المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفراغ



المفيد
08-17-06, 10:16 PM
الفراغ
إسماعيل بن صالح آل عبد الرحيم


أحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو أنه تحكم في أوقات فراغه ، لا بالإفادة منها بعد أن توجد ، بل بخلق الجهد الذي يستنفد كل طاقة ، ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده ، فلا يبقى مجال يشعر امرؤ بعده أنه لا عمل له .
إن الفراغ في الشرق يدمر ألوف الكفايات والمواهب ، ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة والاستكانة ، كما تختفي معادن الذهب والحديد في المناجم المجهولة ! يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال : إني لأرى الرجل فيعجبني ، فإذا سألت عنه فقيل لا حرفة له ، سقط من عيني .
وقال أيضاً : إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً (أي فارغاً) لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة .. وقال حكيم : من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثله ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه ، وظلم نفسه ! والفراغ داء قتال للفكر والعقل والطاقات الجسمية ، إذ النفس لابد لها من حركة وعمل ، فإذا كانت فارغة من ذلك تبلد الفكر وثخن العقل وضعفت حركة النفس واستولت الوساوس والأفكار الرديئة على القلب ، وربما حدث له إرادات سيئة شريرة ينفس بها عن هذا الكبت الذي أصابه من الفراغ [1].
وقد نبه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- إلى غفلة الألوف من الناس عما وهبوا من نعمة العافية والوقت فقال : » نعمتان من نعم الله مغبون فيها كثير من الناس : الصحة والفراغ « [2] .
ويقصد بالفراغ : الخلو من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة للمرء من حيث الاشتغال بالأمور الأخروية .
وفى الحديث الآخر : » اغتنم خمساً قبل خمس « -وعد منها - » وفراغك قبل شغلك « [3] .
يقول بعض الصالحين : فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة ، وكان السلف الصالحون يكرهون من الرجل أن يكون فارغاً لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر دنياه .. ولهذا قيل : الفراغ للرجل غفلة وللنساء غلمة : أي محرك للغريزة .
ويشتد خطر الفراغ إذا اجتمع مع راغ الشباب الذي يتميز بقوة الغريزة والجدة [4] وفى هذا يقول أبو العتاهية : إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة ! ويقول آخر : لقد هاج الفراغ عليه شغلاً وأسباب البلاء من الفراغ ولقد قطع الله تعالى المعذرة لأهل الفراغ بقوله : [ وجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسَابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ][الإسراء : 13] فأتاح لهم التكسب من نعم الله وفضله والنظر في مخلوقاته والتفكر فيها واسترجاع طاقات العقل بما ينفع من أمور الدنيا والآخرة .
وبتعدد أنواع الفراغ يمكننا تقييم الحالات التي يصاب بها الشخص من إهدار الأعمال على هامش المفسدة ، فجعل الله صفة ( الفراغ العقلي ) للدواب وذلك لأنها غير مهيئة لاستخدام عقلها ، فشابهها الإنسان عندما يعطل دور عقله في تحصيل العلوم النافعة ، وهذا هو سر تمييز عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجال حين قال : أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، ومروءته خُلُقه [5].
فلابد من إدراك أهمية ملء الذهن بما ينفع ، فإذا عاش الإنسان في فراغ عقلي فإنما كتب على حياته الدمار ، وأما من ملأ عقله بما ينفعه في دنياه وأخرته فالفوز حليفه في الدنيا والآخرة ، وذلك لأنه كان يغذي عقله لما خلق له في تدبر أمر الله جل علاه والحقوق اللازمة له والتفكر في مخلوقات الله كما أمر تبارك وتعالى بذلك حين قال : [ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ][النحل : 12] .
وأما الفراغ القلبي .. فأوضح الله تبارك وتعالى أن ملء الفراغ القلبي يكون بالإيمان ، وهذا ما أكده ابن مسعود رحمه الله حين طلب منا أن نتفقد قلوبنا في المواطن الإيمانية بقول : ( اطلب قلبك في ثلاثة مواطن : عند سماع القران ، وفى مجالس الذكر ، وفي أوقات الخلوة ، فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك ) [6].
وما عليك في هذه المرحلة إلا أن تقض على هذا الفراغ بتقوية صلتك بالله ، حتى تضع في قلبك إيماناً قوياً ، بدل فراغ قاتل يسمم حياتك .
والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ، وذلك هو الفراغ النفسي .. فمن أطلق لنفسه العنان تهوي به ذات اليمين وذات الشمال ، فإن هذه صورة تمثل النفوس الفارغة التي صورها لنا سيد قطب بقوله : ( إنها صورة (النفوس الفارغة) التي لا تعرف الجد ، فتلهو في أخطر المواقف وتهزل في مواطن الجد ، وتستهتر في مواطن القداسة .. والنفس التي تفرغ من الجد والاحتفال بالقداسة تنتهي إلى حالة من التفاهة والجدب والانحلال ، فلا تصلح للنهوض بعبء ولا الاضطلاع بواجب ، ولا القيام بتكليف وتغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة [7] .
فهذه هي حالة النفوس الفارغة .
فلا قول ولا عمل ولا إيمان ولا دين همها اللعب واللهو في الدنيا ويتبعه حسرة وندامة يوم القيامة .
إن إدراك الإنسان قيمة الزمن ، وإيجاد الحل للفراغ ليس إلا إدراكاً لوجوده وإنسانيته ووظيفته في ركام هذه الحياة .
فأين الذين قاموا بما تقتضيه هذه الخصال فإن الحساب عسير .
يقول الحسن البصري رحمه الله : أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم ! .
ويقول ابن مسعود رضي الله عنه : ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه ، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي .
وإذا كان هذا هو حرص سلفنا على الوقت وتقدير قيمته وخطره ، فإن مما يدمى القلب ، ويمزق الكبد أسى وأسفاً : ما نراه -البوم - عند المسلمين من إضاعة للأوقات فاقت حد التبذير إلى التبديد .
حتى يجلسون الساعات الطوال من ليل أو نهار حول مائدة النرد أو رقعة الشطرنج ، أو لعب الورق .
أو غير ذلك -مما يحل أو يحرم - لا يبالون لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة ، فإذا سألتهم عن عملهم هذا قالوا بعبارة تفقدك الأمل فيهم (نقتل الوقت) ، وما يدرون أنهم يقتلون أنفسهم في الحقيقة ، وسوف يندمون حين يقال لهم : [ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ] ]فاطر : 37 [ .
إذاً فالفراغ داء قتال إذا لم يمضه صاحبه بما ينفع وإذا أراد الله سبحانه بالعبد خيراً أعانه بالوقت وجعل وقته مساعداً له ، وإذا أراد شراً جعل وقته عليه ، وناكده وقته حتى يفقد وظيفته في هذه الحياة .
وأفضل ما تصان به حياة إنسان أن يرسم لها منهاجاً يستغرق أوقاتها ، ولا تترك فرصة للشيطان أن يتطرق إليها بوسوسة ، أو إضلال ، فإن ذلك هو بداية حمل النفس على المتاعب العقلية والبدنية من غير عمل ناجح .
إن المسلم يغالي بالوقت مغالاة شديدة لأن الوقت عمره ، فإذا سمح بضياعه ، وترك العوادي تنهبه فهو ينتحر بهذا المسلك الطائش ، والإسلام دين يعرف قيمة الوقت وخطر الفراغ ، ويقدر خطورة الزمن يؤكد الحكمة الغالية (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ) ، وما فشت المنكرات وازدادت حدة العصيان وانتشار الجرائم إلا بازدياد نسبة الفراغ ، ذلك لأنه يفتح على هؤلاء المجانين أبواباً عديدة .. على رأس كل باب شيطان يدعو إلى الرذيلة ، فعند ذلك هل يتحكم الشخص بعقله أمام هذه الأبواب فيربي فراغه على التحصيل والاستفادة أم ينفذ من أحد هذه الأبواب ؟ ! فالزمن نعمة جلى ، ومنة كبرى لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون الأفذاذ ، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ) نعم أنت خلقت للعبادة والعبادة عمل تستلزم منك عدم إهدار أوقاتها بين الغفلة والكسل .. ويقول الحسن البصري : يا ابن آدم .
إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ( ، فالإنسان مأمور باغتنام أوقات فراغه .
حتى ولو لم تكن مناسبة للاغتنام ، لأن الأماني والأحلام لا تصنع حاضراً ولا تبنى مستقبلاً ، وهذا ما عناه أحمد بن فارس الرازي بقوله : إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا ويُلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي : متى ؟ والأيام تنطوي على ما عمل فيها بلا استرجاع إلى يوم القيامة فأهل الفراغ تطوى صحائفهم اليومية معظمها على عتبة الفراغ والبطالة .
إن هؤلاء هم أولى بالحجر عليهم من الحجر على أهل إضاعة المال ، فهذا يمكن استرجاعه والتصرف فيه والاستفادة منه أما الوقت فلا ! يقول الإمام الحسن البصري : ( ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة ) ولو قلبنا صفحات تاريخنا الإسلامي لوجدناه مليئاً برجال سابقوا الزمان ، وملؤوه بالعلم والمعرفة ، فتخلد ذكرهم وهم بين طبقات الثرى ، كانوا دائماً بين أروقة العلم والعبادة لأن قيمة الزمن عندهم ترتبط بالغاية من الخلق وهي العبادة .
ومع ذلك فإننا نحن الآن لا نبني بفراغنا شيئاً ثمرته خير للأمة والفرد ، لأننا لا نبالي بمرور الوقت الذي استغله وتحكم فيه أعداؤنا ، فمثلاً لقد أهدرنا وقت قراءة القرآن الذي هو الروح لتحريك الأمة وهو مصنع الرجال الأفذاذ .
ولي دعوة في آخر هذا المطاف للشباب لأنهم هم عماد المستقبل ، وهم القوة الدافعة لحضارات الأمم وتقدمها ، وهم أصحاب طاقات جبارة تتفجر في وسط العالم لأنها هي مرحلة الإنتاج ، أدعوهم إلى استغلال هذا الوقت العنفواني المزهر في تربية النفس وصقلها بين أجنحة المواهب ، وصرف الهمم إلى الإنتاج البشري المثمر ، ذلك لأني أرى الكثيرين من شباب اليوم فارغي النفوس والقلوب والرؤوس .. فلا علم ولا عمل ، ولا دين ولا إيمان ...
ولا نرى لهم أثراً على الساحة العالمية سوى الانتصارات الرياضية ، والانخراط في سلك التائهين .. والناظر إلى الغرب وواقع الشباب فيه يدرك مدى الانحطاط الخلقي الذي يغوص في وحله الألوف من أصحاب الصرعات الانحرافية التي بدأ .
فيروسها ينتقل إلى طاقات الشباب الإسلامي حتى يعيشوا في خواء روحي وفراغ عقلي .
نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق .