المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأسس المنهجية لتفسير " في ظلال القرآن".لسيد قطب



أحمد بزوي الضاوي
09-05-06, 08:14 PM
هناك جملة أسس منهجية يقوم عليها تفسير "في ظلال القرآن" والقصد منها أن تكون عملية التفسير عملية علمية منضبطة بقواعد منهجية صارمة لا تخرج عنها، والملاحظ أن المنهج ليس مفروضا على السورة بصورة تعسفية، بل إنه يستمد من السورة ذاتها، أو بمعنى آخر إن السورة هي التي تفرض منهج التعامل معها، وهذا يرجع إلى سببين :
أولاهما : أن سيد قطب رحمه الله يؤمن بأن لكل سورة من سور القرآن الكريم شخصيتها المتميزة التي تجعلها مغايرة لباقي السور، وإن كان هناك تشابه ظاهري بينها جميعا، وقد صرح بذلك في أكثر من موضع من تفسيره(1)، من ذلك ما جاء في تفسيره لسورة الأعراف: « إن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة، إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية، ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة وطرائقها المتميزة، ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع، وتحقيق هذه الغاية.
إن الشأن في سور القرآن من هذه الوجهة كالشأن في نماذج البشر، التي جعلها الله متميزة .. كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي الإنساني، ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع، نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح، وفيها الأغيار التي لا تجمعها إلا الخصائص الإنسانية العامة. وهكذا عدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحسها، وهكذا عدت أتعامل معها، بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته، وملامحه وسماته، وأنا أجد في سور القرآن تبعا لهذا وفرة بسبب تنوع النماذج، وأنسا بسبب التعامل الشخصي الوثيق، ومتاعا بسب اختلاف الملامح والطباع والاتجاهات والمطالع»(2) .
ولما كان لكل سورة شخصيتها المتميزة، فإنه يتعذر على المفسر أن يفرض عليها كلها منهجا واحدا، لأن ذلك يهدر هذه الخاصية ويتجاهلها.
وثانيهما : ان سيد قطب، قبل أن يكون مفسرا كان أديبا وناقدا، ومن ثم كان واعيا بأن عملية تحليل النصوص - لكي تكون مثمرة وإيجابية -لابد أن تنطلق من النص ذاته لا من خارجه، ولابد أن يكون مقصدها هو قول النص والترجمة عنه ومحاولة للكشف عن بنائه الفني، ثم في الأخير الربط بينهما ليحصل الإلمام التام بمعاني وتعابير وأساليب النص، وإدماج القارئ في أجوائه ليعيشها لأنه بذلك يكون أكثر وعيا بدقائق المعاني، وأكثر إحساسا بجماليات الأسلوب والتعبير، وهكذا تنطلق عملية التحليل من النص لتقوله معنى ومبنى، وتنتهي بإدماج القارئ في أجواء النص ليعيشه.
إذا أتينا إلى تفسير "في ظلال القرآن" نجد أن هذه الخلفية المنهجية كانت تسيطر على سيد قطب وهو يباشر عملية التفسير، بل إننا سنجدها أكثر إلحاحا عليه لأنه - كداعية إلى الله - كان يهدف إلى أن يقرب الناس من الخطاب القرآني كخطوة اولى، تتلوها الخطوة الثانية وهي الاندماج فيه، بحيث يحس تاليه أنه يعيش في الأجواء التي كان ينزل فيها القرآن، فيعي معانيه، ويتذوق جماله الفني، ويحس في النهاية انه المخاطب والمعني به، وأنه حجة له أو عليه. وليس هذا شيئا استخلصناه من دراستنا لتفسير سيد قطب - رحمه الله - بل هي حقيقة عبر عنها بكل وضوح، حين قال : « وهذه السورة -(1) شأنها شأن سورة الأنعام من قبلها - من بين هذه النصوص التي لا أكاد أجرؤ على مسها بتفسير أو إيضاح، ولكن ماذا أصنع ونحن في جيل لابد أن يقدم له القرآن مع الكثير من الإيضاح لطبيعته ولمنهجه، ولموضوعه كذلك، ووجهته، بعد أن ابتعد الناس عن الجو الذي تنزل فيه القرآن، وعن الاهتمامات والأهداف التي تنزل لها. وبعد ما انماعت وذبلت في حسهم وتصورهم مدلولاته، وأبعاها الحقيقية وبعد ما انحرفت في حسهم مصطلحاته عن معانيها، وهم يعيشون في جاهلية كالتي نزل القرآن ليواجهها، بينما هم لا يتحركون بهذا القرآن في مواجهة الجاهلية كما كان الذين تنزل عليهم القرآن أول مرة يتحركون، وبدون هذه الحركة لم يعد الناس يدركون من أسرار هذا القرآن شيئا، فهذا القرآن لا يدرك أسراره قاعد، ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به ويتحرك به في وجه الجاهلية لتحقيق مدلوله ووجهته، ومع هذا كله يصيبني رهبة ورعشة كلما تصديت للترجمة عن هذا القرآن. إن إيقاع هذا القرآن المباشر في حسي محال أن أترجمه في ألفاظي وتعبيراتي، ومن ثم أحس دائما بالفجوة الهائلة بين ما استشعره منه، وما أترجمه للناس، في هذه الظلال... إنني لأهيب بقراء هذه الظلال أن لا تكون هي هدفهم من الكتاب، إنما يقرؤونها ليدنوا من القرآن ذاته، ثم ليتناولوه عند ذلك في حقيقته ويطرحوا عنهم هذه الظلال»(1).
وبذلك تكون عملية التفسير متميزة عن عملية تحليل النصوص عند سيد قطب - رحمه الله- وإن كانتا تشتركان في بعض المراحل مثل قول النص ثم إدماج القارئ فيه، لأنها عملية هادفة، فهي لا تقف عند حد الفهم والتأثر، بل تتجاوزه إلى الحركة والانطلاق والعمل والبناء والتعمير، وتحقيق مفهوم الاستخلاف بمعناه الشامل، في حين نجد عملية تحليل النصوص تهدف - في الغالب - إلى تحقيق المتاع الفني، وقلما دفعت إلى الحركة والانطلاق والعمل.
ويمكننا إجمال الأسس المنهجية لتفسير " في ظلال القرآن" في الأسس التالية:
1. الانطلاق من القرآن والاعتماد عليه في استخلاص التصور الإسلامي وإخلاء الذهن من كل مقررات مسبقة.
2. نسقية السورة القرآنية.
3. الدراسة الإجمالية للسورة القرآنية.
4. الدراسة التفصيلية للسورة القرآنية.
5. الدراسة الموضوعية.
6. الثنائيات الضدية، او أسلوب المقابلة.

1- الانطلاق من القرآن والاعتماد عليه في استخلاص التصور الإسلامي وإخلاء الذهن من كل مقررات مسبقة.

هذا الأساس المنهجي التزمه سيد قطب - رحمه الله - في تفسيره، بل إنه قد نص عليه صراحة عند انتقاده للمنحى العقلاني في التفسير، الذي سارت عليه مدرسة المنار، وذلك بقوله : « إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية، لعل هنا مكان تقريرها، إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة، لا مقررات عامة، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص، بل ينبغي ان نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا، فمنها نتلقى مقرراتها الإيمانية، ومنها نكون قواعد منطقنا، وتصوراتنا جميعا، فإذا قررت لنا أمرا فهو المقرر كما قررته، ذلك أن ما نسميه "العقل" و- نريد أن نحاكم إليه مقررات القرآن عن الأحداث الكونية والتاريخية، والإنسانية، والغيبية- هو إفراز واقعنا البشري المحدود، وتجاربنا البشرية المحدودة، وهذا العقل وإن يكن في ذاته قوة مطلقة لا تتقيد بمفردات التجارب والوقائع بل تسمو عليها إلى المعنى المجرد، وراء ذواتها، إلا أنه في النهاية محدود بحدود وجودنا البشري، وهذا الوجود لا يمثل المطلق كما هو عند الله، والقرآن صادر عن هذا المطلق فهو الذي يحكمنا، ومقرراته هي التي نستقي منها مقرراتنا العقلية ذاتها، ومن ثم لا يصلح أن يقال : إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل، فلابد من تأويله كما يرد كثيرا في مقررات أصحاب هذه المدرسة، وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناها ان العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن. ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها، ونطقها تجاه مدلولاتها، وتجاه الحقائق الكونية الأخرة»(1). وسيد قطب إذ يفعل ذلك إنما يطبق قاعدة أساسية من قواعد نظرية التفسير عند أهل السنة التي تنص على أن يكون القرآن إماما يقتدي وأميرا يتبع، وعلى إعطاء النص القرآني مكان الصدارة، ومعنى ذلك أنه كان يحاول إبعاد تفسيره عن السقوط في مطب التفسير على المذهب .
وهناك مقصد آخر من الارتباط بالنص وهو محاولة الالتحام به كأساس للتأمل والتدبر، واستلهام الهداية، وسيد قطب إذ ينحو ذلك المنحى إنما يطبق أصلا من أصول نظرية أهل السنة في التفسير والذي نص عليه الإمام الزركشي ( 745/ 794هـ) في "البرهام": « أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر، واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة، وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كبر أو هوى، أو حب الدنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله، وهذه كلها حجب وموانع، وبعضها آكد من بعض..»(1).
ومن ثم فإن سيد قطب في تفسيره قد تجنب مواجهة القرآن الكريم بمقررات عقلية، أو أن يجعل سبيله إلى إدراك معانيه، واستلهام هدايته المصادر والمراجع المتنوعة المعارف، وهذا لا يعني أنه لم يعتمد أي مرجع سواء في التفسير أم السنة، و السيرة و التاريخ، و الفكر الإسلامي الحديث، و العلوم الطبيعية، بل إننا نجد في "الظلال" طائفة من المصادر والمراجع العلمية التي استعان بها في تفسيره، وسنقف على اقتباسات مطولة من بعض الكتب التي تأثر سيد قطب بفكر أصحابها، عندما سنتحدث عن مصادر ومراجع " في ظلال القرآن" في الفصول القادمة.
وهناك مقصد ثالث من اعتماد سيد قطب في تفسيره للقرآن الكريم على القرآن أساسا، وهو أن يجعل عملية التفسير تحقق أهداف القرآن، ألا وهي « إنشاء أمة، وإقامة دولة، وتنظيم مجتمع على أساس من عقيدة خاصة، وتصور معين، وبناء جديد، الأصل فيه إفراد الله - سبحانه- بالألوهية والربوبية، والقوامة والسلطان، وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك»(1).
وهذا كله لا يمكن تحقيقه إلا بالالتحام بالنص القرآني، والصدور عنه، والبعد عن كل ما يمكن أن يحجب هدايته وإرشاده.
ولعل أول من رفع شعار الالتحام بالخطاب القرآني، في العصر الحديث هو الأستاذ أبو الأعلى المودودي - الذي تأثر به سيد قطب كثيرا - والذي يقول في رسالة بعنوان "مبادئ أساسية لفهم القرآن" :
« يجب - كخطوة أولى- على كل من يريد فهم القرآن سواء آمن به أو لم يؤمن أن يخلي ذهنه ما أمكن من جميع ما استقر فيه من قبل من التصورات، والنظريات، ويطهره من سائر ما يكنه من الرغبات الموالية أو المناوئة، ثم يكب على دراسته بقلب مفتوح، وأذن واعية، وقصد نزيه لفهمه، أما الذين يدرسونه واضعين طائفة من التصورات في أذهانهم مقدما، فما يقرءون بين دفتيه إلا تصورات أنفسهم. ولا يجدون شيئا من رائحة القرآن، ولا يصلح هذا المنهج لدراسة أي كتاب من الكتب، فكيف بالقرآن، الذي لا يفتح كنوز معانيه أبدا للذين يدرسونه باتباع مثل هذا المنهج»(2) . ولعل سيد قطب متأثر في الأسس المنهجية التي وضعها لتفسيره بما كتبه أبو الأعلى المودودي، في هذه الرسالة، وسيتأكد لنا ذلك عند الحديث عن الأسس المنهجية الخاصة بالدراسة الإجمالية، والتفصيلية، والموضوعية.