل لهذه الأمة في أي تقدم، و بالتالي سرت علينا سنة الله التي تسري في الكون بعدم النجاح بين الأمم بسبب الفرقة بالرغم مما تحمله نفوس الكثيرين من الأماني الصادقة و النوايا الطيبة لهذا الأمة بل و للبشرية جمعاء.

و الآن هل هناك ما يمكن عمله للتقريب بعد كل هذا الخلاف العميق الذي يضرب في عمق تاريخ هذه الأمة في بعض الأحيان؟ و حتى يمكن الإجابة على هذا السؤال لا بد من تشخيص الحالة تشخيصاً دقيقاً ينبئنا عن إمكانية الشفاء من عدمه.

فإذا نظرنا إلى المذاهب الإسلامية المتوارثة منها و الحديثة فإننا لأول وهلة يهيأ لنا أن الخلاف عميق و أكبر من أن يسوى، بينما التدقيق العلمي لنقاط الاختلاف الظاهرة يبين لنا أن معظم مظاهر هذه الخلافات ليس له علاقة بالأصول الفقهية بالمذاهب بقدر ما هو متعلق بعادات و أعراف متوارثة ليس لها من أصل في هذا الدين الحنيف. و من هنا نستنتج أن هناك مجال لردم جزء كبير من الفجوة بين هذه المذاهب التي تبدو ظاهرياً كما قلنا مختلفة بشكل كبير.

كذلك الأمر بالنسبة للخلافات بين التيارات الإسلامية المختلفة. فعلى الرغم من توحدها جميعاً بالهدف و هو إعلاء كلمة الله في الأرض إلا أنها اختلفت في الأسلوب الموصل لهذا الهدف، فكل منها يرى أن أسلوبه هو الأمثل و الأصلح و يورد الحجج و البراهين على أنه ما أمر به الشرع الحنيف. و الحقيقة أنه إن دل ذلك على شيء فإنه يدل على المرونة التي يمتاز بها هذا الشرع و التي تسمح باتخاذ السبل المختلفة للوصول إلى الهدف. و هنا أيضاً نستنتج أن هناك ما يمكن اتخاذه كقاعدة مشتركة للتفاهم.

فإذا عرفنا أن الحل ممكن فماذا يمكن فعله؟ هل ننتظر التقاء و تفاهم أهل الرأي و المكانة في المذاهب و التيارات المختلفة؟ أم نقوم بالمبادرة فنعطي المثل الصالح لهم بأن التقريب ممكن و غير مستحيل. فعلينا إذاً إطلاق المبادرة التي يتبناها جميع الغيورين على هذه الأمة في كل مكان تحت شعار "و أن هذه أمتكم أمة واحدة". واضعين نصب أعيننا عدداً من الأمور الهامة و منها:

1. أن الهدف و الغاية من هذا العمل هو أمر عظيم لا بد من الوصول إليه (بإذن الله تعالى) حتى تتحقق النهضة المنشودة للأمة، حيث أن بقاء الأمة متفرقة و مشرذمة من أهم عوامل التخلف في الأمة و يفتح الباب للفتن لا سمح الله (و الفتنة أكبر من القتل).
2. أنه لعمق و تاريخ الخلافات فإنه يجب توقع الصعوبات و المعوقات في الطريق، و خاصة أن هذه المبادرة ستكون الأولى في تاريخ الأمة بهذا الزخم و بهذا الاتجاه.
3. كذلك فإن الأمور ستأخذ وقتاً طويلاً حتى تنضج و تظهر نتائجها و هو أمر صحي أفضل من سلق الأمور و استعجالها و خاصة في مثل هذه الأمور.
4. يجب أن يستمر العمل دائماً على مستويي العامة و العلماء و بحيث أن قطف الثمار على أي من المستويين يشجع المستوى الآخر على المضي قدماً في الالتقاء و التفاهم.
5. يمكن أن تتخذ المبادرة عدة فعاليات و نشاطات يبادر بها الشباب في كل مكان في العالم، و هذه الفعاليات يمكن أن تشمل المقترحات التالية و غيرها بحيث تصب في نفس الاتجاه:
‌أ) عقد الندوات و المؤتمرات للتنظيمات الطلابية الإسلامية و العربية (و خاصة في الغرب حيث الاتصال بين مختلف التيارات أكثر سهولة) و ذلك لتشجيع الحوار فيما نين الأجيال الجديدة الشابة مما يؤدي إلى زيادة الائتلاف بينهم، و بحيث نتخلص من النظرة المتوارثة (هم و نحن) بل نحن جميعاً أمة مسلمة واحدة و إن كان لها آراء و اجتهادات مختلفة.
‌ب) عمل ورشات عمل فيما بين الطبقات المثقفة في الأمة (العلماء، أساتذة الجامعات، الفنانون، رجال الأعمال، الكتاب...) لكل فئة من هذه الفئات و غيرها، وذلك لخلق الاتصال بزملائهم و إخوانهم في التيارات و المذاهب الأخرى. و هذا الأمر مهم جداً لما لهذه الفئات من تأثير كبير على مجتمعاتهم و بالتالي على الرأي العام عندهم.
‌ج) عمل الحوارات من خلال القنوات التلفزيونية فيما بين العلماء لإبراز القواسم المشتركة فيا بين المذاهب و التيارات الإسلامية، حيث أنه و لمئات السنين من الآن تم مناقشة و إبراز الفروقات دون التطرق إلى الجوامع الكثيرة فيما بينها و التي نحن في أمس الحاجة لإبرازها في هذه الفترة الدقيقة من حياة الأمة.
‌د) تشجيع الزيجات بين مختلف الطوائف و المذاهب الإسلامية مما سيكون له أكبر الأثر على توحيد نسيج الأمة و خاصة إذا كان هذا التشجيع يتم من قبل العلماء و القادة. فالأمة بحاجة إلى كسر الحاجز النفسي الذي يمنع ذلك مما له تأثير طيب (و خاصة عل المدى البعيد) على وحدة و اتصال العائلات الإسلامية من مختلف الجهات.
‌ه) إقامة الصلوات المشتركة (وخاصة الجمع) و تشجيع العامة على ارتياد مساجد الله أياً كان مذهبها مما يزيل الكثير من الفوارق و يقوي الألفة.
‌و) عمل و الإعلان عن تبادل الزيارات فيما بين العلماء من مختلف المذاهب و التيارات و ذلك لأهمية ذلك بالنسبة للأمة التي ستراهم أخوة بغض النظر عن اختلاف وجهات نظرهم للأمور الفقهية.

و أخيراً، أرجو من الله أن يوفق هذه المبادرة الضرورية لعمل النهضة في هذه الأمة إن شاء الله، فهي نهضة الأمة كلها بجميع تياراتها و مذاهبها و طوائفها. و هنا سنقدم بإذنه تعالى موضوعات مسلسلة تصب في هذا الهدف.

و الله من وراء القصد.

و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.

يتبع بإذن الله تعالى ...

Ali Amman
10-01-06, 08:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

1. و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (2) أصل الخلاف سياسي


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

باعتقادي أن أساس الخلافات بين المذاهب و التيارات الإسلامية قديماً و حديثاً هي أصلاً خلافات سياسية فقط. فمن سموا أنفسهم بعد ذلك بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان توسعوا في هذا الخلاف السياسي ليجعلوه مذهباً و عقيدة "إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً لست منهم شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا بما كانوا يفعلون" الأنعام 159

و هذا على عكس ما كان عليه سلفنا الصالح في زمن الرسول صلى الله عليه و سلم و الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم جميعاً الذين لم يخلطوا أبداً بين السياسة و الدين و الدليل على ذلك أنه على الرغم من وصول الخلاف السياسي أشده بينهم إلا أنهم أبداً لم يطعنوا في دين بعضهم البعض بل كان كل منهم يعرف قدر الآخر و يوفيه حقه كاملاً غير منقوص.

و أخيراً فعند الموت و عندما يأتي الملكان ليسألوا كلاً منا على حدة عن دينه فالخوف كل الخوف أن نقول له: (سني) أو (شيعي) أو (أخواني) أو (تحريري) أو (وهابي) أو (سلفي) أو (صوفي) أو أي من المسميات التي سميناها نحن و آباؤنا و ما أنزل الله بها من سلطان، فالجواب المقبول هو فقط ((الإسلام)) و هذا جلي واضح في آيات المحكمة فقد قال تعالى "هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول عليكم شهيداً" الحج 78 و قال تعالى "و من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين" آل عمران 85

و الله من وراء القصد
و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين

يتبع بإذن الله تعالى ...

المصلحي
10-02-06, 09:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
يبدو من خلال الكلام ان صاحب المقالة لايريد الدخول تحت اسم جماعة معينة او طائفة ما. ولكنه وقع فيما فر منه !!
حيث يتضح من مقاله انه من جماعة التقريب بين السنة والشيعة، ويظهر ايضا انه لم ياخذ العبرة ممن سبقه في هذا المجال ، من بقي عقودا في هذا المجال وبذل كل ما عنده من الطاقات العلمية والمادية ، حتى توصل الى نتيجة هي انه لا امكان للتقارب بين الحق والباطل [ فماذا بعد الحق الا الضلال ] .
الا وهو العلامة محب الدين الخطيب ثم اصدر كتابه الشهير ( الخطوط العريضة) .
وانا انصح صاحب المقال ومن على شاكلته قراءة كتاب ( مسالة التقريب بين اهل السنة والشيعة) للقفاري .
فالانابة....الانابة

Ali Amman
10-04-06, 10:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت))

أخي الكريم "المصلحي"
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

في البداية أشكرك على المرور و على الرد الذي حررته تعليقاً على هذا الموضوع

في الحقيقة أنني أنتمي إلى جماعة واحدة و ملة واحدة تلك الملة التي كان عليها رسول الله صلى عليه و سلم و صحابته العظام. و هذه الجماعة أو الملة سماها ربها عز و جل "هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول عليكم شهيداً) الحج 78. أما غيرها من الأسماء لأي جماعة أو طائفة فهي أسماء ابتدعناها لم يأت بها الرسول الكريم صلوات الله و سلامه عليه و لا عرفها أصحابه الكرام رضوان الله عليهم (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباءكم ما أنزل الله بها من سلطان) النجم 23. و أهم من ذلك فهي غير مقبولة عند الله عز و جل و من يبتغيها يكون من الخاسرين يوم القيامة (و من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين).

للأسف فإن التعصب هو السمة السائدة ليس فقط في الطائفتين اللتين ذكرتهما من المسلمين بل هو ينطبق على كل التيارات و المذاهب التي ذكرتها في مشاركتي السابقة و على غيرها. فكل فرقة من هذه الفرق لا تعترف بكل الفرق الأخرى بكل ما تقوم به لخدمة الإسلام و المسلمين. و هذا على أقل تقدير فكثير منها يصل إلى تكفير الفرق الأخرى و إخراجها من الملة. فكما أنك ولدت في مذهب معين دون اختيار منك فهناك في الجانب الآخر من ولد في مذهب آخر و يستنبط الحجج و البراهين على صحة مذهبه كما تفعل أنت بالضبط. و هذا لن يؤدي إلى أي نتيجة و سيزداد التعصب الأعمى و العناد كما استمر مئات السنين. و هذا الذي أدى إلى تشرذم الأمة و هوانها على الرغم من كثرة عددها و عتادها فهم غثاء كغثاء السيل كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم.

و على العكس تماماً من فقد استطاع سلفنا الصالح رضوان الله عليهم بإقناع أصحاب البلاد التي فتحوها بالدخول في الإسلام بشكل لم يسجل تاريخ البشرية على هذه الأرض مثيلاً له. فلم يحدث في تاريخ الاستعمار لأي بلد من البلدان أن ترك الناس دينهم بدون إكراه مهما كان في دينهم من السخافات و مهما كان في دين المستعمر من المنطق. حتى أن الإسلام دخل في بلاد كثيرة كجنوب شرق آسيا بواسطة التجار المسلمين المتقين و دون أية حروب. أما نحن و للأسف فإننا نطفش المسلمين "فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" آل عمران 159.

و أخيراً فإننا بحاجة إلى شيء من التواضع و التقوى لله، فلا نظن بأننا اهتدينا بمنطقنا و ذكائنا (الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) و لذلك مطلوب منا أن ندعوا ربنا كل يوم بأن يهدينا إلى الصراط المستقيم في كل ركعة. فليس منا من هو مبشر بالجنة، حتى أولئك العظام العشرة المبشرين بالجنة من بين مليارات المسلمين كانوا رضوان الله عليهم يتمنون أن يخرجوا من هذه الدنيا لا لهم و لا عليهم. أما نحن فنظن أننا قد أصبنا عين الحقيقة فاكتفينا بالمظاهر و ضمنا الجنة في جيوبنا دون غيرنا كما قال الذين من قبلنا (و قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم) البقرة 111، فدعونا أنا و من على شاكلتي ندعوا إلى أمة واحدة كما أرداها ربنا عز و جل "إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون". الأنبياء 92.

(فاتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم) صدق الله العظيم

Ali Amman
10-07-06, 11:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (3) دم المسلم حرام

فهذا الموضوع في غاية الأهمية و يؤثر علينا جميعاً كأمة إلا أنني سأتناوله بعيدا عن السياسة التي ليس فيها إثبات و لا دليل فهي بيد الكبار الذين لن يطلعونا في الغالب أبداً على ما يتفقون عليه و ما يخططون له. و اعذروني بداية على الإطالة التي لم أستطع تفاديها لأهمية الموضوع و حساسيته للمؤمن في آخرته قبل دنياه و سأعرضه على جزأين.

بداية فإنه من الواجب الشرعي على كل فرد منا أم يفهم ما يجري وفق ما أمر به الشرع الحنيف. يقول تعالى "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا" النساء 59 فهذه الآية تقر أننا يمكن أن نتنازع كما يحدث في هذا الموضوع الهام و لكن علينا أن نرده إلى الله و رسوله.

و لعل أهم ما في هذا الموضوع هو القتل اليومي للمسلمين في العراق و غيرها بما فيهم من أطفال و نساء و رجال مدنيين عزل فهل هناك حكم واضح جلي لله و رسوله في هذا الموضوع؟ لنر ذلك من خلال كتاب الله عز و جل و من خلال الأحاديث النبوية الشريفة و أخيراً من خلال من السيرة العملية لمرشدنا و قدوتنا و المعصوم وحده في هذه الأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

1) كتاب الله:
لنستعرض ثلاث آيات محكمات بينات وردن على التوالي في سورة النساء يلي كل واحدة من هذه الآيات الكريمات مقتطفات من التفاسير الموثوقة كتفسير الطبري و القرطبي و غيرهما.

الآية الأولى "و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا حطأ ..."النساء 92

هذه آية من أمهات الأحكام والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ، فقوله وما كان ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله : "وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله" [الأحزاب: 53] ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمناً قط لأن ما نفاه الله يجوز وجوده.

نزلت الآية بسبب قتل عياس بن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة العامري لحنة كانت بينهما ، فلما هاجر الحارث مسلماً لقيه عياش فقلته ولم يشعر بإسلامه فلما أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية.

ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم محترم الدم، وإنما خص المؤمن بالذكر تأكيداً لحنانه وأخوته وشفقته وعقيدته. ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقال لا إله إلا الله وقتلته قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح : قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا.

الآية الثانية "و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها و غضب الله عليه و لعنه و أعد له عذابا عظيماً" النساء 93
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يقتل مؤمناً عامداً قتله، مريداً إتلاف نفسه، فجزاؤه جهنم ، يقول: فثوابه من قتله إياه، جهنم ، يعني: عذاب جهنم، خالدا فيها ، يعني: باقياً فيها، والهاء والألف في قوله: فيها من ذكرجهنم ، وغضب الله عليه ، يقول: وغضب الله عليه بقتله إياه متعمداً، ولعنه يقول: وأبعده من رحمته وأخزاه، وأعد له عذابا عظيما ، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره.
حدثنا ابن حميد و ابن وكيع قالا، حدثنا جرير ، عن يحيى الجابر ، عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه! وأنى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه! رجل قتل رجلاً متعمداً جاء يوم القيامة آخذاً بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دماً، في قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بيده الأخرى يقول: سل هذا فيم قتلني؟ ووالذي نفس عبد الله بيده ، لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان.

وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمداً، فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء له: أي يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالداً فيها، وبين غضب الله عليه ولعنته له وإعداده له عذاباً عظيماً. وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا مثل هذا الوعيد وعيد. وانتصاب خالداً على الحال.
فحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما:أن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له ، فقيل له: ألي قد قال الله في سورة الفرقان:ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى أن قال ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب (الفرقان 67-70) فقال: كانت هذه في الجاهلية، وذلك ان أناساً من اهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:إن الذي تدعونا إليه لحسن ، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر إلى قوله إلا من تاب وآمن فهذه لأولئك، وأما التي في النساء فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم.

و أقول أن هذه الآية معطوفة على الآية الأولى "و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" فيكون معناها و إذا قتل مؤمن مؤمنا متعمدا فجزاؤه ... و إنما رفعت صفة الإيمان عن القاتل في الآية الثانية بعد قتله أخيه المؤمن. كذلك لا يمكن أن تكون في حق الكفار الذين يقتلون المسلمين فجزاء الكفار جميعاَ هو النار سواءا منهم من قتل المسلمين أم لم يقتلهم :كأبي جهل أو أبي طالب، أما الكافر الذي أسلم فإن إسلامه يجب ما قبله و يدخله الجنة إن شاء الله و إن كان قتل العديد من المسلمين كخالد ابن الوليد و عكرمة بن أبي جهل و أمثالهم من الصحابة رضوان الله عليهم. فالمقصود بهذا التغليظ و الوعيد هو أولئك المسلمين الذين يقتلون المسلمين فلا توبة لهم كما للكافر الذي أسلم و الله أعلم.

الآية الثالثة "يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا" النساء 94

قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك ، وكان من أهل فدك وكان مسلماً لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون، فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، السلام عليكم، فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً ، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :قتلتموه إرادة ما معه ؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال فكيف بلا إله إلا الله ؟قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال أسامة: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: اعتق رقبة .

استدل بهذه الآية من قال: إن الإيمان هو القول لقوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا قالوا: ولمن منع أن يقال لمن قال لا إله إلا لله لست مؤمناً مع من قتلهم بمجرد القول ولولا الإيمان الذي هو هذا القول لم يعب قولهم : قلنا: إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوذاً فقتلوه والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط.

ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم بيانه في البقرة وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام: أفلا شققت عن قبله فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأن حقيقته التصديق بالقلب ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط واستدل بهذا أيضاً من قال : إن الزنديق تقبل توبته إذا أظهر قال : لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام، وقد مضى القول في هذا في أول البقرة وفيها رد على القدرية فإن الله أخبر أنه من على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق والقدرية تقول: خلقهم كلهم الإيمان ولو كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى .

2) الأحاديث النبوية المطهرة:

لعل أعظم و أبين ما ورد في ذلك ما وصى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم للأمة في حجة الوداع فقد ورد في صحيح البخاري عن بن عمر رضي الله عنهما قال : (قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى أتدرون أي يوم هذا قالوا الله ورسوله أعلم فقال فإن هذا يوم حرام أفتدرون أي بلد هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال بلد حرام أفتدرون أي شهر هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال شهر حرام قال فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)

روى النسائي : أخبرنا الحسن بن إسحاق المروزي- ثقة قال حدثني خالد بن خداش قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا

وروي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء

و روى إسماعيل بن إسحاق بن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأله سائل فقال: يا أبا العباس هل للقاتل توبه؟ فقال له ابن عباس كالمعتجب من مسألته: ماذا تقول ! مرتين أو ثلاثاً ثم قال ابن عباس: ويحك ! أنى له توبة ! سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: يأتي المقتول معلقاً رأسه بإحدى يديه متلبباً قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دماً حتى يوقفا يقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به إلى النار و عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني.

سنن النسائي
أخبرنا يحيى بن حكيم البصري قال حدثنا بن أبي عدي عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم).

مسند ابي يعلي الموصلي
أخبرنا أبو يعلى قال : قرئ على بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، : (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث سريةً ، أوجيشا أوصى صاحبها بتقوى الله في خاصة نفسه ، وأوصاه بمن معه من المسليمن خيراً ثم قال :أغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليداً ، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الإسلام ، فإن أسلموا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم

سنن ابن ماجة
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله). و هذا التوجيه و التحذير النبوي الواضح و الصريح أراه موجهاً لنا الذين نكتب في هذا المنتدى الكريم و غيره من المنتديات علنا نخاف يوماً نلقى الله فرادى.

3) السيرة النبوية العملية
كما نعلم فإن الرسول صلى الله عليه و سلم قد عانى من المنافقين منذ أول يوم وصل فيه إليها و قد اشتد خطرهم و أذاهم له و للمؤمنين بشكل خطير جداً و خاصة أن الدولة الإسلامية وقتها كانت في بداية تكوينها و نشأتها مما يجعل أي معوق لها و لتطورها الناشيء في ذلك الوقت من أكبر الكبائر و أحقر الأفعال. لذلك أنزل الله تبارك و تعالى فيهم العديد من الآيات بل و السور الكاملة التي تتحدث عنهم و تبين حكم الله فيهم يوم القيامة فهم كالكفار في الآخرة بل هم أضل " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار و لن تجد لهم نصيرا" النساء 145.

و مع كل ذلك فإن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يقتلهم بل و لم يفضحهم و ذلك لسبب بسيط أنهم كانوا يشهدون بلسانهم فقط بأن لا إله إلا الله و بأنه رسول الله الأمر الذي منعه من قتلهم فهم أمام الناس أصحابه، و كان الناس يعرفونهم فقط عند موتهم لأنه صلى الله عليه و سلم كان يمتنع عندها فقط عن الصلاة عليهم لأنه أخبر بهم عن طريق الوحي من السماء. أما و قد انقطع خبر السماء بوفاته صلى الله عليه و سلم فلا يمكن لأحد أن يحكم على أحد بالإسلام أم الكفر إلا بالظاهر من القول.

و بعد فهذه الأدلة الجلية البينة هي حجة علينا جميعاً بأن نتقي الله و نتقي النار التي وقودها الناس و الحجارة و نتقي يوماً سوف كل واحد منا فرداً لوحده أمام الله عز و جل و يسأله عن أفعاله و أقواله إن كانت وفق ما أمر به أو نهى عنه و لنحذر جميعا أن نكون من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. في مسند أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر أنا شعبة قال : سمعت أبا إسحاق يقول : سمعت النعمان بن بشير و هو يخطب يقول : (سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه).

و لنكن جميعاً كما كان عمر رضي الله عنه فهو على علمه و قدره لمنزلته قربه من الرسول صلى الله عليه و سلم وقافاً عند كتاب الله عز و جل أي كثير التراجع و الاعتراف بالخطأ عند سماعه الأدلة من كتاب الله عز و جل.

و نحن كذلك أحق بهذا التواضع في الدين لله فنحن غير مبشرين بالجنة مثله و ذنوبنا كثيرة و أعمالنا الصالحة قليلة تافهة بالنسبة إلى سلفنا الصالح رضوان الله عليهم. و لندع دائماً في سجودنا مقلب القلوب بأن يثبت قلوبنا على دينه.

عن عبد الله بن جعفر الأصبهاني ، قال : سمعت أحمد بن عصام بن عبد المجيد يقول : سمعت محسن بن موسى يقول : : ( كنت عديل سفيان بن الثوري إلى مكة فرأيته يكثر البكاء فقلت له : يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفاً من الذنوب ؟ قال : فأخذ عودا من المحمل فرمي به فقال : إن ذنوبي أهون علي من هذا ، و لكني أخاف أن أسلب التوحيد).

و لنحمد الله وحده على هدايتنا فهي بالتأكيد ليس لنا بها فضل فإن الفضل في ذلك لله وحده الذي هدانا للإيمان فبرحمته و منه علينا كنا مؤمنين و لم نكن كافرين و لنردد قول المؤمنين في الجنة إن شاء الله "الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".

و أخيراً أختم بهذه الآية الكريمة التي أرجو أن تكون لنا واعظاً كما كانت لمن نزلت فيهم من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله و ما نزل من الحق و لا يكونوا أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثير منه فاسقون" الحديد 16 صدق الله العظيم.

و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.

يتبع بإذن الله تعالى ...

Ali Amman
10-27-06, 02:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

1. و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (4) خلافــة رسول الله صلى الله عليه و سلم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

شغل بعض المسلمين على مر التاريخ الإسلامي بموضوع أحقية خلافة رسول الله صلى الله عليه و سلم، على الرغم من تقادم الزمن و كذلك على الرغم من عدم الجدوى من الجدال حوله نظراً لانعدام تأثير هذا الحدث السياسي الذي حصل قبل 1400 على أوضاعهم السياسية التي يعيشونها. و الغريب أن يزداد انشغال المسلمين بشأن هذا الحدث بشكل أكبر كلما بعدت المسافة الزمنية التي تفصلهم عن الحدث و كذلك كلما ابتعد فهمهم لهذا الدين عن الفهم الصحيح الذي حظي به أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم. غير أن ما يدفعنا الى الكتابة عن هذا الموضوع هو الخلط الذي يسود عقلية جميع الفرقاء بين السياسة و الدين في هذا الحدث مما يؤثر سلباً على الفهم للواقع الحالي.

بداية فإنه إذا أردنا أن نفهم حدث خلافة رسول الله صلى الله عليه و سلم كما فهمه أصحابه رضوان الله عليهم جميعاً، لا بد لنا من دراسة أهم حدث سياسي نشأ عن وفاة النبي صلى الله و هو خلو منصب رئيس الدولة الإسلامية. فكما جاء في سيرة ابن هشام و غيرها من السير و كتب الصحاح انه بمجرد انتقال الرسول صلى الله عليه و سلم إلى الرفيق الأعلى بادر الصحابة إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة. و نظراً للأهمية البالغة لما جرى في السقيفة دعونا نستعرض أهم الأحداث التي جرت بشأن انتخاب أول رئيس للدولة الإسلامية بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم نناقشها و نناقش فهم ألأمة لها فيما بعد:

(قال ابن اسحق: و لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم انحاز هذا الحي من الأنصار الى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، و اعتزل علي بن أبي طالب و الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، و انحاز بقية المهاجرين الى أبي بكر .. فأتى آت الى ابي بكر و عمر فقال: ان هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم (و رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله). قال عمر لأبي بكر: إنطلق بنا الى اخواننا من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه.

فانطلق أبو بكر و عمر رضي الله عنهما حتى جاؤوهم في سقيفة بني ساعدة، فلما جلسا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله و قال: أما بعد فنحن أنصار الله و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، و قد دفت دافة منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا و يحصونا من الأمر.

فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال: أما بعد، فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، و ما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً و داراً، و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم، و أخذ بيد عمر بن الخطاب و يد أبي عبيدة بن الجراح.

فقال الحباب بن المنذر: منا أمير و منكم أمير. فكثر اللغط و ارتفعت الأصوات حتى خشي الاختلاف، فقال عمر لأبي بكر ابسط يدك يا أبا بكر فبايعه و بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار. و كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيته فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار و لا رداء عجلاً كراهية أن يبطيء عنها حتى بايعه، ثم جلس إليه و بعث الى ثوبه فأتاه فتخلله، و لزم مجلسه.

و لما بويع أبو بكر رضي الله عنه في السقيفة، و كان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، و قام عمر فتكلم قبل أبي بكر فقال ان الله جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم و ثاني اثنين إذ هما في الغار، ثم دعا الناس أن يقوموا ليبايعوا أبا بكر. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.

ثم تكلم أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإني قد وليت عليكم و لست بحيركم، فإن أحسنت فأعينوني، و إن أسأت فقوموني. الصدق أمانة و الكذب خيانة، و الضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، و القوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، و لا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله و رسوله، فإن عصيت الله و رسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

بعد تدبر هذا الحدث السياسي الأهم في تاريخ الدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم يمكننا أن نستنتج بعض الملاحظات التالية:

1. أن الصحابة جميعاً رضوان الله عليهم قد أجمعوا بتصرفاتهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم و ما تبعه من أحداث و حتى انتخاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لم يكن لدى أي منهم وصية من رسول الله صلى عليه و سلم بتسمية خليفته، و الدليل على ذلك أنه لم يتقدم بهذا الدليل أي من الأنصار أو ألمهاجرين أو من بقوا في بيت فاطمة رضي الله عنها، أو حتى عندما اشتد النقاش في سقيفة بني ساعدة. و حيث أن هؤلاء هم من كانوا أقرب الناس إليه و أصدقهم نقلاً عنه فلا يعقل أن يكتم كلهم جميعاً أي توجيه صدر عن النبي صلى الله عليه و سلم بهذا الخصوص إزاء مسألة هامة جداً في حياة الأمة.
2. أن النقاشات التي دارت بين الصحابة في السقيفة كانت كلها نقاشات سياسية بالمعنى السائد في ذلك الزمان، و كذلك المدخل لحل الموضوع كما اقترحه أبو بكر رضي الله عنه هو مدخل سياسي " و ما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً و داراً" و هو يناسب تماماً المرحلة التي كانت تعيشها الدولة الإسلامية آنذاك. و نعود و نكرر بأنه لو كان عند أحد من الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً أي اعتراض على هذا المدخل السياسي كقول أو توجيه أوصى به النبي صلى الله عليه و سلم لما تردد في بيانه، فهم الأقرب إلى عهد الوحي الذي كان يتنزل على النبي، من أي من أولئك الذين سيأتون من المسلمين فيما بعد ليؤولوا أفعال و أقوال رسول الله صلى الله عليه و سلم لصالح هذا الطرف أو ذاك.
3. لا شك أن فضل أبي بكر رضي الله عنه الذي أجمع عليه الصحابة جميعاً بما قرءوه في الكتاب و ما سمعوه مباشرة من النبي صلى الله عليه و سلم، لا شك بأن هذا الفضل الواضح الجلي ساعد لأقصى درجة في حل موضوع الخلافة بهذه السرعة القياسية و بهذه السلاسة كذلك. و هذا تماماً ما كانت الدولة بحاجة إليه في ظل أعظم مصيبة يمكن أن تمر على المسلمين بوفاة الرسول صلى الله عليه و سلم فكانت بحاجة لمن هو الأقرب لفهم الرسالة و هدفها و هو أبو بكر ثاني الاثنين.
4. غير أن هذا الفضل وحده لم يكن كافياً سياسياً لاختيار الخليفة لذلك كان من الضروري لإضفاء الشرعية لخلافته أن تتم البيعة الخاصة أولاً في السقيفة ثم البيعة من الناس جميعاً بعد ذلك. و سياسياً أيضاً و على الرغم من فضل الصديق فلا بد أن يتعهد بأن يحكم بالعدل و يلتزم به بل و يكون شرطاً لبقائه " أطيعوني ما أطعت الله و رسوله، فإن عصيت الله و رسوله فلا طاعة لي عليكم" و ذلك امتثالاً لقوله تعالى " و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" النساء 58.
5. و من الطبيعي و بمرور الزمن أن لا تبقى هذه السلاسة على حالها و يصبح انتقال السلطة يأخذ بالازدياد صعوبة خليفة بعد خليفة و يمكن أن يصل إلى صدام خاصة إذا وجد هناك من يبغي زراعة الفتنة بين المسلمين. إذا يحق لسائل أن يسأل لماذا لم يسمي الرسول صلى الله عليه و سلم خليفته (بل و خلفائه من الصحابة) مع العلم أنه كان يعلم من ربه بأمور الفتنة التي كانت ستحصل بين الصحابة و قد حذرهم منها بل و ذكر لهم تفاصيل دقيقة عنها (كخروج السيدة عائشة رضي الله عنها لموقعة الجمل و مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه و كيف أن الحسن بن علي رضي الله عنهما سيصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين)، حيث كان يمكن تجنب الفتن و الاقتتال الذي حصل نتيجة لذلك؟
6. و الجواب على ذلك بالنفي و لكن لماذا؟ نحن نعلم أن اختيار الرسول صلى الله عليه و سلم كان اختياراً ربانياً فالله وحده هو الذي اختاره كآخر الرسل. فلو كان اختار من يخلفه (وهو لا ينطق عن الهوى) أي أن الخلفاء هم أيضاً مختارون من ربهم كالأنبياء و الرسل. و هكذا فإن من اختاره الرسول سيختار من بعده و هكذا، و هذا يعني أنه لا داعي للشرطين الذين ذكرنا (البيعة و الحكم بالعدل) و لنتخيل ما سيحصل بعد ذلك خلفاء ليسوا بحاجة لا إلى بيعة الناس و لا إلى الحكم بينهم بالعدل بما أنزل الله. إذا هل كان من الأفضل تسمية الخلفاء أم ترك ذلك للأمة لتقرر الأصلح و الأنسب و ليبقى من يحاسبه على حكمه إذا كان غير عادل؟
7. و أخيراً يبقى سؤال واحد، هل فهم المسلمون من بعد ما فهمه الصحابة لموضوع الخلافة أم أن تقادم الأيام و تآكل الإيمان و التقوى قد حرفت هذا الفهم؟ للأسف فالجواب أنهم ابتعدوا عن الفهم الصحيح، فكل الفرقاء يحاول أن يلوي الأدلة الشرعية من الكتاب و السنة ليدلل أن الخليفة أبو بكر هو ما اختاره الشرع و آخر يقول أن علياً هو أحق بالخلافة، و هم بذلك أولاً إنما يختلفون فيما لم يختلف عليه أصحاب الشأن، و ثانياً أن هذا لا يجوز لا من الناحية الشرعية و لا من الناحية السياسية إذا أردنا توفر شرطي الخلافة: إختيار الناس للأصلح و الأنسب و محاسبة الخليفة للتأكد من الحكم بالعدل.

و الله من وراء القصد
و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم

يتبع بإذن الله تعالى ...

Ali Amman
11-09-06, 03:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
5. و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (5) الإختلاف المحمود في عهد الصحابة

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

أمرنا ربنا عز و جل بالتوحد و نبذ الفرقة فيما بيننا كما أمرنا بذلك أيضاً نبينا الكريم صلوات الله و سلامه عليه، و الأمثلة كثيرة وفيرة منها:
قال تعالى ((و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا)) (آل عمران 103)
قال تعالى: ((شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. ))(الشورى:13) .
و قال تعالى ((وَلا تنازعوا فتفْشَلُوا وتَذْهب رِيحُكم )) [الأنفال:46]

ومن حديث أبي الدرداء: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة".
قال الترمذي: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".
ومن حديث أبي هريرة: "إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة".

ويكفي لمعرفة أضرار الاختلاف وخطورته أن نبي الله هارون عليه السلام عدّ الاختلاف أكبر خطراً، وأشد ضرراً من عبادة الأوثان. فحين صنع السامري لقومه عجلاً من الذهب وقال لهم: ((هذا إلهُكُم وَ إلهُ مُوسى )) [طه:88] التزم جانب الصمت وبقي ينتظر أخاه موسى عليه السلام، ولما وصل موسى ورأى القوم عاكفين على العجل وجه أشد اللوم إلى أخيه، فما كان عذر أخيه إلا أن قال: ((يا ابن أمّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيتي ولا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فرَّقْتَ بيْنَ بَنِي إسْرائيل وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي… )) [طه:94] فجعل من خوف الفرقة والاختلاف بين قومه عذراً له في عدم التشديد في الإنكار، ومقاومة القوم والانفصال عنهم حين لا ينفع الإنكار!!

أما الاختلاف في وجهات النظر إذا روعي فيه آداب الإسلام فهو على العكس فيه إثراء للأفكار و هو أمر فطري نتيجة تمايز العقول و اختلاف ظروف الناس. ((وَلَوْ شاء ربُّك لجَعل النَّاس أمَّةً واحدةً ولا يزالُون مُخْتلِفين )) (هود:118).

و هذا ما فهمه و استوعبه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فلم تختلف قلوبهم أبداً و أن اختلفت جوارحهم مرة، كذلك لم تغير اختلاف وجهة نظرهم في تقديرهم و احترامهم لبعضهم البعض. و الأمثلة كثيرة تملأ تراثنا في كتب التراجم و الطبقات و التاريخ، و سأورد هنا بعض الأمثلة الناصعة و الراقية لاختلاف بعض الصحابة، نتبعها في مرة قادمة (إن شاء الله) بأمثلة بهية مثلها لاختلاف جيل التابعين و الأئمة رضوان الله عليهم جميعاً.

أبو بكر و عمر رضي الله عنهما:
سبي أهل الرِّدة، فقد كان أبو بكر يرى سبي نساء المرتدين على عكس ما يراه عمر الذي نقض ـ في خلافته ـ حكم أبي بكر في هذه المسألة، وردهن إلى أهليهن حرائر إلاّ من ولدت لسيدها منهن، ومن جملتهن كانت خولة بنت جعفر الحنفية أم محمد بن علي رضي الله عنهما.

كما اختلفا في قسمة الأراضي المفتوحة: فكان أبو بكر يرى قسمتها وكان عمر يرى وقفها ولم يقسمها.

وكذلك اختلفا في المفاضلة في العطاء، فكان أبو بكر يرى التسوية في الأعطيات حين كان يرى عمر المفاضلة وقد فاضل بين المسلمين في أعطياتهم.

وعمر لم يستخلف على حين استخلفه أبو بكر، كما كان بينهما اختلاف في كثير من مسائل الفقه، ولكن الخلاف ما زاد كلاً منهما في أخيه إلاّحباً، فأبو بكر حين استخلف عمر قال له بعض المسلمين: "ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى من غلظته؟ قال: أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك ".

وحين قال أحدهم لعمر رضي الله عنه: "أنت خير من أبي بكر. أجهش بالبكاء وقال: والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر ".

إبن عباس و زيد بن ثابت رضي الله عنهما:
كان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب كالصدِّيق وكثير من الصحابة إلى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في المواريث كالأب، وكان زيد بن ثابت كعلي وابن مسعود وفريق آخر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يذهب إلى توريث الإخوة مع الجد ولا يحجبهم به، فقال ابن عباس يوماً: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً!: وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع، فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.

إن ابن عباس رضي الله عنهما الذي بلغت ثقته بصحة اجتهاده وخطأ اجتهاد زيد هذا الحد الذي رأيناه، رأى زيد بن ثابت يوماً يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تَنَحَّ يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. وحين توفي زيد قال ابن عباس "هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير ".

و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

يتبع بإذن الله تعالى ...

Ali Amman
11-21-06, 10:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (6) الاختلاف المحمود بين الأئمة

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

نعرض هنا جهداً متواضعاً عله يساهم في إعطاء نموذج إيجابي لمل يجب أن يكون عليه اختلافنا، فنستكمل في هذا الجزء سرد السيرة العطرة لأدب الاختلاف لسلفنا الصالح. بعد أن كنا عرضنا نماذج ناصعة من حياة الصحابة رضوان الله عليهم نعرض هنا نماذج لأدب الاختلاف و العلم لأئمة المذاهب لنرى كيف أنهم هم من أسسوا تلك المذاهب أبعد ما كانوا عن التعصب للرأي و التزمت و النظرة الأحادية التي ابتلينا بها في هذا العصر.

كان مالك رحمه الله أثبت الأئمة في حديث المدنيين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوثقهم إسناداً، وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة رضوان الله عليهم أجمعين، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، وقد حدّث وأفتى رضي الله عنه.

وألّف كتابه "الموطأ" الذي توخى فيه إيراد القوي من حديث أهل الحجاز، كما نقل ما ثبت لديه من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وبوّبه على أبواب الفقه فأحسن ترتيبه وأجاد، وقد اعتبر "الموطأ " ثمرة جهد الإمام مالك لمدة أربعين عاماً، وهو أول كتاب في الحديث والفقه ظهر في الإسلام ، وقد وافقه على ما فيه سبعون عالماً من معاصريه من علماء الحجاز.

ومع ذلك فحين أراد المنصور كتابة عدة نسخ منه، وتوزيعها على الأمصار، وحمْل الناس على الفقه الذي فيه حسماً للخلاف كان الإمام مالك أول من رفض ذلك، فقد روي عنه أنه قال: "يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم… فقال الخليفة: وفقك الله يا أبا عبد الله ".

فأي رجل هذا الإمام الجليل الذي يأبى أن يحمل الناس على الكتاب الذي أودع فيه أحسن ما سمع من السنة، وأقوى ما حفظ وأدرك من العلم الذي لا اختلاف فيه عند أهل المدينة وذلك الحشد من علماء عصره.

و لم يكن أدب السلف الصالح يقتصر على تجنب التجريح والتشنيع، بل كان من الآداب الشائعة في ذلك الجيل من العلماء التثبت في أخذ العلم واجتناب الخوض فيما لا علم لهم به، والحرص على تجنب الفتيا خوفاً من الوقوع في الخطأ.

وقد ارتفع هؤلاء الرجال فوق مشاعر الإحساس بالغضاضة، فقد يتوقف أحدهم أمام مسألة، وذكر أن قومه أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، قال مالك: فأخبر الذي أرسلك أني لا علم لي بها. قال الرجل: ومن يعلمها؟ قال مالك: من علّمه الله، قالت الملائكة: ((لا عِلْمَ إلاّ ماَ عَلَّمْتَنَا )) (البقرة: 32).

وروي عن مالك أيضاً أنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: "لا أدري ".

وروي عن مالك، عن عبد الله بن يزيد بن هرمز قال: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول (لا أدري ) حتى يكون ذلك في أيديهم أصلاً يفزعون إليه، فإذا سئل أحد عما لا يدري قال: لا أدري.

صلى الشافعي رحمه الله الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله فلم يقنت - والقنوت عنده سنة مؤكدة - فقيل له في ذلك، فقال: "أخالفه وأنا في حضرته ".

يقول الإمام الشافعي: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد آمن علي من مالك بن أنس…وكان يقول: إذا جاءك الحديث من مالك فشد به يديك، كان مالك بن أنس إذا شك في الحديث طرحه كله.

عن عبد الله بن الإمام أحمد قال، قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني أسمعك تكثر الدعاء له؟ فقال: يا بني: كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟ . وعن صالح بن الإمام أحمد قال: لقيني يحيى بن معين فقال: أما يستحيي أبوك مما يفعل؟ فقلت: وما يفعل؟ قال: رأيته مع الشافعي والشافعي راكب، وهو راجل آخذ بزمام دابته. فقلت لأبي ذلك، فقال: إن لقيته فقل: يقول لك أبي: إذا أردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر.

وعن أبي حميد بن أحمد البصري قال: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة، فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله لا يصح فيه حديث. فقال: إن لم يصح فيه حديث ففيه يقول الشافعي وحجته أثبت شيء فيه.

وكان الشافعي حين يحدث عن أحمد لا يسميه (تعظيماً له ) بل يقول: "حدثنا الثقة من أصحابنا أو أنبأنا الثقة أو أخبرنا الثقة ".

أما الإمام الشافعي فما أكثر ما روي عنه قوله: … الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.

و يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "المسلمون متفقون جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا فقد كان بعضهم يصلي خلق بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سراً ولا جهراً وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد… وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك؟

وبعد فتلك لمحات خاطفة توضح لنا بعض ما كان عليه أسلافنا من أدب جم، وخلق عال لا ينال منه الاختلاف، ولا يؤثر فيه تباين الاجتهادات، وتلك آداب الرجال الذين تخرجوا في المدرسة المحمدية، فما عاد للهوى عليهم من سلطان؛ وكتب التراجم والطبقات والمناقب والتاريخ حافلة بما لا يحصى من المواقف النبيلة، والمناظرات الطريفة بين كبار الأئمة والتي كان الأدب سداها، والخلق الإسلامي الرفيع لحمتها، وحري بنا ونحن نعيش الشتات في كل أمورنا أن نعود إلى فيء تلك الدوحة المباركة، ونلتقي على الآداب الكريمة التي خلفها لنا سلفنا الصالح إن كنّا جادين في السعي لاستئناف الحياة الإسلامية الفاضلة.

و الله من وراء القصد
و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.
يتبع بإذن الله ...

Ali Amman
11-26-06, 09:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (7) معنى حعل بأس هذه الأمة بينها

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

يقول بعض الناس: إن تفرق الأمة أمر لازم فرضه القدر وأخبر به الشرع فلا مناص منه، ولا مهرب منه، و يدل على ذلك:
1. ما جاء من أحاديث تكاثرت واستفاضت تنبئ بأن الله تعالى جعل بأس هذه الأمة بينها.
2. حديث افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
و نورد هنا مختصراً لما قدمه فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه "الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع و التفرق المذموم" عن معنى جعل بأس هذه الأمة بينها، على أن نقدم تفسيره لحديث افتراق الأمة إلى ثلاثة و سبعين فرقة في مرة قادمة إن شاء الله.

معنى جعل بأس هذه الأمة بينها:

أما أحاديث جعل هذه الأمة بأسها بينها، وتسليط بعضها على بعض، فهي أحاديث صحيحة مستفيضة رويت عن عدد من الصحابة، منهم سعد بن أبي وقاص وثوبان، وجابر بن عتيك، وأنس بن مالك، وحذيفة ومعاذ بن جبل، وخباب بن الأرت، وشداد بن أوس، وخالد الخزاعي، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس وأبي هريرة.

وقد ذكر هذه الأحاديث الحافظ ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) (سورة الأنعام 65)

و من هذه الأحاديث ما رواه أحمد ومسلم عن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة أعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".

ففي هذا الحديث و غيره من الأحاديث المشابهة ـ وما في معناها مما لم نذكره ـ واضحة الدلالة على المراد، وهو أن الله تعالى ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم في أمته أمرين كرامة له عليه الصلاة والسلام، وأجاب دعوته فيهما:

الأول: أن لا يهلكها بما أهلك به الأمم السابقة بمثل الغرق الذي أهلك الله به القوم نوح، أو فرعون وجنوده، أو بالسنين أي المجاعات الماحقة التي تهلك بها الأمة كافة، أو بغير ذلك من الرجم من فوقهم أو الخسف من تحت أرجلهم.

الثاني: أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، يسلط عليهم بحيث يستبيح بيصتهم ويستأصل شأفتهم، ويقضي على وجودهم.

ولكن أمرا آخر طلبه النبي صلى الله عليه وسلم من ربه، فلم يجب إليه ولم يضمنه له، وهو: أن لا يلبس هذه الأمة شيعا، ولا يجعل بأسها بينها، فلم يجب الله سبحانه لرسوله الكريم هذا السؤال، وتركه للسنن الكونية والاجتماعية، ولشبكة الأسباب والمسببات.

فالأمة هنا هي مالكة أمر نفسها، لم يجبرها الله على شيء، ولم يخصها ـ في هذا المجال ـ بشيء، فإذا هي استجابت لأمر ربها، وتوجيه نبيها، ودعوة كتابها، ووحدت كلمتها، وجمعت صفها، عزت وسادت وانتصرت على عدو الله وعدوها، وحققت ما يرجوه الإسلام منها، وإن هي استجابت لدعوات الشياطين، وأهواء الأنفس تفرقت بها السبل، وسلط عليها أعداؤها، من خلال تفرقها، وتمزق صفوفها.

والحديث لا يعني بحال أن يكون تفرق الأمة وتسلط بعضها على بعض أمرا لازما، ودائما وعاما، يشمل كل الأزمنة، وكل الأمكنة، وكل الأحوال إلى يوم القيامة.

وإلا لم يكن هناك معنى لقوله تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" (آل عمران103)

ولا لقوله عز وجل: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم" (آل عمران 105)

ولا لقوله سبحانه: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" (سورة الأنفال: 46)

ولا لقوله جل شأنه: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص" (سورة الصف: 4)

ولا لقوله عز من قائل: "ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون" (سورة الروم:) 31-32)).

ولا لقوله: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون" (سورة المؤمنين:52).

ولا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا".

ولا لقوله عليه الصلاة والسلام: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا".

وقوله: "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر".

وقوله: "لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا".

إلى غير ذلك من نصوص القرآن والحديث التي أمرت بالاتحاد والائتلاف، ونهت عن التفرق والاختلاف والتي أوجبت على المسلمين أن يكون لهم إمام واحد، وأن لا يبايعوا لخليفتين في وقت واحد، وأن يقاوموا من يريد أن يفرق كلمتهم وأمرهم جميع.. الخ.

ولو كان التفرق قدرا مفروضا على الأمة بصورة عامة ودائمة لكانت هذه الأوامر والنواهي عبثا، لأنها تأمر بما لا يمكن وقوعه، وتنهى عما يستحيل اجتنابه.

والأحاديث التي أخبرت بأن الله لم يسلط على الأمة عدوا من غيرها يقوض بنيانها، ويأتي عليه من القواعد، وإنما تركها لأنفسها، وجعل بأسها بينها ـ لم تخبر بأن هذا أمر واقع في كل بقعة من أرض الإسلام، وفي كل عصر من العصور.
إنما هو داء وبيل تصاب به الأمة كلما تهيأت أسبابه، ولم تتحصن منه بما ينبغي، كما يصاب الفرد بالمرض إذا أهمل الوقاية، أو قصر في العلاج.

وقد يقع في مكان دون مكان، وفي زمان دون زمان، وبين قوم معينين دون غيرهم، ويكفي مثل هذا ليصدق الخبر النبوي.

وقد جاء في بعض الأحاديث، أن جعل بأس الأمة بينها يكون عقوبة من الله لها على انحرافها عن شرعه وكتابه، ولا سيما أئمتها ورؤساؤها. كما جاء في حديث ابن عمر مرفوعا: "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم".

على أن ما أنذرت به الأحاديث المذكورة من جعل بأس الأمة بينها يمكن أن يفسر بما وقع بالفعل في بعض الأزمنة السابقة، كما وقع في عهد الصحابة أنفسهم من الفتن، وما وقع في عهود من بعدهم، في العصر الأموي ثم في العصر العباسي، مما مهد لدخول الصليبيين من الغرب، والتتار من الشرق، إلى دار الإسلام، والسيطرة على أجزاء منها مدة من الزمان.

و من جهة أخرى بشرت أحاديث أخرى بأن الإسلام ستعلو كلمته، وأنه سيدخل أوروبا مرة أخرى، بعد أن طرد منها مرتين، وأنه سيفتح (رومية) كما فتح من قبل (القسطنطينية) وأنه لا يبقى بيت مدر أو وبر إلا أدخله الله هذا الدين، الذي سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، ومعلوم أن هذا كله لا يمكن أن يتم والأمة ممزقة يضرب بعضها رقاب بعض، إنما يتم ذلك حين تتوحد الكلمة على الإسلام، وتمضي الأمة تحت راية الإيمان.

و أخيراً نقول بأنه علينا العمل بكل ما أوتينا لتوحيد هذه الأمة كما أرادها خالقها أمة واحدة لتحوز ببشائر الوحدة و نتائجها و لتتجنب نذر الفرقة و مصائبها الواجبة على كل أمة متفرقة حتى و لو كانت أمة الإسلام.

و الله من وراء القصد
و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.

يتبع بإذن الله تعالى ...

Ali Amman
12-03-06, 11:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (8) حديث افتراق الأمة إلى فرق

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

نستكمل هنا ملخص ما أورده شيخنا الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع و التفرق المذموم" بما يتعلق بموضوع فهم الناس بأن افتراق الأمة كائن لا محالة، و هذا الجزء يتعلق بحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة:

أما حديث افتراق الأمة إلى فرق فوق السبعين كلها في النار إلا واحدة، ففيه كلام كثير في ثبوته وفي دلالته:

أ- فأول ما ينبغي أن يعلم هنا أن الحديث لم يرد في أي من الصحيحين، برغم أهمية موضوعه، دلالة على أنه لم يصح على شرط واحد منهما. وما يقال من أنهما لم يستوعبا الصحيح، فهذا مسلم به، ولكنهما حرصا أن لا يدعا بابا مهما من أبواب العلم إلا و رويا فيه شيئا ولو حديثا واحدا.

ب- إن بعض روايات الحديث لم تذكر أن الفرق كلها في النار إلا واحدة، وإنما ذكرت الافتراق وعدد الفرق فقط. وهذا هو حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وفيه يقول:
"افترقت اليهود على إحدى ـ أو اثنتين ـ وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى ـ أو اثنتين ـ وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".
والحديث ـ وإن قال فيه الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم ـ مداره على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ومن قرأ ترجمته في "تهذيب التهذيب"، علم أن الرجل متكلم فيه من قبل حفظه، وإن أحدا لم يوثقه بإطلاق وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه. ولهذا لم يزد الحافظ في التقريب على أن قال: صدوق له أوهام. والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي ما لم ينضم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام؟؟‍!
ومعلوم أن الترمذي وابن حبان والحاكم من المتساهلين في التصحيح، وقد وصف الحاكم بأنه واسع الخطو في شرط التصحيح.

وهو هنا صحح الحديث على شرط مسلم، باعتبار أن محمد بن عمرو احتج به مسلم، ورده الذهبي بأنه لم يحتج به منفردا، بل بانضمامه إلى غيره . على أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة ليس فيه زيادة: أن الفرق "كلها في النار إلا واحدة" وهي التي تدور حولها المعركة.

وقد روي الحديث بهذه الزيادة من طريق عدد من الصحابة: عبد الله بن عمرو، ومعاوية، وعوف بن مالك وأنس، وكلها ضعيفة الإسناد، وإنما قووها بانضمام بعضها إلى بعض.

والذي أراه أن التقوية بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، فكم من حديث له طرق عدة ضعفوه، كما يبدو ذلك في كتب التخريج، والعلل، وغيرها! وإنما يؤخذ بها فيما لا معارض له، ولا إشكال في معناه.

وهنا إشكال أي إشكال في الحكم بافتراق الأمة أكثر مما افترق اليهود والنصارى من ناحية، وبأن هذه الفرق كلها هالكة وفي النار إلا واحدة منها. وهو يفتح بابا لأن تدعى كل فرقة أنها الناجية، وأن غيرها هو الهالك، وفي هذا ما فيه من تمزيق للأمة وطعن بعضها في بعض، مما يضعفها جميعا، ويقوي عدوها عليها، ويغريه بها.

ولهذا طعن العلامة ابن الوزير في الحديث عامة، وفي هذه الزيادة خاصة، لما تؤدي إليه من تضليل الأمة بعضها لبعض، بل تكفيرها بعضها لبعض.
قال رحمه الله في "العواصم" وهو يتحدث عن فضل هذه الأمة، والحذر من التورط في تكفير أحد منها، قال: وإياك والاغترار بـ "كلها هالكة إلا واحدة" فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة.
قال: وعن ابن حزم: إنها موضوعة، عير موقوفة ولا مرفوعة، وكذلك جميع ما ورد في ذم القدرية والمرجئة والأشعرية، فإنها أحاديث ضعيفة غير قوية.

ج- إن من العلماء قديما وحديثا من رد الحديث من ناحية سنده، ومنهم من رده من ناحية متنه ومعناه.
فهذا أبو محمد بن حزم، يرد على من يكفر الآخرين بسبب الخلاف في الاعتقاديات بأشياء يوردونها. وذكر من هذه الأشياء التي يحتجون بها في التكفير حديثين يعزونهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هما:
1. "القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة".
2. "تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، كلها في النار حاشا واحدة، فهي في الجنة".
قال أبو محمد: هذان حديثان لا يصحان أصلا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟

وهذا الإمام اليمني المجتهد، ناصر السنة، الذي جمع بين المعقول والمنقول، محمد بن إبراهيم الوزير يقول في كتابه "العواصم والقواصم" أثناء سرده للأحاديث التي رواها معاوية رضي الله عنه، فكان منها (الحديث الثامن): حديث افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة، قال: وفي سنده ناصبي، فلم يصح عنه، وروى الترمذي مثله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: حديث غريب. ذكره في الإيمان من طريق الإفريقي واسمه عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عنه.
وروى ابن ماجه مثله عن عوف بن مالك، وأنس.
قال: وليس فيها شيء على شرط الصحيح، ولذلك لم يخرج الشيخان شيئا منها. وصحح الترمذي منها حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه "كلها في النار إلا فرقة واحدة" وعن ابن حزم: أن هذه الزيادة موضوعة ذكر ذلك صاحب "البدر المنير".

وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض)، وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة" ولم يزد على ذلك فلم يصفه بصحة ولا حسن، رغم أنه أطال تفسير الآية بذكر الأحاديث والآثار المناسبة له.

وذكر الإمام الشوكاني قول ابن كثير في الحديث ثم قال: قلت: أما زيادة "كلها في النار إلا واحدة" فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة.

على أن الحديث ـ وإن حسنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر، أو صححه بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه ـ لا يدل على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد، أمر مؤيد ودائم إلى أن تقوم الساعة، ويكفي لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات.

فقد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحق باطلها، فتنقرض ولا تعود أبدا.
وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة، فقد هلك بعضها، ولم يعد لها وجود.

ثم إن الحديث يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته صلى الله عليه وسلم أعني أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله: "تفترق أمتي" ومعنى هذا أنها ـ برغم بدعتها ـ لم تخرج عن الملة، ولم تفصل من جسم الأمة المسلمة.
وكونها (في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين.

وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين وقد يكون لهم من الحسنات الماحية أو المحن والمصائب المكفرة، ما يدرأ عنهم العذاب.
وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنهم لم يوفقوا وأخطئوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

و الله من وراء القصد
و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.
يتبع بإذن الله تعالى ...

Ali Amman
12-17-06, 11:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

و إن هذه أمتكم أمة واحدة - صدق الله العظيم (9) القدوة بالمعصوم و الإلتزام بالمنهج

أنعم الله على هذه الأمة بهذا الدين العظيم ذي القيم الربانية السامية الخالدة. فهي مخلدة في كتاب الله عز و جل و في ما روي عن المعصوم صلوات الله و سلامه عليه من قول أو فعل أو تقرير. و لنا أن نعتز كمسلمين بهذه القيم حيث أنها استودعت و حفظت ضمن هذين الوعائين الذين لا يأتيهما الباطل من بين أيديهما و لا من خلفهما بمنة من الله و فضل على هذه الأمة الخالدة. أما خارج ذلك فهو قابل للخطأ و للصواب لأنه من صنع البشر الخطائين غير المعصومين سواءاً كانوا أفراداً أو جماعات (تيارات أو أحزاب أو مذاهب ...).

أن أسوتنا كمسلمين هو فقط رسول الله صلى الله عليه و سلم "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر"، فهو الوحيد المعصوم بأمر الله لحفظ الرسالة المنزلة عليه و تنزيهها عن الهوى. فهذا أفضل الصحابة و أسبقهم إلى الإسلام و صاحبه في الغار أبو بكر رضي الله عنه يقول للمسلمين عند توليه الخلافة "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم" فكيف بمن جاء بعده؟

فالانتماء للإسلام والالتزام بالمنهج، والطاعة المبصرة ، ضرورة لسلامة الطريق، والحصانة الأكيدة ضد صور الإحباط والانكسار التي يمكن أن تلحق بالجيل نتيجة الانتماء للأشخاص. و المطلوب إسلامية الإلتقاء مع الأشخاص على المنهج الصحيح والافتراق عليه (.. ورجلان تحابا في الله، اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ).

فالقيم الإسلامية ثابتة معصومة، والأشخاص أعراض زائلون، والأحياء لا تؤمن عليهم الفتنة، وإن ميزان الكرامة: التقوى والعمل الصالح، وإن الذي يهمنا هو الحكم على العمل ومدى انطباقه على المنهج الإسلامي والقدرة على تمييز الخطأ والصواب، وإعطاء العلامة للأعمال وليس للأشخاص، والالتزام بالأدب الإسلامي عند وجود الخلاف..

فالأشخاص يقاسون بالمنهج الإسلامي والقيم الإسلامية، ولا يقاس الإسلام بهم مهما علا شأنهم، والذي يمثل محل الأسوة والقدوة بالنسبة للمسلم هو المعصوم عليه الصلاة والسلام "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر" صدق الله العظيم.

وكل البشر يخطىء ويصيب ، ويؤخذ من كلامه ويرد إلاّ المعصوم صلى الله عليه وسلم، وهذا في نظرنا يشكل الضمانة الأكيدة لسلامة العمل واستمراره وسداده.. ذلك أن المشكلة في التصور الإسلامي الآ ن، كما يبدو أننا قد نصل في تقديس الأشخاص إلى العصمة عن الخطأ ـ إلى مرحلة الملائكة ـ فإذا تكشف لنا شيء من الخطأ ـ وهذا أمر طبيعي وكل ابن آدم خطاء ـ أنزلناهم فوراً إلى مرحلة الشياطين.. لذلك يقتصر التعامل في نظرنا إما مع ملائكة لا تخطىء أو مع شياطين جبلت على الخطأ والخطيئة !! أما التعامل مع البشر الذي يخطىء ويصيب، والقدرة على إبصار الصواب والخطأ وإعطاء كل أمر علامته، وعدم بخس الناس أشياءهم، فهذا لا يزال غائباً عن حياة بعض مسلمي اليوم.

إن القيم معصومة وثابتة والأشخاص أعراض زائلون وبشر خطاؤون، وقد تسقطهم أخطاؤهم، وقد يسقطهم أعداء الإسلام بوسائلهم الماكرة التي تتوجه أول ما تتوجه للدعاة لتحطيمهم، وذلك بإساءة سمعتهم، وقد تستطيع احتواء بعضهم وتوظيفه لسبب أو لآخر من رغبة أو رهبة، وقد يسقطون من تلقاء أنفسهم لأن القلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولا سبيل إلى الحصانة ضد صور الانكسار والإحباط والتمزق إلا الالتزام بالقيم، والاعتصام بالكتاب والسنة، فهو الطريق الذي يبعث الأمل، ويدفع إلى العمل، ويقضي على اليأس والقنوط.

إن الالتقاء مع الأفراد والجماعات وسيلة وليس غاية بحد ذاته، الغاية تبقى دائماً: إرضاء الله ولا يجوز بحال من الأحول أن تنقلب الوسائل غايات أو تتلبس الوسائل بالغايات.. وتسود مناخنا الثقافي الإسلامي مفهومات مغلوطة.. وتتوقف عملية المناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي صانت الرسالة الإسلامية والأمة الإسلامية في تاريخها الطويل من الانحراف، وحملتها على الولاء للمنهج وعدم التحريف والشذوذ الجماعي والعثرات المردية على طريقها الطويل، وحفظت القادة والزعماء والدعاة والمفكرين والعلماء من الافتتان بالرأي، والإعجاب بالنفس، والانزلاق بالخطأ، كما حفظت الأمة أن تقع فريسة لشذوذ أو تطرف أو غلو أو تعثر أو تمزق.

و الله من وراء القصد
و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.
يتبع بإذن الله تعالى ...