المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يهود الدونمة كامل



أبو الوليد الخرمي
08-29-06, 11:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


يهود الدونمة

للدكتور / محمد عمر
أستاذ التاريخ الإسلامي

مقدمة

الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد فإن من أهم واجبات المسلم في هذا العصر أن يعرف عدوه ليحذره وليتمكن من إحباط مخططاته ومؤامراته وإن من أخطر الأعداء على الإسلام والمسلمين أولئك الذين يلبسون ثياب الإسلام ويعيشون بين المسلمين وقد يمارسون العبادات الإسلامية بل قد يتسلمون قيادات رفيعة سياسية أو دينية ! ـ بالمعنى الشائع اليوم مع أن الإسلام لا يقر هذا التقسيم وهم في الحقيقة حلقة من سلسلة الجيش الماكر الذي أعد على عين اليهودية العالمية وبالتعاون مع كل أعداء الإسلام الشرقيين والغربيين على حد سواء من أجل تهديم الكيان الإسلامي من الداخل عن طريق الخلط الفكري الذي يدخل في الإسلام ما ليس منه ، ويخرج من الإسلام بعض أركانه وأحكامه لتضيع صورة الإسلام المتميز الكامل وتختلط بغيرها من الصور فيفقد المسلمون عند ذلك الوضوح الفكري كما يفقدون التناسق والتكامل في تصوراتهم عن الحياة .. ومن هنا يكون التشتت والضياع .
إذا كنا في هذا اليوم في هذه الدراسة القيمة نلقي الأضواء على (( يهود الدونمة )) الذين كان لهم دور كبير في ضرب الإسلام في تركيا .. فإننا نعد الإخوة نشر كل ما نصل إليه من معلومات حول هذه الحركات الهدامة ومحاولاتها المتنوعة.
(( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ))
**************************
أولا : تعريف الدونمة :
الدونمة طائفة يهودية تتبع اليهودي (( ساباتاي زفي )) المسيح المزيف الذي ظهر في الدولة العثمانية في منتصف القرن السابع عشر ، وادعى أنه المسيح المنتظر الذي سيأخذ بيد اليهود ويؤسس لهم دولة في فلسطين ومنها يسودون العالم .
تتخذ هذه الطائفة أسماء إسلامية وتؤدي تعاليم الإسلام الظاهر منها أمام الناس ، وتخفي في باطنها اعتقاداتها اليهودية المتمثلة في إيمانها بالله ربا وساباتاي زفي مسيحا لا مخلص له إلا هو والتزام كل ما أمر به .
أفراد طائفة الدونمة يدخلون مساجد المسلمين ويؤدون طقوس طائفتهم في معابدهم الخاصة ، يحجون إلى بيت الله الحرام ويحتفلون بأعياد المسلمين ويصومون شهر رمضان في الظاهر ويحتفلون بأعياد اليهود ويصومون صيامهم أيضا .
يكرهون الإسلام ويدبرون المؤامرات للإطاحة بالحكم الإسلامي وينظمون الجمعيات السرية ضد المسلمين .
يظهرون المودة للمسلمين في الظاهر ويتظاهرون بالعمل لمصلحة المسلمين ، ويدخلون كافة التنظيمات المعادية للإسلام .
يمتلكون ويديرون أقوى أجهزة الإعلام ويعملون على توجيه الرأي العام على هواهم .
يتحالفون مع الماسونيين ومع الشيوعيين ومع الاشتراكيين ومع القوميين ومع اليهودية العالمية ، ويسخرون أجهزتهم الدعائية ـ وهي قوية ـ لخدمة أغراضهم المشتركة .
يوجهون اهتماماتهم إلى ناحيتين :
1ـ السيطرة على أجهزة الإعلام .
2ـ احتلال المناصب الهامة في الأجهزة الحكومية .
وهم وإن كانوا معروفين بقدر ضئيل جدا في تركيا ـ ذلك القدر الذي مكننا من كتابة هذا البحث ـ إلا أن دورهم في تركيا الحديثة كبير ، وما خفي منه أكثر بكثير جدا مما نعرف ، أما دورهم في البلاد الإسلامية الأخرى ـ غير تركيا ـ فمجهول من الباحثين تماما حتى الآن .



ثانيا : الظروف التاريخية لظهور الدونمة : ( الظرف الأول )
كانت الدولة العثمانية في القرن السابع عشر قد خطت خطوات في درب انحطاطها وكانت تسير بخطى مسرعة نحو الهاوية .
تولى السلطان محمد الرابع [ 1648 ـ 1687 ] أو محمد الصياد كما كان يطلق عليه لولعه الشديد بالصيد ، تولى السلطنة بعد ثورة أطاحت بحكم السلطان إبراهيم [ 1640 ـ 1648 ] في 7 أغسطس ( آب ) 1648 أغتيل فيها الصدر الأعظم أحمد باشا ، وكانت الدولة في حرب مع البنادقة وتمكن أسطول البنادقة رغم تعرضه لعدة هزائم من قبل الدولة العثمانية من تهديد جزر بحر إيجه التابعة للدولة العثمانية .
وكانت الدولة قد بدأت حربها في كريت وقد أدى إعدام السلطان المخلوع إبراهيم إلى رد فعل شعبي ضد إعدام سلطانهم ، إلا أن الجنود استطاعوا القضاء بعنف على هذا الاعتراض بعد أن استبيحت دماء كثيرة ، ولمحاولة إنقاذ الدولة من هذا الوضع المتردي تم تعيين ( كوبريلي محمد باشا ) للصدارة العظمى فأمر بالاستمرار في حرب البنادقة وقمع التمرد الذي حدث في الأردل والأناضول وحارب روسيا وبولونيا وهزمهما ، مرض كوبريلي ولكنه عين قبل موته بخمسين يوما ابنه الأكبر فاضل أحمد باشا كوبريلي نائبا عنه ، وكان فاضل في السادسة والعشرين من عمره وكان عالما مقتدرا ، حصل علوم عصره وأكمل مراحلها التعليمية وعمل بالتدريس وكان أصغر صدر أعظم في عصر الإمبراطورية العثمانية .
تولى الصدارة العظمى فأعلن الحرب على ألمانيا ، وتولى بنفسه قيادة الجيش ، وفي هذه الحرب فتح العثمانيون ثلاثين قلعة ألمانية ، كما فتحوا قلعة ( أوي وار ) بعد حرب استمرت 37يوما، وهذه القلعة في تشيكوسلوفاكيا حاليا ، وكانت في ذلك الوقت تسمى ( القلعة التي لا يمكن إسقاطها ) ، وفي عام 1664مايو ( أيار ) شن هذا الصدر الأعظم الحرب مرة أخرى على الألمان وانتهت بتوقيع معاهدة اعترف فيها الإمبراطور الألماني بالسيادة العثمانية ودفع تعويضات الحرب .
وفي 15مايو ( أيار ) عام 1666 ، عين كوبريلي زاده ( أحمد فاضل باشا ) نفسه قائدا للجيش وتوجه إلى فتح كريت ، واستعصت هذه الجزيرة طويلا على العثمانيين وقلعتها قندية التي كانت أوربا كلها تشترك في الدفاع عنها ، وأهدرت فيها الدماء الكثيرة ، لكن الله يسر فتحها في 27سبتمبر ( أيلول ) 1669.
وفي عام 1671قاد السلطان محمد الرابع الجيوش العثمانية في أول حرب كبيرة ضد روسيا وتمكن من فتح قلعة جهرين في أوكرانيا ودامت هذه الحملة ما يقرب من سبعة أشهر ، وحارب محمد الرابع روسيا الحرب الثانية عام 1680 وفي عام 1683 حارب الألمان .
وأعد الصدر الأعظم مرز يفونلي قرا مصطفى باشا الجيوش لمحاصرة فينا عاصمة الإمبراطورية الألمانية وكانت هي المرة الثانية ، فقد كانت الأولى في عهد السلطان سليمان القانوني ، ولم تستطع الجيوش العثمانية النجاح في فتح القلعة وكان فشل العثمانيين في الاستيلاء على فينا للمرة الثانية نقطة تحول خطيرة في حياة الإمبراطورية العثمانية التي بدأت في التقهقر وتبدلت انتصاراتها هزائم .
ثالثا : وضع اليهود في أوربا في القرن السابع عشر : ( الظرف الثاني )
ظهر الانقلاب البروتستانتي في أوربا وأدى إلى صراع مذهبي شديد وإلى ظهور تعصب قاتم في أوروبا ، ففي انجلترا قام كرومويل بطرد الملك وأقام نظاما دكتاتوريا ، أما في البلاد الأوروبية التي طبق فيها نظام محاكم التفتيش فلم يمح للناس فيها بالحريات الدينية كما تعرض اليهود فيها لأقسى أنواع المعاملة ، وفي هذه الظروف نال اليهود من الظلم الكثير فطردوا من أسبانيا ومن عدة بلاد أوربية ، فهاموا على وجوههم ولجأوا إلى بلاد مختلفة ، وكان أن لجأوا أيضا إلى الدولة العثمانية ، وكان تشتتهم هذا سببا في وجود أزمات واضطرابات كثيرة بين كل يهود العالم .
ما كان من مفكري حاخامات اليهود وهم يريدون مواساة اليهود في هذه المحن إلا أن انكبوا على الكتب التصوفية اليهودية والنصوص الدينية القديمة في ديانتهم يستلهمون منها حلا ، وكان اليهود في هذه الفترة أكثر استعدادا من أي وقت مضى إلى التعلق بما يقال لهم .
ومن أمثلة هذه الأزمة الروحية التي وقع فيها اليهود في تلك الفترة ما حدث للمفكر اليهودي الشاب اسبينوزا ، فقد كان هذا اليهودي الهولندي المشهور يريد أن يصبح حاخاما فانكب على اللغات القديمة تعلما ودراسة وأظهر ميلا ضخما لدراسة التصوف ، وحدث له الشك في الكتب المقدسة وكانت النتيجة أن طرد من الجماعة اليهودية ومن المعبد اليهودي ، مأساة هذا اليهودي نموذج واضح للأزمة العقائدية في الفترة التي عاش فيها ساباتاي زفي .
رابعا : فكرة المسيح المنتظر في منتصف القرن السابع عشر :
مسيح أو مسيحا كلمة عبرية تعني الرجل الذي طهره الله ، وتأخذ في التوراة معاني عامة تطلق على الملوك والأنبياء وكل الرجال الذين يقومون بعمل ديني ومقدس ، والمعنى الخاص لهذه الكلمة هو (( النبي أو المخلص الذي يرسله الله لإنقاذ بني إسرائيل )) .
لم يعترف اليهود بعيسى بن مريم عليه السلام على أنه المسيح ولذا ظلوا في انتظار المسيح ، وكان اليهود يقولون أن المسيح سيأتي ويعيد إليهم دولتهم واستقلالهم.
وكان الاعتقاد السائد بين اليهود أيضا أن المسيح المرتقب ليس نبيا فقط وإنما سيكون ملكا وسيؤسس دولة كبيرة وسيجعل العالم كله يدين باليهودية ..
ووضع اليهود الذي تحدثنا عنه في أواسط القرن السابع عشر من شأنه أن يولد في النفوس قرب ظهور هذا المسيح الذي يقولون به .
خامسا : ساباتاي زفي المسيح المزيف ، حياته واتجاهه :
ينحدر ساباتاي من أسرة يهودية اسبانية الأصل ، ولد في أزمير عام 1626م ( يوليو ) ، كان والده قد انتقل من الموره إلى أزمير وعرف بين الأتراك باسم قرامنتشه ، أما اسمه الحقيقي فهو (( موردخاي زفي )) ، كان هذا الرجل دلالا ثم سمسارا في متجر لرجل إنجليزي ، حبب موردخاي ولديه في التجارة فاستجابا له ، ولكنه لم يستطع إقناع ابنه الأصغر ساباتاي بهذا ، لأن ابنه كان شغوفا بأن يصبح رجل دين (( حاخاما )) ولذلك عهد به من سن صغيرة إلى حاخام يدعى ( إسحاق دالبا ) ليعلمه .
أثر هذا الحاخام في نفس ساباتاي كثيرا فقد علمه التوراة والتلمود ثم حبب إليه الكشف عن المعاني المجازية والتصوفية في الكتب الدينية ، انكب ساباتاي على هذه المسألة وهو ابن الثامنة عشرة من عمره ، ومما لاشك فيه أن فترة سبع سنوات من عمر ساباتاي بعد ذلك أدت إلى محاولاته أن يكون هو المسيح .
كان ساباتاي شابا جميل الصورة ذكيا عالما أنيقا حلو الحديث ولذلك كان يفسر كل ما يتصور من صفات المسيح لصالحه.
أعد ساباتاي نفسه لكي يصبح حاخاما واكتسب من صغره ملكة ومقدرة على تفسير الدلالات الرمزية والتصوفية الواردة في الكتب الدينية القديمة .
يقول المفسرون اليهود الذين يفسرون الكتابات المقدسة بشكل رمزي وصوفي أن لكل حرف من الأبجدية العبرية رقما خاصا وأن مجموع الأرقام يدل على أحداث لها معنى هام ، وقام بعض اليهود بحساب بعض الكلمات في بعض آيات التوراة وحسبوا بعض الجمل المتفرقة في بعض آيات التوراة واستخرجوا منها أن المسيح المنتظر سيظهر في عام 1648 الميلادي وهو الذي ينتظره اليهود المطحونون في هذا العالم وأنه سيقودهم إلى السيادة على العالم وإلى السعادة والرفاهية ويخلص اليهود من المحن الشديدة والضيق الكبير الذي يتعرضون له ، ومن اليهود من لم يصدق هذا وقال إن تفسير مجيء مسيح ( مثل هذا ) تفسير مجازي ومعناه أن اليهود سيعيشون حياة الرفاهية بعد ضيق وعناء ، ولكن قسما آخر آمن بأن المسيح سيتجلى في صورة إنسان ، في صورة نبي مخلص حاكم ، وكان المظنون عندهم عن هذا المسيح أنه سيحكم في فلسطين ويجعل من القدس مركزا للدولة اليهودية التي يتجمع فيها أشتات اليهود المتفرقين في أنحاء العالم ، وفي هذا الوقت كان ساباتاي في الثانية والعشرين من عمره .
أـ مراحل دعوة ساباتاي زفي :ــــ
درس ساباتاي ـ كما قلنا من قبل ـ هذه الدلالات والتفسيرات الرمزية واعتمد على نفسه فيها منذ الخامسة عشرة من عمره ، وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره بدأ يلقن هذا الفن للآخرين ، وتكونت لدى ساباتاي نتيجة لإدمانه هذه الكتب المتصوفة عادات غريبة وأصبح لتصرفاته طابع أكثر غرابة ، فعلى سبيل المثال كان يواصل الصوم ، وكان كثير الاستحمام ويكثر من التطهر وكأنه يستعد لإضفاء القدسية على نفسه .
يقول (( إبراهيم علاء الدين )) مؤلف كتاب ساباتاي زفي :
(( الاحتمال الأكبر أن يكون هذا الرجل شاذا فقد كانت تنتابه منذ صغره حالات صرع وكان معتل الصحة والمزاج )) .
وعلى عادة اليهود في تلك الفترة من تزويج أولادهم في سن مبكرة زوجوا ساباتاي ، لكنه كما تقول إحدى الروايات لم يمس زوجته تطهرا وإعدادا لنفسه للمرحلة التي يعلن فيها نفسه مسيحا ، حمل أهله على تطليق زوجته هذه فوجوه بأخرى فرفض هذا الحاخام الشاب أن يمس زوجته الثانية أيضا ليخدع من حله بقدسيته .
كان يستعد لإعلان نفسه مسيحا عندما يحين عام 1648 ذلك العام الذي تقول فيه إشارات الكتب المقدسة أن المسيح سيظهر فيه ، كان أيضا متفوقا على من ينافسه من الحاخامات إذ أنه كان واسع الاطلاع وكان منكبا على دراسة النصوص الدينية .
ب ـ تطور دعوته :
من أمثلة خداعه آي تحمل معنى عبارة (( جاء عام تخليصي لكم )) فهي في أصلها تقابل بحساب الجمل رقم 814 وحساب الجمل لعبارة (( ساباتاي زفي )) تحمل رقم 814 ، وأن من صفات الله في اللغة العبرية (( قدير )) تساوي أيضا 814 .
ومثال خر : إن معنى عبارة (( من أحبه يشبه غزالا أحبه )) تنطق (( دوم دود ليسفي )) وكلمة دود بمعنى الحبيب تعني مجازا الله ، وكلمة سفي الموجودة في نهاية الجملة تشبه ( زفي ) فيقول إن معناها (( إن الله يشبه ساباتاي سفي )) .
كان يبدوا أن ساباتاي يخفي شيئا عمن حوله ، لكنه كان يتحدث كثيرا عن ظهور المسيح قريبا ، وبهذا كان يمهد لنفسه ولادعائه .
وحسب توقعات اليهود فإن المسيح كان سيظهر عام 1648 وجاء هذا العام المرتقب ، وببدايته لم يظهر أحد ووجدها الفرصة التي ينتظرها ففاتح أقرب الأقربين إليه بأنه هو المسيح المنتظر ، ولم يجد عناء في إقناعهم فإنه كان قد مهد الجو لذلك منذ فترة لكن عندما شاع الخبر في أزمير تبدلت الأمور ، فعارضه حاخامات اليهود الكبار ولم يستطيعوا تحمل أن يكون المسيح هو ذلك الشاب ذا الإثنين والعشرين عاما والذي يعرفون عنه اختلال عقله .
اغتاظ الحاخام الأكبر في أزمير وكان يدعى (( جوزيف ايسكايا )) منه ، وأمر حاخامين من حاخاماته بإحضار ساباتاي وإرشاده فلم يفلحا ، واجتمع حاخامات أزمير وأحلو إعدام ساباتاي ، لكن فتواهم شيء ووجود سلطة الدولة العثمانية شيء آخر وبناء على هذا ترك ساباتاي أزمير وتوجه إلى عام 1650 إلى استانبول .
وفي استانبول قابل ساباتاي حاخاما دجالا يدعى (( أبراهام واسيني )) يعمل في تزييف الأوراق ويجني منها ثروة مادية زور أبراهام هذا وثيقة لساباتاي جعلها كرسالة قديمة تحمل عنوان (( تفسير مزامير سليمان )) وفيها خبر عن أن مسيحا سيولد اسمه ساباتاي زفي ، ووجد ساباتاي في هذه الوثيقة مستندا أضافه إلى ما استند عليه من تفسيراته الحسابية السابقة ، واستغل ساباتاي هذه الوثيقة أيما استغلال في الدعاية لنفسه على أنه المسيح المنتظر وبها ازداد نفوذه بين يهود استانبول الذين تجمعوا حوله .
في هذه الأثناء أرسل حاخامات أزمير رسالة إلى حاخامات استانبول لحثهم على الوقوف في وجه ساباتاي ، عندئذ خاف ساباتاي من حربهم له فرحل إلى سلانيك ، وكان أهلها في ذلك الوقت ولوعين بتفسير الآيات تفسيرات حسابية ، وكانت شهرة ساباتاي في هذا الميدان قد سبقته إلى سلانيك ، ولذلك سافر إليها حيث استقبله يهودها استقبالا ضخما ، وفي سلانيك كان أكثر حيطة في ادعائه المسيحية ، وانبهر به يهود سلانيك لذكائه الحاد وعلمه ويقال أنه نزل ضيفا في منزل أحد أثريائها ، وزوجه هذا الثري بابنته لكنه أيضا لم يمسها ، وعند خروجه من سلانيك طلقها إمعانا في ادعائه المحافظة على الصفاء الجدير بالمسيح ، وفي مأدبة أقيمت احتفاء به في سلانيك تحدث عن أنه المسيح وقال بأنه لن يتزوج وذلك لأنه تزوج التوراة وكفى بالتوراة عنده من زوجة ، وهكذا أراد أن يزيد الاقتناع بأنه المسيح وتحت ضغط الحاخامات الآخرين في سلانيك اضطر ساباتاي أن يرحل عن المدينة ويتوجه إلى أثينا ثم إلى أزمير ومنها إلى استانبول.
وأثناء إقامته هذه في استانبول كان ساكنا هادئا ثم عاد إلى أزمير عام 1659 ، ولم يعد له ذلك النشاط القديم انتظارا منه لفرصة أخرى تسنح له لكي يستغلها .
وظل ينتظر عام 1666 ذلك لأن لدى المسيحيين اعتقادا بظهور المسيح في ذلك العام وهي الفكرة التي أوصاه بها الحاخام المزور أبراهام واسيني .
وفي عام 1663 بدأ ساباتاي استعداده للدورة الجديدة من ادعائه بأنه المسيح إذ جمع عدة تابعين وقرر التوجه بسفينة إلى فلسطين لكي يعد العدة ويمهد الأرض لنجاحه مستقبلا هناك ، ورأى أن من الضروري أن يزور (( الأرض الموعودة )) مركز سلطة المسيح مستقبلا ، وفي الطريق غير رأيه واتجه إلى مصر ، وفي القاهرة استضافه وأضف عليه حمايته يهودي بالغ الثراء يدعى (( رافاييل جوزيف جلبي )) يعمل (( رئيس صيارفة )) ويعرفه المسلمون باسم يوسف جلبي لم يدخر ساباتاي وسعا في كسب حب رافاييل هذا ، لكن من باب الاحتياط ترك موضوع المسيح جانبا ، ثم قام ساباتاي بزيارة القدس ورأى فقر يهودها المدقع ، وكانت الحكومة العثمانية قد فرضت عليهم ضرائب أثناء حربها في جزيرة كريت ، والمعروف أن اليهود لم يكونوا يشتركون في الجيش العثماني وكانوا يدفعون نظير ذلك بدلا ، لكن يهود القدس لم يستطيعوا الدفع وتوسط ساباتاي لدى رافائيل جوزيف وأغنياء اليهود في مصر وأخذ منهم ما رفع به الإصر عن كاهل يهود القدس ولا شك أن هذه الحادثة دعمت مركزه الديني .
استغل ساباتاي وجوده عند هذا الصراف الغني وحدثه عن علامات ظهور المسيح وساق إليه الدلائل عنه وأوحى له إيحاء بأنه هو المسيح المنتظر وذلك ليمهد لنفسه الجو .
ح ـ المسيح المزيف يتزوج :
في هذه الظروف ظهرت فتاة بولندية اسمها سارة ، لها مغامرات جنسية معروفة ، وكانت تعيش مع أخ لها يدعى صامويل في أمستردام ، وفي هذا الوقت وصل إلى سمعها أن هناك شابا جميلا ادعى أنه المسيح ، فادعت سارة على أثر ذلك أنها رأت في حلمها أن المسيح قد ظهر وأنه تزوج بها ، وشاع بين اليهود أن سارة رأت نورا قد ظهر وقال لها إنك ستتزوجين المسيح وأن المسيح سيظهر عام 1666 وبالطبع كان لابد أن يصل هذا الخبر إلى ساباتاي ، وفورا ادعى أنه رأى رؤيا وأنه مأمور بالتزوج من فتاة بولندية وهذه الحادثة زادت من نفوذه بين اليهود وأكدت في أذهانهم دعوته ، وأرسل أحد أتباعه إلى سارة ليحضرها إلى القاهرة فحضرت وتزوجها .
د ـ ساباتاي ونبيه :
وفي طريقه إلى القدس وجد ساباتاي وهو مار بغزة عن طريق العريش شخصا يدعى (( أبراهام ناثان )) وهو فقير لكنه اغتنى عندما تزوج فتاة ثرية عوراء ، تم الاتفاق بين ساباتاي وناثان أن يكون ناثان نبيا لساباتاي ، وكان ناثان قد سمع بأخبار ساباتاي ولذا استغل لقاءهما وقص ناثان على ساباتاي رؤيا رآها وفيها أن ساباتاي هو المسيح الحقيقي وأنه نبيه ، إذ أن من أخبار المسيح أن يسبقه ظهور نبي يدعو له وتم الاتفاق على إعلان أن ناثان هو نبي ساباتاي ، ونشط ناثان في أمر هذه الدعوة وكان له الدور الأكبر في زيادة أتباع ساباتاي .
هـ ـ نجاح دعوة المسيح المزيف :
في سبتمبر 1666وصل ساباتاي إلى أزمير وأعلن دعوته وإذا به يلقى نجاحا كبيرا ويجد أتباعا له كثيرين وانهالت عليه وفود اليهود من رودوس وصوفيا والمورة وألمانيا وغيرها ، وقلده اليهود تاج ملك الملوك وأصبحت مقابلته لا تتم إلا بمراسيم معقدة وفي هذه الأثناء ظهر منه ولع غريب بالنساء .
قسم ساباتاي العالم إلى 38 جزءا وعين لكل جزء ملكا لأنه كان يتصور أنه سيحكم العالم كله ، أثناء ذلك كان يوقع على المراسيم التي يصدرها بلقب (( ساباتاي زفي الابن الوحيد والأول لله )) .
و ـ القبض على المسيح المزيف :
أبلغ قاضي أزمير الصدر الأعظم بهذه المسألة ، فصدرت الأوامر بالقبض عليه وإحضاره إلى استانبول بطريق البحر وفي التحقيق المبدئي ضرب ضربا مبرحا ثم سئل فأنكر الأمر بشكل قاطع فحبس في سجن (( زندان قابيس )) ونظرا لتوافد الزائرين بشكل أرهق الحراس في هذا السجن تم نقله إلى سجن قوم قلعة في منطقة جناق قلعة ( الدردنيل ) .
ز ـ ظهور المسيح الثاني المنافس لساباتاي :
عندما كان ساباتاي في السجن كان اليهود يتوافدون لزيارته ، كانت السلطات العثمانية تسمح بذلك على أنه جزء من حرية غير المسلمين التي يجب على الدولة الإسلامية كفالتها .
فزاره ضمن الزائرين رجل بولندي يدعى (( نحيمة كوهين )) وهو حاخام على درجة عالية من الذكاء ، استغل كثيرا بدراسات التفسير الأبجدي ، قال كوهين عن نفسه أنه هو المسيح المنتظر وأنه لا مانع من ظهور مسيحين اثنين فالكتب المقدس تقول بهما ودامت مناقشات طويلة بين هذين المسيحين استمرت ثلاثة أيام وانتهت بنزاع حاد بينهما .
توافد اليهود بشكل ضخم على جناق قلعة فحدث نقص رهيب في المأكولات وبالتالي غلاء الأسعار بشكل يصعب معه الحياة لأهالي تلك المنطقة فتكونت هيئة من علماء المنطقة وتوجهت إلى القصر السلطاني وقدمت شكوى في هذا الأمر .
ومن جانب آخر ذهب منافسه كوهين إلى القصر شاكيا للمسؤولين أن ساباتاي لديه النية في التمرد وإقامة دولة على حساب الدولة العثمانية .
وعلى هذا تم استدعاء ساباتاي إلى القصر السلطاني بأدرنة وهناك شكلت لجنة من (( مصطفى باشا )) نائب الصدر الأعظم وشيخ الإسلام (( منقاري زاده يحي أفندي )) وإمام السلطان الواعظ (( واني أفندي )) واجتمعوا في غرفة ملحقة بأخرى يجلس فيها السلطان ويستمع إليهم دون أن يروه ، جيء بساباتاي وبمترجم في اللغة الإسبانية من اليهود الذين أسلموا ، ودارت هذه المناقشة في هذه الغرفة بين الهيئة وبين ساباتاي بدأت بسؤال الهيئة لساباتاي :
* إنك تدعي أنك المسيح ، نريد أن تظهر لنا معجزة ، ولذلك سنخلع عنك ملابسك ونجعلك هدفا ، وعندنا أمهر الرماة سيوجهون إليك سهامهم فإذا لم تؤثر السهام في جسدك فسيعترف حتى السلطان نفسه بأنك المسيح .
* ارتجف ساباتاي وقال : إنه لم يدع هذا أبدا وإنما هي أقوال أشاعها الناس عنه وأنه منها براء .
ثم نقلت الهيئة المحققة عن السلطان اقتراحا بأن يدخل ساباتاي في الإسلام وعندما وجد أنه مخير بين الموت والإسلام ففضل الإسلام وضحى (( بإمبراطورية العالم )) التي دعا إليها .
وتحول من مسيح مزيف إلى مسلم مزيف أيضا وتسمى باسم (( محمد أفندي )) وخصص له السلطان ريع وظيفة رئيس البوابين في القصر السلطاني .
هزت هذه الحادثة المؤمنين بساباتاي ولم يعد اليهود يخرجون من منازلهم خجلا ، وسر الحاخامات بذلك لأن هذا يشكل بالنسبة إليهم وحدة صف اليهود .
عند ذلك أرسل نشرة إلى كل أتباعه يقول فيها : (( جعلني الله مسلما ، أنا أخوكم محمد البواب ، هكذا أمرني وأطعت )). والمعروف أن الكتب اليهودية تقول بأن المسيح سيبتلعه المسلمون وبهذا أنقذ نفسه وتطوع أخو ساباتاي بالتوضيح الآتي : (( كيان ساباتاي القديم صعد إلى السماء ، وبأمر من الله ترك ملكا يستمر في كونه المسيح ولكن تحت جبة وعمامة )) .
طلب ساباتاي من كل أتباعه أن يرتدوا مثل ملابسه وطلب من دار الإفتاء السماح له بدعوة اليهود إلى الإسلام فأذن له ، وانطلق يدعو اليهود للإيمان بأنه المسيح وضرورة تجمع المؤمنين به معلنين في ظاهرهم الإسلام مضمرين في باطنهم (( الساباتائية )) وارتدى أتباعه ما أمرهم به .
وبالتالي أطلق الأتراك على أتباع هذا المذهب الدونمة وهي كلمة تستعمل كصفة مشتقة من المصدر التركي (( دونمك )) بمعنى العودة والرجوع وكان ضمن مسميات تابع هذا المذهب (( عودتي )) .
ح ـ المسيح المزيف يسمح له باسترداد حريته :ـ ـ ـ ـ
سمحت الدولة العثمانية لساباتاي بعد ذلك بحرية الحركة اعتقادا منه أنه أسلم ، ووجد ساباتاي من هذا فرصة سانحة للعمل بحرية أكثر لنشر مذهبه ، فأعد قائمة بأوامر فرضها ، ما يهمنا في بحثنا هذا المواد التي تحمل أرقام 2 ـ 3 ـ 4 ـ 5 ـ 6ـ 7ـ12ـ14ـ16ـ17.
وهذه نصوص تلك المواد :
(( هذه هي الأوامر الثمانية عشر التي أمر بها سيدنا وملكنا ومسيحنا ساباتاي زيفي فليزدد شرفه ))
2ـ الإيمان بأن مسيح الله وهو المسيح الحق ولا مخلص غيره هو سيدنا وملكنا ساباتي زفي وأنه من نسل داود فليزدد شرفه .
3ـ ألا نقسم بالله أو بمسيحه كذبا ، لأن اسم الله مندمج فيه أيضا ويجب أن لا نعمل على تحقيره .
4ـ كما يعظم اسم الله عند ذكره لا بد من تعظيم المسيح عند ذكره لا بد من تعظيم المسيح عند ذكره أيضا ، كما يجب أن يعظم اسم كل شخص ممتاز بين أقرانه بعلمه .
5ـ يجب تناقل وشرح ودراسة سر المسيح من مجتمع إلى مجتمع .
7ـ أن يجتمع كل الأتباع في بيت من البيوت في اليوم السادس عشر من شهر كيسلف ( الشهر التاسع من السنة اليهودية ) ويتداولوا فيما بينهم ما سمعوه عن المسيح وعن سر الإيمان المسيح .
12ـ الاحتفال بسرور بالغ بالعيد الواقع في السادس عشر من شهر كيسلف ( الشهر التاسع من شهور السنة اليهودية وهو 16 ربيع الأول الذي أسلم [ كذبا ] فيه ساباتاي في سراي أدرنة ) .
14ـ قراءة مزامير داود سرا كل يوم .
16ـ يجب مراعاة عادات الأتراك ذرا للرماد في عيونهم ويجب عدم إظهار الضيق بصوم رمضان أو عند تقديم الأضحية ويجب المحافظة على جميع المظاهر .
17ـ يمنع الزواج من المسلمين .
ط ـ موت المسيح المزيف :
بناء على شكوى قدمت ضد ساباتاي بأنه يقيم طقوسه الدينية هو ومريدوه تم نفيه إلى كورة بألبانيا تسمى ( برات ) عاش هناك خمسة أعوام مع أتباعه ، ولما ماتت زوجته سارة تزوج بأخرى سلانيكية اسمها يوهاواد وأسماها عائشة .
مات المسيح المزيف والمسلم المزيف أيضا في 30سبتمبر 1675 وكان في التاسعة والأربعين من عمره ودفن على ضفة أحد الأنهار وما زال أتباعه إلى اليوم يقفون عند ضفاف الأنهار ويدعون قائلين (( ساباتاي زفي إننا ننتظرك )) .
عندما مرض ساباتاي مرض الموت زاره أخو زوجته يوهاواد ( عائشة ) عبد الله يعقوب جلبي واسمه الأصلي جوزيف كريدو وكان في سلانيك ، توجه إلى ساباتاي وطلب منه أن يكون خليفته فوافق ، وعند عودته بأخته إل سلانيك تجمع حولهما مائتا عائلة .
عاش هؤلاء الدونمة بعد ذلك مختلفين عن الشعب المسلم في طريقة الحياة والملبس ، وكانوا يصلون الأعياد فقط ولا يصومون ولا يهتمون بالاغتسال .
* الانشقاقات في صفوف الدونمة :
أراد يعقوب جلبي تنظيم أمور الساباتائيين ( الدونمة ) بأن يقوموا بمراسيمهم الدينية ، ولزيادة الحيطة أراد اتباع العادات الإسلامية الواضحة للعيان ، لكن قسما من الدونمة احتج على هذا مدعيا أنه لا لزوم له ، وهذا القسم تجمع تحت قيادة شخص يدعى ( مصطفى جلبي ) وهكذا انقسم الدونمة بعد 14 سنة من موت ساباتاي إلى قسمين :
1ـ اليعاقبة وهم أتباع يعقوب جلبي .
2ـ القراقشية وهم أتباع مصطفى جلبي .
وفي عام 1740 انقسم القراقشيون إلى قسمين والقسم الثاني منهم وهو في نفس الوقت يكون الثالث بالنسبة لمجموع الأقسام داخل حركة الدونمة أطلق عليه اسم ( القابانجية ) .
أي أن أقسام الدونمة أصبحت كالآتي :
أ) اليعاقبة . ب) القراقاشية . ج) القابانجية .
أـ اليعاقبة :
لهم اسم آخر هو مجموعة حمدي بك وهو رجل منهم عمل رئيسا للبلدية ، هؤلاء الناس أكثر رعاية لأمر ساباتاي الذي يقول بوجوب اتباع عادات المسلمين الظاهرة للعين ، وهي مجموعة مغلقة جدا على نفسها ومحافظة .
من هذه المجموعة ظهر عدة رجال شغلوا في الدولة وظائف هامة : منها أمين الترسانة وأمين الصرة كتخدا القصر السلطاني وكتخدا المدينة .
من طرائف هذه الجماعة أنها كانت تلتزم بعادات غريبة منها أنهم لم يكونوا يلبسون أحذية بكعوب ويحلق الرجل منهم رأسهم بالموسى .
ب ـ القراقشيون :
( قراقاش : كلمة تعني الحاجب الأسود ) ويعرفون بأسماء أخرى مثل ( المؤمنين ) و ( وأصحاب الطرق العشر )
و ( جماعة عثمان بابا ) ويفرقهم عن الدونمة الآخرين أنهم لم يروا لزوم اتباع عادات المسلمين ، وادعى مصطفى جلبي زعيم هذه الجماعة بأن روح ساباتاي زفي قد حلت بجسد طفل ولد بعد موت ساباتاي بتسعة أشهر كاملة وهذا الطفل يسمى عثمان وهو ابن رجل من الدونمة يدعى عبد الرحمن أفندي ، وعندما وصل عثمان إلى سن التاسعة والعشرين أعلن مصطفى جلبي أن عثمان هذا ممثل ووكيل لساباتاي ، وظل عثمان هذا لعبة في يد مصطفى جلبي .
وعندما وصل عثمان إلى سن الأربعين تم إعلانه مسيحا وأوصلوه إلى مرتبة الألوهية .
واعترض شخص يدعى إبراهيم آغا على هذا وانشق أعلن تكوين جماعة تسمى باسمه .
ج ـ مجموعة إبراهيم آغا أو القابانجيون :
مات عثمان عام 1720 وكثر الجدل حول قضيته ! هل هو المسيح أم لا ؟ وطلب إبراهيم آغا فتح مقبرة عثمان فإذا لم يكن جسده متحللا فهو المسيح وإلا فلا ، واعترض القراقشيون وانفصل عنهم إبراهيم آغا ومعه زمرة لم يعترفوا فيها بعثمان مسيحا وهؤلاء احتفظوا بعادات الدونمة كما أم بها ساباتاي .
إن هذه المجموعات الثلاثة تتزاوج من بعضها البعض ، وللدونمة عادات خاصة تظل خافية على غير المتزوجين منهم ، وهي ما تزال أمورا مغلقة على غير الدونمة أيضا ولا يعلمها الكثير .
** من أنظمة اليهود الداخلية :
لكي يطمئن الدونمة إلى تطبيق عاداتهم تطبيقا سليما يكلف رجل يطلقون عليه لقب ( مباشر ) لمراقبة تطبيق عادات الدونمة بين رجالها ، أما بين النساء فتقوم بهذه العملية ( مرشدة ) وللمباشر والمرشدة الحق في تطبيق العقوبات على الدونمة ، ويتراوح هذا العقاب بين الإنذار أو التكدير وإبعاده عن الجماعة أو عن أسرته وتحريم الحديث معه .
ولم يكونوا يسمحون لأولادهم بتحصيل اللغات الأجنبية أو الدراسات القانونية أو الصيدلة أو البيطرة أو الطب .
واستمر ذلك التحريم حتى عام 1884 حيث سمح بذلك .
** عيد الخروف عند الدونمة :
للدونمة ما يقرب من عشرين عيدا ، أحد هذه الأعياد في 22 مارس ( آذار ) من كل عام ، أي أو يوم من أيام الربيع
( ويحتفل به في المساء ، يذبح فيه خروف ويؤكل الخروف المذبوح لهذا العيد في مراسم خاصة ، ويشترط الاحتفال لهذا العيد أن يكون عدد المجتمعين أربعة على الأقل ، رجلان وزوجتاهما ويمكن زيادة هذا العدد بشرط أن يتعادل فيه عدد الرجال والنساء وأن تكون النساء في أبهى حلتهن ومتحليات بأثمن ما عندهن من المجوهرات ويقمن بالخدمة على المائدة ، وبعد تناول الطعام يقوم الجميع بأخذ حظهم من السرور وفي ساعة معينة تطفأ فيها الأنوار ويبقى الجميع في الظلام .... والأولاد الذين يولدون بمناسبة هذا العيد يكتسبون نوعا من القدسية بين أفراد الدونمة ) ، هكذا يقول قرقاش زاده رشدي في جريدة ( وقت ) عام 1924.
وعندما سأل شاب من الدونمة عن مسألة اللام الدامس واشتراط عدد متساو من الرجال والنساء المتزوجين قيل له : تزوج أولا ثم تعرف بعد ذلك .
ويقول آورام فالانتي في دراسة له باللغة الفرنسية نشرها عام 1935أن مسألة إطفاء الشموع هذه أخذها الدونمة عن القزلباش في عادة قديمة لهم ، وقد نشرت جريدة ( أقشام ) التركية في 4 مايو ( أيار ) 1935 أن السلطات قبضت في مدينة مرعش على بعض الأشخاص وهم يطبقون طقوسهم الدينية وهم في حالة جرم مشهود أثناء إطفاء الشموع ووجد في الحجرة المطفأ فيها الشموع دجاجة مقطوعة الرأس وآلات موسيقية .
** محاولة الدونمة للعودة إلى اليهودية :
عندما احتل اليونانيون سلانيك في الحرب العالمية الأولى أراد بعض الدونمة المقيمين بها وهم غير الدونمة المقيمين بتركيا أن يعودا إلى اليهودية ، ولكن حاخام سلانيك رفض ذلك والسبب في هذا حفلة إطفاء الشموع والأضواء واحتمال أن نسلهم في هذه الليلة غير مشروع .
وكذلك حدثت محاولة أخرى للروع إلى اليهودية عام 1918 ولكنها باءت بالفشل .
** شكوى الصحافة الإسلامية من الدونمة :
في 29 أغسطس ( آب ) 1912كتبت مجلة سبيل الرشاد الإسلامية في عددها رقم 208 بأن الدونمة فئة أسلمت ولكنها لا تتزاوج مع المسلمين وأن لها لغتها الإسبانية للحديث بينهم واللغة التركية يحادثون بها الأتراك وأنهم لا يختلطون مع أحد وأنهم مغلقون على أنفسهم ، وهذا مما ينفر الناس منهم .
بهذا صرحت المجلة أن هذه المجموعة من الناس وإن عرف عنها أنها أسلمت إلا أنها طائفة خاصة .
** أثر الدونمة في المجتمع التركي المسلم :
بدأ الدونميين بإفساد المجتمع العثماني في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والأخلاقية .
من بين الأمور التي اهتم بها الدونمة مسألة إلغاء الحجاب ، وذلك عن طريق الدعوة للسفور في صحفهم ومجلاتهم ووسائل دعاياتهم حتى قالت عنهم مجلة سبيل الرشاد في العدد 390 بتاريخ 18 فبراير ( شباط ) 1919 (( إنهم ظاهرا مسلمون لأن في ذلك مصلحتهم من كل النواحي ويسمون أولادهم بأسماء إسلامية ، لكن لا علاقة لهم قدر ذرة بالإسلام ، بل على العكس فإنهم يفعلون كل ما في وسعهم وبطريقة مدهشة خفية على هدم العادات الإسلامية ، ففي تكوينهم حقد على الإسلام متمكن من نفوسهم ، وأنهم يتحينون الفرصة للانتقام من الإسلام وإفساد الحياة الاجتماعية الإسلامية .
** الدونمة والجامعة :
أثناء الهدنة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى دعا الدونمة عن طريق صحفهم ومجلاتهم بحرارة للاختلاط بين الطلبة والطالبات في الجامعة ، وكانوا بذلك يهدفون إلى منع ظهور شباب جيد يخدم الإسلام من الجنسين من الذين يريدون أن يحصلوا تحصيلا عاليا .
انجرف لحملة الدونمة التي تدعو للاختلاط بين طلبة وطالبات الجامعة بعض المثقفين الأتراك الذين تأثروا بالفكر الغربي وهؤلاء لم يكونوا في ذلك الوقت على وعي بما يجري حولهم ويدبر ضد دولتهم من مؤامرات واسعة النطاق ، هؤلاء الأتراك السذج أعلوا القومية فوق الدين والتفوا حول مفكر القومية التركية وفيلسوفها ضيا كوك آلب في المجلة الجديدة وضيا كردي ، وهو تلميذ لدور كايم المفكر اليهودي ، كما تجمع بعض الأتراك السذج حول عبد الله جودت صاحب جريدة اجتهاد وهو رجل معروف بإلحاده .
استغل الدونمة بتأثيرهم الإعلامي هؤلاء الشباب في إذكاء مسألة الاختلاط والدعاية لها ، وكانوا هم القدوة لبقية المسلمين الأتراك ( انظر مجلة سبيل الرشاد الإسلامية في هجومه على الدونمة ووسائلهم من بين الأتراك المسلمين القوميين والأتراك الملحدين في عددها رقم 406الصادر في 30/ 4 / 1919 )
في بداية اشتراك الدولة العثمانية في الحرب العامية الأولى وفي ليلة سوداء في تاريخ البلاد العثمانية أغرق فيها الأعداء عدة سفن حربية عثمانية ، في الليلة نفسها وفي مسرح مدينة زونقلداق التركية أقيم احتفال كبير اشتركت فيه مجموعة من النساء الدونمة السلانيكيات ، في هذا الاحتفال الكبير قامت نسوة سلانيك بخلع ملاءاتهن وتمزيقها إعلانا ببداية الحرب على الحجاب وسرعان ما تولت أجهزة الدعاية التي يملكها الدونمة إصدار الكتب والرسائل لمهاجمة الحجاب ، وتجمع الكثير من الكتاب الملحدين والقوميين حول المجلة الجديدة أو (( ينى مجموعة )) وأفاضوا في الكتابة عن مساوئ الحجاب وأنه ليس من الإسلام وإنما انتقل من الروم إلى المسلمين والكثير من هذا الخلط ، لم يكتفوا بمهاجمة الحجاب وإنما وجدوها فرصة كذلك للهجوم على شعائر الإسلام ، وحملت مجلة (( اجتهاد )) حملة شعواء على الدين الإسلامي ومحاولة النيل منه ووصفه بأنه دين متخلف عن وكب العصر ، وأخذ الدونمة يروجون للموضة بين النساء ويكثرون من إقامة المحاضرات العامة وعن طريقها يتيحون الفرصة للاختلاط بين الشباب والشابات ، وكان للدونمة اتصال وثيق بالجهات العليا في حكومة الاتحاد والترقي التي حلت محل السلطان عبد الحميد الثاني بعد خلعه ، وعن طريق هذه الصلة كانوا يستصدرون القرارات بإغلاق كل صحيفة معارضة لهم وكل صحيفة يصد فيها مقال ضدهم وسار (( سداد سيماوي )) على الخط نفسه بمهاجمة الحجاب في جريدة (( حريت )) وكثير من الصحف والمجلات التي أسسها ، ومنها مجلة (( إينجي )) وهي مجلة نسائية ، واشتركت مجلة (( بيوك مجموعة )) أي المجلة الكبيرة في هذه الحملات التي أدارها الدونمة وهذه المجلة الأخيرة أصدرها (( زكريا سرتل )) وتولت زوجته (( صابحة سرتل )) وهي من الدونمة إصدار هذه المجلة بعد أن سجن زوجها ، وزكريا سرتل وزوجته أسسا معا عام 1945 جريدة (( طنين )) وهي جريدة شيوعية ، وفي عام 1952 هربا من تركيا وقد ماتت صابحة في باكو عام 1968 .
وتقول المصادر الإسلامية أن زكريا هذا يصدر جريدة (( الفلسفة الجديدة )) وكان شابا مثقفا ثقافة عالية ومشهورا ، ولذلك دبر له الدونمة التزوج بهذه الفتاة لكي يكون لعبة في أيديهم ، وقد خدم أغراضهم والأخ الكبير لصابحة كان محاميا يدعى ( جلال درويش ) وهو من الدونمة بالطبع وكان ماسونيا ينتمي إلى محفل ( نجاة ) وكان المتحدث باسم هذا المحفل ، وهذا المحفل الماسوني هو الذي أسس جمعية حماية الأطفال .
** الدونمة والأحداث السياسية :
قدم كاتبان فرنسيان في كتاب لهما بعنوان (( جغرافية التاريخ )) معلومات عن الدونمة نشرتها ( محراب ) التركية في عددها الخامس عام 1924 ما نصه (( الدونمة القابانجية )) هم أكثر مجموعات أهل سلانيك ذكاء ، فقد اندسوا في خلايا حزب الاتحاد والترقي بشكل كبير وملحوظ ونستطيع القول بأنهم قد أداروا الجزء الأعظم من انقلاب تركيا الفتاة ( الذي أسقط السلطان عبد الحميد الثاني ) وهذا الانقلاب ـ باعتبار الأساس ـ قام به يهود الدونمة وهم مسلمون شكلا وفي الحقيقة معادون للإسلام وكل صلتهم بالإسلام انحصرت في الأفعال الظاهرة فقط .
وفي مذكرات غالب باشا وهو من الاتحاديين وبرتبة أميرالاي ، وكان المفتش العام للشرطة وحرس الحدود أنه في حادثة 31 مارس التي قامت ضد الاتحاديين في عهد السلطان عبد الحميد الثاني نجد أن هذا الضابط الكبير كان خائفا من الخروج من منزله وفي اليوم الرابع من هذا الحادث الشهير خرج ولم يتوجه إلا إلى مركز محلات إيبكجي السلانيكي والمعروف أنه من الدونمة أصحاب النفوذ ، كما نجد أن محمد رؤوف لسقو ويكلي ـ وهو من ضباط الاتحاد والترقي ـ ينفى بتهمة نشاطه ضد الدولة إلى سلانيك عام 1895 وهناك احتضنته الدونمة ونشر محمد رؤوف هذا كتابا في 112 صفحة بعنوان (( ماذا كانت جمعية الاتحاد والترقي )) دافع فيه عن الدونمة دفاعا حارا وحياها ، يقول : ( لقد أظهر الدونمة أثناء جهادي وكفاحي ونفيي إلى سلانيك من ضروب التضحيات والفداء ما عظم في نظري ..... إنهم محبون للحرية .. الخ ) .


** نموذج من تأثير الدونمة في الأدب :
حديثنا هنا عن خالدة أديب : أبرز وجوه الأدب التركي المعاصر الداعية الناشطة للطورانية والقومية المتعصبة ، تخرجت من الأمريكان كولج في إستانبول عام 1901 وتزوجت مرتين ، الأول من مدرسها في الرياضيات صالح زكي والثانية من عبد الحق عدنان بك ، وزارت من البلاد الإسلامية كلا من مصر والهند وسوريا ، وعملت أستاذة للآداب الغربية في جامعة إستانبول عام 1918 / 1919 .
تعاونت مع الاتحاد والترقي واحتلت مكانا بارزا في عهدهم ، وكتبت روايتها الشهير (( طوران الجديدة )) لتعبر عن الأيديولوجية الطورانية ، ثم انضمت للكماليين وصارت من أبز شخصياتهم ، وكتبت روايتها (( اضربوا الغانية )) كانت على صلة شخصية بجمال باشا *[ كان جمال باشا وزير البحرية في حكومة الاتحاد والترقي وعضوا في محفل فريتاس أعم محافل الجمعية الماسونية ، وكان محفل فريتاس يرأسه قره صو ( إيمانويل ) وهو يهودي من سلانيك ، ويعد من أخطر أعداء المسلمين ، وبعد أن نجح الاتحاديون في خلع السلطان عبد الحميد تم تعيين قره صو مبعوثا عن مدينة سلانيك في برلمان الاتحاديين ] جمال باشا أحد قادة الاتحاد والترقي المشهورين وحاكم سوريا المعروف ، وكانت على صلة شخصية بمصطف كمال باشا قائد الحركة الكمالية ، ثم اختلفت معه وهربت من تركيا ، يقولون عنها إنها (( جان دارك الأتراك )) وقال عنها كاتب انجليزي (( لكي يستطيع الإنسان أن يقابل في أوروبا فنانة مثقفة مفكرة مثل خالدة أديب فعليه أن يبحث جيدا ويبحث كثيرا )) وقال عنها كاتب تركي معاصر ( إن خالدة أديب تكتب بمفهوم القومية الإنسانية ) وتقول خالدة أديب في روايتها ( طوران ) { أيتها المنطقة البديعة يا طورا الجديدة حدثينا عن الطريق إليك } وخالدة أديب تلميذة فيلسوف القومية التركية ضيا كوك آلب ، وضيا هذا تلميذ المفكر اليهودي دور كايم كما مر .
تقول خالدة أديب : (( إن الذهنية الشرقية تسببت في إظفاء نوع من القدرة الإلهية على الحاكم وأفسحت الطريق لفقر الأكثرية أمام عمة وغناء أشخاص قليلين ، وأكبر وصف للغرب أنه يعتنق فكرة القانون ، والقانون في الشرق يأتي من الله ، والقانون في الغرب يأتي من وضع الإنسان ، والنضال والحركة يشكلان لب الحياة في الذهنية الغربية )) .
كل ما ذكرنا مذكور في بعض المصادر التي تحدثت عن خالدة أديب فهو حديث تلميذتها المفكرة المسلمة ( منور عياشلي ) ، والسيدة منور من أسرة مسلمة عريقة ، كانت في سوريا أثناء الحرب حيث كانت خالدة أديب مديرة للمدرسة التركية في بيروت ، تقول السيدة منور : ( كان جمال باشا يعيش عيشة الملوك في سوريا أثناء الحرب العالمية الأولى .... سريعا ما برزت في قصر جمال باشا سيدة مختلفة كل الاختلاف عن السيدات الأخريات اللاتي نسمع عنهن سواء من ناحية المزايا أو من ناحية المساوئ ، وكانت معاملة جمال باشا لها تختلف عن معاملته للجميع ، فقد كان يحترمها أكثر مما يحترم الجميع ويعلي من قدرها فوق قدر الجميع ويعطيها أهمية أكثر مما يعطي الجميع ويستمع إليها باهتمام بالغ .
لم تكن هذه السيدة تحترم جمال باشا كما كانت السيدات الأخريات يفعلن لأنها كانت تجلس أمامه واضعة ساقا على ساق وتطلب من جمال باشا أن يشعل لها سيجارتها وكانت تدير مع الباشا مناقشات سياسية وفكرية ....... كانت هذه السيدة خالدة أديب ...... وسرعان ما تناقل المحيطون بها أن الدونمة اليهود ووالدها أديب أفندي دونمة يهودي كان موظفا صغير في القصر السلطاني يعني أنه عاش في قصر يلدز [ هذا القصر هو الذي اتخذه السلطان عبد الحميد الثاني مقرا لإدارة الدولة ] موظفا صغيرا لكنه مكث فيه مدة طويلة .
وابنته كانت معادية للقصر ، كانت قومية وطورانية متعصبة ... كم كانت خالدة أديب تشبه فتيات بني إسرائيل الجميلات وكان فيها جمال التوراة أي جمال العهد القديم .
جاءت خالدة أديب إلى سوريا مكلفة من حكومة الاتحاد والترقي لكي تنشر الثقافة التركية في سوريا وتعلم أبناء العرب اللغة التركية وتدعو إلى حب القومية التركية وبالتالي كان هدفها تتريك سوريا .
خصصت لها الحكومة مبنى مدرسة فرنسية تركها أصحابها أثناء الحرب ، كانت هذه المدرسة بجوار بيروت وكانت كالقصر .
افتتحت المدرسة ولم يكن بها طلبة بعد ، وكنت أدرس في ذلك الوقت في مدرسة ألمانية وكنت أحب مدرستي إلى أن قال جمال باشا لوالدي : [ يا أخي إننا نريد أن ندخل أولاد العرب في مدارسنا ومع ذلك فإن أولادنا يذهبون إلى مدارس أجنبية ، وخالدة أديب ساخطة على هذا وتشكو ، أليس لها الحق في سخطها وشكواها ؟!! ] .
وكان الأمر أمرا والحديد حديدا ، وحقيقة كان هذا الأمر بالنسبة لنا صلبا كالحديد .
... وكانت مديرة مدرستنا خالدة أديب هانم ....
مديرة سيئة الإدارة كنت مضطرة للدوام في مدرستها وداومت مدة ثلاثة أشهر لم أتلق في المدرسة درسا واحدا ، كل ما فعلناه نحن الطالبات هناك أن تحضرنا لأداء أوبرا من تأليف خالدة أديب ، موضوعها مأخوذ برمته من التوراة .. عنوان الأوبرا (( رعاة كنعان )) وأمرتنا المديرة خالدة أديب بتمثيله على المسرح ومثلناها في حضور الولاة والقادة العسكريين ومديري الشرطة وغيرهم .
كانت هذه الأوبرا تنغصني وتلمني كثيرا وتثير في نفسي التفكير الحزين .. فولاة الأمور الذين يقبضون على أزمة الأمور بأعينهم يتفرجون على هذه الأوبرا التي مثلناها أمامهم .. وكانت عبارة عن بشرى تعلن قرب قيام إسرائيل ).
كتبت خالدة أديب روايتين في حرب الاستقلال التركي أولهما (( قميص من نار )) والثانية (( اضربوا الغانية )) ... قميص من نار ليست بالرواية الجيدة وإن كانت تحمل عنوانا جميلا ، اضربوا الغانية كانت بمثابة الرواية الرائدة في طريق شيء تم اتباعه بعد ذلك يهدف إلى عداء الدين .
تزوجت خالدة أديب زواجها الثاني من عبد الحق عدنان بك ... وفي عهد أتاتورك كانت خالدة وزوجها مجبرين على مغادرة البلاد ، لا نعلم السبب الحقيقي من مغادرتها ولكن ( فالح رفقي بك ) وهو أحد المقربين جدا من أتاتورك في ذلك الوقت قال : (( الخلاف بين أتاتورك وخالدة أديب هانم لم يكن أكثر من خلاف بين رجل وامرأة )) .
مات أتاتورك فعادت خالدة أديب وزوجها عدنان إلى تركيا ، ألف زوجها كتاب (( الدين والعلم عبر التاريخ )) .. فلما قرأ
(( رأفت باشا )) ـ وكان على صلة بخالدة وزوجها ـ علق على الكتاب متفكها بقوله : (( كنا نظن أننا نجحنا في استقطاب خالدة أديب إلى الإسلام وجعلها تعتنقه فإذا بنا نجدها تهود عدنان بك )) .
هكذا تقول الكاتبة منور عياشلي عن خالدة أديب الكاتبة التي تعتبر من أكبر أعلام الأدب التركي (( الكمالي )) .
قريبا ستكون الحلقة العاشرة من يهود الدونمة و الأخيرة إن شاء الله وستتضمن الدونمة وتواجدهم في الإعلام مع مراجع البحث ومصادره .
** نموذج من تواجد الدونمة في الإعلام :
تعتبر جريدة حريت أكبر دار نشر في تركيا ، ومعدل توزيعها يفوق مثيلاتها من الصحف اليومية ويقرب توزيعها من المليون نسخة ، وتتبع جريدة حريت دارا راقية للطباعة والنشر تحمل اسم حريت أيضا ، ومن هذه الدار تصدر مجلات بين أسبوعية وشهرية تمثل المكانة الأولى في التوزيع بين المجلات ، منها مجلة حيات ومجلة التاريخ ، ولا شك أن لدار حريت بجريدتها ومجلاتها وكتبها أثر كبير بل أكبر الأثر في توجيه قطاعات ضخمة من الشعب التركي ، هذه الدار تملكها وتديرها أسرة من يهود الدونمة وتحتضن هذه المؤسسة الصحفية الضخمة كبار كتاب اليسار التركي .
كما أن جريدة مليت التركية جريدة واسعة الانتشار والثانية في معدل التوزيع بعد جريدة حريت ، وتتبع جريدة مليت دار للطباعة والنشر وتصدر سلاسل كتب مختلفة ، وهي مثلها مثل حريت تقوم على أحدث الأساليب الصحفية وأرقى تكنيك صحفي ليس في الشرق الأوسط فحسب ، بل وإنهما يضارعان من حيث الإخراج الكثير من الصحف الأوربية وكذلك ومن ناحية الأساليب الصحفية ، وجريدة مليت أيضا تحنو على اليسار التركي بمختلف اتجاهاته لدرجة أن جريدة (( صون حوادث )) تصف مليت بأنها الناطق المخلص بلسان حزب الشعب الجمهوري أقوى أحزاب اليسار التركي لكن بقي القول بأن مؤسسة مليت تملكها وتديرها أسرة يهودية دونمة هي عائلة ( إيبكجي ) ، ويكتب فيها وبجوار كتاب اليسار التركي أقلام يهودية تركية معروفة مثل (( سامي كوهين )) .
ويأتي دور جريدة جمهوريت التي أسسها ( يونس نادي ) وهي جريدة اليسار المتطرف في تركيا ، كان يرأسها يهودي من الدونمة اسمه (( نوري تون )) ومنذ عام 1972 واسم اليهودي الدونمة المحامي (( رشاد أتابك )) يسيطر على الجريدة كعضو منتخب في مجلس إدارة مؤسسة حريت وكوكيل عن (( ناظمة نادي )) زوجة مؤسس الجريدة وصحيفة جمهوريت ثالثة صحف تركيا توزيعا .
ويزيد في أهمية دور الدونمة في ساحة الصحافة أن هذه الصحف في مقدمة الصحف التركية ذات الفعالية الواضحة والنفوذ والتأثير سواء بين المثقفين ثقافة غربية أو يسارية أو بين بعض الطبقات الشعبية ، وعلى العموم فإن نفوذها واضح في التأثير على الرأي العام التركي .
لا تقتصر سيطرة الدونمة في الصحافة على ما ذكرنا ، فإننا قلنا هذا نموذج من تواجد الدونمة في الإعلام فالموضوع طويل ويحتاج إلى دراسات أكثر .
أما نفوذ الدونمة في الإذاعة والتلفزيون التركي فقد وصل إلى حد تعيين الكاتب اليهودي الدونمة المشهور إسماعيل جم إيبكجي وهو من أسرة إيبكجي وأفرادهم كلهم دونمة في منصب المدير العام للإذاعات والتلفزيون التركي وظل مهيمنا على اتجاه هذه الأجهزة وخططها والتعيينات فيها وتسيير برامجها حتى قامت حكومة الائتلاف في أوائل عام 1975 واشترك فيها الدكتور نجم الدين أربا كان وكان نائبا لرئيس الوزراء ، أصدرت هذه الحكومة بيانا نشر في الصحف التركية في السادس من أبريل ( نيسان ) عام 1975 قالت فيه (( إن الحكومة ستعمل على منع كل ما من شأنه الإضرار بالأمن الوطني والأخلاق التي تعمل الإذاعة والتلفزيون ـ التي كان إسماعيل جم يرأسها ـ على نشرها كما أنها ـ أي الحكومة ـ ستدخل في صراع مع الشيوعية أيضا )) .
وفي الرابع من مايو ( أيار ) من العام نفسه تم توقيع مجلس الوزراء على قرار بإعفاء إسماعيل جم المدير العام للإذاعة والتلفزيون من منصبه وأرسل القرار إلى رئيس الجمهورية للتصديق عليه فرفض التوقيع ، وقام رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض بالهجوم على هذا القرار واعتبر أسلوب الحكومة في إقالة إسماعيل جم سلوكا مستبدا هوائيا ، ولما عاد قرار إقالة إسماعيل جم إلى مجلس الوزراء بعد رفض رئيس الجمهورية التوقيع عليه ، صرح المتحدث باسم الحكومة أن الحكومة ستنفذ قرارها بإقالة المدير العام للإذاعة والتلفزيون حتى ولو لم يوقعه رئيس الجمهورية ، واضطر رئيس الجمهورية أخيرا للتوقيع على هذا القرار في 12 مايو ( أيار ) 1975 .
وبهذه الإقالة توفر للإذاعات التركية وتلفزيونها فرصة أفضل للبث الأخلاقي و ( إعادة بناء الأمة المعنوي ) كما يقول الدكتور نجم الدين أرباكان .
تبقى كلمة قصيرة عن التعريف بإسماعيل جم ، ولد عام 1940 وتلقى تعليمه في روبرت كولج ثم تخرج من كلية الحقوق في لوزن عام 1962 وعمل بالصحافة في جريدتي حريت ومليت محررا ثم مديرا للتحرير ، كما نشر عدة دراسات منها : * الإصلاح الزراعي ــ * تأخر تركيا ــ * مصر عبد الناصر .
مصادر البحث ومراجعه :
أ ـ الكتب :
Ibrahim Alaaddin : Sabatay Sevi . Istanbul.
وهو كتاب جيد موضوعه تاريخ المسيح المزيف ساباتاي زفي ، وينتهي بانقسام حركة الدونمة .
Yilmaz Oztua : Turking Tarihi, Istanbul.
وهو كتاب في التاريخ العام للدولة العثمانية من اثني عشر مجلدا وفي الجزئين التاسع والعاشر معلومات وافية عن القرن السابع عشر .
Munevver Ayasli : Isittiklerim – Gorduklerim – Istanbul, 1973 .
وهو كتاب ذكريات ترويه الكاتبة منور عياشلي ، تحدثت فيه عن ذكرياتها الأدبية والتاريخية ، وتحدثت فيه عن شخصيات عديدة مخضرمة بين عهد الدولة العثمانية وعهد تركيا الحديثة .
Izzet Nuri Gun ve Yalcin Celikler : Masonluk ve Masonlar.
وهو كتاب عن الحركة الماسونية في تركيا والماسون الأتراك ، وبه فصل عن الماسونية والإتحاد والترقي .
Ahmad Kabakl : Turk Edebiyati ; Istanbul , 1967 .
وهو كتاب في ثلاثة مجلدات تحدث فيه مؤلفه عن تطور الأدب التركي وفنونه ، والجزء الثالث دراسة في الأدب التركي الحديث .
ب ـ المجلات :
1ـ سبيل ، العددان 12 ، 18 : وهي مجلة أسبوعية تصدر في استانبول وصدرت بها دراسة عن الدونمة لأرطغل دوزداغ ، واستقى الكاتب أغلب ماد دراسته من كتاب إبراهيم علاء الدين السابق الذكر .
2- Hurriyet Yilligi : 1975 , Istanbul .
وهي سنوية تصدرها دار حريت بها موجز أخبار العام في تركيا والعالم وموضوعات أخرى .
ج ـ الموسوعات :
1- Buyuk Meydan Lars , Donme Mad.. Istanbul, 1969.
وهي ترجمة تركية لموسوعة لاروس بها إضافات كثيرة للموضوعات التركية وغيرها من الزيادات ومادة دونمة فيها تحتوي على معلومات قيمة .
2- Islam Anskiopedisi : Istanbul .
وهي الترجمة التركية لدائرة المعارف الإسلامية وأضيفت لها مواد خاصة بالأتراك وزيادة وتعديل في كثير من الموضوعات الأخرى بحيث صارت أكثر نفاسة من أصلها ، ومادة دونمة فيها من وضع هيئة التحرير التركية .
3ـ دائرة المعارف الإسلامية ( الطبعة العربية ) ولا تحتوي في مادة دونمة على أي زيادات وإنما هي ترجمة عن أصلها في اللغات الأوربية .
انتهى هذا البحث الشيق الذي يصف الدونمة وحالها في العصرين العثماني والتركي الحديث وغيرها ..
كتب البحث : فهد محمد الخرمي
مؤلف البحث:د / محمد عمر
أستاذ التاريخ الإسلامي
نسأل الله التوفيق والسداد .

سامي الطامي
08-29-06, 11:07 PM
بارك الله فيك ا خي الكريم ، سأنقله وأنسقه بطريقتي ... لك جزيل الشكر ،،

أبو الوليد الخرمي
08-30-06, 2:47 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،
ها قد تحقق لك ما طلبت وعفوا على تأخيري وتشتيتي لك وأرجو السماح وأتمنى منك تنسيقه على ملف وورد ونشره في الويب لأني لا أجيد فعل ذلك .
كل تقديري لك .

سامي الطامي
08-30-06, 2:28 PM
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ...


جزاك الله خير على جهدك ، وسأقوم بما طلبته ان شاء الله ...


وننتظر المزيد اخي الحبيب منكم ،،،