المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول قوله تعالى : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)



أبو المهاجر المصري
08-12-06, 11:12 AM
بسم الله

السلام عليكم


فهذه الآية من الآيات التي يستدل بها الإمامية على بدعتهم في الإمامة التي ضخمها القوم حتى جعلوها ركنا من أركان الدين ، بل هي أهم قضاياهم ، كما قال الشهرستاني ، رحمه الله ، في الملل والنحل ، فليست الإمامة عندهم ، أمرا واجبا على الأمة لحفظ الدين وسياسة الدنيا به ، كما هو الحال عندنا أهل السنة ، ولكنها قضية أصولية لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفالها وإهمالها ، أو تفويض أمرها للعامة ، وعليه لا بد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى ، ولكن الوصية كتمت من جمع التواتر ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مداخلة سابقة ، خيانة وغدرا ليتولى أبو بكر ، رضي الله عنه ، الأمر ، ويستأثر به من دون علي ، رضي الله عنه ، ومن ثم يورثه لشريكه في المؤامرة ، عمر ، رضي الله عنه ، مع أن عليا ، رضي الله عنه ، لم يحتج على معاوية ، رضي الله عنه ، بهذه الوصية المزعومة ، وإنما احتج عليه ببيعة المهاجرين والأنصار الذين بايعوا الشيخين ، رضي الله عنهما ، كما ورد في نهج البلاغة ، ولم يحتج بها الحسن والحسين ، رضي الله عنهما ، لما بايعا معاوية ، رضي الله عنه ، لأنهما رأيا أنه أهل للخلافة ، بل إن الحسين ، رضي الله عنه ، لما خرج على يزيد ، لم يخرج عليه بحجة الوصية المزعومة ، وإنما خرج عليه لما اجتهد ورأى أنه ليس أهلا للخلافة ، أو أن بيعته باطلة ، والجواب عن هذه الآية يشبه إلى حد كبير ، الجواب عن آية التطهير ، فمدار الخلاف بيننا وبين الإمامية هو : هل الجعل والإرادة في الآيتين ، قدري شرعي متعلق بالأمر والنهي تجوز مخالفته ، أم قدري كوني لا تجوز مخالفته .
فهل جعل الله ، عز وجل ، إبراهيم وإسماعيل ، عليهما الصلاة والسلام ، إمامين للمتقين ، لمجرد أنه أراد ذلك كونا دون أن يكون للإرادة الشرعية المتمثلة في طاعتهما للأوامر واجتنابهما للنواهي دخل في هذا الجعل ، أم أنه ، عز وجل ، علق هذه الإمامة على التزام التكاليف الشرعية ، فمن التزم بها كان إمام هدى ، ومن خالفها كان إمام ضلالة ؟

وللجواب عن هذا السؤال ، يجب معرفة معنى "الجعل" المقصود في الآية ، وكذا معنى "الإمام" في اللغة :
وبداية مع الجعل ، فالفعل "جعل" من الألفاظ المشتركة أو "المشتركات اللفظية" التي تفيد أكثر من معنى ، فترد لـــ :
الخلق ، ومنه قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ، أي : خلق الظلمات والنور .

والإنزال ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، أي : أنزلناه ، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ، رحمه الله ، وكذا قوله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) ، أي : ولو أنزلناه .

والاعتقاد ، ومنه قوله تعالى : (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) ، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله : أي ، اعتقدوا فيهم ذلك .

والشروع في الفعل ، ومنه قولك : جعل الطالب يكتب ، أي : شرع في فعل الكتابة .

والصيرورة ، ومنه الآية التي بين أيدينا ، فتأويلها : إني مصيرك للناس إماما .
وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) .
وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً) .
وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) .


فتحصل لنا أن الله ، عز وجل ، أراد ، بغض النظر عن نوع الإرادة ، ابتداء ، أن يصير إبراهيم ، صلى الله عليه وسلم ، للناس إماما .

وأما "الإمام" :
فقد قال صاحب "اللسان" :
الإِمَام : من يُؤْتَمُّ به أي يُقْتَدى به من رئيس أو غيره ذكراً كان أو أُنثى ومنه قامت الإمام وسطهن وقيل هو الذي له الرِّياسة العامَّة في الدين والدنيا جميعًا والإمام في كتب المعقول الفخر وفي كتب الأصول إمامُ الحرمينِ وعند المُتكلِّمين خليفة الرسول في إقامة الدين وعند المحدِّثين المحدِّث أو الشيخ وعند القُرَّاء والمفسِّرين وغيرهم مصحفٌ من المصاحف التي نسخها الصحابة بِأَمْر عُثمان .

فهو ، أيضا ، لفظ "مشترك" ، ولكن اشتراكه من جهة المعنى لا اللفظ ، بمعنى أن بين معانيه رباطا جامعا هو : معنى لطيف تتفق في أصلها عليه ، وهو : محل الاقتداء والاتباع ، سواء أكانت القيادة السياسية في يد المتبع المقتدى به أم لم تكن ، بل لا يقتصر الأمر على كون الإمام ، بهذا المعنى الشامل ، ذكرا ، بل يجوز أن يكون أنثى ، فالمرأة الصالحة إمام لبنات جنسها ، بل لأبناء الجنس الآخر ، فهل ينكر رجل مسلم إمامة أمهات المؤمنين في الدين ، وكونهن محل الأسوة والاقتداء ؟ ، والمرأة إن أمت بنات جنسها في الصلاة "إمام" ، والرأس في المذهب إمام ، كما هو حال الجويني ، رحمه الله ، فهو إمام الشافعية في زمانه ، والخليفة ، بالمعنى السياسي إمام ، والشيخ المحدث عند أهل الحديث إمام ، ومصحف عثمان ، رضي الله عنه ، إمام ، لأنه المرجع في القراءة بعد إحراق بقية المصاحف ، فصار محل الاقتداء في التلاوة .

والقدوة لا يشترط فيها العصمة ، لأن لازم ذلك ألا يوجد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أئمة تقتدي بهم ، بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ، فالعصمة ، لا تكون إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمن أين لنا بأنبياء أو معصومين نقتدي بهم ؟!! .

.

ويقول صاحب الغني :
إمَامٌ – ج : أئِمَّةٌ، أَيِمّة .
1 ."وَقَفَ إمَامُ الْمَسْجِدِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" : مَنْ يُقِيمُ الصَّلاَةَ بِالنَّاس ِ، أيْ مَنْ يَؤُمُّ النَّاسَ .
2 ."إمَامُ الْمُسْلِمِينَ" : الخَلِيفَةُ الحَاكِم ُ، كَبِيرُ القَوْم ِ. (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإمَامِهِمْ) ، (قرآن) .
3 ."إمَامٌ فِي النَّحْوِ" : عَلَمٌ بَارِزٌ فِي النَّحْو ِ. "كانَ اِبْنُ جِنِّي مِنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ" .
4 ."الإمَامُ عَلِيّ" : لَقَبٌ أطْلَقَهُ الشِّيعَةُ عَلَى عَلِيّ وَأوْلاَدِهِ .
5 ."الإمَامُ الأكْبَرُ" : لَقَبٌ لِشَيْخِ الجَامِعِ .
6 ."إمَامُ الْمُسَافِرِ" : دَلِيلُه ُ.

فكلامه مشابه لكلام صاحب اللسان ، وإن زاد عليه :
كبير القوم ، كما في قوله تعالى : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) ، وإلى ذلك أشار الزمخشري ، غفر الله له ، بقوله : " {بإمامهم} بمن ائتموا به من نبيّ أو مقدّم في الدين ، أو كتاب ، أو دين ، فيقال : يا أتباع فلان ، يا أهل دين كذا وكتاب كذا " . اهــــ

وهذا المعنى لا يقتصر على الكبير في الخير ، بل يشمل الكبير في الشر ، فإبراهيم صلى الله عليه وسلم إمام للموحدين ، وإبليس لعنه الله إمام للمشركين ، فاستويا في لفظ "الإمام" عند إطلاقه ، وشتان بينهما عند تقييده بالتوحيد والشرك .

والدليل ، وهو معنى سائغ ، لأن الدليل يتقدم المسافر ليدله على الطريق الصحيح فكأنه من هذا الوجه إمام له متقدم عليه .

وإطلاق الشيعة على "علي" ، رضي الله عنه ، وأولاده من بعده ، لقب "الإمام" لا ينازع فيه أهل السنة من جهة إمامتهم في الدين ، وإن لم يحكموا الأمة ، فعلي ، رضي الله عنه ، إمام هدى متبع في أمور الدين ، قبل أن يتولى الخلافة ، وبعد أن تولاها جمعت له إمامة الدين والدنيا ، فهو أفضل أهل الأرض في زمانه بعد مقتل ، عثمان وعمر ، رضي الله عنهما ، وموت أبي بكر ، رضي الله عنه ، إذ سبقه أولئك الثلاثة في إمامة الدين والدنيا ، وكذا ولده الحسن ، رضي الله عنه ، إمام في الدين والدنيا ، انعقدت له البيعة بعد أبيه ، وكذا الحسين ، رضي الله عنه ، وإن لم يكن إماما في أمور الدنيا ، فهو إمام في الدين ، بل هو من سادات آل البيت ، رضوان الله عليهم ، وكذا "محمد بن الحنفية" ، رحمه الله ، فهو إمام في الدين دون أمور الدنيا ، وكذا علي زين العابدين ومحمد الباقر وزيد بن علي وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الهادي ................... الخ من أولاد علي ، رضي الله عنه ، ممن عرف بالديانة والصلاح والإمامة في الدين فلم يحدث في دين الله ، عز وجل ، ما ليس منه ، وإنما انضوى ، كما انضوى غيره من العلماء الربانيين ، تحت لواء السنة ، والله أعلم .

وأما من جهة أن الإمامة هنا هي الإمامة بمعناها الاصطلاحي عندهم التي تعني العصمة ، وعلم الغيب ، والهيمنة على ذرات الكون ، و ................... من العقائد الغالية المنحرفة فهذا مما يخالف فيه أهل السنة الإمامية أشد الخلاف ، لأن هذا الاصطلاح المحدث ينافي أصل الرسالة الخاتمة ، بل أصل كل الرسالات السماوية ، بل إن كل الرسالات ما جاءت إلا بالتوحيد الذي يقمع هذه العقائد المنحرفة ، ويزيل الحواجز التي أقامها دعاة الباطل بين الله ، عز وجل ، وعباده .
قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) .
وقال تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .
وعند مسلم ، رحمه الله ، من حديث : يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ
قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ .
والحديث من طريق علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، الذي يدعي القوم متابعته وآل بيته ، فهلا تابعوه فيما أمر به أبا الهياج ؟!
فنحن لسنا بحاجة إلى وسائط توصلنا بربنا ، عز وجل ، الذي يحب منا دعاءه وإظهار الذل والافتقار بين يديه ، لا بين يدي عباد لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فضلا عن غيرهم .

ويقول صاحب المحيط :
الإمَامُ :- : من يأتََمُّ به الناس من رئيس أو غيره .
وإمامُ الصلاة -: الخليفة ، كان أميرُ المؤمنين هو الإمام للمسلمين كافّة.
وقائد الجند ، حارب الجند مع أَئِمَّتهم .
والقرآن الكريم (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصيْنَاهُ فِي إمامٍ مبِينٍ) .
وكل ما يُقتدى به ، و (وَاجْعَلْنا للْمُتَّقِينَ إماماً) .
والدليل الذي يتبعه المسافرون ، كان المعلَّم إمامَهم في تلك الرحلة ٌ.

فأضاف :
معنى القيادة العسكرية ، في قوله : "حارب الجند مع أَئِمَّتهم" ، فلا تقتصر الإمامة على الإمامة السياسية المتبادرة إلى الذهن .
والقرآن الكريم ، وإلى ذلك أشار ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله : "أي : كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب" . اهـــ ، بتصرف يسير ، ولكن القوم ، كعادتهم أبوا إلى لي أعناق النصوص ، فقالوا في تفسير هذه الآية بأن المقصود هو الإمام من أئمتهم ، وأن الله قد أعطى الأئمة فهم كل شيء والإحاطة بكل شيء . اهـــ
نقلا عن "أصول الفرق الإسلامية" ، للشيخ الدكتور عمر عبد العزيز قريشي ، حفظه الله ، ص76 .

والإحاطة بكل شيء أمر لم يعطه محمد صلى الله عليه وسلم ، مع جليل قدره عند ربه ، فقد توقف في مسائل سئل عنها حتى جاءه الوحي ، فكيف تكون لأحد من بعده من آل بيته ، رضوان الله عليهم ؟! ، ولكنه التحكم المعتاد في النصوص توسيعا وتضييقا .


وأقرب المعاني إلى سياق الآية ، محل البحث ، هو القدوة في الدين ، بغض النظر عن الإمامة بمعناها السياسي الضيق ، وإن كان لا يمتنع في حق إنسان أن يكون إماما في الدين والدنيا ، كما أثر ذلك عن كثير من قادة هذه الأمة ، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة ، رضوان الله عليهم ، فقد كانوا أئمة في الدين والدنيا ، وإلى هذا المعنى مال ابن كثير ، رحمه الله ، إذ يقول :
"وقوله: { قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } لما جعل الله إبراهيم إمامًا ، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون ، وأنه لا ينالهم عهد الله ، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم ، والدليل على أنه أجيب إلى طَلِبَتِهِ قول الله تعالى في سورة العنكبوت : {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [ العنكبوت : 27 ] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه" .

بل إنه لا يتصور في حق أي مصلح ، فضلا عن نبي ، فضلا عن أبيهم صلى الله عليه وسلم ، أن يطلب الملك الدنيوي لنفسه وذريته من بعده ، وقد خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا فاختار الثانية ، كما في حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عند أحمد :
(جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك مهول ، فقال جبريل إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة ، فلما نزل قال يا محمد أرسلنا إليك ربك أملكا نبيا يجعلك أم عبدا رسولا ؟ قال جبريل : فتواضع لربك يا محمد ، قال بل عبدا رسولا) .

فالنبوة ليست ملكا يورث ، وإنما هي اصطفاء من الله ، عز وجل ، مصداقا لقوله تعالى : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة" ، أي : الذي تركناه صدقة ، فــ "ما" موصولة لا نافية ، وعائد الصلة ، هاء الغائب ، محذوف ، فتقدير الكلام : "الذي تركناه صدقة" ، بل نهي صلى الله عليه وسلم آل محمد عن قبول الصدقة ، إذ يقول : "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" ، فنزه الله ، عز وجل ، نبيه صلى الله عليه وسلم ، عن أي شبهة تقدح في رسالته ، إذ لو كان الأمر ملكا يورث ، لساغ لمغرض أن يقول : رجل عظيم شيد ملكا عظيما فضن به ، وجعله وراثة في عقبه .

ولذا احتج الصديق ، رضي الله عنه ، على فاطمة ، رضي الله عنها ، بحديث : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة) ، لما طالبت بميراث أبيها صلى الله عليه وسلم ، ومن العجيب أن بعض غلاة الإمامية في العصر الحاضر يدعي أن الصديق ، رضي الله عنه ، قد وضع هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمنع فاطمة ، رضي الله عنه ، ميراث أبيها ، فكان الصديق ، عنده ، أول وضاع في الإسلام !!!!!! ، مع أن هذا الرجل الذي منع فاطمة ، رضي الله عنها ، ميراثها ، هو نفسه الذي أنفق ماله كله نصرة لأبيها صلى الله عليه وسلم ، ثم بدا له أن يستولي على إرثها في فدك وسهمها من خيبر لما آل إليه الأمر ، وقد تكفل أبوها صلى الله عليه وسلم بالذب عن صاحبه ، كما في البخاري من حديث أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، وفيه : (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت و قال أبو بكر صدق وواسني بنفسه و ماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي فهل أنتم تاركون لي صاحبي) ، وما أسهل الدعاوى ، فلمن شاء في زماننا هذا أن يدعي ما شاء ، ولمن شاء ممن غيب عقله أن يصدق كل دعوى وإن لم يأت صاحبها بدليل معتبر نقلا وعقلا .
والدعاوى إذا لم تقم ******* عليها بينات أبناؤها أدعياء

وإلى صاحب هذه الدعوة الخبيثة :
إلى ديان يوم الدين نمضي ******* وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في المعاد إذا التقينا ******* غداً عند المليك من الظلوم

ولم يكتف القوم بالافتراء على الصديق ، رضي الله عنه ، بل امتدت ألسنتهم للطاهرة المطهرة أم المؤمنين ، عائشة رضي الله عنها ، فبعد أن بدأ القوم حملتهم عليها في دولة الكويت ، وانضوى تحت لواءهم أحد متشيعة مصر ممن عبر على قنطرة التصوف إلى الرفض ، امتدت حملتهم عليها ، إلى العراق الحبيب ، استفزازا لمشاعر أهل السنة ، والمزيد في هذا الرابط :
http://www.islammemo.cc/news/one_news.asp?IDNews=121278
ولا عجب ، فهذه أخلاق القوم ، وهذا دينهم !!!

وفي هذه المحاضرة مزيد بيان لهذه المسألة :

http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=55138


وعودة إلى الآية محل البحث ، إذ أولها وآخرها لا يرجح كفة من ادعى أن الجعل في هذه الآية كوني قدري ، بمعنى أن الإمامة ، بمفهومها المنحرف عند القوم ، جعل كوني ، كالنبوة تماما ، فالله يختار من يشاء من الأئمة المعصومين الذين يحتج بأقوالهم على الشرع ، تماما ، كما يختار الأنبياء الذين يتنزل الوحي عليهم ، واستدلالهم خاطئ من وجوه :
الوجه الأول : أنهم عمدوا إلى حقيقة لغوية ، وهي الإمامة بمعناها اللغوي الذي يشير ، أول ما يشير ، إلى معنى الاقتداء الذي لا يلزم منه تمام المتابعة بحيث تصبح أقوال المقلد ، بفتح القاف ، دينا يتعبد به ، وإن تعارضت مع نصوص الكتاب والسنة ، إن صحت نسبتها أصلا إلى من ألصقت به فكثير من أقوالهم ننزه نحن أهل السنة آل البيت رضوان الله عليهم عنها ، فلفظ الإمامة بهذا المعنى العام الواسع لا يمكن الاستدلال به على المعنى الاصطلاحي الخاص الضيق الذي أحدثه القوم ، فالحقائق اللغوية غير الحقائق الاصطلاحية ، ولا يلزم من اشتراكها اللفظي ، تطابقها في المعنى ، تماما ، كالمشتركات اللفظية بين شتى فنون العلم ، كمصطلح "الخبر" على سبيل المثال ، فهو من الناحية اللفظية : لفظ واحد ، ولكنه يدل على حقائق اصطلاحية متعددة تبعا لتعدد العلوم التي يستعمل فيها ، فالخبر عند النحاة : هو ما تحصل به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف ، وعند علماء الحديث ، يطلق تارة ويراد به المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وتارة أخرى ويراد به كل أقسام الحديث سواء أكان مرفوعا أم موقوفا أم مقطوعا ، ويطلق عند المؤرخين : على أي خبر تاريخي ، سواء تعلق به حكم شرعي أم لا ، وسواء كان في عهد النبوة أم قبلها أم بعدها ، فاتحد اللفظ واختلف المعاني ، وكذا الحال هنا ، لا يصح تضييق عموم لفظ الإمامة ليختص بمعنى اصطلاحي اتفقت عليه جماعة بلا دليل شرعي ، بل على العكس ، ما فعل القوم ما فعلوا إلا ليجعلوه هو نفسه دليلا على صحة مذهبهم ، مع أنه مفتقر في نفسه لدليل يثبت صحته ، فداروا في حلقة مفرغة ، واستدلوا على الشيء بنفسه ، وليست هذه أول مرة يقع فيها القوم في هذا المأزق ، وإنما ألجأهم إليه افتقارهم لأدلة معتبرة تعضد مذهبهم ، فجعلوا شبه الأدلة أدلة ، بل أركانا يقوم عليها المذهب ، ومن سمات المذاهب المخالفة لأهل السنة ، من أهل القبلة ، أنهم يبدءون بتأصيل الأصول ، ثم ينظرون في الأدلة طلبا لمعضد لها ، فالأدلة عندهم تابعة لا متبوعة ، تماما كما فعل المعتزلة لما أرادوا الانتصار لمذهب خلق القرآن ، إذ أصلوا الأصل أولا ثم راحوا يبحثون في النصوص عن أي دليل يعضد مقالتهم ، فاستدلوا بأدلة تصلح للاستدلال عليهم لا لهم ، كقوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، إذ لم تع عقولهم من معاني الجعل إلا : الخلق ، لعجمة في ألسنتهم ، فقالوا : القرآن مجعول أي مخلوق ، مع أن الصحيح ، كما تقدم من كلام ابن كثير رحمه الله ، أن الجعل ، مشترك لفظي ، والاشتراك اللفظي نوع إجمال ، لا يعرف بيانه إلا تبعا للسياق الذي يرد فيه ، إذ المعنى المراد هنا : الإنزال ، وهكذا كل محدث يحدث الأمر أولا ثم يتلمس دليله ، والصحيح أن يبدأ المستدل من النص ، فيستنبط القول من النص الصحيح ، لأن النص أصل متبوع ، والنظر لاستنباط قول ما فرع تابع ، وهذا من أبرز معالم الاستدلال عند أهل السنة والجماعة وحق لكل سني أن يعض عليه بالنواجذ ليسلم من محدثات الأمور ، والله أعلم .

والوجه الثاني : أن صدر الآية ، كما تقدم ، لا يعضد ترجيح كون الجعل قدريا كونيا ، لأن الابتلاء الوارد في صدر الآية : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) ، يدل ، أول ما يدل ، على نوع تكليف ، والتكليف يكون بالشرع لا القدر ، فلم يكلف الله ، عز وجل ، أحدا من عباده ، أن يكون طويلا ، أو أبيضا ، أو أن يمرض ، أو يموت ، ..................... الخ ، وإنما كلف العباد بالتكاليف الشرعية من الواجبات والمندوبات فعلا ، والمكروهات والمحرمات تركا ، والمباحات ، عند من يقول بأن المباح مكلف به ، من جهة كونه متعلقا بفعل المكلف ، أو من جهة كونه وسيلة لغيره من الأحكام التكليفية ، أو من جهة اعتقاد إباحته ، ......................... الخ ، على تفصيل يطلب من كتب الأصول ، وحتى الابتلاء الكوني ، كالمصائب والملمات ، لا يخلو من نوع تكليف ، إذ المكلف مطالب بالصبر عند نزول الشدائد ، والصبر ، في حد ذاته ، عبادة ، امتدح الله ، عز وجل ، فاعلها ، كما في قوله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، والبشرى لا تكون إلا في حق من امتثل أمر الشارع عز وجل .

وقد جاء الابتلاء في عدة مواضع دالا على الابتلاء الشرعي ، كما في :
قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) .
يقول ابن كثير رحمه الله : "أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ، ليختبر عباده فيما شرع لهم ، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله" .

وقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) .
يقول ابن كثير رحمه الله : "وقوله: { لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره" .

وقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)
يقول ابن كثير رحمه الله : "أي : خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له ، ولم يخلق ذلك عبثا ، كما قال تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } ................. ، وقوله : { لِيَبْلُوكُمْ } أي : ليختبركم { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } ولم يقل : أكثر عملا بل { أَحْسَنُ عَمَلا } ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل ، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين بطل وحبط" .

وقوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)
يقول ابن كثير رحمه الله : "ومعنى الآية : أنه أوجد الخلائق من العدم ، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملا ، .................. ، وقوله: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أي : خير عملا كما قال محمد بن عَجْلان : ولم يقل أكثر عملا" .

وقوله تعالى : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) .
يقول ابن كثير رحمه الله : "{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ} أي: الاختبار الواضح الجلي ، حيث أمر بذبح ولده ، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله ، منقادا لطاعته ، ولهذا قال تعالى : {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}" .


وقد قصدت نقل النصوص السابقة في تعريف الابتلاء ، إذ كلها مجمعة ، تقريبا ، على تعريف الابتلاء بأنه : الاختبار بالتكاليف الشرعية ، ليعلم الله ، عز وجل ، الشقي من السعيد ، علم ظهور وانكشاف ، وهو العلم الثاني الذي هو مناط الثواب والعقاب ، لا العلم الأزلي الأول ، الذي أمر الله ، عز وجل ، القلم بكتابته ، فكتب ما سيكون إلى يوم القيامة ، كما في حديث عبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، عند أحمد ، رحمه الله ، في مسنده ، والله أعلم .


والابتلاء في صدر الآية مقيد بـــ "الكلمات" ، وكلمات الله ، عز وجل ، كونية وشرعية ، والذي رجحه المفسرون ، كالطبري وابن كثير ، رحمهما الله ، كما سيأتي إن شاء الله ، أن المقصود بالكلمات هنا : الكلمات الشرعية ، التي هي محل الابتلاء الشرعي الذي يثاب الممتثل به ويعاقب المخالف له ، والابتلاء ، كما تقدم ، اختبار ، والاختبار لا يكون إلا بتكاليف شرعية : افعل ولا تفعل .

ولما طلب الخليل ، صلى الله عليه وسلم ، من ربه ، أن يجعل الإمامة في ذريته ، حجبها الله ، عز وجل ، عن الظالمين ، فلا يكون الظالم أو المشرك إماما يأتم الخلق به ، إمامة نافعة ، فدل ذلك على أن مناط الأمر الالتزام بالتكاليف الشرعية التي يرفع الإخلاص ومتابعة السنة فيها صاحبها إلى مرتبة الولاية والإمامة في الدين ، فليس الأمر جعلا كونيا ، وإنما هو التزام شرعي ، من أتى به استحق الإمامة في الدين تفضلا ومنة من الله ، عز وجل ، ومن لا فلا ، ولذا كان شعارنا ن نحن أهل السنة ، قول الله عز وجل : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) ، فلم يقل سبحانه : وجعلنا منهم أئمة جعلا كونيا لا دخل للتكليف الشرعي فيه ، وإنما علق الإمامة على الصبر والإيمان ، وإلى ذلك أشار ابن كثير ، رحمه الله ، بقوله :
" أي : لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به ، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله ، ويدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر . ثم لما بدلوا وحَرَّفوا وأوَّلوا ، سلبوا ذلك المقام ، وصارت قلوبهم قاسية ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، فلا عمل صالحًا ، ولا اعتقاد صحيحًا" . اهـــ ، فلا اختصاص لأحد بإمامة الدين دون أحد ، لأنها ليست وراثة ملك ، وإنما هي وراثة نبوة ، ولم يورث الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، درهما أو دينارا ، وإنما ورثوا العلم ، ولم يجعل الله ، عز وجل ، العلم به وبأحكامه حكرا على طائفة بعينها يقلدها الأتباع ، كما يقلد متعصبة المذاهب أئمتهم ، فلسنا كغيرنا من الأمم ، ممن أوتي العلم فخصه بطائفة صيرته كهنوتا متوارثا ، والله اعلم .

وصدق سفيان ، رحمه الله ، إذ يقول : "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين" ، وينسب هذا القول ، أيضا ، للإمام المطلبي ، محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله .


وإلى أقوال كبار مفسري أهل السنة والجماعة ، وبداية مع :
شيخهم الإمام محمد بن جرير الطبري ، رحمه الله ، إذ فسر الابتلاء بقوله :
"يعني جل ثناؤه بقوله : (وإذ ابتلى) ، وإذا اختبر .
يقال منه : "ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء" ، ومنه قول الله عز وجل : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ) [سورة النساء: 6] ، يعني به : اختبروهم" .
وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم ، اختبارا بفرائض فرضها عليه ، وأمر أمره به . وذلك هو"الكلمات" التي أوحاهن إليه ، وكلفه العمل بهن ، امتحانا منه له واختبارا .

ثم نقل عدة روايات ، على عادته ، تبين هذا الابتلاء ، منها :
قول ابن عباس : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم ، ابتلاه الله بكلمات ، فأتمهن . قال : فكتب الله له البراءة فقال : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) [سورة النجم: 37] . قال : عشر منها في"الأحزاب" ، وعشر منها في"براءة" ، وعشر منها في"المؤمنون" و"سأل سائل" ، وقال : إن هذا الإسلام ثلاثون سهما . اهـــ ، وكلها تكليفات شرعية ، لا كلمات كونية .

ثم أردف القول الأول ، بالثاني وهو :
وقال آخرون : هي خصال عشر من سنن الإسلام .
ثم سرد روايات تبين هذه الخصال أو السنن ، منها قوله :
حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس :"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال ، ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد . في الرأس : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس . وفي الجسد : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر الغائط والبول بالماء . اهـــ
وهي ، أيضا ، خصال تكليفية ، لا كلمات كونية .

وأما ابن كثير ، رحمه الله ، فيقول :
"يقول تعالى مُنَبِّهًا على شرف إبراهيم خليله ، عليه السلام وأن الله تعالى جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد ، حتى قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي ، ولهذا قال : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ } أي : واذكر ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملَّة إبراهيم وليسوا عليها ، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين ، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم ، أي : اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي {فَأَتَمَّهُنَّ} أي : قام بهن كلهن ، كما قال تعالى : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } [ النجم : 37 ] ، أي : وفى جميع ما شرع له ، فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ النحل : 120- 123 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 161 ] ، وقال تعالى : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 67 ، 68 ]
وقوله تعالى : { بِكَلِمَاتٍ } أي : بشرائع وأوامر ونواه ، فإن الكلمات تطلق ، ويراد بها الكلمات القدرية ، كقوله تعالى عن مريم ، عليها السلام : { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } [ التحريم : 12 ] .

وتطلق ويراد بها الشرعية ، كقوله تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [ الأنعام : 115 ] أي : كلماته الشرعية . وهي إما خبر صدق ، وإما طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا ، ومن ذلك هذه الآية الكريمة : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } أي : قام بهن . قال : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } أي: جزاء على ما فَعَل، كما قام بالأوامر وتَرَكَ الزواجر ، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به ، ويحتذى حذوه" . اهـــ

فلم يكن اصطفاؤه لإمامة الناس جعلا كونيا ، وإنما كان جزاءا على ما التزم به من كلمات شرعية ، ومضمون الكلمات الشرعية ، كما تقدم ، أوامر ونواه ، والله أعلم .

ويشير الألوسي ، رحمه الله ، إلى معنى لطيف في الابتلاء المذكور في الآية إذ يقول :
والمراد به هنا التكليف ، أو المعاملة معاملة الاختبار مجازاً ، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى لكونه عالم السر والخفيات ، ................. ، فالابتلاء بمعنى الاختبار حقيقة لصحته من العبد . اهـــ
وقد سبق أن المقصود هنا اختبار من يعلم العلم الأزلي الأول لا من يختبر ليكتسب علما جديدا ، تعالى الرحمن عالم السر والخفيات عن ذلك علوا كبيرا ، وهو ، وإن لم يصح إطلاقه في حق الله ، عز وجل ، بمعنى الاختبار حقيقة ، إلا أنه يصح إطلاقه بهذا المعنى في حق العبد .

ويشير في موضع تال لمعنى الإمام لغة بقوله :
والإمام اسم للقدوة الذي يؤتم به . ومنه قيل لخيط البناء : إمام ، وهو مفرد على فعال .

وظاهر كلام الألوسي ، رحمه الله ، قصر هذه الإمامة على إمامة النبوة ، وعليه يكون آخر إمام ، بهذا المعنى المخصوص ، محمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين وإمامهم ، ونص كلامه :
وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملاً للنبي والخليفة وإمام الصلاة ، بل كل من يقتدي به في شيء ولو باطلاً كما يشير إليه قوله تعالى : { وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار } [ القصص : 1 4 ] إلا أن المراد به ههنا النبي المقتدى به ، فإن من عداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته ، وهذه الإمامة إما مؤبدة كما هو مقتضى تعريف الناس وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار ولا يضر مجيء الأنبياء بعده لأنه لم يبعث نبي إلا وكان من ذريته ومأموراً باتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم اتفاق الشرائع التي بعده في الكل ، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب ، وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ ولو بعضه لا يقال له مؤبد وإلا لكانت إمامة كل نبي مؤبدة ولم يشع ذلك ، فالمراد من (الناس) حينئذ أمته الذين اتبعوه ، ولك أن تلتزم القول بتأبيد إمامة كل نبي ولكن في عقائد التوحيد وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلاً كما يشير إليه قوله تعالى : {أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده} . اهــــ
والراجح ، والله أعلم ، عدم قصر الإمامة ، على هذا المعنى المخصوص ، بل هي عامة في حق كل من استوفى شروطها ، عربيا كان أم أعجميا ، والله أعلم .

وأما أبو حيان ، رحمه الله ، فقد بدأ كلامه على هذه الآية بذكر معنى "الإمام" إذ يقول :
الإمام : القدوة الذي يؤتم به ، ومنه قيل لخيط البناء : إمام ، وللطريق : إمام ، وهو مفرد على فعال ، كالإزار للذي يؤتزر به . اهـــ
ويقول في موضع آخر :
وفي ري الظمآن الابتلاء : إظهار الفعل ، والاختبار : طلب الخبر ، وهما متلازمان .
وكلامه مشابه لكلام الألوسي ، وإن زاد عليه معنى الطريق ووزن "إمام" على وزن "إزار" ، فضلا عن المعاني التي نقلها عن "ري الظمآن" .
ولم يخرج أبو حيان ، رحمه الله ، عن معنى الاختبار بالتكاليف الشرعية الذي ارتضاه من سبق نقل كلامهم ، إذ يقول :
والابتلاء : الاختبار ، ومعناه أنه كلفه بأوامر ونواه . والباري تعالى عالم بما يكون منه . وقيل : معناه أمر . اهـــ
فعلمه ، كما سبق ، ليعلم المطيع من العاصي ، علم ظهور وانكشاف يتميز به المطيع من العاصي ، كما في :
قوله تعالى : (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) .
وقوله تعالى : (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) .
وقوله تعالى : (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) .

وأما الزمخشري ، غفر الله له ، فكلامه في هذا الموضع لا يخلو من دسيسة اعتزال ، لأن الآية تتعلق بابتلاء المكلفين واختبارهم ، وقد زل المعتزلة في هذا الموضع أيما زلل ، إذ نفوا القدر تنزيها ، لله ، عز وجل ، زعموا ، فنسبوه للعجز ، تعالى عما يقولون علوا كبيرا ، ويكفينا في هذا الموضع أن نشير إجمالا إلى عقيدة أهل السنة في هذه المسألة ، باعتبارها من المسائل التي تميز فيها أهل السنة عن غيرهم من الفرق ، كالمعتزلة نفاة القدر ومن تبعهم من متأخري الإمامية من جهة ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله في "منهاج السنة" (1/127_130) طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود ، والجبرية الذين غلوا في إثبات القدر من جهة أخرى حتى نفوا قدرة العبد ، وجوزوا نسبة الظلم لله ، عز وجل ، لإثبات قدرته .

فأهل السنة وسط بين الفريقين : يثبتون قدرة الله ، عز وجل ، المهيمنة ، ويثبتون للعبد إرادة مخلوقة مؤثرة يختار بها أفعاله دون أن تخرج عن قدرة الله ، عز وجل ، مع كونه غير مجبور على فعله ، فإن قيل كيف ؟ ، فالجواب : قوله تعالى : (ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فهو ، عز وجل ، ليس كمثله شيء في أفعاله ، والقدر من أفعاله ، كما أنه ، عز وجل ، ليس كمثله شيء قي ذاته وصفاته ، فلا يتصور في حق غير الله ، عز وجل ، أن يكون لأحد تأثير في قدرة أحد مع كون الثاني غير مجبور ، ولكن الخالق ، عز وجل ، لا يقاس على المخلوق ، وإنما مناط المسألة : هل يقدر الله ، عز وجل ، على أن يخلق فعلي ويخلق إرادتي ويقدر على هذا الفعل دون أن أكون مجبورا عليه ؟ ، فإن قال العبد : نعم ، استراح وانشرح صدره وأحسن الظن بربه فأقبل على الطاعة مستعينا بمن خلقه وخلق فعله ، وإن قال : لا ، فهو على خطر عظيم .
فالله ، عز وجل ، عند أهل السنة ، خالق لفعل العبد ، والعبد فاعل لقدرة حقيقية مؤثرة ، والله أعلم .

ويكفينا ، أيضا ، من قول الزمخشري ، غفر الله له ، في هذا الموضع قوله :
{ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات} اختبره بأوامر ونواه . اهـــ
إذ اتفق مع كل من سبق في أن الابتلاء هنا تكليفي شرعي بأوامر ونواه . اهـــ

ومن المعاصرين يقول ابن عاشور رحمه الله :
والابتلاء افتعال من البلاء ، وصيغة الافتعال هنا للمبالغة والبلاء الاختبار ، ..................... ، والمراد هنا التكليف لأن الله كلفه بأوامر ونواه إما من الفضائل والآداب وإما من الأحكام التكليفية الخاصة به .
فمناط الأمر عنده ، كما تقدم من كلام سابقيه ، الأمر والنهي الشرعيين .
وقد أشار إلى حصر الإمامة في إمامة النبوة بقوله :
ويجوز أن يكون الابتلاء هو الوحي بالرسالة ويكون قوله : {إني جاعلك للناس إماماً} تفسيراً لابتلى . اهـــ
وهو الرأي الذي مال إليه الألوسي ، رحمه الله ، كما تقدم .
وأشار إلى معنى "الإمام" بكلمة موجزة فقال :
والإمام الرسول والقدوة . اهـــ

وفسر الكلمات بقوله :
وأَجْمَلَها هنا إذ ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم ولا بسط القصة والحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه وامتثاله لِتكاليف فأتَى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء ، وهذه عادة القرآن في إجمال ما ليس بمحل الحاجة ، ولعل جمع الكلمات جمعَ السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول الحنيفية وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة ، فلعل منها الأمر بذبح ولده ، وأمره بالاختتان ، وبالمهاجرة بِهاجَر إلى شقة بعيدة وأعظم ذلك أَمْرُه بذبح ولده إسماعيل بوحي من الله إليه في الرؤيا ، وقد سمي ذلك بلاء في قوله تعالى : { إن هذا لهو البلاء المبين } . اهـــ
فالمهم عنده أنها تكاليف شرعية ، أيا كانت ، والله أعلم .


وأما الشنقيطي ، رحمه الله ، فيقول :
قوله تعالى : { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } .
يفهم من هذه الآية أن الله علم أن من ذرية إبراهيم ظالمين . وقد صرح تعالى في مواضع أخر بأن منهم ظالماً وغير ظالم ، كقوله : { وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } [ الصافات : 113 ] ، وقوله : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِه } [ الزخرف : 28 ] الآية . اهــــ
فالإمامة ليست ميراثا ، كما تقدم ، وإلا لورثها آل إبراهيم من يهود ونصارى وعرب ، وإنما هي منزلة في الدين ، غير مقصورة في بيت من البيوت ، أو جنس من الأجناس ، من استوفى شروطها نالها ، نبيا كان أم وليا ، عربيا كان أم أعجميا ، من بيت نبوة كان ، كآل البيت الذين ما بدلوا ولا حادوا عن سنة جدهم صلى الله عليه وسلم ، أم لم يكن .

والله أعلى وأعلم .