المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خواطر حول قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ .......)



أبو المهاجر المصري
09-08-06, 03:54 AM
بسم الله

السلام عليكم

هذه بعض الخواطر والفوائد التي عنت لي حول قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ، و قد ضمنتها بعض الفوائد التي قد تخرج بعض الشيء عن السياق الأصلي ، وأشرت إليها بعنوان "فائدة" بين سطرين من الأنجم : ***** ، أسأل الله ، عز وجل ، أن ينفع بها .


فهذه الآية من الآيات الشهيرة التي يستدل بها الإمامية الاثني عشرية ، على صحة مذهبهم في ولاية أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، والأئمة من بعده من آل البيت ، رضوان الله عليهم ، بمعناها المنحرف الغالي المتضمن لوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ، رضي الله عنه ، بالخلافة ، والقول بعصمتهم وعلمهم الغيب ، بل وتقديمهم على الأنبياء ما عدا محمدا صلى الله عليه وسلم ، كما ذكر ذلك بعض غلاتهم .

إذ يقول القوم بأن المقصود بـــ "الذين آمنوا" : علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وهو استدلال ، على افتراض صحته ، يدل على ضعف القوم في الإلمام بالقواعد الأصولية التي تستنبط بها الأحكام من النصوص الشرعية ، فعلى افتراض صحة الرواية ، يقال للقوم : بأن القاعدة المعروفة في علم الأصول : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما أشار إلى ذلك الشافعي ، رحمه الله ، بقوله : "السبب لا يصنع شيئا إنما تصنع الألفاظ" .
وعن ذلك يقول الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان في "الوجيز" :
ومن الجدير بالتنويه : أن أكثر عمومات القرآن والسنة جاءت بسبب أسئلة يتقدم بها الناس ، أو وقائع تحدث ..... ومع هذا فقد عمل بعمومها الفقهاء دون إنكار . اهـــــ

فإذا جاء نص مادح أو ذام ، بسبب خاص ، والمفترض هنا أن السبب هو علي ، رضي الله عنه ، إذا جاء النص على هذه الهيئة ، فإنه يشمل السبب ابتداء ، ويكون المقصود هو عليا ، رضي الله عنه ، ولكنه يشمل كل من اتصف بالإيمان تبعا ، فيدخل فيه كل من حقق شرائط الإيمان ، ويكون لكل مؤمن نصيب من هذا النص تبعا لدرجة إيمانه ، فما بال القوم قصروا النص على سببه ، فحجروا واسعا ، وأخرجوا كل البشر سوى علي ، رضي الله عنه ، بما فيهم أئمة آل البيت ، رضوان الله عليهم ، الذين يزعمون عصمتهم ، فكيف يكون الأئمة معصومين ، وهم لم يستوفوا ، بلازم كلام القوم ، وصف "الذين آمنوا" ، فضلا عن القول بإمامتهم وعصمتهم ؟!!! ، ولكنه التحكم في النصوص توسيعا وتضييقا تبعا للمذهب ، فالنص خادم للمذهب وإن كسرت عنقه .

وحتى من قال بأن العبرة بخصوص السبب ، فإنه لم يقصر النص عليه ، وإنما عداه بالقياس إلى بقية الصور التي تماثله ، فآية اللعان ، على سبيل المثال ، نزلت في واقعة هلال بن أمية ، رضي الله عنه ، لما قذف امرأته ، فيقال :
إما أن العبرة بعموم اللفظ مباشرة ، فيشمل النص غيره دون واسطة قياس .
وإما أن العبرة بخصوص اللفظ ، فيختص سنان ، رضي الله عنه ، بالحكم ، ويتعدى إلى غيره بواسطة القياس ، والخلاف في الحالتين لفظي ، لأن النص سيعمل في غير صورة السبب لا محالة ، وإلا تعطل كثير من أحكام الدين ، وتحول من دين عام للبشرية بأكملها إلى نصوص نزلت في أشخاص بأعيانهم ، ثم اندثرت بموتهم .

والقوم ينكرون القياس ، إلا ما نص على علته فيكون الاحتجاج به من باب الاحتجاج بالنص لا القياس ، أو ما كان قياسا أولويا كحرمة ضرب الوالدين المستفادة من القياس الأولوي على حرمة التأفف في قوله تعالى : (ولا تقل لهما أف) ، وهذا هو المنقول عنهم قاطبة إلا ابن الجنيد ، كما نقل ذلك الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان عن "أصول الاستنباط" لعلي تقي الحيدري ص258 ، 259 ، والمسألة عندهم عقدية لا فرعية ، والقياس في أمور الاعتقاد غير جائز عند الكل ، فإن قصروا النص على علي ، رضي الله عنه ، بزعمهم ، وقالوا : العبرة بخصوص السبب ، بطلت إمامة باقي الأئمة ، وإن أجروه فغيرهم به أولى .

والحصر في أول الآية بــــ "إنما" يوقع القوم في إشكال آخر ، فإما أن :
تقصر الولاية على الله ، عز وجل ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، رضي الله عنه ، إن سلم لهم بذلك ، فيلزمهم ، كما تقدم ، بطلان إمامة بقية الأئمة ، ويلزمهم أن تعريف الإمام ، بالمعنى الاصطلاحي عندهم ، ينطبق على الله ، عز وجل ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول مخالف للنصوص من أوجه كثيرة ، من أوضحها :
أن الإمام يموت ، والله ، عز وجل ، حي لا يموت .
وأن الإمام يعلم الغيب ، بزعمهم ، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ، كما دل على ذلك قوله تعالى : (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ، وقوله تعالى : (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) .
ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب لما هزم المسلمون يوم أحد ، ولما قتل أصحابه يوم بئر معونة ، فهو كباقي إخوانه من الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، لا يعلم من أمور الغيب إلا ما علمه الله ، وأما القول بأنه يعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء ..................... الخ ، فهذا من الغلو الذي لا يقبله عاقل فضلا عن مسلم .

ثم إن "الذين" اسم موصول ، والأسماء الموصولة من صيغ العموم ، ولو جاءت بصيغة المفرد "الذي" ، أو "أل" الموصولة التي تتصل باسم الوصف ، كما في :
قوله تعالى : (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) ، فالوعيد لا يقتصر على شخص بعينه جمع المال وعدده ولم يؤت حقه .
وقوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) ، فالمعنى : والتي زنت والذي زنى فاجلدوا ................ ، فهل يقول أحد بأن المقصود هنا زانية وزان بعينيهما ، وعليه لا حد على من زنى سواهما ؟!!! .
وقوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فهنا ، أيضا ، لا يقال بأن الحد خاص برجل وامرأة معينين ، نزلت الآية في حقهما ، وهما سارق رداء صفوان ، رضي الله عنه ، والمخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده ، بل ولا يقال بأن "أل" هنا للتعريف لا الوصل ، وعليه لا يقام الحد إلا على من اشتهر بالسرقة ، وإنما الصحيح أن الحد يقام على كل من سرق ما قيمته تبلغ قيمة نصاب السرقة من حرز بلا شبهة حق له في هذا المال ذكرا كان أم أنثى ، فـــ "أل" صيغة عموم لكل أفراد "السارق" و "السارقة" .

فإذا كان هذا حال الأسماء الموصولة التي وضعت على صيغة المفرد ، فما بالك بصيغة الجمع ؟! ، لا شك أنها تفيد العموم من باب أولى ، وإذا قال القوم بأن : "الذين آمنوا" في الآية تختص بـــ "علي" ، رضي الله عنه ، فلا مؤمن في الأمة سواه ، وهذا ، كما تقدم ، تحجير واسع ، ما لهم به من سلطان .

وقد ورد قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا) ، في التنزيل : 89 مرة ، وهو خطاب عام لأفراد الأمة ، كما في أثر ابن مسعود ، رضي الله عنه ، الذي رواه ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نُعَيْم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا مِسْعَر ، حدثني مَعْن وعَوْف – أو : أحدهما - أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه] ، فقال : اعهد إليَّ . فقال : إذا سمعت الله يقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فارْعِها سَمْعَك ، فإنه خَيْر يأمر به ، أو شَر ينهى عنه .
فلم يقصر ابن مسعود ، رضي الله عنه ، النص على علي ، رضي الله عنه ، وإنما عداه لكل أفراد الأمة ، لئلا تهدر النصوص بمثل هذا التحكم .

وأما الإمامية ، كعادتهم ، فقد خصوا عليا ، رضي الله عنه ، بمزيد فضل في هذا الموضع من التنزيل مستدلين برواية علي بن بُذَيْمَة ، عن عِكْرِمة ، عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلا أن عليًا سيدها وشريفها وأميرها ، وما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتبْ في شيء منه .
وهو أثر ، كما يقول الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، غريب ولفظه فيه نكارة ، وفي إسناده نظر .
قال البخاري : عيسى بن راشد ، (الراوي عن علي بن بذيمة) ، هذا مجهول ، وخبره منكر .
قلت ، (أي الحافظ ابن كثير رحمه الله) : وعلي بن بذيمة - وإن كان ثقة - إلا أنه شيعي غالٍ ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل .
وقوله: "ولم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليًا" إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى ، فإنه قد ذَكَر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا عليٌّ ، ونزل قوله : {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ} الآية [ سورة المجادلة : 13] وفي كون هذا عتابًا نظر ، فإنه قد قيل : إن الأمر كان ندبا لا إيجابا ، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل ، فلم ير من أحد منهم خلافه . وقوله عن علي : "إنه لم يعاتب في شيء من القرآن" فيه نظر أيضًا ، فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفِداء عَمَّت جميع من أشار بأخذه ، ولم يسلم منها إلا عُمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فعلم بهذا ، وبما تقدم ضَعفُ هذا الأثر ، والله أعلم . اهـــ

فابن كثير ، رحمه الله ، كعادة نقاد الحديث ، يتعرض لنقد هذا الأثر من جهة : السند والمتن ، وبالإضافة إلى ذلك فإنه توجد آيات في القرآن الكريم صدرت بـــ "يا أيها الذين آمنوا" ، وفيها عتاب للمخاطبين ، كقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) ، وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ، فقد نزلت هذه الآية في الصديقين ، أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، والقوم حريصون على ذكر ذلك والتأكيد عليه ، لظنهم أن هذا مما يقدح في الصديقين ، رضي الله عنهما ، ولا ندري لم أهمل ذكر ، علي ، رضي الله عنه ، وذكر الصديقان في هذا الموضع خصيصا ، أليس ، علي ، رضي الله عنه ، هو الأولى بهذا الخطاب دون من عداه من الصحابة ، رضوان الله عليهم ، فعلام التفريق بين المتماثلات ، إن سلمنا بصحة رواية علي بن بذيمة ؟ ، وهذا دليل آخر على منهج القوم في لي أعناق النصوص لتخدم المذهب سواء أكان حقا أم باطلا .

والقصة عند البخاري ، رحمه الله ، من طريق مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ أَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ الْحَنْظَلِيِّ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ وَأَشَارَ الْآخَرُ بِغَيْرِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ إِنَّمَا أَرَدْتَ خِلَافِي فَقَالَ عُمَرُ مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ عَظِيمٌ} .
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ .
فليس فيها ما يقدح في الصديقين ، رضي الله عنهما ، إذ لم يهلك الخيران ، كما يزعم القوم ، وبطبيعة الحال لن يذكر القوم بقية قول ابن أبي مليكة : (فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ) ، لأن فيه منقبة واضحة لعمر ، رضي الله عنه ، إذ سارع إلى امتثال الأمر وهذا من تمام فضله ، ومن الناس من تغص حلوقهم بذكر مناقب الفاروق ، رضي الله عنه ، ولن يذكروا ، أيضا ، قول الحافظ في الفتح : (وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق قَالَ مِثْل ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا مُرْسَل ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مَوْصُولًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه ، وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق طَارِق بْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَة قَالَ أَبُو بَكْر : قُلْت يَا رَسُول اللَّه آلَيْت أَنْ لَا أُكَلِّمك إِلَّا كَأَخِي السِّرَار") . اهــــ ، لأنه يحمل نفس المنقبة للصديق ، رضي الله عنه .

ولو كان كل ذنب أو خطأ مخرجا من الملة لكفرت الأمة بأسرها ، وإنما هو التهويل الذي اعتدناه من القوم ، فمفهوم "عصمة الأئمة" قد تضخم في أذهانهم حتى عدوا كل زلة قادحة في حق من ارتكبها ، بغض النظر عن حجمها ، أو مكانة من صدرت منه وسابقته في الإسلام ، أو إحداثه التوبة منها ، أو ................ الخ من مكفرات الذنوب ، والله أعلم .

*****
فائدة :
في قول الحافظ ابن كثير رحمه الله : (وعلي بن بذيمة - وإن كان ثقة - إلا أنه شيعي غالٍ ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل) ، إشارة إلى منهج المحدثين في قبول رواية المبتدع ، إن روى ما يشيد بدعته ، فرواية علي بن بذيمة ، تشيد بدعة التشيع ، فلا يقبل خبر الشيعي إن روى حديثا في فضائل ، علي ، رضي الله عنه ، ويقبل منه ما عدا ذلك طالما كان ثقة من أهل الصدق ، لأن تشيعه قد يحمله على التساهل في تحمل وأداء روايات ضعيفة أو موضوعة في مناقب ، علي ، رضي الله عنه ، وهذا ملمح جليل من ملامح إنصاف أهل السنة والجماعة ، مع المخالف ، فلم تمنعهم مخالفته من الرواية عنه وفق ضوابط معينة ، أهمها ، كما تقدم ، أن يكون ثقة من أهل الصدق ، وأن لا يروي ما يشيد بدعته ، وأضاف النووي ، رحمه الله ، شرطا ثالثا ، وهو ألا يكون الراوي داعية إلى بدعته ، وإن كان النووي ، رحمه الله ، متعقبا ، في هذا الشرط ، بإخراج البخاري ، لعمران بن حطان الخارجي ، مادح عبد الرحمن بن ملجم ، قبحه الله ، قاتل أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، فهو رأس في بدعة الخروج ، ومع ذلك لم يمتنع البخاري عن الرواية من طريقه ، وعن ذلك يقول الحافظ رحمه الله : (وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيّ عَلَى قَاعِدَته فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُبْتَدِع إِذَا كَانَ صَامِد اللَّهْجَة مُتَدَيِّنًا ؛ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عِمْرَان تَابَ مِنْ بِدْعَته وَهُوَ بَعِيد ، وَقِيلَ : إِنَّ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير حَمَلَهُ عَنْهُ قَبْل أَنْ يَبْتَدِع ، فَإِنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ أَقَارِبه تَعْتَقِد رَأْي الْخَوَارِج لِيَنْقُلهَا عَنْ مُعْتَقَدهَا فَنَقَلَتْهُ هِيَ إِلَى مُعْتَقَدهَا ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِع ، (في كتاب اللباس ، في : بَاب لُبْسِ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشِهِ لِلرِّجَالِ وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ) ، وَهُوَ مُتَابَعَة ، وَآخَر فِي " بَاب نَقْضِ الصُّوَر") . اهـــ
فاعتمد البخاري ، رحمه الله ، على صدق لهجته ، فالخوارج مع عظم بدعتهم ، من أصدق الناس حديثا ، لأن الكذب كبيرة ، وهم يكفرون مرتكب الكبيرة ، ومع ذلك لم يخرج له إلا في موضعين فقط ، أحدهما متابعة ، فالعمدة فيه على غيره لا عليه .
وكذا الأمر بالنسبة لـــ "عدي بن ثابت" ، فهو رأس من رؤوس الشيعة في زمانه ، كما أشار إلى ذلك أبو حاتم ، رحمه الله ، بقوله : صدوق ، كان إمام مسجد الشيعة وقاصهم ، و"صدوق" عند أبي حاتم تعني الكثير لأنه من المتشددين في تعديل الرواة فإذا ما أطلق على أحدهم هذا الوصف فهو توثيق معتبر له ، والله أعلم .
ومع ذلك خرج له مسلم ، رحمه الله ، حديثا في فضائل علي ، رضي الله عنه ، من طريق زِرٍّ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : (وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ) ، فلم يمنع مسلما ، رحمه الله ، كون عدي رأسا في بدعته ، بل ويروي ما يشيد بدعته ، لم يمنعه ذلك من إخراج هذا الحديث لما تبين له صدق عدي ، وغلب على ظنه صحة الخبر ، وكذا الحال بالنسبة لرواة كـــ "أبان بن تغلب الكوفي" الذي ترجم له الذهبي ، رحمه الله ، في "الميزان" بقوله : "شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه ، وعليه بدعته" ، وفي "السير" بقوله : (وهو صدوق في نفسه ، عالم كبير ، وبدعته خفيفة ، لا يتعرض للكبار ، وحديثه يكون نحو المئة ، لم يخرج له البخاري ، توفي في سنة إحدى وأربعين ومئة) ، وعموما لن تجد هذا الإنصاف إلا عند أهل السنة الذين يقبلون الحق ولو جاء من طريق المخالف ، فيعلمون الحق ويرحمون الخلق ، ويكتبون ما لهم وما عليهم خلاف أهل الأهواء الذين يتعصبون لأهوائهم فيردون قول المخالف وإن كان حقا ، والله أعلم .
وليس الأمر على إطلاقه ، وإنما قيده الذهبي ، رحمه الله ، في هذا الموضع بالذات بقوله :
« ثم بدعةٌ كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، والدعاء إلى ذلك : فهذا النوع لا يُحتجّ بهم ولا كرامة . وأيضاً فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً ، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم . فكيف يُقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلا » .
فالتشيع الذي ظهر في الكوفة شيء ، والرفض وسب الأصحاب وأمهات المؤمنين ، رضوان الله على الجميع ، شيء آخر .
*****


ويلزم القوم على هذا أن يبطلوا الحصر بـــ "إنما" ، فيبطل الحصر في مثل قوله تعالى : (إنما الله إله واحد) ، لكي يدخل الأئمة في آية الولاية ، ومن ثم تعود لها دلالتها المسلوبة بلا أي قرينة معتبرة ، تعود إليها دلالتها مرة أخرى لتحصر الولاية في الأئمة المعصومين دون من سواهم من المؤمنين ، فتعمل الدلالات اللفظية وتعطل تبعا للمذهب وكأن النصوص خادمة للمذهب مع أن المذاهب العقدية والفقهية ما وضعت أساسا إلا للدلالة على مضامين النصوص فهي حاكمة لا محكومة ، مخدومة لا خادمة ، وإلا ما الفائدة منها إن كان مرد الأمر لهوى المستدل ؟!! .

وهذا التعسف من غلو الإمامية ، الذين غلوا في مسألة الإمامة ، وجعلوها واجبا على الله ، عز وجل ، فأوجبوا على الله ، عز وجل ، أمورا ، وهو ، أيضا ، أثر من آثار اتصالهم بمعتزلة بغداد ، الذين أدخلوا إلى عقيدة الإمامية مسائل عدة من أبرزها :
نفي صفات الله ، عز وجل ، بحجة تنزيهه عن مشابهة الحوادث ، أي المخلوقات ، ومسألة الوجوب على الله ، عز وجل ، فإرسال الرسل ، عليهم الصلاة والسلام ، واجب على الله ، عندهم وعند المعتزلة ، والإمامة وتعيين الأمة بأسمائهم واجب على الله ، عند الإمامية ، وهكذا البدع تتسع دائرتها باطراد حتى تصل بصاحبها إلى رد صريح القرآن والسنة الصحيحة لشبهة دخلت عليه جعلها أصلا ، وجعل آي القران وصحيح السنة فرعا ، فما وافق ما أصله قبله ، وما خالفه رده ، فالنصوص عنده تبع لا أصل .

وفي المقابل جفا الخوارج في مسألة الإمامة ، فجوزوا أن يعيش الناس بلا إمام تجتمع كلمتهم عليه ، فإجراء الشرائع وإقامة الحدود ................ الخ ، يجوز أن يقوم به الأفراد ، ولازم هذا أن يتحول المجتمع المسلم إلى غابة البقاء فيها للأقوى .

وأما أهل السنة ، فهم وسط بين الغالي والجافي ، فالإمامة عندهم ، حتم لازم ، على الأمة ، لا على الله ، عز وجل ، شرعها الله ، عز وجل ، لحفظ الدين وسياسة الدنيا به ، لا لعبادة الأئمة من دون الله ، والإمام عند أهل السنة ، من قريش ، كما جاءت النصوص الصريحة بذلك ، لا من بني هاشم ، خاصة ، ولا من نسل علي ، رضي الله عنه ، خاصة ، ولا من نسل الحسين ، رضي الله عنه ، خاصة ، فهم كعادتهم يوسعون ويضيقون تبعا لأهوائهم فلم يحسنوا حتى تعريف آل البيت التعريف الشرعي الصحيح ، فأخرجوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وآل العباس ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، بل وكل ذرية علي ، رضي الله عنه ، من غير الحسين رضي الله عنه .
والإمام عند أهل السنة ، أيضا ، بشر كالبشر ، غير معصوم ، يصيب ويخطئ ، والله أعلم .

ولا يوجب أحد على الله ، عز وجل ، شيئا ، لا إرسال رسل ، فهو من الجائز في حق الله ، عز وجل ، إن شاء أرسلهم فضلا وإن شاء لم يرسلهم عدلا ، ولا إمامة ، ولا أي شيء ، فلا يوجب على الله إلا هو ، عز وجل ، كما في قوله تعالى : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فلم يكتبها أحد عليه ، وإنما هو ، عز وجل ، الذي كتبها على نفسه .

ويقال لهم أيضا ، ما المانع من أن يكون ، المقصود هنا هو تعريف العام "الذين آمنوا" ، بذكر بعض أفراده "علي رضي الله عنه" ، وهو تعريف قد يكون أبلغ من التعريف بالحد ، الذي اشترط المناطقة فيه أن يكون جامعا مانعا ، فكثرت قيودهم واحترازاتهم ، حتى صار التعريف ، الذي وضع أساسا لتقريب المعرف إلى ذهن السامع ، صار أصعب من المعرف ، فلو شاهد الإنسان المعرف لتعرف عليه بسهولة ، خلاف تعريفه الذي ضمنه المناطقة الكثير من القيود المعقدة ، كما تقدم ، كما يقال في تعريف الخبز على سبيل المثال : هو ذلك القرص المصنوع من الدقيق ........... ، ولو اكتفى الشارح بفرد من أفراد المعرف ، بفتح الراء ، فجاء برغيف وأراه للسائل لانتهت القضية دون إشكال ، وهذه القاعدة لا تصح إلا بإتباعها قاعدة أخرى وهي : "أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه" ، بمعنى أن رؤية السائل للرغيف لا تعني أن الخبز هو هذا الرغيف بعينه ، وما عداه من الأرغفة لا يصدق عليه حد الخبز ، فلم يقل بذلك عاقل .

وعليه يكون تعريف العام "الذين آمنوا" ، بذكر بعض أفراده "علي بن أبي طالب رضي الله عنه" ، لا يعني تخصيصه بهذا الوصف ، وإنما هو فرد من أفراده ، فإذا ما تقرر عموم لفظ هذه الآية الكريمة ، لزم الإمامية ، إن قالوا بأن الولاية المقصودة هي ولايتهم المزعومة ، أن يكون كل من دخل تحت لفظ "الذين آمنوا" إماما معصوما ، فيكون لهم من الأئمة بعدد شعور رؤوسهم ، وهذا لا يقوله إمامي ، أو سني ، أو حتى عاقل ، وما أوقعهم في هذه المضايق إلا تحجيرهم الواسع وتخصيصهم العام بلا مخصص ، وإنما هو مجرد تحكم ، كما تقدم .

ولم يثبت أن أحدا من باقي الأئمة ، تصدق بخاتمه ، وهو يصلي ، لكي ينطبق عليه حد الآية ، بحيث تتحقق فيه شروط الإمامة ، فلو أجروا القياس ، خلافا لمذهبهم كما تقدم ، لما انطبق حد الآية على أي إمام من بقية الأئمة ، ولو تصدق مؤمن ، في هذا الزمان ، بخاتمه ، وهو يصلي ، لأصبح إماما معصوما ! ، إن كانت الآية نصا في الإمامة والعصمة ، فهو من الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وهم راكعون ، فهنيئا له إمارة المؤمنين !! .

وأما قوله تعالى : (وليكم) ، فقد فسرها القوم بأنها من "الولاية" ، بكسر اللام ، التي هي من الإمارة ، وأضافوا إلى هذه الآية ، حديث "غدير خم" ، وفيه : (من كنت مولاه فعلي مولاه) ، ليقولوا بأن "المولى" ، هو : الأولى بالتصرف ، وكونه أولى بالتصرف هو عين الإمامة !!! .

وعن هذا الاستدلال يقول الشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز قريشي ، حفظه الله ، في "أصول الفرق الإسلامية" :
وهذا الكلام منهم مغالطة ، فإن أهل العربية لا تقول "المولى" بمعنى "أولى بالتصرف" ، فهناك فرق بين "الولي" وبين "المولى والوالي" ، فباب الولاية التي هي ضد العداوة شيء ، وباب الولاية التي هي الإمارة شيء ، والحديث هو في الأولى دون الثانية ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل : "من كنت واليه فعلي واليه" ، بل "من كنت مولاه" ، إذا فهو أولى بالمحبة والتقدير والتعظيم ، وولاية النصر والمودة ، فهذا الحديث لا يدل على ولاية السلطة التي هي الإمامة والخلافة ، ولكنه المعنى الثاني المراد ، وهو من كنت ناصرا له ومواليا له فعلي ناصره ومواليه ، أو من والاني ونصرني فليوال عليا وينصره ، وهذه منقبة عظيمة لعلي ، رضي الله عنه ، وقد فهم الصحابة معنى ذلك : (اللهم وال من ولاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله) ، فعندما لقيه عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال له : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمنة ومؤمنة .

كما في الحديث عند أحمد ، رحمه الله ، في المسند :
حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ
كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا بِغَدِيرِ خُمٍّ فَنُودِيَ فِينَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَكُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا بَلَى قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ قَالُوا بَلَى قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ
قَالَ فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ هَنِيئًا يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ .

يقول الشيخ محمود مهدي الإستانبولي :
أخرجه النسائي في "خصائص علي" وأحمد والحاكم ، وقال صحيح على شرط الشيخين ، وله طرق أخرى كلها صحيحة ولكن ليس في طريق من طرقه جميعها : "اللهم انصر من نصره ، واخذل من خذله" .
العواصم من القواصم ، ص143 .

وهذه الزيادات من صنيع القوم ، الذين تصرفوا في الروايات بالزيادة والنقصان ، تبعا للأهواء ، بغض النظر عن ماهيتها ، فمن أخبث أساليب الوضع :
أن يعمد الوضاع إلى حديث صحيح ، ويلصق به كلاما من عنده ، فيلبس الأمر على عوام المسلمين ، لأن السند صحيح والمتن مشهور ، ولكنه ليس المتن الأصلي ، بل هو متن متصرف فيه بالزيادة ، وأما محدثو الأمة فلا تروج عليهم من مثل هذه الألاعيب الصبيانية .
وقد يعمد الوضاع إلى عدة أحاديث صحيحة ، فيجمعها في سياق واحد مختلق ، فيكون الحديث صحيحا باعتبار أجزائه ، موضوعا باعتبار سياقه ، لذا وجب التنبيه على ذلك عند النظر في المرويات التاريخية في الكتب التي لم يشترط أصحابها الصحة ، وإنما كان همهم الجمع ، كالطبري ، رحمه الله ، وكذا عند النظر في أحاديث الفضائل التي تشيد بعض البدع ، فأحاديث كأحاديث فضائل علي ، رضي الله عنه ، على سبيل المثال ، متواترة ، بل قال الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" في " بَاب مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ أَبِي الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " : (قالَ أَحْمَد وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عَلِيّ النَّيْسَابُورِيّ لَمْ يَرِد فِي حَقّ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَاد أَكْثَر مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيّ وَكَأَنَّ السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ ، وَوَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي زَمَانه وَخُرُوج مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ مَنَاقِبه مِنْ كَثْرَة مَنْ كَانَ بَيْنهَا مِنْ الصَّحَابَة رَدًّا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ ، فَكَانَ النَّاس طَائِفَتَيْنِ ، لَكِنْ الْمُبْتَدَعَة قَلِيلَة جِدًّا . ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْر عَلِيّ مَا كَانَ فَنَجَمَتْ طَائِفَة أُخْرَى حَارَبُوهُ ، ثُمَّ اِشْتَدَّ الْخَطْب فَتَنَقَّصُوهُ وَاِتَّخَذُوا لَعْنه عَلَى الْمَنَابِر سُنَّة ، وَوَافَقَهُمْ الْخَوَارِج عَلَى بُغْضه وَزَادُوا حَتَّى كَفَّرُوهُ ، مَضْمُومًا ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَان ، فَصَارَ النَّاس فِي حَقّ عَلِيّ ثَلَاثَة : أَهْل السُّنَّة وَالْمُبْتَدِعَة مِنْ الْخَوَارِج وَالْمُحَارِبِينَ لَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّة وَأَتْبَاعهمْ ، فَاحْتَاجَ أَهْل السُّنَّة إِلَى بَثّ فَضَائِله فَكَثُرَ النَّاقِل لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنْ يُخَالِف ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَالَّذِي فِي نَفْس الْأَمْر أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَة مِنْ الْفَضَائِل إِذَا حُرِّرَ بِمِيزَانِ الْعَدْل لَا يَخْرُج عَنْ قَوْل أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة أَصْلًا) .
وأشار أحمد ، رحمه الله ، أيضا ، لذلك بقوله : "لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي" ، أي : في الفضائل .

*****
فائدة :
نص كلام أحمد ، رحمه الله ، كما نقله عنه الحاكم ، رحمه الله ، في المستدرك : من طريق القاضي أبا الحسن علي بن الحسن الجراحي ، وأبا الحسين محمد بن المظفر الحافظ ،عن أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي عن محمد بن منصور الطوسي عن أحمد بن حنبل إذ يقول : «ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه» ، وهذا الأثر أول ما رواه الحاكم ، رحمه الله ، في باب : مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مما لم يخرجاه ، أي : البخاري ومسلم ، رحمهما الله ، في كتاب معرفة الصحابة ، رضي الله عنه ، الذين صدر ذكرهم بالشيخين ، رضي الله عنهما ، وهذا مما ينفي عنه تهمة الرفض أو التشيع الغالي ، وإن وصف ، رحمه الله ، بنوع تشيع يوجب تأمل ما أخرجه من فضائل علي ، رضي الله عنه ، قبل التسليم بصحته ، فقد وقع لأبي عبد الله ، رحمه الله ، تساهل في مستدركه ، بشكل عام ، لأنه أراد أن يرد على بعض المبتدعة الذين ظهروا في عصره وزعموا أن الأحاديث الصحيحة هي ما ضمنه البخاري ومسلم ، رحمهما الله ، كتابيهما ، فقط ، وما عداه لا عبرة به ، وما فعلوا ذلك تعظيما للصحيحين ، وإنما أرادوا تضييق دائرة النصوص الشرعية التي تعارض بدعهم ، ولا شك أنهم لم يكونوا ليكتفوا بذلك ، بل كانت هذه خطوة أولى ، تمهيدا للهجوم على الصحيحين ، لأنهم هابوا الطعن فيهما مباشرة ، لما لهما من مكانة في قلوب الخاصة والعامة ، فعمدوا إلى القضاء على الجند قبل الالتفاف حول الملك ، فتصدى لهم المحدثون الفضلاء من أمثال الحاكم ، رحمه الله ، الذي صنف هذا المستدرك خصيصا ، ليبرهن على أن الشيخين ، رحمهما الله ، لم يضمنا كتابيهما عددا كبيرا من الأحاديث الصحيحة ، ولا يقدح ذلك فيهما لأنهما لم يشترطا ذلك ، ولكن وقع له بعض التساهل ، كما تقدم ، وأشد ما يكون التساهل في أبواب الفضائل ، لا سيما إن وافقت ميلا في نفس المصنف ، والمسألة مبثوثة في كتب المصطلح ، وخلاصتها : أن ما فات الشيخين ، رحمهما الله ، من الأحاديث الصحيحة ، هكذا بإطلاق ، كثير ، فيوجد في السنن والمسانيد والمصنفات جملة كبيرة من الصحاح لم يخرجاها ، وأما ما فاتهما من الصحيح : الذي هو على شرطهما الذي يعد أعلى درجات الصحيح ، ما فاتهما من هذا النوع قليل ، ولعلهما أخرجا ما يغني عنه ، فأعرضا عنه اكتفاء بما خرجاه في بابه ، والله أعلم .

وهذه ترجمة مختصرة لأبي عبد الله الحاكم ، رحمه الله ، تزيل كثيرا من الغموض حول شخصية هذا المحدث الجليل :
http://www.sonnhonline.com/SubMosanfeen.aspx?FileID=mosanefo&ID=68
وقد ترجم له الذهبي ، رحمه الله ، في "السير" ترجمة ضافية تليق بإمام مثله .

والله أعلم .
*****


ولكن القوم أبوا إلا أن يخترعوا لعلي ، رضي الله عنه ، مناقب من نظر فيها بإنصاف علم أنها قادحة لا مادحة ، وحبك الشيء يعمي ويصم ، وعنها يقول ابن الجوزي رحمه الله : «فضائله (أي علي رضي الله عنه) كثيرة ، غير أن الرافضة لم تقتنع ، فوضعت له ما يَضَعُ ولا يَرفَع» .

المهم أن القوم لم يفرقوا بين "الولاية" بكسر الواو ، و "الولاية" بفتح الواو ، فالأولى من السلطان ، والثانية من المحبة والنصرة والتأييد ، والمولى لفظ من الألفاظ التي يطلق عليه في عرف اللغويين المتأخرين "المشترك اللفظي" ، أي : اللفظ الموضوع للدلالة على أفراد مختلفة الحدود على سبيل البدل ، فهو يشمل عدة أفراد ، لكل فرد منها حقيقة مختلفة تمام الاختلاف عن حقيقة بقية الأفراد التي يشملها هذا المشترك اللفظي ، على سبيل البدل ، كما تقدم ، وليس في نفس الوقت ، لأن من معاني "المولى" على سبيل المثال : العبد والمعتق ، بكسر التاء ، ولا يتصور أن يجتمع الوصفان في شخص واحد .

وكذا لفظ "القرء" : فهو لفظ يطلق في اللغة على كل زمان اعتيد فيه أمر معين ، وقد ورد في الشرع للدلالة على أحد أمرين : إما الطهر ، على قول جمهور أهل العلم ، وإما الحيض ، على قول الأحناف ، رحمهم الله ، والطهر والحيض فردان مختلفان تمام الاختلاف في الحد والصفات ، بل هما متناقضان ، لا يجتمعان ولا يرتفعان ، فإما طهر وإما حيض ، فلا يصح وصف المرأة بأنها طاهر حائض في نفس الوقت .

وإلى معاني لفظ "المولى" ، أشار ابن الأثير ، رحمه الله ، في "النهاية في غريب الأثر" بقوله :
وقد تكرر ذكر [المَوْلَى] في الحديث وهو اسْمٌ يقَع على جَماعةٍ كَثيِرَة فهو :
(الرَّبُّ والمَالكُ والسَّيِّد والمُنْعِم والمُعْتِقُ والنَّاصر والمُحِبّ والتَّابِع والجارُ وابنُ العَمّ والحَلِيفُ والعَقيد والصِّهْر والعبْد والمُعْتَقُ والمُنْعَم عَلَيه) ، وأكْثرها قد جاءت في الحديث فَيُضاف كُلّ واحِدٍ إلى ما يَقْتَضيه الحديثُ الوَارِدُ فيه . اهـــ
أي أنه مشترك لفظي له كل هذه المعاني ، ولا يعرف المعنى المراد إلا من خلال السياق ، فقد يكون السياق سياق عتق ، فيقصد به : المولى ، أي المعتق ، بكسر التاء ، أو العتيق ، أي العبد المعتق ، بفتح التاء ، وقد يكون السياق سياق محبة فيقصد به المحب ، ...................... الخ .

ويواصل ابن الأثير ، رحمه الله ، فيقول :
وكُلُّ مَن وَلِيَ أمْراً أو قام به فَهُو مَوْلاهُ وَوَليُّه . وقد تَخْتَلِف مَصادرُ هذه الأسْمَاء فالوَلايَةُ بالفَتْح في النَّسَب والنُّصْرة والمُعْتِق . والوِلاَية بالكسْر في الإمَارة . والوَلاءُ المُعْتَق والمُوَالاةُ مِن وَالَى القَوْمَ ، ومنه الحديث [ مَن كُنْتُ مَوْلاه فَعَليٌّ مَوْلاه ] ، وفي الهروي : [ قال أبو العباس : أي من أحبّني وتولاني فَليَتَولَّهْ . وقال ابن الأعرابي : الوَلِيّ : التابع المُحِبّ ] .
قال الشَّافعي رضي اللَّه عنه : يَعْني بذَلِك وَلاء الإسْلام كقوله تعالى : [ ذلك بأنَّ اللَّهَ مَوْلَى الذين آمَنوا وأنَّ الكافِرين لا مَوْلَى لهم ]
وقول عمر لعَليّ [أصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤمِن] أي ولِيَّ كُلِّ مُومن وقيل : سَبب ذلك أنَّ أُسامةَ قال لِعَلِيّ : لَسْتَ مَوْلايَ إنَّما مَوْلاي رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال صلى اللَّه عليه وسلم : [مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعليٌّ مَوْلاه] . اهــ .
فأبان ، رحمه الله ، عن الفرق بين "الولاية" ، بفتح الواو ، و "الولاية" بكسرها ، والله أعلى وأعلم .

وفي القاموس المحيط :
(الوَليُ) : القُرْبُ والدُّنُوُّ والمَطَرُ بعدَ المَطَرِ وُلِيَتِ الأرضُ بالضم .
(والوَليُّ) الاسم ُمنه والمُحِبُّ والصَّدِيقُ والنَّصيرُ (ووَليَ) الشيءَ وعليه وِلايَةً وَوَلايَةً أَو هي المَصْدَرُ وبالكسر الخُطَّةُ والإمارَةُ والسُّلطانُ .
(والمَوْلَى) المالِكُ والعَبْدُ والمُعْتِقُ والمُعْتَقُ والصاحِبُ والقريبُ كابنِ العَمِّ ونحوِه والجارُ والحَليفُ والابنُ والعَمُّ والنَّزيلُ والشَّريكُ وابنُ الأخْتِ والوَليُّ والرَّبُّ والناصِرُ والمُنْعِمُ والمُنْعَمُ عليه والمُحِبُّ والتابِعُ والصَّهْرُ .

ومن شواهد معنى المالك :
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، في الصحيحين : (لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك ! ، وضئ ربك ! ، ولا يقل أحدكم : ربي وليقل : سيدي ومولاي ، ولا يقل أحدكم : عبدي وأمتي ، وليقل : فتاي وفتاتي وغلامي)
والشاهد : "وليقل : سيدي ومولاي" : أي مالكي ، لا إمامي المعصوم !! .



وفي الغني :
وَلِيٌّ ، ج: أَوْلِيَاء ُ، وَلِيَّاتٌ . [و ل ي] .
1 . "هُوَ وَلِيُّهُ" : مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَه ُ. "وَلِيُّ الْيَتِيمِ".
2."مِنْ أَوْلِيَائِهِ" : مِنْ أَنْصَارِهِ ، مِنْ حُلَفَائِه ِ.
3 . "هُوَ وَلِيُّ نِعْمَتِهِ" : مُحْسِنٌ لَه ُ.
4 . "الْمُؤْمِنُ وَلِيُّ اللَّهِ" : مُطِيعٌ .
5."وَلِيٌّ صَالِحٌ" : عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ الرَّجُلُ الْمَعْرُوفُ بِسِيرَتِهِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَعِبَادَتِهِ وَسُلُوكِه ِ، وَهُوَ مَا يُقَابِلُ الْقِدِّيسَ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ .
6 ."وَلِيُّ الْعَهْدِ" : وَرِيثُ الْمَلِكِ الَّذِي يَتَوَلىَّ الْحُكْمَ بَعْدَ وَفَاتِه .
فهو ، كما تقدم ، مشترك لفظي ، يحتمل أكثر من معنى ، تبعا للسياق ، والقاعدة : أن ما دخله الاحتمال بطل به الاستدلال ، وإن كانت هذه القاعدة على إطلاقها لا تنضبط ، لأن كل دليل ، عند التحقيق ، قد يدخله نوع احتمال ولو كان ضئيلا ، فيلزم من القول بإطلاق هذه القاعدة ، إبطال الاستدلال بمعظم النصوص ، وإنما الضابط في الاحتمال أن يكون قويا ، كما في الاستدلال بهذه الآية ، بهذا السياق ، فاحتمال الكلمة من جهة الوضع متعدد ، كما سبق من كلام ابن الأثير رحمه الله ، واحتمال معناها من جهة السياق لا يدل على أن المقصود هو الولاية بمعنى الحكم ، كما تقدم ، والله أعلم .

وفي المحيط :
الوَلِيُّ : كل من كُلِّف بأمر وقام به ، دعا المدير أولياءَ أمور الطلاب إلى الاجتماع .
النَّصِيرُ : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) .
المُحِبُّ : الصديقُ ذكرا ، وقد يؤنَّث بالتاء .
الحليفُ .
الصِّهْر .
الجار ُ.
التابع .
المُعْتِقُ .
المُطِيع : (أَلاَ إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) .
المطرُ يسقُط بعد المطر .
في الاقتصاد السِّياسيّ ، هو من يتحمل مخاطر الإنتاج ، فله الغُنْمُ وعليه الغُرْمُ .
ولي العهْد ، هو وارث المُلك .
ولي المرأة ، هو من يلي عقد النكاح عليها ولا يدعها تستبدُّ بعقد النكاح من دونه ، (ومنه حديث : " لا نكاح إلا بولي" ، فليس المعنى هنا : لا نكاح إلا بإمام معصوم !!) .
ولي اليتيم ، هو الذي يلي أمَره ويقوم بكفايته .
ولي النعمة ، هو المحِسن ج أولياء ُ. اهـــ
والكلام فيه كسابقه ، إذ المعاني متعددة مع اتحاد اللفظ .


وفي محيط المحيط :
قال ابن بري : وقرئ : (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، بالفتح والكسر ، وهي بمعنى النُّصْرة ، قال أبو الحسن : الكسر لغة وليست بذلك . التهذيب : قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) .

*****
قال الفراء : يريد ما لكم من مواريثهم من شيء قال : فكسْرُ الواو ههنا من وِلايتهم أعجب إليَّ من فتحها لأنها إنما تفتح أكثرَ ذلك إذا أريد بها النصرة .
*****

قال : وكان الكسائي يفتحها ويذهب بها إلى النصرة ، قال الأزهري : ولا أظنه علم التفسير ، قال الفراء : ويختارون في وَلِيته وِلاية بالكسر ، قال : وسمعناها بالفتح وبالكسر في الوَِلاية في معنييها جميعا .

وقال أبو العباس نحوا مما قال الفراء .

وقال الزجاج : يقرأُ وَلايتِهِم ووِلايَتِهم , بفتح الواو وكسرها , فمن فتح جعلها من النصرة والنسب ،

*****
قال : و الوِلايةُ التي بمنزلة الإمارة مكسورة ليفصل بين المعنيين , وقد يجوز كسر الولاية لأن في تولي بعض القوم بعضا جنسا من الصِّناعة والعمل .وكل ما كان من جنس الصِّناعة نحو القِصارة والخِياطة فهي مكسورة . قال : والوِلايةُ على الإيمان واجبة . المؤمنون بعضهم أوْلِياء بعض .
*****

فالفراء وأبو العباس والكسائي والزجاج ، اتفقوا على أن "الولاية" بفتح الواو هي من النصرة والمحبة ، وهي التي يشير إليها لفظ "ولي" ، و "الولاية" بكسر الواو هي السلطان والإمارة ، وهي التي يشير إليها لفظ "والي" ، والمعنى الأول هو المراد في الآية دون الثاني ، والله أعلم .

وعن آية : (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) التي أشار الزجاج ، رحمه الله ، إلى وجهي الكسر والفتح فيها ،
يقول الزمخشري ، غفر الله له :
وقرىء : «من ولايتهم» ، بالفتح والكسر أي من توليهم في الميراث . ووجه الكسر أن تولى بعضهم بعضاً شبه بالعمل والصناعة ، كأنه بتوليه صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملاً . اهـــ

فكأن الكسر ، أيضا ، يمكن تأويله بالعمل والصناعة ، لأن المحب والنصير يباشر أمر من ينصره ويحبه ولا يلزم من ذلك أن يكون سلطانا أو أميرا عليه ، فكم من أناس اختصهم الله ، عز وجل ، بقضاء حوائج إخوانهم دون أن يكونوا ولاة أو أمراء عليهم ، والله أعلم .

ويطلق المولى ، أيضا ، على الموضع ، ومنه قول لبيد في معلقته :
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ******* مولى المخافة خلفها وأمامها
أي : فغدت تحسب الثغرتين في الجبل موضع المخافة ، أي الموضع الذي يأتي منه الصيادون ، والله أعلى وأعلم .

ويطلق الإمام على الكتاب الهادي ، كما في قوله تعالى : (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) .
ويطلق على اللوح المحفوظ أو صحف الأعمال ، كما في قوله تعالى :(وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) ، فهل المعنى هنا : وكل عمل تعملونه أحصيناه في إمام معصوم ، أم أن السياق يدل على معنى الإمام هنا : اللوح المحفوظ ، أو صحائف الأعمال ، كما أشار إلى ذلك ، أبو حيان ، رحمه الله ، لأن الإحصاء والكتابة لا يكونان إلا في لوح أو صحيفة ؟ ، ومع ذلك فقد قالها القوم ، فالإمام المبين عندهم هو : علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، !!!! .

ومعرفة سبب النزول في السور مما يعين على فهمها ، فالعلم بالسبب ، كما يقول العلماء ، يورث العلم بالمسبب ، وكذا بالنسبة لسبب ورود الحديث فهو يبين الظروف والملابسات التي احتفت به ، وهذا مما يعين على فهمه الفهم الأمثل .
وفيما رواه الترمذي رحمه الله :
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَمَضَى فِي السَّرِيَّةِ فَأَصَابَ جَارِيَةً فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَتَعَاقَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا إِذَا لَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا صَنَعَ عَلِيٌّ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا رَجَعُوا مِنْ السَّفَرِ بَدَءُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى رِحَالِهِمْ فَلَمَّا قَدِمَتْ السَّرِيَّةُ سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ قَامَ الثَّالِثُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ قَامَ الرَّابِعُ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي .
قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ .

فسبب ورود هذا الحديث ، أن بعض الصحابة ، رضوان الله عليهم ، لما أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر علي ، رضي الله عنه ، وما صنعه في هذه الغزوة ، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدفع عن علي ، رضي الله عنه ، ويزيل ما قد يعلق بالصدور ، فنبه على فضله ومنزلته العظيمة التي لا يشك فيها مسلم بأي حال من الأحوال ، ولم يرد أنه الخليفة من بعده ، إذ لو أراد ذلك لاستعمل لفظا صريحا لا يحتمل الاشتراك ليقطع أي احتمال أو لبس ، فقضية الإمامة ، عندنا ، وعند القوم ، من القضايا المهمة ، وإن غلوا وزادوا فيها عنا كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، ومثل هذه القضايا المهمة لا يليق بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغها بلفظ موهم يحتمل كل هذه المعاني المتباينة ، فما الذي منعه من أن يقولها صراحة : علي الإمام من بعدي ، أو : على القائم بالأمر من بعدي ، أو : على الحاكم من بعدي ، أو : علي الخليفة من بعدي ، أو : علي الأمير من بعدي .............. الخ ، من الألفاظ الصريحة التي لا تحتمل أي معنى آخر .

إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعلم الخلق ، وأصدقهم ، وأحرصهم على هداية البشر ، حتى عاتبه ربه على شدة حرصه على هداية قومه ، فمن اجتمعت فيه صفات : العلم والصدق والإرادة ، لا يجوز في حقه أن يستعمل لفظا خفيا في موطن لا يحتمل إلا اللفظ الصريح قطعا للنزاع ، والله أعلم .

وهذا يشبه إلى حد كبير ، استدلال أهل السنة والجماعة بالآيات الصريحة في أسماء الله وصفاته ، وإلى ذلك أشار ابن القيم ، رحمه الله ، بقوله :
(ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل ، وترك الحق لم يخبر به ، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة ، وأشار إليه إشارات ملغزة ، ولم يصرح به ، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل الباطل ، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه ، وتأويله على غير تأويله ، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة ، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان ، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه ، بل أراد منهم أن يحملوا كلامه على ما لا يعرفونه من خطابهم ولغتهم ، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل ، فلم يفعل ، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان ، فقد ظن به ظن السوء) .
فلو كان الله ، عز وجل ، يريد بصفة اليد على سبيل المثال : القدرة أو القوة أو النعمة أو ................. الخ ، فما الذي منعه من التصريح بمراده ، هل يظن عاقل فضلا عن مسلم بأنه أراد إضلال عباده وصرفهم عن طريق الحق إلى طرق الباطل ليتأول كل فريق تبعا لهواه ، وكذا الإمامة ، كما تقدم ، هل يعقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد النص على إمامة علي ، رضي الله عنه ، فألغز على المسلمين بهذا اللفظ المشترك المجمل ليبذر بنفسه بذرة الشقاق والخلاف في الأمة من بعده ؟!!!! .

إن من المقرر في علم الأصول : أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، والمسلمون بعد الانتهاء من أداء حجة الوداع ، ونزول آية إكمال الدين في يوم عرفة ، لا في يوم الغدير كما يزعم القوم ، في أمس الحاجة إلى معرفة مآل هذه القضية المحورية في حياة المسلمين في ذلك الوقت ، بل وفي كل عصر تال ، بل وفي حياة غير المسلمين فوجود قيادة بيدها الحل والعقد أمر حتم لازم في حياة كل أمة ، فإذا كان الأمر كذلك كان من تمام البلاغ والبيان أن يبلغ النبي ، صلى الله عليه وسلم ، هذا الحكم الإلهي ، كما يزعم القوم ، بتولي علي ، رضي الله عنه ، الأمر من بعده ، بلفظ واضح صريح لا لبس فيه ، لئلا يتأول أحد الأمر على هواه ، فيخالف الأمر الإلهي ، والإمامة عند القوم ، ركن من أركان الدين ، بدليل أنهم يزعمون أن آية إكمال الدين قد نزلت يوم غدير خم ، كما تقدم ، فإذا سلمنا لهم جدلا ، بأن الآية أو الحديث نص في ولاية علي ، رضي الله عنه ، فأين النص فيها على ولاية بقية الأئمة ، وهم ، في زعم القوم ، معصومون يعلمون الغيب ويحكمون من بعد علي ، رضي الله عنه ، ولا تقوم الساعة حتى يظهر الإمام الثاني عشر ، محمد بن الحسن ، الغائب ، حتى يومنا هذا في سرداب "سامراء" أو كغيبة الخضر عليه السلام الذي مات ، إذا سلمنا بكل هذا ، فأين التصريح بهذه الأحداث الجسام في الكتاب أو السنة ؟!!! ، ولم لم يبينها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو ينص على علي ، رضي الله عنه ، أم أن النص عليها قد وقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ، إن من يقول بقول الإمامية في هذه المسألة ، يلزمه أحد أربعة أمور :

أولها :
أن يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ هذه المسألة العظيمة التي هي ركن من أركان الدين ، عند الإمامية ، ولازم هذا القول أن الدين لم يتم ، سواء قلنا بأن آية إكمال الدين قد نزلت في يوم عرفة ، أو في يوم غدير خم .

وثانيها :
أن يقول بأنه بلغها لعلي ، رضي الله عنه ، وحده ، ولازم هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم حابى صهره واختصه بأمر من أمور الدين لم يبلغه باقي الأمة ، وهذا كتمان للرسالة ، وخيانة للأمانة ، ينزه عنها صالح المؤمنين في كل عصر ، فما بالك بقائد الأمة ، بل وقائد الأنبياء وأفضلهم ، بل وخير من طلعت عليه الشمس ؟!! ، أيعقل أنه خالف النص القرآني : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ، أي أمر الرسالة ، أو : أمر علي ، رضي الله عنه ، كما تزعم الإمامية ، إن هذا القول الفاسد مناقض لكلا التفسيرين ، بغض النظر عن الصواب منهما والخطأ .

لقد هيج الله ، عز وجل ، نبيه ، وثبته ، كما يقول الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله : (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)) .
يقول الزمخشري معلقا : والمعنى : لضاعفنا لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا ، وما نؤخره لما بعد الموت ، وفي ذكر الكيدودة وتقليلها ، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين ، دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته . اهـــ

وقد ثبت خلاف ذلك عن علي ، رضي الله عنه ، في صحيح البخاري ، من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي ، وفيه : قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن ؟ ، فقال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة . قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ ، قال : "العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر" .

وهذا دليل يثلج صدر كل مسلم ، إذ لم تكن النبوة ملكا يورث ، ولو كانت كذلك ، ميراثا يحتكره علي ، رضي الله عنه ، والأئمة من بعده ، لا دينا واضحا بينا لكل مسلم ، لكان أحق الناس به ابن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لا ابن عمه ، ولكان من الأنسب أن يرزق النبي صلى الله عليه وسلم ولدا يعيش من بعده ليرث هذه التركة وهذه الأسرار ، وفي هذا رد على من قال بأن اختصاص علي ، رضي الله عنه ، بالزواج من فاطمة ، رضي الله عنها ، دليل على أن الله ، عز وجل ، أراد أن يبقى ميراث النبوة والإمامة في نسل علي وفاطمة ، رضي الله عنهما ، ولذا لم يزوجها صلى الله عليه وسلم أحدا غير علي ، كأبي بكر أو عمر أو ................ الخ ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كــــ : كسرى أو قيصر ، يؤسس ملكا ليورثه ذريته من بعده ، بل كان رسولا موحى إليه ، مبلغا رسالة ربه للثقلين دون كتمان ، ولعل الله ، عز وجل ، صرف الأمر عن آله ابتداء ، لئلا يحتج أحد بأنه فعل ما فعل ابتغاء ملك يوطده لذريته من بعده ، وإن لم يكونوا من صلبه ، وإنما من صلب ابن عمه ، علي ، رضي الله عنه ، ثم رده إلى خير آله بعده ، علي ، رضي الله عنه ، ليعلم الناس أنهم لم يصرفوا عنه طعنا في دينهم أو عدالتهم ، وإنما هم أهل لها بعد الخلفاء الثلاثة ، رضوان الله عليهم ، ثم تركها ، الحسن ، رضي الله عنه ، لمعاوية ، رضي الله عنه ، حقنا لدماء المسلمين ، فتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم فيه بأن يصلح الله ، عز وجل ، به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين ، وما كان الحسن ، رضي الله عنه ، سبط محمد صلى الله عليه وسلم ، ليتركها لكافر أو مارق ، وإنما رأى معاوية ، رضي الله عنه ، أهلا لها ، فتنازل له عنها ، مع قدرته على قتال أهل الشام ، ولكن الله حقن به دماء المسلمين كما تقدم .

ولنا فيه ، أيضا ، ما يثلج الصدر في الرد على من شكك في كتابة السنة في عصر الصحابة ، وراح يدندن بأن السنة قد تأخر تدوينها ، إلى زمن بني أمية فدخلها من الدخل ما دل ، وأن أبا بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، قد حرقا السنة الصحيحة ، وبدلا وغيرا كيفما شاءا ، ولكن الواقع يشهد بخلاف ذلك إذ أثبتت الدراسات المعاصرة ، وجود كتابات كثيرة للسنة النبوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعهد الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، من بعده ، وإن لم تصل إلى حد التدوين العام ، فقد كان القوم أصحاب آذان واعية وأذهان صافية وذاكرة قوية ، تعي وتستوعب ما تسمع فلم تكن حاجتهم إلى الكتابة إلا لحفظ ما يخشون نسيانه ، أو لإنفاذ أوامر الخلفاء ، ككتاب الصدقات الذي بعثه أبو بكر ، رضي الله عنه ، إلى أنس ، رضي الله عنه ، ولذا أثر عن بعضهم حرق كتبه بعد إتقان حفظها إذ لم يكن له بها حاجة بعد ذلك ، ومن اتهم الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، بتحريف القرآن والزيادة والنقص فيه هان عليه ، من باب أولى ، أن يتهمهم بحرق السنة ، والتغيير والتبديل فيها كيفما شاءوا !! .

ولكل مجتهد في فهم نصوص هذا الدين وفق الضوابط الشرعية ، ما يثلج صدره في قول علي رضي الله عنه : (إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن) ، وقد كان ، رضي الله عنه ، من سادة المجتهدين في الصدر الأول ، ولكل مجتهد نصيب من هذا الفهم ، فليس فهم النصوص حكرا على طائفة بعينها ، وإنما هو لكل من استكمل آلة الاجتهاد وأفنى ساعات وأيام العمر ، بل وسنواته ، في مطالعة نصوص الكتاب والسنة وكلام العلماء الربانيين ، حملة ميراث النبوة ، في تفسيرها وبيانها .

وثالثها :
أن يقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ، ولكن الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، كتموا وبدلوا ، وهذا من أفسد ، إن لم يكن أفسد الأقوال ، لأن لازمه أن الجيل الأول ، الذي نقل هذا الدين وحمله إلى مشارق الأرض ومغاربها ، قد أعرض عن وصية النبي صلى الله عليه وسلم وخان الأمانة ، بل وارتد عن دين الله ، إلا ثلاثة أو خمسة أو ................. الخ ، كما تقول الإمامية ، وإذا كان هذا حال صدر هذه الأمة ، فما بالك بحال من تلاهم ؟!! ، وكيف يؤتمن مثل أولئك على الدين ، وكيف يطمئن المسلم إلى ما نقلوه إليه من عقائد وأحكام ، إن الجرح في عدالة الجيل الأول ، وادعاء إجماعهم على كتمان ما تعم به البلوى ، وتمس الحاجة إلى معرفته ، وهو أمر غير متصور في عدد التواتر وإن كان أصحابه كفارا ، فما بالك وهم أصحاب من نزلت عليه الرسالة بين أظهرهم فتلقوها عنه مباشرة وتأدبوا بآدابها والتزموا شرائعها ، ونقلوا أحكام أدق تفاصيلها ، حتى إتيان النساء وأحكام الحيض والنفاس ؟!!! ، لا شك أن القدح في هذا الجيل قدح في ذات الرسالة ، بل إساءة ظن برب العالمين ، إذ كيف يختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ، أمثال أولئك الصعاليك ، بزعم من سبهم وقدح فيهم ، ليحملوا هذا الدين ويفتحوا به مشارق الأرض ومغاربها ، بل ويوصلوه إلى بلاد ينتسب أهلها للإسلام ، ومع ذلك يقدحون في حملة الرسالة التي ينتمون إليها ، ولا تناقض أعجب من هذا ، إن من يسب رجلا كعمر ، رضي الله عنه ، إنما يسب دينه الذي يدعي الانتماء إليه ، إذ لولا رجال من طراز عمر ، رضي الله عنه ، اختارهم الله ، عز وجل ، لحمل هذه الرسالة إلى مشارق الأرض ومغاربها لما عرفت الدنيا طريق الهدى بعد أن تردت في أودية الضلال ، لقد فتحت مصر ، على سبيل المثال ، في عهد عمر ، رضي الله عنه ، على يد أرطبون العرب عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، فكيف يسب مصري عمر أو عمرا ؟!! ، كما فعل بعض سفهاء قومي في مصر ، واستكمل فتح الشام والعراق وفارس في عهده بعد أن بدأ في عهد الصديق ، رضي الله عنه ، فكيف يسب أهل تلك البلاد من عرفوا الإسلام في عهده ؟!! ، ولكل مسلم أن يتخيل حاله لو أن الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، قعدوا عن حمل هذه الرسالة واكتفوا بما عرفوه من الحق وانزووا في أركان المدينة يقيمون شعائر الدين ، غير مبالين بمن حولهم من الأمم والشعوب التي ضلت طريق الحق .

ونحن نرد على من سب الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، بقول الطحاوي ، رحمه الله ، ما ملخصه :
فإنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى وجحد للرب بالكلية لأنه تعالى كيف يترك محمدا ، إن لم يكن رسولا كما يقول الكفار يتقول على الله فيحلل ويحرم ويشرع الشرائع ويفرض الفرائض وينسخ الملل ويضرب الرقاب ويقتل أتباع الرسل ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم وديارهم وينسب كل ذلك لله وهو مع ذلك يتركه وينصره ويؤيده ويرفع قدره ويهلك أعداءه ويمكنه من رقابهم فالكاذب لا يدوم أمره ولا تستمر دعوته فثبت بذلك صدق الرسول وأنه رسول الله حقا وصدقا بشهادة أعدائه أيضا : (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) .
بتصرف من العقيدة الطحاوية ص154_158 ، نقلا عن "القول الرشيد في عقيدة التوحيد" ، (1/173) ، للشيخ الدكتور الوصيف علي حزه رحمه الله .

وبقوله في موضع آخر ما نصه :
(وَهَذَا مِمَّا يَقْتَضِي أنه لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَيِّدَ كَذَّابًا عليه بِالْمُعْجِزَاتِ التي أَيَّدَ بِهَا الصَّادِقِينَ ، فَإِنَّ هَذَا شَرٌّ عَامٌّ لِلنَّاسِ ، يُضِلُّهُمْ ، فَيُفْسِدُ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ .
وَلَيْسَ هَذَا كَالْمَلِكِ الظَّالِمِ وَالْعَدُوِّ ، فَإِنَّ الْمَلِكَ الظَّالِمَ لَا بُدَّ أَنْ يَدْفَعَ الله به مِنَ الشَّرِّ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِه ، وَقَدْ قِيلَ : سِتُّونَ سنة بِإِمَامٍ ظَالِمٍ خَيْرٌ مِنْ لَيْلَة وَاحِدَة بِلَا إِمَامٍ ، وَإِذَا قُدِّرَ كَثْرَة ظُلْمِه ، فَذَاكَ خَيْرٌ في الدِّينِ ، كَالْمَصَائِبِ ، تَكُونُ كَفَّارَة لِذُنُوبِهِمْ ، وَيُثَابُونَ على الصَّبْرِ عليه ، وَيَرْجِعُونَ فيه إلى الله ، وَيَسْتَغْفِرُونَه وَيَتُوبُونَ إليه ، وَكَذَلِكَ مَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَدُوان . وَلِهَذَا قَدْ يُمَكِّنُ الله كَثِيرًا مِنَ الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ مُدَّة ، وَأَمَّا الْمُتَنَبِّئُونَ الْكَذَّابُونَ فَلَا يُطِيلُ تَمْكِينَهُمْ ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُهْلِكَهُمْ ؛ لِأَنَّ فَسَادَهُمْ عَامٌّ في الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، قَالَ تعالى : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ } ، { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ }{ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ }) . اهــــ

فكذا حال أتباعه ، كيف يمكنهم الله من نشر دين حرفوه ، فتخضع لهم به أمم الأرض ، ويدخل فيه أتباع الملل الأخرى زرافات ووحدانا ، ويزيد أتباعه ، إلى يومنا هذا ، ولا ينقصون ، ومعظمهم ، إن لم يكن كلهم يدخله من بابهم ، باب أهل السنة والجماعة ، رغم تخلف المسلمين وضعفهم وقعودهم عن حمل رسالة السماء ، مما حير قادة الغرب وساسته ، وقسسه ورهبانه ، إذ كيف تقبل شعوبهم على دين أتباعه اليوم ، وبكل صراحة ووضوح : يضربون بالنعال صباح مساء في مشارق الأرض ومغاربها ، فكيف يقع كل هذا ، وأصل الرسالة نفسه باطل أو محرف قد زيد فيه ونقص منه ، وارتد حملته وغيروا وبدلوا كتابه ، كل هذا ، والله ، عز وجل ، مطلع ، لا يغار ولا ينتصر لدينه بإهلاك أولئك المفسدين وإظهار الحق ، حاشاه عز وجل ، فأي إساءة ظن بالله ، عز وجل ، بعد هذا ، وهو الذي يقول في كتابه : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، والذكر يشمل : الكتاب والسنة كما أثر ذلك عن عبد الله بن المبارك ، رحمه الله ، و يقول أيضا : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، و "أل" في اليوم للعهد الحضوري ، وهو يوم عرفة ، فالدين قد كمل منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا ، لا يجرؤ أحد على الزيادة فيه أو النقص منه .

ومما يستأنس به في هذا الموضع قول الشيخ محمد الغزالي ، المعاصر ، رحمه الله ، ما معناه : (إن الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قد اكتمل في عقائده وعباداته وأخلاقه وأحكامه ونصوصه وقواعده وانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وترك الإسلام على هذا النحو ، والمسلمون من القرن الأول يرفضون من أي مخلوق ، ومن أي جماعة ، أن يضعوا في هذا الدين جديدا) .
بتصرف من "دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين" ، ص78 ، نقلا عن "منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين" ، للشيخ الدكتور مصطفى حلمي ، حفظه الله ، ص14 .

وهو نفس اللازم الذي نحتج به على اليهود والنصارى في رد ما احتواه العهد القديم من طعون في ذوات الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، إذ كيف يختار الله ، عز وجل ، لرسالته ، مجموعة من الزناة ومدمني الخمور ومرتكبي الفواحش التي يأنف منها أي إنسان ذي فطرة مستقيمة ، فما بالك برسل رب العالمين ؟!!

إن جوهر الخلاف بيننا وبين الإمامية ، هو ، في حقيقته ، هذه المسألة الجليلة : مسألة عدالة الجيل الأول ، رضوان الله عليهم ، حملة هذا الدين ، نعم الخلاف بيننا وبينهم في مسائل شتى : في التوحيد الذي نهجوا فيه نهج المعتزلة ، وفي توحيد الألوهية ، وفي عقيدة عصمة الأئمة ، وفي عقيدة تحريف القرآن ووجود مصحف آخر يدعى "مصحف فاطمة" ، ذكر موقع "مفكرة الإسلام" ، أنه بدأ ينتشر في أوساط شيعة العراق قادما من إيران ، ولا ندري كيف ظهر هذا المصحف والمهدي لم يخرج بعد من السرداب ، وفي رد السنة بأكملها لطعنهم في حملتها ، وفي مسائل عملية خالف فيها الإمامية ، و ضخموها ، حتى عادت من كبريات مسائل الدين ، إمعانا في مخالفة أهل السنة ، كمسألة زواج المتعة ، ولكن كل هذه الخلافات ترجع في أصلها إلى الخلاف الأول ، فلو سلم القوم بعدالة الصحابة ، رضوان الله عليهم ، لانحلت هذه العقد عقدة عقدة .

فعدالة الصحابة تعني الثقة بما نقلوه من قرآن وسنة وأحكام ، والسنة تشمل أحاديث الصفات التي يشنع القوم بها علينا ويتهموننا مع باقي الفرق الإسلامية بالتجسيم والتشبيه ، مع أنها ، عند التحقيق ، لنا لا علينا ، كما يظنون ، إذ بها نصف ربنا ، عز وجل ، بما وصف به نفسه بلا تشبيه ، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه ، بلا تعطيل .

وتشمل كذلك : الأحاديث التي نهى فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ، والغلو في الأنبياء والصالحين ، فلو سلم القوم بعدالة ناقليها لما وقعوا فيما هم واقعون فيه من تعظيم للمشاهد وغلو في أصحابها واستغاثة بهم ودعاء لهم ، بشبهة أن هذا من باب التوسل المشروع ، وهو ليس توسلا أصلا ، وإنما هو دعاء للمقبور ، بل ليته كان توسلا ، ولو غير مشروع ، إذن لهان الخطب بعض الشيء ، فالتوسل غير المشروع : أن تطلب من الميت أن يدعو الله ، عز وجل ، بقضاء حاجتك ، بحجة أن له جاها عند الله ، وهو شرك أصغر ينهى عنه سدا لذريعة الشرك الأكبر ، وهو الذي يقع فيه من يدعو الميت مباشرة بقضاء الحوائج ، ثم يشتبه عليه الأمر ، لأن من علماء الضلالة من يهون عليه الخطب قائلا : لا بأس بذلك فإنك إنما تتوسل بهم إلى الله ، عز وجل ، وفي هذا من الخلط ما فيه ، لأنه دعاء صريح لهم من دون الله ، وهذا هو عين الشرك الأكبر ، والعاقل لا يدعو إلا من اعتقد أن له نفعا أو ضرا أو نوع تصرف في الكون ، واعتقاد أن لغير الله ، عز وجل ، شيء من ذلك ، شرك في الربوبية ، مؤداه : الشرك في الألوهية ، بصرف أنواع من العبادات لذلك الميت النافع الضار المتصرف بزعم من تلبس بهذه البدعة الخبيثة .



وتشمل ، أيضا ، أحاديث الأحكام التي من ضمنها تحريم زواج المتعة ، أو بعبارة أدق ، نسخ إباحته ، إذ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه يوم خيبر ، كما في حديث علي ، رضي الله عنه ، وفيه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية) ، ثم رخص فيه عام الفتح ، ثلاثة أيام ، ثم نهى عنه نهيا مؤبدا ، كما في حديث سبرة الجهني ، رضي الله عنه ، وفيه : (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع ، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة) ، والنص محكم لا يقبل النسخ حتى في عهده صلى الله عليه وسلم لأنه مؤبد ، كنصوص الجهاد في سبيل الله فهو ماض إلى يوم القيامة ، وإلى ذلك أشار النووي ، رحمه الله ، بقوله :
(وَالصَّوَاب الْمُخْتَار أَنَّ التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة كَانَا مَرَّتَيْنِ ، وَكَانَتْ حَلَالًا قَبْل خَيْبَر ، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْم خَيْبَر ، ثُمَّ أُبِيحَتْ يَوْم فَتْح مَكَّة وَهُوَ يَوْم أَوْطَاس ، لِاتِّصَالِهِمَا ، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمئِذٍ بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، وَاسْتَمَرَّ التَّحْرِيم) ، فهو محرم حتى على قاعدة الإمامية في الرجوع إلى علي ، رضي الله عنه ، كما أشار إلى ذلك الخطابي ، رحمه الله ، فلو سلم القوم بعدالة الصحابة ، لقبلوا رواية سبرة ، رضي الله عنه ، ولاعتدوا بنهي ، عمر ، رضي الله عنه ، عنه ، وهو على المنبر ، بدل أن يثيروا الأكاذيب والشبهات حوله مدعين أنه هو الذي أبطله تحكما ، مع أن ذلك كان بإقرار الصحابة الذين سمعوه ينهى عنه ، فلو كانوا عدولا ، في نظر القوم ، لقبلوا سكوتهم ، ولعلموا أنهم لا يسكتون على باطل ، وهذا ما يعرف عندنا ، في علم الأصول بــ "الإجماع السكوتي" ، وهو حجة ، لا سيما في العصور التي ينضبط فيها الإجماع ، كعصر الصحابة ، رضوان الله عليهم ، قبل أن يتفرقوا في الأمصار في عهد عثمان ، رضي الله عنه ، على تفصيل يطلب من كتب الأصول ، فآل الأمر ، حتى في هذه المسألة الفرعية إلى عدالة الصحابة .

ولو سلموا بها لبطلت نظرية الأئمة والمهدي الغائب لأنها لم ترد في النصوص التي نقلها الصحابة ، رضي الله عنهم ، وليس لهم أن يحتجوا بحديث جابر بن سمرة ، رضي الله عنه ، الذي رواه مسلم ، رحمه الله ، في كتاب الإمارة ، وفيه : (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة) ، وفيه أيضا : (كلهم من قريش) ، لأن الحديث نص في خلفاء من قريش لا أئمة معصومين من نسل الحسين ، رضي الله عنه ، بالذات ، فالدليل على أمر أعم من الأئمة عند الإمامية ، لأن دائرة الحكام غير المعصومين الذين يتسمون بـــ "الخلفاء" أعم من دائرة الحكام المعصومين الذين يتسمون بـــ "الأئمة" ، والقاعدة الأصولية : أن الدليل على الأعم ليس دليلا على الأخص لأن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص ، وهم لم يحكموا ليقال بأن الأمر لا ينقضي إلا بإمامتهم ، وقد ماتوا فكيف السبيل إلى حكمهم الآن ، ليتحقق هذا الأمر إن كانوا هم المعنيين به ؟! ، وإنما يصح الأمر بالقول بأن "خلافة النبوة ثلاثون عاما" ، كما عند أبي داود ، رحمه الله ، تشمل خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ، رضوان الله عليهم ، ومفهوم مخالفة الحديث يدل على أن هناك خلفاء آخرين سيأتون بعدهم ليسوا على نهج النبوة ، ولا يعني هذا الحكم بكفرهم ، وإنما أصبحت الخلافة في عهدهم ملكا عضوضا ، كما أخبر بذلك النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في الحديث الذي رواه أحمد بسند صحيح ، وفيه : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عضوضا فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبريا ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) ، وهذا الحديث من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ رسم فيه الخريطة السياسية لأمة الإسلام ، إن صح التعبير ، وتحققت نبوءته ، فنحن اليوم نعيش المرحلة الرابعة : مرحلة الملك الجبري في انتظار المرحلة الخامسة مرحلة التمكين : مرحلة الخلافة الثانية على منهاج النبوة .

المهم أن التسليم بعدالة الصحابة ، رضوان الله عليهم ، هو السبيل لتوحيد هذه الأمة ، لمن يريد توحيدها حقا ، لأنه يعني قبول ما جاءوا به ، والتسليم بإجماعهم ، ومن ادعى إمكانية توحيد الأمة دون تعديل صدرها الأول ، فهو كالمفاوضين الفلسطينيين الذين يريدون حل مشكلة الشرق الأوسط ، زعموا ، مع تأجيل قضية القدس الشريف إلى آخر جدول الأعمال ، فليرنا كيف سيوحد الأمة وبعض طوائفها ترمي الصدر الأول بالردة والفسق ، وليرنا المفاوضون الفلسطينيون كيف يمكن حل القضية الفلسطينية دون التطرق لمسألة القدس الشريف .

ففساد أولى حلقات إسنادنا إلى الوحي المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم معناه سقوط الإسناد من أساسه ، لأن الرواية عن الكافر أو ساقط العدالة لا تصح ، كما تقرر في علم المصطلح .

ورابعها :
أن يقول بأن باقي الأئمة ، قد نص الله ، عز وجل ، على أعيانهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ نزل الوحي ، على علي ، رضي الله عنه ، بأسمائهم ، فعلمهم ، ومع ذلك لم يرض أن يلي الأمر إلا بعد إلحاح المسلمين عليه ، فقد كان زاهدا فيها ، راغبا عنها ، كما يروي ابن أبي الحديد عن أمير المؤمنين ، علي ، رضي الله عنه ، ما نصه :
(دعوني والتمسوا غيري ، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان ، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا) .
نقلا عن تاريخ الخلفاء الراشدين ، للشيخ الدكتور طه عبد المقصود ، حفظه الله ، (1/59) .

ولم يرض أن يوصي للإمام من بعده ، ورضي الحسن والحسين ، رضي الله عنهما ، بتولي معاوية ، رضي الله عنه ، الأمر ، ضاربين بالنص الإلهي على الأئمة ، عرض الحائط ، رغم قدرتهما على الخروج والنهوض لجيش الشام ، بدليل خروج الحسين ، رضي الله عنه ، إلى العراق ، زمن يزيد ، فما الذي منعه من الخروج زمن معاوية ، وأين كان النص على زين العابدين علي بن الحسين ، رحمه الله ، لماذا لم يطلع الحسين ، رضي الله عنه ، ابنه عليا ، عليه ، قبل استشهاده ، ولماذا لم يطلع علي ابنه محمدا الباقر ، رحمه الله ، عليه ، وهكذا ...... ، لماذا سكت أولئك الأفاضل عن حقهم الشرعي المنصوص عليه الذي لا يتم دين مسلم إلا بتمامه ، أتراهم فرطوا ورضوا بأن يهلك جل المسلمين منذ ذلك العهد إلى عهدنا هذا ، فيموتوا على عقيدة ناقصة ؟! .

وإلى هذا اللازم ، أشار الإمام أبو بكر بن العربي ، المالكي ، رحمه الله ، ضمن مناظرة حصلت له مع رأس الإمامية في مدن الساحل "أبو الفتح العكي" ، إذ يقول بعد كلام طويل : .................. ثم قلت : ومن أعجب ما في هذا الكلام : أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة له ، فقد ضيع فلا عصمة له ، (أي أنه إذا أوصى لمن بعده مع علمه بأنه غير ممكن بدليل أنه لم يتول الخلافة ، إذا فعل ذلك فقد ضيع وفرط ، فانتفت عصمته ، إذ كيف يوصي لمن يعلم أنه لن يستطيع القيام بأعباء الخلافة ، أليس التفريط في الأمانة واقعا في هذه الصورة ، وهو أمر ينزه عنه عامة الناس فكيف بالأئمة المعصومين ، على قولهم ، وأئمة أهل البيت ، رضوان الله عليهم ، على قولنا ؟!!!) .

ويواصل ابن العربي ، رحمه الله ، فيقول : وأعجب منه أن الباري تعالى ، على مذهبهم ، إذا علم أنه لا علم إلا بمعلم ، (أي وصي معصوم) ، وأرسله عاجزا مضطربا لا يمكنه أن يقول ما علم ، فكأنه ما علمه وما بعثه ، (فأين اللطف الذي يدعيه القوم على مذهبهم في الاعتزال ، أيكون لطف الله ، عز وجل ، بمفهومهم الاعتزالي ، أن يبعث رسولا أو يصطفي إماما عاجزا عن تبليغ الرسالة والقيام بأعباء الدين ، بحجة أنه عاش في زمن التقية فلم يظهر ما عنده من الحق ، وترك الناس يخوضون في الباطل وهو عاجز عن إرشادهم ، فأي لطف هذا ؟!!) .

ويختم ابن العربي ، رحمه الله ، كلامه بقوله : وهذا عجز منه وجور ، (أي الخالق عز وجل تعالى عن ذلك علوا كبيرا) ، لا سيما على مذهبهم ، (أي في الاعتزال ، فهم يوجبون على الله ، عز وجل ، الصالح والأصلح) ، والله أعلم .

والمناظرة ، قد ذكرها الشاطبي ، رحمه الله ، في "الاعتصام" ، نقلا عن "العواصم" ، وذكر معها مناظرة أخرى لابن العربي ، رحمه الله ، مع الإسماعيلية الباطنية ، وهم أشد غلوا من الإمامية ، وفي المناظرتين فوائد في أول فصل في الباب الثالث : (باب : في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ويدخل تحت هذه الترجمة جملة من شبه المبتدعة التي احتجوا بها) ، ص152_157 ، وفيهما من الفوائد الكثير .

فليختر القوم لأنفسهم أي لازم شاءوا من هذه اللوازم .

والحقائق في علم الأصول ثلاثة :
الحقيقة الشرعية : وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع ، كلفظ الصلاة اصطلاحا فهي : الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم ، مع أن حقيقتها اللغوية : مطلق الدعاء .
والحقيقة العرفية : وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف ، كلفظ الدابة : فحقيقته العرفية : ذات الأربع ، مع أن حقيقته اللغوية : كل ما يدب على الأرض سواء أكان من ذوات الأربع أم من غيرها .
والحقيقة اللغوية : وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة ، كما سبق ، في الصلاة والدابة لغة .
فالحقيقة اللغوية أوسع مدلولا من الحقيقة الشرعية والعرفية ، فالصلاة شرعا ، كما تقدم ، دعاء ، ولكنه دعاء مقيد بأقوال وأفعال مخصوصة ، بينما الصلاة لغة : الدعاء مطلقا ، وعليه تكون الحقيقة الشرعية : حقيقة لغوية مقيدة .

وقد سبق بيان معاني "الولاية" لغة ، فهي لفظة متعددة المعاني ، تعددا يجمعه الاشتراك اللفظي ، فحقيقتها اللغوية واسعة المدلول ، وللقوم فيها حقيقة شرعية بالمعنى المتعارف عليه عندهم فهي ولاية تكوينية بنص إلهي ........... الخ ، فلهم أن يقولوا الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية ، وهذا حق ، ولكن قبل هذا يلزمهم :
أن يأتوا بنص صحيح صريح في هذه المسألة ، ولو على أصول مذهبهم في الرواية ، على إمامة علي ، رضي الله عنه ، ومن بعده من الأئمة ، بالمعنى الاصطلاحي للإمامة عندهم ، لا بالمعنى العام الذي يدخل فيه علي ، رضي الله عنه ، وأبناؤه من بعده ، بل وكل إمام متبع في الدين كالأئمة الأربعة رحمهم الله .

ومع ذلك فإن الآية ، ولو كانت نصا في الإمامة الاصطلاحية ، كما يدعي القوم ، فإن الحقيقة الشرعية تصرف عن مدلولها الشرعي إلى مدلولها اللغوي إذا وجدت قرائن صارفة تؤيد المدلول اللغوي دون الشرعي ، كما في :

قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فلا يعقل أن يكون المعنى هنا : وصل عليهم الصلاة الشرعية المعروفة بحيث يقوم النبي صلى الله عليه وسلم ، ويصلي عليهم ركعة أو ركعتين ......... الخ ، وإنما المراد هنا : وادع لهم ، فرجحت القرينة الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية .

وإلى ذلك أشار ابن كثير رحمه الله :
وقوله : {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي : ادع لهم واستغفر لهم ، كما رواه مسلم في صحيحه ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بصدقة قوم صَلَّى عليهم ، فأتاه أبي بصدقته فقال : "اللهم صَل على آل أبي أوفى" ، وفي الحديث الآخر : أن امرأة قالت : يا رسول الله ، صلّ عليَّ وعلى زوجي . فقال : "صلى الله عليك ، وعلى زوجك" . اهــــ

ففي الآية من القرائن ما يصرف الحقيقة الشرعية إلى المعنى اللغوي ، الذي هو الأصل في هذا الموضع ، فسياق الآيات :
(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
سياق براءة من الكفار ، وولاء للمؤمنين ، والولاء هنا ، كما تقدم ، ليس الولاية الاصطلاحية عند القوم ، وإنما هي الولاية بمفهومها العام ، فهو حق واجب لكل مؤمن بمقدار ما فيه من إيمان ، وهذه الآيات نص في عقيدة أثبتها علماء أهل السنة والجماعة في مصنفات العقائد ، عرفت بــــ "عقيدة الولاء والبراء" ، أي : ولاء المؤمنين والبراء من الكفار والمشركين ، وهي عقيدة لا تقتصر على أفراد بعينهم ، فالولاء حق واجب لكل مؤمن ، فعلام التخصيص بلا مخصص والسياق ينقض المعنى الاصطلاحي عندهم ، لو سلمنا بوجوده أصلا .

*****
فائدة :
مسألة السياق ، مسألة غاية في الأهمية ، لأن السياق في أي كلام : معتبر عند تفسير هذا الكلام سواء أكان في القرآن أم في غيره ، فلا يصح أن يقطع الكلام عن سياقه للاستدلال به على مذهب معين دون مراعاة سوابقه ولواحقه ، كما سبق في آية التطهير ، إذ اقتطع القوم جزء آية وهو قوله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) ، وعزلوه عن سوابقه ولواحقه ليستدلوا به على مسألة عصمة الأئمة ، وخرج أحدهم ليقول بأن السياق القرآني ليس بحجة !!!!!! ، وأن الآية قد يوجد أولها في سورة وآخرها في سورة أخرى ، وهذه دعوى عجيبة توجب القدح في كلام البشر ، فضلا عن كلام رب العالمين ، فلو قال لك قائل إن مؤلفا ما ألف كتابا فيه جملة توجد في الصفحة 50 ، على سبيل المثال ، وتتمة الجملة في الصفحة 100 ، وما بينهما لا علاقة له بهما ، فماذا أنت قائل له ؟!! ، ولازم هذا القول العجيب ، أن نقتطع جزءا من آية : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) ، فنأخذ : (إن المنافقين) ، ثم نقتطع جزءا من آية : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) ، فنأخذ : (لهم مغفرة وأجر عظيم) ، ونضمه للجزء الأول : (إن المنافقين) ، فيصير السياق : إن المنافقين لهم مغفرة وأجر عظيم !!! ، وهكذا نتلاعب بالنصوص كيفما شئنا بحجة أن السياق القرآني ليس بحجة .

وقد امتد هذا الأمر إلى مسائل الصفات ، فأهل السنة والجماعة ، يثبتون صفات الله ، عز وجل ، على الوجه الذي يليق بجلاله ، من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ، وبعض الفرق الأخرى تؤولها بحجة التنزيه ، فتقول في صفة اليد مثلا هي : القدرة أو القوة أو النعمة .............. الخ ، ويحتجون على أهل السنة بمثل قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، قائلين : ما قولكم في اليد هنا ، هل هي يد الله ، عز وجل ، حقيقة قد وضعها الله ، عز وجل ، على أيدي القوم ، أم أنكم تؤولونها بمعنى آخر ؟!!! ، فيرد أهل السنة بقولهم : لله يد حقيقية على الوجه الذي يليق بجلاله ، فلا مثيل له ، عز وجل ، في ذاته أو صفاته أو أفعاله ، ولكن اليد هنا بمعنى : الحضور ، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله : أي : هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم ، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } . اهـــ
أو بمعنى : القوة ، كما اختار الطبري ، رحمه الله ، في أحد قوليه ، فقال في القول الثاني : قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على نُصرته على العدو . اهــ
فإذا ما احتج القوم فقالوا : ها أنتم قد وقعتم فيما تنهون عنه فأولتم اليد بالحضور أو القوة .
والجواب على ذلك : أن التأويل هنا ليس تأويلا متعسفا بلا قرينة صارفة ، بل سياق الآيات هو الذي دل على أن المقصود هو الحضور أو القوة ، لأن السياق هنا : سياق شهادة عليهم إذ يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم ، فالله ، عز وجل ، شاهد عليهم ، والشاهد لا بد من حضوره ، فكأن المعنى يؤول إلى أن الله عز وجل حاضر لهذه البيعة شاهد على عقدها ، فالحجة قد قامت على كل من بايع ، فمن وفى فله أجره ومن نكث فعليه وزره ، فلا يسمى هذا تأويلا بالمعنى الاصطلاحي الذي تعارف عليه القوم في مسائل الصفات ، وإنما يسمى تأويلا بمعنى تفسير اللفظ تبعا للسياق الذي ورد فيه دون تعسف أو تكلف ، ومع ذلك فإن أهل السنة لم يقولوا هنا بنفي صفة اليد ، وإنما قالوا نثبت الصفة على الوجه اللائق بالله ، عز وجل ، ونثبت لازمها من الحضور أو القوة أو القدرة ............. الخ ، ويكون اللازم تبعا لسياق الكلام ، لأنه هو المعتبر في تفسير آي القرآن ، بل أي كلام ، كما تقدم ، والله أعلم .

والأمثلة على ذلك كثيرة :
ففي قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فالمعية هنا : معية العلم ، ولا يقال هنا بأن المعية أولت بالعلم ، وهذا تأويل مذموم ، لأن السياق يدل على علم الله ، عز وجل وإحاطته بالخلق ، بدليل أن المعية المذكورة في الآية مسبوقة بقوله تعالى : (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) ، ومتبوعة بقوله : (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فالمعية لم تفسر هنا بالعلم تحكما وإنما دل السياق على ذلك .


*****
ومنهج أهل البدع هو معارضة الأصول الثابتة بشبهة دليل لا دليل ، بل إنه عند التحقيق دليل عليه لا له ، فمن نفى علو الله ، عز وجل ، واستوائه على عرشه عارض أكثر من ألف دليل على علو الله ، عز وجل ، وفوقيته بهذه الشبهة ، فاقتطع قوله تعالى : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) ، من سياق الآية ، ليروج بضاعته الكاسدة ، ورد المتشابه إلى المحكم هو منهج أهل السنة والجماعة في هذه المواضع ، مع أن هذه الآية بسياقها الكامل ، كما تقدم ، لا إشكال فيها ، وعلى فرض اشتباهها ، هل يعقل أن يرد هذا الكم من الأدلة المحكمة في هذا الباب لأجل آية متشابهة ، فيرد الألف بالواحد !!! .
*****

وكذا في قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
فالمعنى هنا : ونحن أقرب إليه بعلمنا ، فالمعية هنا ، أيضا ، معية علمية ، ولا يقال بأن هذا تأويل لأن القرينة السمعية الصارفة جاءت في سياق الآية ، وهي قوله تعالى : (ونعلم ما توسوس به نفسه) ، وجاءت في الآية التالية ، وهي قوله تعالى : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، فدل ذلك على أن قرب الله ، عز وجل ، يكون بملائكته الذين يحصون أعمال عباده .


ولابن كثير ، رحمه الله ، تفصيل في هذا الموضع إذ يقول : (وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} يعني : ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حبل وريده إليه . ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد ، وهما منفيان بالإجماع ، تعالى الله وتقدس ، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل : وأنا أقرب إليه من حبل الوريد ، وإنما قال : {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} كما قال في المحتضر : {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [ الواقعة: 85 ] ، يعني ملائكته) . اهـــ

وعليه فلا إشكال في نسبة المعية إلى الله ، عز وجل ، باعتبار ملائكته ، لأنهم خلق من خلقه لا يصدرون إلا عن أمره ، فنسبة أفعالهم إلى الله ، عز وجل ، حقيقية من جهة أنه هو الآمر بها ، والآمر بالشيء في حكم الفاعل له وإن لم يباشره بنفسه ، والله أعلم .


ومن ذلك أيضا ، قوله صلى الله عليه وسلم ، في الحديث الذي رواه أبو نعيم ، رحمه الله ، من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري رضي الله عنه : "ثلاث من فَعَلَهُنَّ فقد طَعِمَ الإيمان : من عبد الله وحده ، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه في كل عام ، ولم يعط الهَرَمة ولا الدَرنة ، ولا الشَّرط اللئيمة ولا المريضة ولكن من أوسط أموالكم . وزكى نَفْسَه" وقال رجل : يا رسول الله ، ما تزكية المرء نفسه ؟ فقال: "يعلم أن الله معه حيث كان" .
والشاهد : "يعلم أن الله معه حيث كان" ، فالمعية هنا أيضا ، معية علمية ، ولا يقال بأنها معية ذات ، لأن لازم ذلك أن يكون الله ، عز وجل ، موجودا بذاته مع العبد في كل مكان ، وهذا من أفسد الأقوال ، والسياق هو الذي رجح المعية العلمية ، لأن السؤال كان عن تزكية النفس ، ومن أول ما يزكي الإنسان به نفسه أن يعلم أن الله ، عز وجل ، عليم بحاله ، مطلع على أقواله وأفعاله ، رقيب على سكناته وحركاته ، ناهيك عن فساد لازم معية الذات الذي سبقت الإشارة إليه ، لذا صرفت المعية عن معية الذات إلى معية العلم تبعا للسياق والقرائن المعتبرة .


ومنه أيضا :
قوله تعالى : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ، وقوله تعالى : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ، وقوله تعالى : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) ، فالمعنى في هذه الآيات : الإرشاد والحفظ والعناية ، ولا يقال بأن هذا تأويل لأن السياق :
سياق حفظ ورعاية لموسى صلى الله عليه وسلم .
وسياق إرشاد لنوح صلى الله عليه وسلم لكي يصنع الفلك بوحي من الله عز وجل .
وسياق حفظ ورعاية للسفينة وهي تجري ، وإليه أشار ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله : بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا . اهـــ ، كما تقول لحبيب لك ، ولله المثل الأعلى ، : أنت في عيني ، أي : أنت موضع نظري واهتمامي ، ولا يقول عاقل بأن المعنى : أنت حال بذاتك في عيني لمجرد أن ظاهر اللفظ يشير إلى ذلك ، ولكن قرينة السياق هي التي صرفت اللفظ عن ظاهره .

وهي التي رجحت المعاني السابقة ، مع إثباتنا لصفة العين لله ، عز وجل ، على الوجه الذي يليق بجلاله ، وأما لازمها فهو تبع لسياق الآيات ، فتارة يكون حفظا أو إرشادا أو .............. الخ .

ومنه أيضا :
الآيات التي ترد فيها صفات لله ، عز وجل ، لا يصح إطلاقها عليه إلا مقيدة ، كالمكر والاستهزاء والنسيان ، كما في :
قوله تعالى : (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)
وقوله تعالى : (الله يستهزئ بهم)
وقوله تعالى : (نسوا الله فنسيهم)
فقد يحتج المخالف على أهل السنة بأن إطلاق هذه الصفات ، على الله ، عز وجل ، مظنة النقص ، فلا يليق أن يوصف بها الرب ، عز وجل ، والجواب أن السياق ، كما سبق ، يحل الإشكال ، لأن هذه الصفات وردت على سبيل الجزاء العدل والمقابلة ، فهي فيما سيقت فيه مدح وكمال ، ولكن لا يجوز أن يشتق لله ، تعالى ، منها أسماء ، فلا يقال بأن الله عز وجل : الماكر أو المستهزئ أو الناسي ................. الخ ، ولا يقال بأنه : يمكر أو يستهزئ أو ينسى ............... الخ ، بصيغة الفعل مطلقا ، وإنما يقال : يمكر بمن يمكر بدينه وأوليائه ، ومستهزئ بمن يستهزئ بدينه وأوليائه ، فيملي له من حيث لا يشعر ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر ، وناس لمن نسي لقائه ، لا أنه ينسى كما ينسى البشر ، وإنما هذا النسيان من باب قولك عمن أعرضت عنه ، ولله المثل الأعلى : لقد نسيت أمره ، فلا يعني ذلك أنه قد غاب عن ذهنك فلم تعد تذكره ، وإنما يعني أنك زهدت فيه وتركته حتى عاد كالمنسي حكما لا حقيقة ، والدليل على ذلك هو : السياق ، فلم يجوز أهل السنة لأنفسهم هذا القول إلا بدلالة السياق ، وهو واضح في الآيتين : الأولى والثالثة ، فالمقابلة فيهما واضحة : مكر القوم فمكر الله ، عز وجل ، بهم مكرا يليق بجلاله ، ونسي القوم لقاء الله ، عز وجل ، فنسيهم نسيانا يليق بجلاله ، وأما في الآية الثانية : فالسياق يتضح بذكر الآية السابقة لهذه الآية : (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)) ، فقابل الله ، عز وجل ، استهزاءهم باستهزاء يليق بجلاله .
ومما يؤكد ذلك أن الصفة إذا كانت صفة نقص مطلق ، لم تجز فيها المقابلة بالمثل ، كما في الصفات السابقة ، كما في قوله تعالى : (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، فالخيانة صفة نقص مطلق ، فلم يقل الله عز وجل : فقد خانوا الله من قبل فخانهم ، لأن الخيانة صفة نقص مطلق لا يصح إطلاقها على الله ، عز وجل ، ولو من باب الجزاء والمقابلة .

وكذا في قوله تعالى : (الرحمن على العرش استوى)
فقد فسر البعض لفظ "استوى" بــــ "استولى" ، واستدل بالبيت الشهير ، وأظنه للأخطل :
قد استوى بشر على العراق ******* من غير سيف ولا دم مهراق
فــ "استوى" هنا بمعنى : "استولى" ، أي أنه استولى على العراق ، والجواب هنا أيضا : أن السياق هو الذي صرف المعنى من الاستواء إلى الاستيلاء ، لأن البلد لا يستوي الحاكم عليها بمعنى أنه يستقر فوقها ، وإنما بمعنى أنه يستولي عليها ، فضلا عن أن الاستواء هنا قد يفسر بمعناه الأصلي وهو : العلو والاستقرار المعنوي لا الحسي ، فكأنه علا أرض العراق لما أصبح حاكما لها واستقر فوق سرير ملكها ، أي عرشها ، فصار حاكمها بلا منازع من البشر ، ولم نحتج هنا لأي تأويل ، وإن كان التأويل ، في هذا البيت ، سائغا ، لدلالة القرينة ، كما تقدم ، وأما في الآية الكريمة ، فالأمر مختلف ، لأن القول بأن استواء الرحمن ، عز وجل ، على العرش ، هو استيلاؤه عليه ، تأويل لا قرينة مرجحة له ، بل إن القرائن المعنوية تدفعه لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد منازعة ، فمن ذا الذي يقدر على منازعة الله ، عز وجل ، فضلا عن أن الله ، عز وجل ، مستول على كل مخلوقاته ، فعلام تخصيص العرش بالذكر هنا ، وإلى هذا أشار أبو الحسن الأشعري ، رحمه الله ، بقوله : "وقد قال القائلون من المعتزلة ، والجهمية ، والحرورية أن معنى قوله : (الرحمن على العرش استوى) ، أنه استولى وقهر وملك ، وأن الله ، عز وجل ، في كل مكان ، وجحدوا أن يكون الله على عرشه ، كما قال أهل الحق ، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة ، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة ، لأن الله قادر على كل شيء ، فالله قادر على الأرض ، وعلى الحشوش ، وعلى كل ما في العالم ، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى : الاستيلاء ، وهو ، عز وجل ، مستول على الأشياء كلها ، لكان مستويا على العرش ، وعلى الأرض ، وعلى السماء ، وعلى الحشوش ، والأقذار ، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها" . اهــ
نقلا عن "الفتوى الحموية الكبرى" ، لشيخ الإسلام ، رحمه الله ، ص76 ، بتصرف يسير .

ومادة الاستواء ، قد عرف من كلام العرب أنها إذا تعدت بـــ "على" ، فهي بمعنى : العلو والاستقرار ، فالله ، عز وجل ، مستو على عرشه ، بائن من خلقه ، استواء يليق بجلاله ، ولا يقول عاقل بأن المعنى هنا : أن العرش يقل الله ، عز وجل ، فهو مفتقر إليه ، لأن الله ، عز وجل ، خالقه ، فكيف يفتقر إليه ، وهو الغني سبحانه عن كل خلقه ، فلا يتصور افتقار الخالق ، عز وجل ، لمخلوق من مخلوقاته ، والله أعلم .
بتصرف من شرح العقيدة الواسطية ، للشيخ محمد بن صالح العثيمين ، رحمه الله ، ص229_237 .


ومنه أيضا :
قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)
فكلمة القرية تطلق أول ما تطلق على ساكني القرية ، فالسياق يدل على أن المسئول هو سكان القرية ، إذ لا يعقل أن يكون المقصود : اسأل بيوت القرية وحوائطها .
كما في : قوله تعالى : (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) ، فالمقصود إهلاك سكانها ، لأن العذاب ينزل على أهل القرى لا على بيوتها وحوائطها ، وقد استفدنا ذلك من السياق دون الحاجة إلى قرينة صارفة أو محذوف مقدر يستقيم معه السياق ، فلا يلزم أن نقول : وهؤلاء الظالمون من أهل القرى أهلكناهم لما ظلموا ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فيكون من باب مجاز الحذف ، فهذا إيغال لا مبرر له فالمعنى واضح جلي من السياق .
ومثله في :
قوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)
فهو لم يتعجب إلا من كون القرية خاوية من سكانها ، فدل ذلك على أن المقصود بالقرية أصالة : سكانها ، لا بيوتها وجدرانها ، وإلى ذلك أشار ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله : {وَهِيَ خَاوِيَة} أي : ليس فيها أحد من قولهم : خوت الدار تخوي خواءً وخُويا . اهـــ
وقوله تعالى : (لَوْلا أُنْزِلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْن عَظِيمٍ)
فلا يعقل أن المقصود : لولا أنزل هذا القرآن على رجل من بيوت القريتين أو جدرانهما ، عظيم ، وإنما المقصود بالقريتين أهلهما .


ومنه أيضا : قوله تعالى : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
فالآية ، للوهلة الأولى ، قد يفهم منها أن الاستعاذة تكون بعد القراءة ، ولكن المعنى المقصود هنا : فإذا أردت قراءة القرآن ، وقد فهم هذا من السياق دون الحاجة إلى تأويل ، يؤيد ذلك القرينة السمعية الصارفة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ ، كما في حديث جبير بن مطعم ، رضي الله عنه ، عند البيهقي رحمه الله .
بتصرف من شرح العقيدة الواسطية ، للشيخ محمد بن عثيمين ، رحمه الله ، ص54 .

ونظيره قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ، أي : إذا أردتم القيام ، فلا يقال هنا ، أيضا ، بالتأويل ، لأن السياق دال على المعنى ، فلا يتصور الوضوء بعد الصلاة ، لأنه شرط من شروطها ، والشرط مقدم دوما على المشروط ، والله أعلم .
وإلى هذا المعنى ، أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله :
({إذا قمتم إلى الصلاة} كقوله : {فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله} [ النحل : 98 ] وكقولك : إذا ضربت غلامك فهوّن عليه ، في أن المراد إرادة الفعل) .

ومن أمثلة التأويلات الباطلة التي تعتمد على اقتصاص الشبه من سياقاتها :
قوله تعالى : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)
فقد استدل بها بعض المبتدعة على ردة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وهو اقتطاع لآية من سياق آيات نزلت في وقعة أحد ، فيها عتاب للصحابة ، رضوان الله عليهم ، على انهزامهم بعدما سرت شائعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن لما لم يكمل هذا المغرض بقية الآيات ؟!! ، ففيها عتاب آخر لنفر من الصحابة منهم : أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، في قوله : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ، فالتولي ثابت بنص الآية ، ولكن الله ، عز وجل ، عفا عنهم ، لسابقتهم في الإسلام ، فلا يهدر الولي أو العالم لزلة أو قول مرجوح ، ولو كان الأمر كذلك للزم إهدار كل الأولياء والعلماء ، لأنه ما من أحد من هذه الأمة ، بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ، إلا وفي كلامه ما يرد ، بل إن بعض الأقوال قد توصف بـــ "البدعة" ، بمعناها الشرعي المذموم ، ومع ذلك لا يوصف قائلها بأنه "مبتدع" ، لأنها مما زل فيه ، وقد عرف من حاله أنه لم يتعمد مخالفة السنة ، وإنما اجتهد فأخطأ ، ووافق بعض أهل البدع في بعض أقوالهم ، عرضا لا قصدا ، فضلا عن أنه لم يلتزم أصولهم الكلية التي قامت عليها بدعتهم ، المهم أن الله ، عز وجل ، قد عفا عن القوم ، ولكن أبى هؤلاء إلا الخوض فيما بدر من أولئك الأفاضل ، ورغم عصيان الرماة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونكوص المسلمين مؤقتا عن القتال بعدما سرت شائعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أنهم ، هم بأنفسهم ، من مدحهم الله ، عز وجل ، بقوله : (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) ، فخرج القوم ، مع عظيم مصابهم ، مع النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى حمراء الأسد ، في اليوم التالي مباشرة لغزوة أحد ، بعدما اشترط النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ألا يخرج معه إلا من خرج معه بالأمس ، واستثني من ذلك جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه ، الذي خرج عوضا لأبيه عبد الله بن حرام ، رضي الله عنه ، الذي استشهد في المعركة ، ولا يعقل أن يثني الله ، عز وجل ، عليهم هذا الثناء مع علمه السابق بردتهم عن الدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن للقوم أذهانا وعقولا تغاير أذهان وعقول بقية البشر ، فتنتزع آية من سياق كامل ، دون النظر فيما بعدها وما قبلها ليستدل بها على مذهب أو طريقة معينة ، وإن قيل بأن "من" في قوله تعالى : (للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) ، للتبعيض ، فلا يلزم من خروجهم معه أن كل الخارجين مغفور لهم ، فالجواب عن ذلك يسير ، وقد تكفل به ابن هشام ، رحمه الله ، بقوله : "وفي كتاب المصاحف لابن الأنباري أن بعض الزنادقة تمسّك بقوله تعالى (وعدَ الله الذينَ آمنوا وعملوا الصالحات منهمْ مغفرةً) في الطعن على بعض الصحابة ، والحق أن منْ فيها للتبيين لا للتبعيض ، أي الذين آمنوا هم هؤلاء ، ومثله (الذينَ استجابوا للهِ والرّسولِ منْ بعدِ ما أصابهمُ القرْحُ ، للّذينَ أحسنوا منهمْ واتّقوا أجرٌ عظيم) وكلهم محسن ومُتَّقٍ (وإنْ لمْ ينتهوا عمّا يقولونَ ليَمسّنَّ الذين كفروا منهمْ عذابٌ أليم) فالمقول فيهم ذلك كلهم كفار" . اهـــ ، وما أجدر القائل بهذا التأويل الفاسد باللقب الذي أطلقه ابن الأنباري رحمه الله .
فانظر كيف اقتطع القوم من السياق ما يحلو لهم ترويجا لبدعتهم !!! .

وكذا فعلوا في قوله تعالى : (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) ، إذ قالوا بأن "صغت" هنا بمعنى : مالت واستمعت كما أشار إلى ذلك صاحب اللسان رحمه الله ، وهو حق ، : إلى الكفر ، وعليه فهما مرتدتان بصنيعهما هذا ، وهذا من أبطل الباطل ، فهو كما سبق ، اقتطاع لآية من سياق ، بمعزل عن السابق واللاحق ، وسبب نزول الآية .................. الخ من القرائن التي لا يفسر النص إلا بعد الإلمام بها ، فـــ "صغى" : مادة تدل على الميل والاستماع ، فما الذي قيدها : بالكفر والردة ؟ ، فإن قالوا : قيدها قوله تعالى : (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) ، فالإصغاء هنا في حق قوم لا يؤمنون بالآخرة ، فالجواب : أن هذا ، أيضا ، اقتطاع لآية بمعزل عن سياقها الذي جاءت ضمنه ، فالسياق في هذه الآية ، وهي في سورة الأنعام : 113 ، لمن شاء أن يراجع السياق بأكمله ، السياق فيها : خاص بقوم جاحدين معاندين ، تصغي أسماعهم وأفئدتهم لزخرف القول غرورا ، فكيف تجعل آية نزلت في حق أمثال أولئك مماثلة لآية نزلت في عتاب أمهات المؤمنين ، رضوان الله عليهن ، وإنما المقصود بــ "الإصغاء" هنا : الميل عن الواجب في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة حقوقه الزوجية ، وهو شأن خاص ، لا من جهة رسالته التي هي شأن عام ، وإلى ذلك أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله : فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه . اهـــ ، والقصة مشهورة وقد بسط ابن كثير ، رحمه الله ، القول فيها في تفسير الآيات الأولى من سورة التحريم فذكر سبب نزول الآيات ، ولم يكن فيما ذكره خبر عن هذه الردة المزعومة ، وإنما الأمر لا يعدو أن يكون مما يحصل بين النساء من غيرة ، ولم يقل أحد من العلماء أن هذه الغيرة : من أسباب الردة عن دين الله عز وجل !! ، ولكنه التحكم والتهويل وتحميل النصوص ما لا تحتمل بمعزل عن السياق الذي جاءت فيه ، وهو ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى .

وهذا منهج غريب في الاستدلال ، يفسر لنا جرأة القوم على سفك دم المخالف ، فتكفير المخالف تعسفا بلي أعناق النصوص أمر يسير ، وإذا كان هذا موقفهم من الصدر الأول ، فكيف بمن تلاهم ؟! ، والخطوة التالية لهذا ، بطبيعة الحال ، هي استحلال دم وعرض ومال المخالف بحجة أنه "ناصبي" ، يناصب آل البيت ، رضوان الله عليهم ، العداء ، وهو ما نراه جليا في هذه الأيام من فرق الموت الصفوية المنتشرة في العراق الحبيب بدعم كبير من الدولة الفارسية الشعوبية ، وصدق أبو العالية ، رحمه الله ، إذ يقول : (إياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء) .
وصدق البربهاري ، رحمه الله ، إذ يقول : (واعلم أن البدع كلها ردية تدعو إلى السيف) .
ويقول أبو قلابة ، رحمه الله ، إذ يقول : (ما ابتدع الرجل بدعة إلا استحل السيف) .
فلسان حال المبتدع : إما أن تتبع مذهبي وإما السيف !! ، ومع ذلك يشنع على أهل السنة والجماعة في كل وسائل الإعلام بأنهم هم : التكفيريون ، الإرهابيون .............. الخ ، من الألقاب المنفرة .



ومن الأمثلة التي يظهر فيها تأثير السياق :
قوله تعالى : (أفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)
وهي آية واضحة لا تحتاج إلى تكلف في التأويل ، ولكن القوم أبوا إلا التأويل الباطني ، فقالوا : ويتلوه ، ليس التلاوة المعروفة ، وإنما : يتبعه ، شاهد منه : أي علي ، رضي الله عنه ، فيكون علي ، رضي الله عنه ، وصي الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن عليا ، رضي الله عنه ، من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدليل قوله : مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي ، وقد سبقت الإشارة إلى هذه الرواية ، مع توجيه أهل السنة والجماعة لها اعتمادا على سبب ورودها ، ولا ندري ما مفهوم "من" عند القوم ، وهل يلزم من قولك لمن تحبه : أنت مني وأنا منك ، أنه خليفتك في الأمر ، إن كنت أميرا أو حاكما ؟! ، ولا أحد ، من أهل السنة ينكر أن عليا ، رضي الله عنه ، ولي كل المؤمنين ، ولكن الإنكار ينصب على مفهوم الإمامة والولاية في المذهب الاثني عشري .
المهم أن القوم خرجوا بالآية عن سياقها ، تماما ، واستحضروا المعاني البعيدة المتكلفة لألفاظها ، فـــ "يتلوه" : أي يتبعه ، كما تقدم ، مع أن المتبادر إلى الذهن هنا : التلاوة بمعناها المفهوم ، بقرينة : "ومن قبله كتاب موسى" ، وذكر الكتاب مظنة التلاوة ، فلم يقل : ومن قبله خليفة موسى أو وصي موسى أو القائم بالأمر من بعد موسى ......... فآل الأمر في النهاية إلى سياق الآية ، وعنها يقول ابن كثير رحمه الله :
وقوله : {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} أي : وجاءه شاهد من الله ، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء ، من الشرائع المطهرَة المُكَمَّلَة المعظَّمة المُخْتَتَمَةِ بشريعة محمد ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . ولهذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعِكْرِمة ، وأبو العالية ، والضحاك ، وإبراهيم النَّخَعي ، والسُّدِّي ، وغير واحد في قوله تعالى: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} إنه جبريل عليه السلام .
وعن علي ، والحسن ، وقتادة : هو محمد صلى الله عليه وسلم .
وكلاهما قريب في المعنى ، لأن كلا من جبريل ومحمد ، صلوات الله عليهما ، بلَّغ رسالة الله تعالى ، فجبريل إلى محمد ، ومحمد إلى الأمة .

وقيل : هو علي ّ. وهو ضعيف لا يثبت له قائل ، والأول والثاني هو الحق ، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة ، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة ، والفطرة تصدقها وتؤمن بها ، ولهذا قال تعالى : {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} وهو القرآن ، بلّغه جبريل إلى النبي [محمد] صلى الله عليه وسلم ، وبلغه النبي محمد إلى أمته .

فالتلاوة هنا على ظاهرها ، دون حاجة إلى تكلف تأويل ، وما حكي عن أن المقصود بالشاهد : علي رضي الله عنه ، ضعيف ، فضلا عن معارضة هذا القول للسياق ، فالتلاوة هنا تلاوة تبليغ ، بدليل أنها أتبعت بذكر كتاب موسى ، والتبليغ لا يكون إلا من رسول ملكي أو بشري ، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ، رحمه الله ، فالقوم أخذوا طرفا من الآية ، وضموه إلى حديث لا علاقة له بها أصلا ، وإنما هو مروي في واقعة أخرى ، ليصوغوا بذلك هذا الدليل المتهالك على صحة الإمامة ، ومرة أخرى : الإلغاز في النصوص الشرعية ممتنع ، إذ لو كان الأمر كذلك ، فكم من البشر سيهتدي إلى هذه الطريقة المعقدة في الاستدلال ، التي لا تناسب عامة البشر المخاطبين بالتكاليف الشرعية التي تضمنتها هذه النصوص ، فالقرآن أنزل بلغة أعراب البادية الذين لم يتكلفوا دراسة المناهج الباطنية في تأويل القرآن التي لا ضابط لها ، وإنما هي مجرد تلفيق شبه إن صح التعبير ، فنزل القرآن بلغة الأعراب وفهمهم ، ولذا فإن الصدر الأول ، رضوان الله عليهم ، هم أعلم الناس بنصوص الشريعة ومقاصدها ، ولم يفهم منهم أحد ما فهمه القوم من هذه الآية ، فكيف يعدل عن فهم قوم نزل عليهم الوحي إلى فهم وضع أصوله غلاة الباطنية ؟ ، وهذا ، كما سبق ، ملمح أصيل من ملامح الخلاف بيننا وبينهم ، لأن نقلنا وفهمنا معتمد ، تمام الاعتماد ، على رجال الصدر الأول ، رضوان الله عليهم ، بينما المخالف يرى ردتهم ، أو إن كان "معتدلا" فإنه يفسقهم ولا يحكم لهم بإيمان وإن حكم لهم بإسلام ظاهر ، فيكفرهم بحيلة ظاهرة ، إذ المنافقون تثبت لهم أحكام الإسلام الظاهر ، فشتان ما بين اليزيدين !!! .

إن من يهدر عصمة الجيل الأول ، هو في الحقيقة ، إنما يهدر دينه تفصيلا ، وإن بقي له الاسم جملة ، لأنه سيهدر آلاف النصوص الشارحة للوحي المنزل ، ويستعيض عنها بأكاذيب لفقت عبر عصور متعددة ، لتغطي النقص الحاد في النصوص الشرعية ، عقائد وشرائع ، أصولا وفروعا ، فالإعراض عن الحق مظنة التلبس بالباطل ، والإعراض عن الطعام الجيد يدفع الإنسان لطلب الشبع بأي طعام ولو كان خبيثا .

وممن أكد على مسألة فهم الجيل الأول ، في أكثر من موضع من مصنفاته ، إمام المقاصد ، الإمام الجليل ، أبو إسحاق الشاطبي ، رحمه الله ، إذ يقول ، على سبيل المثال ، في "الموافقات" :
"يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به" .
ففهمهم عمدة في هذا الشأن ، وكثيرا ما يلجأ الشاطبي ، رحمه الله ، إلى الاستدلال بالقرآن والسنة ، وهذا لا ينازع فيه أحد من أهل القبلة ، ولكنه يزيد عليهم : فهم وعمل السلف ، فتراه يدلل على بعض الأحكام ، بقوله : (....... والدليل عليه : النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح) ، وتراه ينفي مشروعية البعض الآخر ، وخاصة في مسائل البدع المستحدثة ، بمثل قوله : (............. ولا تجده في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف الصالح) ، بل قد يجعل فعل السلف شاهدا على صحة ما ذهب عليه ، فيقول : (وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح) ، ولهذا الإمام الجليل كلام نفيس في سفريه : "الاعتصام" و "الموافقات" ، حول هذه المسألة الجليلة يظهر من خلاله وجوب الرجوع إلى فهم أولئك الأفاضل ، بل وتقديمه على أي فهم آخر .

وأكد ، أيضا ، في ثنايا هذين السفرين العظيمين ، على مسألة لا تقل أهمية عن المسألة السابقة ، وهي مسألة وجوب الإلمام بلغة العرب التي نزل بها القرآن ، وقد كان للصدر الأول ، رضوان الله عليهم ، منها أكبر نصيب ، إذ نزل القرآن الكريم بلسانهم ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا ، بل إن الشاطبي ، رحمه الله ، يوجب على المجتهد في الأزمنة المتأخرة التي فسد فيها اللسان العربي ، يوجب عليه : بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب ، فيقول : "لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب" ، في حين أجاز التقليد فيما سوى المقدمات العربية مما احتوته كتب الأصول من : الكلام في الأحكام تصورا وتصديقا ، كأحكام النسخ ، وأحكام الحديث ، وما أشبه ذلك ، فلن يضير المجتهد أن يقلد متخصصا في العلوم القرآنية في معرفة ناسخ من منسوخ ، ولن يضيره أن يقلد عالما بالحديث صحة وضعفا ، للحكم على حديث ما يريد أن يستشهد به في نازلة ما ، ولكنه سيضار أشد الضرر إن لم يكن ملما بأصول العربية التي نزلت بها النصوص ، وقد استشهد بصنيع الإمام المطلبي : محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله ، إذ كان مقلدا في الحديث ، كما ظهر من كلامه مع أحمد ، رحمه الله ، وكثيرا ما يعلق على بعض الأحاديث بقوله : هذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ، ولو ثبت قلنا به ، كما روى عنه البيهقي ، رحمه الله ، ومع ذلك لم يقدح ذلك في منزلته كمجتهد مطلق ، إذ كان إلمامه الكبير ، بلغة العرب ، وهو من هو فصاحة وعلما بأشعار وأقوال العرب ، كان هذا مسوغا لبلوغه هذه المنزلة الرفيعة .

وهذا الضابط يشمل العقائد ، كما يشمل الأحكام ، وإلى ذلك يشير أبو عثمان الصابوني ، رحمه الله ، في "عقيدة السلف أصحاب الحديث" : (........ بل ينتهون فيها ، "أي مسائل الأسماء والصفات" ، إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، من غير زيادة عليه ، ولا إضافة إليه ، ولا تكييف له ولا تشبيه ، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير ، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه) .

ويقول شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في كلمة جامعة : (والدلائل السمعية مقرونة بالبحث عن ألفاظ الرسل ولغاتهم ، التي بها خاطبوا الخلق) ، شرح الأصفهانية ، ص163 .
فمن أراد أن ينظر في أي كتاب سماوي ، بل ودنيوي ، لابد له أن يتقن اللغة التي نطق بها هذا الكتاب ، ليتمكن من فهم نصوصه .

ويضرب شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في "منهاج السنة" ، (3/313) ، مثلا لطريقة القرآن السلسة الخالية من أي تعقيد أو تكلف فيقول :
بل القرآن قرر فيه توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية ، وقرره أكمل من ذلك . واعتبر بقوله تعالى : (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، فهذه الآية ذكر فيها برهانين يقينيين على امتناع أن يكون مع الله إله آخر ، بقوله : (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، وقد عرف أنه لم يذهب كل إله بما خلق ولا علا بعضهم على بعض ، وترك ذكر هذا لعلم المخاطبين به ، وأن ذكره تطويل بلا فائدة . اهــ

فتقدير الكلام : إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ولكن ذلك لم يحدث فلم يذهب كل إله بما خلق ولم يعل إله على إله ، فدل ذلك على وحدانية الله ، عز وجل ، وأنه ما اتخذ من ولد وما كان معه من إله .
ولما كان ما بعد : "ولعلا بعضهم على بعض" ، ابتداء من : "ولكن لم يحدث ............." معلوم بداهة لأنه لم يقع شيء من ذلك ، ترك ذكره لأن فيه تطويلا بلا فائدة ، فالمستمع قد فهم المقصود واستوعبه دون الحاجة إلى ذكر هذه النتيجة .

ويواصل شيخ الإسلام ، رحمه الله ، فيقول :
ومثل هذا قوله تعالى : (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ، أي : وما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله ، وهذا بين لا يحتاج إلى أن يبين بالخطاب ، فإن المقصود من الخطاب البيان ، وبيان البين قد يكون من نوع العي . اهـــ
وقد قيل : توضيح الواضحات من أشكل المشكلات ، أو كلمة نحوها ، فشرح المشروح ضرب من العي والتطويل الذي لا فائدة فيه .

وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم : (كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام) ، فإذا ما سئل عالم أو فقيه عن حكم المسكر ، فإنه سيجيب مباشرة : حرام ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (كل مسكر .................) ، مكتفيا بإيراد الدليل دون أن يقول : وقد علم أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حجة يجب اتباعها لذا وجب اتباع هذا الدليل والتسليم له ........ الخ ، من المعلوم بداهة ، فاستغنى بدلالة ما ذكر على ما لم يذكر .

وكذا في قوله تعالى : (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) ، فالأصوليون يمثلون بهذه الآية لـــ : "التخصيص بالحس" ، لأن الحس دل على أنها لم تدمر السماء والأرض ، فيكون تقدير الكلام : تدمر كل شيء مما أمرت بتدميره ، فلم تذكر النتيجة لأنها معلومة بداهة في أذهان السامعين ، وقد يقال بأن القرينة الصارفة هنا سمعية لا عقلية بدليل : (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) ، فدل ذلك على أن المقصود بالتدمير كان أهل القرية لا مساكنها ، وإذا بقيت المساكن ، فبقاء السماء والأرض يكون من باب أولى ، والله أعلم .

وكذا في قوله تعالى : (الله خالق كل شيء) ، فالأصوليون يمثلون بهذه الآية لـــ : "التخصيص بالعقل" ، لأن العقل دل على أن ذات الله ، عز وجل ، غير مخلوقة ، فيكون تقدير الكلام : الله خالق كل شيء مما يصح أن يوصف بالخلق ، أما ذات الله ، عز وجل ، وأسماؤه ، وصفاته ، وأفعاله ، فهي غير مخلوقة يقينا ، فاستغنى عن ذكر هذه النتيجة الطويلة لأنها مما علم بداهة ، والله أعلم .
بتصرف من "الأصول في علم الأصول" ، للشيخ العثيمين ، رحمه الله ، ص42 .


ويعلق شيخ الإسلام ، رحمه الله ، على هذه الطريقة القرآنية ، وهو الشاهد في هذا الموضع ، فيقول :
وهذه طريقة القرآن ، وطريقة الكلام الفصيح البليغ ، بل وطريقة عامة الناس في الخطاب : (يذكرون المقدمة التي تحتاج إلى بيان ، ويتركون ما لا يحتاج إلى بيان) . اهـــ


الشاهد أن المجتهد يلزمه معرفة دلالات الألفاظ وأساليب العرب في خطابها ، بل إن الناظر في كتب الأصول يجد أن كثيرا من المباحث الأصولية إنما هي مباحث لغوية بالدرجة الأولى ، إذ يعتمد استنباط الأحكام من النصوص على دلالات ألفاظها ، فدلالة الأمر والنهي ، والقرائن الصارفة لها ، وأنواع المفاهيم من : موافقة ومخالفة ........... ، ومتى تعمل ومتى تهمل ، وأنواع الأقيسة اللفظية من لحن وفحوى ، ............... الخ ، لا يدركها إلا من أحاط بعلوم اللغة ، وخبر أسرارها ، وكما كان للصدر الأول أعظم النصيب من المعاني ، كان لهم أعظم النصيب من القوالب التي صيغت فيها هذه المعاني ، فأي دين يطلب من طريق غير طريق أولئك الأفاضل ؟!!!!

فمعرفة علوم العربية ، حتم لازم ، على من أراد النظر في نصوص الشريعة ، وعن ذلك يقول عمر ، رضي الله عنه ، وهو من هو في الحرص على تعلم لغة العرب ، يقول فيما يرويه عنه ابن أبي مليكة رحمه الله : (لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة) ، والتاريخ يحكي لنا واقعة علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، لما انتدب أبا الأسود الدؤلي ، رحمه الله ، لوضع مبادئ علم النحو ، لما سمع أعرابيا يلحن في قراءة القرآن ، فأدرك ، علي ، رضي الله عنه ، خطر اللحن على النص القرآني ، فلحن اللسان طريق لحن الفهم ، فإذا لم يضبط المنقول وقع الزلل في المعقول ، ومن طريف ما حكي في هذا الشأن ، ما رواه الشاطبي ، رحمه الله ، في "الاعتصام" ، عن القاسم بن مخيمرة ، رحمه الله ، أنه ذكرت عنده العربية ، فقال : أولها كبر ، وآخرها بغي ، ثم قرأ يوما : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ، فرفع لفظ الجلالة ونصب "العلماء" ، فقيل له : كفرت من حيث لم تعلم ، تجعل الله يخشى العلماء ؟ ، فقال : لا طعنت عن علم يؤول إلى معرفة هذا أبدا . اهـــ ، على أن قوله الأول ، قد خرجه الشاطبي ، رحمه الله ، على من حصل له نوع بغي وكبر إذا حصل العربية وعلومها ، وهذا أمر لا يقتصر عليها ، وإنما يتعداها لكل العلوم ، شرعية كانت أم دنيوية ، فقد يحصل لمتقنها بعض العجب والبغي لتميزه عن أقرانه ، نسأل الله ، عز وجل ، السلامة ، والله أعلم .

وما وقعت الفرق الضالة فيما وقعت فيه إلا بسبب ضعف رؤوسها في علوم العربية ، فالقرآن حمال أوجه ، فبأي الأوجه نأخذ إن خفي علينا الوجه الذي علمه الجيل الأول ، فكل الفرق التي ضلت طريق الحق إنما ضلت من جهة الإعراض عن لسان وفهم القوم ، وإلى ذلك يشير الشاطبي ، رحمه الله ، بقوله : "ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدا من المختلفين في الأحكام الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر الأدلة ............... بل قد استدل بعض النصارى على صحة ما هم عليه الآن بالقرآن ........... فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به ، فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل" .

واستدلال القوم بقوله تعالى : (وَرُوحٌ مِنْهُ) ، أشهر من أن يذكر ، وخاصة عندنا في مصر الحبيبة ، فالقرآن يصرح بأن عيسى ، صلى الله عليه وسلم ، روح من الله ، و "من" : للتبعيض ، فيكون عيسى ، صلى الله عليه وسلم ، جزءا من الذات الإلهية الأزلية ، وهذا قولهم ، مع أن هذا التأويل فاسد من جهتين :
جهة عامة : وهي أن السلف ، لم يفهموا هذا الفهم الفاسد ، فلم ينقل لنا عن أحدهم بأن هذا هو التأويل الصحيح لهذه الآية ، وهذا أصل في رد كل قول حادث بعدهم .
وجهة خاصة : بأن "من" هنا ليست للتبعيض ، وإنما لابتداء الغاية ، كما في قولك : سافرت من القاهرة ، أي : ابتدأ سفري من القاهرة ، فيكون المعنى : أن عيسى صلى الله عليه وسلم روح من الأرواح التي ابتدأ الله ، عز وجل ، خلقها ، وإنما خص بالذكر تشريفا ، والله أعلم .

وكذا استدلالهم بقوله تعالى : (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) ، إذ قالوا بأن عيسى ، صلى الله عليه وسلم ، هو الكلمة ، وكلام الله ، عز وجل ، قديم ، فيكون عيسى قديما قدم الله ، عز وجل ، فيصح مذهبهم في عيسى ، وهي الشبهة الشهيرة التي أفحم بها النصارى المعتزلة واضطروهم للقول بخلق كلام الله ، عز وجل ، فرارا من إلزامهم القول بقدم ، عيسى صلى الله عليه وسلم ، ولو أن المعتزلة نظروا في لسان العرب ، لعلموا أن هذا من باب : إطلاق السبب وإرادة المسبب ، (بفتح الباء الأولى : صيغة اسم مفعول) ، فالمقصود أن : عيسى ، صلى الله عليه وسلم ، خلق بـــ "كن" ، فهو مسبب لها ، لا أنه هو ذات الكلمة ، وقد تكلمت العرب بذلك ، كما في :
قول الشاعر :
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ******* بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فالمعنى : أكلت دية ، فالدم : سبب الدية ، وهي مسببة له ، فأطلق السبب وأراد المسبب .
وكذا في قول الفرزدق :
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ******* جهارا ولم تغضب لقتل ابن حازم
أي : أتغضب إن افتخر مفتخر بحز أذني قتيبة ، في أحد الأوجه ، فأطلق السبب : حز أذني قتيبة ، وأراد المسبب له : الفخر بذلك .
والأصوليون ، يعدون هذا ، نوعا من المجاز ، ويمثلون له بقول القائل : فلان أكل دم أخيه ، أي ديته ، وسبقت الإشارة إلى ذلك .
بتصرف من "الوجيز في أصول الفقه" ، ص334 .
والتحقيق أنه طالما تكلمت العرب به فهو حقيقة في لسانهم وإن شمله حد المجاز الاصطلاحي المتأخر ، والله أعلم .

المهم أن القوم لن يجدوا صعوبة في التعلق ببعض الآي المتشابهة للاحتجاج بها على صحة مذهبهم ، ولذا يقرر الشاطبي ، رحمه الله ، في كلمة جامعة أن : "كل ما جاء مخالفا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه" . اهـــ ، سواء أكان في الأصول أم الفروع ، ولا يعني هذا إثبات العصمة لآحادهم ، وإنما تثبت العصمة لمجموعهم ، أو إن شئت الدقة : لفهمهم وإجماعهم ، فالخير كل الخير في اتباع سبيلهم ، والشر كل الشر في الإعراض عنها ، والله أعلم .

ومن المواضع التي يظهر فيها تكلف التأويل :
قوله تعالى : (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) ، إذ زعم بعض نفاة صفة الكلام أن التكليم هنا من : الجرح ، أي : جرح قلبه تجريحا بصنوف الحكم والمعارف !!!! ، وهو خروج كبير عن قواعد لغة العرب ، إذ عمد صاحب هذا التأويل إلى معنى بعيد ، فقدمه على المعنى المتبادر للذهن ، دون أي قرينة صارفة ، بل إن القرينة تصب في قناة من أخذ بالمعنى المتبادر ، إذ ما قول المخالف في مثل قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) ، أيكون معناه : وما كان لبشر أن يجرح الله قلبه بالمعارف إلا وحيا ................. الخ ؟!! ، ولكنه التكلف لنصرة المذهب .

ومن نظر في تأويلات الباطنية ، ازداد عجبه من خروج القوم عن قواعد الشرع واللغة ، بل والعقل ، فنراهم على سبيل المثال يقولون في تأويل :
قوله تعالى : (بل يداه مبسوطتان) : أن اليد الواحدة هو محمد ، والأخرى علي ، ففاق القوم مؤولة الصفات ، لأن الآخرين ، على الأقل ، لتأويلهم اليد بـــ : النعمة أو القدرة أو القوة ، وجه في اللغة ، بغض النظر عن صحته أو بطلانه ، أما الأولون فليس لتأويلهم أي سند نقلي أو سمعي أو لغوي ، وإنما محض دعوى لا دليل عليها ، فللمخالف أن يقول : تأويلكم باطل ، دون أن يزيد على ذلك ، فدعوى مقابل دعوى ، بل إن دعوى البطلان أرجح نقلا وعقلا ولغة ، وإن لم يفصل المخالف دعواه ، والله أعلم .

ولم يقفوا عند هذا الحد ، بل كذب أتباع ابن سبأ ، لعنه الله ، على لسان علي ، رضي الله عنه ، فكتبوا : (قال علي : ............ أنا الأول وأنا الآخر وأنا الظاهر وأنا الباطن وأنا وارث الأرض) ، كما نقل ذلك العلامة الباكستاني : محمد بن عبد الستار التونسوي ، في رسالته "بطلان عقائد الشيعة" ص14 ، عن "رجال الكشي" ، ص138 ، طبعة الهند ، وهو أحد كتب الرجال المعتمدة عند الإمامية ، والنقل لا يحتاج إلى تعليق ، وأغلب الظن أنه من عقائد الإسماعيلية الباطنية التي تسربت إلى كتب الإمامية الاثني عشرية ، إذ نفى الأولون صفات الله ، عز وجل ، وخلعوها على الإمام الأرضي ، والله أعلم .

ويقولون في قوله تعالى : (تبت يدا أبي لهب وتب) ، إن يديه هما : أبو بكر وعمر ، لكونهما كانا مع أبي لهب في الباطن ، فأمرهما بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فعجزا عن ذلك ، فأنزل الله : (تبت يدا أبي لهب) .
"شرح الأصفهانية" ، ص210 ، 211 .
فهو ، أيضا ، دعوى لا دليل عليها ، فأين سند هذه القصة ، ولم عدل الله ، عز وجل ، عن ذكر أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، إلى ذكر أبي لهب ، مع أنهما هما اللذان باشرا هذه المؤامرة المزعومة ؟!!! ، وكيف قيض الله ، عز وجل ، لنبيه ، صلى الله عليه وسلم ، وزيرين يدبران لقتله ، مع أن كثيرا من ملوك الدنيا يحسنون اختيار وزرائهم فكيف بنبي معصوم يبلغ آخر رسالات السماء ؟!!! ، فهي دعوى لا تستحق مجرد الرد ، ولو أتقن القوم ، لسان العرب ، وكفوا عن هذه التأويلات الباطنية ، لعلموا أن هذا من قبيل : ذكر الجزء وإرادة الكل ، فذكر يدي أبي لهب وأراد شخصه ، لأن اليد غالبا هي التي تقترف الذنب ، فيقال للجاني : هذا ما قدمت يداه ، أو : هذا ما جنت يداه ........ الخ ، ونظيره في التنزيل :
قوله تعالى : (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) .
وقوله تعالى : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وقوله تعالى : (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)
وقوله تعالى : (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)
وقوله تعالى : (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا)
وقوله تعالى : (وأما من خفت موازينه فأمه هاوية) ، على القول بأن "الأم" هنا هي : الرأس ، فيكون من باب إطلاق الرأس ، وإرادة شخص الهاوي في قعر جهنم ، لأن أشد السقوط هو سقوط الإنسان على أم رأسه .
وقوله تعالى : (فك رقبة) ، و : (فتحرير رقبة) ، إذ أطلق الجزء : الرقبة ، وأراد الكل : النفس المعتقة ، لأن الرقبة أنفس جزء فيها ، والله أعلم .

وهذا يقودنا إلى تقرير قاعدة جليلة ، قعدها الشاطبي ، رحمه الله ، في "الاعتصام" ، ألا وهي : أخذ أدلة الشريعة على صورة واحدة يخدم بعضها بعضا ، لا ضرب النصوص ببعضها ، فقاعدة : إطلاق الجزء وإرادة الكل في هذا الموضع ، على سبيل المثال ، رسخت في الأذهان باستقراء بقية النصوص ، فعلم أن لها أصلا في لسان الشارع ، عز وجل ، فجاز استعمالها في تفسير النصوص ، وعن هذه القاعدة الجليلة ، أي ضم الأدلة إلى بعضها البعض ، يقول الشاطبي ، رحمه الله : (إن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المترتبة عليها ................) . اهـــ

وكذا يقولون في قوله تعالى : (لئن أشركت ليحبطن عملك) ، أي : بين أبي بكر وعمر وعلي في الخلافة !!! .
وفي قوله تعالى : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) : هي عائشة ، وهو تأويل وصفه الشيخ الشنقيطي ، رحمه الله ، في "مذكرة أصول الفقه" بقوله : والثاني ، أي : التأويل بلا دليل أصلا ، هو المسمى باللعب ، كقول غلاة الشيعة في : (أن تذبحوا بقرة) : هي عائشة .
وفي قوله تعالى : (فقاتلوا أئمة الكفر) : طلحة والزبير .
وفي قوله تعالى : (مرج البحرين) : علي وفاطمة .
وفي قوله تعالى : (اللؤلؤ والمرجان) : الحسن والحسين .
وفي قوله تعالى : (عم يتساءلون * عن النبأ العظيم) : علي بن أبي طالب .
والرد المجمل على هذه التأويلات ، هو ، كما سبق ، أن هذا إلغاز لا يليق في حق الشارع ، عز وجل ، فضلا عن كونه دعوى مجردة عن الدليل تكفي المعارضة لإبطالها ، بل إن النصوص الصحيحة المتواترة ، في عدالة الصحابة رضوان الله عليهم ، جاءت بخلافها ، وكذا إجماع القرون المفضلة انعقد على خلافها ، فعاد الأمر مرة أخرى إلى : (نصوص القرآن والسنة ، العربية ، بفهم القرون المفضلة) .


ومن الأحاديث التي يلزم عند النظر فيها استحضار السياق :
حديث النواس بن سمعان ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران) ، فالمعنى : يجيء ثواب قراءة القرآن يوم القيامة ، فإن قيل هذا تأويل ، فالجواب : أن السياق دال على هذا المعنى ، فالقرآن يأتي يوم القيامة مع أهله الذين يعملون به ، والعمل بالقرآن مظنة الثواب ، ولا مانع من تجسم أفعال العباد يوم القيامة ، بحيث توزن ، فللدار الآخرة أحكام تختلف عن أحكام هذه الدار ، ولا يتصور أن يكون القرآن هو الآتي بنفسه ، لأن القرآن كلام الله ، وكلام الله صفة من صفاته ،
فكيف تأتي صفة من صفات الله ، عز وجل ، يوم القيامة مع الخلق ؟
وإلى ذلك أشار الترمذي ، رحمه الله ، بقوله :
(وَفِي الْبَاب عَنْ بُرَيْدَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَجِيءُ ثَوَابُ قِرَاءَتِهِ كَذَا فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يَجِيءُ ثَوَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فَسَّرُوا إِذْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ أَنَّهُ يَجِيءُ ثَوَابُ الْعَمَلِ) .

ومن ذلك أيضا :
حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (قال الله تعالى : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ، وأنا الدهر ، أقلب الليل والنهار) ، وفي رواية : (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)
فقوله : (إن الله هو الدهر) ، يظهر منه أن الدهر من أسماء الله ، عز وجل ، كما ذهب إلى ذلك ابن حزم ، رحمه الله ، والصحيح أنه ليس من أسمائه ، عز وجل ، إذ المقصود أن الله ، عز وجل ، هو المتصرف في الدهر وغيره ، ولا يقال بأن هذا تأويل مخالف لظاهر النص ، لأن قرينة : (أقلب الليل والنهار) ، أبانت عن معنى : (وأنا الدهر) ، فهو سبحانه وتعالى ، مقلب الليل والنهار ، ومصرف الحوادث ، ومجري المقادير ، والله أعلم .

ومنه أيضا :
حديث زيارة المريض ، عند مسلم ، رحمه الله ، من حديث مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي .

فالله عز وجل حينما يقول (مرضت فلم تعدني !) إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى تشريفاً للعبد الذي مرض ، وحضا على عيادته ، وتقرباً له ومعنى وجدتني عنده : أي : وجدت ثوابي وكرامتي ، فإن قيل : هذا تأويل ، فالجواب : أنه تأويل سائغ لورود القرينة السمعية الصارفة في نفس النص ، وهي قوله صلى الله عليه وسلم : (أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده) ، فالمرض مضاف إلى الله ، عز وجل تشريفا وتعظيما لقدر زيارة المريض ، مضاف إلى المريض حقيقة .
وإلى هذا أشار النووي ، رحمه الله ، في شرح مسلم فقال :
(قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا أَضَافَ الْمَرَض إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَالْمُرَاد الْعَبْد تَشْرِيفًا لِلْعَبْدِ وَتَقْرِيبًا لَهُ . قَالُوا : وَمَعْنَى (وَجَدْتنِي عِنْده) أَيْ وَجَدْت ثَوَابِي وَكَرَامَتِي ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فِي تَمَام الْحَدِيث : " لَوْ أَطْعَمْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ، لَوْ أَسْقَيْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي " أَيْ ثَوَابه . وَاَللَّه أَعْلَم) . اهــــ
فطالما وردت القرينة السمعية المعتبرة التي تصرف المعنى الظاهر إلى معنى آخر ، فلا إشكال في التأويل ، وإنما الإشكال في التأويل تحكما بلا قرينة سمعية معتبرة ، وإنما لمجرد احتمال النص لمعنى آخر ، ولو فتح هذا الباب لأولت كل نصوص الشريعة ، فلا يخلو أي نص من نوع احتمال ، وإن كان غير معتبر ، فإذا ما اعتبر مع رجحانه ساغ تأويل النص تبعا لهوى المستدل ، والله أعلم .


ومنه أيضا :
حديث ((الحجر يمين الله)) فهو حديث ضعيف ، والصواب وقفه على ابن عباس ومعناه ظاهر سواء كان مرفوعاً أو موقوفا ً، لأنه قال في نفس الحديث ((فكأنما صافح الله وقبّل يمينه)) ، فدل على أن الحجر ليس هو يمين الله وإنما شبه مستلمه ومقبّله بمن صافح الله وقبل يمينه ترغيباً في استلامه وتقبيله ، فالقرينة الصارفة هنا ، أيضا ، وردت في نفس النص ، فالكاف في "فكأنما" تفيد تشبيه مستلم الحجر ومقبله بمن صافح الله ، عز وجل ، وقبل يمينه ، لا المماثلة ليقال بأن في الحديث شبهة تجسيم ، فليس الحجر هو يمين الله ، عز وجل ، حقيقة ، وإنما التشبيه هنا كالتشبيه في :
قوله صلى الله عليه وسلم : (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) ، فالمقصود تشبيه هؤلاء بالقمر في الوضاءة والحسن ، لا التماثل بينهما من كل وجه ، وإلا لزم من ذلك تحول هؤلاء إلى أجرام من صخر كالقمر ، وهذا لا يقول به أحد .

وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الله خلق آدم على صورته) ، فأحد المعاني هنا : أن الله ، عز وجل ، خلق آدم على صورته من جهة أن الله ، عز وجل ، سميع ، وآدم عليه الصلاة والسلام له سمع ، بصير ، وآدم له بصر .................. الخ ، ولا يلزم من ذلك أن السمع كالسمع أو البصر كالبصر ، وإنما التشابه في أصل الصفة ، لا الكيفية ، تماما كالتشابه بين ضوء الشمس وضوء المصباح ، فكلاهما يطلق عليه بالتواطؤ اللفظي : "ضوء" ، وشتان ما بينهما ، ولله المثل الأعلى .

وكذا حديث : ((كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به)) ، يفسره قوله في الرواية الأخرى : ((فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي)) ، ولا يظن من له أدنى بصيرة ممن يعرف اللغة العربية أن المراد بذلك أن الله سبحانه هو سمع الإنسان وبصره وهو يده ورجله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وإنما أراد من ذلك سبحانه بيان توفيقه لأوليائه وتسديده لهم في حواسهم وحركاتهم بسبب طاعتهم له وقيامهم بحقه .
فآل الأمر في النهاية إلى السياق الذي ورد فيه الكلام .


وتظهر أهمية السياق أيضا عند نقل كلام العلماء الذين يكثرون من نقل كلام مخالفيهم للرد عليه لا لتقريره ، كشيخ الإسلام ، رحمه الله ، فكل من حاول إلصاق تهم التجسيم والتشبيه والتكفير والنصب ............. الخ به ، إما أن يبتر كلامه بترا ، أو يحكي الأقوال التي يذكرها شيخ الإسلام ، رحمه الله ، على لسان المجسمة أو المشبهة أو الخوارج أو النواصب ، أعداء آل البيت ، رضوان الله عليهم ، على أنها من أقواله هو ، فيقوله ما لم يقله وإنما نقله للرد عليه لا لإقراره ، وحل هذه المشكلة بسيط للغاية ، وهو أن يرجع القارئ إلى المصدر الأصلي ، الذي ذكر فيه كلام هذا العالم كاملا قبل أن يحكم عليه من خلال مصدر وسيط أساء صاحبه الفهم أو تعمده ، فبتر النص ، ليتهم العالم الذي ينقل من كتبه بتهم هو منها براء ، والله أعلى وأعلم .

المهم في هذه المسألة : هو تقرير حجية السياق لفهم معنى النصوص بشكل صحيح ، لا أن يقال بأن السياق ليس بحجة ، وأن الكلام قد يذكر في موضع ويتم في موضع آخر في سياق آخر لا علاقة له أصلا بالسياق الأول ، فهذا ، كما تقدم ، قول عجيب ، افتراه من افتراه ليبطل الاحتجاج بآي القرآن ، بل بأي نص شرعي معتبر ، وقد سمعت في إحدى المحاضرات المسجلة ، من يذكر هذا القول السخيف وينسبه زورا وافتراء ، لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ليسوغ له الاستدلال بآية التطهير ، أو إن شئت الدقة فقل : بجزء آية التطهير ، على صحة القول بعصمة الأئمة ، والمحاضرة موجودة على هذا الرابط :
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=18134
ومحل هذا الافتراء هو الدقيقة : 48 وما بعدها .

إن تفسير القرآن بالقرآن شيء ، والقول بأن السياق القرآني لا يكتمل إلا في عدة مواضع متباينة شيء آخر ، فالقرآن يفسر بعضه بعضا ، فما أجمل في موضع فصل في آخر ، وأشهر الأمثلة على ذلك قصة نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم إذ ذكرت مجملة في مواضع وفصلت في مواضع أخرى ، ومن أشهر من تبنى هذا المنهج من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، في تفسيره "أضواء البيان" ، وأما من قال بأن السياق الواحد في الموضع الواحد غير متناسق بحيث لا يصلح للاحتجاج فهذا طعن صريح في الوحي المنزل ، واتهام لمنزله بالعي وعدم البيان ، تعالى ربنا ، عز وجل ، عن ذلك علوا كبيرا .


وقد يبدوا السياق للوهلة الأولى غير متصل ، مع أنه عند التحقيق متصل ، كما في :
قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)
فللوهلة الأولى ، يبدو السياق متعارضا ، إذ ما علاقة الخوف من عدم الإقساط في اليتامى ، وبين نكاح ما طاب من النساء ، هل المعنى : أن من كان عنده يتيم يرعاه وخاف ألا يقسط في حقه ، فعليه بالزواج مثنى وثلاث ورباع ؟ .
والجواب أن السياق هنا لا يفهم إلا من خلال معرفة سبب نزول هذه الآية ، وهو ما رواه البخاري : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} قالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تَشْرَكه في ماله ويعجبُه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يَقْسِط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغُوا بهنَّ أعلى سُنتهنَّ في الصداق ، وأمِروا أن ينكحُوا ما طاب لهم من النساء سواهُنَّ . قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفْتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله تعالى : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} قالت عائشة : وقولُ الله في الآية الأخرى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال . فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن إذا كُن قليلات المال والجمال .

فالمعنى : إن كان في حجر أحدكم يتيمة ، وأراد الزواج منها ، وخاف ألا يعطيها صداقها كاملا ، فليعدل عنها إلى غيرها ، فالنساء سواها كثير ، وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله :
وقوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى } أي : إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها ، فليعدل إلى ما سواها من النساء ، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه .

فقرينة سبب النزول هي التي وضحت المعنى المراد من هذا السياق بحيث زال الالتباس العارض ، للوهلة الأولى ، عند النظر فيه .

فخلاصة ما سبق : أن هذا الدين لم ينزل لطبقة معينة من العلماء تجيد فنون التأويل ، وإنما نزل لكل المكلفين : العلماء منهم ، والأطباء ، والمهندسون ، والمدرسون ، ورعاة الأغنام ، وعجائز النساء ، ....... الخ ، ولا يجمع كل هذه الطبقات إلا فهم ظواهر النصوص والعمل بمقتضاها ، لا البحث لها عن تأويلات باطنية متكلفة ، فالقرآن قد يسره الله ، عز وجل ، للذكر ، ومن طريف ما ذكره لي أحد إخواني الكرام : أن هذا القرآن يسير لدرجة أن المبتدع إن نظر فيه سهل عليه أن يستخرج منه أدلة تنصر بدعته وإن كانت بينة البطلان ، ومضمون هذا الكلام يشبه إلى حد كبير مضمون كلام الشاطبي ، رحمه الله ، الذي تقدم ذكره ، ولكن القوم أبوا إلا تعسير اليسير ، فصدوا تابعيهم عن طريق الحق بشبههم المعقدة الملفقة التي يلمس الناظر فيها البعد عن يسر الشريعة الذي يعد من أبرز خصائصها ، حتى وصل الأمر ببعض المتأخرين إلى عد التمسك بمجرد ظواهر النصوص في أصول العقائد دون عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية ، عد ذلك من : أصول الكفر !!!! ، ولا شك أن هذا القول هو نتاج غلو المدرسة العقلية التي أهدرت النصوص السمعية الصحيحة المعصومة في مقابل العقول البشرية غير المعصومة ، وعذرا على الإطالة في هذه الفائدة فهي من الفوائد المهمة التي يلزم استحضارها عند النظر في النصوص إذ بها تحل كثير من العقد وتزول كثير من الشبهات .
*****

وثمة قرائن أخرى ، في السياق ، تمنع من حمل النص على حقيقة الإمامة عند القوم ، إن كان لها وجود ، سبقت الإشارة إليها ، منها :
الحصر بـــ "إنما" فيلزم منه حصر الولاية في الله والرسول وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فأين بقية الأئمة .
صيغة العموم "الذين آمنوا" التي تعم كل المؤمنين ، فتخصيصها بواحد أو اثني عشر تحكم وتخصيص بلا مخصص .
وعدم منع التعريف لأفراد خارجة عنه ، إذ بإمكان أي أحد أن يتصف بالإمامة إذا أقام الصلاة وأدى الزكاة وهو راكع ، فيدخل في الإمامة من ليس بأهل لها .

فهذه القرائن تمنع الاستدلال بهذه الآية بعينها ، على الإمامة الاصطلاحية عندهم ، فتصرف الولاية في الآية من الحقيقة الشرعية المزعومة عندهم إلى الحقيقة اللغوية وهي النصرة والمحبة ، كما تقدم ، والله أعلم .

وإذا تتبعنا لفظ "أولياء" ، جمع "ولي" في القرآن الكريم ، وجدنا السياقات التي ذكر فيها لا يسعف القوم ، فقد ذكر هذا اللفظ في القرآن الكريم : 33 مرة ، منها :

قوله تعالى : (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)
فهل المعنى هنا : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أحبة مناصرين يسرون إليهم بالمودة ، أم : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أئمة معصومين من نسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

وقوله تعالى : (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)
فهل المعنى : فقاتلوا أئمة الشيطان المعصومين ؟!

وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
وهي آية سابقة لآية الولاية ، محل البحث ، تؤكد أهمية تتبع السياق في معرفة المعنى المراد ، كما تقدم ، فالسياق سياق ولاية بمعنى المحبة والنصرة ، فهل ينهى الله ، عز وجل ، في هذه الآية المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أئمة معصومين ؟!!

وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
وهي آية في نفس السياق ، تالية لآية الولاية ، تؤكد نفس الأمر .

وقوله تعالى : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)
فهل المعنى : ولا تتبعوا من دونه أئمة معصومين ؟! .

وقوله تعالى : (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)
فهل المعنى : إنا جعلنا الشياطين أئمة معصومين للذين لا يؤمنون ؟! .

وقوله تعالى : (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُون)
فهل المعنى : وما لكم من دونه أئمة معصومين ؟!! ، أم المعنى : وما لكم من دونه أنصار .

وقوله تعالى : (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) ، فهل المعنى : نحن أئمتكم المعصومون في الحياة الدنيا .

وقوله تعالى : (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ
الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
فهل المعنى : أفاتخذتم من دونه أئمة معصومين ؟! .

وهكذا بالنسبة لبقية الآيات ، فتتبعها يؤكد هذا المعنى الواسع للولاية الذي ضيقه القوم في هذا الموضع بالذات ليؤيد بدعتهم في الإمامة ، والله أعلم .


وأما باقي الآية ، وهو قوله تعالى : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)

فإن إيتاء الزكاة ، أثناء الركوع ، لم يقل به أحد ، كما تقدم ، وقد أشار شيخ الإسلام ، رحمه الله ، إلى بطلان هذا من عدة أوجه فقال :
وكذبه ، أي حديث التصدق بالخاتم ، بين من وجوه كثيرة :
منها : أن قوله "الذين" صيغة جمع ، وعلي واحد .
ومنها : أن "الواو" ليست واو الحال ، إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع ، فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة .
ومنها : أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب ، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجبا ولا مستحبا باتفاق علماء الملة ، فإن في الصلاة شغلا .
ومنها : أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير حال الركوع ، بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن .
ومنها : أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، (ولفظ الزكاة ، إنما يطلق على الزكاة الواجبة ، ابتداء ، بل إن لفظ الصدقة قد يطلق ويراد به الزكاة الواجبة كما في آية مصارف الزكاة في سورة التوبة : " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" ، فالصدقات هنا هي : الزكاة الواجبة ، والله أعلم) .
ومنها : أنه لم يكن له ، أيضا ، خاتم ، ولا كانوا يلبسون الخواتم ، حتى كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى كسرى ، فقيل له : إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما ، فاتخذ خاتما من ورق ، أي فضة ، ونقش فيها : محمد رسول الله .
ومنها : أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم ، فإن أكثر الفقهاء يقولون : لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة ، (والخروج من الخلاف أولى ، وفي حق إمام كعلي ، رضي الله عنه ، أولى وأولى) .
ومنها : أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل ، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور ، لا أن ينتظر أن يسأله سائل .
ومنها : أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين ، كما يدل عليه سياق الكلام .
بتصرف من "منهاج السنة" ، (2/30_32) .

وكلام شيخ الإسلام ، رحمه الله ، يدل على وعي كبير بنقد المتن ، فضلا عن نقد السند ، فكل هذه الأوجه تتعلق بالمتن ، وفي هذا رد قوي على من ادعى أن نظرة علماء الحديث كانت منصبة على الأسانيد دون التركيز على النقد الداخلي للمتون ، فأراد القوم إيهامنا بأن علماءنا المتقدمين لم يعنوا إلا بإثبات سماع فلان من فلان ............. الخ من المسائل الإسنادية ، دون التطرق للمتن الذي يوصل السند إليه ، فكأنهم تحملوا ورووا ما لم يفقهوا معناه ، وفي هذا القول من اللمز والطعن ما فيه ، ويكفي للرد عليه أن نستعرض حد الحديث الصحيح عند علماء الحديث ، فالحديث الصحيح عندهم هو : ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ أو علة قادحة ، وشرط انتفاء الشذوذ والعلة القادحة ذو صلة وثيقة بنقد المتون ، لأن الشذوذ والعلة يقعان في المتن كما يقعان في السند ، والله أعلم .

وممن توسع في الكلام على هذه الآية من المعاصرين : الشيخ أبو محمد التميمي عثمان بن محمد الخميس ، حفظه الله ، في كتابه القيم "حقبة من التاريخ" ، فذكر 10 أوجه لرد استدلال الإمامية بهذه الآية على مذهبهم في مسألة الإمامة ، (ص202_205) .



لذا فإنه من الأولى ، أن يحمل الركوع هنا ، على معناه اللغوي ، وهو : الخضوع ، لدلالة السياق عليه ، فالعبد ينبغي أن يكون دوما في حالة خضوع وخشوع عند أداء العبادات سواء أكانت صلاة أم زكاة أم صياما ............... الخ ، ومجيء الركوع بمعنى الخضوع ، لا تكلف فيه ، لأنه مما تكلمت به العرب ، كما أشار إلى ذلك صاحب الوسيط بقوله :
.............. وركع المُصَلَّى : انحنى بعد القيام حتى تنال راحتاه ركبتَيْه ، أْو حتى يطمئن ظهره .
و : خضَع وتواضع . يقال : ركع إلى الله ، اطمأَنَّ إليه في خشوع .
و : افتقر بعد غنى وانحطَّ حاله . قال :
لا تُهِين الفقير عَلَّك أَن تر ******* كع يومًا والدهرُ قد رفعه

والشاهد هو المعنى الثاني ، وإن كان الخضوع حاصلا في ركوع الصلاة ، والافتقار ، فالراكع خاضع بانحنائه ، والفقير خاضع بفقره وحاجته ، فالركوع في الأصل هو الخضوع ، وإن صار بعد ذلك حقيقة شرعية في الصلاة المعروفة ، والله أعلم .

وممن أشار إلى ذلك الألوسي ، رحمه الله ، إذ يقول :
{وَهُمْ رَاكِعُونَ} حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى . وقيل : هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة ، والركوع ركوع الصلاة ، والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه . اهـــ

فإما أن يكون الحال من فاعل الصلاة والزكاة ، فيكون المصلي والمزكي خاشعا خاضعا ، وقد حكى الشيخ ، رحمه الله ، القول بأن الركوع هو : ركوع الصلاة ، بصيغة التضعيف : وقيل ، فدل ذلك على ترجيحه للرأي الأول ، كما علم من صنيع العلماء الذين يحكون الخلاف في مسألة ما ، فيقدمون الأرجح عندهم ويشيرون للمرجوح بصيغة مشعرة بالتضعيف كـــ "قيل" أو "روي" .................. الخ ، والله أعلم .

وممن رجح أن يكون الركوع هنا بمعنى الخضوع :
أبو حيان ، رحمه الله ، إذ يقول :
والركوع هنا ظاهره الخضوع ، لا الهيئة التي في الصلاة . وقيل : المراد الهيئة ، وخصت بالذكر لأنها من أعظم أركان الصلاة ، فعبر بها عن جميع الصلاة ، إلا أنه يلزم في هذا القول تكرير الصلاة لقوله : يقيمون الصلاة . ويمكن أن يكون التكرار على سبيل التوكيد لشرف الصلاة وعظمها في التكاليف الإسلامية . وقيل : المراد بالصلاة هنا الفرائض ، وبالركوع التنفل . يقال : فلان يركع إذا تنفل بالصلاة . وروي أنّ علياً رضي الله عنه تصدّق بخاتمه وهو راكع في الصلاة .
فأشار إلى رواية التصدق بالخاتم ، بصيغة "قيل" المشعرة بالتضعيف ، كما تقدم ، ويأتي مزيد عرض لها ، إن شاء الله .


ونظيره في التنزيل آيات أشار إليها الألوسي ، رحمه الله ، بقوله :
وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن أيضاً كما قيل في قوله سبحانه : {واركعي مَعَ الراكعين} [ آل عمران : 43 ] إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع ، وكذا في قوله تعالى : {وَخَرَّ رَاكِعاً} [ ص : 24 ] وقوله عز وجل : {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ} [ المرسلات : 48 ] على ما بينه بعض الفضلاء . اهـــ



وإلى أقوال المفسرين في تأويل هذه الآية :
إذ يقول الطبري ، رحمه الله ، شيخ مفسري أهل السنة :
قوله تعالى : "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" ................ قيل إن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت ، في تبرُّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحِلفهم ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .
ثم ذكر روايتين تؤيد هذا القول .
ثم ذكر رواية عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، فيها : "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا"، يعني : أنه من أسلم تولى الله ورسوله" .
ثم قال الطبري رحمه الله :
وأما قوله : "والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ به .
فقال بعضهم : عُنِي به علي بن أبي طالب .
وقال بعضهم : عني به جميع المؤمنين .
ثم ذكر 5 روايات تؤيد أن المقصود هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وسبق أن منهج الطبري ، رحمه الله ، هو جمع الروايات بغض النظر عن نقدها ، وقد تكفل بذلك الإمام ابن كثير المحقق الناقد إذ يقول :

وأما قوله {وَهُمْ رَاكِعُونَ} فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله : {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} أي : في حال ركوعهم ، ولو كان هذا كذلك ، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره ، لأنه ممدوح ، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى .

ويواصل ابن كثير ، رحمه الله ، فيقول :
وقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أي : ليس اليهود بأوليائكم ، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين .

ثم بدأ في سرد الروايات التي ذكر فيها علي ، رضي الله عنه ، فقال :
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا أيوب بن سُوَيْد ، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} قال : هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب .
فدخل المؤمنون مع علي ، رضي الله عنه ، فانتفى اختصاصه بها .

وحدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا الفضل بن دُكَيْن أبو نعيم الأحول ، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي ، عن سلمة بن كُهَيْل قال : تصدق علي بخاتمه وهو راكع ، فنزلت : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} .

وقال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا غالب بن عبيد الله ، سمعت مجاهدًا يقول في قوله : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية : نزلت في علي بن أبي طالب ، تَصَّدَق وهو راكع .

وقال عبد الرزاق : حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية : نزلت في علي بن أبي طالب ، عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به .
فهذه أول رواية تكلم فيها .

ورواه ابن مَرْدُويه ، من طريق سفيان الثوري ، عن أبي سِنان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان علي بن أبي طالب قائمًا يصلي ، فمر سائل وهو راكع ، فأعطاه خاتمه ، فنزلت : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية ، الضحاك لم يلق ابن عباس .

فأعل هذه الرواية بالانقطاع ، وإن كان الشيخ العلامة المحقق السيد أحمد شاكر ، رحمه الله ، قد رجح سماع الضحاك من ابن عباس ، وهذا خلاف رأي الجمهور ، والله أعلم .

وروى ابن مَرْدُويه أيضًا عن طريق محمد بن السائب الكلبي - وهو متروك - عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، والناس يصلون ، بين راكع وساجد وقائم وقاعد ، وإذا مسكين يسأل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أعطاك أحد شيئًا ؟ " قال : نعم. قال : "من؟ " قال : ذلك الرجل القائم . قال : "على أي حال أعطاكه ؟ " قال : وهو راكع ، قال : "وذلك علي بن أبي طالب" . قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ، وهو يقول : {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}
وهذا إسناد لا يفرح به.
فأعل هذا الإسناد أيضا ، إذ فيه محمد بن السائب ، وهو متروك كما ذكر في سياق السند ، عن أبي صالح ، وهو إسناد يقول عنه الشيخ مناع القطان ، رحمه الله ، في "مباحث في علوم القرآن" :
وفي التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس مجاهيل : وأوهى طرقه طريق الكلبي عن أبي صالح ........ الخ .
بتصرف من "مباحث في علوم القرآن" ، طبعة مؤسسة الرسالة ، ص350 .
وأبو صالح الذي يروي عنه الكلبي هو "باذام" ، وعنه يقول الإمام مسلم ، رحمه الله ، في "كتاب التفصيل" :
هذا الحديث ليس بثابت ، وأبو صالح "باذام" قد اتقى الناس حديثه ، ولا يثبت له سماع من ابن عباس ، وقد نقله ابن رجب ، رحمه الله ، في "الفتح" ، كما في "الكواكب" ، (65/82/1) .
بتصرف من "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" ، للشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ، رحمه الله ، ص43 .


ثم رواه ابن مردويه ، من حديث علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، نفسه ، وعمار بن ياسر ، وأبي رافع . وليس يصح شيء منها بالكلية ، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها .
فأعل هذه الطرق أيضا .

ثم روى بسنده ، عن ميمون بن مِهْران ، عن ابن عباس في قوله : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} نزلت في المؤمنين ، وعلي بن أبي طالب أولهم .

وقال ابن جرير : حدثنا هَنَّاد ، حدثنا عبدة ، عن عبد الملك ، عن أبي جعفر قال : سألته عن هذه [الآية] {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} قلنا : من الذين آمنوا ؟ قال : الذين آمنوا ، قلنا : بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب ، قال : عَلِيٌّ من الذين آمنوا .
فهذه الرواية تعم كل المؤمنين وعلي ، رضي الله عنه ، أحد المؤمنين ، بل من أفاضلهم فهو من أحق الناس بالدخول تحت هذا النص وإن كان غيره يدخل معه ، والله أعلم .


وقال أسباط ، عن السُّدِّي : نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين ، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه .

وقال علي بن أبي طلحة الوالبي ، عن ابن عباس : من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا . رواه ابن جرير ، وتقدم ذكر هذه الرواية عند النقل من تفسير الطبري .

ويختم حديثه قائلا :
وقد تقدم في الأحاديث التي أوردنا أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، حين
تبرأ من حلْف يَهُود ، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين ، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله : {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} كما قال تعالى : {كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ . لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 21 ، 22] .
فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة [ومنصور في الدنيا والآخرة] ، ولهذا قال [الله] تعالى في هذه الآية الكريمة : {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} .

فكأنه ، رحمه الله ، خلص إلى الأخذ بظاهر النص دون تخصيص ، فشملت الآية عنده كل موال لله ورسوله والمؤمنين .

والأحاديث التي يقصدها ، رحمه الله ، بقوله :
وقد تقدم في الأحاديث التي أوردنا أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، حين
تبرأ من حلْف يَهُود ................. الخ ، هي الأحاديث التي أوردها في تفسير قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) ، ومنها :
ما رواه ابن جرير ، رحمه الله : حدثنا هَنَّاد ، حدثنا يونس بن بُكَيْر ، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال : لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود : آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر! فقال مالك بن الصيف : أغركم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال!! أما لو أمْرَرْنا العزيمة أن نستجمع عليكم ، لم يكن لكم يَدٌ بقتالنا فقال عبادة : يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم ، كثيرًا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله [تعالى] وإلى رسوله من ولاية يهود ، ولا مولى لي إلا الله ورسوله . فقال عبد الله بن أبي : لكني لا أبرأ من ولاء يهود أنا رجل لا بد لي منهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة بن الصامت ، فهو لك دونه؟" فقال : إذا أقبلُ ! قال : فأنزل الله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ]} إلى قوله : { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [المائدة: 67] . اهــ
وسبقت الإشارة إلى أهمية السياق في تفسير آيات القرآن ، فلا تقتطع آية أو جملة منها بمعزل عن السياق ، فضلا عن أهمية معرفة سبب النزول في هذا الموضع ، فعلم السبب يورث علم المسبب ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك أيضا ، والله أعلم .

وأما أبو حيان ، رحمه الله ، فيقول :
{إنما وليكم الله ورسوله} لما نهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، بيّن هنا من هو وليهم ، وهو الله ورسوله . وفسر الولي هنا بالناصر ، أو المتولي الأمر ، أو المحب . ثلاثة أقوال ، والمعنى : لا وليّ لكم إلا الله . وقال : وليكم بالأفراد ، ولم يقل أولياؤكم وإن كان المخبر به متعدداً ، لأن ولياً اسم جنس . أو لأنّ الولاية حقيقة هي لله تعالى على سبيل التأصل ، ثم نظم في سلكه من ذكر على سبيل التبع ، ولو جاء جمعاً لم يتبين هذا المعنى من الأصالة والتبعية . وقرأ عبد الله : مولاكم الله . وظاهر قوله : والذين آمنوا ، عموم من آمن من مضى منهم ومن بقي قاله الحسن . وسئل الباقر عمن نزلت فيه هذه الآية ، أهو على؟ فقال : عليّ من المؤمنين ، (وقد أشار الألوسي ، رحمه الله ، لهذه الرواية مفصلة بقوله : "روى أبو بكر النقاش صاحب «التفسير المشهور» عن محمد الباقر رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في المهاجرين والأنصار ، وقال قائل : نحن سمعنا أنها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه ، فقال : هو منهم يعني أنه كرم الله تعالى وجهه داخل أيضاً في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم . وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن عبد الملك بن أبي سليمان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الباقر رضي الله تعالى عنه أيضاً نحو ذلك ، وهذه الرواية أوفق بصيغ الجمع في الآية" . اهــــ) ، وقيل ، والكلام لأبي حيان رحمه الله : الذين آمنوا هو عليّ رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال مقاتل ، ويكون من إطلاق الجمع على الواحد مجازاً . وقيل ابن سلام وأصحابه . وقيل : عبادة لما تبرأ من حلفائه اليهود . وقيل : أبو بكر رضي الله عنه ، قاله عكرمة .
{والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} هذه أوصاف ميز بها المؤمن الخالص الإيمان من المنافق ، لأن المنافق لا يدوم على الصلاة ولا على الزكاة . قال تعالى : {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} وقال تعالى : {أشحة على الخير} ولما كانت الصحابة وقت نزول هذه الآية من مقيمي صلاة ومؤتي زكاة ، وفي كلتا الحالتين كانوا متصفين بالخضوع لله تعالى والتذلل له ، نزلت الآية بهذه الأوصاف الجليلة . والركوع هنا ظاهره الخضوع ، لا الهيئة التي في الصلاة .

وقيل : المراد الهيئة ، وخصت بالذكر لأنها من أعظم أركان الصلاة ، فعبر بها عن جميع الصلاة ، إلا أنه يلزم في هذا القول تكرير الصلاة لقوله : يقيمون الصلاة . ويمكن أن يكون التكرار على سبيل التوكيد لشرف الصلاة وعظمها في التكاليف الإسلامية . وقيل : المراد بالصلاة هنا الفرائض ، وبالركوع التنفل . يقال : فلان يركع إذا تنفل بالصلاة . وروي أنّ علياً رضي الله عنه تصدّق بخاتمه وهو راكع في الصلاة . والظاهر من قوله : وهم راكعون ، أنها جملة اسمية معطوفة على الجمل قبلها ، منتظمة في سلك الصلاة . وقيل : الواو للحال أي : يؤتون الزكاة وهم خاضعون لا يشتغلون على من يعطونهم إياها ، أي يؤتونها فيتصدقون وهم ملتبسون بالصلاة .

*****
فائدة : اسم الجنس : كـــ : "ولي" في هذه الآية ، هو الاسم المفرد المحلى بـــ "أل" الجنسية ، التي تفيد إما :
عموم الجنس ، كقوله تعالى : (وخلق الإنسان ضعيفا) ، وعلامتها : جواز استبدالها بـــ "كل" ، التي تفيد استغراق جميع أفراد المضاف إليها ، فيصح في غير القرآن أن يقال : وخلق كل إنسان ضعيفا .
وإما بيان ماهية الشيء ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) ، أي جعلنا من ماهية الماء كل شيء حيا ، لا من كل الماء ، لأن هذا خلاف الواقع المشاهد ، فليس كل الماء في الأرض مستعملا في الخلق ، بل منه ما يشرب ، ومنه ما يغتسل به ، ومنه ما يسقى به الزرع ........... الخ .
وكذا في قولك : الرجل خير من المرأة ، فليس المقصود : أن كل رجل خير من كل امرأة ، فكم من النساء الفضليات من هن أفضل من كثير من الرجال ، بل المقصود : أن جنس الرجال أفضل من جنس النساء باعتبار المجموع لا الأفراد ، والله أعلم .

ومن أمثلة "أل" الجنسية في التنزيل :
قوله تعالى : (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) ، وقوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) ، فـــ "الملك" في الآيتين يقصد به : الملائكة ، فاللفظ مفرد والمعنى جمع لأن "أل" فيه جنسية .

وقوله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) ، أي : أنهار ، فاسم الجنس هنا غير محلى بـــ "أل" الجنسية ، ولكنه أفاد معنى الجمع من النصوص الأخرى التي ورد فيها ذكر أنهار الجنة بلفظ الجمع ، وهي كثيرة كثرة تغني عن ذكر مثال لها .

وقوله تعالى : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) ، فالمقصود هنا : كل الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء لا طفلا بعينه ، فــ "أل" هنا ، أيضا ، لاستغراق الجنس .

وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) ، فلفظ : "الكتاب" الأول هو القرآن ، ولفظ "الكتاب" الثاني : اسم جنس لكل الكتب المنزلة قبل القرآن .

وقوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ) ، فـــ "أل" في "السماء" جنسية ، فيكون المعنى : السماوات ، بدليل قوله : "فسواهن" .

وقوله تعالى : (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) ، فلفظ "آية" هنا : اسم جنس يعم جميع الآيات التي بعث بها موسى صلى الله عليه وسلم إلى فرعون ، لعنه الله ، بدليل الآيات الأخرى التي أشارت لتلك الآيات بصيغة الجمع ، كقوله تعالى : (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) .
والله أعلم .
*****

وأما الألوسي ، رحمه الله ، فيقول :
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ} فكأنه قيل : لا تتخذوا أولئك أولياء لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم إنما أولياؤكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى الغير ، وأفرد الولي مع تعدده ليفيد كما قيل : أن الولاية لله تعالى بالأصالة وللرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالتبع ، فيكون التقدير إنما وليكم الله سبحانه وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا ، فيكون في الكلام أصل وتبع لا أن وليكم مفرد استعمل استعمال الجمع كما ظن صاحب «الفرائد» ، فاعترض بأن ما ذكر بعيد عن قاعدة الكلام لما فيه من جعل ما لا يستوي الواحد والجمع جمعاً ، ثم قال : ويمكن أن يقال : التقدير إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم فحذف الخبر لدلالة السابق عليه ، وفائدة الفصل في الخبر هي التنبيه على أن كونهم أولياء بعد كونه سبحانه ولياً ، ثم بجعله إياهم أولياء ، ففي الحقيقة هو الولي انتهى . ولا يخفى على المتأمل أن المآل متحد والمورد واحد ، ومما تقرر يعلم أن قول الحلبي ويحتمل وجهاً آخر وهو أن ولياً زنة فعيل ، وقد نص أهل اللسان أنه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد كصديق غير واقع موقعه لأن الكلام في سر بياني وهو نكتة العدول من لفظ إلى لفظ ، ولا يرد على ما قدمنا أنه لو كان التقدير كذلك لنا في حصر الولاية في الله تعالى ثم إثباتها للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، لأن الحصر باعتبار أنه سبحانه الولي أصالة وحقيقة ، وولاية غيره إنما هي بالإسناد إليه عز شأنه .

*****
فائدة :
أشار الألوسي ، رحمه الله ، إلى أن وزن "فعيل" مما يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع ، والمذكر والمؤنث ، فتقول : رجل جريح ، و : امرأة جريح ، وفي التنزيل :
(وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) ، أي أعوان ، فاللفظ مفرد ، والمعنى : جمع ، وقوله تعالى : (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) ، فأفرد ، أيضا ، وأراد الجمع بدليل قوله : (والملائكة) ، والملائكة : جمع .
ومنه قول الشاعر :
خبير بنو لهب، فلا تك ملغيا ******* مقالة لهبي إذا الطير مرت
فأفرد "خبير" ، مع أن بني لهب جماعة ، وليسوا فردا واحدا ، والله أعلم .
*****

ويواصل الألوسي ، رحمه الله ، فيقول :
{الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة} بدل من الموصول الأول ، أو صفة له باعتبار إجرائه مجرى الأسماء لأن الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل والوصف لا يوصف إلا بالتأويل ، ويجوز أن يعتبر منصوباً على المدح ، ومرفوعاً عليه أيضاً ، (فتقدير المدح منصوبا : أخص بالذكر مادحا : الذين يقيمون الصلاة ............ ، وتقدير المدح مرفوعا : هم الذين يقيمون الصلاة ...................) ، وفي قراءة عبد الله {يَتَوَكَّلُونَ الذين يُقِيمُونَ الصلاة} بالواو {وَهُمْ رَاكِعُونَ} حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى . وقيل : هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة ، والركوع ركوع الصلاة ، والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه .
وغالب الإخباريين على أنها نزلت في علي ، كرم الله تعالى وجهه ، فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متصل قال : "أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس وأن قومنا لما رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وصدقناه رفضونا وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشق ذلك علينا ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إنما وليكم الله ورسوله ، ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر بسائل فقال : هل أعطاك أحد شيئا ً؟ فقال : نعم خاتم من فضة ، فقال : من أعطاكه ؟ فقال : ذلك القائم ، وأومأ إلى علي كرم الله تعالى وجهه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : على أي حال أعطاك ؟ فقال : وهو راكع ، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم تلا هذه الآية "

فأنشأ حسان رضي الله تعالى عنه يقول :
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي ... وكل بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحيك المحبر ضائعا ... وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا ... زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية ... وأثبتها أثنا كتاب الشرائع
واستدل الشيعة بها على إمامته كرم الله تعالى وجهه ، ووجه الاستدلال بها عندهم أنها بالإجماع أنها نزلت فيه كرم الله تعالى وجهه ، وكلمة { إِنَّمَا } تفيد الحصر ، ولفظ الولي بمعنى المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها ، وظاهر أن المراد هنا التصرف العام المساوي للإمامة بقرينة ضم ولايته كرم الله تعالى وجهه بولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره وإلا لبطل الحصر ، ولا إشكال في التعبير عن الواحد بالجمع ، فقد جاء في غير ما موضع ، وذكر علماء العربية أنه يكون لفائدتين : تعظيم الفاعل وأن من أتى بذلك الفعل عظيم الشأن بمنزلة جماعة كقوله تعالى : { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] ليرغب الناس في الإتيان بمثل فعله ، وتعظيم الفعل أيضاً حتى أن فعله سجية لكل مؤمن ، وهذه نكتة سرية تعتبر في كل مكان بما يليق به .
وقد أجاب أهل السنة عن ذلك بوجوه : ذكر منها :
أن النقض بأن هذا الدليل كما يدل بزعمهم على نفي إمامة الأئمة المتقدمين كذلك يدل على سلب الإمامة عن الأئمة المتأخرين كالسبطين رضي الله تعالى عنهما وباقي الاثني عشر رضي الله تعالى عنهم أجمعين بعين ذلك التقرير ، فالدليل يضر الشيعة أكثر مما يضر أهل السنة كما لا يخفى ، ولا يمكن أن يقال : الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدمه لأنا نقول : إن حصر ولاية من استجمع تلك الصفات لا يفيد إلا إذا كان حقيقياً ، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر عنه ، كرم الله تعالى وجهه ، (لأنه لم يثبت عن أحد منهم أنه تصدق بخاتمه وهو يصلي فانتفى شرط من شروط دخولهم في هذا النص إن صح سبب النزول الذي حكاه الألوسي رحمه الله) ، وإن أجابوا عن النقض بأن المراد حصر الولاية في الأمير كرم الله تعالى وجهه في بعض الأوقات أعني وقت إمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم قلنا : فمرحباً بالوفاق إذ مذهبنا أيضاً أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إماماً لا قبله وهو زمان خلافة الثلاثة ، ولا بعده وهو زمان خلافة من ذكر .
وقد توسع الشيخ ، رحمه الله ، في نقض استدلال القوم بهذه الآية ، ويبدو أن إقامته بالعراق واحتكاكه بالقوم ، قد حمله على التوسع في الرد عليهم ، وبقية كلامه على الرابط التالي :
http://www.altafsir.com/Tafasir.asp?tMadhNo=0&tTafsirNo=52&tSoraNo=5&tAyahNo=55&tDisplay=yes&UserProfile=0


*****
فائدة :
يشير الشيخ ، رحمه الله ، هنا إلى مسألة : القصر الإضافي أو المقيد ، والقصر الحقيقي أو المطلق :
فالأول كـــ :
قوله تعالى : (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) ، فالقصر هنا إضافي مقيد ، لا حقيقي على إطلاقه ، لأن لازم إطلاقه أنه لم يوح إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى توحيد الله ، عز وجل ، وهذا خلاف الواقع إذ نزل الوحي بأمور أخرى غير التوحيد ، وإن كان التوحيد هو أول وأهم واجب على العبيد ، فما بعده من اعتقاد وتكليف لا يصلح إلا بصلاح هذا الأصل الأول ، وعليه يمكن القول بأن الحصر هنا قد يكون حقيقيا من جهة أن ما بعد التوحيد تبع له ، فكأن الآية نبهت على الأدنى بذكر الأعلى ، فما بعده مندرج فيه ، والله أعلم .

وكذا قوله تعالى : (وما محمد إلا رسول) ، فالقصر هنا إضافي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت له كثير من الصفات غير صفة النبوة ، وإلى ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، بقوله : ".............. وليست صفته عليه الصلاة والسلام منحصرة في الرسالة ، ولكن لما استعظموا موته جعلوا كأنهم أثبتوا له البقاء الدائم ، فجاء الحصر باعتبار ذلك ، ويسمى : قصر إفراد" . اهــــ
مغني اللبيب ، (1/62) .

وأما في قوله تعالى : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
فظاهر القيد في صدر الآية يشير إلى أن المحرمات هي المذكورة فقط ، وعليه يكون الحصر حقيقيا ، ولا يحرم إلا المذكور في الآية ، مع أن هذا خلاف الواقع ، إذ جاءت آيات أخر ، بمحرمات لم تنص عليها هذه الآية ، كقوله تعالى في سورة المائدة ، وهي سورة مدنية من أواخر ما نزل من القرآن : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب) ، ففيها نص على محرمات لم تذكر في الآية الأولى ، وكما في حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير ، وعليه تحمل المسألة على نسخ الآخر للأول ، على اصطلاح المتقدمين الذين يطلقون مصطلح "النسخ" على كل زيادة جاء بها النص الجديد وإن لم تلغ النص الأول ، فالنسخ عندهم يشمل : تخصيص العام وتقييد المطلق بالإضافة إلى النسخ الاصطلاحي في عرف المتأخرين ، فيكون التحريم قد جاء أولا بالمحرمات المذكورة في آية الأنعام المكية ، ثم أكد عليها في آية المائدة المدنية ، بدليل اتصالها بـــ "أل" العهدية في قوله تعالى : (الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ، أي تلك الميتة وذلك الدم وذلك الخنزير المعهود في آية الأنعام التي تقدم نزولها ، كما أشار إلى ذلك أبو حيان ، رحمه الله ، ثم أضيف إليها المحرمات الزائدة التي لم ترد في الآية الأولى : (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب) ، وأضيف إليها كذلك لحوم السباع والجوارح التي جاء الحديث بتحريمها ، فتكون المسألة ، كما تقدم ، من باب الزيادة على النص الأول ، فهي بمثابة مخصصات متواردة على عموم واحد ، أو مقيدات متواردة على مطلق واحد ، فكلما ازدادت المخصصات أو المقيدات ، كلما ضاقت دائرة النص ، والله أعلم .

أو يقال بأن الحصر في آية الأنعام المكية ، ليس على حقيقته ، وإنما هو من باب التحدي للمشركين ، الذين استحلوا المحرمات المذكورة في الآية ، فجاءت الآية بنقيض قولهم ، فكأنهم قالوا : الحلال كذا وكذا ، فجاء النص بأن ما أحللتموه هو الحرام بعينه ، بغض النظر عن استيعاب ما حللوه للمحرمات أم لا ، وإنما الغرض نقض قولهم دون استيعاب ، كمن قال لك : لا تأكل اليوم لحما ، فنقضت قوله بقولك : لا آكل اليوم إلا لحما ، فليس المراد أنك لن تأكل أي شيء خلاف اللحم ، وإنما المراد أنك إمعانا في مخالفته سيكون طعامك الرئيسي في هذا اليوم لحما ، فالحصر إضافي لا حقيقي ، وإلا لما ساغ لك أن تتناول أي مطعوم آخر سوى اللحم في ذلك اليوم ، والله أعلم .

وفي هذا الموضع فائدة جليلة تثبت استقلال السنة بتشريع أحكام لم يأت بها التنزيل ، فالنهي عن لحوم السباع والجوارح مستفاد من الحديث أصالة ، وفي هذا رد على من زعم أن السنة لا استقلال لها بتشريع الأحكام ، بل غايتها تفصيل أحكام القرآن ، والله أعلم .
*****



ويقول الزمخشري غفر الله له :
عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ} ومعنى (إنما) وجوب اختصاصهم بالموالاة . فإن قلت : قد ذكرت جماعة فهلا قيل : إنما أولياؤكم ؟ قلت : أصل الكلام : إنما وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل التبع ، ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا ، لم يكن في الكلام أصل وتبع وفي قراءة عبد الله : «إنما مولاكم» . فإن قلت : { الذين يُقِيمُونَ } ما محله ؟ قلت : الرفع على البدل من الذين آمنوا ، أو على : هم الذين يقيمون . أو النصب على المدح . وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً ، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون في العمل {وَهُمْ رَاكِعُونَ} الواو فيه للحال ، أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا . وقيل : هو حال من يؤتون الزكاة ، بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة ، وأنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه .
كأنه كان مرجاً في خنصره ، فلم يتكلف لخلعه كثير عما تفسد بمثله صلاته ، فإن قلت : كيف صحّ أن يكون لعليّ رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعة ؟ قلت : جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحداً ، ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه ، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقد الفقراء ، حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة ، لم يؤخروه إلى الفراغ منها . اهــ

فالزمخشري ، يبين وجه رواية تصدق علي ، رضي الله عنه ، بخاتمه ، إن صحت ، وهو كغيره من المفسرين المعتبرين ، لم يتطرق لمسألة الإمامة ، وإنما جعلها منقبة لعلي ، رضي الله عنه ، لأنه كان سباقا إلى صنع المعروف وهذا وصف ، مع جلالته ، لا يوجب إمامته ، بمصطلح القوم ، بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم يتفرد به ، فكل الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، كانوا سباقين إلى صنع المعروف ، ومع ذلك لم يدع أحد منهم لنفسه الولاية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فالدليل عام استدل به على خاص بعينه ، بلا مخصص يسوغ ذلك ، والله أعلم .

والزمخشري ، ينبه هنا ، على أمر تقدم ذكره ، وهو : أن صورة السبب لا يخصص بها عموم النص ، فالنص جاء بصيغة الجمع "الذين آمنوا" مع أن سبب النزول ، إن صح ، هو فرد واحد من أفراد عموم "الذين" ، فلا يقال بأن سبب النزول مخصص لهذا العموم ، وإنما غاية الأمر أن سبب النزول فرد من أفراد هذا العموم ، وذكر الفرد في معرض التمثيل للعام لا يعني أن العام مقتصر على هذا المثال بعينه ، بل هو شامل له ولجميع الأفراد المتصفين بالإيمان المستفاد من جملة الصلة "آمنوا" .

ويقول ابن عاشور رحمه الله :
{إنّما وليّكم الله ورسوله} إلى آخرها متّصلة بجملة {يا أيّها الّذين آمنوا لا تَتّخذوا اليهود والنّصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [ المائدة : 51 ] وما تفرّع عليها من قوله {فترى الّذين في قلوبهم مرض إلى قوله فأصبحوا خاسرين} [ المائدة : 52 ، 53 ] . وقعت جملة {يا أيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه} [ المائدة : 54 ] بين الآيات معترضة ، ثُمّ اتّصل الكلام بجملة {إنّما وليّكم الله ورسوله} . فموقع هذه الجملة موقع التّعليل للنّهي ، لأنّ ولايتهم لله ورسوله مقرّرة عندهم فمن كان اللّهُ وليّه لا تكون أعداءُ الله أولياءه . وتفيد هذه الجملة تأكيداً للنّهي عن ولاية اليهود والنّصارى . وفيه تنويه بالمؤمنين بأنّهم أولياء الله ورسوله بطريقة تأكيد النّفي أو النّهي بالأمر بضدّه ، لأنّ قوله : { إنّما وليّكم الله ورسوله } يتضمّن أمراً بتقرير هذه الولاية ودوامها ، فهو خبر مستعمل في معنى الأمر ، والقصر المستفاد من ( إنّما ) قصر صفة على موصوف قصراً حقيقياً ،

ومعنى كون الّذين آمنوا أولياء للّذين آمنوا أنّ المؤمنين بعضُهم أولياء بعض ، كقوله تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [ التوبة : 71 ] . وإجراء صفتي {يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة} على الذين آمنوا للثناء عليهم ، وكذلك جملة {وهم راكعون} .

وقوله : {وهم راكعون} معطوف على الصفة . وظاهر معنى هذه الجملة أنّها عين معنى قوله : {يقيمون الصّلاة} ، إذ المراد بـــ {راكعون} مصلّون لا آتُون بالجزء من الصلاة المسمّى بالركوع . فوجه هذا العطف : إمّا بأنّ المراد بالركوع ركوع النّوافل ، أي الّذين يقيمون الصّلوات الخمس المفروضة ويتقرّبون بالنوافل ، وإمّا المرادُ به ما تدلّ عليه الجملة الاسميّة من الدوام والثّبات ، أي الّذين يديمون إقامة الصّلاة . وعقّبه بأنّهم يؤتون الزّكاة مبادرة بالتنويه بالزّكاة ، كما هو دأب القرآن . وهو الّذي استنبطه أبو بكر رضي الله عنه إذ قال : «لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصّلاة والزّكاة» . ثم أثنى الله عليهم بأنّهم لا يتخلّفون عن أداء الصّلاة ، فالواو عاطفة صفة على صفة ، ويجوز أن تجعل الجملة حالاً . ويراد بالركوع الخشوع .
ومن المفسّرين من جعل {وهم راكعون} حالاً من ضمير { يُؤتون الزّكاة } . وليس فيه معنى ، إذ تؤتى الزّكاة في حالة الركوع ، وركّبوا هذا المعنى على خبر تعدّدت رواياته وكلّها ضعيفة . قال ابن كثير : وليس يصحّ شيء منها بالكلّية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها . وقال ابن عطيّة : وفي هذا القول ، أي الرواية ، نظر ، قال : روى الحاكم وابن مردويه : جاء ابن سَلاَم ( أي عبد الله ) ونفَر من قومه الّذين آمنوا ( أي من اليهود ) فشكوا للرّسول صلى الله عليه وسلم بُعد منازلهم ومنابذة اليهود لهم فنزلت {إنّما وليّكم الله ورسوله} ثمّ إنّ الرسول خرج إلى المسجد فبصرُ بسائل ، فقال له : هل أعطاك أحد شيئاً ، فقال : نعم خاتم فضّة أعطانيه ذلك القائم يصلّي ، وأشار إلى عليّ ، فكبّر النّبي صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية ، فتلاها رسول الله . وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق . وقيل : نزلت في المهاجرين والأنصار .
وقوله : {فإنّ حزب الله هم الغالبون} دليل على جواب الشرط بذكر علّة الجواب كأنّه قيل : فهم الغالبون لأنّهم حزب الله . اهـــ

فابن عاشور ، رحمه الله ، يرى أن القصر هنا قصر حقيقي ، لأنه قصر الولاية على من اتصف بالإيمان ، الذي يلزم منه إقامة الصلاة وأداء الزكاة ، مع الخضوع فيهما ، وهذا وصف عام لا يقتصر فيه على أفراد بعينهم .

*****
فائدة : أشار ابن عاشور ، رحمه الله ، إلى أسلوب من أساليب العرب في كلامها وهو : الخبر الذي أريد به الإنشاء ، وفائدته التأكيد على امتثال الأمر ، حتى صار ، كأنه خبر متحقق ، كما في :

قوله تعالى : (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)
فالمعنى : وليتربص المطلقات بأنفسهن ثلاثة قروء .
يقول الشيخ العثيمين رحمه الله :
فقوله : (يتربصن) : بصورة الخبر ، والمراد بها الأمر ، وفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يتحدث عنه كصفة لازمة من صفات المأمور .
بتصرف من مذكرة "الأصول من علم الأصول" ، ص19 .

ومنه قوله تعالى : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) :

فهي أوامر في صيغة أخبار ، فليس المقصود ذات الخبر ، وإنما المقصود الأمر بمضمونه ، فيكون المعنى : ولتعتد اللاتي يئسن من المحيض من نسائكم ثلاثة أشهر إن ارتبتم ......................... الخ ، والله أعلم .

وكذا قوله تعالى : (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ، فالصيغة : صيغة خبر أريد به الأمر بــــ : ألا يمسه إلا كل متطهر ، على خلاف بين العلماء في الطهارة : هل هي من الحدث الأكبر أم الأصغر ، والله أعلم .


وهذا كقولك لابنك : الكتاب في مكانه ، فهو بمنزلة قولك : ضع الكتاب في مكانه ، بل إنه ابلغ في الأمر ، لأنه بمنزلة صيرورة المأمور أو المطلوب أمرا واقعا لا محالة ، والله أعلم .

ومنه ، أيضا ، قولك : زيد رحمه الله ، فهذا خبر أريد به الدعاء فالمعنى : اللهم اغفر لزيد .

**
فائدة :
في : "زيد رحمه الله" ، وجهان :
زيد رحمه الله ، برفع "زيد" على الابتداء ، ويكون خبره الجملة الإنشائية : "رحمه الله" ، كقول العذري :

وجد الفرزدق أتعس به ******* ودق خياشيمه الجندل
فجملة : "أتعس به" : جملة تعجب إنشائية أخبر بها عن المبتدأ "جد الفرزدق" ، أي : حظه ، والمخالف يمنع ذلك ويقول إن في الكلام حذفا ، والتقدير : وجد الفرزدق مقول فيه : أتعس به ، فــــ "مقول" هو الخبر ، والله أعلم .

والوجه الثاني : زيدا رحمه الله ، بنصب "زيدا" ، فيكون "زيد" منصوب بفعل محذوف من جنس الفعل الذي يليه ، لأن الفعل الذي يليه مشغول عنه بالضمير ، هاء الغائب في "رحمه" ، فيكون تقدير الكلام : رحم الله زيدا رحمه الله ، فكأن في الكلام تكرارا يفيد التوكيد ، خلاف ما لو قلت : زيدا رحم الله ، فعامل النصب هنا هو الفعل المتأخر لأنه لم يشغل عنه بشيء ، فيكون "زيدا" مفعول به مقدم ، والله أعلم .

بتصرف من "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل رحمه الله" ، للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله ، (1/132) .
**
وقد فرع الأصوليون على هذا القول مسألة : هل يجوز نسخ الخبر الذي أريد به الإنشاء ، أم ينظر إلى أصله ، فهو خبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ ، وإلا لزم من ذلك تكذيب الشارع ، عز وجل ؟ ، الراجح : أنه ينظر إلى معناه الإنشائي ، فيجوز نسخه كما يجوز نسخ الإنشاءات الصريحة من أوامر ونواه ، والله أعلم .

وعكسه الأمر المراد به الخبر ، ومنه :
قوله تعالى : (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) : فلفظ : (فليمدد) : أمر ، أو إن شئت الدقة فقل : دعاء تأدبا مع الله عز وجل ، أريد به الخبر ، فالمعنى : قل من كان في الضلالة فإن الرحمن سيمد له ، يقينا ، في ضلالته مدا ، ولعل مجيء المفعول المطلق : مدا ، مما يؤكد هذا المعنى ، والله أعلم .

يقول الزمخشري ، غفر الله له ، في "كشافه" :
أي مدّ له الرحمن ، يعني : أمهله وأملى له في العمر ، فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك ، وأنه مفعول لا محالة ، كالمأمور به الممتثل ، لتقطع معاذير الضالّ ، ويقال له يوم القيامة {أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} [ فاطر : 37 ] أو كقوله تعالى : {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} [ آل عمران : 178 ] أو {مَن كَانَ فِى الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً} في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدّة حياته . اهـــ
فخرجه الزمخشري على أنه : دعاء أريد به الخبر أو على أنه على أصله دعاء ، والله أعلم .

وقوله تعالى : (وقال الذين كفروا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) ، فقوله : (ولنحمل) بصورة الأمر ، والمراد بها الخبر : أي : ونحن نحمل خطاياكم ، وفائدة ذلك : تنزيل الشيء المخبر عنه منزلة المفروض الملزم به .

بتصرف من "مذكرة الأصول من علم الأصول" ، للشيخ محمد بن صالح العثيمين ، رحمه الله ، ص19 .

وإلى هاتين الآيتين أشار ابن هشام ، رحمه الله ، بقوله :
وكذا لو أخرجت ، أي لام الطلب ، عن الطلب إلى غيره ، كالتي يراد بها وبمصحوبها الخبر ، نحو : (من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) ، وقوله تعالى : (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) ، أي : فيمد ونحمل .
بتصرف يسير من مغني اللبيب ، (1/240) .
*****

والحاصل من كل ما ذكر أن شبهات القوم حول هذه الآية ، شبهات ضعيفة السند ، لا يجوز الاحتجاج بها على مسألة جليلة عندهم ، كمسألة الإمامة ، وإن سلم لهم بصحة سندها فإنها مؤولة بكونها منقبة لأبي الحسن ، رضي الله عنه ، يشترك معه غيره فيها ، فلا تدل بأي حال من الأحوال على وجوب عقد البيعة له من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل إن القوم يعجزون عن الاستدلال بنص الآية على مسألة الإمامة ، فيلجئون إلى سبب نزولها ، فهي غير صريحة في مسألة الإمامة ، والنص المحتمل لا يصح أن يستدل به في تقرير ركن من أركان الدين ، عند القوم .

وعذرا ، مرة أخرى ، على الإطالة ، وجزاكم الله خيرا .
والله أعلى وأعلم .