المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول المرابطين والموحدين


أبو المهاجر المصري
18May2006, 09:08 مساء
بسم الله
السلام عليكم

كنت قد شاركت في العام الماضي في منتدانا المبارك بمشاركة تحت عنوان "حول المغرب الحبيب" ، تعرضت فيها لعدة أدوار تاريخية مهمة ، في مسيرة الجناح الغربي لأمتنا الإسلامية ، وقد أعدت صياغتها ، مرة أخرى ، ولله الحمد ، وبسطت القول في كثير من أحداثها ، بما يرجى معه زيادة فائدة إن شاء الله ، وبدأت الكلام من بداية الدولة المرابطية ، لأن المغرب الإسلامي لم يظهر على الساحة كقوة سياسية مستقلة إلا بدءا من عهد المرابطين واستمر كذلك خلال عهد الموحدين وبني مرين ، وإن تقلص دوره في عهد بني مرين بانقسام المغرب على نفسه القسمة المعروفة اليوم ، فمغرب أقصى ، تشغله دولة المغرب الحالية ، ومغرب أوسط تشغله دولة الجزائر ، ومغرب أدنى تشغله دولتا ليبيا وتونس .

ومع المرابطين ، تكون أولى هذه المحطات إن شاء الله :
والكلام عن أولئك القوم ، لا يمل المرء منه ، فالمرابطون ، قصة بناء أمة ، خرجت من قلب الصحراء المغربية ، لتنشر الإسلام الصحيح بين قبائل المغرب ، التي تلبست ببدع ومنكرات ، وصلت لحد خروج بعضها عن دائرة الإسلام ، كما هو حال "برغواطة" في تلك الفترة ، ولتنقذ الإسلام في الجزيرة الأندلسية ، بعد سقوط دولة بني أمية .

وعن أصل تسمية القوم بالملثمين ، يقول المؤرخ الألماني يوسف أشباخ في "تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين" ، (1/68) :
وكانت قبائل لمتونة وكدالة ، أو جدالة ، ومسطاسة ، أو "مسطافة" ، كما بين الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله في حاشية الكتاب ، تعرف باسم مشترك هو : "الملثمون" وذلك إما لأنهم كانوا يتخذون في أعراسهم نوعا من الحجاب ، أو لأنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم ، أن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات حتى يحسبن في عداد الرجال . اهـــ ، وقد تكرر هذا الأمر في نهاية الدولة المرابطية لما خرجت فانو بنت عمر بن ينتان للدفاع عن "مراكش" ، فأثخنت في جيوش الموحدين التي حاصرت "مراكش" سنة 542 هــــ ، وكانت ترتدي اللثام حتى لا يعرف أنها امرأة ، وقد دهش الموحدون من شجاعة ذلك الفارس الملثم الذي أثخن فيهم ، ولم يعرفها الموحدون حتى قتلت وتبين أنها امرأة في ثياب رجل .

وقد وصل تميز المرابطين بهذا اللثام أنهم كانوا لا يعرفون قتلاهم في المعارك إذا انكشفت وجوههم حتى يردوا اللثام على وجوههم مرة أخرى ، وعلى العكس كانت نساء الملثمين سافرات الوجوه ، وهذا مما استغرب من أحوالهم ، والله أعلم .


وبداية هذه القصة ، هي رجل صالح من قبيلة لمتونة ، لا يعرفه الكثير ، هو أبو عبيد الله بن تيفاوت ، رحمه الله ، الذي استشهد في إحدى معاركه مع جيوش مملكة غانا ، والمتتبع لهذه الحقبة في تاريخ المغرب الأقصى ، كما يقول الدكتور طاهر راغب ، في كتابه "التطور السياسي للمغرب من الفتح الإسلامي إلى آخر القرن العاشر الهجري" ، يلاحظ أن قبائل المرابطين أو "الملثمين" ، قامت بجهود كبيرة في نشر الإسلام في مواقع بعيدة ، إذ ساعدهم موطنهم الذي عاشوا فيه ، بين المغرب والسودان الغربي ، على نشر الإسلام في هذه المواقع السودانية ، وضربوا الجزية على من لم يدخله من القبائل المسالمة هنالك ، وقد ظل الملثمون يجاهدون في هذه المنطقة السودانية مدة طويلة بدأت قبل أن تنشأ دولة المرابطين واستمرت خلالها ، ولكنهم مع هذه الجهود العظيمة ، كانوا قليلي العلم والفقه في الدين ، فكان لابد من معلم لهذه القبائل ، يسد هذا النقص في حياتهم .

وعندئذ ، يقدر الله سبحانه وتعالى ، أن تميل نفس القائد الهمام "يحيى بن إبراهيم الجدالي" ، رحمه الله ، (نسبة إلى قبيلة جدالة) ، إلى التفقه في الدين ، فيرحل إلى "القيروان" ، معقل الإسلام الحصين في المغرب ، ليلتقي بالفقيه ذائع الصيت "أبي عمران الفاسي" ، تلميذ الفقيه "أبي الحسن القابسي" ، فيوجهه أبو عمران لتلميذ له ، هو فقيه السوس ، الفقيه العابد الزاهد "وجاج بن زلو اللمطي" ، (نسبة إلى قبيلة لمطة) ، فيختار وجاج ، رحمه الله ، لهذه المهمة الصعبة الفقيه "عبد الله بن ياسين" ، الذي يقبل هذه المهمة التي رفضها ، من قبله العديد من تلاميذ أبي عمران الفاسي في القيروان ، والعظماء كفء للعظائم ، والأصاغر كفء للصغائر .


على قدر أهل العزم تأتي العزائم ******* وتأتي على قدر الكرام المكارم .

إنها سلسلة أخرى من سلاسل رجال الإسلام الذهبية ، أولى حلقاتها القابسي فالفاسي فوجاج فعبد الله بن ياسين ، فلا بقاء لهذه الأمة إلا بحفظ دينها ، ولا يحفظ الدين إلا أمثال هؤلاء العلماء العاملين .

ويبدأ عبد الله ، رحلة الدعوة إلى الله ، بين قبائل الملثمين ، ولكن كعادة ، أي داع إلى الله ، يقابل عبد الله بالصد والجفاء ، فيلجأ إلى الاعتزال في رباطه ، بصحبة أتباعه المخلصين ، كيحيى بن إبراهيم ، ويحيى بن عمر ، وأخيه أبي بكر بن عمر ، لتبدأ مرحلة جديدة ، من تربية الرجال الذين سيحملون هذه الدعوة المباركة ، إلى قبائل الملثمين .

وعن عبد الله بن ياسين ، رحمه الله ، يقول يوسف أشباخ في لمز خفي : (وكان مؤسس الدولة المرابطية يضطرم بتعصب مغرق استطاع أن يبثه في قبائل الصحراء ، وكان يرى سحق جميع الذين لا يتلقون تعاليمه كلها دون قيد ولا شرط ، وكثيرا ما فعل ذلك متى توفرت له الوسيلة ، وكان شديد التقشف في مأكله ومشربه ، وكان خطيبا موهوبا قوي التأثير والإقناع ، واسع العلم والمعرفة يرى فيه البدو البسطاء مخلوقا فوق البشر ، وبلغ من نفوذه لدى هذه الجموع البدائية أن استطاع أن يقودها لفتح أهل المغرب والقبائل البربرية ، وكانت تعاليمه غاية في البساطة تسير جنبا إلى جنب مع نظم الدولة البسيطة ، وكانت أخص واجبات المرابط الورع تنحصر في الصلاة والزكاة وأداء العشر . وكانت الغنائم التي تحصل في الحرب بعد أن يفرز منها خمس الإمام توزع على المجاهدين فتحفزهم بذلك إلى الغزو والظفر من جديد) .
"تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين" ،(1/69 ، 70) .

ويوسف أشباخ ، من جنسيته الألمانية ، مستشرق درس تاريخ المسلمين كغيره من المستشرقين ، والقوم لا يفهمون فريضة الجهاد في سبيل الله ، إلا وفق عقولهم المادية ، التي ترى الغزو والقتال وسيلة لبسط السيطرة وقهر المخالف والاستيلاء على ثرواته ، كما هو حال كل الحروب المعاصرة ، وإن اختفت هذه المثالب تحت ستار نشر الحرية والديمقراطية وتحرير الشعوب ............... الخ ، وهم معذورون في ذلك ، فتاريخهم ملئ بسفك الدماء وقهر الأمم ، بل وإبادتها عن بكرة أبيها ، لتخلو لهم الأرض ، كما حدث في أمريكا الشمالية لما أباد الصعاليك المهاجرون من أوروبا أمة "الهنود الحمر" بأكملها لتخلو لهم أرض القارة ، فلم يرو في الحرب إلا هذه المعاني الوضيعة ، فأسقطوها ، جهلا أو سوء طوية ، على تاريخ الإسلام العسكري ، وصوروا فتوحات المسلمين ، التي فتحت القلوب قبل أن تفتح البلاد ، على أنها نشر للدين بالسيف ، كما يدندن كثير منهم حول هذا المعنى ، وإبادة لأمم البلاد المفتوحة ، فالتعصب هو محركها ، والاستيلاء على ثروات الآخرين هو غايتها ، وراحوا يدندنون حول بعض أحكام الجهاد ، كالرق ونحوه ، مع أن الرق موجود في كتبهم التي يزعمون قدسيتها ، وأين رق الإسلام الذي هذب النفوس ، وأخرج العلماء من الموالي كنافع وعكرمة وغيرهم ، وأدخل الناس في دين الله أفواجا لما رأى القوم أخلاق الفاتحين الجدد الذين حفظوا العهود والمواثيق وحرروا الشعوب من قهر واستبداد الحكام المتغلبين عليهم من الفرس والروم ، أين هذا الرق من رق أمة كأمة الرومان ، كان العبيد فيها وسيلة للهو والتسلية في حلبات المصارعة التي لابد أن تنتهي بمصرع أحد الخصمين تحت سمع وبصر السادة الذين جلسوا في مقاعد المتفرجين جذلين بما يرونه من أساليب وحشية في القتل وسفك الدماء .

وأين عهود المسلمين ، يوم فتحوا "سمرقند" ، في عهد الخليفة الراشد ، عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، دون أن يخيروا سكانها بين الإسلام أو الجزية أو السيف ، فاشتكى أهل سمرقند للخليفة ، عمر ، رحمه الله ، فأمر بخروج الجيش الفاتح ، وإعادة الكرة مرة أخرى بإنذار القوم قبل اقتحام المدينة ، أين هذا العهد الذي أدخل أهل سمرقند في دين الله أفواجا دون إراقة قطرة دم واحدة ، من عهود ومواثيق القوم في الأندلس ، لما قطعوا على أنفسهم العهد بتأمين المسلمين في غرناطة بعد سقوطها سنة 897 هــــ ، ولم تمض عدة سنوات حتى بدأ نصارى إسبانيا الكاثوليكية المتعصبة ، في طمس هوية المسلمين ، فطاردت محاكم التفتيش البقية الباقية من المسلمين في الأندلس ، وحرقت المصاحف و أمهات الكتب ، وأغلقت المساجد وحولت إلى كنائس ، بل وأغلقت الحمامات العامة ، وصدر تشريع يمنع الاغتسال ، والقوم معذورون فلا اغتسال عندهم من جنابة أو احتلام أو حيض أو نفاس ............ الخ ، فلم تصل فطرهم المنكسة إلى هذا الحد من الكمال بعد ، وألغي التخاطب بالعربية ، وحرم ارتداء الحجاب والملابس العربية ، وأجبر المسلمون على ترك دينهم ، ومع ذلك لم يحظوا برضا إسبانيا ، بل كانوا دوما محل الريبة والشك ، وعوملوا معاملة الأرقاء .

ومن قارن أحوال المسلمين في الأندلس بعد سقوطها ، بأحوال نصارى بلد كبلدنا ، مصر الحبيبة ، حفظها الله بالإسلام ، لما فتح عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، مصر ، عرف الفارق بيننا وبينهم ، فلم ينعم القوم بالأمان وحرية العقيدة إلا في ظل الإسلام ، وقد كانوا قبله مضطهدين من قبل روما "الكاثوليكية" التي فرضت عليهم المذهب الكاثوليكي الذي يقول بالطبيعتين : اللاهوتية والناسوتية ، وحاصل أمرهم أنهم يدعون أن المسيح صلى الله عليه وسلم ابن الله ، وأن له ، بزعمهم ، طبيعة إلهية وأخرى بشرية ، وكان نصارى مصر "أرثوذكس" يقولون بالطبيعة الواحدة ويدعون أن المسيح عليه الصلاة والسلام هو الله ، تعالى الله عما يقول الفريقان علوا كبيرا ، فمذهبهم أكفر من مذهب الكاثوليك ، ومع ذلك أنقذهم الفاتحون الجدد من نير الرومان ، وأخرجوا قساوستهم ورهبانهم من غياهب السجون ، وأقبلت مصر على دين الله ، عز وجل ، وبقي من بقي على نصرانيته ، ولا زال أحفادهم إلى اليوم يعيشون بيننا ، ولم نسمع بمحاكم تفتيش أقامها عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، لإجبار النصارى على الدخول في دين الله ، ولم نر تحويلا إجباريا للكنائس إلى مساجد ، ومن شاء فليطالع ، على سبيل المثال ، كتاب الصلح الذي عقده أمير المؤمنين الفاروق ، رضي الله عنه ، لأهل إيلياء ، سنة 15 هـــ ، وشهد عليه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنهم ، وقد أورده الطبري ، رحمه الله ، في تاريخه ، (3/609) .

ولم نسمع بطمس لهوية الأقباط أو محاولة لفرض اللغة العربية عليهم ، بل هم الذين أقبلوا على تعلمها ، وهجروا لغتهم ، وباعتراف معاصريهم ، كان للثقافة الإسلامية دور كبير في تنشئتهم ، واليوم يدعي القوم أننا أحفاد "الغزاة" !!!! ، وأنهم أصحاب البلاد الأصليين ، مع أن عدد الجيش الإسلامي الفاتح كان 8000 مقاتل بعد إرسال المدد الثاني ، فكيف ينجب 8000 ، سبعين مليونا ، وهو تعداد مسلمي مصر حسب الإحصائيات الحقيقية ، ولا ينجب سكان مصر في ذلك الوقت ، وبطبيعة الحال لا يمكن أن يقل عددهم في ذلك الوقت عن مليون أو مليونين ، كيف ينجب هذا العدد 7 ملايين فقط ، وهو تعداد نصارى مصر اليوم ؟!!!!! ،

واليوم يدعي القوم أننا نجبر أولادهم وبناتهم على اعتناق الإسلام ، ويصور أكابرهم ممن هاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وتسموا بـــ "أقباط المهجر" الأمر على أنه مذبحة لنصارى مصر ليحثوا القوى الأجنبية على التدخل في شئون مصر ، ولم نفعلها ونحن أقوياء أعزاء ، فما بالنا نفعلها اليوم وقد غلبنا على أمرنا ، أما كان الأولى أن نجبرهم على اعتناق الإسلام يوم كانت الدولة لنا ؟!!!! ، وما ذنبنا إذا كان نور الحق قد سطع في قلوب أبناءهم وبناتهم ، وخاصة في بيوت أكابرهم من الرهبان والقساوسة لما عرفوا أكثر من غيرهم من عوام النصارى ما هم عليه من زيف وضلال ، ناهيك عن ألوف من المسلمين ، من إخواننا المستخفين بدينهم بين الأسر النصرانية خوفا من بطش الكنيسة المتعصبة بهم ، حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده ، ولو خلي بين عوام النصارى وبين الاطلاع على كتبهم المحرفة ومقارنتها بالقرآن الكريم ، لأسلمت جموعهم ، ولكن للقساوسة والرهبان مصالح في تضليل القوم ، وعنها يقول الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) .

وقد خاطب الله ، عز وجل ، نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ، فأكد مشيئته ، عز وجل ، بمؤكدين "كل" و "جميعا" ، وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو أكرم الخلق على الله ، عز وجل ، لا يملك ذلك ، أيملكه أتباعه من بعده ؟!!!! ، اللهم إن الحق بين ولكنهم قوم يعتدون .

والمستشرقون ما برحوا يدندنون على وتر انتشار الإسلام بالسيف ، فعلى سبيل المثال ، ادعى الخبيث المدعو بـــ "جورجي زيدان" ، مؤسس مجلة الهلال ، صاحب "روايات تاريخ الإسلام" ، عليه من الله ما يستحق ، وهو معدود للأسف الشديد في الأوساط الأدبية والعلمية في العالم العربي من كبار رواد عصر "التنوير" المزعوم ، ادعى ذلك المغرض في روايته "شارل وعبد الرحمن" ، أي شارل مارتل قائد النصارى وعبد الرحمن الغافقي قائد المسلمين ، أن عبد الرحمن الغافقي ، رحمه الله ، بطل "بلاط الشهداء" الذي مد الفتح الإسلامي لجنوب فرنسا ، قد أحرق معابد النصارى وصوامعهم وقتل خمسمائة من رهبان النصارى المتفرغين للعبادة في دير في جنوب فرنسا ، ليسم الفتح الإسلامي بالهمجية والبربرية .
وللفائدة تراجع هذه المحاضرة القيمة عن معركة بلاط الشهداء :
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=37996

وقد نجم عن ذلك الهجوم الحاد أن ظهر بين المسلمين فئة متخاذلة تنكر انتشار الإسلام بالسيف بتاتا وتتنصل من فتوحات أسلافنا ، لأنها ، في نظرهم ، دليل دامغ على صحة الاتهام ، وخير الأمور أوسطها ، فللسيف دور في نشر دين الله ، عز وجل ، ولكنه سيف رحمة وعدل ، سيف أمة قال الله ، عز وجل ، عنها : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) ، سيف أخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فالسيف وسيلة لا غاية ، فلو دخل حكام العالم القديم ، الفرس والروم ، في الإسلام ، لما سل سيف من غمده ، ولو قبلوا أداء الجزية نظير حمايتهم وبسط سلطان المسلمين عليهم ، لما سل ذلك السيف ، ولو خلوا بيننا وبين شعوبهم ، لتعرف الإسلام الحق ، لما احتجنا لسل سيوفنا ، ولكن للقوم مصالح ومكاسب ، فقد استعبدوا شعوبهم ، بالقهر تارة ، وباسم الدين تارة أخرى ، فلو عرفت تلك الشعوب الإسلام لتساوت الرؤوس وألغيت الامتيازات الباطلة ولا أخطر على كبرائهم من ذلك ، لذا رفضوا دعوة الإسلام لأنها تهدد عروشهم التي أقيمت على ظلم العباد واسترقاقهم ، فكان لابد من سل هذا السيف المبارك لتفتح دعوة الإسلام القلوب ، ولابد للحق من قوة تنشره وتحميه .

وسيف الإسلام يختلف عن بقية السيوف ، ولا ندري كيف يروج الغرب لهذه الفرية ، وقد شهد جنوب القارة الأوربية في أواخر القرن الماضي نموذجا عمليا لسيف النصارى ، بشقيه الصربي الأرثوذكسي والكرواتي الكاثوليكي ، لما تمكن من رقاب المسلمين في "البلقان" ، فأين سيف يرصد المكافآت لمن يقتل أطفال المسلمين ، ولو كانوا رضعا ، وتصدر مؤسساته الدينية فتاوى ، إن صح التعبير ، تبيح لأتباع المذهب الأرثوذكسي أعراض نساء المسلمين ، أين هذا السيف الذي قتل وفقا للإحصائيات الرسمية : 200 ألف مدني أعزل ، وانتهك أعراض 60 ألف من نساء الموحدين ، وهي بطبيعة الحال إحصائيات غير دقيقة فالأرقام أكثر من ذلك بالكثير ، أين هذا السيف الآثم من سيف صديق الأمة الأعظم ، أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، سيف : (لا تخونوا ، ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ، ولا شيخا كبيرا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ، ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة أو بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة ، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) ، ولا عجب أن يكون هذا سيف شيخ المهاجرين والأنصار ، رفيق المصطفى صلى الله عليه وسلم في الغار ! ، فأينا أحق بالخجل من تاريخه ، القوم أم نحن ؟!!!! .

وأين من يرمون الإسلام بوصمة استعباد شعوب الأرض واستحلال فروج النساء بملك اليمين الذي شرعه الله ، عز وجل ، من انتهاك أعراض الصرب لأعراض نساء المسلمين ، بلا قيد ، في سياسة منظمة اعتبرها الصرب ، أخزاهم الله ، جزءا من استراتيجيتهم ، لعلمهم بقيمة العرض عند المسلم خلاف بقية الشعوب ، وخاصة الأوربية التي تستهين بالأعراض أيما استهانة فلا تكاد تجد بكرا بالغة في مجتمعاتهم المنحلة .

فأي الفريقين أحق بالذم ، من أكرم ملك اليمين وجعل لها من الحقوق ما يصون آدميتها ، فلا يفرق بينها وبين ابنها ، وإن ولدت لسيدها صارت أم ولد لا يجوز بيعها .......... الخ ، أم من ينتهك العرض ويلقي بفريسته بلا وازع من دين أو ضمير أو حتى آدمية ؟!!! ، والحوادث قديما وحديثا حكم بيننا وبينهم ، فبالرغم مما فعله اليوغسلاف ببنات المسلمين لم يرد المسلمون الجرم بمثله ، مع قدرتهم على الرد ، بعد توالي الانتصارات العسكرية لكتائب المجاهدين في البلقان ، وخاصة مع نهاية الحرب سنة 1995 م ، باتفاقية "دايتون" ، الخبيثة التي أوقفت المد الإسلامي في أرض البلقان ، ولو استمرت الحرب عدة أشهر أخرى ، لتعرض الصرب والكروات لكارثة عسكرية مروعة ، ونساء الصرب في المناطق التي فتحها المسلمون أدرى الناس بهذا الأمر ، والله أعلم .


والإسلام في علاجه لظاهرة الرق وكانت ظاهرة متفشية في كل مجتمعات العالم ، لم يلجأ للحلول الارتجالية ، كما فعل الرئيس الأمريكي "إبراهام لينكولن" الملقب بـــــ "محرر العبيد" ، الذي ألغى الرق وحرر كل العبيد دفعة واحدة ، فتكدست الطرقات بجيوش من العاطلين لم تؤهل لمواجهة الحياة بصورة مستقلة ، ولكنه عالج هذه الظاهرة تدريجيا ، فشرع المكاتبة ، على سبيل المثال ، لتأهيل الرقيق وتدريبه على التكسب ليصير عضوا نافعا في المجتمع بعد تحريره ، ورغب الشارع في العتق ، وجعله كفارة كثير من الذنوب ، فاختفى تدريجيا من المجتمعات الإسلامية دون إحداث أي هزات عنيفة تهدد كيان الجماعة المسلمة ، والله أعلم .

مستفاد من كلام للشيخ فوزي السعيد ، حفظه الله ، في الرد على شبهات أعداء الإسلام حول الرق .



وأمة الإسلام ، كما يقول الشيخ أحمد السيسي ، حفظه الله ، وهو أحد الدعاة المتميزين عندنا في مدينة الإسكندرية وله نشاط دعوي ملحوظ في الولايات المتحدة الأمريكية ، أمة لها هدف معين ، استعملها الله ، عز وجل ، لتحقيقه ، فهي أمة أخرجت للناس ، فلم تخرج لنفسها ، ولم تخرج لتشييد القصور وملأ الكروش ، فمتى حادت عما أخرجت له سلط الله ، عز وجل ، عليها ذلا لا يرفعه حتى ترجع ، والله أعلم .

وفتوحات المسلمين ، كما تقدم ، ليست كفتوحات غيرهم ، فغيرهم يفتح لينهب ويستعبد ، وإن ترك أثرا فإنما يترك أثرا ماديا بحتا ، كقصر أو معبد أو ............... ، ولا يكون لفتحه صدى في القلوب .

يقول الدكتور دراز رحمه الله : (ومما أذهل عقول مؤرخي التاريخ وفلاسفته أن المسلمين قاموا بغزو بلاد ذات حضارات عريقة ، فكان من المنتظر قياسا على الغزوات المماثلة من قبل كغزوات الإسكندر الأكبر ، مثلا ، حيث لم تجاوز أعماله مجال التعمير الحضاري ، بمظهرها المادي فقط ، كان من المنتظر بقاء الأفكار الفلسفية والدينية للسكان الأصليين كما هي ولكن حدث نتيجة انتصار المسلمين لم يتوقع لأنه اكتسح ما لاقاه في طريقه كالسيل الجارف ، فتغير كل شيء بين يوم وليلة ، ولم يقتصر في هذه المرة على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط ، وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعا : فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وعقيدة الألوهية ، كل ذلك قد طرأ عليه تغيير جذري سريع) . اهـــ ، "مدخل إلى القرآن الكريم" ، ص54 ، نقلا عن منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين ، للشيخ الدكتور مصطفى حلمي ، حفظه الله ، ص34 .

وللرافضة ، قبحهم الله ، نصيب من هذا التشويه ، إذ نراهم يصبون جام غضبهم ، على الفاروق ، رضي الله عنه ، لأن "فارس" فتحت في عهده الزاهر ، فهم يزعمون أن عمر ، رضي الله عنه ، فتحوا فارس باسم "العروبة" لا الإسلام ، فالمعركة عندهم معركة بين الفارسية الكسروية ، والعروبة العمرية ، لا بين الإسلام والمجوسية الفارسية ، يقول الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله :
(وقد بلغ من حنقهم على مطفئ نار المجوسية في إيران والسبب في دخول أسلاف أهلها في الإسلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن سموا قاتله أبا لؤلؤة المجوسي "بابا شجاع الدين" .
وروى علي بن مظاهر ، من رجالهم ، عن أحمد بن إسحاق القمي الأحوص ، شيخ الشيعة ووافدهم : " أن يوم قتل عمر بن الخطاب يوم العيد الأكبر ويوم المفاخرة ويوم التبجيل ويوم الزكاة العظمى ، ويوم البركة ويوم التسلية") . اهــــ ،
نقلا عن "الفوائد البديعة في فضائل الصحابة وذم الشيعة" ، للشيخ الدكتور أحمد فريد ، حفظه الله ، ص117 .

ويقول ، إمامهم المزعوم ، الخميني ، عليه من الله ما يستحق ، في عنجهية فارسية مقيتة : (أقول صراحة : بأنه لا يوجد شعب كشعب إيران ، ولا مجلس كمجلس إيران ، ولا قضاء كقضاء إيران ، ولا شرطة كشرطة إيران منذ تاريخ العالم وحتى يومنا هذا ، من أفضل العهود في الإسلام عهد الرسول الأكرم ، ففي عهد الرسول الأكرم عندما كان في مكة لم تكن هناك حكومة وعندما جاء إلى المدينة وقامت الحكومة تعرفون جميعكم بأن جميع الذين كانوا معه ماذا كانوا يعملون معه ، لقد كانوا يتذرعون بشتى الذرائع يعودون ، أي من الجهاد ، بذريعة ما ، لقد كان النبي في عهده مظلوما أكثر من الآن لم يكن يطيعونه) .
نقلا عن "شهادة الخميني في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، ص33 ، 34 .
فهذا الدعي يريد أن يفهمنا أن سوق الجهاد في عهده كانت أروج من سوق الجهاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام الذين دانت لهم مشارق الأرض ومغاربها كانوا جبناء ، وأصحابه هو هم الأبطال المغاوير الذين يشهد تاريخهم الأسود بأنهم ما فتحوا شبرا من الأرض ، بل على العكس كانوا حربا على الإسلام وأهله ، فساهموا في القضاء على الخلافة العباسية السنية ، وطعنوا الخلافة العثمانية في ظهرها في أوج انتصاراتها في القارة الأوربية ، وحديثا قاتلوا المسلمين في العراق بمنتهى الشراسة ، واليوم تقوم ميليشيات الحرس الجمهوري الإيراني بتصفية أهل السنة في العراق بالتواطؤ مع قوات الاحتلال الأمريكي ، وهذا جهادهم وهذا جهادنا وهذا سيفهم وهذا سيفنا ، والتاريخ حكم بيننا وبينهم .

ويقول الإحقاقي الحائري , في شعوبية مقيتة ، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما فتحوا بلاد فارس : ( أولئك العرب الأعراب الأوباش عُبَّاد الشهوات الذين يتعطشون إلى عفة نساء فارس ) ، فلم تكن الفتوحات إذن لنشر دين الإسلام ، وإنما كانت تعطشا لعفة نساءكم ؟!!! .



وعودة إلى مرابطي المغرب ، فلا بد في هذا الموضع من الإشارة إلى مصطلح "الرباط" ، فهو مصطلح مشرقي ، أطلق أول ما أطلق على المرابطين ، على ثغور المسلمين ، المتاخمة لحدود أعدائهم كالروم ونحوهم ، فالغالب عليه ، في المشرق ، الطابع العسكري ، دون الاهتمام بالجانب العلمي ، ثم أطلق في المغرب ، على أربطة فقهاء المالكية ، الذين يقصدهم طلاب العلم من شتى البقاع ، فالغالب عليه هو الطابع العلمي ، ونجد أيضا هذا المصطلح يطلق على أربطة المبتدعة من الصوفية ، الذي اعتزلوا الحياة ، للعبادة بلا علم ، وأهملوا شؤون أمتهم ، ولذا لا يعجب المرء ، إذا علم أن أول رباط صوفي ، أنشأه أمير صليبي ، أظنه أمير الرملة لما كانت تحت الاحتلال الصليبي والأمر يحتاج لتحقيق ، وإذا رأى موقف "نابليون" ، من صوفية مصر ، لما شاركهم الاحتفال بالمولد النبوي !!!!!! ، وإذا رأى تشجيع الفرنسيين للطرق الصوفية في جمهورية الريف التي أنشأها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ، الثائر المغربي الشهير ، وإذا رأى دورهم في مناهضة جمعية علماء المسلمين في الجزائر الحبيب في عهد العلامة ابن باديس ، رحمه الله ، إبان الاحتلال الفرنسي ، وإذا رأى موقف القيادة الأمريكية من الطرق الصوفية المعاصرة ، حيث أبدت الحكومة الأمريكية تشجيعها وتأييدها ، لهذه الطرق المنحرفة ، لمواجهة التيار الإسلامي المتشدد ، بزعمهم ، وموقف الملك "محمد السادس" ، ملك المغرب الأقصى ، الذي اعتمد تمويلا كبيرا لدعم الطرق الصوفية في المغرب الأقصى ، لمواجهة التيار السلفي في المغرب ، وإذا رأى كبار رجال المؤسسة الدينية الرسمية عندنا في مصر الحبيبة ، من المتصوفة المتعصبين الذين يرمون أهل السنة من أتباع مذهب السلف بالبدعة والتعصب ، وهم مع توليهم هذه المناصب القيادية لا يعبرون عن واقع عدد كبير من علماء الأزهر الذين يسيرون على منهج السلف وجهودهم العلمية المباركة واضحة في كل الجامعات والمعاهد الدينية في شتى علوم الغايات والآلات ، ويبدو أن الصراع بين المدرسة السلفية الأثرية ، والمدرسة الصوفية الأشعرية ، في المغرب الحبيب ، مماثل لنفس الصراع بينهما عندنا في مصر ، (الخبران الأخيران ، المتعلقان بالمغرب وأمريكا نقلا عن موقع مفكرة الإسلام) .

ورباط عبد الله بن ياسين ، رحمه الله ، كما يقول الدكتور طاهر راغب ، رباط من نوع مختلف ، فهو جامعة لتخريج الدعاة الذين سيكون لهم بعد ذلك أبلغ الأثر ، في نفوس أبناء المغرب ، وهو رباط عسكري ، لتخريج المقاتلين ، فلا بد للحق من قوة تحميه ، ولابد من الصبر ، فلا يتعجل الحكيم صداما قبل أوانه ، ورغم المعاملة القاسية التي عامل بها عبد الله بن ياسين رحمه الله ، أتباعه الجدد ، والتي خرجت في بعض الأحيان عن حدود الشريعة ، ولا معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه نجح في النهاية ، في تكوين جيش صغير العدد ، عظيم الهمة ، شديد البأس ، بلغ قوامه 1000 مقاتل ، لتبدأ مرحلة أخرى من الجهاد العسكري ، الذي أعقبه ، بناء الهيكل السياسي لمغرب جديد ، مغرب مسلم ، مغرب سيحمل عبء نشر الإسلام جنوبا ، في دول الغرب الإفريقي ، وحماية الإسلام شمالا ، في الأندلس من هجمات عباد الصليب ، مغرب بقيادة القائد الفذ "أبو بكر بن عمر اللمتوني" ، رحمه الله ، الذي تولى القيادة بعد وفاة أخيه "يحيى" سنة 448 هـــ ، بتزكية الزعيم الروحي لهذه الحركة المباركة عبد الله بن ياسين .

ويبدأ القائد أبو بكر مرحلة جديدة من الجهاد لتوحيد الجبهة المغربية الداخلية ، فسار بجيوشه لقتال "برغواطة" المارقة ، وينشب القتال بين الفريقين حامي الوطيس ، ويختار الله ، عز وجل ، الزعيم عبد الله بن ياسين ، شهيدا في هذه المعارك ، نحسبه كذلك والله حسبه ولا نزكي على الله أحدا ، فيتولى أبو بكر من هذا التوقيت القيادتين : الدينية والعسكرية .

ويخالف القاضي عياض وابن خلدون ، رحمهما الله ، فيؤكدان أن المرابطين اتفقوا فيما بينهم على تقديم الشيخ سليمان بن حدو ، رحمه الله ، لتولي الزعامة الدينية ، بينما بقي أبو بكر الزعيم العسكري ، والله أعلم .
تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، للشيخ الدكتور علي محمد الصلابي ، حفظه الله ، ص63 .

وأيا كان الأمر فإن أبا بكر بن عمر اللمتوني ، كان الشخصية العسكرية الأولى في هذه المرحلة الجهادية ، وهو رجل من طراز خالد بن الوليد وعقبة بن نافع وموسى بن نصير ، وكان لفتوحاته الناجحة ، لمناطق شاسعة من الغرب الإفريقي ، أبلغ الأثر في وصول رسالة الإسلام إلى سكان تلك المناطق ، من القبائل الإفريقية ، وأثر عنه ، كعادة المرابطين ، إنشاء العديد من الأربطة ، أثناء توغله ، وقد سبق ، ما لهذه الأربطة ، من دور بارز في تنشئة المرابط ، علميا وعسكريا ، وآل الأمر في النهاية إلى تقسيم الدولة ، تقسيما ، أشبه ما يكون بالتقسيم الفيدرالي الحديث ، ففي الشمال دولة مرابطي المغرب ، بقيادة الأمير يوسف بن تاشفين ، التي أخذت على عاتقها ، توحيد الشمال الإفريقي ، ومد حدود الدولة الجديدة ، إلى الأندلس ، وفي الجنوب دولة مرابطي الصحراء ، وكانت جهودها حربية بالدرجة الأولى ، لنشر الإسلام في مناطق الجنوب ، بقيادة أبي بكر بن عمر ، وفي عام 452 هــــ ، ينشب نزاع بين جدالة ولمتونة أثناء انشغال أبي بكر بإنشاء عاصمته الجديدة ، التي ستعرف فيما بعد بــــ "مراكش" ، تلك المدينة الحبيبة ، قصبة الجنوب المغربي ، فينيب عنه يوسف بن تاشفين ، ويزحف جنوبا بنصف قوات المرابطين لدرء هذه الفتنة ، ويترك النصف الآخر مع يوسف الذي يشرع بدوره في تأديب القبائل المتمردة من مغراوة وزناتة وبني يفرن وغيرهم ، ويقع اختياره على 4 قواد من أبرع قواد المرابطين وهم : محمد بن تميم الجدالي وعمر بن سليمان المسوفي ومدرك التلكاني وسير بن أبي بكر اللمتوني ، الذي سيكون له دور بارز في جهاد النصارى في الأندلس بعد ذلك ، ويمضي الفريقان كل في مهمته ، الأول يتوغل جنوبا ، لنشر الإسلام بين القبائل الإفريقية ، والآخر يؤمن الجبهة الداخلية شمالا ، وبعد انتهاء مهمة الفريق الأول جنوبا ، يعود أبو بكر لعاصمته ، فيلمح في يوسف ، براعة في إدارة شئون الدولة ، فيؤثر التنازل له عن الإمارة ، لأنه خليق بها ، وهو خليق بالجهاد والفتوحات ، فلكل ثغره الذي يرابط عليه ، ويواصل حروبه حتى يسقط شهيدا سنة 480 هــــ .


وليوسف أشباخ ، كعادته ، رأي آخر ، إذ يقول : (أما أبو بكر فبعد أن أتم حربه ضد كدالة وفاز بالنصر عليها وقاد جيشه المظفر حتى قلب السودان قفل راجعا إلى مراكش سنة 466 هــــ ، ولما اقترب من المدينة دعا يوسف إلى لقائه متظاهرا بصداقته ، وكان قد وقف على أطماعه وعظيم فتوحه وقواته معتزما أن يجرده من الولاية التي قلده إياها بالغدر لا بالعنف ، فسار يوسف إلى لقائه في مكانه بجيش ضخم ، فارتاع أبو بكر ورأى أنه لم يبق له من السلطان سوى الاسم ، وأعلن في الحال استعداده لأن يترك لابن عمه مملكة المرابطين كلها وعاصمتها مراكش ، وأن يقنع بحكم اللمتونيين في الصحراء ، فلم يتردد يوسف في قبول هذا العرض ، وفي الحال أخذ البيعة لنفسه من جمهرة الزعماء الحاضرين ، وارتد أبو بكر إلى اللمتونيين في الصحراء ، وهنا تختلف الروايات في مصيره ، فيقول البعض إنه لبث هنالك يحارب قبائل السود المجاورة مدى ثلاثة أعوام حتى توفي في سنة 469 هــــ ، ويقول البعض الآخر إنه عكف على الأهبة للحرب لأنه لم يستكن إلى فقد سلطانه ، وأنه سار إلى محاربة يوسف ، ونشبت بينهما معاركة هزم فيها أبو بكر وأن الظافر لم يشعر نحو المحسن إليه بشيء من العرفان فأمر بإعدامه !!!!) .

تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، (1/72) .

فالكاتب يريد أن يصور لنا أبا بكر ، رحمه الله ، في صورة الماكر الغادر ، الذي يريد نزع امتيازات يوسف ، رحمه الله ، وهو الذي منحها إياه بنفسه ، وفي المقابل سار يوسف ، رحمه الله ، للقائه في جموع ضخمة ، وهذا الشق مما ترجحه الرواية الإسلامية ، ولكن أبا بكر لم يرجع للجنوب ليأسه من استعادة ملكه ، وإنما آثر التنازل عن إمارة الشمال ليوسف ، رحمه الله ، لما رأى من كفايته وحسن سياسته ، وارتد إلى الجنوب غازيا فاتحا لا يائسا مستكينا ، فقام بما لم يقم به أحد قبله ، فلم يؤثر مصالحه الشخصية على مصالح أمة الإسلام الوليدة في المغرب ، ولو فعل ذلك ، لانهارت هذه القوة الإسلامية الناشئة وأفنى بعضها بعضا ، فارتد ، كما سبق ، ليواصل مهمته المقدسة في أعماق غرب إفريقية بعد أن اطمأن على أحوال الشمال لما رأى من حنكة يوسف في إدارته ، وأما روايته الثانية عن نشوب حرب أهلية بين المعسكرين الشمالي والجنوبي فهي أشد سخفا ، وهذا ما كان أبو بكر يتقيه قدر المستطاع ، فكيف يسعى إليه بنفسه ؟!!!! ، ولم يأمر يوسف ، رحمه الله ، بإعدام كبار مناوئيه في الأندلس ، كالمعتمد بن عباد ، بعد أن اعتقلهم في "أغمات" ، فكيف يأمر بإعدام ابن عمه الذي تنازل له عن حكم مرابطي الشمال طواعية ؟!!! ، وحتى تاريخ وفاته لم يذكره صحيحا ، فقد استمرت غزوات أبي بكر ، رحمه الله ، حتى قتل شهيدا سنة 480 هـــ ، كما تقدم ، والله أعلم .

يقول الدكتور ، أحمد الدعيج ، حفظه الله ، في سلسلة "تاريخ المغرب والأندلس" ، ما مضمونه : إن الدول لا تقوم إلا على أكتاف رجال من أمثال أبي بكر بن عمر ، رحمه الله ، ممن يؤثرون مصالح الأمة على مصالحهم الشخصية .


وعن أبي بكر بن عمر ، رحمه الله ، يقول الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، في البداية والنهاية : "اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من ملوك ، كان يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل ، كان يعتقد طاعته ، وكان مع هذا يقيم الحدود ويحفظ محارم الإسلام ، ويحوط الدين ويسير في الناس سيرة شرعية ، مع صحة اعتقاده ودينه ، وموالاة الدولة العباسية" ، البداية والنهاية (12/143) ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص64 .

ويواصل يوسف قيادة الدولة المرابطية ، في عصرها الذهبي حتى توفي سنة 500 هـــــ ، وقد بلغت الدولة أوج قوتها ، إنها رحلة الألف ميل التي بدأ عبد الله بن ياسين ، رحمه الله ، أولى خطواتها سنة 430 هــــ ، والنصر لا يأتي في يوم وليلة ، بل قد تفنى الأعمار والأجيال ولما يتحقق ، والنصر مع الصبر ، وليس شرطا أن يجني كل القادة ثمار دعوتهم وجهادهم فقد مضى عبد الله بن ياسين ويحيى بن إبراهيم الجدالي ويحيى بن عمر اللمتوني وأبو بكر بن عمر اللمتوني ، مضى كل أولئك ولم يجن أحدهم ثمار هذه الدعوة المباركة ، ومن قبلهم مضى مصعب وحمزة وحنظلة وخبيب ، رضي الله عنهم ، وغيرهم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ولما تعم دعوة الإسلام وتفتح الشام والعراق وتجب كنوز الأرض إلى المدينة المنورة ، حفظها الله من كل سوء ، عاصمة الخلافة ، ولم يضرهم هذا شيئا فقد أدوا أدوارهم كاملة وإن لم يشهدوا نتاجها ، والله أعلم .


وخلال هذه الرحلة ، لابد من وقفات للتأمل ، ولعل أبرزها ، موقعة سهل الزلاقة سنة 479 هــــ :

فقد كانت الأندلس في تلك الفترة ، على شفا حفرة من الانهيار بعد سقوط "طليطلة" ، قلب الأندلس ، سنة 478 هـــ ، بتخاذل صاحبها القادر بالله بن ذي النون ، ولم تكن هناك قوة حقيقية تستطيع وقف الزحف النصراني على باقي الممالك الأندلسية ، التي تلقب أمراؤها بألقاب الملوك ، بل والخلافة ، وهم يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون ، لألفونسو السادس ملك قشتالة ، فالخلافة الأموية قد زالت فعليا من بلاد الأندلس مطلع القرن الخامس الهجري ، ورسميا سنة 427 هـــ ، بوفاة هشام بن محمد الأموي ، لاجئا عند ابن هود صاحب سرقسطة ، بعد 5 سنوات من خلعه سنة 422 هــــ .

وبدأ عصر ملوك الطوائف فعليا سنة 400 هـــ ، واستمر قرابة 8 عقود ، شهد الكثير من الصراعات التي كادت تودي بالجزيرة الأندلسية ، وساد التخاذل بعد سقوط طليطلة حتى قال ابن عسال الطليطلي مخذلا أهل الأندلس عن رد عدوان النصارى :


شدوا رواحلكم يا أهل أندلس ******* فما المقام فيها إلا من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه ******* وأرى ثوب الجزيرة ينسل من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه ******* كيف الحياة مع الحيات في سفط .

وما أغربه من رأي : إذا هاجمك العدو في بلادك فما عليك إلا أن تغادرها طلبا للسلامة !!!!! ، ولكنه الواقع المرير الذي ظهرت آثاره في كلام ابن عسال .

وما أصدق قول ابن رشيق ، يصف حال ملوك الطوائف :

مما يزهدني في أرض أندلس ******* ألقاب معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها ******* كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد .

وقول الآخر :
وتفرقوا شيعا فكل محلة ******* فيها أمير المؤمنين ومنبر
فلكل ولاية بل ومدينة : أمير للمؤمنين وجيش وراية ولو كان السلام الوطني موجودا آنذاك لكان لكل دويلة منها سلام وطني ويوم وطني وحدود دولية ومياه إقليمية ومجال جوي ...........
ولسائل أن يسأل : أين كان علماء الأمة في هذا الوقت العصيب ، والجواب كما يقول الدكتور ناصر العمر ، حفظه الله ، في كتابه "سقوط الأندلس" ص35 : "فحين كانت الأمة تغرق في الأندلس بسبب الاجتياح النصراني المتلاطم ، انصرف عدد من العلماء إلى العناية المبالغة بالفقه المذهبي وفروعه ونسوا وتناسوا واقع الأمة وآلامها" .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص87 .

فتحرير مسائل العلم ، وإن دقت ، من أعظم مهمات هذا الدين ، ولكن الإفراط في ذلك وتقديم ما حقه التأخير ، وعدم الالتفات لواجب الوقت ، وهو الذب عن بيضة الإسلام في الأندلس في ذلك الوقت ، كل ذلك أمر غير سائغ ، وإن شغل العلماء عنه بتحرير مسائل الفقه والدين ، فالعلم والعمل وجهان لعملة واحدة لا ينفك أحدهما عن الآخر ، فمتى حضر العلم وتخلف العمل ، كان حامله ممن يقول ما لا يفعل ، ومتى حضر العمل وتخلف العلم كان صاحبه مفسدا أكثر منه مصلحا وإن نوى الخير ، فالنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد ولا أفسد من عمل لا يعلم صاحبه أحكامه الشرعية ولك أن تتخيل إماما لا يعرف أحكام الصلاة أو تاجرا لا يعرف أحكام البيع والشراء والعقود والربا ........ الخ .

ويصور ابن حزم ، رحمه الله ، حال بعض أولئك فيقول : "ولا يغرنك الفساق والمنتسبون إلى الفقه ، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع ، المزينون لأهل الشر شرهم ، الناصرون لهم على فسقهم" . مجموع رسائل ابن حزم (3/173) ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص88 .

فلم يعدم كل "خليفة" من أولئك حاشية سوء تزين له سوء عمله وعلماء دنيا ينصرونه على فسقه بل ويصدرون الفتاوى في وجوب متابعته على فسقه وضلاله ومن خالف فهو خارج عن جماعة المسلمين ، ولا يعني ذلك تبرير الخروج على أئمة الجور بدون مراعاة الضوابط الشرعية ، فهي مسألة جليلة لا يتكلم فيها إلا كبار العلماء ، والله أعلم .

ورغم ذلك لم تخل الساحة من علماء ربانيين يحملون هم الأمة ، وعلى رأسهم في تلك الفترة الحرجة الإمام المالكي الشهير : أبو الوليد الباجي ، رحمه الله ، نسبة إلى مدينة "باجة" الشهيرة التي تقع في غرب الأندلس ودولة البرتغال اليوم ، إذ عاد من رحلته المشرقية في طلب العلم ليجد الأندلس وقد عصفت بها رياح الفرقة والشتات ، فبذل النصح مخلصا لأمرائها ، ولم ينزو كما انزوى كثير من علماء عصره في ركن قصي بعيدا عن هموم الأمة وآلامها ، فكان ممن توج العلم بالعمل ، فكان الرجل من طراز شيخ الإسلام ، رحمه الله ، أو قل : كان شيخ الإسلام ، رحمه الله ، وإن فاق أبا الوليد في هذا المضمار ، من طراز أبي الوليد بحكم تقدم الثاني على الأول ، والله أعلم .


ولسقوط طليطلة ، قصة غريبة ، فهي مدينة في غاية المنعة ، وسقوطها بهذه السهولة في يد "ألفونسو السادس" ، أمر يثير الدهشة ، ولكن الدهشة تزول إذا ما علمنا أن المأمون بن ذي النون ، حاكم طليطلة ، قد آوى ألفونسو لما ثار على أخيه "سانشو" ، بسذاجة منقطعة النظير ، ظنا منه أن هذا مما يقوي أواصر المودة بينه وبين ألفونسو ، وبالتالي لن يتأخر ألفونسو عن نجدته إذا ما احتاج إليه ، وقضى ألفونسو في منفاه مدة كافية لدراسة خطط مدينة "طليطلة" فريسته القادمة ، وبمجرد عودته إلى بلاده لتولي الملك بعد وفاة أخيه "ساتشو" ، أعد العدة لرد الجميل للمأمون ، فأعلن الحرب على طليطلة التي آوته ، وكان أمير طليطلة في تلك الفترة ، الأمير الضعيف الخائن : القادر بالله بن ذي النون ، حفيد المأمون ، وهو اسم على غير مسمى ، واستطاع ألفونسو بخبرته الميدانية الواسعة أن يشن حرب استنزاف طويلة الأمد لموارد طليطلة الطبيعية ، فجردها من مصادر القوت ، ولم يهب لنجدتها إلا أمير بطليوس ، الإمارة الصغيرة في غرب الأندلس ، المنصور يحيى بن الأفطس ، رحمه الله ، وهنا يتدخل المعتمد بن عباد في خيانة منقطعة النظير ، فيسير بقواته تجاه بطليوس ، ليحول دون نجدة بني الأفطس لطليطلة ، التي أضحت فريسة سهلة لألفونسو بعد انقطاع المدد عنها من بطليوس ، ومن "سرقسطة" إذ شغل أميرها "المؤتمن" بجهاده ضد إمارات أرجون وبرشلونة ، فضلا عن خطر المعتمد بن عباد الذي صار بتحالفه مع ألفونسو عبئا جسيما على أبناء ملته في الجزيرة الأندلسية ، وخطر ألفونسو نفسه ، فـــ "سرقسطة" في موقف تحتاج فيه إلى المعونة ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولم يبق إلا أن يوجه ألفونسو ضربته الأخيرة لطليطلة ، في السابع والعشرين من المحرم سنة 478 هــــ ، لتعود طليطلة إلى القوط النصارى بعد 372 عاما من الحكم الإسلامي ، ومنذ ذلك التاريخ أضحت طليطلة عاصمة قشتالة النصرانية ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم تعد طليطلة الحبيبة للمسلمين .

وبطبيعة الحال لم يقنع ألفونسو بهذا الانتصار العظيم الذي هز حواضر العالم في ذلك الوقت ، بل واصل تهديده لبقية حواضر الأندلس ، فبدأ ، كعادته ، بأقرب أصدقائه من المسلمين ، المعتمد بن عباد الذي سهل له الاستيلاء على طليطلة بقطع الطريق على بني الأفطس ، وكان المعتمد ، فضلا عن تواطئه مع ألفونسو ضد أبناء ملته ، يعطي الجزية عن يد وهو صاغر لألفونسو ، ولم يكتف ألفونسو بذلك بل مضى في استفزاز المعتمد ليخرجه عن طوره ويلغي اتفاقية "الصداقة والشراكة" الوهمية بينهما ، فطلب منه تسليم حصون استراتيجية ووصل الاستفزاز لذروته لما طلب منه أن يسمح لزوجته القمطجية أن تلد في جامع قرطبة ، وأغلظ جابيه اليهودي "ابن ساليب" القول للمعتمد ، فلم يتمالك الأخير نفسه ، فصلب ذلك الجابي اليهودي ، وسنحت الفرصة لألفونسو ، فألغى الاتفاقية الهزيلة رسميا وأعلن الحرب على المعتمد ، حليفه الاستراتيجي القديم ، وأثخن في أرض الأندلس الإسلامية حتى وصل إلى جزيرة طريف ، وأدخل قوائم فرسه في البحر قائلا : "هذا آخر بلاد الأندلس قد وطئته" ، وكأنه ، كما يقول الدكتور أحمد الدعيج ، حفظه الله ، يتقمص شخصية عقبة بن نافع ، رحمه الله ، لما خاض بفرسه مياه الأطلنطي ، وشتان عقبة وألفونسو !!! .

بتصرف من "تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي" ، للدكتور علي الصلابي ، حفظه الله ، ص79_82 و ص95 ، 96 .
وتاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ليوسف أشباخ ، (1/61_66) و (1/76_78) .

وإزاء هذا الخطر الداهم ، عقدت "القمة الأندلسية الطارئة الأولى" التي حضرها ، كما يقول الدكتور راغب السرجاني حفظه الله في سلسلة "الأندلس من الفتح إلى السقوط" ، ملوك وأمراء ورؤساء الدويلات الطائفية المتناحرة ، وبدأ المؤتمر المصيري الذي انتهت أعماله ، بعد جلسات عاصفة ، بالاتفاق على الاستنجاد بأبناء العدوة المغربية من المرابطين ، وكان على رأس المعسكر المؤيد لهذا الاتجاه المعتمد بن عباد الذي قال قولته الشهيرة لابنه الرشيد لما حذره من الاستعانة بالمرابطين : (أي بني ، والله لا يسمع عني أبدا أنني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم علي اللعنة في منابر المسلمين مثل ما قامت على غيري ، وحرز الجمال والله عندي خير من حرز الخنازير) ، يعني أن رعيه لجمال المرابطين خير من رعيه لخنازير النصارى ، وعلى غير العادة ، اتشح صاحب اشبيلية بثوب العزة والكرامة ، ونبذ ثوب الذل الذي تسربله طوال السنين الماضية ، والمحن تصنع الرجال وتوقظ الهمم .

وبادر الأندلسيون بإرسال وفد رفيع المستوى إلى يوسف ، رحمه الله ، تكون من قضاة بطليوس وقرطبة وغرناطة بالإضافة إلى وزير المعتمد الوزير الشاعر أبي بكر بن زيدون ، فضلا عن الوفود الشعبية الأندلسية التي تواترت على مراكش ، لحث المرابطين على نجدة إخوانهم في الدين في الجزيرة الأندلسية ، ورغم الحمية الدينية المتأججة في صدور أهل المغرب الحبيب ، وهو ما سنشاهده كثيرا في هذه المداخلات إن شاء الله ، إلا أن يوسف ن رحمه الله ، طلب نصح كبار رجال دولته ، وكان يوسف ممن يحسن اختيار القادة والمستشارين ، والبطانة الصالحة خير معين للحاكم الصالح فبها يرى الصورة واضحة جلية ، وكان رأي عبد الرحمن بن أسبط أو أسباط ، مستشار يوسف الأندلسي ، وهو أندلسي من مدينة "ألمرية" الثغر الأندلسي الجنوبي ، أن يطلب يوسف من المعتمد تسليم "الجزيرة الخضراء" لقوات المرابطين لتكون ممرا آمنا لجيوش المرابطين ، ولا تكتمل أسباب النصر ، بعد التوكل على الله عز وجل ، إلا بحسن التدبير وسداد الرأي ، ولله در أبي الطيب إذ يقول :
الرأي قبل شجاعة الشجعان ******* هو أول وهي المحل الثاني .


ووافق المعتمد على تسليم الجزيرة الخضراء ، فعبر يوسف بجيش قوامه 30000 مقاتل ، ليواجه جيش ألفونسو الذي بلغ 60000 مقاتل ، في سهل الزلاقة ، وكانت معركة الإسلام في الأندلس ، فإما النصر والبقاء ، وإما الهزيمة والفناء ، وتقابل الجيشان في سهل الزلاقة ، وبدأت المراسلات بين الجانبين ، فكتب يوسف ، رحمه الله ، إلى ألفونسو يعرض عليه الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو الحرب ، ومما جاء في كتاب الأمير : (بلغنا يا أذفونش أنك نحوت الاجتماع بنا ، وتمنيت أن تكون لك فلك تعبر البحر عليها إلينا ، فقد جزناه إليك ، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك ، وترى عاقبة ادعائك ، "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال") .

وكانت لغة جديدة لم تطرق سمع ألفونسو من قبل ، فمن حوله من ملوك الطوائف باستثناء المتوكل بن الأفطس ، رحمه الله ، صاحب بطليوس ، كانوا من الذل والخضوع لألفونسو بحيث لا يجرؤ أحدهم على تأخير دفع الجزية السنوية له فضلا عن أن يخاطبه بهذه اللهجة الحاسمة .

إنها لهجة رجل امتلأ قلبه غيرة وحمية ، فعبر بجيوشه ذابا عن دينه ، ولم يثنه سنه ، وكان في الــــ 79 من عمره ، عن المضي فيما عزم عليه .

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ******* فإن فساد الرأي أن تترددا

وثار ألفونسو لما طرقت هذه الكلمات الحازمة سمعه وقال : (أبمثل هذه المخاطبة يخاطبني وأنا وأبي نغرم الجزية لأهل ملته منذ ثمانين سنة) ، ثم قال لرسول الأمير يوسف : (قل للأمير لا تتعب نفسك أنا أصل إليك وإننا سنلتقي في ساحة المعركة) .

وحاول ألفونسو ، خداع أمير المسلمين ، فكتب إليه : (إن بعد غد الجمعة ولا نحب مقابلتكم فيه لأنه عيدكم ، وبعده السبت يوم عيد اليهود ، وهم كثير في محلتنا ، وبعده الأحد عيدنا ، فلنحترم هذه الأعياد ، ويكون اللقاء يوم الاثنين) ، فكان جواب يوسف رحمه الله : (اتركوا اللعين وما أحب) ، ولكن المعتمد بن عباد ، وكان قد خبر الفونسو بحكم طول المجاورة ، اعترض ونصح الأمير يوسف بالاستعداد لملاقاة هذا الغادر في أي وقت ، وبالفعل صدق حدس المعتمد وبدأ جيش ألفونسو بقيادة رودريك الانقضاض على معسكر المسلمين الأندلسيين ، الذين كانوا في المقدمة ، وكان انقضاضا شرسا ، تصدى له الأندلسيون بقيادة المعتمد بن عباد والمرابطون بقيادة القائد الفذ "داود بن عائشة" ، رحمه الله ، ولكن ألفونسو زحف ببقية جيشه فاضطربت الجبهة الأمامية ، وفر الأندلسيون، ولم يثبت منهم إلا المقاتل الشرس ، المعتمد بن عباد ، مع أهل مملكته "اشبيلية" ، وأبلى المتعمد في ذلك اليوم أعظم البلاء ، وكأنه بذلك يكفر عما سبق منه من تخاذل عن نصرة المسلمين وخاصة في "طليطلة" ، فعقرت تحته ثلاثة أفراس وأصيب بجروح بالغة حتى غطاه الدم .

وهنا تبدأ المرحلة الثانية من المعركة ، فيظهر في الأفق أسد ثان من أسود المغرب ، هو القائد سير بن أبي بكر ، رحمه الله ، منجدا المسلمين في وقت كانت الهزيمة أقرب إليهم ، لفرار الأندلسيين وهجوم ألفونسو بكامل قواته ، فارتفعت المعنويات من جديد .

ولم يبق إلا أن يزحف يوسف ، رحمه الله ، بالقسم الثالث من جيشه ، ليلتف على مؤخرة جيش ألفونسو ، فيقع الأخير في الفخ ، وتطبق قوات المسلمين عليه من الجانبين ، لينجلى الغبار عن نصر سارت بذكره الركبان ، مد الله به عمر الإسلام في الأندلس 4 قرون أخرى ، وكان يوسف ، رحمه الله ، كما تقدم ، في هذه الآونة في التاسعة والسبعين من عمره ، ورغم ذلك لم يمنعه سنه من مباشرة القتال بنفسه ، والتعرض للشهادة ، فلم يخلق يوسف لحياة القصور ، وإنما خلق لمنازلة الأسود .

وإن القارئ لتاريخ هذه الموقعة ، ليكاد يبصر بفؤاده الفقيه الشهيد "أبو العباس أحمد ابن رميلة القرطبي" ، رحمه الله ، وهو يبشر قادة الجيش المسلم ، برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يبشره بالنصر للجيش ، والشهادة له ، وقد كان ، وكان من بين شهداء هذه الموقعة الخالدة أيضا : قاضي مراكش عبد الملك المصمودي ، رحمه الله ، وهكذا فليكن علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) .

ولم يبق لألفونسو سوى خمسمائة فارس من فرسانه لجأ بهم إلى تل قريب ينتظر الظلام لينجو من سيوف المرابطين ، وأمر يوسف ، رحمه الله ، بضم رؤوس القتلى من النصارى فعمل المسلمون منها مآذن يؤذنون عليها ، (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم) .
بتصرف من تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص104_107 .

ولا يمر ذكر دولة المرابطين ، دون ذكر "مراكش" ، المدينة المغربية الشهيرة ، قصبة الجنوب المغربي المسلم، التي اختطها يوسف ، لتكون عاصمة جديدة للمرابطين ، وأثر عن ذلك الشيخ البدوي الجليل ، أنه حمل اللبن على عاتقه ، لبناء أول مسجد في مراكش ، إنه رجل يعرف أن تمام عزه في تمام ذله لجبار السماوات والأرض ، وإني لأتخيل مراكش ، بمدارسها العتيقة ، مدينة قد غلب عليها الطابع الإسلامي ، كنظيرتها ، في الشمال ، مدينة "فاس" ، وإخواننا في المغرب الحبيب ، أقدر مني ، على الوصف .

ووقفة أخرى ، مع علامة بارزة في تاريخ المغرب ، ألا وهي الأمير الشاعر "المعتمد بن عباد" ، صاحب "اشبيلية" ، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، ببذخه ، وترفه ، وهيامه بزوجته الحسناء "اعتماد الرميكية" ، التي أنفق الأموال الطائلة تلبية لنزواتها ، وخيانته التي وصلت لحد التحالف سرا ، مع ألفونسو ، لحرب إخوانه من المسلمين ، وشجاعته في ميادين الوغى ، يوم الزلاقة ، ومأساته ، التي انتهت بوفاته مأسورا في "أغمات" سنة 488 هــــ ، وأشعاره التي سارت بها الركبان .

ولم تكن نكبة المعتمد قاصرة عليه ، وإنما شملت كل ملوك الطوائف لما فقد يوسف الأمل في إخلاصهم ، فبعد موقعة "الزلاقة" ، أبى القوم إلا العودة لسياستهم القديمة في عقد التحالفات السرية مع النصارى لطرد الغزاة الجدد !!!!! ، وكأن القوم عبروا ليحتلوا الأندلس لا لينصروا الإسلام فيها وهو يخوض معركته الفاصلة مع النصرانية الكاثوليكية الإسبانية المتعصبة ، فبعث يوسف ، رحمه الله ، إلى فقهاء الأندلس والمغرب والمشرق ، يطلب فتواهم في العبور إلى الأندلس لخلع أولئك الصبية ، وضم الأندلس إلى الخلافة العباسية السنية التي يحكم يوسف باسمها ، فبعث الإمام أبا بكر بن العربي المالكي ، رحمه الله ، ليستفتي أبا حامد الغزالي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 505 هــــ ، فقيه المشرق في ذلك الوقت ، فأفتاه أبو حامد بجواز خلعهم ، ونزلهم أبو حامد منزلة البغاة ، فكان مما جاء في فتواه : "........ فمن أعظم القربات قتالهم إلى أن يعودوا إلى طاعة الأمير العادل المتمسك بطاعة الخلافة العباسية ويتركوا المخالفة ، وجب الكف عنهم ، وإذا قاتلوا لم يجز أن يتتبع مدبرهم ، ولا أن يذفف على جريحهم ، بل متى سقطت شوكتهم وانهزموا ، وجب الكف عنهم ، أعني عن المسلمين منهم دون النصارى الذين لا يبقى لهم عهد مع التشاغل بقتال المسلمين ، وأما ما يظفر به من أموالهم فمردود عليهم أو على وريثهم ، وما يؤخذ من نسائهم وذراريهم في القتال مهدرة لا ضمان فيها ، وحكمهم في الجملة في البغي على الأمير المتمسك بطاعة الخلافة .......... الخ" .

ولله در يوسف إذ كانت خطاه وفق فتاوى الأئمة المعتبرين ، فهو معظم للدين ملتزم بأحكامه سائر على نهجه ، وبالفعل عبر يوسف بنفسه إلى الأندلس ليتولى هذه المهمة الجليلة ، وكانت سياسته واضحة : فتح القواعد الأندلسية ، والقبض على ولاتها ، وإرسالهم إلى المغرب ، وبالتحديد إلى أغمات ، العاصمة القديمة للمرابطين ، إرسالهم أسرى ، وكانت البداية بـــ "عبد الله بن بلكين الصنهاجي" الذي تحالف مع النصارى من أجل أملاكه ، ولم يشفع له نسبه البربري ، لأن المقام مقام دين لا أنساب وبلدان ، فيوسف المغربي ، يوقع بـــ "عبد الله بن بلكين" المغربي الأصل :
لا نسب اليوم ولا خلة ******* اتسع الخرق على الراقع

ثم ثنى المرابطون بـــ "تميم بن بلكين" والي مالقة ، ثم رجع يوسف إلى المغرب تاركا القيادة السياسية والعسكرية للقائد الفذ سير بن أبي بكر ، الذي سار إلى اشبيلية قاعدة الجنوب الأندلسي ومعقل ابن عباد الحصين ، وفي نفس الوقت سار القائد أبو عبد الله بن الحاج إلى قرطبة فافتتحها وقتل ولدي المعتمد "المأمون والراضي بالله" ، ولم يبق أمام المعتمد وقد شهد زوال ملكه وسقوط قواعده ومقتل ولديه إلا أحد أمرين :
إما أن يثوب إلى رشده فيعلن الطاعة لأمير المسلمين يوسف وينضوي تحت لواء خلافة بني العباس ، الخلفاء الشرعيين ، في المشرق .
وإما أن يرجع لحماقاته القديمة ، فيستعين بالنصارى لرد جيوش المرابطين .
ولم يكن معتمد اليوم حصيف الرأي كمعتمد الأمس في الزلاقة ، وغلبه حب الملك ، فآثر الاستعانة بألفونسو ، عدوه القديم ، لدرء الخطر المشترك ، فسارع ألفونسو ، بطبيعة الحال ، إلى نصرة حليفه القديم ، أو إن شئت قلت : تابعه القديم ، وأرسل له جيشا قوامه 40000 راجل و 20000 فارس ، تصدى لهم على مقربة من قرطبة القائد المرابطي الهمام : إبراهيم بن إسحاق في جنده الأبطال ، وتمكن ، بالرغم من خسائره الكبيرة ، من هزيمة الجيش النصراني بقيادة الكونت "جوميز" ، وغدت اشبيلية تحت سيطرة المرابطين بعد فرار النصارى ، فافتتحها سير بن أبي بكر عنوة سنة 484 هــــ ، بعد مقاومة شرسة من المعتمد ، فلم يكن الرجل ممن يسلم بسهولة ، وغدا المعتمد ، صاحب اشبيلية ، أقوى ملوك الطوائف ، داهية الجنوب الأندلسي ، ذو البأس والعزم ، أسيرا مقيدا ، يرسف في أغلاله في مدينة أغمات المغربية ، وسارت بأشعاره الركبان ، وكان من أروع ما نظمه في محنته قوله :

فيما مضى كنت بالأعياد مأسورا ******* فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة ******* يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة ******* أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية ******* كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به ******* فإنما بات بالأحلام مغرورا

(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) .

وصدق من قال :
يا راقد الليل مسرورا بأوله ******* إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

بتصرف من تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص130_133 .

وهي مأساة ، حملت بعض المؤرخين ، كابن الأثير رحمه الله ، على الإنكار الشديد على الأمير يوسف ، فقد بالغ رحمه الله ، في عقاب المعتمد ، وطالت عقوبته ، بنات الأمير وزوجته ، وما هكذا تعامل بنات الملوك ، وكان الأولى بيوسف أن يزوج بنات المعتمد لأولاده أو كبار رجال دولته ، وله في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أسوة حسنة لما زوج "شهربانو" ابنة يزدجرد ، ملك الفرس لابنه الحسين رضي الله عنه ، والله أعلم .

وقد عين يوسف ، رحمه الله ، على ولايات الأندلس ولاة وقضاة من المرابطين ، ولو سار يوسف في هذا الشأن على نهج النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان يولي على كل قوم رئيسا منهم ، لأمن ثورات الأندلسيين على حكامهم المغاربة ، وأهل مكة أدرى بشعابها ، ورغم خيانة ملوك الطوائف إلا أن أرض الأندلس لم تكن لتخلو من رجال صالحين أكفاء يصلحون للإمارة والقضاء ، والله أعلم .


وأخيرا مع وقفات مضيئة من تاريخ هذا البطل المغربي الصحراوي ، فمن أبرزها :
تعظيمه لخلافة بني العباس في المشرق رغم ما اعتراها من ضعف إبان حكمه ، ولكنه كان من أهل السنة الملتزمين بها ظاهرا وباطنا ، وأهل السنة يدينون بالولاء للخلافة الشرعية المركزية لا سيما إن كانت قرشية كخلافة بني العباس .
يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (أما اعتراف يوسف بن تاشفين بطاعة الخليفة العباسي ، فمسألة تتفق عليها معظم الروايات .............. ويرجع ابن الأثير هذا النصح ، أي النصح بطلب التقليد من الخليفة في بغداد ، إلى علماء الأندلس خاصة ، ويقول لنا إن يوسف أرسل على أثر ذلك إلى الخليفة المقتدي بأمر الله ، رحمه الله ، فوافقته الخلع والأعلام والتقليد ، ولقب بــــ "أمير المسلمين وناصر الدين") .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (4/40) .

والمقتدي بأمر الله ، رحمه الله ، من خيرة بني العباس ، فكان ، كما يصفه المؤرخون ، قوي النفس عظيم الهمة أصلح كثيرا من الأحوال الأدبية في بغداد فأمر بنفي المغنيات والمفسدات منها ووقع الهرادي والأبراج التي للطيور ومنع من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم الناس ومنع الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين .
بتصرف من الدولة العباسية ، للشيخ محمد الخضري ، رحمه الله ، ص363 .


وأما ابن خلدون ، رحمه الله ، فيرى أن الخليفة الذي بعث إليه يوسف ، رحمه الله ، هو الخليفة المستظهر بالله العباسي ، رحمه الله ، ولد المقتدي وخليفته .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (4/41) .

والمستظهر بالله ، رحمه الله ، كأبيه ، معدود من خيار بني العباس ، لين الجانب ، كريم الأخلاق ، يحب الاصطناع ويفعل الخير ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات ، مشكور المساعي ، لا يرد مكرمة تطلب منه ، وكان كثير الوثوق بمن يوليه غير مصغ إلى سعاية ساع ولا ملتفت إلى قوله ولم يعرف منه تلون وانحلال عزم بأقوال أصحاب الأغراض وكانت أيامه أيام سرور لرعيته .......... الخ .
الدولة العباسية ، للشيخ محمد الخضري ، رحمه الله ، ص365 ، 366 .

والملاحظ في تاريخ الدولة العباسية في دورها الثالث والأخير ، أن عددا كبيرا من خلفاء هذا الدور كانوا رجالا أكفاء صالحين ، كالمقتدي والمستظهر والمسترشد والمقتفي والمستنجد والمستضيء والظاهر والمستنصر ، رحمهم الله جميعا ، ولكن أحوال الدولة في عهدهم كانت من الاضمحلال بحيث لا تفي كفاءتهم ومروءتهم بنهوضها من كبوتها ، فضلا عن تربص الأعداء بها ، وبخاصة المغول الذين بدءوا زحفهم المدمر على العالم الإسلامي في عهد الخليفة الناصر لدين الله ، والله أعلم .

وممن سار على خطى يوسف ، رحمه الله ، في تعظيم الخلافة المركزية الشرعية في بغداد ، يوسف آخر ، وهو القائد الهمام ، الذي أعاد مصر لأهل السنة ، صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي ، رحمه الله ، مقدم الدولة الأيوبية ، إذ حرص على الانضواء تحت راية بني العباس فبايع المستضيء بالله العباسي ، رحمه الله ، وأكرم بيوسف المغرب ويوسف المشرق !! ، وأهل السنة طريقتهم واحدة وإن باعدت بينهم الأزمان والديار .

ويوسف ، رحمه الله ، من المعظمين لآراء أهل الدين من العلماء المعتبرين ، فنراه ، كما تقدم ، يحرص على استفتاء فقهاء المشرق قبل الإقدام على خلع ملوك الطوائف ، ونراه يستجيب لنصح العلماء فيعترف بخلافة بني العباس ، ونرى أبا بكر الطرطوشي ، رحمه الله ، يسدي النصح ليوسف في رسالة حملها القاضي أبو بكر بن العربي المالكي ، رحمه الله ، والعلماء الربانيون عماد كل دولة عظيمة الشأن كدولة المرابطين الفتية .

ومن الوقفات المضيئة في سيرة يوسف رحمه الله :
موقفه في مسألة ولاية العهد ، إذ كان يوسف ، رحمه الله ، ممن أخلص النصح لرعيته ، فاختار ولده أبا الحسن علي بن يوسف ، رحمه الله ، لولاية العهد ، وقدمه على أخيه الأكبر أبي الطاهر تميم ، إذ كان الأول ، مع صغر سنه ، أكثر ورعا ونباهة وعزما ، والأمر أخطر من أن يتولاه من ليس أهلا له ، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ، وأثبتت الحوادث التي سنعرض لها ، إن شاء الله ، عند الكلام على ولاية علي بن يوسف ، صدق فراسة يوسف في ولديه .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (4/45) .

وإلى خلال هذا الأمير ، وهي ما بسط الأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، القول فيها ، فقال :
(إن شخصية البطل المرابطي العظيم تنطوي على كثير من الصفات اللامعة ، التي جعلت من حياته المديدة الحافلة ، نموذجا مثاليا لهذا النوع من البطولة الساذجة الرائعة ما ، والواقع أن أروع ما في صفاته ، تلك الهالة الوضاءة من البساطة المؤثرة التي لبثت شعار حياته كلها ، والتي لم تتأثر بتطورات الأحداث السياسية التي خاضها ، والفتوح العظيمة التي حققها ، والتي جعلت من الدولة المرابطية الكبرى في ظله ، أعظم دولة قامت في الغرب الإسلامي ، من حيث المدى الإقليمي ، ومن حيث القوى والموارد الزاخرة ، إذ كانت تمتد من تونس شرقا إلى المحيط الأطلنطي غربا ، ومن ضفاف نهري الإيبرو والتاجه في شبه الجزيرة الأندلسية شمالا ، إلى الصحراء الإفريقية الكبرى جنوبا ، فقد لبث البطل المرابطي ، عاهل هذه الدولة الشامخة ، على حالته الأولى ، مذ كان زعيما محليا من زعماء الصحراء ، بدويا متقشفا يرتدي الصوف الخشن ، ولا يلبس غيره قط ، ويقتصر في طعامه على الشعير ولحوم الإبل وألبانها لا يأكل سواها قط ، ولم يتأثر طول حياته بأية نزعة من ترف القصور ، ولا عيشها الناعم ولا مغرياتها المفسدة ، بالرغم من هذا الملك الباذخ ، وهذه الدنيا العريضة التي كانت تحت أقدامه ، ويكفي أن تتأمل مدى لحظة عابرة ما كانت عليه قصور الطوائف الأندلسية من الفخامة والبذخ الطائل ، وما كان يغرق فيه أمراؤها الأصاغر من العيش الرخو الوثير المترف ، تتألق ثيابهم الفخمة بالذهب والجوهر ، وتحيط بهم أكواب الشراب وأسراب الغلمان والجواري والفتيات ، يكفي أن تتأمل ذلك ، لترتفع بحياة البطل المرابطي إلى ذرى الإكبار والإجلال والإعجاب) .

دولة الإسلام في الأندلس ، (4/49) .

وما ظنك برجل كالمعتمد بن عباد ، ترى زوجه الفاتنة "اعتماد" بعض الجواري يعبثن في الطين ، فتشتهي صنيعهن ، فيأمر المفتون بصناعة طين من المسك والزعفران ، أو "طين ملوكي" كما يقول الدكتور راغب السرجاني حفظه الله ، لتعبث به اعتماد بعض الوقت ثم تلقيه ، كما يعبث الطفل بدميته ثم يلقيها إذا أصابه الملل .

ما ظنك برجل كهذا إذا ما قورن بذلك الأمير الصحراوي العظيم ، الذي ما عاش ترف القصور وما تربى بين أحضان الفتيان والجواري ، ومن الناس من يزيدهم الملك تواضعا وإخباتا ومنهم من يزيده الملك تجبرا وعنادا .

وينقل ابن الخطيب ، رحمه الله ، في "الإحاطة في أخبار غرناطة" ، كلمة جامعة لابن الصيرفي ، مؤرخ الدولة المرابطية ، إذ يصف يوسف ، رحمه الله ، بقوله : (كان رحمه الله خائفا لربه ، كتوما لسره ، كثير الدعاء والاستخارة ، مقبلا على الصلاة ، مديما للاستغفار) .

ولا أدل على ذلك من صنيعه يوم نشرت سفنه قلاعها في مضيق جبل طارق في عبوره الأول للأندلس ، إذ رفع يديه نحو السماء مناجيا ربه ، عز وجل ، كما يحكي صاحب روض القرطاس ، فقال : (اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيرا وصلاحا للمسلمين فسهل علي جواز هذا البحر ، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه) ، وما إن وصل يوسف إلى الضفة المقابلة حتى افتتح أعمال غزوته بصلاة الظهر ، فكانت خير بداية لخير عبور عبره المسلمون للجزيرة الأيبيرية بعد عبور الفتح بقيادة طارق بن زياد رحمه الله .

تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، ليوسف أشباخ ، (1/82) ، وتاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص101 .

وعن مقدرة يوسف العسكرية يقول الأستاذ عنان رحمه الله : (وكان يوسف بن تاشفين جنديا عظيما ، وقائدا من أعظم قواد العصور الوسطى ، وقد أبدى في سائر فتوحه المتوالية لأقطار المغرب ، كفاية عسكرية واضحة ، ولم يكن ظفره المستمر راجعا إلى كثرة جيوشه ومقدرتها ، بقدر رجوعه إلى براعته في تنسيق الخطط ، وتنظيم القيادة ، وانتهاز الفرص السانحة ، وأشد ما تبدو هذه البراعة في حوادث موقعة الزلاقة وتطوراتها ، فإن النصر الباهر الذي أحرزته الجيوش المرابطية والأندلسية ، في هذه الموقعة ، يرجع بالأخص إلى شجاعة يوسف وثباته ، وبراعة خططه ، وقد كان من حسن طالع يوسف ، أنه استطاع أن يعتمد في حروبه ومشاريعه العسكرية ، على معاونة طائفة من أقدر القواد وأشجعهم ، مثل سير بن أبي بكر ، وداود بن عائشة والأمير أبو محمد مزدلي ، ومحمد بن الحاج ، وغيرهم) .

بتصرف يسير من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/50) .

وقدرات المرابطين العسكرية تتضح أكثر إذا ما قورنت بقدرات خلفهم من الموحدين ، فالأولون كانت جيوشهم قليلة العدد والعتاد ولكنها استعاضت عن كثرة العدد والعتاد بالكفاءة العسكرية وحسن التخطيط ، بينما الآخرون ، كانت جيوشهم ، على العكس ، كثيرة العدد والعتاد ، ولكنها كانت تفتقر للكفاءة العسكرية وحسن القيادة فتعرضت ، بالرغم من تجهيزاتها الكبيرة ، إلى عدة نكبات عسكرية ، لعل أشهرها نكبتي "شنترين" التي استشهد فيها الخليفة يوسف بن عبد المؤمن ، رحمه الله ، و "العقاب" التي تمزقت فيها جيوش محمد الناصر لدين الله ، وباستثناء عصر أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن المنصور ، رحمه الله ، بطل موقعة "الأرك" ، لم تبرز الكفاءة العسكرية الميدانية ، لجيوش الموحدين ، في معظم المعارك التي خاضتها .

ولعل السر في ذلك هو توافر هذا العدد الكبير من كبار القادة العسكريين في دولة المرابطين ، كمن أشار إليهم الأستاذ عنان رحمه الله ، فضلا عن صحة الاعتقاد والانتماء الكامل لأهل السنة والجماعة ، وهو ما افتقر إليه الموحدون ، وما فائدة الجموع الغفيرة إن لم تكن القيادة رشيدة والعقيدة سالمة من الشوائب ؟!!!!! ، وتاريخ المسلمين العسكري مرتبط بصحة اعتقادهم طردا ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، فكلما كانت العقيدة أصح وأسلم ، كلما كان النصر والتمكين أقرب ، والعكس بالعكس ، والله أعلم .


وعن قدرات يوسف الإدارية يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
(وإلى جانب براعته العسكرية ، كان يوسف يمتاز بمقدرة إدارية فائقة ، وكان هذا الزعيم الصحراوي الموهوب ، يحكم الإمبراطورية المرابطية الضخمة ، بحزم وكفاية تدعو إلى الإعجاب ، وكان إلى جانب ورعه وتقواه ، صارما شديد الوطأة ، حريصا على استتباب النظام والأمن ، دائبا على تفقد بلاده وشئون رعيته ، ويلخص لنا ابن الصيرفي طريقة يوسف وصرامته في قمع المعارضين والخوارج على القانون في قوله : "أكثر عقابه لمن تجرأ أو تعرض لانتقامه الاعتقال الطويل ، والقيد الثقيل ، والضرب المبرح ، إلا من انتزى أو شق العصا ، فالسيف أحسم لانتشار الداء") .

دولة الإسلام في الأندلس ، (4/50) .

فلم يكن زهد وورع يوسف ، رحمه الله ، باردين ، كزهد وورع المتصوفة ومن على شاكلتهم ، فيوسف ، رحمه الله ، رجل يعرف قدر الأمانة الملقاة على عاتقه ، ولكل مقام مقال ، فلمقام الخلوة والعبادة مقال ، ولمقام الحرب والسياسة مقال ، وعن أمثال يوسف ، رحمه الله ، يقول أبو الطيب :

إذا قيل مهلا قال للحلم موضع ******* وحلم الفتى في غير موضعه جهل .

وعن تعظيمه للعلماء والفقهاء يقول ابن الصيرفي : (كان يواصل الفقهاء ، ويعظم العلماء ، ويصرف الأمور إليهم ، ويأخذ فيها بآرائهم ، ويقضي على نفسه وغيره بفتياهم ويحض على العدل ويصدع بالحق ويعضد الشرع) .

وسبقت الإشارة إلى طرف من تعظيمه لفتاوى وآراء علماء زمانه كالغزالي والطرطوشي ، رحمهما الله .

وعن سياسته المالية يقول الأستاذ عنان رحمه الله : (وكان من أبرز مظاهر تمسك يوسف بأحكام الشرع ، وآراء الفقهاء ، موقفه من الضرائب والمغارم التي يسوغ للأمير فرضها ، واكتفى بفرض ما يجيزه الشرع من ذلك ، مثل الزكاة والأعشار وأخماس الغنائم ، وجزية أهل الذمة ، وقد كان لهذه السياسة الضريبية الرقيقة ، وبالأخص في الأندلس ، أطيب الأثر ، إذ كان ملوك الطوائف يرهقون رعيتهم بالفروض ، والمغارم الفادحة ، تغذية لقصورهم الفخمة ، وبذخهم الطائل ، "فضلا عن الجزية التي كانوا يؤدونها بانتظام لملوك قشتالة" ، وقد كان تماديهم في ذلك ، من الأسباب التي التمست لخلعهم والقضاء على سلطانهم) .

دولة الإسلام في الأندلس ، (4/51 ، 52) .


ولكن الأستاذ عنان ، رحمه الله ، ينقل عن صاحب وفيات الأعيان ، (2/485) ، وصاحب الاستقصاء ، (1/122 ، 123) ، لجوء يوسف ، رحمه الله ، في بعض الأحيان ، إلى فرض الإتاوات على رعاياه ، مساهمة منهم في نفقات الجهاد المستمر ، الذي كان يضطلع به ، ومن ذلك ما وقع له مع قاضي "ألمرية" ، أبي عبد الله محمد بن يحيى المعروف بـــ "ابن الفراء" ، فإنه قرر بعد موافقة الفقهاء ، أن يطالب أهل المغرب والأندلس بمعونة مالية للمساهمة في أعمال الجهاد ، وكتب إلى قاضي "ألمرية" المذكور يأمره بتحصيل هذه الإتاوة وإرسالها ، فأبى القاضي ، وكتب إلى يوسف يطعن في شرعيتها ، وفي رأي الفقهاء الذين أجازوها ، ويطالب يوسف ، إن كانت خزانته ناضبة حقا ، بأن يمثل في المسجد الجامع بحضرة أهل العلم ، وأن يحلف علنا بأنه ليس لديه في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم ، أسوة بما فعل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، حين أراد فرض مثل هذه الإتاوة ، وعندئذ يجوز له تحصيلها .
دولة الإسلام في الأندلس ، (4/52) .


ولست أدري في أي عام أو حادثة ، فعل عمر ، رضي الله عنه ، هذا الأمر ، وليس هذا تشكيكا في كلام ابن خلكان والسلاوي ، رحمهما الله ، ولكنه جهل وتقصير مني ، ومن علم حجة على من لم يعلم ، والله أعلم .

وما أشبه موقف هذا القاضي الصالح مع يوسف بموقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام ، رحمه الله ، مع المظفر "قطز" ، رحمه الله ، لما أراد أن يفرض نفس الإتاوة على أهل مصر ليجهز الجيش الذي أعده لصد تيار المغول الجارف على الشرق المسلم .

وعلى أية حال ، لم يكن السلطانان : يوسف وقطز ، يجمعان هذه الإتاوة لعمل برك من طين المسك أو لدفعها لملوك النصارى ، وإنما كانت لتجهيز الجيوش الذابة عن جرثومة الدين .

وموقف آخر ذكره صاحب الحلل الموشية ، (ص 13 ، 59) ، كما نقل عنه الأستاذ عنان ، رحمه الله ، وهو تحصيل يوسف ، رحمه الله ، لمغارم كان يفرضها بشكل استثنائي على اليهود والنصارى من آن لآخر ، لظروف وأسباب خاصة .

وبطبيعة الحال لم يسلم يوسف ، رحمه الله ، من قلم يوسف أشباخ ، مع عظيم مدحه له ، إذ يقول : (ومن المحقق أن اليهود ساهموا في هذه الثروة ، "أي الثروة التي تركها يوسف للدولة المرابطية لا لأبنائه وذريته" ، ساهموا فيها بقسط وافر ، فقد كان يفرض عليهم الإسلام فرضا فلا يستردون حريتهم إلا إذا دفعوا مبالغ طائلة) .

ويعلق الأستاذ عنان ، رحمه الله ، في الحاشية بقوله : هذا مطابق لما أورده صاحب روض القرطاس ، ص88 .
تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، (1/120) .

ولاشك أن الأمر يحتاج إلى مزيد تحقيق فلا تكفي هذه الإحالات العابرة في إصدار حكم على هذه المسألة ، ولا ندعي العصمة ليوسف ، رحمه الله ، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث .

على أنه لا يمكن المقارنة ، بأي حال من الأحوال ، بين أحوال اليهود ف ظل الدول الإسلامية ، بما فيها دولة المرابطين ، وأحوالهم في ظل دولة كإسبانيا النصرانية التي طاردت محاكم تفتيشها جموعهم وأنزلت بهم الويلات ، كما أنزلتها بالمسلمين ، حتى اضطروا للهجرة من أسبانيا باتجاه الشرق المسلم ، لأنهم يعلمون أن المسلمين أعدل الناس مع خصومهم ، فمن حاول الاستدلال بهذا الفعل ، إن صح عن يوسف رحمه الله ، على اضطهاد المسلمين لغيرهم من معتنقي الديانات الأخرى ، وصور الأمر على أنه تطهير عرقي للمخالف ، إن صح التعبير ، فلا شك أنه مغرض غير منصف في حكمه ، والتاريخ خير شاهد على إنصاف المسلمين لأبناء الديانات الأخرى ، مع بطلانها ومناقضتها لشريعة الرحمن ، ولكن الله ، عز وجل ، أمرنا بالكف عنهم ، إن أدوا الجزية والتزموا بأحكام الدولة الإسلامية ، وفي عصرنا الحاضر لا جزية تؤدى ولا احترام لأحكام يلتزم ، ومع ذلك لا يجوز لنا سفك دماءهم أو انتهاك أعراضهم أو نهب أموالهم ، فالظلم والتعدي لا يرد بظلم وتعد ، وبشهادتهم قبل شهادتنا ، لم تنعم جموعهم بالأمن والرخاء إلا في ظل سلطان الإسلام ، والله أعلم .


وكان يوسف ، رحمه الله ، مع عدم إجادته للغة العربية ، يختار أبرع كتاب عصره ، ليتولوا منصب الكتابة في دولته من أمثال : عبد الرحمن بن أسباط ومحمد بن سليمان بن القصيرة ، رحمها الله ، وفي هذا ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، ما يدل على حصافته ، وبعد نظره ، وإدراكه لأهمية الأساليب العالية في الترسل ، وقد كان ثمة بين يوسف وبين الخلافة العباسية ، وبينه وبين أكابر فقهاء المشرق مراسلات كثيرة ، ومن جهة أخرى فقد كانت المراسيم المرابطية ، تصدر في أحيان كثيرة باللغتين البربرية والعربية ، لتقف عليها الكثرة الغالبة من الرعايا ، وهي المتكلمة بالعربية ، ومما زاد في أهمية منصب الكتابة في الدولة المرابطية ، وشغله بأعلام الكتاب البلغاء ، فتح الأندلس ، وخضوعها للحكم المرابطي ، ووجوب مخاطبتها بنفس الأساليب العربية العالية التي كانت سائدة فيها .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/53 ، 54) .

وعن بلاغة أهل الأندلس وحلاوة منطقهم وعذوبة ألفاظهم فحدث ولا حرج .

وعن شخص يوسف ، رحمه الله ، يقول ابن عذارى ، رحمه الله ، في البيان المغرب : كان معتدل القامة ، أسمر اللون ، نحيف الجسم ، خفيف العارضين ، رقيق الصوت .

فلك أن تتخيل هذا البطل المغربي الذي شغل العالم طوال القرن الخامس الهجري ، ذلك الرجل الأسمر اللون النحيف الجسم ، مرتديا الصوف الخشن ، وقد جاءته الدنيا تحت قدميه ، فما أثرت فيه بل أثر هو فيها بشخصه المهيب طوال عمره المبارك الذي امتد قرنا من الزمان (400_500 هـــ) ، والنعيم لا يدرك بالنعيم وللمجد ثمن لابد أن يؤدى ، وعنه يقول أبو الطيب :
تريدين إدراك المعالي رخيصة ******* ولا بد دون الشهد من إبر النحل .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
21May2006, 05:20 مساء
بسم الله

السلام عليكم

وبعد يوسف ، رحمه الله ، جاء الأمير الصالح "علي بن يوسف" ، رحمه الله ، الذي ولي الملك من 500 _ 537 هــ ، وكان كأبيه محبا للجهاد ، مدافعا عن بيضة الإسلام ، بلغت الدولة المرابطية في عهده أوج عظمتها ، وإن بدأ الخلل يدب إليها في أواخر عهده لما ظهر الثائر السوسي "محمد بن تومرت" .

وعلي بن يوسف ، رحمه الله ، رجل صالح ، محب للعلم وأهله ، أحاط نفسه بالعلماء والفقهاء ، وأكرم بها من بطانة ، يصفه ابن الخطيب ، رحمه الله ، في "الإحاطة في أخبار غرناطة" ، بأنه كان ملكا عظيما ، عالي الهمة ، رفيع القدر ، فسيح المعرفة ، عظيم السياسة .

ويصفه المراكشي ، رحمه الله ، في "المعجب في أخبار المغرب" ، بأنه كان ورعا متعبدا يحب العلماء ويؤثر مجالستهم .
دولة الإسلام في الأندلس ، (4/243) .

وعن علي بن يوسف ، رحمه الله ، يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (وكان علي بن يوسف أميرا وافر الهمة والذكاء والعزم ، وكانت تحدوه رغبة صادقة في أن يسير على نهج أبيه في الحكم ، وفي متابعة الجهاد ، وقد سار بالفعل وفق هذا المنهج ، وحقق في ظله طائفة من جلائل الأعمال وهو ما يجمله ابن عذارى ، رحمه الله ، في "البيان المغرب" بقوله : "فاقتفى أثر أبيه ، وسلك سبيله في عضد الحق ، وإنصاف المظلوم ، وأمن الخائف ، وقمع المظالم ، وسد الثغور ، ونكاية العدو ، فلم يعدم التوفيق في أعماله ، والتسديد في حسن أفعاله") .
بتصرف يسير من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/58) .

وعنه يقول المؤرخ يوسف أشباخ : (وكان سلطان المرابطين الجديد ، أي علي بن يوسف رحمه الله ، في الواقع فتى في عنفوانه ، ولم يكن قد جاوز الثانية والعشرين من عمره ، ومع ذلك فقد أبدى في حكمه كثيرا من الحكمة والعدالة ، وكان يعتاض في ذلك عما يعوزه من الخبرة والتجارب بنصح أعقل رجال بطانته وأكثرهم نضجا ، وكان إلى جانب وسامته يتمتع بكثير من الخلال التي أكسبته محبة الشعب وتقديره ، فقد كان وافر الجود كثير العطف والبر بالفقراء والمساكين ، يحرص على مظاهر الجد والوقار في المناسبات العامة مع الابتعاد عن مظاهر الكبرياء والصلف) .
تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، (1/121 ، 122) .

والملاحظ في تاريخ الدول الإسلامية ، على مر العصور ، تولي عدد كبير من الأمراء صغار السن ، الذين أظهروا من الكفاءة والحزم ما يعجز عنه كبار رجال زماننا ، فعمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، يتولى قيادة أعظم أمم الأرض في زمانه ولما يكمل الأربعين ، ومحمد بن القاسم الثقفي ، رحمه الله ، يقود جيوش الفتح ولما يبلغ العشرين ، وداهية بني العباس ، أبو جعفر المنصور ، رحمه الله ، يتولى الخلافة في الــــ : 35 ، فيوطئ الملك لبني العباس ، ويظهر من الكفاءة والحزم ما جعله مضرب الأمثال ، ومحمد المهدي ، رحمه الله ، يتولى الخلافة في الـــــ : 32 ، وأمير المؤمنين هارون الرشيد ، رحمه الله ، يتولى الخلافة في الـــ : 25 ، فيظهر من أبهة الملك وحسن السياسة ما جعل عهده واسطة عقد ملك بني العباس ، وعبد الله المأمون ، غفر الله له ، يتولى الخلافة في الــــ : 28 ، فيعيد للخلافة هيبتها بعد مقتل الأمين ، رحمه الله ، ولولا فتنة خلق القرآن التي كدرت صفو الأمة في أواخر عهده لناله من الثناء المطلق ما ناله ، ومحمد المعتصم ، غفر الله له ، يتولى الحكم في الــــ : 39 ، والمعتصم هو المعتصم ، وعبد الرحمن الداخل ، رحمه الله ، صقر قريش ، ذلك الفتى الأموي الشريد ، يفر من المشرق ولما يبلغ العشرين ، ويدخل الأندلس ويقيم لبني أمية ملكا زاهرا ، يضاهي ملكهم في المشرق ، ولما يكمل الثلاثين ، وعبد الرحمن الناصر ، رحمه الله ، يتولى حكم الأندلس ، وقد عصفت بها الفتن ، في الـــ : 23 ، بعد اعتذار أعمامه من أشياخ بن أمية عن الأمر لعظم الخطب ، فيصلح الله ، عز وجل ، على يديه البلاد والعباد ، وعلي بن يوسف ، رحمه الله ، كما رأينا يتولى قيادة الدولة المرابطية في الـــ : 22 ، ويوسف بن عبد المؤمن ، رحمه الله ، سلطان الموحدين العظيم ، شهيد موقعة "شنترين" ، يتولى الحكم في الـــ : 24 ، ومن بعده أعظم خلفاء الموحدين ، درة التاج المغربي ، بطل الأرك ، الأمير الشهير أبو يوسف يعقوب المنصور ، رحمه الله ، يتولى الحكم في الـــ : 25 ، فيظهر من الفضائل والمناقب ما تفنى أعمار الرجال في تحصيله ، ومحمد خان الفاتح ، رحمه الله ، السلطان العثماني العظيم ، يفتتح القسطنطينية في الـــ : 24 ، فيفوز وجيشه بثناء النبي صلى الله عليه وسلم بعد 8 قرون من بشارته صلى الله عليه وسلم .

وقبل كل هؤلاء ، بعث محمد صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين ، فصدقه الشباب وكذبه الشيوخ ، فأبو بكر ، رضي الله عنه ، يبادر إلى تصديق رفيق عمره في الــــــــ : 37 ، وعمر ، رضي الله عنه ، ينضم إلى الركب المبارك في الـــــــ : 33 ، وعثمان يغشى النور قلبه في الـــــ : 35 ، وعلي ، رضي الله عنه ، ينام في فراش النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في صدر شبابه ، وقد أحاط به مشركو مكة ، ومصعب ، رضي الله عنه ، أبهى فتيان قريش ، يصرع يوم أحد ولا يجد المسلمون كفنا له .

وأمة يتولى أمرها أمثال هؤلاء ، حق الله ، عز وجل ، أن يخضع لها أمم الأرض

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ******* إذا جمعتنا يا جرير المجامع

ومع أولى الوقفات في عهد هذا الأمير الشاب :
وهي موقعة "إقليش" التي جرت بين قوات المرابطين ، بقيادة أبي الطاهر تميم ، رحمه الله ، أخو الأمير علي الأكبر ، ونصارى قشتالة بقيادة "ألبرهانس" ، وتحكي لنا الروايات أن أبا تميم ، جزع لأول أمره وهم بالانسحاب ، لولا أن ثبته القائدان الشهيران : أبو عبد الله محمد بن فاطمة وأبو عبد الله محمد بن عائشة ، رحمهما الله فكان لهما أعظم الدور في هذه المعركة ، التي عدت بحق أعظم انتصارات المرابطين في الأندلس بعد "الزلاقة" ، ومرة أخرى يعلو الإسلام على النصرانية في ميادين الوغى ، ويسطر التاريخ في فجر الجمعة 16 شوال سنة 501 هــــ ، انتصار جيوش الإسلام على جيوش الصليب ، ومقتل ثلاثة وعشرين ألفا من النصارى عباد الصليب ، ومرة أخرى يؤذن المؤذنون على جماجم النصارى المكدسة .

وكالعادة لم تخل الساحة من فقيه مجاهد ، عالم عامل ، فيروي لنا ابن القطان نبأ استشهاد الإمام الجزولي رحمه الله ، وبالأمس ابن رميلة وعبد الملك المصمودي في "الزلاقة" ، واليوم الجزولي في "إقليش" ، فالمنهج واحد وإن اختلفت الشخوص والرسوم .

بتصرف من "دولة الإسلام في الأندلس" ، للأستاذ العلامة محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، (4/63_66) .

وكعادة يوسف أشباخ ، نراه يهون من شأن هذا النصر الكبير ، ويصف قتال المسلمين بقتال "اليائس" ، إذ يقول :
(وكان حال الجيش المرابطي مع ذلك تدعو إلى التوجس واليأس لأنه إذا لم يوفق إلى الظفر فقد سدت في وجهه جميع سبل الفرار .
وعند الفجر هجم المسلمون على القشتاليين في فيض من الشجاعة والعنف ، ولم يستطع النصارى أن يصمدوا لهجوم يحدوه اليأس ، فاضطروا إلى الارتداد رغم شجاعتهم ورباط جأشهم) .
تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، (1/123) .

فلم يكن الأمر بسالة متأصلة في نفوس المسلمين ، وإنما هي بسالة عارضة أشعل اليأس نارها في صدور المسلمين ، وهي مما يتساوى فيه كل البشر ، فقتال اليائس ، كما هو معلوم ، أشرس قتال ، بغض النظر عن اعتقاده أو كفاءته ، وعليه فلا ميزة لجند الإسلام في هذه الموقعة ، والله أعلم

والوقفة الثانية مع واقعة حرق كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزاالي ، رحمه الله ، في سنة 503 هــــ :
فقد سبقت الإشارة إلى تقدير يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، للإمام الغزالي ، رحمه الله ، وعمله بفتواه في مسألة خلع ملوك الطوائف ، وكان الغزالي ، بدوره ، مقدرا ليوسف ودوره العظيم في حماية جناب الدين في المغرب والأندلس ، حتى حكي أنه اعتزم الرحيل إلى يوسف في المغرب ، ولكنه عدل عن ذلك أثناء الطريق ، في مدينة "الإسكندرية" بعد وفاة يوسف ، رحمه الله ، سنة 500 هـــ .

وجاءت وفاة الغزالي ، رحمه الله ، بعد فتوى علماء المغرب من المالكية ، بحرق كتابه ، بسنتين فقط ، إذ توفي سنة 505 هـــ .

وللمسألة أكثر من طرف :

فطرف في يد علي بن يوسف ، رحمه الله ، وقد سبقت الإشارة إلى ورعه وتعظيمه للعلماء ، وكان علماء المغرب والأندلس ، من المالكية ، الذين عيب عليهم التوسع في دراسة فروع المذهب على حساب الأصول ، فلما وصلت كتب الغزالي ، رحمه الله ، وكان يحمل فيها بشدة على الفقهاء ، إلى المغرب والأندلس ، أثار ذلك حفيظة علماء المغرب ، وعلى رأسهم قاضي قرطبة : القاضي أبو عبد الله محمد بن حمدين ، رحمه الله ، فأفتوا بحرقها ، وامتثل علي ، رحمه الله ، لفتواهم ، حتى ذكر ابن القطان فيما نقله ابن عذارى في البيان المغرب أن أمير المسلمين ، عليا ، رحمه الله ، شدد في ذلك حتى أنذر كل من يوجد عنده الكتاب بالقتل ومصادرة المال ، والرواية لا تتفق مع ما أثر عن علي ، رحمه الله ، من زهد وورع وحسن سياسة ، والله أعلم .

والناظر في أحداث تلك المرحلة ، يجد بالفعل ، ميلا لدى علماء المغرب إلى الانشغال بالفروع الفقهية الدقيقة ، وإن ظهر من بينهم أئمة مجددون ، كأبي الوليد بن رشد ، الجد ، رحمه الله ، ولا شك أن هذا التعمق في الدراسة قد حجز بين العلماء وبين واقع الأمة في تلك الفترة ، وللمسألة طرفان ووسط :

فطرف غال في طلب غوامض المسائل والبحث عن دقائق الفروع .

وطرف غال في تبع الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية .......... الخ ، على حساب التأصيل العلمي الشرعي تحت مسميات متعددة ، لعل من أبرزها في عصرنا الحاضر : فقه الواقع ، ذلك المصطلح الرنان المطاط الذي توسعت بعض الحركات الإسلامية المعاصرة في استخدامه حتى صار مسوغا لكثير من المخالفات الشرعية .

وطرف وسط أخذ من هذا وهذا ، فلم يهمل طرفا لحساب طرف ، وإن كان طرف التأصيل العلمي أولى بالتقديم ، وخير الأمور أوسطها ، والله أعلم .

ولكن على الجانب الآخر ، نجد الغزالي ، رحمه الله ، قد شط في كثير من المواضع في "إحياءه" ، فشحنه بالأحاديث الموضوعة ، إذ كانت بضاعته في الحديث مزجاة ، وأورد فيه كثيرا من القصص الواهية التي تخالف ناموس الشريعة ، وخرج فيه عن منهجه العلمي الراسخ ، الذي عرفناه في مصنفات كـــ "المستصفى" وغيرها ، إلى منهج يروق لكثير من الصوفية ، في كل عصر ، حتى عدوا "الإحياء" دستورا لا يزيغ عنه إلا هالك ، والقوم بضاعتهم الرائجة : الغلو في الأئمة ، وتقديس نصوصهم ، وكأنها وحي منزل ، فهم يعظمون الإحياء ، وفيه من الطوام ما فيه ، دون النظر إلى الظروف والملابسات التي ألف الغزالي ، رحمه الله ، الإحياء فيها ، ودون تتبع لسيرة هذا الرجل المخلص الذي ظل طوال حياته يبحث عن الحق حتى وجده أخيرا في اتباع أهل الحديث ، أهل الأثر ، ولكن بعد انقضاء العمر ، فمات ، رحمه الله ، كما يحكى ، وصحيح البخاري على صدره ، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله .

ولعلماء الإسلام أقوال مأثورة حول إحياء أبي حامد رحمه الله :
فالذهبي ، رحمه الله ، يقول في ترجمة أبي حامد ، رحمه الله ، في سير أعلام النبلاء ، (19/340_346) :
أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة ، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم ، وزهد من طرائق الحكمة ومنحرفي الصوفية نسأل الله علما نافعا .
تدري ما العلم النافع ؟ هو ما نزل به القرآن وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا ، ولم يأت نهي عنه ، قال صلى الله عليه وسلم : "من رغب عن سنتي فليس مني" . فعليك يا أخي بتدبر كتاب وبإدمان النظر في الصحيحين ، وسنن النسائي ، ورياض النووي ، وأذكاره ، تفلح وتنجح ، وإياك وآراء عباد الفلاسفة ، ووظائف أهل الرياضات ، وجوع الرهبان ، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات ، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة ، فواغوثاه بالله ، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم . اهــــ

ولم ينس الذهبي ، رحمه الله ، أن يوفي الإمام الغزالي ، رحمه الله ، حقه ، فقال : "فرحم الله أبا حامد ، فأين مثله في علومه وفضائله ؟ ولكن لا ندعي عصمة من الغلط والخطأ ، ولا تقليد في الأصول" . اهـــ

فتعظيم الأئمة وحفظ أقدارهم شيء ، ومخالفتهم وعدم إقرارهم على خطئهم شيء آخر ، وهذا مما امتازت به طريقة أهل السنة والجماعة ، فهم يعظمون أئمتهم ، ولكنهم لا يدعون عصمتهم ، ولا يتابعونهم على أخطائهم ، ولا يغالون في محبتهم ، وفي نفس الوقت لا يحطون من قدرهم ولا يهدرون أقوالهم التي أصابوا فيها ، بل إنهم لا يهدرون أقوال المخالف إن أصاب ، فيقبلون الحق من كل من جاء به ، فهم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق ، والله أعلم .

وعن إحياء أبي حامد ، رحمه الله ، يقول الإمام أبو بكر الطرطوشي ، رحمه الله ، في رسالة إلى ابن مظفر : (فأما ما ذكرت من أبي حامد فقد رأيته ، وكلمته فرأيته جليلا من أهل العلم واجتمع فيه العقل والفهم ، ومارس العلوم طول عمره ، وفاق على ذلك معظم زمانه ، ثم بدا له العدول عن طريق العلماء ، ودخل في غمار العمال ، ثم تصوف وهجر العلوم وأهلها ، ودخل في علوم الخواطر ، وأرباب القلوب ، ووساوس الشيطان ، ثم شابها بآراء الفلاسفة ، ورموز الحلاج ، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين ، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين ، فلما عمل "الإحياء" عمد يتكلم في علوم الأحوال ، ومزامر الصوفية ، وكان غير أنيس بها ، ولا خبير بمعرفتها ، فسقط على أم رأسه ، وشحن كتابه بالموضوعات) .

يقول الدكتور علي الصلابي حفظه الله : (وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أثنى على كتاب الإحياء قائلا بأن غالبه جيد وأن فيه فوائد كثيرة لكنه أشار إلى أن فيه بعض مواد مذمومة وفاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد ، وأضاف أن بعض أئمة الدين أنكر على أبي حامد هذا الذي كتبه وقالوا : أمرضه الشفا ، يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة ، وقال : "وفي الإحياء أحاديث وآثار ضعيفة بل موضوعة كثيرة ، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم ، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة وما هو أكثر مما يرد منه") .

ويواصل الدكتور ، الصلابي ، حفظه الله ، فيقول :
(وقد كان ، أي شيخ الإسلام رحمه الله ، يتعرض لآراء الغزالي في أكثر كتبه وينقد ما جاء فيها بأسلوب هادئ علمي ، وغالبا ما كان يختم الكلام عنه بأنه مات على أحسن أحواله بعد أن كان في أواخر عمره مقبلا على كتب الحديث وأنه قد مات وصحيح البخاري على صدره) .

تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ، ص256 ، 257 .

فالإحياء بحر متلاطم الأمواج ، لا يجيد السباحة فيه إلا العلماء الراسخون ، لذا كانت نصيحة العلماء لطلاب العلم المبتدئين عدم النظر في هذا الكتاب قبل التأصل ورسوخ القدم ، لئلا يختلط الأمر عليهم ، وحسنا فعل العراقي ، رحمه الله ، لما خرج أحاديث هذا الكتاب وتتبعها ، وهو من علماء الحديث الراسخين ، فخدم الكتاب أيما خدمة ، ومع ذلك فالأمر لا يخلو من مخاطرة ، ومعرفة الحق والتشبع به حتم لازم قبل النظر فيما سواه لئلا تسري الشبهات إلى القلوب ، والله أعلم .

ويحمل بعض مؤرخي دولة الموحدين على المرابطين لحرقهم الإحياء .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (ويحمل ابن القطان ، وهو من مؤرخي الدولة الموحدية ، على هؤلاء الجهلة الذين قاموا بإحراق هذا "الكتاب العظيم" ، ويقول لنا إن إحراقه كان سببا لزوال ملكهم ، واستئصال شأفتهم ، ثم ينقل إلينا قصة وجود المهدي بن تومرت في حلقة الإمام الغزالي بالمشرق ، ووقوف الغزالي منه على ما تم من إحراق كتابه بقرطبة ، ودعائه "أن يمزق الله ملكهم كما مزقوه ، وأن يذهب دعوتهم كما أحرقوه") .

وهذه بطبيعة الحال من نبوءات المهدي المزعومة ، وتمزيق ملك المرابطين بطبيعة الحال يجب أن يكون على يد محمد بن تومرت ، المهدي المنتظر !!!! .

وعلى العكس ، ينبري بعض العلماء ، للدفاع عن علي بن يوسف ، رحمه الله ، ومن أبرزهم ، من العلماء المعاصرين : الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي ، حفظه الله ، في رسالة له تحت عنوان "الأسباب الحقيقية لحرق إحياء علوم الدين للغزالي" ، توجد على الرابط التالي :
http://www.maghrawi.net/modules.php?name=boocks&dcategory=%C7%E1%CF%DA%E6%C9+%E6%C7%E1%E3%E4%E5%CC&sortby=dfilename#doros

وترتيب الكتاب في الكتب المثبتة هو : الرابع ، والله أعلم .

ومع وقفة أخرى ، ولكنها مؤلمة في تاريخ الأندلس المسلمة ، وهو سقوط مدينة سرقسطة ، قاعدة الثغر الأعلى سنة 512 هـــ :

فقد عقدت إسبانيا النصرانية وجارتها فرنسا الكاثوليكية المتعصبة ، العزم على انتزاع سرقسطة ، من أيدي المسلمين ، فأعدت العدة لحملة صليبية محلية ، إن صح التعبير ، اشترك فيها كالعادة كثير من الأساقفة ورجال الدين المتعصبين ، قوامها خمسون ألف فارس ، كما في رواية صاحب الروض المعطار ، ص98 .

وكان المتهم الأول في هذه الهزيمة الكبيرة هو الأمير أبو الطاهر تميم ، أخو أمير المسلمين علي بن يوسف ، إذ قدم إلى سرقسطة على رأس جيش مرابطي ، ورغم ذلك لم يشتبك مع قوات النصارى المحاصرة لـــ "سرقسطة" ، وآثر السلامة في تخاذل عجيب ، ومرة أخرى تظهر فراسة يوسف ، رحمه الله ، في تقديمه عليا ، رحمه الله ، على تميم ، في ولاية العهد .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (وإنه ليحق لنا أن نتساءل بعد ذلك عن البواعث التي حملت قائد الجيش المرابطي الأمير أبا الطاهر تميما على اتخاذ هذا الموقف السلبي ، في مثل هذه الآونة العصيبة من حياة المدينة المسلمة العظيمة ، وحملت الجيش المرابطي على الإحجام عن لقاء العدو في محاولة يائسة لإنقاذها .

فأما من الناحية العسكرية ، فإنه يمكن أن يقال إن ذلك قد يرجع إلى تفوق النصارى في الكثرة على الجيش المرابطي ، تفوقا خشي معه الأمير تميم أن يدخل في معركة غير مأمونة العواقب ، وتميم لم يكن من أكابر القادة المرابطين ، وإنما كان يقود الجيش بصفته الأميرية ، ولم يكن انتصاره في موقعة "إقليش" راجعا إلى مقدرته وصفاته الخاصة ، وإنما كان راجعا بالأخص إلى شجاعة قائديه المجربين : محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة ، رحمهما الله ، ولولاهما لما اشتبك في المعركة ولآثر الارتداد ، فلم يكن تميم رجل الموقف .

وكان الجيش المرابطي قد فقد إلى ذلك الحين معظم قادته العظام ، أمثال : سير بن أبي بكر ، وأبو محمد مزدلي ، ومحمد بن الحاج ، ويمكن أن يقال أيضا إن موقع سرقسطة بعيدا عن مراكز تموين الجيش المرابطي وأمداده في بلنسية ومرسية وقرطبة ، لم يكن مما يشجع على القيام بأية محاولة عسكرية خطيرة) .

ورغم ذلك لم تقنع تلك الحجج الأستاذ عنان ، رحمه الله ، إذ يواصل حملته على الجيش المرابطي بقيادة تميم فيقول :
(على أن هذه الأعذار العسكرية وأمثالها ، لم تكن تكفي لتبرير موقف الجيش المرابطي ، وإحجامه عن القيام بعمل إنقاذ مشرف ، واتقائه بذلك صدع هيبته في أنحاء شبه الجزيرة ، ولوم التاريخ والأجيال ، وإنما قد ترجع البواعث الحقيقية لتقاعس المرابطين عن المغامرة بإنقاذ سرقسطة ، إلى أنهم كانوا يشعرون بأن الاحتفاظ بهذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة ، منطقة الثغر الأعلى ، كان يلقي عليهم مسئوليات عظيمة ، لوقوعها بين أعداء أقوياء يتربصون بها باستمرار ، وأن سرقسطة لم تكن بظروفها وروح شعبها كثيرة الولاء لحكمهم ، ومن ثم فإن المرابطين لم يعنوا فيما يبدو ، بأن يتجشموا في سبيل إنقاذها تضحيات عسكرية عظيمة) .

وكانت هذه إحدى النتائج السلبية لتوتر العلاقة بين حكام الجزيرة الأندلسية من المرابطين المغاربة وأهلها من الأندلسيين ، فإنه ، باستثناء سرقسطة ، لم يتول حكم القواعد الأندلسية بعد خلع ملوك الطوائف رجال أندلسيون من أهل الجزيرة ، وهو ما وسع الهوة بين الولاة ورعاياهم ، ولا شك أن تخلي المرابطين عن سرقسطة ، بهذا الشكل المؤسف ، مما أضعف ثقة الأندلسيين في حكامهم ، ولا أشد على الشعوب من أن تشعر بتخاذل حكامها وبطئهم عن نجدتها في الملمات ، بل إن ذلك يسري في نطاق أي علاقة إنسانية ، فلك أن تتخيل مثلا : زوجة لا تشعر بالأمان في كنف زوجها ، أو تشعر بأنها إذا مرضت أو تقدم بها العمر ............ الخ ، فإن زوجها لن يطيق إمساكها وسيتركها فرارا من التبعة ، أمثل هذه الزوجة تشعر بالأمان أو الثقة في هذا الزوج ؟!! ، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، من أكبر راع إلى أصغر راع ، والله أعلم .

واستسلمت سرقسطة الحبيبة في 3 رمضان سنة 512 هـــ ، بعد أن حكمها المسلمون أكثر من أربعة قرون ، وبعد أن لعبت في تاريخ الثغر الأعلى الأندلسي ، أعظم دور ، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو العسكرية .

وكانت هذه الضربة أولى الضربات القاصمة لسيادة المرابطين في الأندلس ، وتلاها ضربة "كتندة" أو "قتندة" ، سنة 514 هـــ ، التي هزم فيها المسلمون هزيمة منكرة تحت قيادة والي اشبيلية أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف ، أخو الأمير علي ، إذ قدرت الرواية الإسلامية عدد الشهداء بـــ : عشرين ألفا من المتطوعة ، منوهة بنوع خاص بمن استشهد في الموقعة من العلماء والفقهاء وفي مقدمتهم العلامة أبو علي الصدفي ، رحمه الله ، وأبو عبد الله بن الفراء ، قاضي ألمرية ، رحمه الله .

وابن الفراء هذا هو الذي اعترض على يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، لما أراد فرض ضريبة الجهاد على أقاليم الدولة المرابطية وبعث إليه ليجبيها من أهل "ألمرية" ، فكان ، رحمه الله ، ممن لا تأخذه في الحق لومة لائم ، وتوج علمه بشهادة نسأل الله ، عز وجل ، أن يتقبلها منه ومن كل شهدائنا .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (99_104) .

ومع وقفة أخرى ، وهي غزوة ألفونسو الكبرى للأندلس بالتواطؤ مع النصارى المعاهدين في القواعد الإسلامية وخاصة "غرناطة" :

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله :
(لما سقطت سرقسطة في أيدي النصارى ، وتوالت انتصارات ألفونسو المحارب ، وتوالت محن المسلمين في الثغر الأعلى ، وظهر التخاذل على الجيوش المرابطية ، أخذت طوائف المعاهدين في التحفز ، ولاح لها أنها تستطيع أن تعمل عملا مثمرا لضرب الأندلس ، بالتفاهم مع عاهل الثغر الأعلى ، وإمداده بما وسعوا من ضروب الإمداد والعون) .

والقوم تاريخهم في خيانة العهود ونقض المواثيق عريض ، قديما وحديثا ، فبالرغم مما لاقاه النصارى في بلاد المسلمين من حسن معاملة ولين جانب ، وصل في أحيان كثيرة إلى درجة التسيب والمداهنة ، كما هو الحال في كثير من دول الإسلام اليوم ، إلا أنهم ما برحوا يكيدون للإسلام وأهله ، وينتهزون فترات الضعف التي تمر بالمسلمين ، لطعنهم في دينهم ، بإظهار السب والاستهزاء ما أمكن ، فالقوم أجبن من أن يعلنوا ذلك على الملأ ، بل وطعنهم بالسنان إن وجدوا إلى ذلك سبيلا ، وحسبك ما حدث في جزر الملوك الأندونيسية ، في أواخر القرن الماضي من تطاول ميليشيات النصارى بالتعاون مع القبائل الوثنية على مسلمي جزر الملوك ، في "أكبر دولة إسلامية في العالم" ، تحت سمع وبصر الحكومة الأندونيسية المتخاذلة ، ولولا أن قيض الله ، عز وجل ، لأولئك المستضعفين ، فرقا من المجاهدين ، "وهم في نظر الغرب الكافر ومن والاه إرهابيون بطبيعة الحال" ، من الجماعات الإسلامية في الجزر الأندونيسية الأخرى كجزيرة "جاوة" ، لأعمل أولئك الجبناء سيف الاستئصال في رقاب مسلمي جزر الملوك ، وإذا كان هذا حال مسلمي أكبر دولة إسلامية في العالم فما ظنك بحالهم في دول يكون المسلمون فيها أقلية كالهند وروسيا والبلقان ............. الخ .

ويواصل الأستاذ عنان رحمه الله فيقول :
(وكان أشد طوائف المعاهدين نشاطا في تدبير هذه المؤامرة الكبرى ، نصارى غرناطة ، وكانوا من أكبر طوائف المعاهدين عددا ، وأغناهم مالا ، وأكثرهم ازدهارا ومقدرة ونفوذا ، وكانت لهم خارج غرناطة ، تجاه باب إلبيرة ، في طريق قرية قولجر ، كنيسة عظيمة شامخة ، فريدة في العمارة والطراز ، فلما استولى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، على غرناطة ، خاطبه الفقهاء في هدمها لما يدلي به صرحها الشامخ من تطاول المعاهدين ، فأمر بتحقيق رغبتهم ، وخرج أهل غرناطة لهدم الكنيسة المذكورة ، في آخر جمادى الآخرة سنة 492 هـــــ ، فصيرت في الحال ركاما ، وغدت قاعا صفصفا) ، وقد أحال الأستاذ عنان ، رحمه الله ، في الحاشية على "الإحاطة في أخبار غرناطة" ، لابن الخطيب ، رحمه الله ، (1/114) .

والرواية تحتاج إلى تحقيق ، ولو صحت لما جاز للنصارى أن يتخذوها ذريعة في نقض العهد والتواطؤ الكامل مع ألفونسو ، ونحن مع ذلك لا نعلم ملابسات هذه الحادثة تفصيلا ، وعلى افتراض أن هذه الكنيسة قد هدمت ظلما وجورا ، فإن الأمر لا يعدو كونه حادثا فرديا لا يصح أن يحمل فوق ما يحتمل ، كما فعل المستشرق "دوزي" ، الذي حاول تصوير هذا الحادث ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، في صورة الاضطهاد العام الذي أنزله المرابطون بالنصارى المعاهدين ، مدعيا أن هذا الاضطهاد قد شمل هدم الكنائس بصفة عامة ، وشمل أيضا أشياء أخرى لا يستطيع التكهن بها !!!! ، لأن الرواية الإسلامية تلتزم الصمت إزاء ذلك ، ويتابعه في ذلك المستشرق الإسباني "سيمونيت" ، فيقول بأن نصارى مملكة غرناطة ، وقع عليهم اضطهاد شديد من جراء تعصب المرابطين ، فهدمت كنائسهم ، وطورد قساوستهم وانتهكت رسومهم ............ الخ ، من صنوف الاضطهاد الملفقة .

ولنا أن نسأل ذلك الإسباني : لماذا سكت في هذا الموضع عما حصل لمسلمي أسبانيا بعد سقوط غرناطة ، ولماذا أحجمت عن المقارنة بين محاكم التفتيش المرابطية ، بزعمك ، ومحاكم التفتيش الكاثوليكية المتعصبة ، التي أذاقت المسلمين بل واليهود من صنوف العذاب ما قد عرفت ، وأين حادث فردي في إمارة واحدة من اضطهاد عام لـــ "الموريسكيين" ، البقية الباقية من مسلمي الأندلس ، وأين هدم كنيسة من محو كامل لرسوم دين ، في العبادات والشعائر واللغة والعادات بل وحتى الملابس ؟!!!! ، لقد ترك لكم المسلمون حرية العقيدة ، التي تتشدقون بها في كل موضع ، وتركوا لكم حرية التخاطب بلغتكم فهل عاملتموهم بالمثل لما سقطت غرناطة ؟!!!! ، سؤال يحتاج إلى إجابة .

والقوم تاريخهم في التباكي ، وإلى يومنا هذا ، لا يخفى على متأمل ، فالحوادث الفردية عندهم اضطهاد عام ، وقتل أحدهم ، "تطهير عرقي" ، ودخول أحدهم في الإسلام طواعية ، "محاكم تفتيش إسلامية" ، واستغاثتهم المستمرة بألفونسو العصر الحاضر القابع في واشنطن أشهر من أن تذكر .

نحن لا ننكر أخطاءنا ، ولا نبيح إراقة الدم الحرام بأي حال من الأحوال ، ولكننا ننكر تضخيم الحوادث وتحميلها فوق ما تحتمل من قبل المغرضين الذين يتوصلون بذلك إلى تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية غير مشروعة على حساب المسلمين .


وبالفعل استجاب ألفونسو لنداء نصارى غرناطة ، وبدأ حملته سنة 519 هــــ ، وأثخن في أراضي المسلمين ، وانضم إليه المتواطئون من النصارى المعاهدين من كل الولايات الإسلامية ، حتى تضخم جيشه ووصل إلى 50 ألف مقاتل ، وضرب الحصار حول غرناطة ، ولكنه لم يستطع اقتحامها ، وبدأ صبره ينفد ، وأخيرا عقد العزم على الرجوع إلى بلاده ، وانضم إليه خلال رحلة العودة 10 الآف من النصارى المعاهدين الذين فروا من مواطنهم خشية انتقام المسلمين ، وأنجى الله ، عز وجل ، أمة الإسلام في الأندلس من هذه الحملة الصليبية ، بأن سلط الوباء على جيش ألفونسو ، فهلك منه من هلك ، وما يعلم جنود ربك إلا هو .

يقول الأستاذ عنان رحمه الله : (وثمة حقيقة أجرى كانت جديرة بالاعتبار ، وهي أن النصارى المعاهدين الذين يعيشون في ظل الحكومة الإسلامية ، ويتمتعون برعايتها ، لم يكونوا يشعرون نحوها بذرة من الولاء ، بل كانوا يمثلون خطرا داخليا على الأندلس ، ولا يدخرون وسعا في الكيد لها ، وممالأة أعدائها ، وتحريضهم على التنكيل بها) .

وكان لابد من إجراء حاسم مع أولئك الخونة بعد انكشاف هذه الغمة ، وبرز في هذا الموقف الحاسم ، الفقيه الأندلسي الأشهر في ذلك الوقت الإمام : أبو الوليد بن رشد الجد ، رحمه الله ، قاضي قرطبة ، الذي عقد العزم على العبور للقاء الأمير علي ، رحمه الله ، في حاضرة ملكه في "مراكش" ، للتشاور في هذا الأمر ، وأصدر فتواه الشهيرة بـــ "تغريب النصارى" ، فأخذ الأمير ، علي ، بهذه الفتوى ، وصدر الأمر بتغريب المعاهدين إلى العدوة المغربية ، فنفيت منهم جموع غفيرة ، وسيق الكثير منهم إلى مكناسة وسلا وغيرهما من بلاد العدوة ، وهلك منهم خلال العبور والسفر عدد جم ، وتفرقوا شذر مذر ، وضم أمير المسلمين منهم عددا إلى حرسه الخاص ، وامتازوا فيما بعد بالإخلاص والبراعة ، كذا يقول الأستاذ عنان رحمه الله وفي هذا نظر إلا أن يكون الولاء هنا ولاء سياسيا بحتا ، على أن هذا التغريب لم يكن شاملا ، فقد بقيت في غرناطة وفي قرطبة وفي غيرهما من القواعد جماعات من النصارى المعاهدين لأسباب مختلفة لتنمو وتزدهر مرة أخرى ، وعلى نفسها جنت براقش ، فلم نجنح إلى هذا التصرف الحاسم ابتداء ، وإنما ألجأنا القوم إليه إلجاء .

ومرة أخرى ، يتعسف "سيونيت" ، في تفسير الحوادث وتحميلها فوق ما تحتمل ، فينوه بمصاب المعاهدين من جراء هذا النفي ، ثم يقول في تكلف وتجن واضح ، بأن العناية الإلهية شاءت أن ترد هذه القسوة ، بما أنزل بعد ذلك بقرون بــــ "الموريسكيين" أو العرب المتنصرين عند نفيهم من إسبانيا من قسوة مماثلة .

يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، معلقا : (وهذه مقارنة غير موفقة ، لأن ما أنزلته إسبانيا النصرانية بالموريسكيين قبل النفي وخلاله من ضروب القسوة المروعة يندر أن نجد له مثيلا في صحف الاستشهاد القومي) .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (4/103_114) .
ولم يعش الأستاذ عنان ، رحمه الله ، ليشهد أحداث حرب البلقان الأخيرة ، فهي صورة أخرى من صور العناية الإلهية التي نوه بها "سيمونيت" !!!! .

ولنا أن نتخيل أن الأقلية المسلمة في أي بلد من بلدان العالم "المتحضر" هي التي ارتكبت هذا الفعل ، فيا ترى ماذا سيكون رد فعل الساسة والحكام ؟!!!! ، لقد رأينا المسلمين في البلقان يذبحون ذبح النعاج ، ثم خرج علينا الهالك ، ميلوسيفتش ، ليبرر ذلك بـــ "مكافحة الإرهاب في البلقان" ، وفي بلد كـــ "إيران" تصدر أحكام الخيانة العظمى ضد إخواننا أهل السنة والجماعة ، بزعم تواطئهم مع "الوهابيين" ، في الجهة الأخرى من الخليج العربي ، تصدر هذه الأحكام لأتفه الأسباب كأن يقوم إمام سني بشرح معتقد أهل السنة في الصحابة ، رضوان الله عليهم ، أو ولاية الفقيه المزعومة التي يدعونها لإمامهم المزعوم ، الخميني ، عليه من الله ما يستحق ، ومن بعده الشيخ الضال "علي خامئني" ، وقد سمعت في إحدى المحاضرات المسجلة للشيخ ممدوح الحربي ، حفظه الله ، تحت عنوان "سنة إيران" ، أن أحد أئمة أهل السنة والجماعة في إيران ، صعد المنبر وانبرى ليبطل فرية "ولاية الفقيه" ، فاعتقل لمدة ثم أطلق سراحه وأصبح يحدث الناس بصحة هذه الفرية ، فأنكر عليه بعض إخوانه ، فاعتذر إليه بما حدث له في المعتقل ، حيث دخل عليه أحد شيوخهم المعممين ومعه عشرة من الشباب ، وخيره بين أن يرجع عن كلامه أو يأمر أولئك بارتكاب الفاحشة معه ، بل وأفتاهم بأنهم لا غسل عليهم لأن عملهم هذا جهاد في سبيل الله ونصرة الحق !!!!! ، ولا تعليق ، وهذا دين القوم وهذه فتاواهم .

يحدث هذا في الوقت الذي يحظى فيه رافضة الخليج بكل حقوقهم ، بل ويشكلون جماعات ضغط في كثير منها ، وقد عشت فترة في المملكة العربية السعودية ، في المنطقة الشرقية ، ولهم فيها تواجد ملحوظ في مدن كــ "القطيف" و "الأحساء" ، وخالطت القوم ، وعرفت بالرغم من صغري آنذاك ، قدر ما يحمله القوم من غل وحقد على أهل السنة لا سيما العلماء والدعاة .

وللشيخ ممدوح ، حفظه الله ، موقع متميز فيه كم من المحاضرات القيمة التي تتناول مخططات القوم للهيمنة على دول العالم الإسلامي ورابطه :
http://www.adyaan.com/

ووقفة مع ذلك الإمام العلم أبي الوليد بن رشد الجد ، رحمه الله ، إذ نرى صورة إمام أتقن أصول العلوم وفروعها ، ومع ذلك لم ينشغل بها عن هموم أمته ، فقرن العلم بالعمل ، وأخلص النصح لولاة الأمور ، بل يحكى أن من أسباب جوازه لعدوة المغرب ولقائه بأمير المسلمين علي ، رحمه الله ، أنه سعى في عزل أبي الطاهر تميم عن ولاية الأندلس لما أبداه من تخاذل في مواجهة قضايا المسلمين المصيرية في الأندلس ، فالله درك أبا الوليد ، لم تخش في الحق لومة لائم ، ولم تشغلك مسائل العلوم ودقائق الفنون ، مع إتقانك لها ، عن هموم أمتك ، وهكذا فليكن علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد عجل موت تميم ، رحمه الله ، سنة 520 هـــ ، بتغيير القيادة الأندلسية فتولى المهمة الأمير الشاب : تاشفين بن علي ، رحمه الله ، ولنا معه وقفة لاحقة إن شاء الله .


وأصيب المرابطون بنكبة جديدة في الأندلس سنة 523 هـــ ، في معركة "القلاعة" ، التي قتل هزم فيها الجيش المرابطي بقيادة محمد بن أبي بكر بن سير اللمتوني ، أو محمد بن قنونة ، نسبة إلى أمه ، على عادة أمراء المرابطين في الانتساب لأمهاتهم النجيبات ، و"قنونة" هي أخت أمير المسلمين علي ، رحمه الله ، وقد بلغت خسائر المسلمين في هذه المعركة طبقا لرواية ابن القطان : 12000 قتيل وأسير .


ومع قائد المرابطين الشهير "يحي بن غانية" ، رحمه الله ، بطل موقعة إفراغة الشهيرة ، 23 رمضان سنة 528 هــــ ، و"غانية" هي أمه ، وسبق أن كثيرا من أبناء المغرب نسبوا لأمهاتهم لما لهن من الفضل والشرف و الغانية هي : المرأة الجميلة التي استغنت بجمالها عن الحلي ونحوه ، وقيل : لاستغنائها ببيت أبيها عن أن تزف إلى الأزواج ، وعن الغانيات يقول الشاعر الذي داهمه الشيب :
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ******* فأعرضن عني بالخدود النواضر
ويقول آخر واصفا تجملهن :
إذا ما الغانيات برزن يوما ******* وزججن الحواجب والعيونا
أي : زججن الحواجب وكحلن العيون ، فحذف العامل الثاني "كحلن" لدلالة العامل الأول"زججن" ، عليه ، فالكحل للعين والتزجيج للحواجب ، وفي الأخير ما فيه من النمص المنهي عنه شرعا ، ويبدوا أنه مما ابتليت به النساء قديما وحديثا .
بتصرف من "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" للشيخ العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، (3/187) .

ويحيى بن غانية ، رجل من طراز "داود بن عائشة" ، فهو قائد مجرب ، وسياسي محنك ، أوقع بألفونسو المحارب في إفراغة ، فانقشع خطر النصارى عن أراضي الثغر الأعلى ، وشرقي الأندلس ، ولأسرة "ابن غانية" دور بارز في تاريخ الأندلس في عصر المرابطين وعصر الموحدين من بعدهم ، فقد كانوا شوكة في جانب الدولة الموحدية ، لدرجة حملت بعض المؤرخين على اعتبارهم أحد أسباب سقوطها ، والله أعلم .

وكان انتصار "إفراغة" ، سببا في إنقاذ بقية قواعد الثغر الأعلى بعد سقوط سرقسطة ، وهلك ألفونسو بعده هما وكمدا ، واسترد المرابطون أنفاسهم بعد سلسلة من الإخفاقات ، والأيام دول .
بتصرف من "دولة الإسلام في الأندلس" ، للأستاذ العلامة محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، (4/125) .

ووقفة أخرى مع الأمير علي فيها شيء من الطرافة والاعتبار في نفس الوقت ، وهي تولي ابن الأمير علي : "سير" ، ولاية العهد ، مع عدم كفاءته وركونه إلى الراحة والبطالة ، وتأخير الأمير "تاشفين" ، رحمه الله ، رغم كفاءته التي ظهرت في قيادة الجزيرة الأندلسية ، وكما يقول البعض : فتش عن المرأة !!!! ، وكانت البطلة هذه المرة هي أم "سير" ، "قمر" ، ويبدو أنها كانت اسما على مسمى ، إذ كان الأمير علي ، رحمه الله ، مع عظيم همته وحزمه ، لا يطيق عنها صبرا ، وقد توفي "سير" سنة 533 هـــ ، فتدخلت قمر مرة أخرى لتصرف ولاية العهد عن "تاشفين" إلى "إسحاق" ، ربيبها ، ولكن عليا ، رحمه الله ، لم يجبها هذه المرة ، لصغر سن إسحاق ، فغلب المصلحة العامة على هوى "قمر" التي كادت تودي بالدولة بسبب رغبة طائشة في تولي "سير" لمجرد أنه ابنها ، وكأن هذه البنوة مؤهل يسوغ له تولي الملك وإن لم يكن كفئا له ، ومرة أخرى يظهر الأثر السلبي لتدخل النساء في أمور الحكم والسياسة ، ولو تفرغت قمر لتربية "سير" لكان خيرا له ولها .

وعجبا لرجال أمثال علي ، رحمه الله ، يسوسون الأمم ويقودون الجيوش ، وتصرعهم أمثال "قمر" ، ويبدو أن شوقي ، رحمه الله ، لم يستقرأ التاريخ عندما قال :
خدعوها فقالوا حسناء ******* والغواني يغرهن الثناء .
فما أكثر ما خدعت الحسناوات أعظم الرجال همما وبأسا .

ولم يكن عليا ، رحما الله ، حازما في مواجهة حركة "محمد بن تومرت" ، واكتفى بنفيه من مراكش ، ولم يستمع لنصيحة مالك بن وهيب ، رحمه الله ، الذي أشار عليه بسجن ابن تومرت وأتباعه قبل أن يستفحل خطرهم ، فكانت بداية النهاية لدولة المرابطين ، وعاب عليه المراكشي في "المعجب" ، شدة غفلته عن أمور الرعية ، وعكوفه على العبادة والتبتل ، في أواخر أيامه ، وإن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار ، وحقا في النهار لا يقبله في الليل ، وإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ، كما قال الصديق رضي الله عنه .




وبرحيل علي ، رحمه الله ، سنة 537 هـــ ، بدأت الدولة في الانحدار السريع ، فلم يهنأ "تاشفين بن علي" ، رحمه الله ، رغم كفاءته وبطولته بالملك من بعد أبيه وإنما قضى العامين اللذين تولى فيهما الإمارة "537_539 هـــ" ، في حروب متصلة مع جيوش الموحدين ، قتل في إحداها .

وعن خلال هذا الأمير النابه يقول صاحب البيان المغرب : (كان بطلا شجاعا حسن الركبة والهيئة لولا بخل أخل به ، وأنه كان يسلك طريق ناموس الشريعة ، ويميل إلى طريقة المستقيمين ، وقراءة كتب المريدين ، وقيل إنه لم يشرب قط مسكرا ، ولا استمع إلى قينة ، ولا اشتغل بلذة صيد ، ولا غير ذلك مما يلهو به الملوك من سائر اللهو) .

ولعل بخل تاشفين ، رحمه الله ، كان كبخل أمير المؤمنين ، أبي جعفر المنصور ، رحمه الله ، الذي عرف بشدة الحرص ، وليس البخل ، على أموال المسلمين ، حتى قيل بأنه ترك في بيت المال ما يكفي المسلمين لـــ : 10 سنوات كاملة ، ولله درك يا منصور ، ما أشد حرصك على أموال المسلمين ، وبمثل أبي جعفر تقوى الأمة وتستغني عن فتات موائد أعدائها .

ويشير صاحب البيان المغرب في موضع آخر إلى حسن سياسة تاشفين إذ يقول : (وساس أهل الأندلس سياسة طار بها ذكره ، من الاستقامة ، واتباع ناموس الشريعة) .

وينوه ابن الصيرفي بورع تاشفين وتقواه وصيامه وقيامه .
دولة الإسلام في الأندلس ، (4/145) .

لقد كان سيرة تاشفين ، رحمه الله ، لمحة من سيرة جده العظيم "يوسف بن تاشفين" ، رحمه الله ، ولكن الظروف لم تتح له فرصة قيادة الأمة المغربية في مواجهة العدو المتربص في العدوة الأندلسية


وبرحيل تاشفين ، رحمه الله ، تولى الحكم آخر أمراء المرابطين ، أبو إسحاق إبراهيم بن تاشفين ، الذي كان صبيا في الرابعة عشرة من عمره ، ولم يستمر ملكه سوى عامين فقط سقطت بعدهما "مراكش" عاصمة المرابطين في أيدي الموحدين بقيادة الداهية عبد المؤمن بن علي الكومي سنة 541 هـــ ، وقتل إبراهيم ، وبمقتله انتهى هذا الحلم المغربي الجميل سريعا ، لتفتح صفحة جديدة من تاريخ المغرب الحبيب ، هي صفحة دولة الموحدين بقيادة عبد المؤمن وأولاده .

وإذا تتبعت أجيال القادة في تاريخ هذه الدولة المجاهدة بدأ بـــ :
الجيل الأول : وعلى رأسه أبو عبيد الله بن تيفاوت ويحيى بن إبراهيم الجدالي وعبد الله بن ياسين ويحيى بن عمر اللمتوني وأبو بكر بن عمر اللمتوني وسليمان بن حدو رحمهم الله .
مرورا بالجيل الثاني : وعلى رأسه يوسف بن تاشفين و سير بن أبي بكر ومحمد بن تميم الجدالي وعمر بن سليمان المسوفي ومدرك التلكاني وأبو عبد الله بن الحاج وإبراهيم بن إسحاق رحمهم الله .
مرورا بالجيل الثالث : وعلى رأسه علي بن يوسف ومحمد بن فاطمة ومحمد بن عائشة ويحيى بن غانية وتاشفين بن علي رحمهم الله .

إذا تتبعت سير أولئك الرجال ، عرفت كيف يصنع الإسلام الرجال وكيف يوقظ الهمم ، فمن رعاة في صحراء المغرب إلى ملوك وقادة للدنيا ، وعجبا لمن نكب عن طريق هؤلاء ، أنى له المجد والشرف ؟!!!! .


والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
26May2006, 03:16 مساء
بسم الله

ثامنا : وقفة مع الموحدين :
والكلام عن أولئك القوم متشعب ، فالموحدون ، حركة دينية سياسية ، ظهرت في أرض المغرب ، في بداية القرن السادس الهجري ، ولم تخل من تأثر بالعصبية القبلية ، فمؤسسها "محمد بن تومرت" ، من قبيلة من قبائل المصامدة الجبلية "أعداء المرابطين التقليديين" ، تدعى قبيلة "هرجة" ، ولابد من وقفة مع هذا "الفقيه السوسي" :

فابن تومرت ، شخصية ثرية ، ومادة غنية لمن أراد أن يصنف في تاريخ المغرب ، وقد تعددت الدراسات التي تناولت ابن تومرت وحركته ، والبداية كما سبق في جنوب السوس الأقصى ، في قوم يعرفون بـــــ "بايسرغينن" أو الشرفاء في لغة المصامدة ، وتضع الروايات تاريخ مولده فيما بين : 471 و 491 هــــ ، وأما نسبه فهو بربري خالص ، ولا عيب في ذلك فالأنساب لا ترفع وضيعا ولا تضع شريفا ، ولكنه ، كعادة كل مدع ، اختلق نسبا يلحقه بآل البيت ، وإن كان ابن رشيق وابن القطان وابن صاحب الصلاة ، مؤرخ الدولة الموحدية ، الشهير ، ومن بعدهم ابن خلدون ، رحمه الله ، يرون صحة هذه النسبة بحجة أن الناس مستأمنون على أنسابهم .

ومحمد بن تومرت ممن وهبه الله ، عز وجل ، حدة الذكاء وسعة الحفظ ، وحب العلم ، وفي ذلك يقول ابن خلدون رحمه الله : وشب محمد قارئا محبا للعلم ، وكان يسمى "أسافور" ومعناه الضياء ، لكثرة ما كان يسرج القناديل بالمساجد لملازمتها ، وما كان لهذا الفقيه الناشئ ، أن يقنع بعلوم المغرب ، حتى يضم إليها علوم المشرق ، فطالب العلم لا يشبع ، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلابد من رحلة في الطلب ، فلا عالم بلا رحلة ، وقبلة العلم آنذاك : المشرق الإسلامي ، وعلى الأخص : بغداد ، عاصمة الخلافة وحاضرة الدنيا ، وعلى الرغم مما كانت تعانيه من ضعف واضطراب سياسي ، إلا أنها كانت أكبر مركز علمي في ذلك الوقت ، وبالفعل يمم ابن تومرت وجهه شطر بغداد ، بعد أن جاز للأندلس ، ودرس في قرطبة حينا ، ثم أبحر من "ألمرية" ، أحد ثغور الأندلس الشرقية إلى المشرق ، ومر في طريقه بالمهدية ، عاصمة العبيديين السابقة وهي في تونس حاليا ، وأخذ بها على الإمام المازري ، رحمه الله ، شيخ المالكية في زمانه ، ثم قصد الإسكندرية ، فدرس على الإمام المالكي الشهير ، أبو بكر الطرطوشي ، رحمه الله ، وكان متمكنا في السياسة الشرعية التي ألف فيها كتاب "سراج الملوك" ، محاربا للبدعة وله فيها مصنف مشهور هو "الحوادث والبدع" ، ودرس الفقه والأصول في بغداد على الفقيه الشافعي : أبي بكر الشاشي ، فحصل من العلوم ، ما جعله ، كما يقول ابن خلدون رحمه الله : "بحرا متفجرا من العلم ، وشهابا واريا من الدين" ، ولكن ابن تومرت ، كان ممن أوتي الذكاء ولم يؤت الزكاء ، فقد تأثر ، كما تأثر غيره من طلبة العلم ، بتعاليم الأشعرية ، وكانت لها السيادة في المشرق الإسلامي ، تحت ظل الدولة السلجوقية ، التي تبنت هذا المذهب ، وأنشأت له المدارس والمعاهد العلمية ، وأشهرها على الإطلاق ، "المدارس النظامية" ، التي أنشأها الوزير العالم الفذ "نظام الملك" رحمه الله .

وعاد ابن تومرت ، إلى المغرب ، أشعريا متعصبا ، كعادة غالب المتأخرين من الأشاعرة ، ومن العجيب أنهم يتهمون ، على الدوام ، أتباع مذهب السلف بالتعصب والجمود ، وينعتونهم بأقبح النعوت ، رغم ما لاقاه علماء أهل السنة ، على أيديهم من ظلم واضطهاد ، فابن القشيري يفد على بغداد للتدريس في "النظامية" ، فيرمي الحنابلة بالتجسيم بل ويرسل بعض أتباعه إلى الشريف ابن جعفر ، رحمه الله ، شيخ الحنابلة في ذلك الوقت ليعتدوا عليه في مسجده ، ويكتب إلى الوزير نظام الملك ، رحمه الله ، يشكوا إلى الله الحنابلة ويسأله المعونة عليهم ، وكأنهم أعداء الملة !!!!! .

والرازي ، غفر الله له ، يتهجم على أحاديث الصحيحين التي تخالف مذهب الأشاعرة ، ويسم رواتها بالزندقة .

وابن تومرت ، يسم المرابطين ، بـــ "المجسمين" ، وكانوا على مذهب السلف في إثبات الأسماء والصفات ، ويطلق عليهم "الزراجنة" ، تشبيها لهم بطائر يدعى "الزرجان" ، وهو طائر أسود البطن أبيض الريش ، لأنهم ، أي المرابطين ، "بيض الثياب سود القلوب" . نظم الجمان لابن القطان ، نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس للأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، (4/185) .

ويكتب إلى المرابطين قائلا : (إلى القوم الذين استزلهم الشيطان ، وغضب عليهم الرحمن ، الفئة الباغية ، والشرذمة الطاغية ، لمتونة ، أما بعد ......................) ، وكأنه يخاطب أعداء أمة الإسلام من يهود ونصارى !!!!!! . الحلل الموشية ص179 ، نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس ، (4/179) .

ومن طريف ما يذكر في هذا الموضع أن أحد نحاة الأندلس من دولة الموحدين هدم نظرية "العامل" عند النحاة مدعيا أن الفاعل هو الله ، عز وجل ، لأن الأشاعرة ينكرون أن يكون للعبد إرادة مؤثرة في الفعل ، فإرادة العبد عندهم يحدث الفعل عندها لا بها ، فالفاعل هو الله ، عز وجل ، بينما العبد هو الكاسب للفعل ، وهذا ما عرف بـــ "نظرية الكسب" وهي من أعجب أقوال الأشعري رحمه الله .

وبعدهم جاء "ابن مخلوف وجماعته" ، فكادوا لشيخ الإسلام ، رحمه الله ، وسعوا في إيذائه ، فلما مكنه الله منهم ، وعرض عليه الناصر محمد بن قلاوون قتلهم ثأرا لشيخ الإسلام ، وما كان هذا قصده ، وإنما قصد الانتقام منهم لأنهم ناصروا "بيبرس الجاشنكير" ، خصمه الذي أزاله من السلطنة فترة من الزمن قبل أن يعود إليها مرة أخرى ، ولكن شيخ الإسلام ، رحمه الله ، صفح عنهم ، فاعترفوا له ، مع خصومتهم له ، بالفضل :

ومليحة شهدت لها ضراتها ******* والفضل ما شهدت به الأعداء

يقول الشيخ الدكتور أبو عبد الله محمد بن يسري ، حفظه الله ، في "المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم" :
والأشاعرة والماتريدية وعامة المتكلمين يسمونهم ، أي أهل السنة ، "حشوية" من الحشو ، وهو ما لا خير فيه ، ويسمونهم "نوابت" وهي البذور التي تنبت مع الزرع ولا خير فيها ، ويسمونهم "غثاء" وهو ما تحمله الأودية من الأوساخ ، لزعمهم أن من لم يحط بالمنطق علما لم يوثق بعلمه ، وليس منه على يقين .

فأداة الفهم عندهم هي "المنطق" ، وما أعسرها من أداة ، رغم أنها وضعت أساسا لتسهيل الفهم ، وبعض الناس ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله ، لا يقبل الحق إن جاء سهلا ميسرا ويأبى إلا أن يصل إليه من طريق وعر شاق ، وعجبا لمن أعرض عن فهم أهل القرون المفضلة ممن شهدوا التنزيل إلى فهم ضلال فلاسفة اليونان !!!!! .

ولم يكن تعصب ابن تومرت تعصبا علميا فحسب ، بل تعداه للجانب العملي ، فبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطريقة غليظة جافة ، تفتقد الحكمة ، فلا ولاية له ولا سلطان ، ولا تفويض من حاكم ، حتى يقال بأنه محتسب ولاه السلطان شئون الحسبة .

وهنا تظهر أولى سمات دعوة ابن تومرت :
فهو ممن غلا في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذه سمة خارجية ، لأن تنتهي إلى تفسيق وتبديع المخالف ، بل وتكفيره ، بحجة الإنكار عليه ، وهذا ما حدث من الخوارج قديما ، وحدث من المعتزلة الذين ساروا على نهجهم في هذه المسألة حتى جعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد أصولهم الخمسة ، واتخذوه ذريعة لقتل وتعذيب وتشريد مخالفيهم ، ولا أدل على ذلك من موقف المعتزلة في دولة المأمون والمعتصم من الإمام أحمد ، رحمه الله ، فقد اتهموه بالضلال وأغروا الخلفاء بقتله ، وكل هذا تحت ستار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فضلا عن أن منتحل هذه الطريق ، غالبا ما يخرج على الأمة بالسيف ، كما حدث من الخوارج ، لأنهم كفروا عموم الأمة ، ولازم التكفير استحلال الدماء والأعراض والأموال ، ومن زجره سيف السلطان عن ذلك ، صرح به في معتقده ومصنفاته التي وضعها لبيان نحلته ، فالمعتزلة لم يخرجوا على الحكام بالسيف خوفا لا ورعا .

ويصور الأشعري ، رحمه الله ، هذا الأصل عند المعتزلة بقوله : (وأجمعت المعتزلة ، إلا الأصم ، على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقدرة باللسان واليد والسيف كيف ما قدروا على ذلك) .
هكذا بلا أي ضوابط شرعية ، وبلا أي نظر في المصالح والمفاسد ، بل متى وجد المرء منكرا ، بادر بالإنكار وإن أدى هذا الإنكار لمفسدة أعظم من مصلحة إزالته .

وأما أهل السنة فقد وضعوا ضوابط دقيقة لهذه المسألة الجليلة من أبرزها :
أولا : أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالما بالحكم الشرعي لئلا يأمر بمنكر ظانا أنه معروف أو ينهى عن معروف ظانا أنه منكر .
ثانيا : أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على علم بأن أمره ونهيه يؤول إلى تغيير المنكر ، أما إذا تيقن من أن أمره ونهيه لن ينتج ثمرة فإنه في هذه الحالة لا يجب عليه ذلك ، وإن كان يندب له القيام بهما إعذارا إلى الله سبحانه وتعالى .
ثالثا : أن لا يؤدي هذا إلى منكر أكبر من المنكر المراد إزالته ، وهذا أدق ضوابط هذه المسألة ، وهو ما لا يحسنه إلا العلماء الربانيون الذين من الله عليهم بالثبات عند حلول الفتن واختلاط الرؤى ، والله أعلم .
بتصرف من "أصول الفرق الإسلامية" للشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز قريشي ، حفظه الله ، ص174_176 .

ولم يكن محمد بن تومرت بأحسن حالا من الخوارج والمعتزلة فقد بدأ بما بدءوا به وانتهى إلى ما انتهوا إليه ، فبالغ في الإنكار على أرباب المعاصي ، في المهدية لما نزلها ، وفي بجاية ، وهي في الجزائر الحبيبة اليوم ، ثم تطور الأمر إلى الإنكار على الدولة المرابطية من جهة المعتقد فوصل الأمر إلى تكفير المرابطين ، أهل السنة والجماعة في ذلك الوقت في المغرب !!!!! ، ثم الخروج عليهم ، فلا جديد في بدعة ابن تومرت !!!!

وبالرغم ما شاهده ابن تومرت ، في أثناء رحلته ، وخاصة في بجاية ، من منكرات وقبائح تضيق بها الصدور ، وصلت لحد تزين الصبيان المرد وتكحلهم في الأعياد التي يختلط فيها الحابل بالنابل ، كما هو الحال فيما يعرف في عصرنا الحاضر بــــ "الموالد" ، وعما يحدث فيها من فواحش وموبقات حدث ولا حرج ، وكل هذا تحت ستار التصوف الأثيم الذي يزعم محبة آل البيت وأولياء الله ، ثم يعاقر أتباعه الفواحش المغلظة ، وينكرون على أهل السنة والجماعة ، ويرمونهم ببعض آل البيت وأولياء الله ، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت ، بالرغم من كل ذلك لم تكن المصلحة الشرعية المعتبرة تقتضي الإنكار بهذه الطريقة الفظة ، ولكن الأيام أظهرت بعد ذلك أن المهدي لم يكن إلا طالب رياسة ، يستتر بثوب المصلح الداعي .


ووصل ابن تومرت ، إلى مراكش ، وبدأ ، كعادته ، في إثارة العامة ، وأظهر العداء لحكومة المرابطين "السنية" ، بقيادة الأمير الصالح علي بن يوسف ، رحمه الله ، الذي تورع عن سفك دمه أو سجنه ، ودعاه لمناظرة كبار فقهاء المالكية في المغرب ، وكان ابن تومرت فصيحا قوي الحجة ، عالما بالجدال ، فقهر خصومه ، ولم يتفطن لنوايا ذلك الثائر السوسي إلا الفقيه الأندلسي الجليل "وهيب بن مالك" رحمه الله ، الذي أدرك كنه دعوة المهدي وكان مالك ، رحمه الله ، كما يقول الدكتور أحمد الدعيج ، حفظه الله ، ممن أحاط بمذهب السلف ، فتحصن به ضد المخالف ، ولكنه مع ذلك كان ملما بأصول الفرق والمذاهب الأخرى ، عالما بمذاهب أهل الكلام والفلسفة ، وهو بذلك يحاكي شيخ الإسلام ، رحمه الله ، الذي كان ، مع شديد تمسكه بمذهب السلف ، عالما بالكلام وأهله ، حتى وصف بأنه متكلم مع أنه من أبعد الناس عن تعاطي علم الكلام .
عرفت الشر لا ******* للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الخير ******* من الشر يقع فيه .

فلا بد للمناظر أن يطلع على آراء مخالفيه ، حتى يتمكن من إبطالها ، ولكن ليس ذلك لكل أحد ، بل هو للعالم المتبحر في علوم الشريعة ، المتشبع بالحق قبل أن ينهض لدحض الباطل ، وإلا فتن به وتأثر من حيث لا يشعر ، كما حدث للغزالي ، رحمه الله ، لما أبان عوار الفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" ، ولكنه بالرغم من ذلك لم يسلم من آراءهم الباطلة ، وعن ذلك يقول تلميذه الإمام أبو بكر بن العربي ، المالكي ، رحمه الله : (شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ، ثم أراد أن يخرج من بطونهم فما قدر) ، والله أعلم .

وأشار ابن وهيب على علي بن يوسف ، بقتل ابن تومرت ، وأشار البعض الآخر بسجنه وعبر عنه أحدهم بقوله : (ألقه في الكبول لئلا يسمعك الطبول) ، أي كبله بالقيود قبل أن يستفحل أمره ويجتمع حوله الناس فيجيش لقاتلك الجيوش التي تسمعك قرع طبولها ، ولكن علي ، رحمه الله ، تورع عن ذلك ، واكتفى بإخراجه من مراكش ، فخرج منها إلى أغمات ، ومن ثم إلى "جبل إيجيليز" ، ومن تلك البقعة الحصينة ستخرج جحافل الموحدين لتدك دولة المرابطين .

وقبل أن يبدأ ابن تومرت سلسلة معاركه مع المرابطين ، أظهر بدعة جديدة من بدعه ، فادعى أنه "المهدي المنتظر" ، وأنه معصوم ، وساعده على ذلك النسب الذي اختلقه ليلحق بآل البيت فتكون له ولاية روحية على أتباعه ، فجمع إلى بدعة الأشاعرة في تأويل الصفات وبدعة الخوارج والمعتزلة في تكفير المخالف والخروج على الأئمة بحد السيف ، بدعة الإمامة مع العصمة وهي إحدى بدع الرافضة ، قبحهم الله ، وأهل السنة يعتقدون خروج المهدي المنتظر آخر الزمان ، ولكنه ليس محمد بن الحسن العسكري ، مهدي الرافضة المزعوم ، وليس معصوما ، كابن تومرت ، فلا معصوم عند أهل السنة إلا الأنبياء والمرسلون وقد ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وتلا ذلك دعوة المهدي الناس لبيعته سنة 515 هــــ ، "تحت شجرة خروب وارفة" ، وكان أول المبايعين : عبد المؤمن بن علي الكومي ، ذلك الشاب الجزائري الوثاب ، الذي التقى به ابن تومرت في ملالة بعد أن وفد عليه مع عمه من بلده القريب من تلمسان ، وشاء الله ، عز وجل ، أن يكون ذلك الفتى ، أعظم حكام الموحدين ، بل واحدا من أعظم ملوك القرون الوسطى ، ومن نظر في تدبيره الملك رجع بالذاكرة إلى الوراء ليستعيد أخبار عبد الرحمن الداخل وأبي جعفر المنصور ، رحمهما الله ، وغيرهما ممن ولدوا ليكونوا ملوكا ، ومرة أخرى لله در المتنبي إذ يقول :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ******* وتأتي على قدر الكرام المكارم .

وتلاه أبو محمد عبد الله بن محسن الوانشريسي الذي سمي بعد ذلك بــــ "البشير الونشريسي" ، وهو من سيعهد إليه ابن تومرت بعد ذلك بمهمة حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه ، في تمييز المؤمن من الكافر وأهل الجنة من أهل النار !!!!!! ، وأهل النار طبعا هم من يتشكك ابن تومرت في ولائهم له ، يقول الدكتور علي محمد الصلابي حفظه الله : ومن الذين انضموا إلى ابن تومرت ولعبوا دورا هاما في دعوته عبد الله الونشريسي الذي كان على درجة كبيرة من الثقافة ، وقد اتفق معه ابن تومرت على أن يتستر على ما هو عليه من العلم والفصاحة عن الناس ، ويظهر العجز والغباء والتعري من الفضائل مما يشتهر به عند الناس على أن يداوم على أخذ العلم في السر ثم يفصح عن ذلك دفعة واحدة عندما يطلب منه ابن تومرت ذلك فيكون بمثابة المعجزة فيصدقه الناس ويزداد إيمانهم بدعوته ، فقام الونشريسي بذلك وأتقن الخداع والمكر والحيل والكذب والدخل على الناس ، وقد عزا الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، النص السابق لابن خلكان ، رحمه الله ، (5/48) .

وقد احتاج ابن تومرت لــــ "كرامات البشير الونشريسي" ، المزعومة ، فيما عرف بـــ "التمييز" ، الذي تخلص به ابن تومرت ممن يشك في ولائهم لدعوته المزعومة ، مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم : (إن في هذه الأمة محدثون ، وإن عمر منهم) ، وعليه : لم لا يكون الونشريسي واحدا منهم ؟!!!! ، وما أظهره من العلم والفضل بلا سابقة ، كما توهم أتباع المهدي ، خير شاهد على ذلك ، وبالفعل بدأ الونشريسي عملية التمييز بين أهل الجنة وأهل النار سنة 519 هــــ ، فعرض عليه الناس فأخرج منهم أقواما على يمينه وعدهم من أصحاب الجنة ، وقوما على يساره وقال فيهم : هؤلاء شاكون في الأمر ، وبطبيعة الحال ، هؤلاء الشاكون هم أعداء دعوة المهدي الذين أراد المهدي التخلص منهم قبل المواجهة المرتقبة مع المرابطين ، وكان يؤتى بالواحد منهم ، فيقول : هذا تائب ردوه على اليمين تاب البارحة ، فيعترف بما قال ، واتفقت له فيهم عجائب ، حتى كاد يطلق أهل اليسار ، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل ، فلا يفر منهم أحد ، وإذا تجمع منهم عدة ، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه .
بتصرف من سير أعلام النبلاء (19/546) ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ، ص298 .

وطريقة التصفية تدل على دهاء ابن تومرت ، فقد استغل جهل أتباعه ، وسرعة تأثرهم واستجابتهم لأي خارقة ولو كانت مزعومة ، وهذا حال عوام المسلمين في كل زمان ، وإن كانوا من أصحاب الوجاهة والرياسة في شؤون الدنيا ، ولما أراد تصفية خصومه أوعز إلى ذويهم ليقوموا بهذه المهمة لئلا يؤدي قتلهم على أيدي أتباعه إلى إثارة الأحقاد والضغائن في قلوب ذويهم على من قتلهم ، والقوم في جهالة عمياء ينفذون ، وبكرامات الونشريسي منبهرون .

والكرامة عند أهل السنة ، لها ضوابط محددة ، فلا إفراط ولا تفريط ، وليست كل خارقة كرامة أو معجزة ، لو كانت خارقة حقا فما بالك لو كانت منتحلة كما هو حال كرامات الونشريسي المزعومة ، ولا تقبل كرامة من صاحبها قبل النظر في حال صاحبها ، فإن كان من أهل السنة المعظمين لشعائر الله ، صحت نسبة الكرامة له بلا إفراط أو غلو ، مع أن الأصل عند أهل السنة عدم تتبع الأمور الخارقة رغبة في تحصيلها ، وإن كان من الخارجين على أحكام الشريعة ، ردت عليه ، لأنها عندئذ تكون من باب الاستعانة بالجن والشياطين ، فالساحر ، على سبيل المثال ، له من الأمور الخارقة ما له ، ومع ذلك لا يلزم من ذلك ولايته لله ، عز وجل ، بل هو عند التحقيق ، من أشد أعداء الله ، عز وجل ، فلا تسخر له الجن طاقاتها في إيذاء الناس ، بإذن الله الكوني ، إلا بعد أن يكفر ، قال تعالى : (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) ، فيستمتع الساحر الإنسي بقدرات الجن ، وتستمتع الجن بكفره وخروجه عن دين الإسلام ، قال تعالى : (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياءهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) ، أي استمتع الإنس بقدرات الجني واستمتع الجني بكفر الإنسي ، كما تقدم ، وأما الصوفية ، فعن معجزات مشايخهم ، فحدث ولا حرج ، وقد تكون أمورا خارقة بالفعل ، كأن يقول أحدهم ، لقد ذهبت البارحة إلى مكة وصليت بها العشاء ثم عدت في نفس الليلة ، وهذا أمر مستحيل في العصور السابقة ، ويكون بالفعل صادقا ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، ولكن من الذي ذهب به ، هل جاءه البراق كما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!!!! ، أم حملته الشياطين حتى أوصلته ، ومعلوم ما لهم من القدرات الخارقة ، ولا أدل على ذلك من العفريت الذي قال لـــ : سليمان صلى الله عليه وسلم : (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) ، فيغتر ذلك الشيخ ويظن أنها كرامة لمجرد أنها أمر خارق ، وليست كل خارقة كرامة ، فالكرامة تشمل الأمور المادية وفقا للضوابط الشرعية السابقة ، والأمور المعنوية كالاستقامة والتحلي بالفضائل .......... الخ .


ولو كان الحق مع ابن تومرت ، لما احتاج إلى هذا التزييف والتلبيس ، فالحق واضح لا لبس فيه ولا حاجة لزخرفته حتى يروج على الناس ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله ، لأنه يروج بنفسه ، خلاف الباطل فإنه لابد أن يزخرف ليروج ، فهو بمثابة المرأة القبيحة التي تتجمل للخطاب ، فيروج قبحها على البعض ، ويفطن لقبحها البعض الآخر ، والمعصوم من عصمه الله .

ورغم ذلك يظل الونشريسي ، أحد العلامات البارزة في تاريخ حركة ابن تومرت ، فهو ، كما تقدم ، من أبرز علماء الجماعة الموحدية ، فضلا عن كونه من أبرز القادة الميدانيين ، وكانت نهايته قتيلا في معركة "البحيرة" الشهيرة ، التي مني فيها الموحدون بأكبر هزيمة في تاريخ صراعهم المرير مع "المرابطين" إذ سقط منهم ، كما يقول ابن القطان في نظم الجمان ، أربعون ألفا ، منهم البشير ، كما تقدم ، فضلا عن أربعة من أصحاب ابن تومرت العشرة ، ولم يعثر للبشير على أثر ، فذاع بين المتعصبين من المصامدة أنه رفع إلى السماء !!!! ، وبطبيعة الحال راجت هذه الكرامة الجديدة على كثير من أتباع ابن تومرت ، وحقيقة الأمر أن عبد المؤمن بادر بدفنه في موقعه ، ولكل داهية عند القوم مخرج ، فإن انتصروا فببركة أئمتهم ، وإن هزموا رفع قوادهم إلى السماء كما رفع عيسى صلى الله عليه وسلم !!!!!!!! .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/188 ، 189) .



ومن رجال الدولة الموحدية العظام :
أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ، وسيكون له دور بارز في الدولة الموحدية ، ومن نسله خرج الحفصيون ، الذين استقلوا بالمغرب الأوسط بعد سقوط دولة الموحدين .

وبدأ ابن تومرت وضع الهيكل السياسي والعسكري لدعوته ، فقسم أتباعه إلى طبقات تبعا لمسارعتهم إلى إجابة دعوته ، فقسمهم إلى 14 طبقة ، أولها : طبقة المهاجرين الأولين أو "الجماعة" ، وأفرادها عشرة من أخلص أتباع ابن تومرت على رأسهم عبد المؤمن .

ولم يبق أمام ابن تومرت إلا أن يبدأ ثورته المسلحة على دولة المرابطين .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/156_176) .

وخلاصة القول في هذه الحركة التي شغلت المغرب الحبيب في النصف الأول من القرن السادس الهجري ، وأعتذر إن ورد في هذه الفقرة بعض التكرار بغرض جمع الخلاصة في موضع واحد ، خلاصة القول فيها : أنها حركة قامت على يد رجل من أعظم وأدهى دعاة عصره ، أتاه الله من حسن التكوين وقوة التأثير ما أتاه ، يصفه ابن القطان في نظم الجمان فيقول : كان رجلا ربعة ، حسن التكوين ، مفلج الثنايا ، عظيم الهامة ، أسمر مشوب بحمرة ، غائر العينين ، حديد البصر ، أقنى ، خفيف العارضين ، له شامة سوداء في كفه الأيمن .
والتكوين الظاهري لأي داعية أو زعيم أمر في غاية التأثير في نفوس أتباعه ، فكلما كان الداعية حسن الهيئة والسمت كلما تعلقت به قلوب أتباعه ، ولذا لم يبعث الله ، عز وجل ، نبيا ، إلا في أبهى صورة وأحسن هيئة ، فلا عيب ظاهر ولا مرض منفر ولا صوت منكر ، وقد أوتي ابن تومرت ، مع ما في دعوته من دخل ، من صفات الزعامة الحسية ما أوتي ، فكان ، كما سبق ، حسن التكوين ، مجيدا للعربية والبربرية ، فاجتمع له التأثير السمعي والبصري .

والفصاحة أمر حتم لازم لكل داعية ، وهكذا كان ابن تومرت ، كما تقدم ، ولكنها لا تعني بالضرورة صدق الداعي أو صحة ما يدعو إليه ، فالتاريخ يقدم لنا أئمة بدع كانوا من أفصح أهل زمانهم ، فالخوارج ، على سبيل المثال ، مع ما هم فيه من جهل وضحالة علم وغلو في الدين ، برز منهم زعماء بلغوا أعلى درجات الفصاحة ، فالتف الناس حولهم لعذوبة منطقهم ، وإن كان في قولهم من الضلال ما فيه ، فـــ "قطري بن الفجاءة" من أفصح وأبرز زعماء الخوارج ، وفي العصر الحديث ، اشتهر عن بعض أئمة الضلالة ، كالمدعو "آية الله الخميني" ، عليه من الله ما يستحق ، اشتهر عنه إلقاءه للخطب النارية التي استطاع بها خداع عوام الشيعة في فارس ، أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، فكان الواحد منهم يستمع لخطبة من خطبه فيمضي لميدان القتال ، وقد غلت الدماء في عروقه ، وما أسهل إثارة العواطف وتهييج المشاعر في أي زمان ، وخاصة إذا كان السامع جاهلا أينما وجهته توجه ، وهكذا غالب أتباع كل دعوة ضالة ، ولم تخرج دعوة ابن تومرت عن هذا الإطار .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (وكان ظهوره في ذلك المجتمع البربري الساذج ، الذي اختاره مسرحا لدعوته ، والذي كان يخيم عليه الجهل المطبق ، وتعصف به الخرافات والأساطير ، يتسم بصفات الزعامة الخارقة أو النبوة ، ومن ثم فقد ألفى ابن تومرت الطريق ممهدا ليعلن دعوته وليتشح بثوب المهدي المنتظر ، وينتحل صفة الإمام المعصوم ، وقد كان ابن تومرت من بين دعاة المهدية ، أوفرهم عزما وبراعة ، وأشدهم تأثيرا وسحرا) .


وابن تومرت يتمتع بملكات نفسية أخرى ، جبلت النفوس على استحسانها ، فهو رجل زاهد في ملاذ الدنيا ، شديد التقشف والورع ، لم يلبس قط سوى ثياب الصوف من قميص وسراويل وجبة ، وقد يرتدي الثياب المرقعة !!!! ، ولا يقبل على شيء من متاع الدنيا ، حتى قيل ، فيما نقله ابن القطان عن ابن صاحب الصلاة ، أنه كان يقتات من غزل أخت له في كل يوم ، رغيفا بقليل من سمن أو زيت ، ولم يتحول عن ذلك حينما سما شأنه وأقبلت عليه الدنيا ، وكان كثيرا ما يتمثل قول الشاعر :
تجرد من الدنيا فإنك إنما ******* خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد

ولم يختلف ابن تومرت في ذلك عن كثير من أصحاب الدعوات الضالة ، فقبله دعا ابن سبأ ، لعنه الله ، أتباعه في الأمصار إلى إظهار الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لاستمالة قلوب العامة ، وابن كرام ، رأس فرقة الكرامية الضالة ، يظهر الزهد والورع والتقشف ليتوصل إلى دعوة عوام المسلمين لنحلته الباطلة ، وعن إظهار مشايخ الصوفية للزهد والورع فحدث ولا حرج ، فبعضهم يمتنع عن تناول المباحات زهدا ، بزعمهم ، حتى يخرج عن حد الاعتدال إلى حد الغلو ، وسار ابن تومرت على نفس الدرب ليستميل قلوب المصامدة ، ولا جديد في منهج ابن تومرت !! .

وقد أشار شيخ الإسلام ، رحمه الله ، إلى طرف من زهد ابن تومرت وعبادته ، وهذا من إنصافه ، رحمه الله ، كعادته للمخالف فقال في جواب له عن المرشدة "كتاب ابن تومرت في العقائد" كيف كان أصلها وتأليفها ؟ : (الحمد لله رب العالمين : أصل هذه : أنه وضعها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت : الذي لقب بالمهدي ، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة من نحو مائتي سنة ، "من زمن شيخ الإسلام" ، وكان قد دخل إلى بلاد العراق ، وتعلم طرفا من العلم ، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة) ، ولكنه في بقية الجواب لا يغفل مثالب ابن تومرت إذ يقول : (ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ، إلى قوم من البربر وغيرهم ، جهالا ............... فعلمهم الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعا من المخاريف ، ليدعوهم بها إلى الدين ، فصار يجئ إلى المقابر يدفن أقواما ويواطئهم على أن يكلموه إذا دعاهم ، ويشهدوا له بما طلبه منهم ، مثل أن يشهدوا له بأنه المهدي الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يواطئ اسمه اسمه واسم أبيه ، وأنه يملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت جورا وظلما ، وأن من اتبعه أفلح ، ومن خالفه خسر ، ونحو ذلك من الكلام .......................) .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص285 ، 286 .

وكما سبق ، دين الله ، عز وجل ، لا يحتاج لكذب كاذب ليظهر فهو ظاهر على الدين كله ، ولو كره الكافرون ، ظهور سيف وسنان أو حجة وبيان ، كما أخبر بذلك الله ، عز وجل ، في كتابه ، والله أعلم .

يقول الحسن بن عبد الله العباسي في "آثار الأول وترتيب الدول" في معرض كلامه على مدعي الزهد والورع ، الطاعنين في أحوال الملك لإثارة الجماهير ، وابن تومرت من أبرزهم ، يقول : (وينبغي للملك أن ينظر في حالة هذه الطائفة ، ويميز محقهم من مبطلهم ، ويفرق بين الزاهد والمتزهد ، وفيهم أصناف من أهل الغلط في طريق الزهد والمغالطة لأغراض أخر ، منهم صنف يغلب عليهم محبة الرياسة والإمرة ، ويتفق أعراض الملك عنهم وانقباضه لمخالفة طبعه لطباعهم) .
نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس (4/195) .

وليست القاعدة مطردة في هذا الباب ، فكثير من قادة أمة الإسلام ، كانوا زهادا حقيقة لا زيفا ، فعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يمتنع عن أكل اللحم في عام الرمادة ، ويلزم نفسه الخبز والزيت ، وفي ذكر أخبار ورع وزهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، تفنى الأوقات الطوال ، ونور الدين محمود الشهيد ، رحمه الله ، صاحب الأيادي البيضاء في جهاد عباد الصليب في بلاد الشام ، يصنع خوذ القتال التي يضعها المقاتلون على رؤوسهم ، ويبيعها ليقتات بثمنها وقد ملكه الله ، عز وجل ، خزائن الشام ، ويداوم على الصيام أثناء القتال حتى يخشى عليه من الضعف ، ويمرغ وجهه في التراب ذلا لخالقه ، عز وجل ، يستجلب به النصر ، وصلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله ، يمتنع عن الضحك وملامسة النساء حتى يحرر بيت المقدس ، ويوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، يجمع الله ، عز وجل ، له ملك المغرب الإسلامي ، فلا يتحول عن شرب ألبان الإبل وأكل لحومها ، ويبقى على سيرته الأولى ، زاهدا متقشفا معرضا عن اللذات وقد جاءته الدنيا صاغرة تحت قدميه .

ومحمد بن تومرت ، من أغزر أهل زمانه علما ، وهذا مكمن الخطر في دعوته ، فليس بالخصم السهل ، وعن غزارة علم محمد بن تومرت ينقل الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، عن كتاب "تجربة الإصلاح في حركة ابن تومرت" ، ص258 :
لقد استطاع ابن تومرت أن يستفيد من رحلته المشرقية وأن يتحصل على علوم متنوعة تجمع بين العلوم العقلية والنقلية ، فضبط الأصول وعلم الكلام وعقائد الأشاعرة وتأثر بالمعتزلة وغير ذلك من العلوم .
ويعلق الدكتور الصلابي بقوله :
ورأى عن كثب أقطاب المدارس الفكرية من الأشاعرة والمعتزلة والشيعة وغيرها من المذاهب وحضر مناقشاتهم وندواتهم واطلع على فلسفتهم وروح حركاتهم وبذلك تبلورت آراؤه وأفكاره .
وقد ساعدته رحلات المغربية والمشرقية على الوقوف على أحوال العالم الإسلامي ، واستوعب أسباب الانهيار والتدهور التي تعانيها دول إمارات بلاد المغرب ، وكان ذلك من الأسباب القوية التي دفعته إلى الطموح في القضاء على أنظمة الحكم الموجودة في المغرب ، والتخطيط لإقامة دولة موحدية قوية لا في بلاد المغرب وحدها ، بل والعالم الإسلامي كله .
تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص258 .

والناظر في تاريخ الدولة الموحدية ، يجد أنها كانت بالفعل في عصرها الذهبي أقوى دول العالم الإسلامي ، وأوسعها رقعة ، إن لم تكن أقوى وأكبر قوى العالم في ذلك الزمان ، ولكن كل هذا لا يبرر ما ارتكبه ابن تومرت من سفك للدماء واستباحة للأعراض والأموال ، فقد أدى خروجه على المرابطين إلى مفاسد عظيمة من قتل ونهب وانتهاك للأعراض ....... الخ ، فضلا عن انشغال المرابطين بمقاومة هذه الدعوة الجديدة عن الهدف الأسمى وهو جهاد النصارى ، الأعداء الحقيقين ، المتربصين بمسلمي الأندلس .

ودعوة ابن تومرت دعوة ذات أصول وقواعد ، وضع صاحبها تفاصيلها في كتابين :
أولهما : كتاب (أعز ما يطلب) : وهو كتاب في الأصول ، على اصطلاح المتأخرين في تسمية المسائل العقدية بـــ "الأصول" والمسائل العملية بـــ "الفروع" ، وهو اصطلاح فيه نظر ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، لأن هذا يلزم منه إدخال بعض المسائل الفرعية في العقيدة التي يسوغ الخلاف فيها ، كمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل ليلة المعراج ، في الأصول مع أنها ، عند التحقيق ، مسألة فرعية ، وكذا يلزم منه إدخال بعض المسائل العملية الكبيرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج ............. الخ ، في الفروع ، مع أنها مما لا يسوغ الخلاف فيه إجماعا ، والضابط الأصح أن يقال : بأن كل مسألة كبيرة في الدين "أصل" سواء كانت عقدية أم عملية ، وكل مسألة صغيرة ، وإن كانت مسائل الدين كلها عظيمة الشأن ، "فرع" سواء كانت عقدية أم عملية .

وفي هذا الكتاب يتطرق ابن تومرت لمسائل أصولية دقيقة ، كطرق معرفة الأخبار من متواتر وآحاد .......... الخ ، والاجتهاد ، وهو ظاهري النزعة ، كابن حزم ، رحمه الله ، خلاف المرابطين الذين كانوا معظمين لمذهب مالك ، رحمه الله ، حتى أخذ على فقهائهم الإغراق في جزئيات المذهب على حساب النصوص الشرعية ، ولعل هذا كان من أسباب الاختلاف الشديد بين المرابطين والموحدين ، وهو الذي امتد أثره من الكتب والمصنفات إلى ساحات الوغى .

وابن تومرت ، كما تقدم ، أشعري متعصب ، كما تقدم ، يرمي خصومه بـــ "التجسيم" ، لأنهم يثبتون صفات الله ، عز وجل ، الذاتية الخبرية كاليد والعين والقدم والإصبع ، وصفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته كالرضا والمحبة والغضب والسخط والضحك .......... الخ ، بينما اقتصر الأشاعرة على إثبات صفات المعاني : الإرادة والعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام ، وأما صفات الذات الخبرية فإنهم يؤولونها بصرفها عن ظاهرها الراجح إلى معان أخرى مرجوحة دون قرينة معتبرة ، فهو عند التحقيق تحريف لمدلولاتها ، لا تأويل لها ، فيقولون اليد : القوة أو النعمة أو القدرة ، وهي معان صحيحة لليد ، لا ينكرها أهل السنة ، ولكنها عندهم من لوازم الصفة التي لا يلزم من إثباتها نفي أصل الصفة ، فاليد ثابتة لله ، عز وجل ، على الوجه الذي يليق بجلاله ، ولوازمها من القوة والنعمة والقدرة ، ثابتة له ، فأهل السنة يثبتون الصفة ولوازمها والأشاعرة يثبتون اللازم وينفون الصفة بزعم تنزيه الله ، عز وجل ، عن مشابهة خلقه ، والتنزيه حاصل مع إثبات الصفة ، لأن أهل السنة والجماعة ، كما تقدم ، لا يثبتون لله ، عز وجل ، يدا كبقية الأيدي ، وإنما يثبتون يدا لا مثيل لها ولا نظير ، فالمعنى عندهم متصور من كلام العرب ، والكيفية مجهولة لا يعلمها إلا الله ، عز وجل ، ولم يؤمر المكلف بتحصيلها ، وإنما أمر بإجراء النصوص على الوجه اللائق بجلال الله ، عز وجل ، فمنهجهم يدور بين : (ليس كمثله شيء) في النفي ، و (وهو السميع البصير) في الإثبات .

وأما صفات الأفعال ، فإن الأشاعرة يؤولونها بزعم : تنزيه الله ، عز وجل ، عن الحوادث ، أي الأمور الجديدة الحادثة ، انطلاقا من أصل فاسد عندهم وهو أن : الحوادث لا تقوم إلا بحادث ، أي مخلوق ، وعليه إذا قلنا بأن الله يغضب ، فإن معنى هذا أن حدث الغضب يقوم بذاته ، ولازم ذلك عندهم القول بخلق ذات الله ، عز وجل ، تعالى عن ذلك ، لأن الحوادث لا تقوم إلا بذوات مخلوقة كذوات البشر فهم الذين يغضبون ويرضون ويكرهون ويسخطون ............ الخ .

وأهل السنة لا يلزمهم من هذا القول شيء ، لأنهم لا يقولون بحدوث نفس الصفة ، أو أصل الصفة ، بل يقولون : أصل صفة الغضب ، على سبيل المثال ، أزلي كذات الله ، عز وجل ، وأما أفرادها ، فهي حادثة بتجدد أسبابها من معصية عاص أو فسق فاسق أو كفر كافر ....... الخ ، وهذا ما يعبر عنه علماء العقيدة بقولهم : هي صفات قديمة النوع حادثة الأفراد ، والقدم هنا بمعنى : الأزلية ، مع التحفظ على استخدام هذا اللفظ لأنه من ألفاظ علم الكلام التي لم ترد في النصوص الشرعية ، وهذا أمر متصور في حق البشر ، ولله المثل الأعلى ، فقد يوصف الإنسان بأنه متكلم ، ولا يعني هذا أنه متكلم على الدوام ، بل يوصف بهذا الوصف مع كونه صامتا ، فيكون المعنى : أن فلانا قادر على الكلام ، فأصل الصفة قائم بذاته ، وإن لم يحدث أحد أفرادها في وقت صمته ، والله أعلم .

ومع إثباتهم لصفات المعاني إلا أنهم يخالفون في تفاصيلها ، ففي صفة الكلام ، على سبيل المثال ، يقولون ببدعة : "الكلام النفسي" ، وهو مصطلح متداول في كثير من مصنفات أصول الفقه لأن جل مؤلفيها من الأشاعرة فهم ، بالرغم من مخالفتهم لأهل السنة في كثير من مسائل الاعتقاد ، أئمة في الأصول استفادت الأمة من مصنفاتهم الأصولية أيما استفادة مع الحذر من المسائل التي تأثروا فيها بمخالفاتهم العقدية ، وبدعة "الكلام النفسي" هذه من أغرب أقوالهم ، فهم يقولون بأن الكلام هو المعنى القائم بنفس المتكلم قبل أن ينطق به ، فإذا ما نطق به ، خرج عن كونه كلاما !!!!!!! ، ولازم هذا القول أن ما نتكلم به مع بعضنا البعض من كلام يسمع بالآذان ، ليس كلاما ، وإنما هو عبارة عن شيء يعبر به عن الكلام المكنون في الصدور !!!!! ، فهو ليس كلاما وإنما : عبارة عن كلام !!! ، وعليه يكون كلام الله ، عز وجل ، هو النفسي فقط ، وأما القرآن الذي نتلوه ، فبلازم قولهم : ليس كلاما لله ، عز وجل ، وإنما هو شيء خلقه الله ، عز وجل ، ليعبر به عن كلامه ، فهم يعلون من شأن المعنى ويحطون من شأن اللفظ ، وقولهم ، عند التحقيق ، يؤول إلى قول المعتزلة ، الذين يقولون بخلق القرآن صراحة دون هذا التمويه .

وأهل السنة والجماعة على أن القرآن الكريم : كلام الله ، عز وجل ، معنى ولفظا ، غير مخلوق ، فالمعاني والألفاظ غير مخلوقة ، تكلم به الله ، عز وجل ، بصوت وحرف ، وسمعه منه جبريل ، صلى الله عليه وسلم ، فأسمعه محمد صلى الله عليه وسلم ، فأسمعه محمد صلى الله عليه وسلم أمته ، فنسبته لله ، عز وجل : نسبة إنشاء وابتداء ، ونسبته لجبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام : نسبة إعلام وإبلاغ ، وصفة الكلام ثابتة لله ، عز وجل ، على الوجه الذي يليق بجلاله ، يتكلم بصوت وحرف ، بما شاء كيف شاء متى شاء ، فصفة الكلام ذاتية لا تنفك عن ذات الله ، عز وجل ، باعتبار أصلها ، فعلية تتعلق بمشيئته باعتبار أفرادها ، فهي ، كما تقدم ، قديمة النوع حادثة الأفراد ، والله أعلم .

فكأن الأشاعرة أرادوا بقولهم هذا أن يتوسطوا بين أهل السنة والجماعة القائلين بعدم خلق المعاني والألفاظ من جهة ، والمعتزلة القائلين بخلق المعاني والألفاظ من جهة أخرى ، فقالوا : بخلق الألفاظ دون المعاني ، وهي بلا شك محاولة غير ناجحة .

وفي القدر قالوا بـــ "الكسب" ، فقالوا بأن : للعبد إرادة ، ولكنها إرادة غير مؤثرة في فعله ، وهذا تناقض واضح إذ ما فائدة الإرادة إن لم تكن مؤثرة في الفعل ، فهي عندهم اقترانية ، يحدث الفعل عندها لا بها ، وإنما الفاعل هو : الله ، عز وجل ، وغلا بعضهم فألغى الأسباب وقال بأن النار يحدث الحرق عندها لا بها ، فالفاعل هنا ، أيضا ، هو الله ، عز وجل ، والعبد إنما هو مجرد كاسب للفعل ، وهو ما يؤول في النهاية إلى القول بجبر المكلف ، وهو ما صرح به بعض أئمتهم ، فإرادة غير مؤثرة في الأفعال لا اعتبار لها في حدوث هذه الأفعال ، وأهل السنة والجماعة يثبتون للعبد إرادة مخلوقة ، خلقها الله ، عز وجل ، للعبد ، لا تخرج عن إرادته الكونية ، يتصرف بها العبد بلا جبر أو إكراه ، كما يحسه كل واحد منا في حياته ، فالله ، عز وجل ، هو خالق العباد وإراداتهم وأفعالهم ، والعباد هم الفاعلون لهذه الأفعال بإرادات حقيقية مؤثرة في الأفعال لا شكلية ، كما في قول الأشاعرة ، وليس هذا لأحد غير الله ، عز وجل ، فلا يتصور أن يقدر مخلوق على مخلوق فعلا ما فيفعله وهو مع ذلك مختار غير مجبور ، ولكنه متصور في حق الله ، عز وجل ، لأنه : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ، فلا مثيل له في أسمائه أو صفاته أو أفعاله ، وقدره على عباده من أفعاله ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله .

وكأن هذه المحاولة ، أيضا ، محاولة للتوسط بين أهل السنة من جهة ، والجبرية من جهة أخرى ، فالجبرية نفوا إرادة المخلوق تماما ، وقالوا بأن الفاعل هو الله ، عز وجل ، وأهل السنة أثبتوا الإرادة للمخلوق تابعة لإرادة الله ، عز وجل ، الكونية ، فجاء الأشاعرة ليقولوا بإرادة ، ولكنها غير مؤثرة ، فآل أمرهم في النهاية إلى القول بالجبر ، والله أعلم .

ومخالفتهم لأهل السنة تظهر في كثير من مسائل الاعتقاد فلم يوافقوا أهل السنة ، تقريبا ، إلا في مسألة الخلافة والإمامة ، على تفصيل ، كما أشار إلى ذلك الشيخ الدكتور سفر الحوالي ، حفظه الله ، في رسالة له عن منهج الأشاعرة في الاعتقاد ، والله أعلم .

وهذا أول ملمح بدعي في دعوة ابن تومرت ، وهو الملمح الأشعري ، وإليه أشار ابن خلدون ، رحمه الله ، بقوله إن ابن تومرت هو الذي حمل أهل المغرب على القول بالتأويل والأخذ بالمذهب الأشعري في كافة العقائد ، كما ذكر المراكشي ، رحمه الله ، أن ابن تومرت ضمن تصانيفه مذهب الأشاعرة في كثير من المسائل حيث كان : (............. جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريقة الأشعرية ............) ، ويرى بعض المؤرخين أن ابن تومرت تعلم المذهب الأشعري أثناء وجوده في بلاد العراق ، فلما عاد إلى بلاد المغرب ، وأخذ بتعليم أصحابه علمهم المذهب الأشعري ، فكان ذلك سببا في انتشار هذا المذهب في بلاد المغرب .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص284 .

ولا زال المذهب الأشعري هو المهيمن إلى الآن على المغرب الحبيب ، وإن كان التيار السلفي الأثري قد بدأ في الظهور بقوة ، وله أعلام بارزون على رأسهم الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي حفظه الله .


وأما الملمح الثاني فهو الملمح الاعتزالي ، الذي يظهر من تسميته للمرابطين ، أهل السنة ، بـــ "المجسمين" ، لأنهم ، كما سبق ، يثبتون صفات الله ، عز وجل ، بل إن تسمية دعوته بدعوة "الموحدين" يظهر هذا البعد الاعتزالي في دعوته ، لأن التوحيد عند المعتزلة ، وهو أصل من أصولهم الخمسة ، يعني نفي صفات الله ، عز وجل ، بزعم أن إثبات الصفات يلزم منه تعدد القدماء بزعمهم ، وهذا أمر غاية في البطلان ، لأن إثبات الصفات لا يعني إثبات ذوات قديمة متعددة ، لأن الصفات لا تقوم بنفسها حتى يمكن اعتبارها ذواتا مستقلة وإنما تقوم بذات تتصف بها ، ولا يلزم من تعدد الصفات تعدد الذوات ، فالإنسان ، ولله المثل الأعلى ، قد يوصف بأكثر من صفة في نفس الوقت ، فيوصف بأنه طويل وجسيم وأبيض وكث اللحية ......... الخ ، ولا يلزم من ذلك تعدد ذاته فهو في الحقيقة إنسان واحد موصوف بصفات متعددة ، والله أعلم .

والأثر الاعتزالي الثاني في دعوته هو مبالغته في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أدى به للخروج على الأئمة ، وسبقت الإشارة إلى ذلك تفصيلا .

والأثر الاعتزالي الثالث هو : تسميته مرتكب الكبيرة بالفاسق ، فلم يسمه بالمؤمن الناقص الإيمان أو المؤمن الفاسق بكبيرته ، كما هو حال أهل السنة ، ولم يسمه بالكافر ، كمذهب الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ، ويوجبون له الخلود في النار إن مات من غير توبة .

وتأثر بهم أيضا في مسألة نفي علو الله ، عز وجل ، إذ يقول :
(واشتغلوا بتعليم التوحيد فإنه أساس دينكم ، حتى تنفوا عن الخالق الشبيه ، والشريك ، والنقائص ، والآفاق ، والحدود والجهات ، ولا تجعلوه سبحانه في مكان ولا في جهة فإنه تعالى موجود قبل الأمكنة والجهات فمن جعله في جهة ومكان فقد جسمه ومن جسمه فقد جعله مخلوقا ومن جعله مخلوقا فهو كعابد وثن) .

وأهل السنة والجماعة على أن الله ، عز وجل ، في العلو المطلق ، لا العلو المخلوق الذي نشاهده فوقنا ، فهو سبحانه وتعالى لا يحيط به زمان أو مكان ، مستو على عرشه بائن من خلقه ، وأدلة الفوقية متواترة في الكتاب والسنة ، والله أعلم .

وأما الأثر الخارجي في دعوته فهو ظاهر في خروجه على ولاة الأمر بالسيف وتكفيرهم واستحلال الدماء والأعراض والأموال ، بل إنه عقد 10 أبواب في كتابه تناول فيها مثالب المرابطين ليسوغ بذلك الخروج عليهم فمنها :
باب فيما أحدثوه من المناكير والمغارم ، وتقلبهم في السحت والحرام يأكلون فيه ويشربون ، وفيه يغدون ويروحون ، وتجسيمهم وكفرهم أكبر .
باب في تحريم معونتهم على ظلمهم ، وتصديقهم على كذبهم .
باب في معرفة أتباعهم الذين أعانوهم على ظلمهم ، وصدقوهم على كذبهم وبيان أفعالهم .
باب في وجوب مخالفتهم وتحريم الاقتداء بهم والتشبه بهم وتكثير سوادهم وحبهم ........ الخ ، وكأنهم أكفر أهل الأرض !!!!!

ويذكر المراكشي ، رحمه الله ، في "المعجب" طرفا من غلو ابن تومرت ، إذ يوصي جيشه المتوجه لقتال المرابطين بقوله : (اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين تسموا بالمرابطين فادعوهم إلى إماتة المنكر وإحياء المعروف وإزالة البدع والإقرار بالإمام المهدي المعصوم ، فإن أجابوكم فهم إخوانكم ، وإن لم يفعلوا فقاتلوهم فقد أباحت لكم السنة قتالهم .............) .

بل إنه يمضي في تعسفه فيدعي بأن رجالهم ملعونون لأنهم تشبهوا بالنساء في تغطية الوجه باللثام ، ونساءهم ملعونات لأنهن تشبهن بالرجال في كشف الوجه ، وما هكذا يجادل المخالف وإن قلنا بوجوب تغطية النساء لأوجههن ، فالمسألة خلافية ، والخلاف فيها مشهور بين أهل العلم ، ولم نر أحدا من أهل العلم المعتبرين الذين يقولون بوجوب تغطية الوجه يصف النساء اللاتي يكشفن وجوههن مع التزام الآداب الشرعية في اللباس بأنهن ملعونات لأنهن تشبهن بالرجال في كشف الوجه ، ولكنها عجيبة أخرى من عجائب ابن تومرت !!!!! .

والقارئ في تاريخ الدولة المرابطية في تلك الفترة يلمس بالفعل تقصيرا من جانب حكامها في إقامة بعض أحكام الشريعة ، ولكنهم لم يرتكبوا الكفر الصراح الذي يجيز الخروج عليهم بمثل هذه الطريقة الدموية التي انتهجها ابن تومرت ، فالمنكر لا يغير بمنكر أشد ، والله أعلم .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (4/211 ، 212) .

وأما الأثر الشيعي في دعوته فهو ظاهر من غلوه في إثبات الإمامة والقول بعصمته ، فيقول في كتابه : (هذا باب في العلم ، وهو وجوب اعتقاد الإمامة على الكافة ، وهي ركن من أركان الدين ، وعمدة من عمد الشريعة ، ولا يصح قيام الحق في الدنيا إلا بوجوب اعتقاد الإمامة في كل زمان من الأزمان إلى أن تقوم الساعة .............. ولا يكون الإمام إلا معصوما من الباطل ليهدم الباطل ، لأن الباطل لا يهدم الباطل ، وأن يكون معصوما من الضلال ، لأن الضلال لا يهدم الضلال ......... وأن يكون معصوما من الجور لأن الجائر لا يهدم الجور بل يثبته ، وأن يكون معصوما من البدع ، لأن المبتدع لا يهدم الكذب بل يثبته ، وأن يكون معصوما من العمل بالجهل ، لأن الجاهل لا يهدم الجهل ، وأن يكون معصوما من الباطل لأن المبطل ، لا يهدم الباطل ، كما لا تدفع النجاسة بالنجاسة ...........) ، نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس (4/206) .
وما بقي إلا أن يقول : وأن يكون نبيا مرسلا أو ملكا مقربا !!!! .

وأهل السنة والجماعة يعلون من شأن الإمامة ، ولكنهم لا يغلون فيها كما غلا الرافضة ومن تابعهم ، كابن تومرت ، فالرافضة يقولون بأن الإمامة واجبة على الله ، وهذا من أبطل الباطل لأنه لا يوجب على الله أحد إلا هو ، عز وجل ، وأهل السنة يقولون بأن الإمامة واجبة على الأمة ، لا على الله ، عز وجل ، فهي موضوعة لإقامة الدين وسياسة الدنيا به ، كما أشار إلى ذلك الماوردي الشافعي ، رحمه الله ، ويجوز عند أهل السنة والجماعة أن يخلو الزمان من إمام تتحد الأمة تحت قيادته ، كما هو حالها اليوم ، وعليه يلزم الأمة أن تستفتي علمائها المعتبرين فيما يعرض لها من نوازل ، وعلاقة الحاكم بالمحكوم في هذا الزمان من أدق المسائل ، فالناس فيها ، إلا من رحم الله ، بين إفراط في طاعتهم ومتابعتهم على كل أمر حتى لو كان باطلا محضا ، أو تفريط بتكفيرهم والخروج عليهم وعصيانهم مطلقا وإن أمروا بحق ، ولا يفصل في هذه المسائل إلا العلماء الربانيون وليس لآحاد الناس أن يحكموا على أفراد بعينهم بالكفر ، وأسرع الناس للتكفير أقلهم علما وأخفهم عقلا كما هو حال الخوارج في كل زمان ، ولا معصوم عند أهل السنة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأئمة من قريش ما وجد قرشي كفء لتولي منصب الإمامة ، والله أعلم .

وبقيت مسألة أخيرة وهي مسألة خروج المهدي ، وهي مسألة ذات علاقة وطيدة بدعوة محمد بن تومرت : والمراد هنا بيان تواتر أحاديث المهدي ، كما قرر ذلك الشيخ العلامة صديق حسن خان ، رحمه الله ، في "الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة" ، حيث يقول : (والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها ، منها خمسون حديثا في الصحيح والحسن والضعيف المنجبر ، وهي متواترة بلا شك ، ولا شبهة ، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول ، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضا ولها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك) . نقلا عن الثمرات الزكية في العقائد السلفية للشيخ الدكتور أحمد فريد ، حفظه الله ، ص191 .

وإلى ذلك أيضا أشار الشيخ محمد جعفر الكتاني في "نظم المتناثر في الحديث المتواتر" بقوله : (والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة ، وكذا الواردة في الدجال وفي نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام) .
وقد رويت أحاديث خروج المهدي في كتب السنة المعتمدة كالسنن الأربعة والمسانيد : مسند أحمد ، والبزار ، وأبي يعلى ، والحارث بن أبي أسامة ، ومستدرك الحاكم ، ومصنف ابن أبي شيبة ، وصحيح ابن خزيمة .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ص279 .

وعليه فلا حجة لمنكر ، فالمهدي محمد بن عبد الله أو أحمد بن عبد الله حقيقة لا خرافة ، كما يزعم بعض الزائغين ، وإن كان بعض أهل الفضل ، قد وافقهم في هذه المقولة فاجتهد اجتهادا مرجوحا ، وعلى رأسهم :
علامة المغرب ابن خلدون ، رحمه الله ، وقد رد عليه الشيخ أحمد شاكر ، رحمه الله ، بقوله : (إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين : الجرح مقدم على التعديل ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ، ما قال شيئا مما قال ، وقد يكون قرأ وعرف ، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره) ، ثم بين أن ما كتبه ابن خلدون ، رحمه الله ، في هذا الفصل عن المهدي ملئ بالأغاليط في أسماء الرجال ونقل العدل ، واعتذر عنه بأن ذلك قد يكون من الناسخين ، وإهمال المصححين .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ص280 .

ولله در الشيخ أحمد شاكر ، رحمه الله ، إذ يلتمس العذر لابن خلدون ، رحمه الله ، وهكذا فليكن حسن الظن بالعلماء ، ولا معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يحملنا حب علمائنا على مجاراتهم فيما اجتهدوا فيه فأخطئوا ، بل نقول الحق ونحفظ للأئمة أقدارهم ، ولكي ينصف القارئ الكاتب لابد أن يطلع على الظروف التاريخية التي كتب فيها الكاتب كتابه ، فابن خلدون ، رحمه الله ، ممن اتصل بأمراء الدولة الحفصية في تونس ، الذين جاءوا بعد الموحدين ، وكانوا على عقيدة الموحدين في تعظيم ابن تومرت والقول بمهدويته وعصمته .

وكذا الحال في كل مصنف ، فمستدرك الحاكم ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، من الكتب التي وقع فيها أوهام كثيرة ، وقد اعتذر الحافظ ، رحمه الله ، عن الحاكم ، وقال بأنه ألفه في سن متقدمة ضعف فيها حفظه ، ومع ذلك فقد سود الكتاب وبيض جزءا منه ثم وافته المنية قبل إتمامه ، والجزء المبيض الغالب فيه الصواب خلاف الجزء المتبقي ، فلو امتد العمر بالحاكم ، رحمه الله ، لأتم تبييضه وتدارك ما وقع فيه من أوهام ، وذاك الظن به ، والله أعلم .

وحديثا ، تأثر الأستاذ سيد قطب ، رحمه الله ، بالظروف الصعبة التي ألف فيها تفسيره ، حيث كان مسجونا أثناء تأليفه فلم يكن عنده من صفاء الذهن والمراجع الكافية ما يمكنه من تحرير مسائل كتابه تحريرا كاملا فوقع له الوهم في بعض المواضع وخاصة في مسائل الكفر والإيمان ، وكل يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يهدر العالم أو الكاتب إن زل ، ما لم يطغ خطئه على صوابه ، والله أعلم .

وممن أنكر أحاديث المهدي حديثا :
الشيخ محمد رشيد رضا ، رحمه الله ، في تفسير المنار ، إذ وصفها بالتناقض والبطلان وأن المهدي ليس إلا أسطورة اخترعتها الشيعة ، ثم دخلت كتب أهل السنة ، والعذر للشيخ ، رحمه الله ، أنه ظهر في فترة غلبت فيها المدرسة العقلية على المدرسة النقلية الأثرية ، فتأثر الشيخ ، رحمه الله ، بكبار أقطابها كالشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ، وإن كان تأثير هذه المدرسة في كتابات الشيخ قد بدأ في الاضمحلال شيئا فشيئا بمرور الوقت وترسخ قدم الشيخ ، رحمه الله ، في المذهب السلفي ، والله أعلم .


وهذه المسألة من المسائل التي تميز بها أهل السنة والجماعة عن الشيعة ، فالأولون اعتمدوا على الأدلة السمعية المتواترة ، كما تقدم ، والآخرون اعتمدوا على خرافة ملخصها : أن مهديهم محمد بن الحسن العسكري ، دخل السرداب في مدينة سامراء ، وعمره 5 سنوات ، وسوف يخرج آخر الزمان ليعيد لأهل البيت حقهم المغتصب ، كما يزعمون !!!!! ، وهو مع هذه السن المبكرة ، يقود الأمة ويعلم كل دقائق الشريعة أصولا وفروعا !!!!! ، وإذا كان هذا الأمر حقا ، فلازمه أنهم بلا دين ولا شريعة من منتصف القرن الثالث الهجري حتى الآن ، فلم يستفد أحد منهم من علم هذا المهدي الغائب ، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، فمن أين يأخذون دينهم ؟!!!! .

ولذا فإن الخميني ، عليه من الله ما يستحق ، لما أراد إقامة الدولة الرافضية الخبيثة في فارس ، وقف أمامه عائق ، عدم استجابة عوام الشيعة ، لأي تحرك قبل ظهور المهدي ، فلا دولة إلا تحت قيادة المهدي ، ولا جهاد إلا تحت رايته ، (وكأن القوم أهل فترة ينتظرون بعث رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم ) ، فابتدع لهم بدعة "ولاية الفقيه" باعتباره خليفة المهدي ، الذي يقود الشيعة حتى يظهر القائد المنتظر !!! ، وما أسهل الكذب عند الخميني ، وما أسهل الابتداع عند القوم ، ولو كان في أصل دينهم ، فعقيدة المهدي عندهم من أصول دينهم . (مستفاد من شرح الشيخ الدكتور أبي الفضل عبد السلام بن عبد الكريم ، حفظه الله ، لــــ "تيسير العقيدة الصحيحة")

يقول السفاريني رحمه الله :
وأما زعم الشيعة أن اسمه محمد بن الحسن ، وأنه محمد بن الحسن العسكري فهذيان ، فإن محمد بن الحسن هذا قد مات ، وأخذ عمه جعفر ميراث أبيه الحسن .

وأما الكتاب الثاني فهو : "موطأ المهدي" ، وهو كتاب في الفروع الفقهية ، يقول عنه الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (وبالرغم من أن ابن تومرت قد درس بالمشرق ، على عدد من أقطاب عصره ، فإنه لبث على تقاليد علماء المغرب الراسخة ، من اتباع المذهب المالكي ، ومن ثم فإنه يقدم لنا ثمرة شروحه للعبادات والمعاملات والحدود ، أو بعبارة أخرى لعلم الفروع ، متسمة باسم موسوعة الإمام مالك ، جارية على مذهبه وآرائه ، بل إنه ليبدو ، حسبما جاء في مقدمة "موطأ ابن تومرت" ، أن مصنفه ليس إلا مختصرا من مصنف الإمام مالك ، فقد جاء في مقدمة طبعته التي نشرت في الجزائر سنة 1323 هـــ ، 1905 م ، ما يأتي : "قابلنا موطأ المهدي بموطأ الإمام مالك ، من رواية يحيى بن يحيى الليثي ، فوجدناه مختصرا منه بحذف الأسانيد مع تقديم وتأخير وزيادة تراجم وتفاصيل على أسلوب مفيد وترتيب سديد" )
بتصرف يسير جدا من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/216) .

ورواية يحيى بن يحيى الليثي ، رحمه الله ، هي الرواية المشهورة في الأندلس ، شهرة رواية محمد بن الحسن الشيباني ، رحمه الله ، في أقصى المشرق الإسلامي ، وخاصة في بلاد الهند .

ورغم ميل ابن تومرت لآراء المذهب الظاهري ، كما تقدم ، وهو ما سيعلنه صراحة بعد ذلك ، السيد أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، المنصور بفضل الله ، رحمه الله ، الأمير الموحدي الشهير ، إلا أننا نراه هنا يندرج في سلك فقهاء المالكية ، شأنه في ذلك شأن بقية فقهاء المغرب ، ورغم إنكاره على المرابطين إغراقهم في الفقه المذهبي إلا أنه يسير في مؤلفه وفق المرجع الأساسي للفقه المالكي ، مع اختلاف يسير بالتقديم والتأخير ، ويبدو أنه لم يرد الخروج عن الجو الفقهي المألوف في عصره لئلا ينفر الناس من دعوته ، فالناس أعداء ما جهلوا ، وتعظيم المغاربة لمذهب مالك ، رحمه الله ، أشهر من أن يشار إليه ، والله أعلم .

وبهزيمة الموحدين في معركة البحيرة ، اشتدت وطأة المرض على هذا الداعية المغربي الصلب ، فمات سنة 524 هـــ ، وأبى الله ، عز وجل ، إلا أن يموت مغموما بهزيمة قواته في "البحيرة" هزيمة قاسية كادت تعصف بدولته ، لولا أن قيض الله ، عز وجل ، لها عظيما آخر من عظماء زمانه ، هو "عبد المؤمن بن علي الكومي" ، وعبد المؤمن ، كأستاذه ابن تومرت ، تجربة إنسانية ثرية لا يمل المرء من النظر فيها ، والدول لا تقوم إلا على أكتاف أمثال هؤلاء .


ولا نزعم بأن ابن تومرت قد التزم أقوال الأشاعرة ، في كل مسألة ، وإن كان قد التزمها إجمالا ، وصرح ببعضها كمسائل الأسماء والصفات ، بل أنكر على المخالف ورماه بالتجسيم وتعدى إلى تكفيره ، وفي هذا من الغلو ما فيه ، فضلا عن الاضطراب في مسألة التكفير ، فهي مسألة علمية دقيقة ، لا يحكم فيها بمثل هذا التهور ، والله أعلم .

ومضى ابن تومرت إلى ربه فهو يجزيه بما قدمت يداه ، وليس لنا إلا النظر في سيرته وتلمس مواضع الاعتبار فيها ، والله أعلم .

وأعتذر عن الإطالة في هذا الموضع بالذات ، لأن دعوة هذا الرجل الوافر العزم ، الشديد البأس ، مما شغل الناس قديما وحديثا بما فيها من تجديد ، رآه البعض خروجا عن الشريعة ممثلة في مذهب أهل السنة والجماعة الذي انتحله ونصره المرابطون ، ورآه البعض الآخر تجديدا وخروجا عن إطار التقليد في الأصول والفروع ، والقلب يميل للقول الأول ، فمع اعترافنا بإغراق المرابطين ، في أواخر أيامهم ، في الفقه المذهبي ، والتفاصيل العقيمة ، وإهمالهم في تطبيق بعض الأحكام الشرعية ، وخاصة أحكام الحسبة وتغيير المنكرات ، كما تقدم ، إلا أنهم في الجملة كانوا أهل سنة وأثر في الأصول والفروع مع ما لهم من الولاية الشرعية المؤيدة بإقرار الخلافة العباسية في المشرق ، وهي الخلافة الشرعية آنذاك ، والله أعلم .

يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
26May2006, 03:17 مساء
بسم الله

السلام عليكم

والوقفة التالية مع الموحدين :
والكلام عن أولئك القوم متشعب ، فالموحدون ، حركة دينية سياسية ، ظهرت في أرض المغرب ، في بداية القرن السادس الهجري ، ولم تخل من تأثر بالعصبية القبلية ، فمؤسسها "محمد بن تومرت" ، من قبيلة من قبائل المصامدة الجبلية "أعداء المرابطين التقليديين" ، تدعى قبيلة "هرجة" ، ولابد من وقفة مع هذا "الفقيه السوسي" :

فابن تومرت ، شخصية ثرية ، ومادة غنية لمن أراد أن يصنف في تاريخ المغرب ، وقد تعددت الدراسات التي تناولت ابن تومرت وحركته ، والبداية كما سبق في جنوب السوس الأقصى ، في قوم يعرفون بـــــ "بايسرغينن" أو الشرفاء في لغة المصامدة ، وتضع الروايات تاريخ مولده فيما بين : 471 و 491 هــــ ، وأما نسبه فهو بربري خالص ، ولا عيب في ذلك فالأنساب لا ترفع وضيعا ولا تضع شريفا ، ولكنه ، كعادة كل مدع ، اختلق نسبا يلحقه بآل البيت ، وإن كان ابن رشيق وابن القطان وابن صاحب الصلاة ، مؤرخ الدولة الموحدية ، الشهير ، ومن بعدهم ابن خلدون ، رحمه الله ، يرون صحة هذه النسبة بحجة أن الناس مستأمنون على أنسابهم .

ومحمد بن تومرت ممن وهبه الله ، عز وجل ، حدة الذكاء وسعة الحفظ ، وحب العلم ، وفي ذلك يقول ابن خلدون رحمه الله : وشب محمد قارئا محبا للعلم ، وكان يسمى "أسافور" ومعناه الضياء ، لكثرة ما كان يسرج القناديل بالمساجد لملازمتها ، وما كان لهذا الفقيه الناشئ ، أن يقنع بعلوم المغرب ، حتى يضم إليها علوم المشرق ، فطالب العلم لا يشبع ، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلابد من رحلة في الطلب ، فلا عالم بلا رحلة ، وقبلة العلم آنذاك : المشرق الإسلامي ، وعلى الأخص : بغداد ، عاصمة الخلافة وحاضرة الدنيا ، وعلى الرغم مما كانت تعانيه من ضعف واضطراب سياسي ، إلا أنها كانت أكبر مركز علمي في ذلك الوقت ، وبالفعل يمم ابن تومرت وجهه شطر بغداد ، بعد أن جاز للأندلس ، ودرس في قرطبة حينا ، ثم أبحر من "ألمرية" ، أحد ثغور الأندلس الشرقية إلى المشرق ، ومر في طريقه بالمهدية ، عاصمة العبيديين السابقة وهي في تونس حاليا ، وأخذ بها على الإمام المازري ، رحمه الله ، شيخ المالكية في زمانه ، ثم قصد الإسكندرية ، فدرس على الإمام المالكي الشهير ، أبو بكر الطرطوشي ، رحمه الله ، وكان متمكنا في السياسة الشرعية التي ألف فيها كتاب "سراج الملوك" ، محاربا للبدعة وله فيها مصنف مشهور هو "الحوادث والبدع" ، ودرس الفقه والأصول في بغداد على الفقيه الشافعي : أبي بكر الشاشي ، فحصل من العلوم ، ما جعله ، كما يقول ابن خلدون رحمه الله : "بحرا متفجرا من العلم ، وشهابا واريا من الدين" ، ولكن ابن تومرت ، كان ممن أوتي الذكاء ولم يؤت الزكاء ، فقد تأثر ، كما تأثر غيره من طلبة العلم ، بتعاليم الأشعرية ، وكانت لها السيادة في المشرق الإسلامي ، تحت ظل الدولة السلجوقية ، التي تبنت هذا المذهب ، وأنشأت له المدارس والمعاهد العلمية ، وأشهرها على الإطلاق ، "المدارس النظامية" ، التي أنشأها الوزير العالم الفذ "نظام الملك" رحمه الله .

وعاد ابن تومرت ، إلى المغرب ، أشعريا متعصبا ، كعادة غالب المتأخرين من الأشاعرة ، ومن العجيب أنهم يتهمون ، على الدوام ، أتباع مذهب السلف بالتعصب والجمود ، وينعتونهم بأقبح النعوت ، رغم ما لاقاه علماء أهل السنة ، على أيديهم من ظلم واضطهاد ، فابن القشيري يفد على بغداد للتدريس في "النظامية" ، فيرمي الحنابلة بالتجسيم بل ويرسل بعض أتباعه إلى الشريف ابن جعفر ، رحمه الله ، شيخ الحنابلة في ذلك الوقت ليعتدوا عليه في مسجده ، ويكتب إلى الوزير نظام الملك ، رحمه الله ، يشكوا إلى الله الحنابلة ويسأله المعونة عليهم ، وكأنهم أعداء الملة !!!!! .

والرازي ، غفر الله له ، يتهجم على أحاديث الصحيحين التي تخالف مذهب الأشاعرة ، ويسم رواتها بالزندقة .

وابن تومرت ، يسم المرابطين ، بـــ "المجسمين" ، وكانوا على مذهب السلف في إثبات الأسماء والصفات ، ويطلق عليهم "الزراجنة" ، تشبيها لهم بطائر يدعى "الزرجان" ، وهو طائر أسود البطن أبيض الريش ، لأنهم ، أي المرابطين ، "بيض الثياب سود القلوب" . نظم الجمان لابن القطان ، نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس للأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، (4/185) .

ويكتب إلى المرابطين قائلا : (إلى القوم الذين استزلهم الشيطان ، وغضب عليهم الرحمن ، الفئة الباغية ، والشرذمة الطاغية ، لمتونة ، أما بعد ......................) ، وكأنه يخاطب أعداء أمة الإسلام من يهود ونصارى !!!!!! . الحلل الموشية ص179 ، نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس ، (4/179) .

ومن طريف ما يذكر في هذا الموضع أن أحد نحاة الأندلس من دولة الموحدين هدم نظرية "العامل" عند النحاة مدعيا أن الفاعل هو الله ، عز وجل ، لأن الأشاعرة ينكرون أن يكون للعبد إرادة مؤثرة في الفعل ، فإرادة العبد عندهم يحدث الفعل عندها لا بها ، فالفاعل هو الله ، عز وجل ، بينما العبد هو الكاسب للفعل ، وهذا ما عرف بـــ "نظرية الكسب" وهي من أعجب أقوال الأشعري رحمه الله .

وبعدهم جاء "ابن مخلوف وجماعته" ، فكادوا لشيخ الإسلام ، رحمه الله ، وسعوا في إيذائه ، فلما مكنه الله منهم ، وعرض عليه الناصر محمد بن قلاوون قتلهم ثأرا لشيخ الإسلام ، وما كان هذا قصده ، وإنما قصد الانتقام منهم لأنهم ناصروا "بيبرس الجاشنكير" ، خصمه الذي أزاله من السلطنة فترة من الزمن قبل أن يعود إليها مرة أخرى ، ولكن شيخ الإسلام ، رحمه الله ، صفح عنهم ، فاعترفوا له ، مع خصومتهم له ، بالفضل :

ومليحة شهدت لها ضراتها ******* والفضل ما شهدت به الأعداء

يقول الشيخ الدكتور أبو عبد الله محمد بن يسري ، حفظه الله ، في "المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم" :
والأشاعرة والماتريدية وعامة المتكلمين يسمونهم ، أي أهل السنة ، "حشوية" من الحشو ، وهو ما لا خير فيه ، ويسمونهم "نوابت" وهي البذور التي تنبت مع الزرع ولا خير فيها ، ويسمونهم "غثاء" وهو ما تحمله الأودية من الأوساخ ، لزعمهم أن من لم يحط بالمنطق علما لم يوثق بعلمه ، وليس منه على يقين .

فأداة الفهم عندهم هي "المنطق" ، وما أعسرها من أداة ، رغم أنها وضعت أساسا لتسهيل الفهم ، وبعض الناس ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله ، لا يقبل الحق إن جاء سهلا ميسرا ويأبى إلا أن يصل إليه من طريق وعر شاق ، وعجبا لمن أعرض عن فهم أهل القرون المفضلة ممن شهدوا التنزيل إلى فهم ضلال فلاسفة اليونان !!!!! .

ولم يكن تعصب ابن تومرت تعصبا علميا فحسب ، بل تعداه للجانب العملي ، فبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطريقة غليظة جافة ، تفتقد الحكمة ، فلا ولاية له ولا سلطان ، ولا تفويض من حاكم ، حتى يقال بأنه محتسب ولاه السلطان شئون الحسبة .

وهنا تظهر أولى سمات دعوة ابن تومرت :
فهو ممن غلا في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذه سمة خارجية ، لأن تنتهي إلى تفسيق وتبديع المخالف ، بل وتكفيره ، بحجة الإنكار عليه ، وهذا ما حدث من الخوارج قديما ، وحدث من المعتزلة الذين ساروا على نهجهم في هذه المسألة حتى جعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد أصولهم الخمسة ، واتخذوه ذريعة لقتل وتعذيب وتشريد مخالفيهم ، ولا أدل على ذلك من موقف المعتزلة في دولة المأمون والمعتصم من الإمام أحمد ، رحمه الله ، فقد اتهموه بالضلال وأغروا الخلفاء بقتله ، وكل هذا تحت ستار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فضلا عن أن منتحل هذه الطريق ، غالبا ما يخرج على الأمة بالسيف ، كما حدث من الخوارج ، لأنهم كفروا عموم الأمة ، ولازم التكفير استحلال الدماء والأعراض والأموال ، ومن زجره سيف السلطان عن ذلك ، صرح به في معتقده ومصنفاته التي وضعها لبيان نحلته ، فالمعتزلة لم يخرجوا على الحكام بالسيف خوفا لا ورعا .

ويصور الأشعري ، رحمه الله ، هذا الأصل عند المعتزلة بقوله : (وأجمعت المعتزلة ، إلا الأصم ، على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقدرة باللسان واليد والسيف كيف ما قدروا على ذلك) .
هكذا بلا أي ضوابط شرعية ، وبلا أي نظر في المصالح والمفاسد ، بل متى وجد المرء منكرا ، بادر بالإنكار وإن أدى هذا الإنكار لمفسدة أعظم من مصلحة إزالته .

وأما أهل السنة فقد وضعوا ضوابط دقيقة لهذه المسألة الجليلة من أبرزها :
أولا : أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالما بالحكم الشرعي لئلا يأمر بمنكر ظانا أنه معروف أو ينهى عن معروف ظانا أنه منكر .
ثانيا : أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على علم بأن أمره ونهيه يؤول إلى تغيير المنكر ، أما إذا تيقن من أن أمره ونهيه لن ينتج ثمرة فإنه في هذه الحالة لا يجب عليه ذلك ، وإن كان يندب له القيام بهما إعذارا إلى الله سبحانه وتعالى .
ثالثا : أن لا يؤدي هذا إلى منكر أكبر من المنكر المراد إزالته ، وهذا أدق ضوابط هذه المسألة ، وهو ما لا يحسنه إلا العلماء الربانيون الذين من الله عليهم بالثبات عند حلول الفتن واختلاط الرؤى ، والله أعلم .
بتصرف من "أصول الفرق الإسلامية" للشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز قريشي ، حفظه الله ، ص174_176 .

ولم يكن محمد بن تومرت بأحسن حالا من الخوارج والمعتزلة فقد بدأ بما بدءوا به وانتهى إلى ما انتهوا إليه ، فبالغ في الإنكار على أرباب المعاصي ، في المهدية لما نزلها ، وفي بجاية ، وهي في الجزائر الحبيبة اليوم ، ثم تطور الأمر إلى الإنكار على الدولة المرابطية من جهة المعتقد فوصل الأمر إلى تكفير المرابطين ، أهل السنة والجماعة في ذلك الوقت في المغرب !!!!! ، ثم الخروج عليهم ، فلا جديد في بدعة ابن تومرت !!!!

وبالرغم ما شاهده ابن تومرت ، في أثناء رحلته ، وخاصة في بجاية ، من منكرات وقبائح تضيق بها الصدور ، وصلت لحد تزين الصبيان المرد وتكحلهم في الأعياد التي يختلط فيها الحابل بالنابل ، كما هو الحال فيما يعرف في عصرنا الحاضر بــــ "الموالد" ، وعما يحدث فيها من فواحش وموبقات حدث ولا حرج ، وكل هذا تحت ستار التصوف الأثيم الذي يزعم محبة آل البيت وأولياء الله ، ثم يعاقر أتباعه الفواحش المغلظة ، وينكرون على أهل السنة والجماعة ، ويرمونهم ببعض آل البيت وأولياء الله ، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت ، بالرغم من كل ذلك لم تكن المصلحة الشرعية المعتبرة تقتضي الإنكار بهذه الطريقة الفظة ، ولكن الأيام أظهرت بعد ذلك أن المهدي لم يكن إلا طالب رياسة ، يستتر بثوب المصلح الداعي .


ووصل ابن تومرت ، إلى مراكش ، وبدأ ، كعادته ، في إثارة العامة ، وأظهر العداء لحكومة المرابطين "السنية" ، بقيادة الأمير الصالح علي بن يوسف ، رحمه الله ، الذي تورع عن سفك دمه أو سجنه ، ودعاه لمناظرة كبار فقهاء المالكية في المغرب ، وكان ابن تومرت فصيحا قوي الحجة ، عالما بالجدال ، فقهر خصومه ، ولم يتفطن لنوايا ذلك الثائر السوسي إلا الفقيه الأندلسي الجليل "وهيب بن مالك" رحمه الله ، الذي أدرك كنه دعوة المهدي وكان مالك ، رحمه الله ، كما يقول الدكتور أحمد الدعيج ، حفظه الله ، ممن أحاط بمذهب السلف ، فتحصن به ضد المخالف ، ولكنه مع ذلك كان ملما بأصول الفرق والمذاهب الأخرى ، عالما بمذاهب أهل الكلام والفلسفة ، وهو بذلك يحاكي شيخ الإسلام ، رحمه الله ، الذي كان ، مع شديد تمسكه بمذهب السلف ، عالما بالكلام وأهله ، حتى وصف بأنه متكلم مع أنه من أبعد الناس عن تعاطي علم الكلام .
عرفت الشر لا ******* للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الخير ******* من الشر يقع فيه .

فلا بد للمناظر أن يطلع على آراء مخالفيه ، حتى يتمكن من إبطالها ، ولكن ليس ذلك لكل أحد ، بل هو للعالم المتبحر في علوم الشريعة ، المتشبع بالحق قبل أن ينهض لدحض الباطل ، وإلا فتن به وتأثر من حيث لا يشعر ، كما حدث للغزالي ، رحمه الله ، لما أبان عوار الفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" ، ولكنه بالرغم من ذلك لم يسلم من آراءهم الباطلة ، وعن ذلك يقول تلميذه الإمام أبو بكر بن العربي ، المالكي ، رحمه الله : (شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ، ثم أراد أن يخرج من بطونهم فما قدر) ، والله أعلم .

وأشار ابن وهيب على علي بن يوسف ، بقتل ابن تومرت ، وأشار البعض الآخر بسجنه وعبر عنه أحدهم بقوله : (ألقه في الكبول لئلا يسمعك الطبول) ، أي كبله بالقيود قبل أن يستفحل أمره ويجتمع حوله الناس فيجيش لقاتلك الجيوش التي تسمعك قرع طبولها ، ولكن علي ، رحمه الله ، تورع عن ذلك ، واكتفى بإخراجه من مراكش ، فخرج منها إلى أغمات ، ومن ثم إلى "جبل إيجيليز" ، ومن تلك البقعة الحصينة ستخرج جحافل الموحدين لتدك دولة المرابطين .

وقبل أن يبدأ ابن تومرت سلسلة معاركه مع المرابطين ، أظهر بدعة جديدة من بدعه ، فادعى أنه "المهدي المنتظر" ، وأنه معصوم ، وساعده على ذلك النسب الذي اختلقه ليلحق بآل البيت فتكون له ولاية روحية على أتباعه ، فجمع إلى بدعة الأشاعرة في تأويل الصفات وبدعة الخوارج والمعتزلة في تكفير المخالف والخروج على الأئمة بحد السيف ، بدعة الإمامة مع العصمة وهي إحدى بدع الرافضة ، قبحهم الله ، وأهل السنة يعتقدون خروج المهدي المنتظر آخر الزمان ، ولكنه ليس محمد بن الحسن العسكري ، مهدي الرافضة المزعوم ، وليس معصوما ، كابن تومرت ، فلا معصوم عند أهل السنة إلا الأنبياء والمرسلون وقد ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وتلا ذلك دعوة المهدي الناس لبيعته سنة 515 هــــ ، "تحت شجرة خروب وارفة" ، وكان أول المبايعين : عبد المؤمن بن علي الكومي ، ذلك الشاب الجزائري الوثاب ، الذي التقى به ابن تومرت في ملالة بعد أن وفد عليه مع عمه من بلده القريب من تلمسان ، وشاء الله ، عز وجل ، أن يكون ذلك الفتى ، أعظم حكام الموحدين ، بل واحدا من أعظم ملوك القرون الوسطى ، ومن نظر في تدبيره الملك رجع بالذاكرة إلى الوراء ليستعيد أخبار عبد الرحمن الداخل وأبي جعفر المنصور ، رحمهما الله ، وغيرهما ممن ولدوا ليكونوا ملوكا ، ومرة أخرى لله در المتنبي إذ يقول :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ******* وتأتي على قدر الكرام المكارم .

وتلاه أبو محمد عبد الله بن محسن الوانشريسي الذي سمي بعد ذلك بــــ "البشير الونشريسي" ، وهو من سيعهد إليه ابن تومرت بعد ذلك بمهمة حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه ، في تمييز المؤمن من الكافر وأهل الجنة من أهل النار !!!!!! ، وأهل النار طبعا هم من يتشكك ابن تومرت في ولائهم له ، يقول الدكتور علي محمد الصلابي حفظه الله : ومن الذين انضموا إلى ابن تومرت ولعبوا دورا هاما في دعوته عبد الله الونشريسي الذي كان على درجة كبيرة من الثقافة ، وقد اتفق معه ابن تومرت على أن يتستر على ما هو عليه من العلم والفصاحة عن الناس ، ويظهر العجز والغباء والتعري من الفضائل مما يشتهر به عند الناس على أن يداوم على أخذ العلم في السر ثم يفصح عن ذلك دفعة واحدة عندما يطلب منه ابن تومرت ذلك فيكون بمثابة المعجزة فيصدقه الناس ويزداد إيمانهم بدعوته ، فقام الونشريسي بذلك وأتقن الخداع والمكر والحيل والكذب والدخل على الناس ، وقد عزا الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، النص السابق لابن خلكان ، رحمه الله ، (5/48) .

وقد احتاج ابن تومرت لــــ "كرامات البشير الونشريسي" ، المزعومة ، فيما عرف بـــ "التمييز" ، الذي تخلص به ابن تومرت ممن يشك في ولائهم لدعوته المزعومة ، مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم : (إن في هذه الأمة محدثون ، وإن عمر منهم) ، وعليه : لم لا يكون الونشريسي واحدا منهم ؟!!!! ، وما أظهره من العلم والفضل بلا سابقة ، كما توهم أتباع المهدي ، خير شاهد على ذلك ، وبالفعل بدأ الونشريسي عملية التمييز بين أهل الجنة وأهل النار سنة 519 هــــ ، فعرض عليه الناس فأخرج منهم أقواما على يمينه وعدهم من أصحاب الجنة ، وقوما على يساره وقال فيهم : هؤلاء شاكون في الأمر ، وبطبيعة الحال ، هؤلاء الشاكون هم أعداء دعوة المهدي الذين أراد المهدي التخلص منهم قبل المواجهة المرتقبة مع المرابطين ، وكان يؤتى بالواحد منهم ، فيقول : هذا تائب ردوه على اليمين تاب البارحة ، فيعترف بما قال ، واتفقت له فيهم عجائب ، حتى كاد يطلق أهل اليسار ، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل ، فلا يفر منهم أحد ، وإذا تجمع منهم عدة ، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه .
بتصرف من سير أعلام النبلاء (19/546) ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ، ص298 .

وطريقة التصفية تدل على دهاء ابن تومرت ، فقد استغل جهل أتباعه ، وسرعة تأثرهم واستجابتهم لأي خارقة ولو كانت مزعومة ، وهذا حال عوام المسلمين في كل زمان ، وإن كانوا من أصحاب الوجاهة والرياسة في شؤون الدنيا ، ولما أراد تصفية خصومه أوعز إلى ذويهم ليقوموا بهذه المهمة لئلا يؤدي قتلهم على أيدي أتباعه إلى إثارة الأحقاد والضغائن في قلوب ذويهم على من قتلهم ، والقوم في جهالة عمياء ينفذون ، وبكرامات الونشريسي منبهرون .

والكرامة عند أهل السنة ، لها ضوابط محددة ، فلا إفراط ولا تفريط ، وليست كل خارقة كرامة أو معجزة ، لو كانت خارقة حقا فما بالك لو كانت منتحلة كما هو حال كرامات الونشريسي المزعومة ، ولا تقبل كرامة من صاحبها قبل النظر في حال صاحبها ، فإن كان من أهل السنة المعظمين لشعائر الله ، صحت نسبة الكرامة له بلا إفراط أو غلو ، مع أن الأصل عند أهل السنة عدم تتبع الأمور الخارقة رغبة في تحصيلها ، وإن كان من الخارجين على أحكام الشريعة ، ردت عليه ، لأنها عندئذ تكون من باب الاستعانة بالجن والشياطين ، فالساحر ، على سبيل المثال ، له من الأمور الخارقة ما له ، ومع ذلك لا يلزم من ذلك ولايته لله ، عز وجل ، بل هو عند التحقيق ، من أشد أعداء الله ، عز وجل ، فلا تسخر له الجن طاقاتها في إيذاء الناس ، بإذن الله الكوني ، إلا بعد أن يكفر ، قال تعالى : (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) ، فيستمتع الساحر الإنسي بقدرات الجن ، وتستمتع الجن بكفره وخروجه عن دين الإسلام ، قال تعالى : (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياءهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) ، أي استمتع الإنس بقدرات الجني واستمتع الجني بكفر الإنسي ، كما تقدم ، وأما الصوفية ، فعن معجزات مشايخهم ، فحدث ولا حرج ، وقد تكون أمورا خارقة بالفعل ، كأن يقول أحدهم ، لقد ذهبت البارحة إلى مكة وصليت بها العشاء ثم عدت في نفس الليلة ، وهذا أمر مستحيل في العصور السابقة ، ويكون بالفعل صادقا ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، ولكن من الذي ذهب به ، هل جاءه البراق كما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!!!! ، أم حملته الشياطين حتى أوصلته ، ومعلوم ما لهم من القدرات الخارقة ، ولا أدل على ذلك من العفريت الذي قال لـــ : سليمان صلى الله عليه وسلم : (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) ، فيغتر ذلك الشيخ ويظن أنها كرامة لمجرد أنها أمر خارق ، وليست كل خارقة كرامة ، فالكرامة تشمل الأمور المادية وفقا للضوابط الشرعية السابقة ، والأمور المعنوية كالاستقامة والتحلي بالفضائل .......... الخ .


ولو كان الحق مع ابن تومرت ، لما احتاج إلى هذا التزييف والتلبيس ، فالحق واضح لا لبس فيه ولا حاجة لزخرفته حتى يروج على الناس ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله ، لأنه يروج بنفسه ، خلاف الباطل فإنه لابد أن يزخرف ليروج ، فهو بمثابة المرأة القبيحة التي تتجمل للخطاب ، فيروج قبحها على البعض ، ويفطن لقبحها البعض الآخر ، والمعصوم من عصمه الله .

ورغم ذلك يظل الونشريسي ، أحد العلامات البارزة في تاريخ حركة ابن تومرت ، فهو ، كما تقدم ، من أبرز علماء الجماعة الموحدية ، فضلا عن كونه من أبرز القادة الميدانيين ، وكانت نهايته قتيلا في معركة "البحيرة" الشهيرة ، التي مني فيها الموحدون بأكبر هزيمة في تاريخ صراعهم المرير مع "المرابطين" إذ سقط منهم ، كما يقول ابن القطان في نظم الجمان ، أربعون ألفا ، منهم البشير ، كما تقدم ، فضلا عن أربعة من أصحاب ابن تومرت العشرة ، ولم يعثر للبشير على أثر ، فذاع بين المتعصبين من المصامدة أنه رفع إلى السماء !!!! ، وبطبيعة الحال راجت هذه الكرامة الجديدة على كثير من أتباع ابن تومرت ، وحقيقة الأمر أن عبد المؤمن بادر بدفنه في موقعه ، ولكل داهية عند القوم مخرج ، فإن انتصروا فببركة أئمتهم ، وإن هزموا رفع قوادهم إلى السماء كما رفع عيسى صلى الله عليه وسلم !!!!!!!! .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/188 ، 189) .



ومن رجال الدولة الموحدية العظام :
أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ، وسيكون له دور بارز في الدولة الموحدية ، ومن نسله خرج الحفصيون ، الذين استقلوا بالمغرب الأوسط بعد سقوط دولة الموحدين .

وبدأ ابن تومرت وضع الهيكل السياسي والعسكري لدعوته ، فقسم أتباعه إلى طبقات تبعا لمسارعتهم إلى إجابة دعوته ، فقسمهم إلى 14 طبقة ، أولها : طبقة المهاجرين الأولين أو "الجماعة" ، وأفرادها عشرة من أخلص أتباع ابن تومرت على رأسهم عبد المؤمن .

ولم يبق أمام ابن تومرت إلا أن يبدأ ثورته المسلحة على دولة المرابطين .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/156_176) .

وخلاصة القول في هذه الحركة التي شغلت المغرب الحبيب في النصف الأول من القرن السادس الهجري ، وأعتذر إن ورد في هذه الفقرة بعض التكرار بغرض جمع الخلاصة في موضع واحد ، خلاصة القول فيها : أنها حركة قامت على يد رجل من أعظم وأدهى دعاة عصره ، أتاه الله من حسن التكوين وقوة التأثير ما أتاه ، يصفه ابن القطان في نظم الجمان فيقول : كان رجلا ربعة ، حسن التكوين ، مفلج الثنايا ، عظيم الهامة ، أسمر مشوب بحمرة ، غائر العينين ، حديد البصر ، أقنى ، خفيف العارضين ، له شامة سوداء في كفه الأيمن .
والتكوين الظاهري لأي داعية أو زعيم أمر في غاية التأثير في نفوس أتباعه ، فكلما كان الداعية حسن الهيئة والسمت كلما تعلقت به قلوب أتباعه ، ولذا لم يبعث الله ، عز وجل ، نبيا ، إلا في أبهى صورة وأحسن هيئة ، فلا عيب ظاهر ولا مرض منفر ولا صوت منكر ، وقد أوتي ابن تومرت ، مع ما في دعوته من دخل ، من صفات الزعامة الحسية ما أوتي ، فكان ، كما سبق ، حسن التكوين ، مجيدا للعربية والبربرية ، فاجتمع له التأثير السمعي والبصري .

والفصاحة أمر حتم لازم لكل داعية ، وهكذا كان ابن تومرت ، كما تقدم ، ولكنها لا تعني بالضرورة صدق الداعي أو صحة ما يدعو إليه ، فالتاريخ يقدم لنا أئمة بدع كانوا من أفصح أهل زمانهم ، فالخوارج ، على سبيل المثال ، مع ما هم فيه من جهل وضحالة علم وغلو في الدين ، برز منهم زعماء بلغوا أعلى درجات الفصاحة ، فالتف الناس حولهم لعذوبة منطقهم ، وإن كان في قولهم من الضلال ما فيه ، فـــ "قطري بن الفجاءة" من أفصح وأبرز زعماء الخوارج ، وفي العصر الحديث ، اشتهر عن بعض أئمة الضلالة ، كالمدعو "آية الله الخميني" ، عليه من الله ما يستحق ، اشتهر عنه إلقاءه للخطب النارية التي استطاع بها خداع عوام الشيعة في فارس ، أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، فكان الواحد منهم يستمع لخطبة من خطبه فيمضي لميدان القتال ، وقد غلت الدماء في عروقه ، وما أسهل إثارة العواطف وتهييج المشاعر في أي زمان ، وخاصة إذا كان السامع جاهلا أينما وجهته توجه ، وهكذا غالب أتباع كل دعوة ضالة ، ولم تخرج دعوة ابن تومرت عن هذا الإطار .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (وكان ظهوره في ذلك المجتمع البربري الساذج ، الذي اختاره مسرحا لدعوته ، والذي كان يخيم عليه الجهل المطبق ، وتعصف به الخرافات والأساطير ، يتسم بصفات الزعامة الخارقة أو النبوة ، ومن ثم فقد ألفى ابن تومرت الطريق ممهدا ليعلن دعوته وليتشح بثوب المهدي المنتظر ، وينتحل صفة الإمام المعصوم ، وقد كان ابن تومرت من بين دعاة المهدية ، أوفرهم عزما وبراعة ، وأشدهم تأثيرا وسحرا) .


وابن تومرت يتمتع بملكات نفسية أخرى ، جبلت النفوس على استحسانها ، فهو رجل زاهد في ملاذ الدنيا ، شديد التقشف والورع ، لم يلبس قط سوى ثياب الصوف من قميص وسراويل وجبة ، وقد يرتدي الثياب المرقعة !!!! ، ولا يقبل على شيء من متاع الدنيا ، حتى قيل ، فيما نقله ابن القطان عن ابن صاحب الصلاة ، أنه كان يقتات من غزل أخت له في كل يوم ، رغيفا بقليل من سمن أو زيت ، ولم يتحول عن ذلك حينما سما شأنه وأقبلت عليه الدنيا ، وكان كثيرا ما يتمثل قول الشاعر :
تجرد من الدنيا فإنك إنما ******* خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد

ولم يختلف ابن تومرت في ذلك عن كثير من أصحاب الدعوات الضالة ، فقبله دعا ابن سبأ ، لعنه الله ، أتباعه في الأمصار إلى إظهار الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لاستمالة قلوب العامة ، وابن كرام ، رأس فرقة الكرامية الضالة ، يظهر الزهد والورع والتقشف ليتوصل إلى دعوة عوام المسلمين لنحلته الباطلة ، وعن إظهار مشايخ الصوفية للزهد والورع فحدث ولا حرج ، فبعضهم يمتنع عن تناول المباحات زهدا ، بزعمهم ، حتى يخرج عن حد الاعتدال إلى حد الغلو ، وسار ابن تومرت على نفس الدرب ليستميل قلوب المصامدة ، ولا جديد في منهج ابن تومرت !! .

وقد أشار شيخ الإسلام ، رحمه الله ، إلى طرف من زهد ابن تومرت وعبادته ، وهذا من إنصافه ، رحمه الله ، كعادته للمخالف فقال في جواب له عن المرشدة "كتاب ابن تومرت في العقائد" كيف كان أصلها وتأليفها ؟ : (الحمد لله رب العالمين : أصل هذه : أنه وضعها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت : الذي لقب بالمهدي ، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة من نحو مائتي سنة ، "من زمن شيخ الإسلام" ، وكان قد دخل إلى بلاد العراق ، وتعلم طرفا من العلم ، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة) ، ولكنه في بقية الجواب لا يغفل مثالب ابن تومرت إذ يقول : (ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ، إلى قوم من البربر وغيرهم ، جهالا ............... فعلمهم الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعا من المخاريف ، ليدعوهم بها إلى الدين ، فصار يجئ إلى المقابر يدفن أقواما ويواطئهم على أن يكلموه إذا دعاهم ، ويشهدوا له بما طلبه منهم ، مثل أن يشهدوا له بأنه المهدي الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يواطئ اسمه اسمه واسم أبيه ، وأنه يملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت جورا وظلما ، وأن من اتبعه أفلح ، ومن خالفه خسر ، ونحو ذلك من الكلام .......................) .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص285 ، 286 .

وكما سبق ، دين الله ، عز وجل ، لا يحتاج لكذب كاذب ليظهر فهو ظاهر على الدين كله ، ولو كره الكافرون ، ظهور سيف وسنان أو حجة وبيان ، كما أخبر بذلك الله ، عز وجل ، في كتابه ، والله أعلم .

يقول الحسن بن عبد الله العباسي في "آثار الأول وترتيب الدول" في معرض كلامه على مدعي الزهد والورع ، الطاعنين في أحوال الملك لإثارة الجماهير ، وابن تومرت من أبرزهم ، يقول : (وينبغي للملك أن ينظر في حالة هذه الطائفة ، ويميز محقهم من مبطلهم ، ويفرق بين الزاهد والمتزهد ، وفيهم أصناف من أهل الغلط في طريق الزهد والمغالطة لأغراض أخر ، منهم صنف يغلب عليهم محبة الرياسة والإمرة ، ويتفق أعراض الملك عنهم وانقباضه لمخالفة طبعه لطباعهم) .
نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس (4/195) .

وليست القاعدة مطردة في هذا الباب ، فكثير من قادة أمة الإسلام ، كانوا زهادا حقيقة لا زيفا ، فعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يمتنع عن أكل اللحم في عام الرمادة ، ويلزم نفسه الخبز والزيت ، وفي ذكر أخبار ورع وزهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، تفنى الأوقات الطوال ، ونور الدين محمود الشهيد ، رحمه الله ، صاحب الأيادي البيضاء في جهاد عباد الصليب في بلاد الشام ، يصنع خوذ القتال التي يضعها المقاتلون على رؤوسهم ، ويبيعها ليقتات بثمنها وقد ملكه الله ، عز وجل ، خزائن الشام ، ويداوم على الصيام أثناء القتال حتى يخشى عليه من الضعف ، ويمرغ وجهه في التراب ذلا لخالقه ، عز وجل ، يستجلب به النصر ، وصلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله ، يمتنع عن الضحك وملامسة النساء حتى يحرر بيت المقدس ، ويوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، يجمع الله ، عز وجل ، له ملك المغرب الإسلامي ، فلا يتحول عن شرب ألبان الإبل وأكل لحومها ، ويبقى على سيرته الأولى ، زاهدا متقشفا معرضا عن اللذات وقد جاءته الدنيا صاغرة تحت قدميه .

ومحمد بن تومرت ، من أغزر أهل زمانه علما ، وهذا مكمن الخطر في دعوته ، فليس بالخصم السهل ، وعن غزارة علم محمد بن تومرت ينقل الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، عن كتاب "تجربة الإصلاح في حركة ابن تومرت" ، ص258 :
لقد استطاع ابن تومرت أن يستفيد من رحلته المشرقية وأن يتحصل على علوم متنوعة تجمع بين العلوم العقلية والنقلية ، فضبط الأصول وعلم الكلام وعقائد الأشاعرة وتأثر بالمعتزلة وغير ذلك من العلوم .
ويعلق الدكتور الصلابي بقوله :
ورأى عن كثب أقطاب المدارس الفكرية من الأشاعرة والمعتزلة والشيعة وغيرها من المذاهب وحضر مناقشاتهم وندواتهم واطلع على فلسفتهم وروح حركاتهم وبذلك تبلورت آراؤه وأفكاره .
وقد ساعدته رحلات المغربية والمشرقية على الوقوف على أحوال العالم الإسلامي ، واستوعب أسباب الانهيار والتدهور التي تعانيها دول إمارات بلاد المغرب ، وكان ذلك من الأسباب القوية التي دفعته إلى الطموح في القضاء على أنظمة الحكم الموجودة في المغرب ، والتخطيط لإقامة دولة موحدية قوية لا في بلاد المغرب وحدها ، بل والعالم الإسلامي كله .
تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص258 .

والناظر في تاريخ الدولة الموحدية ، يجد أنها كانت بالفعل في عصرها الذهبي أقوى دول العالم الإسلامي ، وأوسعها رقعة ، إن لم تكن أقوى وأكبر قوى العالم في ذلك الزمان ، ولكن كل هذا لا يبرر ما ارتكبه ابن تومرت من سفك للدماء واستباحة للأعراض والأموال ، فقد أدى خروجه على المرابطين إلى مفاسد عظيمة من قتل ونهب وانتهاك للأعراض ....... الخ ، فضلا عن انشغال المرابطين بمقاومة هذه الدعوة الجديدة عن الهدف الأسمى وهو جهاد النصارى ، الأعداء الحقيقين ، المتربصين بمسلمي الأندلس .

ودعوة ابن تومرت دعوة ذات أصول وقواعد ، وضع صاحبها تفاصيلها في كتابين :
أولهما : كتاب (أعز ما يطلب) : وهو كتاب في الأصول ، على اصطلاح المتأخرين في تسمية المسائل العقدية بـــ "الأصول" والمسائل العملية بـــ "الفروع" ، وهو اصطلاح فيه نظر ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، لأن هذا يلزم منه إدخال بعض المسائل الفرعية في العقيدة التي يسوغ الخلاف فيها ، كمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل ليلة المعراج ، في الأصول مع أنها ، عند التحقيق ، مسألة فرعية ، وكذا يلزم منه إدخال بعض المسائل العملية الكبيرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج ............. الخ ، في الفروع ، مع أنها مما لا يسوغ الخلاف فيه إجماعا ، والضابط الأصح أن يقال : بأن كل مسألة كبيرة في الدين "أصل" سواء كانت عقدية أم عملية ، وكل مسألة صغيرة ، وإن كانت مسائل الدين كلها عظيمة الشأن ، "فرع" سواء كانت عقدية أم عملية .

وفي هذا الكتاب يتطرق ابن تومرت لمسائل أصولية دقيقة ، كطرق معرفة الأخبار من متواتر وآحاد .......... الخ ، والاجتهاد ، وهو ظاهري النزعة ، كابن حزم ، رحمه الله ، خلاف المرابطين الذين كانوا معظمين لمذهب مالك ، رحمه الله ، حتى أخذ على فقهائهم الإغراق في جزئيات المذهب على حساب النصوص الشرعية ، ولعل هذا كان من أسباب الاختلاف الشديد بين المرابطين والموحدين ، وهو الذي امتد أثره من الكتب والمصنفات إلى ساحات الوغى .

وابن تومرت ، كما تقدم ، أشعري متعصب ، كما تقدم ، يرمي خصومه بـــ "التجسيم" ، لأنهم يثبتون صفات الله ، عز وجل ، الذاتية الخبرية كاليد والعين والقدم والإصبع ، وصفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته كالرضا والمحبة والغضب والسخط والضحك .......... الخ ، بينما اقتصر الأشاعرة على إثبات صفات المعاني : الإرادة والعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام ، وأما صفات الذات الخبرية فإنهم يؤولونها بصرفها عن ظاهرها الراجح إلى معان أخرى مرجوحة دون قرينة معتبرة ، فهو عند التحقيق تحريف لمدلولاتها ، لا تأويل لها ، فيقولون اليد : القوة أو النعمة أو القدرة ، وهي معان صحيحة لليد ، لا ينكرها أهل السنة ، ولكنها عندهم من لوازم الصفة التي لا يلزم من إثباتها نفي أصل الصفة ، فاليد ثابتة لله ، عز وجل ، على الوجه الذي يليق بجلاله ، ولوازمها من القوة والنعمة والقدرة ، ثابتة له ، فأهل السنة يثبتون الصفة ولوازمها والأشاعرة يثبتون اللازم وينفون الصفة بزعم تنزيه الله ، عز وجل ، عن مشابهة خلقه ، والتنزيه حاصل مع إثبات الصفة ، لأن أهل السنة والجماعة ، كما تقدم ، لا يثبتون لله ، عز وجل ، يدا كبقية الأيدي ، وإنما يثبتون يدا لا مثيل لها ولا نظير ، فالمعنى عندهم متصور من كلام العرب ، والكيفية مجهولة لا يعلمها إلا الله ، عز وجل ، ولم يؤمر المكلف بتحصيلها ، وإنما أمر بإجراء النصوص على الوجه اللائق بجلال الله ، عز وجل ، فمنهجهم يدور بين : (ليس كمثله شيء) في النفي ، و (وهو السميع البصير) في الإثبات .

وأما صفات الأفعال ، فإن الأشاعرة يؤولونها بزعم : تنزيه الله ، عز وجل ، عن الحوادث ، أي الأمور الجديدة الحادثة ، انطلاقا من أصل فاسد عندهم وهو أن : الحوادث لا تقوم إلا بحادث ، أي مخلوق ، وعليه إذا قلنا بأن الله يغضب ، فإن معنى هذا أن حدث الغضب يقوم بذاته ، ولازم ذلك عندهم القول بخلق ذات الله ، عز وجل ، تعالى عن ذلك ، لأن الحوادث لا تقوم إلا بذوات مخلوقة كذوات البشر فهم الذين يغضبون ويرضون ويكرهون ويسخطون ............ الخ .

وأهل السنة لا يلزمهم من هذا القول شيء ، لأنهم لا يقولون بحدوث نفس الصفة ، أو أصل الصفة ، بل يقولون : أصل صفة الغضب ، على سبيل المثال ، أزلي كذات الله ، عز وجل ، وأما أفرادها ، فهي حادثة بتجدد أسبابها من معصية عاص أو فسق فاسق أو كفر كافر ....... الخ ، وهذا ما يعبر عنه علماء العقيدة بقولهم : هي صفات قديمة النوع حادثة الأفراد ، والقدم هنا بمعنى : الأزلية ، مع التحفظ على استخدام هذا اللفظ لأنه من ألفاظ علم الكلام التي لم ترد في النصوص الشرعية ، وهذا أمر متصور في حق البشر ، ولله المثل الأعلى ، فقد يوصف الإنسان بأنه متكلم ، ولا يعني هذا أنه متكلم على الدوام ، بل يوصف بهذا الوصف مع كونه صامتا ، فيكون المعنى : أن فلانا قادر على الكلام ، فأصل الصفة قائم بذاته ، وإن لم يحدث أحد أفرادها في وقت صمته ، والله أعلم .

ومع إثباتهم لصفات المعاني إلا أنهم يخالفون في تفاصيلها ، ففي صفة الكلام ، على سبيل المثال ، يقولون ببدعة : "الكلام النفسي" ، وهو مصطلح متداول في كثير من مصنفات أصول الفقه لأن جل مؤلفيها من الأشاعرة فهم ، بالرغم من مخالفتهم لأهل السنة في كثير من مسائل الاعتقاد ، أئمة في الأصول استفادت الأمة من مصنفاتهم الأصولية أيما استفادة مع الحذر من المسائل التي تأثروا فيها بمخالفاتهم العقدية ، وبدعة "الكلام النفسي" هذه من أغرب أقوالهم ، فهم يقولون بأن الكلام هو المعنى القائم بنفس المتكلم قبل أن ينطق به ، فإذا ما نطق به ، خرج عن كونه كلاما !!!!!!! ، ولازم هذا القول أن ما نتكلم به مع بعضنا البعض من كلام يسمع بالآذان ، ليس كلاما ، وإنما هو عبارة عن شيء يعبر به عن الكلام المكنون في الصدور !!!!! ، فهو ليس كلاما وإنما : عبارة عن كلام !!! ، وعليه يكون كلام الله ، عز وجل ، هو النفسي فقط ، وأما القرآن الذي نتلوه ، فبلازم قولهم : ليس كلاما لله ، عز وجل ، وإنما هو شيء خلقه الله ، عز وجل ، ليعبر به عن كلامه ، فهم يعلون من شأن المعنى ويحطون من شأن اللفظ ، وقولهم ، عند التحقيق ، يؤول إلى قول المعتزلة ، الذين يقولون بخلق القرآن صراحة دون هذا التمويه .

وأهل السنة والجماعة على أن القرآن الكريم : كلام الله ، عز وجل ، معنى ولفظا ، غير مخلوق ، فالمعاني والألفاظ غير مخلوقة ، تكلم به الله ، عز وجل ، بصوت وحرف ، وسمعه منه جبريل ، صلى الله عليه وسلم ، فأسمعه محمد صلى الله عليه وسلم ، فأسمعه محمد صلى الله عليه وسلم أمته ، فنسبته لله ، عز وجل : نسبة إنشاء وابتداء ، ونسبته لجبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام : نسبة إعلام وإبلاغ ، وصفة الكلام ثابتة لله ، عز وجل ، على الوجه الذي يليق بجلاله ، يتكلم بصوت وحرف ، بما شاء كيف شاء متى شاء ، فصفة الكلام ذاتية لا تنفك عن ذات الله ، عز وجل ، باعتبار أصلها ، فعلية تتعلق بمشيئته باعتبار أفرادها ، فهي ، كما تقدم ، قديمة النوع حادثة الأفراد ، والله أعلم .

فكأن الأشاعرة أرادوا بقولهم هذا أن يتوسطوا بين أهل السنة والجماعة القائلين بعدم خلق المعاني والألفاظ من جهة ، والمعتزلة القائلين بخلق المعاني والألفاظ من جهة أخرى ، فقالوا : بخلق الألفاظ دون المعاني ، وهي بلا شك محاولة غير ناجحة .

وفي القدر قالوا بـــ "الكسب" ، فقالوا بأن : للعبد إرادة ، ولكنها إرادة غير مؤثرة في فعله ، وهذا تناقض واضح إذ ما فائدة الإرادة إن لم تكن مؤثرة في الفعل ، فهي عندهم اقترانية ، يحدث الفعل عندها لا بها ، وإنما الفاعل هو : الله ، عز وجل ، وغلا بعضهم فألغى الأسباب وقال بأن النار يحدث الحرق عندها لا بها ، فالفاعل هنا ، أيضا ، هو الله ، عز وجل ، والعبد إنما هو مجرد كاسب للفعل ، وهو ما يؤول في النهاية إلى القول بجبر المكلف ، وهو ما صرح به بعض أئمتهم ، فإرادة غير مؤثرة في الأفعال لا اعتبار لها في حدوث هذه الأفعال ، وأهل السنة والجماعة يثبتون للعبد إرادة مخلوقة ، خلقها الله ، عز وجل ، للعبد ، لا تخرج عن إرادته الكونية ، يتصرف بها العبد بلا جبر أو إكراه ، كما يحسه كل واحد منا في حياته ، فالله ، عز وجل ، هو خالق العباد وإراداتهم وأفعالهم ، والعباد هم الفاعلون لهذه الأفعال بإرادات حقيقية مؤثرة في الأفعال لا شكلية ، كما في قول الأشاعرة ، وليس هذا لأحد غير الله ، عز وجل ، فلا يتصور أن يقدر مخلوق على مخلوق فعلا ما فيفعله وهو مع ذلك مختار غير مجبور ، ولكنه متصور في حق الله ، عز وجل ، لأنه : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ، فلا مثيل له في أسمائه أو صفاته أو أفعاله ، وقدره على عباده من أفعاله ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله .

وكأن هذه المحاولة ، أيضا ، محاولة للتوسط بين أهل السنة من جهة ، والجبرية من جهة أخرى ، فالجبرية نفوا إرادة المخلوق تماما ، وقالوا بأن الفاعل هو الله ، عز وجل ، وأهل السنة أثبتوا الإرادة للمخلوق تابعة لإرادة الله ، عز وجل ، الكونية ، فجاء الأشاعرة ليقولوا بإرادة ، ولكنها غير مؤثرة ، فآل أمرهم في النهاية إلى القول بالجبر ، والله أعلم .

ومخالفتهم لأهل السنة تظهر في كثير من مسائل الاعتقاد فلم يوافقوا أهل السنة ، تقريبا ، إلا في مسألة الخلافة والإمامة ، على تفصيل ، كما أشار إلى ذلك الشيخ الدكتور سفر الحوالي ، حفظه الله ، في رسالة له عن منهج الأشاعرة في الاعتقاد ، والله أعلم .

وهذا أول ملمح بدعي في دعوة ابن تومرت ، وهو الملمح الأشعري ، وإليه أشار ابن خلدون ، رحمه الله ، بقوله إن ابن تومرت هو الذي حمل أهل المغرب على القول بالتأويل والأخذ بالمذهب الأشعري في كافة العقائد ، كما ذكر المراكشي ، رحمه الله ، أن ابن تومرت ضمن تصانيفه مذهب الأشاعرة في كثير من المسائل حيث كان : (............. جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريقة الأشعرية ............) ، ويرى بعض المؤرخين أن ابن تومرت تعلم المذهب الأشعري أثناء وجوده في بلاد العراق ، فلما عاد إلى بلاد المغرب ، وأخذ بتعليم أصحابه علمهم المذهب الأشعري ، فكان ذلك سببا في انتشار هذا المذهب في بلاد المغرب .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص284 .

ولا زال المذهب الأشعري هو المهيمن إلى الآن على المغرب الحبيب ، وإن كان التيار السلفي الأثري قد بدأ في الظهور بقوة ، وله أعلام بارزون على رأسهم الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي حفظه الله .


وأما الملمح الثاني فهو الملمح الاعتزالي ، الذي يظهر من تسميته للمرابطين ، أهل السنة ، بـــ "المجسمين" ، لأنهم ، كما سبق ، يثبتون صفات الله ، عز وجل ، بل إن تسمية دعوته بدعوة "الموحدين" يظهر هذا البعد الاعتزالي في دعوته ، لأن التوحيد عند المعتزلة ، وهو أصل من أصولهم الخمسة ، يعني نفي صفات الله ، عز وجل ، بزعم أن إثبات الصفات يلزم منه تعدد القدماء بزعمهم ، وهذا أمر غاية في البطلان ، لأن إثبات الصفات لا يعني إثبات ذوات قديمة متعددة ، لأن الصفات لا تقوم بنفسها حتى يمكن اعتبارها ذواتا مستقلة وإنما تقوم بذات تتصف بها ، ولا يلزم من تعدد الصفات تعدد الذوات ، فالإنسان ، ولله المثل الأعلى ، قد يوصف بأكثر من صفة في نفس الوقت ، فيوصف بأنه طويل وجسيم وأبيض وكث اللحية ......... الخ ، ولا يلزم من ذلك تعدد ذاته فهو في الحقيقة إنسان واحد موصوف بصفات متعددة ، والله أعلم .

والأثر الاعتزالي الثاني في دعوته هو مبالغته في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أدى به للخروج على الأئمة ، وسبقت الإشارة إلى ذلك تفصيلا .

والأثر الاعتزالي الثالث هو : تسميته مرتكب الكبيرة بالفاسق ، فلم يسمه بالمؤمن الناقص الإيمان أو المؤمن الفاسق بكبيرته ، كما هو حال أهل السنة ، ولم يسمه بالكافر ، كمذهب الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ، ويوجبون له الخلود في النار إن مات من غير توبة .

وتأثر بهم أيضا في مسألة نفي علو الله ، عز وجل ، إذ يقول :
(واشتغلوا بتعليم التوحيد فإنه أساس دينكم ، حتى تنفوا عن الخالق الشبيه ، والشريك ، والنقائص ، والآفاق ، والحدود والجهات ، ولا تجعلوه سبحانه في مكان ولا في جهة فإنه تعالى موجود قبل الأمكنة والجهات فمن جعله في جهة ومكان فقد جسمه ومن جسمه فقد جعله مخلوقا ومن جعله مخلوقا فهو كعابد وثن) .

وأهل السنة والجماعة على أن الله ، عز وجل ، في العلو المطلق ، لا العلو المخلوق الذي نشاهده فوقنا ، فهو سبحانه وتعالى لا يحيط به زمان أو مكان ، مستو على عرشه بائن من خلقه ، وأدلة الفوقية متواترة في الكتاب والسنة ، والله أعلم .

وأما الأثر الخارجي في دعوته فهو ظاهر في خروجه على ولاة الأمر بالسيف وتكفيرهم واستحلال الدماء والأعراض والأموال ، بل إنه عقد 10 أبواب في كتابه تناول فيها مثالب المرابطين ليسوغ بذلك الخروج عليهم فمنها :
باب فيما أحدثوه من المناكير والمغارم ، وتقلبهم في السحت والحرام يأكلون فيه ويشربون ، وفيه يغدون ويروحون ، وتجسيمهم وكفرهم أكبر .
باب في تحريم معونتهم على ظلمهم ، وتصديقهم على كذبهم .
باب في معرفة أتباعهم الذين أعانوهم على ظلمهم ، وصدقوهم على كذبهم وبيان أفعالهم .
باب في وجوب مخالفتهم وتحريم الاقتداء بهم والتشبه بهم وتكثير سوادهم وحبهم ........ الخ ، وكأنهم أكفر أهل الأرض !!!!!

ويذكر المراكشي ، رحمه الله ، في "المعجب" طرفا من غلو ابن تومرت ، إذ يوصي جيشه المتوجه لقتال المرابطين بقوله : (اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين تسموا بالمرابطين فادعوهم إلى إماتة المنكر وإحياء المعروف وإزالة البدع والإقرار بالإمام المهدي المعصوم ، فإن أجابوكم فهم إخوانكم ، وإن لم يفعلوا فقاتلوهم فقد أباحت لكم السنة قتالهم .............) .

بل إنه يمضي في تعسفه فيدعي بأن رجالهم ملعونون لأنهم تشبهوا بالنساء في تغطية الوجه باللثام ، ونساءهم ملعونات لأنهن تشبهن بالرجال في كشف الوجه ، وما هكذا يجادل المخالف وإن قلنا بوجوب تغطية النساء لأوجههن ، فالمسألة خلافية ، والخلاف فيها مشهور بين أهل العلم ، ولم نر أحدا من أهل العلم المعتبرين الذين يقولون بوجوب تغطية الوجه يصف النساء اللاتي يكشفن وجوههن مع التزام الآداب الشرعية في اللباس بأنهن ملعونات لأنهن تشبهن بالرجال في كشف الوجه ، ولكنها عجيبة أخرى من عجائب ابن تومرت !!!!! .

والقارئ في تاريخ الدولة المرابطية في تلك الفترة يلمس بالفعل تقصيرا من جانب حكامها في إقامة بعض أحكام الشريعة ، ولكنهم لم يرتكبوا الكفر الصراح الذي يجيز الخروج عليهم بمثل هذه الطريقة الدموية التي انتهجها ابن تومرت ، فالمنكر لا يغير بمنكر أشد ، والله أعلم .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (4/211 ، 212) .

وأما الأثر الشيعي في دعوته فهو ظاهر من غلوه في إثبات الإمامة والقول بعصمته ، فيقول في كتابه : (هذا باب في العلم ، وهو وجوب اعتقاد الإمامة على الكافة ، وهي ركن من أركان الدين ، وعمدة من عمد الشريعة ، ولا يصح قيام الحق في الدنيا إلا بوجوب اعتقاد الإمامة في كل زمان من الأزمان إلى أن تقوم الساعة .............. ولا يكون الإمام إلا معصوما من الباطل ليهدم الباطل ، لأن الباطل لا يهدم الباطل ، وأن يكون معصوما من الضلال ، لأن الضلال لا يهدم الضلال ......... وأن يكون معصوما من الجور لأن الجائر لا يهدم الجور بل يثبته ، وأن يكون معصوما من البدع ، لأن المبتدع لا يهدم الكذب بل يثبته ، وأن يكون معصوما من العمل بالجهل ، لأن الجاهل لا يهدم الجهل ، وأن يكون معصوما من الباطل لأن المبطل ، لا يهدم الباطل ، كما لا تدفع النجاسة بالنجاسة ...........) ، نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس (4/206) .
وما بقي إلا أن يقول : وأن يكون نبيا مرسلا أو ملكا مقربا !!!! .

وأهل السنة والجماعة يعلون من شأن الإمامة ، ولكنهم لا يغلون فيها كما غلا الرافضة ومن تابعهم ، كابن تومرت ، فالرافضة يقولون بأن الإمامة واجبة على الله ، وهذا من أبطل الباطل لأنه لا يوجب على الله أحد إلا هو ، عز وجل ، وأهل السنة يقولون بأن الإمامة واجبة على الأمة ، لا على الله ، عز وجل ، فهي موضوعة لإقامة الدين وسياسة الدنيا به ، كما أشار إلى ذلك الماوردي الشافعي ، رحمه الله ، ويجوز عند أهل السنة والجماعة أن يخلو الزمان من إمام تتحد الأمة تحت قيادته ، كما هو حالها اليوم ، وعليه يلزم الأمة أن تستفتي علمائها المعتبرين فيما يعرض لها من نوازل ، وعلاقة الحاكم بالمحكوم في هذا الزمان من أدق المسائل ، فالناس فيها ، إلا من رحم الله ، بين إفراط في طاعتهم ومتابعتهم على كل أمر حتى لو كان باطلا محضا ، أو تفريط بتكفيرهم والخروج عليهم وعصيانهم مطلقا وإن أمروا بحق ، ولا يفصل في هذه المسائل إلا العلماء الربانيون وليس لآحاد الناس أن يحكموا على أفراد بعينهم بالكفر ، وأسرع الناس للتكفير أقلهم علما وأخفهم عقلا كما هو حال الخوارج في كل زمان ، ولا معصوم عند أهل السنة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأئمة من قريش ما وجد قرشي كفء لتولي منصب الإمامة ، والله أعلم .

وبقيت مسألة أخيرة وهي مسألة خروج المهدي ، وهي مسألة ذات علاقة وطيدة بدعوة محمد بن تومرت : والمراد هنا بيان تواتر أحاديث المهدي ، كما قرر ذلك الشيخ العلامة صديق حسن خان ، رحمه الله ، في "الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة" ، حيث يقول : (والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها ، منها خمسون حديثا في الصحيح والحسن والضعيف المنجبر ، وهي متواترة بلا شك ، ولا شبهة ، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول ، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضا ولها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك) . نقلا عن الثمرات الزكية في العقائد السلفية للشيخ الدكتور أحمد فريد ، حفظه الله ، ص191 .

وإلى ذلك أيضا أشار الشيخ محمد جعفر الكتاني في "نظم المتناثر في الحديث المتواتر" بقوله : (والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة ، وكذا الواردة في الدجال وفي نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام) .
وقد رويت أحاديث خروج المهدي في كتب السنة المعتمدة كالسنن الأربعة والمسانيد : مسند أحمد ، والبزار ، وأبي يعلى ، والحارث بن أبي أسامة ، ومستدرك الحاكم ، ومصنف ابن أبي شيبة ، وصحيح ابن خزيمة .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ص279 .

وعليه فلا حجة لمنكر ، فالمهدي محمد بن عبد الله أو أحمد بن عبد الله حقيقة لا خرافة ، كما يزعم بعض الزائغين ، وإن كان بعض أهل الفضل ، قد وافقهم في هذه المقولة فاجتهد اجتهادا مرجوحا ، وعلى رأسهم :
علامة المغرب ابن خلدون ، رحمه الله ، وقد رد عليه الشيخ أحمد شاكر ، رحمه الله ، بقوله : (إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين : الجرح مقدم على التعديل ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ، ما قال شيئا مما قال ، وقد يكون قرأ وعرف ، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره) ، ثم بين أن ما كتبه ابن خلدون ، رحمه الله ، في هذا الفصل عن المهدي ملئ بالأغاليط في أسماء الرجال ونقل العدل ، واعتذر عنه بأن ذلك قد يكون من الناسخين ، وإهمال المصححين .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ص280 .

ولله در الشيخ أحمد شاكر ، رحمه الله ، إذ يلتمس العذر لابن خلدون ، رحمه الله ، وهكذا فليكن حسن الظن بالعلماء ، ولا معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يحملنا حب علمائنا على مجاراتهم فيما اجتهدوا فيه فأخطئوا ، بل نقول الحق ونحفظ للأئمة أقدارهم ، ولكي ينصف القارئ الكاتب لابد أن يطلع على الظروف التاريخية التي كتب فيها الكاتب كتابه ، فابن خلدون ، رحمه الله ، ممن اتصل بأمراء الدولة الحفصية في تونس ، الذين جاءوا بعد الموحدين ، وكانوا على عقيدة الموحدين في تعظيم ابن تومرت والقول بمهدويته وعصمته .

وكذا الحال في كل مصنف ، فمستدرك الحاكم ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، من الكتب التي وقع فيها أوهام كثيرة ، وقد اعتذر الحافظ ، رحمه الله ، عن الحاكم ، وقال بأنه ألفه في سن متقدمة ضعف فيها حفظه ، ومع ذلك فقد سود الكتاب وبيض جزءا منه ثم وافته المنية قبل إتمامه ، والجزء المبيض الغالب فيه الصواب خلاف الجزء المتبقي ، فلو امتد العمر بالحاكم ، رحمه الله ، لأتم تبييضه وتدارك ما وقع فيه من أوهام ، وذاك الظن به ، والله أعلم .

وحديثا ، تأثر الأستاذ سيد قطب ، رحمه الله ، بالظروف الصعبة التي ألف فيها تفسيره ، حيث كان مسجونا أثناء تأليفه فلم يكن عنده من صفاء الذهن والمراجع الكافية ما يمكنه من تحرير مسائل كتابه تحريرا كاملا فوقع له الوهم في بعض المواضع وخاصة في مسائل الكفر والإيمان ، وكل يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يهدر العالم أو الكاتب إن زل ، ما لم يطغ خطئه على صوابه ، والله أعلم .

وممن أنكر أحاديث المهدي حديثا :
الشيخ محمد رشيد رضا ، رحمه الله ، في تفسير المنار ، إذ وصفها بالتناقض والبطلان وأن المهدي ليس إلا أسطورة اخترعتها الشيعة ، ثم دخلت كتب أهل السنة ، والعذر للشيخ ، رحمه الله ، أنه ظهر في فترة غلبت فيها المدرسة العقلية على المدرسة النقلية الأثرية ، فتأثر الشيخ ، رحمه الله ، بكبار أقطابها كالشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ، وإن كان تأثير هذه المدرسة في كتابات الشيخ قد بدأ في الاضمحلال شيئا فشيئا بمرور الوقت وترسخ قدم الشيخ ، رحمه الله ، في المذهب السلفي ، والله أعلم .


وهذه المسألة من المسائل التي تميز بها أهل السنة والجماعة عن الشيعة ، فالأولون اعتمدوا على الأدلة السمعية المتواترة ، كما تقدم ، والآخرون اعتمدوا على خرافة ملخصها : أن مهديهم محمد بن الحسن العسكري ، دخل السرداب في مدينة سامراء ، وعمره 5 سنوات ، وسوف يخرج آخر الزمان ليعيد لأهل البيت حقهم المغتصب ، كما يزعمون !!!!! ، وهو مع هذه السن المبكرة ، يقود الأمة ويعلم كل دقائق الشريعة أصولا وفروعا !!!!! ، وإذا كان هذا الأمر حقا ، فلازمه أنهم بلا دين ولا شريعة من منتصف القرن الثالث الهجري حتى الآن ، فلم يستفد أحد منهم من علم هذا المهدي الغائب ، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، فمن أين يأخذون دينهم ؟!!!! .

ولذا فإن الخميني ، عليه من الله ما يستحق ، لما أراد إقامة الدولة الرافضية الخبيثة في فارس ، وقف أمامه عائق ، عدم استجابة عوام الشيعة ، لأي تحرك قبل ظهور المهدي ، فلا دولة إلا تحت قيادة المهدي ، ولا جهاد إلا تحت رايته ، (وكأن القوم أهل فترة ينتظرون بعث رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم ) ، فابتدع لهم بدعة "ولاية الفقيه" باعتباره خليفة المهدي ، الذي يقود الشيعة حتى يظهر القائد المنتظر !!! ، وما أسهل الكذب عند الخميني ، وما أسهل الابتداع عند القوم ، ولو كان في أصل دينهم ، فعقيدة المهدي عندهم من أصول دينهم . (مستفاد من شرح الشيخ الدكتور أبي الفضل عبد السلام بن عبد الكريم ، حفظه الله ، لــــ "تيسير العقيدة الصحيحة")

يقول السفاريني رحمه الله :
وأما زعم الشيعة أن اسمه محمد بن الحسن ، وأنه محمد بن الحسن العسكري فهذيان ، فإن محمد بن الحسن هذا قد مات ، وأخذ عمه جعفر ميراث أبيه الحسن .

وأما الكتاب الثاني فهو : "موطأ المهدي" ، وهو كتاب في الفروع الفقهية ، يقول عنه الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (وبالرغم من أن ابن تومرت قد درس بالمشرق ، على عدد من أقطاب عصره ، فإنه لبث على تقاليد علماء المغرب الراسخة ، من اتباع المذهب المالكي ، ومن ثم فإنه يقدم لنا ثمرة شروحه للعبادات والمعاملات والحدود ، أو بعبارة أخرى لعلم الفروع ، متسمة باسم موسوعة الإمام مالك ، جارية على مذهبه وآرائه ، بل إنه ليبدو ، حسبما جاء في مقدمة "موطأ ابن تومرت" ، أن مصنفه ليس إلا مختصرا من مصنف الإمام مالك ، فقد جاء في مقدمة طبعته التي نشرت في الجزائر سنة 1323 هـــ ، 1905 م ، ما يأتي : "قابلنا موطأ المهدي بموطأ الإمام مالك ، من رواية يحيى بن يحيى الليثي ، فوجدناه مختصرا منه بحذف الأسانيد مع تقديم وتأخير وزيادة تراجم وتفاصيل على أسلوب مفيد وترتيب سديد" )
بتصرف يسير جدا من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/216) .

ورواية يحيى بن يحيى الليثي ، رحمه الله ، هي الرواية المشهورة في الأندلس ، شهرة رواية محمد بن الحسن الشيباني ، رحمه الله ، في أقصى المشرق الإسلامي ، وخاصة في بلاد الهند .

ورغم ميل ابن تومرت لآراء المذهب الظاهري ، كما تقدم ، وهو ما سيعلنه صراحة بعد ذلك ، السيد أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، المنصور بفضل الله ، رحمه الله ، الأمير الموحدي الشهير ، إلا أننا نراه هنا يندرج في سلك فقهاء المالكية ، شأنه في ذلك شأن بقية فقهاء المغرب ، ورغم إنكاره على المرابطين إغراقهم في الفقه المذهبي إلا أنه يسير في مؤلفه وفق المرجع الأساسي للفقه المالكي ، مع اختلاف يسير بالتقديم والتأخير ، ويبدو أنه لم يرد الخروج عن الجو الفقهي المألوف في عصره لئلا ينفر الناس من دعوته ، فالناس أعداء ما جهلوا ، وتعظيم المغاربة لمذهب مالك ، رحمه الله ، أشهر من أن يشار إليه ، والله أعلم .

وبهزيمة الموحدين في معركة البحيرة ، اشتدت وطأة المرض على هذا الداعية المغربي الصلب ، فمات سنة 524 هـــ ، وأبى الله ، عز وجل ، إلا أن يموت مغموما بهزيمة قواته في "البحيرة" هزيمة قاسية كادت تعصف بدولته ، لولا أن قيض الله ، عز وجل ، لها عظيما آخر من عظماء زمانه ، هو "عبد المؤمن بن علي الكومي" ، وعبد المؤمن ، كأستاذه ابن تومرت ، تجربة إنسانية ثرية لا يمل المرء من النظر فيها ، والدول لا تقوم إلا على أكتاف أمثال هؤلاء .


ولا نزعم بأن ابن تومرت قد التزم أقوال الأشاعرة ، في كل مسألة ، وإن كان قد التزمها إجمالا ، وصرح ببعضها كمسائل الأسماء والصفات ، بل أنكر على المخالف ورماه بالتجسيم وتعدى إلى تكفيره ، وفي هذا من الغلو ما فيه ، فضلا عن الاضطراب في مسألة التكفير ، فهي مسألة علمية دقيقة ، لا يحكم فيها بمثل هذا التهور ، والله أعلم .

ومضى ابن تومرت إلى ربه فهو يجزيه بما قدمت يداه ، وليس لنا إلا النظر في سيرته وتلمس مواضع الاعتبار فيها ، والله أعلم .

وأعتذر عن الإطالة في هذا الموضع بالذات ، لأن دعوة هذا الرجل الوافر العزم ، الشديد البأس ، مما شغل الناس قديما وحديثا بما فيها من تجديد ، رآه البعض خروجا عن الشريعة ممثلة في مذهب أهل السنة والجماعة الذي انتحله ونصره المرابطون ، ورآه البعض الآخر تجديدا وخروجا عن إطار التقليد في الأصول والفروع ، والقلب يميل للقول الأول ، فمع اعترافنا بإغراق المرابطين ، في أواخر أيامهم ، في الفقه المذهبي ، والتفاصيل العقيمة ، وإهمالهم في تطبيق بعض الأحكام الشرعية ، وخاصة أحكام الحسبة وتغيير المنكرات ، كما تقدم ، إلا أنهم في الجملة كانوا أهل سنة وأثر في الأصول والفروع مع ما لهم من الولاية الشرعية المؤيدة بإقرار الخلافة العباسية في المشرق ، وهي الخلافة الشرعية آنذاك ، والله أعلم .

يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
31May2006, 07:22 صباحاً
بسم الله

السلام عليكم

أعتذر عن تكرار المداخلة الماضية

وأشير على إخواني بمتابعة آخر أخبار أهل السنة والجماعة في العراق الحبيبة فقد اشتدت وطأة اليهود والنصارى وأذنابهم من الرافضة ، قبحهم الله ، على إخواننا في "الضلوعية" و "الأعظمية" ، خلال الساعات القليلة الماضية ، فاللهم انصر عبادك المستضعفين في "الضلوعية" و "الأعظمية" واحفظ رجالهم ونساءهم وأطفالهم وعلمائهم وأعراضهم وأموالهم .

http://www.islammemo.cc/news/one_news.asp?IDNews=112295


وعودة لموضوع المشاركة

فبعد ابن تومرت ، أتي غلاب الدول ، عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي ، وهو رجل قل أن يجود الزمان بمثله ، علم جم ، وعزم وافر ، وبأس شديد ، ولله في خلقه شئون ، خلق رجالا ليزيلوا دولا ويقيموا أخرى ، وخلق آخرين للمطاعم والمشارب والحشوش !!! ، وقد تولى عبد المؤمن الأمر في ظل ظروف صعبة جدا ، فهزيمة "البحيرة" ، ما زالت ماثلة في الأذهان ، وقد أبيد فيها خيرة جند الموحدين ، بل وقتل فيها كبار قادتهم ، وكاد عبد المؤمن يلقى نفس المصير إذ أصيب بجرح بالغ في فخذه ، وصاحب الدعوة طريح الفراش في أواخر أيامه ، ولا يتصدى لأمر كهذا في ظرف كهذا إلا رجل عظيم الهمة ، وكان عبد المؤمن لها ، وكانت لعبد المؤمن :

أحقهم بالمجد من ضرب الطلى ******* وبالأمر من هانت عليه الشدائد

ولم تخب فراسة ابن تومرت ، في تلميذه وصاحبه الأثير عبد المؤمن ، إذ قال لأتباعه بعد ورود أنباء النكبة العظمى في "البحيرة" : عبد المؤمن في الحياة ؟ ، فلما أجيب بـــــــ " نعم ، قال : الحمد لله قد بقي أمركم ، والعجب أنه لم يسأل عن بقية القادة بما فيهم القائد الأعلى لقوات الموحدين في تلك المعركة : البشير الونشريسي ، وهو من هو علما وحنكة وتجربة ، ومرة أخرى : العظيم كفء للعظائم ، والصغير كفء للصغائر ، فلم يجزع عبد المؤمن ، بعد توليه الأمر ، وإنما بدأ في لم شعث الموحدين وتنظيم أمورهم بعد هذه النوازل المتوالية ، وأمضى زهاء عام ونصف في تنظيم الشئون وتأليف القلوب ، ومن ثم بدأ سلسلة معاركه ضد المرابطين ، وإن شئت الدقة فقل واصل ما بدأه سلفه من خروج على دولة المرابطين صاحبة الأمر الشرعي في المغرب ، وواصلت قوات الموحدين طوال الفترة من (528 هــــ) إلى (541هـــ) ، غزواتها على قواعد المغرب الأقصى التي تساقطت تباعا في أيديهم حتى جاء الدور على "مراكش" الحبيبة عاصمة الدولة المرابطية ، فسقطت في الثامن عشر من شوال سنة 541 هـــــ ، وكان ما قدر الله .

وبسقوط "مراكش" في أيدي الموحدين ، ظهر الوجه القبيح للدعوة الموحدية ، إذ قرر الموحدون ، "أتباع توحيد ابن تومرت" ، استباحة دماء كل الذكور البالغين في عاصمة يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، واستمر بها القتل الذريع ثلاثة أيام ، ولم ينج من أهلها إلا من استطاع الاختفاء في سرب أو غيره ، وطورد اللمتونيون ، "أعداء المصامدة التقليديين" ، بالأخص أشد مطاردة ، فظهر في هذا الفعل القبيح ، دعوى الجاهلية التي أنكرها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبائح الموحدين في حق إخوانهم في الدين ، المرابطين ، أكثر وأبشع من أن تذكر .

وتستمر المهزلة الموحدية ، بإعلان السلطان المتغلب بحد السيف ، عبد المؤمن بن علي الكومي ، العفو عن أهل المدينة المفتوحة !!!!! ، وشر البلية ما يضحك ، عفو يصدر بعد ثلاثة أيام من التصفية الدموية ، أو بمصطلح عصرنا "التطهير العرقي" ، فعرق مصمودة قد عقد العزم على تصفية عرق لمتونة ، باسم "التوحيد" ، فالأولون يزعمون التوحيد الخالص ويرمون الآخرين بالتجسيم والكفر ، وهذا سمت أهل البدع ، فهم يسارعون إلى تكفير أو تفسيق المخالف ، كما هو حال الخوارج ، وقد شابههم الموحدون في هذه الخصلة القبيحة ، أيما شبه ، وإن اختلفوا معهم في كثير من الأصول .
يقول أبو قلابة رحمه الله : (ما ابتدع الرجل بدعة إلا استحل السيف) .
وقال الإمام البربهاري ، رحمه الله ، إمام الحنابلة في زمانه : (واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو إلى السيف) .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : (والخوارج تكفر أهل الجماعة ، وكذلك الرافضة ومن لم يكفر فسق ، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا ويكفرون من خالفهم فيه ، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يكفرون من خالفهم فيه ، بل هم أعلم بالحق ، وأرحم بالخلق) .

فالله درهم ، ما أنفذ بصيرتهم ، وهل كان فعل الموحدين بإخوانهم المرابطين إلا مصداقا لكلامهم ؟ .

ومرة أخرى تبرز سمة التعصب في منهج الأشاعرة ، وهي السمة التي طالما رموا بها أهل السنة ، وهم منها براء ، بل الواقع ، كما تقدم ، يشهد بعكس ذلك ، وإذا كان شيخ الإسلام ، رحمه الله ، يصف أهل السنة بأنهم : (أعلم بالحق ، وأرحم بالخلق) ، فإن أعداءه من الأشاعرة قد سعوا في سفك دمه ، وكفره بعضهم ، وشتان ابن تيمية وأعداؤه !!!! .

يقول ابن الخطيب ، رحمه الله ، في "الإحاطة في أخبار غرناطة" : (فظهر من جميع الخلق بها ، "أي مراكش" ، ما يناهز السبعين رجلا ، وبيعوا بيع أسارى المشركين ، هم وذراريهم ، وعفى عنهم) ، فأي أمان هذا يا عبد المؤمن ، أهو أمان لرجال وشيوخ مراكش ، أم لأشباحهم ؟!!! .

ويقول صاحب البيان المغرب : إن مراكش أبيحت لقتل من وجد فيها من اللمتونيين مدى ثلاثة أيام ، ثم عفا عنهم عبد المؤمن ، واشتراهم من الموحدين ، وأعتقهم وأطلقهم ، واستولى عبد المؤمن على ذخائر تاشفين ، آخر أمراء المرابطين ، وجميع أمراء لمتونة ، مما لا يحيط به حصر ولا وصف ولا بيان .

وكانت سقطة عظيمة لهذا السلطان الموحدي العظيم .

ولا يمر ذكر هذه المأساة دون ذكر خاتمة الأمير الصغير أبي إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، آخر أمراء المرابطين ، ذلك الفتى اليافع ، الذي كان في السادسة عشرة من عمره ، فقد اقتيد هو ومشايخ لمتونة إلى قبة عبد المؤمن فوق تل "إيجليز" ، وكان إبراهيم قد قبض عليه مع الآخرين في القصبة ، وقيل بأنه وجد مختفيا في إحدى غرف القصر في كومة من الفحم ، فلما أخذ إلى عبد المؤمن ، أشفق عليه ، وهي من المرات النادرة التي يشفق فيها عبد المؤمن على أحد ، ورثا لمحنته وصغر سنه ، ومال إلى العفو عنه والإبقاء عليه ، وزاد الموقف اشتعالا تضرع ذلك الفتى الذي ما خبر الحياة وما عالج أمور السياسة والحكم ، تضرعه لعبد المؤمن ، مما جعل وصيفه طلحة ، رحمه الله ، ينهره قائلا : (اصمت عنا ، هل رأيت ملكا يتضرع لملك مثله) ، وفي رواية أخرى أشد روعة ، أن القائد سير بن الحاج ، رحمه الله ، أحد أشياخ المرابطين المخضرمين ، لما رأى تضرع إبراهيم لعبد المؤمن ، تفل في وجهه وقال له : (أترغب إلى أبيك ومشفق عليك ، اصبر صبر الرجال) ، وبالفعل عقد عبد المؤمن العزم على العفو عن إبراهيم ، فتوجه بالخطاب إلى أبي الحسن بن وجاج ، ذلك السفاح الموحدي ، الذي قتل بيده عدة من أمراء وأشياخ لمتونة عقب إحضارهم إلى تل إيجليز ، توجه إليه قائلا : (اترك هؤلاء الصبيان ، ما الذي تعمل بهم) ، فأبى ذلك المشئوم وصاح قائلا : (ارتد علينا عبد المؤمن ، يريد أن يربي علينا فراخ السبعة) ، أي السباع ، فغضب الخليفة عبد المؤمن ، وغادر مكانه ، ولم يستطع مقاومة خطاب أبي الحسن ، فنبرة التهديد فيه صريحة ، وعبد المؤمن ، كما تقدم ، من أبناء قبيلة "كومية" التي تقطن المغرب الأوسط ، فهو ، مع حنكته وبراعته واعتراف أتباعه بقيادته ، إلا أنه غريب بين المصامدة ، لا عصبية له بينهم لتحميه منهم إن أرادوا البطش به ، وبالفعل قتل أبو الحسن ، الأمير إبراهيم ، وأبى الله ، عز وجل ، إلا أن ينتقم من ذلك السفاح المشئوم ، فقتل بطعنة خنجر طلحة ، وصيف الأمير إبراهيم ، لما قدموه ليقتل ، وكان قد نجح في الاحتفاظ بهذا الخنجر بين طيات ثيابه ، وبموت ذلك السفاح ، أطلق سراح زهاء ألف رجل من أبناء "دوكالة" ، كان قد أوثقهم ليقتلهم ، وكأن القتل عنده رياضة يروح بها عن نفسه ، ولله في خلقه شئون !!!! .

ومع قصة أخرى ، لا تخلو من نوع طرافة ، وهي قصة أبي بكر بن تيزميت ، رحمه الله ، خادم الأمير علي بن يوسف ، رحمه الله ، إذ أصدر عبد المؤمن أمرا بقتله ، لأنه هو الذي قبض على ابن تومرت أيام وجوده بمراكش وحمله إلى السجن ، حيث غرر بالموحدين لما زعم أن لديه آنية ملأى بالذهب ، يريد أن يسلمها للموحدين ، فبعث معه الخليفة اثني عشر رجلا ليتسلموا الذهب المزعوم ، فأغلق الدار عليهم وقتلهم وهم يشتغلون بالحفر بحثا عن الآنية المزعومة ، وأخذ بعد ذلك إلى الخليفة فأمر بقتله ، فقتل ، ولكنه على أقل تقدير قتل قرير العين بعد أن شفى غليله بقتل أولئك السذج ، ولا أدري كيف انطلت هذه الحيلة ، مع سذاجتها ، على رجل كعبد المؤمن ، ويبدو أن لبريق الذهب لمعانا يذهب العقول ، والله أعلم .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/264_265) .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، معلقا على هذه الأحداث الجسام : (وقد كان حريا برجل عظيم مثل عبد المؤمن أن يحقن دم هذا الأمير الصغير ، لو أنه استعمل الصرامة والحزم مع أولئك الأتباع الظامئين إلى الدماء ، وبموت إبراهيم اختتم ثبت ملوك لمتونة ، وانهار عرش بني يوسف ابن تاشفين ، بعد أن لبث منذ تأسيس مراكش في سنة 462 هــــ ، ثمانين عاما ، ترفرف أعلامه الظافرة على أنحاء المغرب ، وخمسين عاما ترفرف فوق جنبات الدولة المرابطية الكبرى بالمغرب والأندلس) .

ومرة أخرى تجري سنة الله ، عز وجل ، في رفع أمم وخفض أخرى .

وحدث خلال وجود عبد المؤمن بمراكش أن قدم عليه من الأندلس وفد اشبيلية وعلى رأسه القاضي المالكي الشهير ، أبو بكر بن العربي المعافري ، رحمه الله ، والخطيب أبو عمر بن الحجاج ، وأبو بكر بن الجد الكاتب ، وأبو الحسن الزهري ، وأبو الحسن بن صاحب الصلاة ، وغيرهم من زعماء اشبيلية ووجوهها ، فاستقبلهم عبد المؤمن ، وألقى القاضي أبو بكر وبعض زملائه بين يديه خطبا بليغة ، ورفعوا إليه بيعة أهل اشبيلية مكتوبة بخطوطهم ، فاستحسن عبد المؤمن موقفهم ، وقبل طاعتهم ، وأغدق عليهم الجوائز والصلات ، وكان ذلك في أوائل سنة 542 هـــــ .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (4/267) .

وقد يبدو ، للوهلة الأولى ، أن في هذه البيعة ، نوعا من النفاق السياسي ، إن صح التعبير بمصطلح عصرنا ، لأن وفد "اشبيلية" ، حاضرة الإسلام المفقودة ، بايع عبد المؤمن في أوج عزه وفتوة ملكه ، وهذا يشبه إلى حد كبير ، صنيع المداهنين لأصحاب الجاه والرئاسة ، ولكننا إذا نظرنا للأمر الواقع ، وهو تغلب عبد المؤمن بحد السيف ، إذا نظرنا إليه بعين المصلحة الشرعية المعتبرة ، مع الأخذ في الاعتبار تربص نصارى إسبانيا ، العدو الخالد لأمة الإسلام في شبه الجزيرة الأيبيرية ، وجدنا الصواب فيما فعله القاضي أبو بكر ، رحمه الله ، وأتباعه ، فالسلطان قد آل لعبد المؤمن ، وانتهى الأمر ، ولا بد للمغرب من القيام بدوره التاريخي في نصرة الإسلام في الأندلس ، وهي العمق الاستراتيجي لدولة الإسلام في المغرب ، وما يكتنفها من أخطار يكتنف المغرب ، فالأهداف مشتركة والمصير واحد ، وعليه لا محذور في هذه البيعة ، شرعا ، فأهل السنة والجماعة يقرون ببيعة المتغلب بالسيف ، طالما كان قويا قادرا على تولي الأمر ، وعبد المؤمن من أقدر رجال زمانه على تولي الأمر إن لم يكن أقدرهم ، وفي هذا من المصالح الشرعية ما فيه ، فهو : حقن للدماء وإخماد للفتنة وتوحيد للقوى في مواجهة أعداء الدين ، والله أعلم .

ولأبي بكر بن العربي ، رحمه الله ، شهادة حق للمرابطين ، أسود المغرب الملازمين للسنة الذابين عن جرثومة الدين ، يقول فيها : (المرابطون قاموا بدعوة الحق ، ونصرة الدين ، وهم حماة المسلمين ، الذابون والمجاهدون دونهم ، ولو لم يكن للمرابطين فضيلة ولا تقدم إلا وقيعة الزلاقة التي أنسى ذكرها حروب الأوائل ، وحروب داحس والغبراء مع بني وائل ، لكان ذلك من أعظم فخرهم ، وأربح تجارتهم) .

دولة الإسلام في الأندلس (4/425) .

وما حمله على بيعة خصومهم من الموحدين إلا حسن السياسة الشرعية والنظر في مصالح المسلمين في الأندلس ، وذاك الظن بمثل هذا الإمام الجليل .

على أن الأمر لا يخلو من اجتهاد ، يراه بعض العلماء في الخروج على الموحدين وعدم الاعتراف بسيادتهم ، لسفكهم الدماء واستحلالهم الأعراض والأموال ، فضلا عن انحرافاتهم العقدية ، وأبرزها القول بعصمة ومهدوية محمد بن تومرت ، وكان من بين هؤلاء العلماء ، قاضي سبتة وشمس أئمة المغرب ، القاضي عياض ، رحمه الله ، ولنا ، إن شاء الله ، وقفة خاصة مع هذا الحبر الجليل ، فقد أعلن الخروج على دولة عبد المؤمن ، وثار أهل سبتة بواليهم الموحدي يوسف بن مخلوف التينمللي ، وقتلوه ومن معه من الموحدين ، ثم عبر عياض ، رحمه الله ، إلى الأندلس ، ولقي الأمير المرابطي الشهير ، يحيى بن غانية ، رحمه الله ، والي الأندلس المرابطي ، وطلب منه واليا لسبتة يحكم باسم المرابطين ، أصحاب الحق الشرعي ، في نظر القاضي عياض ، رحمه الله ، فالموحدون لا يخرجون عن كونهم "خوارج" على الحكومة المرابطية الشرعية ، وبالفعل أرسل الأمير يحيى مع القاضي عياض ، القائد الهمام "يحيى بن أبي بكر الصحراوي" ، رحمه الله ، وتطورت الأحداث بعد ذلك ، إذ حاصر الموحدون سبتة ، وأرغموا أهلها على الدخول في طاعتهم ، واضطر القاضي عياض إلى عقد البيعة مرة أخرى لعبد المؤمن ، حقنا لدماء المسلمين ، فآل أمره إلى ما آل إليه أمر وفد اشبيلية من تغليب المصلحة الشرعية والاعتراف بحكم عبد المؤمن المتغلب بالسيف ، ولكن عبد المؤمن توجس خيفة من القاضي عياض ، رحمه الله ، فنفاه إلى "داي" ، وكانت نهاية قاضينا عياض سنة 544 هــــ ، ودفن ، رحمه الله ، في مراكش .

وواصل عبد المؤمن قيادة الدولة الموحدية ببراعة يحسده عليها ملوك الأرض ، إذ نجح في قمع الثورات المتتالية ضد الموحدين ، حتى استقر الأمر لهم في المغرب بأكمله ، أدناه وأوسطه وأقصاه ، وامتد سلطانهم إلى الجزيرة الأندلسية شمالا ، وإلى بلاد السودان ، أو غرب إفريقية جنوبا ، فغدت دولتهم من أعظم ، إن لم تكن أعظم ، دول العالم في ذلك الوقت ، بقيادة عبد المؤمن ، الفتى الجزائري الهمام .

ولكن الأمر لم يخلو من سفك لدماء المسلمين ، تحت مسمى "الاعتراف" الذي يحاكي "التمييز" الذي ابتدعه ابن تومرت وبشيره الونشريسي ، للتخلص من أعداء الدعوة الموحدية ، وان اختلفت الأسماء فالمسمى واحد ، وكان التمييز الأول في عهد عبد المؤمن بعد قضاءه على بعض الثورات المحلية في المغرب ، إذ عقد مجلسا للموحدين ، ووعظهم ، إذ كان مع براعته السياسية والعسكرية معدودا من علماء زمانه ، وبعد الوعظ جاء دور السيف ، إذ كتب لهم عبد المؤمن جرائد الوعظ والاعتراف ، التي تحتوي على أسماء المئات من المارقين ، أو من يصفهم "البيذق" ، أحد مؤرخي الدولة الموحدية ، بــــ "أهل التخليط والمعاندين" ، فتوحيدهم من وجهة النظر التومرتية الموحدية ما زال مشوبا مختلطا لا يصفو كدره إلا بحد السيف !!!!! ، وقام بتوزيع هذه الجرائد على أشياخ الموحدين ، وأمرهم باستعمال السيف في تنفيذها ، وبطبيعة الحال لن يتولى تنفيذ هذا التطهير المزعوم غريب ، فكل قبيلة ستطهر نفسها بنفسها ، وهذه نفس سياسة أستاذه الماكر ، ابن تومرت ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، ولا ندري من قام بدور البشير الونشريسي في هذه المهزلة .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (ونحن نكتفي بأن ننقل مما يورده لنا البيذق من الأسماء والتفاصيل الكثيرة ، أسماء القبائل ، وعدد من أعدم منها ، على الوجه الآتي :
أعدم من قبيلة هزميرة : 500 ، ومن رجراجة : 800 ، ومن حاحة : 800 ، ومن أهل السوس من أهل إيجلي : 600 ، ومن أهل إينجيست : 600 ، ومن جزولة : 200 في تاعجيزت و 300 في هشتوكة ، ومن هسكورة : 800 ، وهوجمت بقية بطونهم حتى بلغ عدد القتلى 2500 ، ومن أهل تادلا : 500 في محلة نظير ، ثم هوجم منهم أهل تيفسيرت وقتلوا ، وأخذت غنائمهم ونساؤهم ، وقتل من صنهاجة وجراوة : 1000 في موضع يسمى بالعمري ، وقتل من زناتة : 6000 بأرض فازاز ، وقتل من صاربوه وبني ماكود : 12000 ، وقتل من غمارة في تطاوين : 800 ، وقتل في مكناسة : 200 ، وفي فاس : 80 ، وفي تامسنا : 600 من أهل برغواطة ، ومن دكالة : 600 ، ومن هيلانة : 800 ، ومن وريكة وهزرجة : 250 ، ومن لجاعة : 150 ، ومن درعة : 600 ، ونجا أهل سجلماسة بدعاء عابد فيهم استجاب الله دعاءه) ، والحمد لله أن أنقد أهل سجلماسة بدعاء هذا العابد .

تاريخ دولة الإسلام في الأندلس (4/277 ، 278) .

وأرقام من لم يستجب الله دعاؤهم فذهبوا ضحية هذه المذبحة ، يحار الناظر في تتبعها ، وعنها وعن الموحدين يقول الشيخ الدكتور أحمد الدعيج ، حفظه الله ، ما مضمونه : (أولئك قوم القتل عندهم أهون من شرب كأس من الماء البارد ، فأي توحيد هذا الذي يزعمه القوم ؟!!!!!) .

وبعد سرد هذه الأرقام المروعة ، يعلق "البيذق" ، مهنئا بانتهاء هذا العمل البطولي !!!! ، بقوله : (تم الاعتراف بحمد الله وعونه ......... فهدأ الله ، عز وجل ، البلاد للموحدين ، وأعانهم على الحق ونصرهم ، وأقاموا الدين ، ولم يتفرقوا فيه ، وتمهدت الدنيا ، وأزال الله ، عز وجل ، ما كان فيها من التخليط ، وهذا كان سبب الاعتراف) ، وهو كلام يستفز المشاعر ، فأي دين هذا الذي يقام على هذا الكم من الجثث ، وهل جاء الدين إلا لحفظ المعتقدات والنفوس والعقول والأعراض والأموال ، فكيف يباد المسلمون باسم التوحيد ، ويهلك أتباع الدين باسم حفظه وإقامته ؟!!!! ، وللبيذق رأي آخر .

وقد وقع هذا التمييز المروع في سنة 544 هـــ ، كما ذكر البيذق .

وفي أواخر سنة 545 هـــ ، وقع التمييز الثاني ، إثر مؤامرة دبرها أخوا محمد بن تومرت : أبو موسى عيسى ، وأبو محمد عبد العزيز ، للإطاحة بحكم عبد المؤمن ، إذ قام عبد المؤمن بحركة تطهير شاملة ، فقتل عيسى قرب باب الدباغين ، وقتل عبد العزيز بباب أغمات ، وقبض على كثير من "الخوارج وأهل التخليط" ، حسبما تصفهم الرواية ، من سائر القبائل ، وألقوا إلى غياهب السجون ، ثم أصدر الخليفة أمره ، كالعادة ، بأن يتولى الموحدون المخلصون ، من كل قبيلة ، قتل المارقين من قبيلتهم بأنفسهم ، فامتثل الموحدون لما أمروا به ، وتولوا الإجهاز بأيديهم ، كل جماعة على أبناء قبيلتها ، وكان الخليفة أثناء هذه المذبحة الجديدة يجلس في البرج القائم في أعلى قصره ، قصر الحجر ، ليشهد التنفيذ بنفسه .

بتصرف من تاريخ دولة الإسلام في الأندلس (4/286 ، 287) .

ومع بعض الوقفات الأندلسية في حكم عبد المؤمن ، إذ لعبت الأندلس دورا بارزا في التاريخ السياسي والعسكري لدولة عبد المؤمن ، فمن ذلك :

وقوع الخلل في الأندلس ، نتيجة انشغال المرابطين والموحدين بصراعهم الدموي ، فسقطت كثير من المدن والقلاع ، لعل أبرزها مدينة "أشبونة" ، أو "لشبونة" ، المدينة البرتغالية الشهيرة المطلة على المحيط الأطلنطي ، التي أعمل النصارى السيف في أهلها بعد حصار محكم من جانب النصارى بقيادة "ألفونسو هنريكيز" ، الذي استطاع أن يستغل المسحة الصليبية القبيحة التي كست وجه أوروبا إبان الحروب الصليبية ، فاستعان بالقوات الصليبية المتجهة إلى الشرق من الإنجليز والألمان والهولنديين ، وفي المقابل دافع المسلمون عن مدينتهم دفاعا مريرا ، لم يغن شيئا ، وقتل من المسلمين مقتلة عظيمة وأسر الأحياء منهم وجعلوا رقيقا ، ونهب النصارى كعادتهم المدينة نهبا ذريعا وحولوا مسجدها الجامع إلى كنيسة ، وكان ذلك في سنة 542 هــــ ، أي في نفس السنة التي دخل فيها الموحدون "مراكش" ، وأعملوا السيف في أهلها ، ومذبحة "مراكش" التي نصبها أبناء الدين الواحد لإخوانهم أفظع من مذبحة "أشبونة" التي نصبها عباد الصليب للمسلمين ، فعلام العجب من تكالب النصارى علينا وقد أفنى بعضنا بعضا ؟!!! .

وسقطت مدينة "شنترين" ، البرتغالية ، التي ينسب لها الكاتب الشهير "ابن بسام الشنتريني" ، رحمه الله ، وسقط الثغر المنيع "قصر أبي دانس" أو "قصر الفتح" ، في أواخر عهد عبد المؤمن سنة 555 هــــ ، واستولى النصارى على مدينة "باجة" ، التي ينسب إليها الفقيه المالكي الشهير الإمام أبو الوليد الباجي ، رحمه الله ، ولبثوا فيها أربعة أشهر ، ولم يغادروها إلا بعد أن خربوا ربوعها ، وهدموا أسوارها .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (5/25) .


ومن ذلك : الخروج المستمر للولايات الأندلسية عن طاعة الخلافة المركزية في المغرب ، إذ كان الأندلسيون ، مع استنجادهم المستمر بإخوانهم في المغرب واعترافهم بجميلهم ، يأبون إلا الثورة عليهم ونقض بيعتهم ، بل والتحالف مع النصارى ، أعداء الدين ، ضد من استنجدوا بهم ليردوا عنهم عدوان النصارى ، فكانت هذه السياسة المزدوجة سببا في اضطراب أحوال الجزيرة الأندلسية ، بل إنه عند التحقيق ، يعد من أبرز أسباب انهيار الدولة الإسلامية في تلك البقاع ، والغريب أن كثيرا من هذه الثورات كانت بقيادة قضاة الأقاليم الثائرة ، وهم من هم في الإحاطة بعلوم الشريعة ، ومع ذلك لم ينههم علمهم عن التحالف مع أعداء الدين ضد إخوانهم في الدين ، والعلم إن لم يقرن بالعمل كان وبالا على صاحبه ، فـــــ "ابن حسون" ، قاضي مالقة ، على سبيل المثال ، وهو ينتمي لبيت من أعرق بيوتات مالقة ، وكان ممن اشتهر بالعلم والجاه والسراوة ، يثور على حكم المرابطين ، أسلاف الموحدين ، قبل سقوط دولتهم ، ويدعوا لنفسه ، بل ويحاصر اللمتونيين في قصبة مالقة ستة أشهر حتى أخرجهم منها ، واستقر بها وتسمى بألقاب الإمارة !!! ، وعله تسمى بألقاب الخلافة ولم يصلنا خبر ذلك !!!! ، وعين أخاه أبا الحسن قائدا لقواته الباسلة التي لن تتأخر لحظة واحدة عن الدفاع عن تراب الوطن المقدس !!! ، وأسند إليه ولاية قرطمة وما إليها ، أي أنه ، باختصار شديد ، اعتبر مالقة تركة مقصورة على أهل بيته ، وسار إلى أبعد من ذلك ، إذ أرهق المسلمين من أهل مالقة بالضرائب والمغارم ليدفع أجور المرتزقة النصارى الذين استعان بهم في قتال إخوانه في الدين من المرابطين ، وكانت نهايته مروعة ، إذ ثار عليه أهل مالقة ، وملكوا القصبة ، فامتنع بالقصر ودافع عن نفسه بأعنف ما يستطاع ، فلما نفدت جهوده ، وقتل أخوه ، وأيقن بالهلاك ، نفد إلى داخل داره ، وأراد أن يقتل نساءه وبناته صونا لهن من الثوار ، فاعتصمن منه بالغرف والبيوت الداخلية ، فعمد عندئذ إلى إحراق كتبه وذخائره ، ثم تناول سما فلم يقتله لفوره ، فتحامل على نفسه ، وطعن نفسه برمح نفذ إلى ظهره ، ولكنه لم يمت وارتمى وهو يحتضر متخبطا في دمه ، ودخل أعداؤه القصر فألفوه على تلك الحالة ، ومات بعد يومين في الحادي عشر من ربيع الأول سنة 547 هـــ ، فصلبت جثته ، واحتز رأسه وأرسل إلى مراكش ، ولما استولى الموحدون على مالقة بعد ذلك بنحو عام ، في أوائل سنة 548 هــــ ، قبض على أهله وولده ، وبيع بناته ، واشترى بعضهن بعض أكابر الدولة الجديدة ، فكانت نهايته المحزنة من أتعس ما لقي ثوار النواحي في تلك الفترة .
بتصرف من تاريخ دولة الإسلام في الأندلس (4/319 ، 320) .

فتعسا لعالم لا يعمل بعلمه ويبغي به عرضا رخيصا من عرض الدنيا ، لقد جلب هذا المخذول الخسران على نفسه في دنياه وأخراه ، فقتل نفسه ، وجلب الذل والعار لأهله ، فبيعوا بيع الجواري والإماء ، فأي عقاب أشد من هذا ؟!!! ، وبمثل هذا فليعتبر العلماء في كل زمان فإن عقابهم مضاعف ، إن ضلوا ، لما علموا من الحق وأعرضوا عنه ابتغاء جاه أو سلطان زائل .


والوقفة الأندلسية الثالثة مع الأمير المرابطي الشهير ، يحيى بن غانية ، رحمه الله ، عميد أسرة آل غانية ، التي استقلت بحكم الجزائر الشرقية "منورقة وميورقة ويابسة" ، واستمرت دهرا حصنا للدعوة المرابطية ، ومركزا للكفاح المرير ضد الدولة الموحدية .

وقد سبق من خبر هذا القائد الهمام أنه بطل موقعة إفراغة ، وقد استمر ، رحمه الله ، زعيما للدعوة المرابطية في الأندلس بعد انهيار حكم المرابطين في المغرب ، وعول على جعل غرناطة معقلا لدعوته ، فكان يقول للمرابطين في مرض موته : (الأندلس درقة وغرناطة قبضتها ، فإذا جشمتم يا معشر المرابطين القبضة لم تخرج الدرقة من أيديكم) ، وقد توفي ، رحمه الله ، سنة 543 هـــ ، وعن خلال هذا الأمير النابه يقول ابن الخطيب رحمه الله : (كان بطلا شهما ، حازما ، كثير الدهاء والإقدام ، والمعرفة بالحروب ، مجمعا على تقدمه) ، وبمثل يحيى ، رحمه الله ، تفتح البلاد وتقوم الدول ويرد كيد الأعداء .

وقد استأثر أخوه الأصغر ، محمد بن علي بن غانية ، بحكم الجزائر الشرقية منذ سنة 520 هـــ ، أيام أمير المسلمين علي بن يوسف ، رحمه الله ، وقد غدت تلك الجزائر مركز الدعوة المرابطية ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .

ومع قائد أندلسي آخر ، أو إن شئت الدقة ، مع ثائر أندلسي آخر ، من طراز "ابن حفصون" ، الذي أرهق الدولة الأموية في الأندلس حتى قلم أمير المؤمنين ، عبد الرحمن الناصر ، رحمه الله ، أظفاره ، مع قائد آخر من قواد المولدين الذين دخل أجدادهم الأسبان في الإسلام ، ولكن المسحة الإسبانية لم تزل من نفوسهم ، فما زالت العصبية المقيتة قائمة بنفوسهم حتى حملتهم على قتال إخوانهم في الدين والتحالف مع أعداءه من نصارى الشمال ، مع صاحب بلنسية ، وزعيم الثورة في شرق الأندلس ، الثائر الشهير : محمد بن سعد بن مردنيش ، الذي شغل الموحدين بثوراته المستمرة وتحالفاته المشينة مع ملوك النصارى ، وعن هذا الثائر يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله :

إن ابن مردنيش ، الذي حمل لواء هذا الصراع الشهير ضد الموحدين ، ولبث طيلة اضطرامه صامدا ، كالصخرة الصلدة ، لا تفتر له همة ، ولا يهادن ، ولا تلين قناته ، حتى طواه الموت ، هو شخصية من أغرب شخصيات التاريخ الأندلسي ، تمثل كل خلال العصر ، ورذائله في نفس الوقت ، ولو لم يبالغ ابن مردنيش في مداخلة النصارى ، وربط قضيته بعونهم ، لكان في وسعنا أن نعتبره بطل الوطنية الأندلسية ، وحامل لوائها ضد الموحدين .

وعن ممالئة ابن مردنيش للنصارى ، فحدث ولا حرج ، فقد بلغت مبلغا تشمئز منه نفوس أهل الإسلام الصادقين ، فقد كان شغوفا بالتشبه بالنصارى (القشتاليين) في الزي والملابس والسلاح واللجم والسروج ، وإذا تشابهت الأزياء تشابهت القلوب ، وكان يجيد اللغة القشتالية ، ويؤثر التحدث بها ، وقد نهانا الفاروق ، رضي الله عنه ، عن رطانة الأعاجم ، فاللغة مظهر من مظاهر تميز أي أمة ، وقد ميزنا الله ، عز وجل ، بلغة القرآن ، أشرف اللغات ، وأعظمها ، بشهادة الموافق والمخالف من علماء اللغة المعاصرين ، فالالتزام بها ، والدفاع عنها ، وإحكام قواعدها ودراسة فروعها من نحو وصرف وبلاغة وأدب وشعر وعروض وفقه ...... الخ ، دين يدان به ، ولكن ابن مردنيش أبى إلا أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فهبط إلى حضيض التشبه بأعداء الدين ، يلتمس العز في ذلك ، فأبى الله إلا أن يموت ذليلا كسيرا بعد زوال ملكه .

وكان يدعو إلى جيشه كثيرا من النصارى المرتزقة ، من القشتاليين والقطلان والبشكنس ، يبتني لهم الأحياء والمعسكرات ، ويزودها بأسباب الرفاهية والحانات ، ويغدق عليهم الصلات الوفيرة من المال والإقطاعات ، وذهب في ذلك إلى حد أنه أقطع أحد أكابر فرسان البشكنس ، وهو المسمى "بيدرو دي أثاجرا" مدينة "شنتمرية" الشرق أو "سانتا ماريا" الشرق ، مع سائر مرافقها وأراضيها ، فأنشأ بها هذا الفارس مركزا لأسقفية ، فرفعت الصلبان في أرض الإسلام تحت سمعه وبصره ، وبطبيعة الحال كان من جراء هذا الإغداق الفياض على النصارى أن اشتط ابن مردنيش في فرض المغارم والرسوم المختلفة على رعاياه من المسلمين ، فيجبي أموال المسلمين لينشأ بها حانات وملاه لمرتزقة النصارى يعاقرون فيها الخمور ويرتكبون سائر الآثام والشرور .

واشتهر ذلك الثائر المولدي بكثرة معاهداته مع ملوك النصارى ، وهي أشبه ما تكون في عصرنا الحاضر بــــ "معاهدات الدفاع المشترك" ، ضد الأعداء الوافدين من الضفة المقابلة ، وهم المسلمون بطبيعة الحال ، فعقد معاهدة صلح مع أمير برشلونة الكونت "رامون برنجير الرابع" لمدة أربعة أعوام ، وعقد معاهدة أخرى مع ملك قشتالة الإمبراطور "ألفونسو السابع" ، وكان يعطي لكل منهما في السنة جزية قدرها خمسون ألف مثقال من الذهب عن يد وهو صاغر ، وتعدت معاهداته حدود الجزيرة الأندلسية ، فعقد مع جمهورية "بيزة" معاهدة صلح مدتها عشرة أعوام ، ثم عقد معاهدة أخرى مع جمهورية "جنوة" ، يتعهد فيها بأن يؤدي إليها إتاوة قدرها عشرة الآف دينار مرابطية خلال عامين ، وأن يبتني للرعايا الجنويين الذين يقطنون في بلنسية ودانية فندقا يزاولون فيه تجارتهم ........... الخ ، وصانع كثيرا من ملوك النصارى في أوروبا ، فكان يبعث إليهم الهدايا الثمينة ، كالهدية التي أرسلها لملك انجلترا "هنري الثاني" ، ولا تعليق !!!!! .

ولذا فإنه من غير المستغرب أن تفرط الروايات النصرانية في الثناء على ابن مردنيش حتى لقبه النصارى بــــ "الملك لوبي" ، أو "الذئب" لفرط إقدامه وشجاعته !!! .

وبالإضافة إلى هذا ، كان ابن مردنيش ، يتسم بطائفة من الخلال الذميمة ، فقد كان مسرفا في الشراب ، واتخاذ الجواري حتى كان كما يذكر لسان الدين ابن الخطيب ، رحمه الله ، في "الإحاطة" : (يراقد منهم جملة تحت لحاف واحد) ، وفي هذا الفعل من شره النفس وخسة الهمة ما فيه ، فضلا عن حبه للقيان والزمر والرقص ، ثم كان بعد ذلك طاغية ظلوما ، بالغ القسوة ، مسرفا في الانتقام ، مستهترا بالدماء ، وكان عماله على شاكلته من الظلم والجور ، إن ابن مردنيش ، باختصار شديد ، سلة مهملات ، تجمعت فيها كل خصلة مذمومة .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (5/53 ، 54) .

وفي عهد هذا التعس سقطت بقية قواعد الثغر الأعلى ، فسقطت "طرطوشة" ، سنة 543 هـــ ، وهي المدينة التي ينسب إليها الإمام المالكي الجليل : "أبو بكر الطرطوشي" ، رحمه الله ، نزيل الإسكندرية ، صاحب "سراج الملوك" و"الحوادث والبدع" ، وسقطت "إفراغة" ، التي أذاق يحيى بن غانية ، رحمه الله ، فيها عباد الصليب مرارة الهزيمة المروعة سنة 528 هــــ ، وسقطت "مكناسة" ، وسقط حصن "إقليش" ، الذي سحقت كتائب المرابطين جيوش النصارى بالقرب منه سنة 501 هــــ ، وسقط حصن "سرانية" .

كل هذا وابن مردنيش المخذول لا يحرك ساكنا ، على الرغم من أن هذه المدن والقلاع تدخل تحت حكمه ، ولو من الناحية الاسمية ، ولكن معاهدة الصداقة والمهادنة التي عقدها مع أمير برشلونة حالت دون إنقاذ هذه القواعد الأندلسية الخالدة ، وبأمثال ابن مردنيش ، ضاع الإسلام في الأندلس ، وهدمت المساجد ، وارتفعت الصلبان ، وانطفأ سراج الهدى في الجزيرة الأندلسية المفقودة .

وتبدت خيانته يوم حاصر السيدان أبو حفص وأبو سعيد ، أخوا الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ،"ألمرية" ، الثغر الأندلسي الشهير المقابل للعدوة الغربية ، وكان النصارى قد استولوا عليه ، فقطعوا بذلك خط إمدادات رئيسي يربط بين المغرب والأندلس ، فما كان من ابن مردنيش إلا أن انضم بقواته البالغة 6 آلاف مقاتل ، إلى قوات ألفونسو السابع "السليطين" البالغة 12 ألف مقاتل ، التي أتت لنجدة الحامية النصرانية المعتصمة بالمدينة ، ولكن أبا سعيد طلب المدد من الخليفة عبد المؤمن ، فوجه إليه القائد الكاتب أبا جعفر بن عطية ، ومعه السيد أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ، على رأس قوة موحدية ، فازدادت قوة الموحدين ، واضطر ابن مردنيش أمام وخز الضمير ، في سابقة غير معهودة ، للرجوع من حيث أتى ، إذ رأى العار على نفسه في قتالهم مع كونهم يقاتلون النصارى فارتحل ، وولى عسكر ألفونسو الأدبار ، وهلك ألفونسو في طريقه إلى مدينة "بياسة" ، سنة 552 هــــ ، ونجى الله ، عز وجل ، الجيش الإسلامي من هذا الحصار ، وعادت "ألمرية" لحوزة المسلمين ، وزال الخطر النصراني المتمثل في احتلال مدينة تقع في أقصى الجنوب الأندلسي وهو ما يعني اختراق الولايات الإسلامية اختراقا صريحا ، من شمالها إلى أقصى جنوبها ، وهو ما يهدد بقية الثغور الجنوبية كـــ "مالقة" و "المنكب" و "طريف" و "الجزيرة الخضراء" و "شلوبانية" .
بتصرف من تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص334 ، 335 .


ولم يشف وساوس هذا الثائر العنيد إلا جنود الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ، رحمه الله ، إذ التقت قوات الموحدين بقيادة السيدان أبي حفص وأبي سعيد ، أخوي الخليفة يوسف ، بقوات ابن مردنيش ، المطعمة بمرتزقة النصارى الذين قدرت رواية ابن صاحب الصلاة ، مؤرخ الدولة الموحدية ، أعدادهم بثلاثة عشر ألف مقاتل ، التقى الفريقان في "فحص الجلاب" ، وتعاهد الموحدون على الصدق والثبات والصبر والشهادة ، وكانوا يومها ، على غير العادة ، أهل الحق ، وأهل الحق أحق بالنصر ، ولم يخلف الله ، عز وجل ، وعده لهذه الطائفة ، فثبت الموحدون وحلفاؤهم من القبائل العربية وقاتلوا أشد القتال وأروعه ، فرجحت كفتهم مع مغيب شمس ذلك اليوم ، ومزق جيش ابن مردنيش ، فارتد في فلول قوات إلى تل قريب ثم فر مسرعا إلى "مرسية" ، وكان هذا النصر العظيم في السابع من شهر ذي الحجة سنة 560 هــــ .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (5/17) .

واستمرت الضربات تتتابع على رأس ذلك الثائر العنيد ، فاستولى الموحدون على"لورقة" و"بسطة" ، واقتربوا من "ألمرية" ، فأعلنت الطاعة للموحدين ، الذين صاروا ، بمرور الأيام ، أصحاب الحق الشرعي في إدارة شئون الأندلس ، خلفا لأسلافهم المرابطين ، وكانت الضربة الأخيرة والقاضية ، كما يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، يوم أن عبر الخليفة يوسف ، رحمه الله ، بنفسه إلى الأندلس في جموع جرارة من الموحدين والعرب ، ونزل "اشبيلية" ، عندها أدرك ابن مردنيش أن النهاية باتت وشيكة .

بل إن أصدقاء الأمس من النصارى قد خانوا العهود والمواثيق ومزقوا اتفاقيات "التعاون المشترك" ، فاستغل "ألفونسو الثاني" ملك أراجون فرصة ضغط الموحدين على ابن مردنيش ، فغزا أراضي "بلنسية" ، أكبر ولايات الشرق الأندلسي ، معقل ابن مردنيش ، المتاخمة لحدود قطلونية ، واستولى منها على عدة مواقع وحصون ، بل وأعد العدة برا وبحرا لغزو بلنسية نفسها ، ويا ابن مردنيش ، خذلك الصديق قبل العدو ، وما أغنى عنك حلفاؤك النصارى من الله شيئا .

ووصل حال ابن مردنيش ، إلى درجة يصفها ابن صاحب الصلاة بقوله : (واختل ذهن ابن مردنيش في أثر ذلك ، وقل عونه من الله ومن الناس هنالك ، وعاد صبحه كالليل الحالك ، وفزع من أذيته أهله وقرابته وشيعته وخاصته ، واختلت حياته وحالته)

وكان هلاك ابن مردنيش في سنة 567 هـــ ، في الثامنة والأربعين من عمره ، ولا عزاء في أمثال ابن مردنيش .

وعودة إلى أحداث المغرب الحبيب ، في عهد الخليفة عبد المؤمن بعد هذه الجولة الأندلسية ، إذ بدا لعبد المؤمن في سنة 549 هـــ ، وبعد هذا المشوار الحافل بالنضال ، أن يستأثر بمقاليد الحكم استئثارا كاملا ، فاتخذ خطوة حاسمة في تاريخ الموحدين بأن جعل الأمر في عقبه من بعده ، فاستبد بذلك بأمر الخلافة ، وأقصى كبار شيوخ الموحدين ، وعلى رأسهم الشيخ الخبير أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ، وهو من هو في القيادة العسكرية والحنكة السياسية .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (ولم يكن ثمة شك في أن تحقيق هذه المهمة الكبرى ، أي توطيد أركان الدولة الموحدية ، يرجع في معظم نواحيه إلى عبقرية عبد المؤمن ، ومقدرته العسكرية والسياسية ، وإذن فقد كان من الطبيعي أن يتطلع عبد المؤمن إلى الاحتفاظ بثمار جهاده ، وإلى أن يورثها لبنيه وعقبه) .

وبالفعل عقد عبد المؤمن البيعة لابنه محمد ، من بعده ، وإن كان سيقصيه بعد ذلك قبيل وفاته لما بدر منه من أمور مخلة ويولي أخاه يوسف العهد من بعده ، وزاد على ذلك بأن جعل أولاده ولاة لأقاليم مملكته ، وتلقبوا بالسادة ، وكان أبرزهم بلا شك السيد أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ، والي اشبيلية ، وولي عهد أبيه والخليفة التالي له فيما بعد .

يقول الدكتور طاهر راغب :
.......... وأخيرا وحتى تكتمل له ، أي عبد المؤمن ، السيطرة أحضر قبيلته "كومية" ، الجزائرية ، من منطقة "تلمسان" إلى حيث يقيم في عاصمة الموحدين واحتاط في خطوته الأخيرة تلك وأحاطها بالكتمان وزود القبيلة بالأموال والأسلحة حتى تظهر بمظهر قوي خلاب ، وفوجئ الموحدون بقدوم أربعين ألف مقاتل كومي إلى مراكش بكامل عدتهم وزينتهم .

وبهذه الخطوات حول عبد المؤمن الدولة الموحدية إلى ما يمكن أن يطلق عليه "الدولة المؤمنية" ، إذ جعل نظام الحكم وراثيا ، وإن حرص في الوقت نفسه على أن ينال ولي عهده تأييد شيوخ الموحدين .
بتصرف من "التطور السياسي للمغرب من الفتح الإسلامي إلى آخر القرن العاشر الهجري" ، ص253 ، 254 .


وما أشبه اليوم بالبارحة ، فإذا ما رجع الناظر إلى الوراء ، وبالتحديد إلى سنة 147 هـــ ، وجد داهية بني العباس ، أبا جعفر المنصور ، رحمه الله ، يقصي عيسى بن موسى عن ولاية العهد ، ويولي مكانه ابنه محمد المهدي ، رحمه الله ، فيضطر عيسى بن موسى ، إلى قبول الأمر الواقع ، ويعلن تنازله عن ولاية العهد لمحمد المهدي ، وهو بطبيعة الحال تنازل شكلي ، لأن الأمر أصبح في حكم المؤكد شاء عيسى أم أبى ، وهكذا الحال مع أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ، فقد كان ، عند التحقيق ، أحق الناس بالأمر بعد عبد المؤمن لما له من سابقة في تاريخ الدعوة الموحدية ، ولكنه اضطر ، كما اضطر عيسى ، إلى أن يعلن "تنازله الشكلي" عن ولاية العهد لمحمد بن عبد المؤمن ، والتاريخ يعيد نفسه ، وما أشبه عبد المؤمن بأبي جعفر ، حنكة وحزما ودهاء وحسن سياسة .

وقضى عبد المؤمن سني عمره في نضال مستمر ، فمن معركة إلى أخرى ، ومن نصر إلى نصر ، ومن فتح إلى فتح ، حتى وافته المنية سنة 558 هـــ ، فكأنه القائل :

سنيني كلها لاقيت حربا ******* أعد مع الصلادمة الذكور

ولا ريب أن عبد المؤمن كان من الصلادمة الذكور الذين خبروا الحرب والسياسة ، فدانت لهم الممالك بالطاعة ، ومرة أخرى يجد المرء نفسه مضطرا لترديد مقولة الدكتور مصطفى محمود : (من الناس من ولدوا ليكونوا ملوكا ومنهم من ولدوا ليكونوا صعاليك) ، فهمم لا تعرف إلا الرئاسة ، وأخرى لا تستحق إلا البيع في أسواق النخاسة ، وسبحان من خلق هؤلاء وهؤلاء ونوع في أحوال هؤلاء وهؤلاء ليرينا عجائب قدرته في خلق الأضداد والمتناقضات ، فهو الرب ، عز وجل ، يخلق الشيء وضده ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .

ولابد من وقفات مع سيرة هذا الخليفة العظيم ، فمن أقوال المؤرخين الذين ترجموا له :
قول ابن العماد الحنبلي ، رحمه الله ، في "شذراته" إذ يقول : (كان ملكا عادلا سايسا عظيم الهيبة عالي الهمة كثير المحاسن متين الديانة قليل المثل ، وكان يقرأ كل يوم سبعا من القرآن ، ويجتنب لبس الحرير ويصوم الاثنين والخميس ويهتم بالجهاد والنظر في الملك "كأنما خلق له") ، ويواصل ابن العماد ، رحمه الله ، في تناقض غريب في طباع هذا الخليفة الهمام ، فيقول : (وكان سفاكا لدماء من خالفه) ، ولم يقل : "سافكا" ، وإنما قال : "سفاكا" ، ومن شابه أباه فما ظلم ، وابن تومرت ، السفاك الأكبر في تاريخ الموحدين ، هو الأب الروحي لعبد المؤمن .

ومما يذكره ابن العماد أيضا : (أن عبد المؤمن سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهم فقالوا في جرأة عجيبة : لا علم لا إلا ما علمتنا ، وفي هذا القول الفاحش من التجاوز ما فيه ، ومع ذلك لم ينكر عليهم عبد المؤمن هذا القول الجائر ، فكتب بعض الزهاد هذين البيتين ووضعهما تحت سجادته :
يا ذا الذي قهر الأنام بسيفه ******* ماذا يضرك أن تكون إلها
الفظ بها فيما لفظت فإنه ******* لم يبق شيء أن تقول سواها

فلما رآها عبد المؤمن وجم وعلم أن ذلك بكونه لم ينكر على أصحابه قولهم : لا علم لنا إلا ما علمتنا ، فكان عبد المؤمن يتزيا بزي العامة ليقف على الحقائق فوقعت عيناه على شيخ عليه سيما الخير فتفرس فيه أنه قائل البيتين فقال له : اصدقني أنت قائل البيتين ؟ ، قال : أنا هو ، قال : لم فعلت ذلك ؟ ، قال : قصدت إصلاح دينك ، فدفع إليه عبد المؤمن ألف دينار فلم يقبلها) اهــــ . وأكرم بهذه الرعية ، رعية ترشد إمامها إذا ضل ، ولا تخاف في الحق لومة لائم .

وعبد المؤمن رجل لا يعرف الجزع إلى قلبه طريقا ، وإن ادلهمت الخطوب وكثر الثوار ، شأنه في ذلك شأن رجال من أمثال أبي جعفر المنصور ، الذي عرف برباطة الجأش عند حلول النوازل ، فكان القائم بأمر بني العباس ، حتى عد حجر الزاوية في ملكهم ، وأمثال أبي مسلم الخراساني ، ذلك القائد العباسي الرهيب ، الذي عرف هو الآخر برباطة جأش ، ربما فاقت رباطة جأش المنصور وإن لم يفقه حنكة ودهاء ، حتى حكي عنه أنه كان لا يفرح إذا أقبل النصر ولا يهتم إذا حلت الهزيمة ، فهو على الدوام ثابت الجأش ، ممسك بزمام نفسه ، فكأنها قد قلبه من الحجارة الصماء ، وما ظنك برجل قتل ستمائة ألف صبرا ؟!!!!! ، ومن شعر عبد المؤمن وقد كثر الثوار عليه ما نقله ابن العماد :

لا تحفلن بما قالوا وما فعلوا ******* إن كنت تسمو إلى العليا من الرتب
وجرد السيف فيما أنت طالبه ******* فما ترد صدور الخيل بالكتب

والمجد لا ينال بالراحة ، والنعيم لا يدرك بالنعيم ، ولله درك أبا الطيب إذ تقول :
لولا المشقة ساد الناس كلهم ******* الجود يفقر والإقدام قتال

روى الطبري ، رحمه الله ، في تاريخه ، أن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، رحمه الله ، بعد أن أثخنته الجراح ، وقبض عليه أتباع عبيد الله بن زياد ، عامله الله بما يستحق ، بكى وقال : هذا أول الغدر ، وكان بقربه عمرو بن عبيد الله بن عباس ، رحمه الله ، فقال له : من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به الذي نزل بك لا يبكي .

فمن طلب العلياء فلا يحفلن بقول قائل أو فعل فاعل ، وليكن كالأمير الشاعر ، فارس الدولة الحمدانية ، أبي فراس الحمداني إذ يقول :

ونحن أناس لا توسط عندنا ******* لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ******* ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر .

وعبد المؤمن مع شدة قسوته ، رجل يجيد فن التذلل لخالقه ، عز وجل ، فيحكى أنه لما نزل بمدينة "سلا" ، المدينة المغربية المشهورة على ساحل المحيط الأطلنطي ، وضربت له خيمة ، وجعلت جيوشه تعبر قبيلة قبيلة ، جر ساجدا ، ثم رفع وقد بل الدمع لحيته ، فقال : أعرف ثلاثة وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد ، فراموا عبور هذا النهر ، "يعني النهر الذي ينصب لمدينة سلا" ، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يعد بهم ، من التعدية أي : يجوز بهم النهر ، فقال : لا آخذه إلا عن اثنين ، فقال أحدهما وكان شابا : تأخذ ثيابي وأنا أسبح ، ففعل ، فكان الشاب كلما أعيا ، دنا من القارب ، ووضع يده عليه يستريح ، فيضربه بالمجداف ، أي صاحب القارب ليزجره ، فما عدى إلا بعد جهد ، فما شك السامعون أنه هو السابح ، والآخران ابن تومرت ، وعبد الواحد الشرقي .
سير أعلام النبلاء (20/373) ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص348 .

وعودة إلى الوراء ، أيضا ، إلى زمن الخليفة أبو العباس عبد الله المأمون العباسي ، غفر الله له ، وهو من هو في الحلم والأناة ، فيحكي زيد بن علي بن الحسين أن المأمون جلس يوما للغداء وعلى رأسه سعيد الخطيب وهو يذكر مناقبه ويصف سيرته ومجلسه ، فانهملت عين المأمون ، فلما سئل عن سبب بكائه قال : ما ذلك من حدث ولا لمكروه هممت به لأحد ولكنه جنس من أجناس الشكر لله لعظمته وذكر نعمته التي أتمها علي كما أتمها على أبوتي من قبلي أما ترون ذاك الذي في صحن الدار ، يعني الفضل بن الربيع ، كان في أيام الرشيد وحاله يراني بوجه أعرف فيه البغضاء والشنآن وكان له عندي كالذي لي عنده ولكني أداريه خوفا من سعايته وحذرا من أكاذيبه فكنت إذا سلمت عليه فرد علي أظل لذلك فرحا وبه مبتهجا وكان صفوه إلى المخلوع ، يعني الأمين رحمه الله ، فحمله على أن أغراه بي ودعاه إلى قتلي وحرك الآخر ، يعني الأمين ، ما يحرك القرابة والرحم الماسة فقال : أما القتل فلا أقتله ، ولكن أجعله بحيث إذا قال لم يطع وإذا دعا لم يجب فكان أحسن حالاتي عنده أن وجه مع علي بن عيسى قيد فضة بعد ما تنازعا في الفضة والحديد ليقيدني به ، وذهب عنه قول الله تعالى : (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله) ، فذاك ، أي الفضل بن الربيع الذي كاد له كل هذا الكيد ، موضعه من الدار بأخس مجالسها وأدنى مراتبها ، وكان يجلس مع أصحاب الحرس ، وهذا الخطيب على رأسي ، وكان بالأمس يقف على هذا المنبر الذي بإزائي مرة وعلى المنبر الغربي مرة فيزعم أني "المأفون" ، ولست بالمأمون ، ثم هو الساعة يقرظني تقريظه المسيح ومحمد عليهما السلام .
نقلا عن الدولة العباسية للشيخ محمد الخضري ، رحمه الله ، ص195 .

ولله درك يا مأمون ، تلذذت بالصفح في زمن عز فيه الصفح ولم يكن إلا السيف لزجر المخالف ، فعفوت عن عمك إبراهيم بن المهدي ، لما خرج عليك وأعلن نفسه خليفة ، وعفوت عن الفضل وسعيد ، وأثر عنك أن للعفو عندك لذة لو عرفها الناس لتقربوا إليك بالخروج عليك ، لتأسرهم وتعفو عنهم فيحصل لك بذلك تمام اللذة .

وعن عبد المؤمن بن علي يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (كان الخليفة عبد المؤمن بن علي ، عبقرية فذة ، تنطوي على طائفة من أبدع الخلال التي تصاغ منها العظمة والبطولة ، وقد شادت هذه العبقرية دولة من أعظم الدول الإسلامية ، تمتد من أواسط شبه الجزيرة الإسبانية شمالا حتى مشارف الصحراء الكبرى جنوبا ، ومن طرابلس الغرب شرقا حتى شواطئ المحيط الأطلنطي غربا ، وشادتها في ظروف صعبة ، وفي غمر الكفاح المضني من إمارات وقبائل بربرية متنابذة مفترقة الكلمة ، لم تعرف خلال حياتها الطويلة معنى للنظام والاتحاد ، ولم تأنس لأي نوع من الخضوع والطاعة ، فصاغ عبد المؤمن بعزمه ، وقوة نفسه ، وبراعته العسكرية والسياسية ، من هذه العناصر المضطرمة الخصيمة ، كتلة متناسقة متعاونة متحدة ، وأنشأ منها الدولة الموحدية الكبرى ، أعظم الدول المغربية إطلاقا)
نقلا عن دولة الإسلام في الأندلس ، (4/396 ، 397) .

ولعبد المؤمن نصيب وافر من العلم ، فهو ممن نشأ في كنف ابن تومرت ، وهو ما مع تلبس به من بدع مغلظة ، رجل أوتي من العلم أوفر قسط ، فرحل إلى المشرق وأخذ عن كبار علماء عصره ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك تفصيلا .

ويعقد الأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، مقارنة بين دولة عبد الرحمن الناصر ، رحمه الله ، في الأندلس ، ودولة عبد المؤمن في المغرب والأندلس ، بصفتهما أعظم دولتين قامتا في المغرب الإسلامي ، وإن كانت دولة عبد الرحمن قد تفوقت على دولة عب المؤمن بخواصها المدنية والحضارية ، وفي المقابل تفوقت دولة عبد المؤمن على دولة عبد الرحمن من الناحيتين العسكرية والجغرافية ، ويخلص الأستاذ عنان إلى اعتبار هذين الزعيمين أعظم زعماء المغرب الإسلامي .

ويعقد مقارنة أخرى في نفس الموضع بين شخصي عبد المؤمن ، والحاجب المنصور بن أبي عامر ، رحمه الله ، حاجب الخليفة الأموي هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر ، مؤسس الدولة العامرية ، بجامع أن كليهما قد نشأ في بدايته نشأة علمية ثم تحول إلى ميادين السياسة والحرب ، وإن كانت غزوات المنصور تتسم قبل كل شيء بطابع الجهاد في سبيل الله ، فمعظم غزواته إن لم تكن كلها كانت موجهة للعدو النصراني المتربص في الشمال وهو ما أكسبها البعد الديني الذي افتقدته حروب عبد المؤمن ضد المرابطين ، وإن ادعى الموحدون أنها كانت حروبا مقدسة ضد المجسمة من أبناء لمتونة ، بزعمهم ، فقد كان المرابطون أصح عقيدة وأكثر نفعا لأمة الإسلام من الموحدين ، والله أعلم .

ويمضي الأستاذ عنان في ثنائه على عبد المؤمن فيقول :
(وكان عبد المؤمن إلى جانب هذه الصفات العسكرية البارزة ، من أعقل أهل عصره وأوفرهم ذكاء وحكمة ، وكان حازما سديد الرأي حسن السياسة ، واسع الحيلة ، يعالج الأمور الصعبة بكثير من الفطنة والكياسة) .

وقد أعاد عبد المؤمن هيكلة الدولة الموحدية بعد تعاقب الحوادث ، وفقد الكثير من أهل الجماعة وأهل خمسين وأهل سبعين ، فقسم الجماعة الموحدية إلى ثلاث طوائف أو طبقات :
طبقة "السابقين الأولين" : الذين بايعوا ابن تومرت وصحبوه وغزوا معه وصلوا خلفه والذين شهدوا معركة "البحيرة" التي سحق فيها المرابطون الموحدين ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وعند التحقيق ، يجزم الناظر في أحوال هذه الطائفة بأن اسمها اسم على غير مسمى ، إلا أن يقصد بسابقتهم : سابقتهم إلى تصديق ضلالات ابن تومرت ، والصلاة خلف ابن تومرت مما يحيك في الصدر ، وإن كان أهل السنة يصححون الصلاة خلف المبتدعة ، على تفصيل لا يتسع المجال لذكره ، وقاعدتهم في هذه المسألة : من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره ، وقد صلى الصحابة ، رضوان الله عليهم ، كابن عمر ، رضي الله عنهما ، خلف بعض المبتدعة كـــ : قاتلي ذي النورين ، عثمان ، رضي الله عنه ، و"نجدة الخارجي" و"المختار بن أبي عبيد" وغيرهم ، والله أعلم .
والطبقة الثانية : هي طائفة من دخل في دعوة الموحدين من بعد البحيرة إلى الاستيلاء على مدينة وهران سنة 539 هــــ .
والطبقة الثالثة : من انتظم في سلك الموحدين من الاستيلاء على وهران فصاعدا .

واهتم عبد المؤمن بالتنشئة العلمية والعسكرية لرجال دولته ، فبنى عددا من المساجد والمدارس الفخمة التي غدت مراكز للعلوم والآداب ، وقرنها بالخدمة العسكرية دوما ، مع التمرين على فنون الحرب ، ذلك أنه كان يخشى أن يؤدي الانقطاع إلى العلم والدرس إلى إضعاف الهمم ، وفتور الحماسة الحربية لدى الموحدين .

كما أنشأ عبد المؤمن مدرسة لتخريج رجال السياسة ، وموظفي الحكومة ، وقادة الجيش ، وكان يجمعهم يوم الجمعة بعد الصلاة في قصره ، ويمتحنهم فيما درسوا ، ويوجه إليهم الأسئلة بنفسه ، تشجيعا لهم على الاجتهاد ، ولكي يجعل منهم رجالا أكفاء فادرين على قيادة البلاد في السلم والحرب .

وفي أيام أخرى كان يمتحن تدريباتهم العسكرية ، فيختبرهم في الطعن بالحراب والرمي بالقوس والسهام البارزة وركوب الخيل ، وفي السباحة والمعارك البحرية في بحيرة خاصة أنشأها لذلك الغرض على مقربة من قصره ، ووضع فيها سفنا كبيرة وصغيرة ليتدرب الشباب على قتال البحر ، وقيادة السفن ، والوثب على سفن العدو ، ويقدم للمهرة الممتازين الهدايا الثمينة بنفسه .
تاريخ دولتي المرابطين والموحدين ، ص338 .
وتاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين (2/51) ، تحت عنوان "تنظيم حكم الموحدين في عهد عبد المؤمن" ، مع الحذر من بعض سقطات المؤرخ الألماني يوسف أشباخ في هذا الكتاب مع نفاسته في بابه ، والله أعلم .

فما أشبه هذه المراكز العلمية العسكرية بأرقى الكليات العلمية والعسكرية في العصر الحاضر ، وقد سبق أمراء المسلمين أهل زماننا إلى هذه الأنظمة المتخصصة بمئات السنين ، وعبد المؤمن خير شاهد على ذلك .

وعن عبد المؤمن يقول المؤرخ الألماني يوسف أشباخ في "تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين" ، (2/63) : (كان عبد المؤمن وسيم الطلعة عظيم الهيبة ، وكان أبيض اللون مشربا بحمرة شديد بريق العينين ، كث الشعر ، أقنى الأنف ، نحيل الذقن مستديرها ، عظيم القامة دون مبالغة في الطول ، ملئ الجسم مع خفة ورشاقة ، ولم تكن مواهبه العقلية أقل روعة ، فقد كان يهتدي بثاقب فهمه إلى أفضل الوسائل لتحقيق أغراضه بأسرع وقت ، وكان يغنم بفصاحته تأييد الذين يبدون نحوه فتورا أو يخاصمونه ، وكان يستطيع بما أوتي من واسع المعرفة في علوم كثيرة أن يختار من بين علماء مملكته ورجالاتها أكفأهم وأرفعهم شأنا) ،

فعبد المؤمن رجل اجتمعت له صفات القيادة الجسدية والنفسية ، فلعينيه بريق ينم عن ذكاء وافر وذهن متقد ، وله في الرجال فراسة لا تخيب ، فلا يختار إلا أكفأ الرجال لأعظم المهام .

ويواصل يوسف أشباخ فيقول : (أما الصفات التي يجب أن تتوافر في الفاتح مثل الشجاعة والعزم ، وبعد النظر ، وحضور البديهة ، فقد كان عبد المؤمن يفوز منها بأوفر قسط ، وقد كان يسمو على معظم جنوده في تحمل المشاق والشدائد ، وكانت شعوب المغرب المتقشفة تعجب بتقشفه في مأكله ومشربه) ، والدعوات العظيمة ، التي غيرت وجه الأرض ، بغض النظر عن كونها صحيحة في واقع الأمر من الناحية الشرعية ، لا تقوم إلا على أكتاف زهاد متقشفين كأمثال يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، زعيم الدولة المرابطية ، الذي ظل على حاله الأولى من البداوة والتقشف ، رغم خضوع البلاد لحكمه ، فظل يوسف هو يوسف ذلك البدوي المتقشف الذي يأكل لحم الإبل ويشرب ألبانها ، ومحمد بن تومرت يأكل الخبز بالزيت ، وعبد المؤمن كأستاذه ابن تومرت ، وشتان يوسف ن رحمه الله ، من جهة ، وعبد المؤمن وأستاذه من جهة أخرى ، ولكنه نوع اشتراك بين الفريقين .

لقد شغل عبد المؤمن أذهان كثير من المؤرخين ، بعبقريته ومواهبه المتعددة ، ولم يغفل البحث الموضوعي خلاله السيئة التي ورثها من ابن تومرت ، ويميل الدكتور علي الصلابي ، حفظه الله ، إلى أن عبد المؤمن لم يكن جادا في الالتزام الحرفي بدعوة ابن تومرت ، ولعل ما تحمله دعوة ابن تومرت من شطط وغلو في بعض أفكارها من الأسباب الرئيسية التي جعلت عبد المؤمن يحجم عن العمل على نشرها حتى لا يحدث رد فعل مضاد له مما يعرض دولته للخطر ، وقد ازداد هذا الشعور ترسخا في أعماق خلفاء الدولة الموحدية ، بمرور الأيام ، فجاء أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن المنصور بفضل الله ، رحمه الله ، حفيد عبد المؤمن ليعلن لخاصته عدم إيمانه بهذه الدعوة المنحرفة ، وإن لم يظهر ذلك لعوام الموحدين خوفا من الفتنة ، وجاء بعده المأمون ليعلن ذلك صراحة .

وأعتذر عن الإطالة في ترجمة هذا القائد العظيم ، وما أظن هذه الإطالة قد أدت الغرض كاملا ، فدراسة سمات شخصية ثرية كشخصية عبد المؤمن أمر تسود فيه مئات الصفحات لا بضع صفحات ، ومع عبد المؤمن بن علي لا يطمع القارئ في راحة أو دعة ، فما خلق عبد المؤمن لذلك ، وإنما خلق ليقوض ممالك ويقيم أخرى ، ومن طريف ما يحكى عنه أن بعض جنوده قد هموا بقتله ، ليستريحوا من عناء صحبته !!!!! ، فالحرب ، فيما يبدو ، كانت شهوته الوحيدة ، كما يقول المؤرخ يوسف أشباخ ، وربك يخلق ما يشاء ويختار ، وحسب الجزائر الحبيبة أن أنجبت فتى كعبد المؤمن .

والله أعلى وأعلم

يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
06Jun2006, 06:55 صباحاً
بسم الله

السلام عليكم

وبعد عبد المؤمن ، جاء رجل آخر من طراز فريد ، وإن كان لا يحاكي طراز عبد المؤمن ، فقل أن يوجد أمثال عبد المؤمن ، جاء الخليفة العالم أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ، الذي عقدت له البيعة بعد وفاة أبيه سنة 558 هــــ .

وليوسف جهاد مشكور في الجزيرة الأندلسية ، ففي عهده استرد الموحدون كثيرا من المدن والقلاع التي انتزعها النصارى من المسلمين أثناء انشغال المرابطين بالثورة الموحدية التي شغلت المغرب حينا عن القيام بدوره التاريخي في نجدة مسلمي الأندلس ، وساعد يوسف في هذا الأمر جمع من القادة الأكفاء لعل أبرزهم أخواه : السيدان أبي سعيد وأبي حفص ، أخوا الخليفة ، والشيخ الجليل أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ، رفيق عبد المؤمن ، والقائد المحنك ، أبو عبد الله بن وانودين ، الذي نشأ في ظل دولة عبد المؤمن ، فظهرت مواهبه العلمية والعسكرية التي أثارت إعجاب عبد المؤمن ، وهو من هو في معرفة أقدار الرجال ، فقربه إليه ونظمه في مجلسه .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (5/105) .

وكان القضاء على ثورة ابن مردنيش ، ملك شرق الأندلس ، أول أعمال الجيش الموحدي في عهد الخليفة يوسف ، فاشتبكت معه قوات الموحدين في عدة معارك شرسة من أبرزها : معركة "لك" سنة 560 هـــ ، ومعركة "فحص الجلاب" في نفس السنة ، وسبقت الإشارة إليها ، واستولى الموحدون على حصن "لبه" ، الذي اتخذه النصارى مركزا للعيث في المنطقة الواقعة بين "غرناطة" و "وادي آش" ، سنة 562 هـــ ، واستولوا كذلك على ثغر "طبيرة" ، الواقع جنوب البرتغال ، سنة 563 هـــ ، من يد الثائر عبد الله بن عبد الله الذي كثر عيثه وفساده في تلك المنطقة .

وفي المقابل استولى النصارى البرتغال ، بقيادة "ألفونسو هنريكيز" ، والفارس "جيرالدو" على كثير من قواعد وحصون الغرب في وقت شغل فيه الخليفة بقمع بعض الفتن الداخلية في منطقة "غمارة" .

ومما يلفت النظر في هذا الموضع سيرة قاطع الطريق ، اللص المسمى بـــ "جيرالدو" ، الذي ينعته بعض البرتغاليين بـــ "السيد البرتغالي" ، في مقابل السيد الإسباني ، اللص الآخر المدعو بـــ "السيد الكمبيادور" ، فيا عجبا لأمم تمجد لصوصا وترفعهم إلى أسمى مراتب البطولة والفروسية ؟!!!! ، لقد عجزت نساء القوم عن إنجاب قادة أو علماء ، فباتوا يخلدون سير اللصوص وقطاع الطرق ، في وقت كانت أمة الإسلام زاخرة بالعلماء والقواد الربانيين .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (5/26) .

وعند التحقيق ، يجد الناظر في تاريخ الموحدين العسكري ، في عهد الخليفة يوسف ، قصورا كبيرا في التخطيط ، رغم كثرة أعداد الجند ، وتوافر العدة والعتاد ، وظهر هذا القصور في إخفاق القوات الموحدية في اقتحام مدينة " وبذة " سنة 567 هـــ ، وفي الإخفاق الأكبر في انتزاع مدينة "شنترين" البرتغالية ، سنة 580 هــــ ، وهي المدينة التي قتل يوسف ، رحمه الله ، على أبوابها ، وحسبه شرفا أن يموت في ساحات الوغى ، ولأبي الطيب نصيحة جليلة في هذا الشأن إذ يقول :
عش عزيزا أو مت وأنت كريم ******* بين طعن القنا وخفق البنود
وقد امتثل يوسف ، رحمه الله ، لنصيحة أبي الطيب ، ومات غازيا مجاهدا على أبواب "شنترين" .

ووقفة طريفة مع يوسف ، ذلك المقاتل الصنديد ، إذ نراه سنة 570 هــــ ، يقع كغيره من الرجال ، وإن عظمت أقدارهم ، أسيرا لعيني حفيدة "ابن مردنيش" ، الزرقاء ، التي زفت إليه ، وكانت شقراء بارعة الجمال ، ملكت قلب الخليفة العظيم ، حتى غدت أحب نسائه إليه ، وأكثرهن نفوذا لديه ، حتى كان الناس على حد قول ابن الخطيب ، رحمه الله ، يضربون المثل بحب الخليفة للزرقاء المردنيشية ، ولكنه على الأقل لم يسقط سقطة "أبي الحسن النصري" ، ملك غرناطة ، الذي شب على حب الجهاد ، وكانت له أياد بيضاء في قتال نصارى الأندلس في المنعطف الأخير لدولة الإسلام في إسبانيا ، إذ وقع ذلك القائد الهمام في غرام الجارية النصرانية "إيزابيلا دي سوليس" ، التي أسلمت وتسمت بـــ "ثريا" ، فملكت عليه فؤاده ، وأنسته زوجه العربية الحرة الأبية "عائشة" ، رحمها الله ، وأقعدته عن ركوب الخيل ومنازلة الفرسان ، فاحتجب عن رعيته ، وانهمك معها في معاقرة اللذات والإسراف في الشهوات ، ويذكر الأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، في دولة الإسلام في الأندلس (7/315) ، أن ابني "إيزابيلا" حظية السلطان أبي الحسن ، سعد ونصر ، تنصرا ومنحا ضياعا في "أرجبة" ، وتسمى أحدهما باسم الدوق "فرناندو دي جرانادا" ، أي صاحب غرناطة ، وخدم قائدا في الجيش القشتالي ، واشتهر بغيرته في خدمة العرش !!!! ، وتسمى الثاني باسم "دون خوان دي جرانادا" ، ولن يشفع لهما عند الله ، عز وجل ، أن أصلهما يعود إلى الصحابي الجليل ، سعد بن عبادة ، رضي الله عنه ، الجد الأعلى لبني الأحمر ملوك غرناطة ، ولو عاش السلطان أبو الحسن ليرى ولديه وقد ارتدا عن دين الإسلام ، لعرف عاقبة لهوه ومجونه مع "إيزابيلا" ، والأم هي الحاضنة ، ومنها يتلقى الطفل الصغير أبجديات اللغة والدين والولاء ............الخ ، وما ظنك بمن كانت أمه كـــ "إيزابيلا" ، وولائها محل شك ، والله أعلم بحقيقة إسلامها فلم نؤمر بشق الصدور لمعرفة مكنون القلوب ، وعلى الجانب الآخر يشير الأستاذ عنان ، إلى أنه بالرغم من تخاذل أبو عبد الله بن الأحمر ، أخو سعد ونصر المرتدين ، آخر ملوك غرناطة ، وعمه يوسف الزغل ، صاحب مالقة ، إلا أنهما أبيا أن يعيشا تحت ظل حكام قشتالة وعبرا إلى العدوة المغربية ، حفاظا على دينهما في وقت تخاذل فيه كثير من الأمراء والوزراء وارتدوا عن دين الإسلام ودخلوا في دين أسيادهم الجدد من نصارى إسبانيا ، وهذه بلا شك نقطة بيضاء في تاريخهما الملوث بالأطماع والصراعات على حكم غرناطة ، تلك الصراعات التي أدت لسقوطها في النهاية سنة 897 هــــ ، وبسقوط غرناطة غابت شمس الإسلام من الجزيرة الأندلسية إلى يومنا هذا .

ولم يكن يوسف كذلك كالخليفة العثماني الجليل "سليمان القانوني" ، رحمه الله ، واسطة عقد الخلافة العثمانية ، الذي ترك هو الآخر ساحات الوغى ، في أواخر أيامه ، ليهيم بحب الجارية اليهودية الخبيثة "روكسلانة" ، التي أغرته بقتل ابنه الأكبر الأمير "مصطفى" ، رحمه الله ، ليستأثر ابنها السكير "سليم الثاني" بولاية العهد ، ودعته لاستقبال أبناء جلدتها من اليهود الذين طردتهم إسبانيا الكاثوليكية المتعصبة ، ونصبت لهم محاكم التفتيش ، في نفس الوقت الذي تقاعست فيه الخلافة العثمانية عن نجدة المسلمين في غرناطة آخر قلاع الإسلام في الأندلس ، وإن كان لبني عثمان جهود جليلة في الجانب الآخر من القارة الأوربية ، ولم يحفظ اليهود ، كعادتهم ، جميل الخلافة الإسلامية ، بل كانوا من أهم أسباب سقوط الخلافة بعد ذلك بمئات السنين ، وهم الذين عرفوا فيما بعد بـــ "يهود الدونمة" ، وكل هذا البلاء بسبب جارية فاتنة !!!! .

وقل أن يسلم رجل من عيني فاتنة ، ولذا أمرنا بغض أبصارنا إن كانت النظرة محرمة ، لئلا يسري هذا الداء العضال إلى قلوبنا :
وأنت متى أرسلت طرفك رائدا ******* لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ******* ولا عن بعضه أنت صابر

والصبر عن النظرة المحرمة أهون من ذل تعاطيها .

ولم يكن يوسف ممن أقعده الهوى عن ميادين الوغى ، وامرأة لا تملك قلب زوجها كما ملكت المردنيشية قلب يوسف لا تستحق لقب "امرأة" ، وإن كانت أجمل جميلات الدنيا ، فالرجال ، وإن كابدوا المشاق وعالجوا النوازل ، في أمس الحاجة للمسة عطف من يد رقيقة ، تزيل ما أثقل كاهلهم من الهموم ، فما بالك إن كانت هذه اللمسة من كائن جبله الله ، عز وجل ، ليكون كتلة من الأحاسيس ، أعني بذلك أمثال المردنيشية لا نساء زماننا اللاتي زاحمن الرجال في كل مكان حتى في وسائل النقل العامة واستأثرن بمعظم الوظائف وهجرن البيوت ، فامتلأت بهن المكاتب العامة والخاصة وفي المقابل امتلأت المقاهي بالشباب العاطل الذي حجبت عنه فرص العمل لئلا تشعر حواء بالاضطهاد والتمييز ، فتفرغ لمشاهدة مباريات كرة القدم التي تبثها الأقمار الصناعية "على الهواء مباشرة"، كما هو حال معظم الشباب عندنا في مصر الحبيبة ، وتحضرني في هذا الموضع قصة طريفة حكاها لي أحد المهندسين ، وهو فيما أظنه من أهل الفضل والبر ، عن مجموعة من الموظفات في إحدى الهيئات الحكومية تركن مكاتبهن ، واختفين عن الأنظار ، فلما تعطلت مصالح المواطنين جدوا في البحث عنهن داخل أروقة الهيئة ، حتى عثروا عليهن أخيرا في غرفة قد أحكمن إغلاقها واعتلت إحداهن أحد المكاتب لـــ "ترقص" واكتفى الباقي بالتشجيع والتصفيق !!!!! .

إن لمسة واحدة من يد امرأة ، كنساء الأيام الخوالي ، كفيلة بإزالة ما علق بقلب الزوج من كدر وغم ، وحسن الرعاية للأب ، وحسن التبعل للزوج ، والعطف على الابن ، وظائف لا تجيدها أكثر نساء زماننا ولقب "أنثى" يطلق على كثير منهن مجازا ، كما يقول علماء البلاغة ، علاقته الخلقة الجسدية التي يشتركن فيها مع نساء الزمان الخالي .

وليوسف بن عبد المؤمن خلال كريمة كأبيه عبد المؤمن :
فالذهبي ، رحمه الله ، يصفه بقوله : (كان شابا مليحا ، أبيض بحمرة ، مستدير الوجه ، أفوه ، أعين ، تام القامة حلو الكلام فصيحا ، حلو المفاكهة ، عارفا باللغة والأخبار والفقه ، متفننا ، عالي الهمة ، سخيا ، جوادا ، مهيبا ، شجاعا خليقا للملك) .

وعن علمه يقول عبد الواحد بن علي التميمي : صح عندي أنه كان يحفظ أحد الصحيحين ، أظنه البخاري ، ويواصل قائلا : وكان سديد الملوكية ، بعيد الهمة ، جوادا ، استغنى الناس في أيامه ، ثم إنه نظر في الطب والفلسفة ، وجمع كتب الفلاسفة ، وتطلبها من الأقطار ، وكان يصحبه أبو بكر محمد بن طفيل الفيلسوف ، فكان لا يصبر عنه ، وسمعت أبا بكر بن يحيى الفقيه ، يقول : سمعت الحكم أبا الوليد بن رشد الحفيد يقول : لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب ، وجدته هو وابن طفيل فقط ، فأخذ ابن طفيل يطريني ، فكان أول ما فاتحني أن قال : ما رأيهم في السماء ؟ أقديمة أم حديثة ، فخفت ، وتعللت ، وأنكرت الفلسفة ، ففهم ، فالتفت إلى ابن طفيل ، وذكر قول أرسطو فيها ، وأورد حجج أهل الإسلام فرأيت منه غزارة حفظ ، لم أكن أظنها في عالم ، ولم يزل يبسطني حتى تكلمت ، ثم أمر لي بخلعة ومال ومركوب .

وعن يوسف يقول الدكتور شوقي أبو خليل : (أعرف الناس كيف تكلمت العرب ، وأحفظهم لأيامها وآثارها وجميع أخبارها في الجاهلية والإسلام ، وأحسن الناس ألفاظا للقرآن الكريم ، وأسرعهم نفوذ خاطر في غامض مسائل النحو ، وأحفظهم للغة العربية ، وكان بعيد الهمة ، سخيا جوادا ، استغنى الناس في أيامه وكثرت في أيديهم الأموال ، هذا مع إيثار للعلم شديد وتعطش إليه مفرط ، صح أنه كان يحفظ أحد الصحيحين وأغلب الظن أنه البخاري ، حفظه في حياة أبيه بعد تعلم القرآن الكريم ، هذا مع ذكر جميل من الفقه ................. وجمع مكتبة ، كان ما فيها قريبا مما اجتمع للحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر ، رحمه الله ، ثاني الخلفاء بالأندلس "350_366 هـــــ" ، حيث احتوت مكتبته على أربعمائة ألف مجلد) .
بتصرف يسير من تاريخ دولتي المرابطين والموحدين ، ص352 ، 353 .

وعنه يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (كان الخليفة أبو يعقوب يوسف من أعظم خلفاء الدولة الموحدية ، وبالرغم من أنه لم يحقق في ميادين الحرب والسياسة نتائج عظيمة كالتي حققها أبوه الخليفة عبد المؤمن ، وولده الخليفة يعقوب المنصور ، فإنه يعتبر مع ذلك ، ولا سيما من النواحي الإدارية والعمرانية ، ثالث هؤلاء الخلفاء الثلاثة ، الذين بلغت الدولة الموحدية في ظلهم أوج قوتها وعظمتها .
وقد امتاز حكم الخليفة أبي يعقوب بالحزم ، وتحري الحق والعدالة ومطاردة الظلم والبغي ، وترجع هذه النزعة إلى ما كان يتسم به هذا الخليفة من التقى والورع ، ومن العلم والتبحر في العلوم الشرعية ، وقد ظهرت هذه النزعة بصورة عملية في غير مناسبة من أوامره وتصرفاته ، وربما كانت رسالته التي وجهها إلى أخيه السيد أبي سعيد والي قرطبة ، وإلى سائر الطلبة الموحدين بالأندلس سنة 561 هــــ ، بشأن وجوب تحري الدقة في تنفيذ الأحكام وتوقيع العقوبات أبرز محاولة بذلها في هذا الشأن) .
دولة الإسلام في الأندلس (5/132 ، 133) .

ويلفت المؤرخ يوسف أشباخ النظر إلى جانب مهم من حياة يوسف إذ يقول :
(حكم أبو يعقوب يوسف مملكة الموحدين الشاسعة بقوة وكفاية مدى اثنين وعشرين عاما ، وكانت أكبر أخطائه رغبته في أن يتولى جميع الأمور بنفسه ، وأنه بالرغم من فتوته قلما كان يحفل بنصح أشياخ الموحدين الناضجين ، أو يستمع إلى أحد في العدول عن أمر تقرر ، وقد ترتب على ذلك ، وعلى ما أوقعه من العقوبات الصارمة على الكبراء الذين ظلموا الشعب ، أن كثر أعداؤه بين شيوخ القبائل ورجال البلاط ، وربما كان ذلك من أسباب مصرعه أمام شنترين ، وكان أول ملك من ملوك الموحدين قاد الجيش بنفسه ضد النصارى في أسبانيا) .
تاريخ المرابطين والموحدين في الأندلس ، (2/76) .



وفي هذا النصوص عدة نقاط مهمة تستحق الإشادة والتنويه منها :
اهتمام الخلفاء في ذلك الزمان بتنشئة أبنائهم تنشئة شرعية قويمة ، فيوسف ، مع كونه من رجال الحرب والسياسة ، معدود من علماء عصره ، شأنه في ذلك شأن أبيه عبد المؤمن ، وأمة يحفظ عميدها القرآن وصحيح البخاري أمة تستحق النصر والتمكين .

والملاحظ في كثير من الخلفاء والقادة والعلماء ، إجادتهم التامة للغة العربية ، فيوسف ، من أحفظ الناس للغة العرب , وأنفذهم خاطرا في مسائل النحو الغامضة ، والمتبع لتاريخ الحركة العلمية في المغرب والأندلس ، يجد اهتماما كبيرا بعلوم اللغة ، حتى أن كثيرا من مشاهير النحاة ينتمون إلى تلك البقاع ، فممن يحضرني الآن :
ابن آجروم ، رحمه الله ، صاحب المقدمة الشهيرة ، التي عني الطلبة بدراستها شرقا وغربا ، بل إنها أولى درجات الترقي في هذا العلم الشريف .

وابن مالك ، رحمه الله ، صاحب الألفية الشهيرة ، التي ضمنها جل مسائل هذا العلم ، فصارت زادا لعلماء النحو من بعده ، فهو أندلسي .

وعمر بن محمد الأزدي الإشبيلي ، رحمه الله ، المشهور بــــ "الشلوبين" ، نسبة إلى ثغر "شلوبانية" جنوب الأندلس ، المتوفى سنة 645 هـــ ، في حصار اشبيلية الأخير ، وآراءه مبثوثة في كتب كبار النحاة كابن عقيل ، رحمه الله ، في شرحه على الألفية .

وإلى الآن ما زال كثير من علماء المغرب الحبيب أئمة في علوم اللغة ، وغيرها من علوم الآلات كــ "الأصول" ، ومن أرض موريتانيا ، وهي وثيقة الصلة بالمغرب ، من الناحية العلمية ، فالمدرسة واحدة : مالكية مغربية ، خرج علامة عصره وفريد وقته الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، صاحب "أضواء البيان" ، وهو من هو في علوم اللغة ، نحوا وصرفا وشعرا وأدبا وبلاغة ................الخ ، فضلا عن تبحر كبير في علم الأصول سد به ثغرة كبيرة في المناهج العلمية التي وضعت في الجزيرة العربية إبان النهضة العلمية الشرعية المعاصرة التي شهدتها أرض الحرمين ، وكان من نتاجها إنشاء المعاهد والجامعات الإسلامية ، وعلى رأسها الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، حفظها الله من كل سوء ، التي كان الشيخ ، رحمه الله ، أحد الأعلام المؤسسين لها ، والله أعلم .

ولم يخل علم يوسف من نظر في علوم أخرى ، بعضها نافع ، كعلوم الطب ، وآخر ضار لا يسمن ولا يغني من جوع ، كعلم الكلام والفلسفة ، وإن اختلق له متعاطوه من الفضائل ما اختلقوا ، وقد شابه يوسف في ذلك ، الخليفة المأمون العباسي ، غفر الله له ، الذي فتح باب شر عظيم على أمة الإسلام وعقيدة التوحيد الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، لما أمر بترجمة كتب الفلسفة اليونانية ، وفيها من الضلال والحيرة ما فيها ، فأدخل على المسلمين من الفتن والبلايا ما حدا شيخ الإسلام ، رحمه الله ، إلى إغلاظ القول فيه ، ولم يسلم ابن رشد ، رحمه الله ، من انتقاد شيخ الإسلام ، رحمه الله ، وإن كان قد أنصفه بقوله : إنه أفضل الفلاسفة ، من جهة الاعتقاد ، فلم ينجرف ابن رشد لما انجرف إليه أمثال ابن سينا والفارابي والكندي ، ممن برزوا في علوم الطبيعيات كالطب والفلك ...... الخ ، فظنوا أن الإلهيات كالطبيعيات تخضع لتجارب البشر وعقولهم ، فضلوا وأضلوا ، فجل مسائل الاعتقاد تقوم بالدرجة الأولى على الأدلة السمعية الغيبية التي لا يستقل العقل بإدراكها ، بل إن العقل وإن كان له مدخل في الاستدلال عليها ، إلا أنه يقف في مرتبة التابع للنص السمعي الصحيح لا المتبوع الذي يقرر ويحكم ابتداء ، وعند التحقيق ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله ، لا يوجد تعارض بين نص صحيح وعقل صريح ، فإن وجدت التعارض فإما أن يكون العقل مريضا لا يسلم لنصوص الشرع المحكمة ، وإما أن يكون النص باطلا ، أي موضوعا مختلقا لا سند له ، وقد كفانا محمد صلى الله عليه وسلم كل أمور ديننا ، فلسنا بحاجة إلى ترهات الحائر أرسطو لنستدل بها على وجود الخالق ، عز وجل ، أو أزليته ، أو حدوث العالم ، ...............الخ ،
والله أعلم .

وأما ابن رشد الحفيد ، ذلك العالم الجليل والفقيه المالكي المتبحر صاحب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" والطبيب الحاذق طبيب الخليفتين يوسف بن عبد المؤمن وابن يعقوب المنصور قاضي اشبيلية ، فله في قلوبنا عظيم المكانة ، وإن كنا لا نوافقه على زلاته ، التي تلقفها علمانيو عصرنا وألبسوها ثوب المحاسن لتروج على عوام المسلمين ، حتى اهتم أحد النصارى عندنا في مصر بإخراج فيلم سينمائي ، أظهر فيه أبا الوليد ، رحمه الله ، بصورة مزرية لا يرضاها أحدنا لنفسه ، وقدح في سيرة الخليفة الجليل أبي يوسف يعقوب المنصور ، رحمه الله ، بطل موقعة الأرك ، بل وصل التخليط وسوء الطوية عنده إلى أن يقدح في القاضي عياض ، رحمه الله ، مع أنه لم يكن معاصرا لابن رشد الحفيد والمنصور الموحدي ، إذ توفي ، رحمه الله ، سنة 544 هـــ ، بينما ولد المنصور سنة 555 هــ ، أي بعد وفاة القاضي عياض ، رحمه الله ، بـــ : 11 سنة ، فكيف جاز لذلك المخلط أن يجعل قاضينا زعيما لحاشية السوء ذات الأفكار الرجعية المتعصبة التي تحيط بالخليفة المنصور ، ويجعل ابن رشد ، رحمه الله ، زعيما للمعسكر الإصلاحي الذي يتبنى خطاب "التجديد الديني" ، ويستقبل أبناء النصارى ممن وفدوا على اشبيلية لطلب العلم في منزله ويتناول طعامه مع تلميذه النصراني وحوله زوجه وابنته متبرجات متجملات لذلك الضيف النصراني العزيز !!!!!! ، وبالتالي يصبح الإسلام المستنير هو الخلط بين الدين وفلسفة أرسطو الإلحادية ، بزعم حرية الفكر ، بدليل أن أوربا بأسرها تعلمت الفلسفة اليونانية المستنيرة من ابن رشد ، رحمه الله ، ألم أقل لكم إنه إبراز لزلة عالم في صورة منقبة بل مأثرة عظمى ، ولن نأخذ من ابن رشد ، رحمه الله ، إلا "بداية المجتهد" ، ولن نأخذ منه إلا فنون الطب التي مهر فيها ، ولن نأخذ منه إلا سيرته الحميدة وشغفه بطلب العلم حتى حكي عنه أنه لم يترك القراءة إلا في يومين : يوم وفاة أبيه ويوم زفافه ، ولن نأخذ منه إلا ورعه في قضاءه لما ولي قضاء اشبيلية ، وما عدا ذلك فلا حاجة لنا به فقد كفيناه ، ولله الحمد .
خذ ما تراه ودع شيئا سـمـعـت بـه ******* في طلعةِ الشمس ما يغنيك عن زحلِ
وفي طلعة شمس الرسالة ما يغنينا عن زحل أرسطو وترهاته .

والعلمانيون ، كما عرفانهم ، كالذباب لا يسقط إلا على الجروح والقروح ، فلا يسقط إلا على زلة ابن رشد ، ومن قبله المأمون لما ترجم كتب اليونان ، وقد قرأت في جريدة "الأهرام" مقالا لأحد النصارى يصف فيه عصر الخليفة المتوكل العباسي ، رحمه الله ، وهو الذي رفع المحنة عن الإمام أحمد ، رحمه الله ، يصفه بأنه انتكاسة عظمى لحرية الفكر التي نمت في عهد المأمون والمعتصم والواثق ، غفر الله لهم ، وإذا كان الأمر كما تقول أيها المفكر البارع ، فلم عذب أحمد ، رحمه الله ، وامتحن في معتقده ، في عهد المعتصم بوصية من أخيه المأمون ، ولم ضيق عليه بعد ذلك في عهد الواثق حتى لزم بيته ، أليس هذا حجرا على حرية الفكر التي تزعمها ، فلم أغفلت هذه وذكرت الأخرى وتباكيت عليها ؟!!!!

وتراهم يعظمون الغزالي ، رحمه الله ، وليتهم عظموه لكونه إماما من أئمة الشافعية ، رحمهم الله ، مع عظيم تبحره في علم الأصول الذي جعله أحد مجددي هذا العلم العظيم ، ولا أدل على ذلك من سفره العظيم : "المستصفى" ، وإنما عظموه لكونه رائدا من رواد مدرسة الشك ، أي الشك في العقائد ، حتى يصل الإنسان إلى الحق بزعمهم ، مستغلين في ذلك الأزمة النفسية الرهيبة التي مر بها الغزالي ، رحمه الله ، في سني عمره الأخيرة ، لما عكف على دراسة المناهج العقدية ليصل إلى الحق ، وكان مخلصا في طلبه ، لا مدعيا كأولئك الذين يريدون منا أن ننبذ الحق مع علمنا أنه حق لنستعيض عنه بباطل "ديكارت" و "مارجيليوس" و "جولدسيهر" .............. الخ ، فهداه الله ، عز وجل ، له في أيامه الأخيرة ، وعرف أن الصواب مع أهل الحديث والأثر المتبعين لسلف هذه الأمة أصلا وفرعا ، نقلا وعقلا ، فمات ، رحمه الله ، وصحيح البخاري ، على صدره ، فلم أغفلوا هذه وذكروا تلك ؟!!!!! ، وشتان مخلص كأبي حامد ، رحمه الله ، يصفه الذهبي ، رحمه الله ، فيقول : (ولولا أن أبا حامد من خيار المخلصين لتلف) ، ومغرض كحال علماني عصرنا .

وترى الصوفية ومن شايعهم يمجدون إحياء أبي حامد ، رحمه الله ، وفيه من الطوام ما فيه ، حتى دافع الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي ، حفظه الله ، عن أمير المسلمين علي بن يوسف ، رحمه الله ، لما أمر بحرق هذا الكتاب ، في جزء أسماه "الأسباب الحقيقية لحرق إحياء علوم الدين للغزالي" ، ولم يجد الصوفية إلا هذا الكتاب الذي صنفه الغزالي في مرحلة معينة في حياته لها ظروفها وملابساتها ليتعلقوا به ، وإذا أنكرت على أحدهم قال لك : "الحجة فيما اختاره الحجة" ، يعنون لقب الغزالي ، رحمه الله ، حجة الإسلام ، أو قال لك قولتهم الشهيرة : "من لم يقرأ الإحياء فما في قلبه حياء" ، والواقع يشهد بأن كثيرا ممن لم يقرءوا إحياء أبي حامد ، رحمه الله ، عندهم من الحياء ما يزين فعالهم ، وكثيرا ممن قرءوه لا حياء عندهم !!! ، أو قال لك : "دع اللحية واقتن الإحيا" ، أي لا تشغل نفسك برسوم الدين الظاهرة ، وإنما اشغلها بقراءة إحياء أبي حامد بلا تمييز بين حق وباطل ، وللصوفية أحوال لا يعلمها إلا خالقهم !!!

وهكذا مع إمام معتبر ، فابن حزم ، رحمه الله ، فيلسوف مستنير ، يبيح الغناء ، وربما الرقص ، وأما كونه إماما للمدرسة الظاهرية ، ومجددا آخر من مجددي الفقه والأصول في سفريه العظيمين : "المحلى" و "الإحكام" ، فلا .

وأما الضلال فلهم أوفر نصيب من التبجيل ، فابن سينا والفارابي والكندي ، نجوم في سماء الفكر الإسلامي ، وسبقت الإشارة إلى طرف من أمرهم ، وأبو حيان التوحيدي ، وليس الغرناطي المفسر الشهير ، إمام من أئمة الفلسفة المستنيرة ، مع أنه ، عند التحقيق ، إمام من أئمة الضلال الفكري ، وابن عربي ، الصوفي النكرة ، إمام الاتحادية الملحد ، إمام من أئمة التصوف والزهد ، وابن الفارض الصوفي الضال "شهيد العشق الإلهي" .........الخ ، والبقية تأتي .

ومما يلفت النظر في سيرة الخليفة يوسف ، رحمه الله ، أنه كان حازما شديدا ، متحريا للعدل ، ولكنه حزمه ، خرج به ، كما خرج بأبيه من قبله لنوع من الاستبداد ، فأهمل نصح من حوله من القادة والمشايخ أصحاب الخبرة والدراية ، وكان ذلك سببا لعدد من النكبات العسكرية وأهمها بطبيعة الحال ، نكبة "شنترين" التي قتل فيها الخليفة يوسف ، ولن نجد هذا الأمر في دولة خليفته أبو يوسف يعقوب المنصور ، رحمه الله ، بل سنجد لونا جديدا من الشورى ، يكسو قيادة الموحدين ، قل أن يظهر في عهد هذه الدولة التي تميز معظم حكامها بالاستبداد ، بل صاحب الدعوة ، ابن تومرت ، نفسه ، يصح أن يطلق عليه بمصطلح عصرنا وصف "الطاغية" .

والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
09Jun2006, 02:59 صباحاً
بسم الله

السلام عليكم

والوقفة التالية مع دولة المنصور ، رحمه الله ، وهي صفحة تستحق الإفراد ، ومعذرة على الإطالة فحال خلفاء هذه الدولة المغربية العظيمة مما يحير الناظر فيه ، فليسوا كالمرابطين ، في الوضوح وسهولة التناول ، فيكفيك أن تنظر في تاريخ دولة المرابطين لتصدر حكمك عليهم وتطلق لنفسك عنان الثناء عليهم ، وأما الموحدون فأمرهم مختلف ، وسيرتهم تتأرجح بين المدح في مواطن والذم في مواطن ، فأئمة علماء زاهدون ، وعلى النقيض مستبدون سفاكو دماء ، ومع ذلك مجاهدون فاتحون ............الخ من المتناقضات ، والله أعلم .

ومع الأمير العظيم : أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن المنصور بفضل الله الموحدي ، رحمه الله ، بطل موقعة "الأرك" الشهيرة ، واسطة عقد الخلافة الموحدية ، "نجم بني عبد المؤمن" كما يصفه ابن الخطيب ، رحمه الله ، في "الإحاطة" .

ومع البداية ، إذ ولد بطلنا يعقوب ، رحمه الله ، في أواخر سنة 554 هـــ ، أو في سنة 555 هـــ ، على قول آخر ، وآلت إليه الخلافة بعد وفاة أبيه يوسف بن عبد المؤمن ، رحمه الله ، سنة 580 هـــ ، في ظرف حرج ، فجيوش الموحدين قد نكبت أمام أسوار مدينة "شنترين" ، وكان يعقوب له ، فقد بدأ عهده ، بترتيب الجبهة الداخلية التي أصابها الوهن ، من جراء الانغماس في اللذات ، فضلا عن الهزائم العسكرية في الجزيرة الأندلسية .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله : (وبدأ الخليفة يعقوب عهده بعمل خير مشكور ، فأخرج من بيت المال مائة ألف دينار من الذهب ، فرقت في أسر الفقراء والضعفاء في سائر أنحاء المغرب ، وأمر بتسريح المسجونين .
ثم نشط إلى مطاردة مظاهر الفساد التي بدت بالحاضرة الموحدية على أثر عودته ، وكان الناس قد انغمسوا في الدعة وانهمكوا في ضروب اللهو والملاذ ، وراجت سوق الخمور والقيان والغانيات ، فأريقت الخمور في كل مكان ، ونفذت الأوامر بذلك إلى سائر الجهات ، وأنذر المخالفون بعقوبة الموت ، وطاردت الشرطة كل مستهتر ، وألقت القبض على من وجد من المغنيين ، فتفرقوا في كل مكان ، ولاذوا بالنكيرة والاختفاء ، واختفى القيان ، وزهد الناس في مجالسهن ، وبعث الخليفة بهذه المناسبة إلى اشبيلية ، حاضرة الأندلس الموحدية ، برسالة إلى الطلبة والموحدين والأشياخ مؤرخة في عقب رمضان سنة 580 هـــ ، يأمر فيها بمطاردة شراب الرب ، بضم الراء مع تشديدها ، وهو مسكر ذائع ، وقطعه جملة ، ومنع بيعه وإغلاق حوانيته ، وإراقة ما يوجد منه ، وتوقيع أشد العقاب على من يقتنيه ، وبأن تنفذ هذه الرسالة إلى كافة الجهات للعمل بما فيها) ، وهكذا فليكن ولي الأمر ، فله من السلطان ما ليس لغيره ، وإن الله يرد بالسلطان ما لا يرد بالقرآن ، فكثير من المارقين لا تخيفهم آيات الوعيد ، ولا يردهم عن غيهم إلا حد سيف السلطان ، وإذا ظهر رجال كأبي يوسف ، رحمه الله ، اختفى أشباه الرجال من المغنيين ، فهما ضدان لا يجتمعان ، وما ضاقت نفوس أهل الباطل إلا برجال كأميرنا يعقوب رحمه الله .

ويعلق الأستاذ عنان ، رحمه الله ، بقوله : (وهكذا هبت على العاصمة الموحدية ريح من الاقتصار والتواضع والتقشف ، واختفى كثير من ضروب الفساد التي كانت ذائعة بها) .

وقرن أبو يوسف ، رحمه الله ، القول بالعمل ، فجلس بنفسه للنظر في المظالم وإجراء العدل ، واتخذ مجلسه لذلك الغرض بالمسجد الجامع المجاور لقصر الحجر القديم ، وكان يداوم جلوسه منذ الضحى إلى قرب الزوال ، ويفد إليه المتظلمون من كل ضرب ، فيؤنسهم برفقه ولينه ، ويستمع إلى ظلاماتهم .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (5/142 ، 143) .

ومن أبرز سمات عصر أبي يوسف ، رحمه الله ، التصريح بعدم صحة الاعتقاد بعصمة ابن تومرت ، كما أشار إلى ذلك الذهبي ، رحمه الله ، في "سير أعلام النبلاء" ، وكانت هذه خطوة حاسمة في طريق إصلاح المنهج العقدي المنحرف لدولة الموحدين ، فالظهور والتمكين ، كما تقدم في موضع سابق من كلام شيخ الإسلام رحمه الله ، مرهون بصحة الاعتقاد وإقامة شرائع الدين ، ومن نظر في تاريخ هذه الأمة وجد التناسب بينهما طرديا ، فكلما زاد استمساك الحكام والمحكومين بالعروة الوثقى كلما علت الأمة وارتفع شأنها وهابها عدوها ، وهي السمات التي نفتقدها اليوم ، فلا الشأن مرتفع ولا العدو منزجر .

ومع سمة أخرى ، يؤخذ على أبي يوسف فيها ، الإفراط في الإنكار على المخالف ، فأبو يوسف ، كما علم من سيرته ، معظم للكتاب والسنة ، شأنه في ذلك شأن إمام الأندلس ، ابن حزم ، رحمه الله ، بل إنه كان من المعظمين لهذا الإمام الجليل ، ولذا عقد العزم على الأخذ بظاهر الكتاب والسنة ، فكان ظاهريا ، منكرا على فقهاء المذاهب ، تعمقهم في مسائل الفروع ، مع الاهتمام بتحرير أقوال الأئمة ، وتصحيح روايات المذهب ...........الخ ، من مظاهر الاهتمام بتنقيح آراء صاحب المذهب .

وللمسألة طرفان ووسط :
فطرف غال في التزام أقوال صاحب المذهب ، وكأنها نص منزل ، فأصبح نص الإمام عندهم كنص الكتاب ، كما أشار إلى ذلك القاضي عياض ، رحمه الله ، بل إن النص الشرعي يؤول ، ولو بتكلف ، ليوافق قول الإمام إن حدث التعارض بينهما ، وربما ادعى مقلدة المذاهب نسخه بلا دليل ، أو قال أحدهم : إمامنا أعلم بمراد الشارع ، عز وجل ، فلا مناص لنا من اتباعه !!!! ، مع أن هذا الدليل قد لا يصل إلى إمامهم ، ولو وصله لعدل عن قوله إليه ، كما أثر ذلك عن أئمة المذاهب المتبوعة ، رائدهم في ذلك قول الشافعي رحمه الله : (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ، ولكن متعصبة المذاهب يفترضون في أئمتهم العصمة ، فلم يفت أي إمام منهم أي دليل !!!!! ، وهذا أمر مستحيل ، ولو في عصرنا الحاضر الذي انتشرت فيه المصنفات وتيسرت فيه سبل المعرفة ، فما من أحد ، كائنا من كان ، إلا ويخفى عليه شيء من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل إن اللغة العربية ، وهي أداة فهم نصوص الشارع ، عز وجل ، لا يحيط بها إلا نبي ، كما ذكر ذلك الشافعي ، رحمه الله ، فلم يحط بأسرار لغة العرب التي نزل القرآن بها إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأئمة المذاهب المتبوعة ، رحمهم الله ، لم يحيطوا علما بالغايات أو الأدوات ، وإنما أوتي كل واحد منهم قدرا عظيما منها يوجب له الإمامة في الدين ولكنه لا يرقى به لمرتبة العصمة وعدم الخطأ ، فلا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكتب الفقه المذهبي مليئة بالآراء المرجوحة لمعارضتها لسنة صحيحة صريحة ، فهل يقال بأن الإمام قد اطلع على النص وأعرض عنه تعصبا لرأيه ؟!!! ، أم نلتمس له العذر ، كما التمسه شيخ الإسلام رحمه الله في رسالته العظيمة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ، ونقول بأن النص لم يصله ولو وصله لما توانى عن الأخذ به ورد ما سواه ، وذاك الظن بأئمتنا الأعلام .
ولما كثر إعراض متأخري المذاهب عن نصوص الكتاب والسنة ، زاد توسعهم في استعمال الأقيسة البديلة ، فكانوا غالين في التمسك بأصول المذهب ، مكثرين من الأخذ بالقياس على أقوال صاحب المذهب وأصوله ، وعلى الجانب الآخر ، جافين ، من الجفاء ، في الأخذ بنصوص الشارع عز وجل .

وطرف آخر ، على النقيض تماما ، غلا في التمسك بظواهر الكتاب والسنة ، فأبطل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ، ولم يبق إلا الاستصحاب ، أو ما يعرف بالبراءة الأصلية ، إلى جوار نصوص الكتاب والسنة ، فأهدر بذلك جهود أجيال من الأئمة والفقهاء وحكم على مؤلفاتهم بالترك والإهمال ، وربما الحرق ، كما حدث في عهد أبي يوسف ، رحمه الله ، إذ أملت عليه ظاهريته مطاردة فقهاء المذاهب ، والتضييق عليهم ، وحرق مؤلفاتهم ، وخاصة مصنفات الفقه المالكي ، المذهب السائد في المغرب الحبيب إلى يومنا هذا ، فأحرقت كتب المذهب الشهيرة كــــ "المدونة" و "الواضحة" ............الخ ، وتعرض فقهاء المذاهب لنفس الاضطهاد الذي تعرض له إمام أهل الظاهر ، ابن حزم ، رحمه الله ، لما أحرقت مؤلفاته ، فانتشر مذهبه في المغرب بنفس الطريقة التي حورب بها في الأندلس ، كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله .

ووسط ، وهم أهل الحديث الذين جمعوا بين روايته وفقهه ، فأحكموا أصول الرواية إسنادا وجرحا وتعديلا ، وأتقنوا فقه المتون ، فلم تكن روايتهم رواية من يحفظ ما لا يفقه ، كما هو حال قلة منهم حفظوا بلا فهم فأساءوا إلى أهل الحديث ، فأهل الوسط معظمون لنصوص الكتاب والسنة ، لا يقدمون عليها رأيا أو ذوقا أو ..............الخ ، ومع ذلك يعظمون أئمتهم ويرون في المذاهب الفقهية ، كما يقول الدكتور عبد الكريم زيدان في "الوجيز" ، مدارس لتخريج العلماء ، وثروة هائلة من الأحكام ، وعليه فإن الانتماء لأي مذهب من جهة النشأة العلمية كما هو حال معظم أئمة الإسلام المجتهدين ، كابن عبد البر المالكي ، رحمه الله ، والنووي الشافعي ، رحمه الله ، وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحنبلي ، رحمه الله ، الانتماء من هذه الجهة لا حرج فيه ، وكذا الانتماء لها من جهة الأخذ بأحكامها إلا إذا كانت مرجوحة مخالفة للنصوص ، لا حرج فيه ، وإنما يقع الحرج في تقديم نصوصها على نصوص الكتاب والسنة إذا تعارضا ، والله أعلم .


وممن تكلم في هذه المسألة فشفى وكفى ، كعادته ، شيخ الإسلام رحمه الله ، الذي عرض لغلو مدرسة الرأي ، (التي نشأت في العراق ، وحمل لواءها الأحناف رحمهم الله ، وتأثر بها ، كثير من الشافعية ، لا سيما شافعية نيسابور ، وما جاورها من بلاد المشرق كالإمام الجويني رحمه الله ، الذي قال ، بالرغم من انتسابه للشافعي في الفروع ، وهو من هو في تعظيم النصوص ، قال : بأن الشريعة مفتقرة إلى القياس في معظم الأحكام) .
وعلى الجانب الآخر عرض لغلو مدرسة الظاهر ، التي قالت بأن النصوص الشرعية استوعبت كل الحوادث بأفرادها وأعيانها ، بمعنى أنه ما من حادثة تستجد إلا وحكمها بعينه موجود في نصوص الكتاب أو السنة ، والحق أن النصوص شملت كل الحوادث بأنواعها لا أعيانها ، فلا غنى عن القياس في المواضع التي لا نص فيها برد الفرع الحادث غير المنصوص عليه إلى أصل قديم منصوص عليه ، والله أعلم .

وكان أبو يوسف ، كما تقدم ، من الطرف الغالي في التمسك بنصوص الكتاب والسنة وإهدار رأي المخالف ، فانصب اهتمامه على مطاردة كتب الفقهاء وجمع السنن والآثار .
يقول عبد الواحد بن علي : كنت بفاس فشهدت الأحمال يؤتى بها ، فتحرق ، وتهدد على الاشتغال بالفروع ، وأمر الحفاظ بجمع كتاب في الصلاة من "الكتب الخمسة" ، السنن الأربعة : (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) ومسند أحمد رحمه الله ، والموطأ ، ومسند ابن أبي شيبة رحمه الله ، ومسند البزار رحمه الله ، وسنن الدارقطني رحمه الله ، وسنن البيهقي رحمه الله ، وكان يملي ذلك بنفسه على كبار دولته وحفظ ذلك خلق ، فكان لمن يحفظه عطاء وخلعة .

وقال مرة لعبد الواحد : أنا أنظر في هذه الآراء التي أحدثت في الدين ، أرأيت المسألة فيها أقوال ، ففي أيها الحق ؟ وأيها يجب أن يأخذ المقلد ؟ ، فافتتحت أبين له ، فقطع كلامي ، وقال : ليس إلا هذا ، وأشار إلى المصحف ، أو هذا ، وأشار إلى سنن أبي داود رحمه الله ، أو هذا ، وأشار إلى السيف !!!!! .
سير أعلام النبلاء (21/313 ، 314) ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص366 .

ويا أبا يوسف ، رحمك الله ، ما هكذا يكون الإنكار على المخالف .

وبالرغم من ذلك فإننا نجد أبا يوسف في آخر حياته يميل إلى المذهب الشافعي ، ويستقضي في بعض بلاده منهم قضاة ، ويترك ظاهريته المفرطة ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، في "البداية والنهاية" ، فلم كان هذا الحجر والتضييق من البداية إذن ؟!! .

والمتتبع لأصول الشافعية والظاهرية ، رحم الله الجميع ، يجد التشابه بينهما كبيرا في تعظيم النصوص ، وإن كان الشافعي ، رحمه الله ، مع إبطاله لــ "الاستحسان" ، لم يبطل القياس كلية كما فعل داود الظاهري ، وابن حزم ، رحمهما الله ، وحجتهما في ذلك أن أدلة إبطال الاستحسان التي اعتمدها الشافعي ، رحمه الله ، تبطل القياس أيضا ، وفي هذا القول من التوسع ما فيه ، على أن الاستحسان الذي أنكره الشافعي ، رحمه الله ، لم يكن هو الاستحسان الذي اعتمده أبو حنيفة ، رحمه الله ، وهو العدول عن القياس الجلي إلى آخر خفي لدليل يرجحه ، وإنما كان الاستحسان الذي مبناه التلذذ والهوى بلا مستند معتبر ، والله أعلم .


وثمة بعد سياسي لمنهج أبي يوسف ، رحمه الله ، وهو الصراع التاريخي بين المرابطين والموحدين ، فقد تعدى هذا الصراع ميادين الوغى ، إلى حلقات الدرس والطلب ، فالمرابطون ، كما سبق ، معظمون لمذهب مالك رحمه الله ، فكانت كتب مذهبه ، ذائعة الصيت في عهدهم ، حتى وصفوا بالغلو في التمسك بالمذهب والجفاء في الأخذ بنصوص الكتاب والسنة ، والموحدون ، على النقيض تماما ، معظمون للنصوص ، محاربون لمذهب مالك ، رحمه الله ، بدعوى نبذ التقليد ، ولا شك أن كلا الموقفين غال ، وإن كان غلو الموحدين أشد وأعظم ، وخير الأمور أوسطها .

ولمعترض أن يعترض فيقول : لم يكن تعصب أبي يوسف متجها للمذهب المالكي باعتباره مذهب الدولة البائدة بدليل :
أن الظاهرية لا يقتصرون على الإنكار على المالكية ، رحمهم الله ، بل ينكرون على كل أتباع المذاهب المدونة ، ومن طالع كتب ابن حزم ، رحمه الله ، وخاصة ديوانه الأعظم "المحلى" ، وجد فيه من إغلاظ القول للأئمة ما فيه ، حتى نصح العلماء المتفقه المبتدئ بعدم مطالعة كتب ابن حزم ، في بداية الطلب ، لئلا تسري حدة لسان ابن حزم ، رحمه الله ، إليه فيفقد أدب الخطاب مع المشايخ والعلماء ، وما يسع إماما كابن حزم لا يسعنا ، وقد يبدو الإنكار منصبا على المالكية بالدرجة الأولى لأن مذهبهم كان مذهب الغرب بشقيه : المغرب والأندلس ، فحدث الصدام الأول معهم ، ولو كان الغرب حنفيا أو شافعيا أو حنبليا لكان الصدام الأول مع أتباع هذه المذاهب .

والدليل الآخر : أن المنصور ، رحمه الله ، اعتمد كتاب الموطأ في كتاب الصلاة الذي أمر بجمعه ، فلو كان عدائه لمذهب مالك دون غيره من المذاهب لما اعتمد الكتاب الأول في المذهب الذي يعظمه أتباع مالك لدرجة إلحاقه بالصحيحين ، البخاري ومسلم ، بل إن بعضهم يقدمه عليهما ، والله أعلم .

ومما سبق يتضح لنا البعد العلمي في حياة أبي يوسف ، فهو كأبيه وجده ، ممن أوتي قدرا كبيرا من العلم ، جعله في مصاف علماء عصره ، وإن خرج في بعض أحواله عن حد الاعتدال إلى حد التعصب .

على أن تعصبه هذا لم يكن لباطل ، وإنما كان اجتهادا في تعظيم الكتاب والسنة وإنكارا على من قدم غيرهما عليهما ، ولو كان رأي ، ابن تومرت ، مهدي الموحدين المزعوم .

ذكر الذهبي ، رحمه الله ، في "السير" أن أبا يوسف يعقوب المنصور سأل الفقيه أبا بكر بن هانئ الجياني : ما قرأت ؟ ، قال : تواليف الإمام ، يعني ابن تومرت ، قال : فزورني ، أي نظر إليه نظرة المغضب ، وقال : ما هكذا يقول الطالب ! ، حكمك أن تقول : قرأت كتاب الله ، وقرأت من السنة ، ثم بعد ذلك قل ما شئت .
سير أعلام النبلاء (21/316) ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص368 .

وعودة مرة أخرى إلى ميادين السياسة والحرب بعد هذه الجولة العلمية في حياة أبي يوسف ، فقد كانت أولى المواجهات في عهده ، مع بني غانية ، العدو الأكبر للموحدين في الجزيرة الأندلسية بعد نصارى الشمال ، وبني غانية ، كما تقدم ، أبناء وأحفاد القائد المرابطي الشهير يحيى بن غانية ، رحمه الله ، وأخيه محمد بن غانية ، وهو الذي استقل بحكم الجزائر الشرقية ، وبقي الأمر في عقبه ، رغم سقوط القواعد المرابطية في الأندلس ، بأكملها ، في قبضة الموحدين ، ولذا شكلت الجزائر الشرقية خطرا كبيرا على السيادة الموحدية في الأندلس فهي بإمكانياتها الكبيرة وحسن تدبير ساستها وقربها من الجزيرة الأندلسية فضلا عن العداء التقليدي بين المرابطين والموحدين ، تشكل ، كما سبق ، تهديدا كبيرا أدى بالفعل إلى إضعاف الدولة الموحدية ، حيث بذل الموحدون في سبيل السيطرة على هذه البؤرة الخارجة عن حكمهم آلاف الرجال ، وانشغل الطرفان عن رسالتهما الخالدة في مواجهة نصارى إسبانيا العدو التاريخي منذ الفتح الأول سنة 92 هــــ .

وكان حكم الجزائر منذ سنة 520 هـــ ، لمحمد بن غانية ، الذي استطال حكمه لها زهاء ثلاثين عاما ، ونجح في الحفاظ على سيادة المرابطين عليها رغم سقوط الخلافة المركزية سنة 542 هـــ ، عقب مذبحة مراكش المروعة التي ذهب ضحيتها ، كما تقدم ، آخر أمراء المرابطين : أبي إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن علي بن يوسف .

وبعد محمد ، تولى الحكم بعده ، ابنه إسحاق بن محمد بن غانية ، وكانت له أياد مشكورة في تنمية موارد الجزائر الشرقية ، وأضحت أساطيلها القوية عاملا يحسب حسابه في ميزان القوى البحرية في الجانب الغربي من البحر المتوسط ، وكانت حملاتها تتردد غازية بانتظام لشواطئ الممالك النصرانية القريبة ، وهذا ما أعطى المسلمين بعدا استراتيجيا في هذه المنطقة الحيوية ، فكانت الجزائر الشرقية ، العمق الاستراتيجي للساحل الشرقي للأندلس الذي يحوي عددا كبيرا من المدن والقلاع الهامة وعلى رأسها بلنسية ومرسية ودانية وقرطاجنة ...... الخ ، وبتوالي الضربات على القواعد النصرانية القريبة سعت جمهوريات بيزة وجنوة والبندقية النصرانية إلى عقد المعاهدات مع بني غانية سادة الشطر الغربي من البحر المتوسط في هذه الآونة .

ولا شك أن هذا الأمر مما يحسب لبني غانية ، فالقوم كأسلافهم غزاة مجاهدون ، ولو قبل بنو غانية الانضواء تحت حكم الموحدين ، لاكتملت الصورة المشرقة لهم ، وبالفعل سعى إسحاق بعد انهيار حكم ابن مردنيش في شرق الأندلس ، إلى مصانعة الموحدين ومهادنتهم في عهد الخليفة يوسف بن عبد المؤمن ، رحمه الله ، الذي طلب من إسحاق الدخول رسميا في طاعة الموحدين ، فعرض إسحاق هذا الأمر على كبار أصحابه ، فاختلف رأيهم بين الاستجابة والرفض ، فرأى إسحاق أن يرجئ رده على الخليفة ، وخرج في أسطوله غازيا إلى بعض السواحل النصرانية القريبة ، فسقط ، رحمه الله ، شهيدا في بعض معاركه ، وقيل أنه طعن في حلقه ، وحمل حيا إلى ميورقة ، وهناك مات في قصره سنة 579 هــــ ، وأيا كان الأمر ، فقد نال هذا القائد الهمام ، فيما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا ، درجة الشهادة ، إما أثناء القتال ، أو بعده بفترة ، كحال سعد بن معاذ ، رضي الله عنه ، الذي نال الشهادة بعد انتهاء غزوتي الأحزاب وبني قريظة ، والله أعلم .

إذا غامرت في شرف مروم ******* فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ******* كطعم الموت في أمر عظيم

وبوفاة إسحاق ، رحمه الله ، تولى حكم الجزائر الشرقية ، ابنه محمد ، أكبر أولاده ، الذي رأى الحكمة في الاعتراف بطاعة الخلافة الموحدية في المغرب ، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ، من جهة المصلحة الشرعية بل والسياسية الدنيوية ، فجيوش الخليفة أبي يوسف تعبر للمرة الأولى إلى الجزيرة الأندلسية سنة 580 هـــ ، لاستئناف الجهاد ضد النصارى والخير ، كل الخير ، في تجنب الصدام مع هذه الجيوش الجرارة ، لأن قوى الجزائر الشرقية ، وإن ازدهرت في عهد إسحاق بن محمد بن غانية ، لا تقوى على مواجهة جيوش الخلافة ، فضلا عن أن هذا الصدام يشغل أبا يوسف عن المهمة المقدسة التي عبر من أجلها ، فالخير كما تقدم ، دينا ودنيا ، في نسيان الخلافات القديمة والتفرغ لمواجهة العدو المشترك .

والقارئ لا يستطيع أن ينكر ما أوقعه الموحدون بإخوانهم المرابطين ، في العدوة المغربية ، ناهيك عن الانحراف العقدي الواضح في دعوة الموحدين ، ولكن الحال اختلف في عهد أبي يوسف ، رحمه الله ، فالرجل قد تخلى عن كثير من معتقدات الموحدين المنحرفة ، فأبطل القول بعصمة ابن تومرت ، وإن لم يجهر بذلك تفاديا لوقوع الفتنة بين قبائل البربر التي ما زالت ، بسذاجتها وجهلها ، تعظم ابن تومرت وتزعم عصمته ومهدويته ، فضلا عن إعلائه راية الكتاب والسنة ، وإن غلا ، كما تقدم ، في مطاردة كتب الفروع ، وهو في نفس الوقت رجل من طراز فريد ، لا يخشى الداخل في طاعته ظلما أو حيفا ، فعلام الإعراض عن طاعة أمير كأبي يوسف رحمه الله ؟!!!! .

وكان لأخوة محمد بن إسحاق رأي آخر ، إذ رفضوا هذا الاعتراف بطاعة الموحدين ، فخلعوا أخاهم ، واعتقلوه ، ونصبوا علي بن إسحاق ، أميرا على الجزائر الشرقية ، وبدءوا ، في خطوة غير مسبوقة ، في غزو الأراضي الموحدية على الجهة الأخرى من العدوة المغربية ، فغزو مدينة "بجاية" الجزائرية بالتواطؤ مع أولياء بني حماد ، أمرائها السابقين والقبائل العربية الخارجة في تلك المنطقة .

وهذه خطوة في غاية السفه والحمق ، إذ كيف يتخلى بنو غانية ، عن دورهم البارز في السيطرة على مياه غرب المتوسط ، ليتحولوا إلى غزو إخوانهم في الدين بالتواطؤ مع بعض الخونة ، وشتان قادة غزاة مجاهدون في مياه المتوسط وظلمة معتدون متواطئون مع بعض الخوارج من القبائل العربية !!!! ، وأعني بالخوارج هنا الخوارج على حكم الموحدين لا الخوارج الفرقة المشهورة ، والله أعلم .

ونتيجة لهذه الخطوة الغريبة ، اضطر أبو يوسف إلى تجهيز الجيوش لرد هذا العدوان ، فشغل حينا ، عن جهاد النصارى في الأندلس ، فأدى ذلك إلى سقوط عدد من القواعد الأندلسية لعل أبرزها مدينة "شلب" ، في ولاية الغرب ، حيث سقطت في أيدي النصارى سنة 585 هــــ ، وعن هذه الضربة المؤلمة يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله :
(وكان سقوط مدينة شلب على هذا النحو ضربة قاصمة لسلطان الموحدين في ولاية الغرب ، إذ كانت هي آخر معاقلهم في تلك المناطق الحساسة ، وسقوطها بعد سقوط "باجة" قبل ذلك بعشرة أعوام ، يفتح الطريق لتهديد بقية ولايات الغرب في اتجاه "ولبة" و "لبلة" و "اشبيلية") .

وطال أمد الصراع بين الموحدين وبني غانية في إفريقية ، لأن بني غانية وحلفاؤهم قد اتخذوا الصحراء ملجأهم ، فكلما ضاقت عليهم الدائرة ولوا الأدبار إلى الصحراء ثم عادوا مرة أخرى لتهديد المدن الشمالية ، وهكذا ، ولو كروا وفروا على الشواطئ النصرانية في البحر المتوسط لكان خيرا لهم في دينهم ودنياهم .

بتصرف من تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص373 .

وبقضاء أبي يوسف ، رحمه الله ، على هذا التمرد ، عاد جهاد النصارى في الأندلس ليحتل سابق مكانته على الخريطة العسكرية الموحدية .
فبعد موقعة "شنترين" التي استشهد فيها الخليفة يوسف بن عبد المؤمن ، توقفت الحرب بين المسلمين والنصارى لعدة أعوام لسببين مهمين ، أشار إليهما الدكتور علي الصلابي ، حفظه الله ، وملخصهما :
أولا : انشغال الموحدين بثورات إفريقية ، كما تقدم ، فضلا عن مرض الخليفة أبي يوسف ، رحمه الله ، فقد كان ، كأبيه ، قائدا هماما ، لا يكتفي بإصدار الأوامر من غرف العمليات الوهمية ، وإنما يرغب في تولي قيادة الجيوش بنفسه ، ومن شابه أباه فما ظلم .

ثانيا : انشغال النصارى بخلافاتهم الداخلية ، التي تلاشت بمجرد تولي المطران الصليبي المتعصب "مارتن دي بسيرجا" مطرانية طليطلة ، إذ أذكى ذلك المطران نار التعصب في قلوب ملوك النصارى ، فبدءوا سلسلة من الاعتداءات على أراضي المسلمين في الأندلس ، وعاثوا فيها ، كعادتهم ، قتلا وهتكا وسبيا وتشريدا ، بقيادة ملكهم "ألفونسو الثامن" ، الذي وصل غروره لدرجة تحدي الخليفة أبي يوسف ، رحمه الله ، في خطاب استفزازي ، أورده ابن خلكان ، رحمه الله ، في "وفيات الأعيان" ونصه :
(باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض ، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح ، أما بعد :
فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب ، أنك أمير الملة الحنيفية ، كما أني أمير الملة النصرانية ، وقد علمت الآن ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية ، وإخلادهم إلى الراحة ، وأنا أسومهم بحكم القهر وجلاء الديار ، وأسبي الذراري ، وأمثل بالرجال ، ولا عذر لك في التخلف عن نصرهم إذا أمكنتك يد القدرة ، وأنتم تزعمون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم ، فالآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا ، لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا ، وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال ، وأشرفت على ربوة القتال ، وتماطل نفسك عاما بعد عام ، تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، فلا أدري أكان الجيش أبطأ بك أم التكذيب بما وعد ربك ؟ ، ثم قيل لي إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا لعله لا يسوغ لك التقحم معها ، وها أنا أقول لك ما فيه الراحة لك وأعتذر لك وعنك ، على أن تفي بالعهود والمواثيق والاستنكار من الرهان ، وترسل إلي جملة من عبيدك بالمراكب والشواتي والطرائد والمسطحات ، وأجوز بحملتي إليك ، وأقاتلك في أعز الأماكن لديك ، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك ، وهدية عظيمة مثلت بين يديك ، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك ، واستحقيت إمارة الملتين والحكم على البرين ، والله تعالى يوفق ويسهل الإرادة ، لا رب غيره ولا خير إلا خيره إن شاء الله تعالى) .

وأما ابن أبي زرع ، رحمه الله ، فقد أورد في "روض القرطاس" ، ص145 ، نصا مختصرا لهذه الرسالة المستفزة نقله المؤرخ يوسف أشباخ في "تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين" جاء فيه : (بسم الله الرحمن الرحيم ، من ملك النصرانية إلى أمير الحنيفية ، أما بعد ، فإن كنت عجزت عن الحركة إلينا ، وتثاقلت عن الوصول والوفود علينا ، فوجه لي المراكب والشباطي أجوز فيها جيوشي إليك ، حتى أقاتلك في أعز البلاد عليك ، فإن هزمتني فهدية جاءتك إلى يدك ، فتكون ملك الدينين ، وإن كان الظهور لي كنت ملك الملتين ، والسلام) ، ولم يدر ذلك الحقير من يخاطب ، وعلى نفسها جنت براقش !!!!

وفي الحال جاء رد أبي يوسف ، رحمه الله ، بعيدا عن الشجب والاستنكار وسحب البعثات الدبلوماسية وإغلاق السفارات والقنصليات ....... الخ ، إذ مزق كتاب ألفونسو ، وأمر ولده محمد الناصر ، أن يكتب الرد على ظهر قطعة منه فكتب : (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) .

فلا كتب إلا المشرفية والقنا ******* ولا رسل إلا للخميس العرمرم

وكأن الزمان قد عاد إلى الوراء ، إلى سنة 479 هـــ ، يوم رد يوسف بن تاشفين ، أمير المسلمين ، رحمه الله ، على رسالة ألفونسو السادس ، بنفس البيت .


وأتبع أبو يوسف ، رحمه الله ، القول بالعمل ، إذ أمر بإخراج القبة الحمراء وسيفه الكبير إيذانا بالدعوة العامة للجهاد ، فضجت العدوة المغربية من برقة شرقا إلى سلا غربا على الأطلنطي ، وعبر أبو يوسف ، رحمه الله ، في قواته إلى الجزيرة الأندلسية ، ونزل الجزيرة الخضراء في 20 رجب سنة 591 هـــ ، ونزل بالقرب من قلعة "الأرك" الشهيرة ، لما علم أن ألفونسو قد حشد قواته شمال قلعة "رباح" على مقربة من "الأرك" ، التي يقوم على أنقاضها اليوم كنيسة قديمة تدعى "sta maria de alarcos" ، أو "كنيسة القديسة مريم صاحبة الأرك" .

وعلى خلاف المعهود ، أيام عبد المؤمن ويوسف ، كان أبو يوسف ، رحمه الله ، ممن يحرص على مشورة كبار القادة والشيوخ ، فلم يكن مستبدا كأبيه وجده ، فاستمع إلى آراء القادة بما فيهم القائد الأندلسي العظيم : أبو عبد الله بن صناديد ، رحمه الله ، الذي كان بحكم مجاورته للنصارى ، من أعلم القادة بتكتيكات القوم الحربية وقدراتهم العسكرية .

الرأي قبل شجاعة الشجعان ******* هو أول وهي المحل الثاني

واستقر الأمر على تولي الوزير الشهير : أبي يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص ، رحمه الله ، القيادة العامة ، وكان من كبار وزراء أبي يوسف ، أو بمصطلح أهل المغرب الحبيب اليوم : "الوزير الأول" في دولة أبي يوسف ، وهو حفيد الزعيم الموحدي الشهير : عمر بن يحيى ، أبو حفص الهنتاتي صاحب ابن تومرت ، وكان رحمه الله مقداما شجاعا أهلا لما أسند إليه .

وفي حادثة غير مسبوقة في تاريخ الموحدين "الاستبدادي" ، تولى قيادة الجيوش الأندلسية ، قائد أندلسي هو : أبو عبد الله بن صناديد ، وهو ما أذكى حماسة الأندلسيين التي كانت تفتر دوما بتولي غيرهم قيادتهم ، فأحسوا بكيانهم المستقل الذي يتكامل ولا يتناقض مع القيادة المركزية .

وأشار ابن صناديد ، رحمه الله ، بتقسيم الجيش إلى 3 أقسام :
قسم يتصدى للهجوم الأول : وهو القسم الأندلسي بقيادته بالإضافة إلى الجند المغاربة النظاميين بقيادة القائد العام أبي يحيى رحمه الله .
وقسم يشكل القوة الاحتياطية : وهو يتألف من القبائل البربرية والمتطوعة غير النظاميين .
وقسم يكمن وراء التلال على مسافة قريبة ليسدد الضربة الأخيرة لجيش النصارى ويتولى قيادته أبو يوسف رحمه الله .

يقول الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، معلقا :
وهذه الخطة شبيهة بخطة المرابطين التي وضعوها في معركة الزلاقة عام 479 هـــ ، مما يدل على اهتمام أبي عبد الله بن صناديد ، رحمه الله ، بالدراسة التاريخية الواعية .
بتصرف من تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ص378 .
وصدق من قال :
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ******* ضل قوم ليس يدرون الخبر .

إن المتتبع لوقائع المعركتين يلمس تشابها كبيرا ، إن لم يكن تماثلا بينهما مع اختلاف الأشخاص ، فكلاهما معركة الإسلام في الأندلس ، فإما الانتصار على نصارى الشمال وإنقاذ ما تبقى من الجزيرة الأندلسية ، وإما الاندحار وفقد ما تبقى من القواعد والقلاع ، وإذا استبدلت أبا عبد الله بن صناديد بـــ "المعتمد بن عباد" و "أبا يحيى بن أبي حفص" بــــ "داود بن عائشة" و "أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن" بـــ "يوسف بن تاشفين" ، و"ألفونسو الثامن" بـــ "ألفونسو السادس" ، انقلبت "الأرك" إلى "الزلاقة" .

ولم يقتصر إسناد قيادة كل كتيبة إلى مقدمها على الأندلسيين فقط ، بل تعداه لكافة الفصائل المكونة للجيش الموحدي ، فقدم المنصور "جيرمور بن رياح" على جميع قبائل العرب ، و"منديل المغراوي" على قبائل مغراوة ، وعقد لـــ "محيو بن أبي بكر بن حمامة" على بني مرين ، ولـــ "جابر بن يوسف" على قبائل عبد الواد ، ولـــ "عبد القوي التجيني" على قبائل "تجين" ، ولـــ "تجليدر" على قبائل هسكورة وسائر المصامدة ، ولـــ "محمد بن منعفاد" على قبائل غمارة ، ولــــ "الحاج أبي خزر يخلف الأوريني" على سائر المتطوعة .

فالعناصر المكونة لهذا الجيش المبارك تبرز الالتحام القوي بين عناصر الأمة المسلمة في المغرب والأندلس تحت قيادة أبي يوسف ، رحمه الله ، فقبائل المغرب والجزائر ، والأعراب والمتطوعة ، والأندلسيون ، قد اجتمعوا تحت راية واحدة لمواجهة نصارى إسبانيا أمام ربوة "الأرك" ، في موقعة تاريخية لا تقل روعة عن معركة الفتح الأول بقيادة طارق بن زياد ، رحمه الله ، وموقعة الفتح الثاني بقيادة يوسف بن تاشفين رحمه الله .

وعن الساعات الأخيرة قبيل بدء العمليات العسكرية ، يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله :
(ووقعت قبيل المعركة بقليل في المعسكر الموحدي ، مناظر مؤثرة ، حيث قام القائد العام الوزير أبو يحيى ، رحمه الله ، وصاح بصوت جهوري يقول للناس : إن أمير المؤمنين يطلب إليهم أن يغفروا له ، فإن هذا موضع غفران ، وأن يتغافروا فيما بينهم ، وأن يطيبوا نفوسهم ، وأن يخلصوا نياتهم لله ، فبكى الناس ، وصاحوا من جانبهم بطلب الغفران من الخليفة ، وأنهم بيمن نيته وصدق طويته ، يرجون الخير من الرحمن ، ثم قام القاضي أبو علي بن حجاج ، وألقى خطبة بليغة تفيض حماسة وبيانا ، في الحث على الجهاد وفضله ومكانته وقدرة عند الله ، وكان لهذه الحركة آثارها في إنعاش النفوس وتنبيه الضمائر ، وتنقية السرائر ، وإذكاء العزائم) .
دولة الإسلام في الأندلس ، (5/203) .

وكانت لحظة رائعة ، عقدت فيها الأمة المغربية العزم على نصرة دين ربها ، وما نصر حطين عن أذهان القوم ببعيد ، إذ لم يمض عليه إلا 8 سنوات ، (سنة 583 هــــ) ، وإذا كان أهل المشرق قد كسروا شوكة عباد الصليب في حطين ، فإن أهل المغرب ليسوا بأقل منهم حزما وعزما وتضرما لحماية جناب الدين وكسر شوكة المعتدين ، وفي ذلك فلينافس المتنافسون .

والتقى الفريقان في ضحى التاسع من شعبان سنة 591 هـــ ، وكانت ضربة البداية لفرسان قشتالة الذين انقضوا ، كما تصفهم الرواية الإسلامية ، كالليل الدامس والبحر الزاخر ، أسرابا تتلو أسرابا وأمواجا تعقب أمواجا ، على قوات القلب التي يقودها الوزير البطل السيد أبو يحيى بن أبي حفص ، رحمه الله ، فدافع أبو يحيى وجنوده أشد الدفاع وقاتلوا أشد القتال ، ولكن الصدمة الأولى ، وإن نجح الموحدون في امتصاصها ، كانت عنيفة ، فسقط الوزير أبو يحيى ، رحمه الله ، وسقط معه جموع من هنتاتة والمتطوعة وغيرهم ، وعندئذ بدأ الموحدون في الهجوم بقيادة ابن صناديد ، رحمه الله ، الذي قاد الجيوش الموحدية ، بجملتها نحو محلة القشتاليين ، فكثر القتل في مقدمتهم ، وبمرور الوقت بدأت جموع النصارى في التقهقر شيئا فشيئا ، حتى انتهى بهم الأمر إلى الفرار نحو الربوة التي تحتلها محلتهم ، وفر ألفونسو الثامن ، كما فر جده ألفونسو السادس يوم الزلاقة ، والتجأت فلول النصارى إلى حصن الأرك بقيادة الدون "ديجو لوبيز دي بسكاية" ، وقدرت رواية ابن الأثير والنويري ، رحمهما الله ، خسائر النصارى بـــ : 146 ألف قتيل ، و 30 ألف أسير .

ويرى الأستاذ عنان ، رحمه الله ، أن في هذه الأرقام نوع مبالغة ، ويميل إلى قول يوسف بن عمر ، مؤرخ الموحدين ، الذي نقله صاحب البيان المغرب ، وهو أن عدد قتلى النصارى لم يتجاوز 30 ألف قتيل في مقابل 20 ألف قتيل من الموحدين .

ولكن هذين الرقمين لا يعبران عن عظم الخسارة التي مني بها النصارى ، لأنها أرقام شبه متعادلة ، مع ما علم من تعادل الكفتين من الناحية العددية والعسكرية قبل بدء المعركة ، فإذا كان الأمر كذلك ، فلم فر النصارى في فلول ضئيلة كما تذكر الروايات ، طالما أن عماد جيشهم لم يفن ، بدليل توازن الكفتين ، طبقا للرقمين الأخيرين ، إن قتل 30 ألف في مقابل 20 ألف أمر يمكن تداركه ، وأما قتل 146 ألف في مقابل 30 ألف فهو الخطب الذي لا يمكن تداركه والذي يتفق مع نكبة النصارى يوم الأرك وفرار ملكهم والتجاء فلولهم الضئيلة إلى حصن الأرك ، والله أعلم .

وعن بلاء أبي يوسف ، رحمه الله ، يوم الأرك ، يقول صاحب البيان المغرب رحمه الله : (فقال أبو يوسف المنصور لخاصته ومن طاف به : "جددوا نياتكم وأحضروا قلوبكم" ، ثم تحرك وحده وترك ساقته على حالها وسار منفردا من خاصته مقدما لشهامته ونجدته ، ومر على صفوف ، وألقى إليهم بنفسه كلاما وجيزا في الهجوم على عدوهم والنفوذ إليه ، وعاد إلى موضعه وساقته) .
البيان المغرب ، ص194 ، 195 ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص380 .


وعن الاستراتيجية العسكرية للموحدين يوم الأرك يقول الأستاذ عنان رحمه الله : (ولقد كان انتصار الموحدين في معركة الأرك ، يرجع فضلا عن تفوقهم العددي ، "ولم يكن هذا التفوق ملحوظا بحيث يصح نسبة النصر إليه ابتداء بل إن بعض الروايات ترجح كفة النصارى على كفة المسلمين في العدد" ، يرجع إلى عدة أسباب ، روعي تحقيقها لأول مرة في الغزوات الموحدية الكبرى ، وأولها وأهمها العناية بالمحافظة على نظام الجيش ، وتوفير تموينه ومؤنه بصورة مؤكدة ، وتقسيم حشوده ، وتنظيم قياداته ، وتعيين قائد عام يشرف على هذه القيادات ، واعتماد الخليفة على مشورة قواده ، ثم مراعاة الحزم والسرعة في تحرك الجيش ، وإعداده لضرب العدو على الفور ، فهذه الميزات التي روعي تحقيقها في الجيش الموحدي ، كانت كفيلة بأن تحقق له الظفر في معركة الأرك ، وأن تجنبه تلك المفاجآت السيئة ، التي أصيب بها في غزوة "وبذة" ، ثم بعد ذلك في نكبة "شنترين") .

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/213 ، 214) .

وقبل كل ذلك كان توفيق الله ، عز وجل ، لجيوش الموحدين في هذه الموقعة ، والإعداد المبكر للأمة قبل خوض هذه المعركة بتصحيح المعتقد وإبطال كثير من آراء ابن تومرت المنحرفة ومحاربة صور الفساد في الدولة المسلمة ، وتقوية الجبهة الداخلية ، كان كل ذلك من الأسباب التي مهدت لهذا النصر العظيم .


وعلى غير العادة ، كما تقدم ، لم يكن الخليفة أبو يوسف مستبدا ، كأبيه وجده ، بل كان حازما عاقلا يصغي لآراء كبار قادته ، فكان الأمر شورى ، ولم تكن القرارات ارتجالية كما كانت في نكبتي "وبذة" و "شنترين" ، وحق على الله أن ينصر من نصره ، وتلقب أبو يوسف ، رحمه الله ، بعد هذا النصر العظيم بــــــ "المنصور بفضل الله" ، واستحق الفتى المغربي الأبي ، وكان في السادسة والثلاثين من عمره ، ثناء مؤرخي المسلمين من لدن يوم الأرك إلى يومنا هذا .

ولا ننسى في خضم الثناء على أبي يوسف ، رحمه الله ، أن نخص وزيره العظيم السيد أبا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص ، رحمه الله ، بالتحية العطرة ، سائلين الله ، عز وجل ، أن يتقبله في عداد الشهداء ، وقد كان له أبلغ الأثر في إدارة دفة القتال ، وتثبيت الجموع الموحدية أمام جحافل فرسان قشتالة الذين باغتوا المسلمين في بداية النزال ، ولكل سلعة ثمن ، وكان الثمن غاليا :
تريدين إدراك المعالي رخيصة ******* ولا بد دون الشهد من إبر النحل .

فرحم الله أبا يحيى وجموع الشهداء الذين قضوا يوم الأرك لتبقى راية الإسلام مرفوعة في شبه الجزيرة الأيبيرية .

ولا زالت مئذنة اشبيلية العظيمة ، "لا خيرالد" أو "la giralda" التي أمر المنصور بإنشائها استكمالا لمنشآت المسجد الجامع في اشبيلية شاهدة على نصر "الأرك" .

وقضى أبو يوسف ، رحمه الله ، شتاء ذلك العام ، في اشبيلية ، حاضرة ملكه في الأندلس ، ليستأنف الغزو مع حلول الربيع ، وكانت الغاية هذه المرة منطقة "استرمادورة" ، وبدأ الموحدون غزوتهم بحصار حصن "منتانجش" ، أمنع حصون "بطليوس" ، وأخرج حاميته القشتالية بالأمان ، وأمر أبا عبد الله بن صناديد ، رحمه الله ، مقدم الجيوش الأندلسية بإيصال الحامية القشتالية إلى المنطقة الآمنة ، ولكن حدث أن هاجمتهم جماعة من "أوباش العرب" ، فأثارت هذه الخيانة حفيظة أبي يوسف ، رحمه الله ، وأمر بسجن من عثر عليه من المعتدين ، ورد النساء والأطفال إلى ذويهم ، وأوصل الجند القشتاليين آمنين إلى أوائل بلادهم .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (5/218) .
وللعهد مكان ، أي مكان ، في شريعة المسلمين ، قال تعالى : (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) ، ونقض العهود خصلة من خصال النفاق العملي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .

وحاول أبو يوسف ، رحمه الله ، على خلفية انتصار "الأرك" العظيم ، استرداد "طليطلة" ، عاصمة قشتالة ، فحاصرها وضيق عليها ، كما يقول المقري ، رحمه الله ، في "نفح الطيب" ، وضربها بالمجانيق حتى أوشكت على السقوط ، فخرجت إليه والدة "ألفونسو الثامن" ، ملك قشتالة وبناته ونساؤه ، ومثلن بين يديه باكيات متضرعات إليه ، أن يبقي البلد عليهن ، فرق المنصور لضراعتهن ، وكف عن ضرب المدينة ، ووهب لهن قدرا من المال والجوهر وردهن مكرمات .

هذه خلاصة رواية المقري ، رحمه الله ، كما ذكرها الأستاذ عنان ، رحمه الله ، وقد علق عليها بقوله : (وهذه رواية يصعب علينا تصديقها لمجانبتها للمنطق والمعقول) .

والنفس تميل لرأي الأستاذ عنان ، رحمه الله ، إذ كيف يهدر أبو يوسف ، رحمه الله ، هذه الفرصة الذهبية لافتتاح "طليطلة" عاصمة العدو النصراني الخالد ، وقد أوشكت على السقوط لأجل تضرع نساء "ألفونسو الثامن" ، ولو صدقت رواية المقري ، رحمه الله ، لعد ذلك من أكبر أخطاء أبي يوسف ، رحمه الله ، لأن مصلحة إكرام أم "ألفونسو" ونسائه ، وإن كانت أمرا مطلوبا شرعا فقد أمرنا بإنزال الناس منازلهم ونهينا عن التعرض للنساء ما لم يقاتلن ، هذه المصلحة ، وهي مصلحة خاصة ، لا تنهض لمصلحة الأمة ، العامة ، باسترداد طليطلة ، والشريعة ، كما قرر الأصوليون ، جاءت لجلب أكبر قدر ممكن من المصالح ، ودفع أكبر قدر ممكن من المفاسد ، وتقديم أولى المصلحتين عند التعارض أمر لا يخفى على عالم فقيه كأبي يوسف ، رحمه الله ، ولا يقال بأن عدم استجابته لتضرعهن يتناقض و "أخلاق الفرسان" التي تجنح ، في مخيلة الكثيرين ، لنوع من "المثالية الجوفاء" ، فهذه الأخلاق لا تتعارض مع افتتاح طليطلة ، إذ كان بإمكانه إكرامهن ، مع المضي قدما في فتح طليطلة ، والتراخي في هذه المواطن إهدار لمصالح الأمة العظمى ، والله أعلم .

ومع بعض الوقفات في حياة هذا الخليفة العظيم :
وأولها مع أبي الوليد بن رشد ، الحفيد ، رحمه الله ، وقد سبقت الإشارة إلى طرف من شأنه مع يوسف بن عبد المؤمن ، أبو الخليفة المنصور ، ومع أبي يوسف ، كان لأبي الوليد شأن أعظم وأخطر ، إذ أمر الخليفة المنصور في سنة 591 هـــ بنفي أبي الوليد إلى "اليسانة" ، بعد أن أثار أبو الوليد حفيظة خصومه بآرائه الفلسفية المحيرة ، ولا شك أن أبا الوليد ، رحمه الله ، قد أثار الشكوك حوله بتعاطيه لعلوم الفلسفة ، بكل ما فيها من تخليط ، ومحاولته الفاشلة المزج بينها وبين علوم الشريعة ، وشتان شرع رب العالمين وأقوال ضلال فلاسفة اليونان ، وهي محاولة عقيمة سبقه إليها ابن سينا في "إشاراته" ، لما هذب مذهب أرسطو وقربه قليلا إلى الأديان ، فكانت محاولته للتقريب بينهما كمحاولة البعض ، في العصر الحاضر ، التقريب بين السنة والشيعة !!!! ، فكلا الأمرين تقريب بين متناقضين لا يمكن اجتماعهما أصلا فضلا عن التقريب بينهما ، ولا شك أن ابن رشد ، رحمه الله ، كان أحسن حالا من "ابن سينا" ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، فلم يجنح جنوحه ، ومع ذلك كان الأولى به أن يتقي مواطن الشبهة ويربأ بنفسه عن الخوض في مثل هذا العلم العقيم قليل النفع ، وإن تكلف له المتكلفون من علماني زماننا ، ويا أبا الوليد عفا الله عنك : من اتقى الشبهات فقد ، استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .

ولا يستطيع أحد أن ينكر مواهب أبي الوليد ، رحمه الله ، العقلية ، فهو من أذكياء زمانه ، ولقد استفادت الأمة من مواهبه العقلية وبراعته في علوم الفقه والطب ، أيما استفادة ، حتى رأيناه يضمن آراءه الطبية الدقيقة في كتاب فقهي جليل كـــ "بداية المجتهد" مستشهدا بها في مسائل معينة لا يعرفها إلا حذاق الأطباء ، ولو سار على هذا النهج المحمود في الجمع بين علوم الشريعة والحياة لما لامه أحد ، ولكنه جنح إلى إعمال العقل استقلالا في علوم الشريعة التي تقوم أساسا على النقل الصحيح .

وعلوم الحياة العقلية ، عند التحقيق ، خادمة لعلوم الشريعة النقلية لا حاكمة عليها ، فالعقل مهما أوتي من فطنة وذكاء لا يمكنه الاهتداء بمفرده للغيبيات ، أو ما يطلق عليه في العصر الحاضر "ما وراء الطبيعيات" ، ومحل عمل العقل في مسائل الغيب يأتي بعد ورود النقل ، ولا تعارض بينهما ، إلا إذا كان النص باطلا أو العقل فاسدا ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ، رحمه الله ، وإذا صح النص فاتهم عقلك ولا تغتر بمن اتكأ على أريكته وشرع يخوض في مسائل الغيب تحت مسمى حرية الفكر ، ولو تتبعت أحواله لوجدته من أجهل خلق الله ، وربما كان ممن لا يحسن الوضوء والصلاة ، ومع ذلك يبيح لنفسه أن يخوض في مسائل القضاء والقدر والجنة والنار وعذاب القبر .................. الخ .

وقد أثارت هذه النكبة التي استمرت 3 سنوات ، قبل أن يعفو الخليفة عن ابن رشد سنة 594 هـــ ، حفيظة كثير من أبناء المدرسة العقلية ، أو من تأثر بها ، وخاصة في مطلع القرن الماضي ، وكان الأستاذ محمد عبد الله عنان ، ممن نقم على المنصور إذ يقول : (تلك هي أدوار المأساة المشجية التي اقترنت بحياة فيلسوف من أعظم أقطاب التفكير الإسلامي والتفكير العالمي ، ولقد تكررت هذه المأساة ، التي اتخذت صورة الاضطهاد الفكري ، غير مرة في ظل المرابطين ثم الموحدين ، وكانت مطاردة ابن رشد ومحاكمته ، بلا ريب وصمة في عهد خليفة عظيم عالم كالخليفة المنصور ، بيد أنها تكشف بالأخص عن روح التزمت العميق التي كان يتسم بها التفكير الديني في عهد الموحدين) .

دولة الإسلام في الأندلس (5/228 ، 229) .

وهي كلمات ، وإن كانت مؤثرة من الناحية العاطفية ، إلا أنها تحمل في طياتها لمزا واضحا لعلماء الشريعة ، فهي تصور المعركة بين فريقين : فريق مستنير يباشر العلوم العقلية وفريق متعصب يباشر العلوم النقلية ، والأولون هم الفلاسفة ، والآخرون هم علماء الشريعة ، والمشكلة القائمة في أذهان أتباع المدرسة العقلية : أنهم يتصورون وجود تعارض موهوم بين علوم الشريعة وعلوم العقل ، ويرون الأولى قيدا مكبلا لحرية الفكر المزعومة التي يتشدقون بها في كل موضع ويلتمسون بها العذر لكل مارق ، فإذا ما خرج علينا من يخوض في مسائل العقيدة ويخبط فيها خبط عشواء ، فتصدى له علماء الملة ، انبرى أنصاره للدفاع عنه واستصراخ الأمم لإنقاذ هذا المثقف المضطهد ، ضحية الفكر الرجعي المتزمت ، فجعلوا من الإسلام شيئا كـــ "كهنوت" الكنيسة النصرانية في القرون الوسطى ، التي كانت بالفعل تحجر على الآراء وتضطهد العلماء في وقت كان الإسلام ، "المتزمت بزعمهم" ، قد وصل إلى غاية الرفعة والكمال في العلوم الشرعية والعقلية ، وعليه فإنه ، وطبقا لتصورهم ، لابد من خلع هذا الثوب العتيق ، كما خلعت أوروبا ثوب الكنيسة البالي ، لنستقبل عصرا جديدا تهب فيه نسائم الحرية والتقدم ، كما حدث في أوروبا في بداية القرن الماضي ، ونسي القوم ، أن آراء الكنيسة كانت من الأساس باطلة ، فلا ضرر من خلع باطل ، وقد خلعه القوم بالفعل فحققوا بعض الإنجازات المادية التي روجوا لها على أنها "الحضارة الحقيقية" ، وفي المقابل انحدرت مجتمعاتهم إلى درك الرذائل والموبقات فاستحلوا كل الفواحش ، ما ظهر منها وما بطن ، باسم "الحرية" طبعا ، فاغتر بعض السذج من أبناء المسلمين بهذه الإنجازات المادية حتى غدت الحضارة في تصورهم : سيارة أو طائرة أو صاروخا ......... الخ ، وتحصيل هذه الوسائل بلا شك أمر محمود ، ولكنها من اسمها "وسائل" وليست "غايات" ، فليست الغاية التي خلقنا من أجلها صناعة السيارات والطائرات ، والحضارة في حقيقتها هي الدين ، لأن الدين عقيدة وشريعة ، والشريعة : عبادات ومعاملات ، فهو يفي بكل احتياجات البشر ، في تعاملهم مع خالقهم ، وتعاملهم مع غيرهم ، بل وفي تعاملهم مع أي مخلوق وإن كان بهيما لا ينطق أو حجرا لا يشعر ، فأين هذا من بعض الاختراعات المادية البحتة التي أساء القوم استخدامها لانعدام الحضارة الحقيقية في مجتمعاتهم ، وشتان نور شريعة الإسلام التي تذكي القلوب والعقول وظلمة كهنوت الكنيسة في العصور الوسطى ، ومن أراد التسوية بينهما ليسوغ لنفسه الانحلال تحت مسمى التحرر فهو معتد أثيم ، ومن توهم أن الأخذ بأسباب الدنيا لا يكون إلا بنبذ أحكام الشريعة ، وأن زمن "الإنترنت" و "الأقمار الصناعية" لا مكان فيه لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو هالك لا محالة وإن ملك الدنيا بأسرها ، والله أعلم .

ومع وقفة أخرى في حياة أبي يوسف وهي : سفارة الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله ، للمنصور ، حيث رغب صلاح الدين في الاستعانة بالأساطيل الموحدية على رد عدوان الصليبيين المتكرر على سواحل مصر والشام ، وكان للأسطول الموحدي شأن رفيع في البحر الأبيض المتوسط في تلك الفترة ، ولكن أبا يوسف ، رحمه الله ، اعتذر عن إعارة الأسطول ، كما ذكر ذلك ، ابن خلدون ، رحمه الله ، وفي بيان سبب هذا الاعتذار لدينا روايتان :

رواية ابن خلكان ، رحمه الله ، وفيها أن أبا يوسف لم يستجب لنداء صلاح الدين لأنه لم يلقبه بألقاب الخلافة ، وهي رواية ظاهرة الضعف والغرابة ، كما يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، لأن الظن برجال كأبي يوسف وصلاح الدين ، أنهم ممن لا يتقاعس عن نصرة الدين لأجل مراسم ملوكية عقيمة .

والرواية الثانية ، وهي التي أيدها الأستاذ عنان رحمه الله والقلب إليها أميل ، أن الأسباب الحقيقية لموقف أبي يوسف يجب أن تفهم على ضوء الحوادث والظروف التي كان يجوزها الغرب الإسلامي في تلك الفترة ، فقد كانت إفريقية وهي منطقة حساسة من المغرب ما تزال معرضة لعدوان بني غانية ، ومن إليهم من الأعراب الضالعين معهم ، وكانت الأندلس تواجه مثل الأخطار التي كان يواجهها الشرق الإسلامي من عدوان النصارى والصليبيين ، وبالرغم من نجاح الموحدين في غزو البرتغال واستردادهم لقصر الفتح وشلب ، فإنه كان ثمة احتمال دائم بأن يتكرر عدوان البرتغاليين وحلفائهم الصليبيين القادمين من الثغور الشمالية على غربي الأندلس ، وأن يتكرر عدوان القشتاليين على أواسطها ، وقد كانت الأساطيل الموحدية ، التي كان صلاح الدين يطمح بالأخص إلى عونها ، ترابط باستمرار في مياه الأندلس الجنوبية والغربية ، استعدادا لمؤازرة الجيوش الموحدية لرد كل عدوان محتمل ، ومن ثم لم يك ثمة إزاء هذه الظروف والأخطار كلها ، فيما يبدو ، مجال لأن يتقدم عاهل المغرب إلى غوث إخوانه المشارقة ، بقوات كان هو في أشد الحاجة إليها ، وكان على كل فريق أن يعتمد على نفسه في رد العدوان الذي يواجهه .

ويمضي الأستاذ عنان ، رحمه الله ، فيقول : (على أننا نستطيع ، بالرغم من هذه الآثار السلبية التي انتهت إليها محاولات صلاح الدين للحصول على عون الخليفة الموحدي ، أن نقول إنها كانت تنطوي على نفس المغزى العظيم الذي أوحى ببذلها ، وهو رسوخ التضامن الروحي وقوة المشاعر المشتركة ، بين شطري الكتلة الإسلامية ، في المشرق والمغرب ، في تلك العصور التي تعرض فيها كلاهما لمحنة العدوان الصليبي)

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/185 ، 186) .


وعودة إلى أبي يوسف ، رحمه الله ، وقد شارفت أيام حكمه الزاهر على الانقضاء ، إذ نراه وقد اقترب الأجل يقول وعيناه تذرفان الدمع : (أوصيكم بتقوى الله تعالى ، وبالأيتام واليتيمة ، فسأله الشيخ أبو محمد عبد الواحد عن الأيتام واليتيمة ، فقال : اليتيمة جزيرة الأندلس ، والأيتام سكانها المسلمون ، وإياكم والغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها وحماية ثغورها ، وتربية أجنادها وتوفير رعيتها ، ولتعلموا أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها ، ونحن الآن قد استودعنا الله تعالى ، وحسن نظركم فيها ، فانظروا من المسلمين ، وأجروا الشرائع على مناهجها) .

فكان المنصور ، رحمه الله ، بكلماته هذه ، موضع التأسي ، فهو راع لا يهمل شئون رعيته في أحرج لحظات حياته ، فلله درك راعيا أبا يوسف ، والعظيم لا يجزع عند نزول الشدائد .

وكان المنصور بعيد النظر إذ أوصى بالجزيرة الأندلسية وأهلها ، فالعدو النصراني ما زال متربصا في الشمال رغم هزيمة الأرك ، وقد وقع ما كان المنصور يخشاه ، بعد 14 سنة من وفاته في موقعة "العقاب" الشهيرة في عهد ابنه وخليفته : محمد الناصر لدين الله .

ويحكي صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، أن المنصور لما اشتد به المرض ، وشعر بدنو أجله ، قال لمن كان حوله من الأشياخ : (ما ندمت على شيء فعلته في خلافتي ، إلا على ثلاث ، وددت أني لم أفعلها ، أولها : إدخال العرب من إفريقية إلى المغرب لأني أعلم أنهم أهل فساد ، والثانية : بناء رباط الفتح ، أنفقت فيه من بيت المال ، وهو بعد لا يعمر ، والثالثة : إطلاق أسارى الأرك ، ولابد لهم أن يطلبوا بثأرهم) .

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/237) .

والثالثة ، إن صحت ، من أخطاء المنصور ، رحمه الله ، فما أشبهها بقصة حصار طليطلة ، إن صحت هي الأخرى ، فالمن على أسارى الأرك بإطلاق سراحهم في تلك الآونة ، تقوية لعضد النصارى الذين ما برحوا يتحرشون بمسلمي الأندلس فكيف يعان القوم على باطلهم ؟!!! ، ولا شك أن هذا التصرف ، وإن كان مما يسعد أصحاب الرؤى المثالية التي لا وجود لها إلا في خيالاتهم ، لم يعد على المسلمين بأي نفع ، فلا القوم تأثروا بفروسية المنصور فدخلوا في دين الله أفواجا ، ولا هم كفونا شرهم وامتنعوا عن قتالنا ، والله أعلم .


ومع خلال هذا الأمير العظيم تكون الوقفة الأخيرة :
فالذهبي ، رحمه الله ، يذكر في ترجمته في سير أعلام النبلاء قول تاج الدين ابن حموية : دخلت مراكش في أيام يعقوب ، فلقد كانت الدنيا بسيادته مجملة ، يقصد لفضله وعدله وبذله وحسن معتقده ، فأعذب موردي ، وأنجح مقصدي ، وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء ، تفتح بالتلاوة ثم الحديث ، ثم يدعو هو ، وكان يجيد حفظ القرآن ، ويحفظ الحديث ، ويتكلم في الفقه ، يناظر ، وينسبونه إلى مذهب الظاهر ، وكان فصيحا ، مهيبا ، حسن الصورة ، تام الخلافة ، لا يرى منه اكفهرار ، ولا من مجالسه إعراض ، بزي الزهاد والعلماء ، وعليه جلالة الملوك ، صنف في العبادات ، وله "فتاوى" ، وبلغني أن السودان ، أي أهل غرب إفريقية ، قدموا له فيلا فوصلهم ، ورده ، وقال : لا نريد أن نكون أصحاب الفيل ، وكان يجمع الزكاة ويفرقها بنفسه ، وعمل مكتبا للأيتام فيه نحو ألف صبي ، وعشرة معلمين ، وحكى لي بعض عماله : أنه فرق في عيد نيفا وسبعين ألف شاة .

ويمضي الذهبي فيقول :
وكان يهتم بطلاب العلم الذين يأتون من الآفاق ، وقال ذات مرة : يا معشر الموحدين ، أنتم قبائل ، فمن نابه أمر ، فزع إلى قبيلته ، وهؤلاء ، يعني طلبة العلم ، لا قبيل لهم إلا أنا ، فعظموا عند الموحدين .

ويقول :
وكان يجمع الأيتام في العام ، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف ورمانة ، واهتم بالمرضى وبنى لهم مارستان وغرس فيه من جميع الأشجار ، وزخرفه وأجرى فيه المياه ، ورتب له كل يوم ثلاثين دينارا للأدوية ، وكان يعود المرضى في الجمعة .

ويقول أيضا :
ولم تكن للفلاسفة عنده مكانة وأحرق كتبهم واهتم بالطب والهندسة ، وحارب الخمر في ملكه وتوعد عليها فعدمت .

وعنه يقول ابن كثير رحمه الله :
كان دينا حسن السيرة صحيح السريرة ، وكان مالكي المذهب ، ثم صار ظاهريا حزميا ، ثم مال إلى مذهب الشافعي واستقضى في بعض بلاده قضاة منهم ، وكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة ، وكان كثير الجهاد ، رحمه الله ، وكان يؤم الناس في الصلوات الخمس ، وكان قريبا إلى المرأة والضعيف رحمه الله .

ولابن العماد ، رحمه الله ، مشاركة في ترجمة هذا الخليفة العظيم إذ يقول :
كان ذكيا شجاعا مقداما محبا للعلوم كثير الجهاد ....... ظاهري المذهب ، معاديا لكتب الفقه أباد منها شيئا كثيرا بالحريق وحمل الناس على التشاغل بالأثر .

نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص368 ، 369 .

فأبو يوسف ، رحمه الله ، صنف عجيب من البشر ، جمع الله ، عز وجل ، له من الفضائل ، ما تفنى الأعمار في تحصيلها ، فالرجل رقيق القلب ، قريب من المرأة واليتيم ، تستوقفه المرأة والضعيف في الطريق حتى يقضي حاجتهما ، يوزع الصدقة ويعود المرضى بنفسه ، معظم للشريعة ، يؤم الناس في الصلاة ، ملم بعلوم الدين والدنيا من كتاب وسنة وفقه وطب وهندسة ، محارب للخبائث ، مقاتل صنديد يقود الجيوش بنفسه ، زاهد ورع ، مهيب حسن الصورة ، وبمثل أبي يوسف يؤيد الله ، عز وجل ، هذا الدين ، ولسان حال هذا الشاب المغربي الشهم ، وقد أمضى شطرا من عمره في تحصيل هذه الفضائل ، لسان حاله يقول :
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ******* فما انقادت الآمال إلا لصابر

والمنصور ، رحمه الله ، بلا جدال ، درة التاج الموحدي وواسطة عقد بني عبد المؤمن ، وقد أفاضت الرواية الإسلامية ، كما تقدم ، بمآثر هذا الخليفة العظيم ، وامتدحت تصرفاته وسياسته ، سواء من الناحية الداخلية أو الخارجية ، وأشادت ، بشكل خاص ، بغيرته الجهادية ، وتفانيه في الذود عن قضية الإسلام في الأندلس ، فالطابع الجهادي كان أبرز سمات عصر أبي يوسف ، رحمه الله ، شأنه في ذلك شأن أبيه وجده ، فثلاثتهم ، كما تقدم ، كانوا من الملوك الذين لا يؤثرون الراحة بل يقودون الجيوش بأنفسهم ، وإن تميزت قيادة المنصور بأنها الأكفأ والأقدر ، لا سيما يوم الأرك العظيم .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله :
(كان الخليفة يعقوب المنصور أعظم خلفاء الدولة الموحدية ، إذا استثنينا جده عبد المؤمن ، مؤسس الدولة وموطد دعائمها ، وفي ظله بلغت الدولة الموحدية أوج قوتها وعظمتها ، وظهرت على يديه روعة الملك وفخامته في أبهى حللها) .

وعند التحقيق ، يظهر أن دولة أبي يوسف ، كانت أعظم من دولة عبد المؤمن ، لأن الطابع الديني المنحرف لدولة عبد المؤمن والطابع العسكري الدموي لها لم يعد له وجود في عهد أبي يوسف ، رحمه الله ، والدول لا تنهض إلا على صحة المعتقد وإقامة العدل بلا سفك الدم الحرام ، كما كان الأمر أيام عبد المؤمن .

ويواصل الأستاذ عنان فيقول : (وقد رأينا المنصور منذ بداية حكمه ملكا حازما ، يعمل على إقامة العدل وتوطيد أسسه ، والنظر في الأحكام بنفسه ، ومراقبة أعمال الولاية والعمال ، ومحاسبتهم ، ومطاردة من ينحرف منهم عن جادة الحق والعدل وعزلهم ، ثم رأيناه ملكا صالحا يضطرم بروح إنشائية قوية ، ويعنى بإقامة المنشآت العظيمة ، من مدن وحصون وجوامع وغيرها ، سواء بالمغرب أو بالأندلس .

وأول ما تشيد به الرواية من صفات المنصور هو ورعه وتقواه ، والتزامه أحكام الشريعة وسننها ، ومحاولة تطبيقها على حقيقتها ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، حتى في أهله وعشيرته الأقربين ، وكان مثل جده عبد المؤمن يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس ، ويأمر بالمناداة عليها ، ويعاقب على تركها ، وكان يشتد في إقامة الحدود ، ويذهب في ذلك أحيانا إلى حدود بعيدة ، حتى قيل إنه عاقب على شرب الخمر بالقتل ، وأمر بقتل بعض العمال الذين تشكو الرعية منهم) .

ولعل أمره بقتل شارب الخمر ، كان اتباعا منه لابن حزم ، رحمه الله ، الذي أخذ بحديث قتل شارب الخمر إذا تعاطاها للمرة الرابعة ، إذ يجلد أولا وثانيا وثالثا ، فإن لم يرتدع قتل بكل حال ، عند ابن حزم رحمه الله ، وقتل إذا لم يندفع شره إلا بالقتل فيكون قتله من باب قتل الصائل المعتدي الذي لا يرد اعتداؤه إلا بالقتل ، عند شيخ الإسلام رحمه الله ، والحديث أحد حديثين في جامع الترمذي ، رحمه الله ، قال عنهما : إن العلماء لم يأخذوا بهما مع أخذهم بكل أحاديث الجامع ، وتحقيق صحة الحديث وتحرير المسألة تحريرا كاملا مما لا يتسع له المجال ، والأمر يحتاج إلى مزيد مراجعة ، والله أعلم .

وعن مواهب أبي يوسف الإدارية يقول الأستاذ عنان : (وأما عن كفاية المنصور ومواهبه الإدارية والإنشائية ، فلدينا من ذلك تفاصيل عديدة ، فقد كان المنصور في الواقع من أقدر الخلفاء الموحدين في فهم شئون الدولة الإدارية وتنظيمها ، وكانت ولايته لوزارة أبيه مدرسة درس فيها هذه الشئون خير دراسة ، وفيها ، كما يقول المراكشي رحمه الله ، بحث عن الأمور بحثا شافيا ، وطالع أحوال العمال والولاة والقضاء وسائر من ترجع إليه الأمور مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور) .

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/238_248) .

وليوسف أشباخ ، قول منصف في حق أبي يوسف ، رحمه الله ، إذ يقول : (كان يعقوب المنصور من أعظم ملوك الموحدين إلى ذروتها ، ولم يشد أمير من أسرته مثل ما شاد من المساجد والأبنية الفخمة ، وكان رفيع الخلق ، قلما يعرف الثأر وكثيرا ما يؤثر الصفح ، وهي فضيلة يندر وجودها في النفوس المغربية الجائشة ، وكان كثير الحب للعلماء يثيب علمهم وفضلهم بأكرم ما يهب الملوك ، وكان يبدي في اختيار وزرائه ذكاء وبعد نظر ، وينتخب أكفأ الأشخاص لجميع فروع الإدارة ، وكان على صلات وثيقة مع معظم ملوك المسلمين في عصره) .

ولم يخل الأمر ، من لمز خفي ، من يوسف أشباخ ، كعادته ، لأبي يوسف ، رحمه الله ، إذ يرجح بعد هذه الترجمة الضافية ، رواية ابن خلكان ، رحمه الله ، في امتناع المنصور عن نجدة صلاح الدين ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والله أعلم .

تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، (2/90) .

وعن شخص أبي يوسف ، رحمه الله ، يقول صاحب المعجب : (بأنه كان شديد السمرة ، طويل القامة ، جميل المحيا ، أعين ، أفوه ، أقنى الأنف ، شديد الكحل ، مستدير اللحية ، ضخم الأعضاء ، جهوري الصوت ، جزل الألفاظ) .

وبرحيل هذا الرجل العظيم ، تطوى أعظم صفحات دولة الموحدين ، بل أعظم صفحات المغرب الإسلامي بعد صفحة يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، وما بعد الكمال إلا النقص ، وكانت بداية النهاية مع محمد الناصر لدين الله ، ابن أبي يوسف يعقوب رحمه الله .

والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله .

ملاحظة : مرفق مع هذه المشاركة ، بحث حول عقيدة ابن رشد ، رحمه الله ، بعنوان : العقل والنقل عند ابن رشد

بقلم فضيلة الشيخ محمد أمان بن علي الجامي

عميد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية

نشره الشيخ عبد الرحمن الفقيه ، حفظه الله ، المشرف العام على ملتقى أهل الحديث ، وقد قمت ، ولله الحمد ، بتنسيقه تنسيقا مقبولا إلى حد ما ، على ملف وورد ، وأضفت إليه بعض الملاحظات الموضحة ، بلون يختلف عن لون الكتابة التلقائي ، أي الأسود ، فكل ما فيه بلون غير أسود فهو من كلامي لا من كلام الشيخ ، حفظه الله ، والله من وراء القصد .

أبو المهاجر المصري
13Jun2006, 05:47 مساء
بسم الله

السلام عليكم

ومع أبو محمد عبد الله الناصر لدين الله ، تكون هذه الوقفة :
فقد ولي محمد الحكم بعد وفاة أبيه يعقوب المنصور ، رحمه الله ، سنة 595 هـــ ، وكان محمد ، شابا في الثامنة عشر من عمره ، ولا شك أن هذا هو السر في وصية المنصور ، رحمه الله ، له باستشارة الشيخين الجليلين : أبي زكريا وأبي محمد عبد الواحد ، ابني الشيخ أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ، رفيق ابن تومرت المقرب .

وكان أبو محمد ، كجديه يوسف وعبد المؤمن ، مستبدا لا يستمع لنصح أحد ، وإن كان خبيرا ذا تجربة ، فكان كما جاء في موسوعة المغرب العربي ، (3/236) : شابا طموحا معتزا برأيه قليل الذكاء ولا يحترم أصحاب الخبرات الواسعة من رجالات دولة الموحدين .

نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص393 .

وقد ورث محمد دولة قوية شاسعة الأرجاء عظيمة الموارد ، ولكنها في نفس الوقت ، محاطة بالأعداء والأخطار ، فبنو غانية ، العدو القديم ، قد جاز البحر إلى العدوة المغربية وأثخن فيها ، كما تقدم ، حتى كسر المنصور ، رحمه الله ، شوكتهم ، ولكن إلى حين ، وألفونسو الثامن ما برح يعد العدة للثأر من الموحدين بعد يوم الأرك العظيم .

ومع أولى جولات أبي محمد في إفريقية :
إذ كان رأس حربة بني غانية في العدوة المغربية ، أو الإفريقية إن شئت الدقة ، يحيى بن إسحاق بن محمد بن غانية ، المقاتل العنيد ، الذي يعرف في الروايات التاريخية بــــ : "يحيى الميورقي" ، نسبة إلى جزيرة ميورقة ، حاضرة ملك أجداده بني غانية ، وقد تمكن هذا الداهية من بسط نفوذه على سائر إفريقية ، ما عدا شاطئها الشمالي ، واستولى على سائر قواعدها ، طرابلس وقابس وصفاقس والمهدية والقيروان وسائر بلاد الجريد ، ووصلت دعوته إلى بونة ولم يبق بيد الموحدين منها سوى تونس وبجاية وقسطنطينة .

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/254) .
وهذا يعني أن يحيى الميورقي قد بسط نفوذه على معظم أراضي المغرب الأدنى ، ليبيا وتونس حاليا ، فاقتطع بذلك ثلث المغرب .

وإزاء هذا الخطر الداهم ، توجهت أنظار الموحدين ، إلى رأس دولة بني غانية ، الجزائر الشرقية ، فبقطع الرأس يحسم الداء وتضيق الدائرة على الميورقي في إفريقية ، وبالفعل نجح الموحدون في أول اختبار عسكري حقيقي في عهد أبي محمد ، وفتحت الجزائر الشرقية سنة 600 هــ ، وقتل آخر ملوك بني غانية عبد الله بن إسحاق ، أخو يحيى الميورقي .

ولكن يحيى الميورقي ، المقاتل العنيد ، لم يلق السلاح ، بل على العكس ، زاد من عيثه في إفريقية ، فاستولى على مدينة "تونس" ، فتجهز الموحدون للمعركة الفاصلة مع بني غانية في الشمال الإفريقي ، بعد إسقاط دولتهم في الجزائر الشرقية ، وسار أبو محمد الناصر بنفسه ، على عادة خلفاء الموحدين ، للقاء يحيى الميورقي ، يصحبه الشيخ الداهية أبو محمد عبد الواحد ، الذي اشتبك بكتيبة موحدية تبلغ : 4000 مقاتل ، مع يحيى الميورقي في معركة دموية ، سحقت فيها قوات ابن غانية ، وفر في نفر قليل من أصحابه إلى أعماق الصحراء ، كما اعتاد منذ أيام المنصور ، رحمه الله ، وبعدها سقطت المهدية في يد الموحدين ليسدل الستار بذلك على واحدة من أعنف الثورات في تاريخ الموحدين ، وهي الثورة التي استنزفت كثيرا من قواهم ومواردهم حتى تمكنوا من إخمادها ، ويمكن اعتبار هذه الحملة ، النصر العسكري الوحيد في تاريخ دولة أبي محمد الناصر لدين الله ، ومن أهم الملاحظات في تاريخ هذه الثورة العنيفة :
أنها بدأت أولا ، ثورة على الظلم والحيف الذي أوقعه الموحدون بإخوانهم المرابطين ، فكان هدفها الأول الثأر لبني جلدتهم من أبناء لمتونة الذين قتلوا ظلما ، لا سيما يوم اقتحام الموحدين لمراكش سنة 542 هــــ ، ولكن الأمر ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، تطور بعد ذلك إلى معارك دموية هدفها تحصيل المغانم والسلطان فتضاءل لون المعركة المذهبي والمثالي شيئا فشيئا ، وتحول أبناء غانية ، رجال الحرب والسياسة إلى قطاع طرق ، يفرضون الإتاوات على مدن وقبائل المغرب الأدنى والأوسط ، وشتان يحيى بن غانية الأول ، بطل إفراغة ، ويحيى بن غانية الثاني قاطع الطريق الأبرز في شمال إفريقية في أواخر القرن السادس الهجري .

وكانت هذه الثورة ، نواة تكوين دولة جديدة في المغرب الأدنى ، إذ عهد الناصر إلى أبي محمد عبد الواحد الهنتاتي ، بقيادة هذا الجناح المضطرب من دولته ، فكان أبو محمد رجل الموقف ، إذ أبدى براعة فائقة في قيادة المغرب الأدنى واستطاع أن يقضي على البقية الباقية من ثورة ابن غانية ، إذ كان الأخير قد أعاد تجميع قواته ، للمرة الأخيرة ، ولكن أبا محمد ، بادر إلى لقائه سنة 606 هـــ ، في موضع من جبل نفوسة ، وأنزل به الهزيمة الأخيرة ، التي شهرت أبا محمد ، وأعلت ذكره في أرجاء العدوة المغربية ، حتى غدا ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، الرجل الثاني في الدولة بعد أبي محمد الناصر ، حتى وفاته سنة 618 هـــ .

ويتساءل الأستاذ عنان ، رحمه الله ، بعد إشارته لإنجازات أبي محمد عبد الواحد الحفصي : هل كان عندئذ يضمر أو يدور بخلده أنه إنما يمهد بهذا التوطيد لسلطان عقبه ، وتأسيس أسرته الملوكية المستقلة ، التي قامت بعد ذلك بقليل ، في هذا القطر من أقطار الإمبراطورية الموحدية ، على يد مقدمها القائد الهمام أبو زكريا بن عبد الواحد الحفصي ، المؤسس الحقيقي للدولة "الحفصية" التي ورثت جزءا من أملاك الموحدين ، فضلا عن تعاليم ابن تومرت المنحرفة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (5/276) .
وبعد هذا النجاح الكبير في الجبهة الإفريقية ، بدأت أنظار الناصر لدين الله تتجه إلى الجبهة الأندلسية ، فقد كان ألفونسو الثامن ، كما تقدم ، يتوق إلى الانتقام لهزيمته ، وقد بدأ ، بالفعل ، غزو جيان وبياسة ، بمساعدة فرسان قلعة "شلبطرة" الذين ألجئهم المنصور ، رحمه الله ، إليها ، بعد هزيمة الأرك واسترداد قلعة رباح ، مأواهم الأول ، فضلا عن هجوم مملكة أراجون على أراضي المسلمين في شرق الأندلس ، كل هذا دعا الناصر إلى أن يعبر إلى الجزيرة الأندلسية في جيوش جرارة ، في شعبان سنة 607 هـــ ، ولا شك أن تعداد المقاتلين الكبير أمر محمود من جهة إعداد القوة التي أمرنا الله ، عز وجل ، بإعدادها ، لإرهاب العدو ، ولكنه من جهة أخرى مذموم إذا لم تؤخذ بقية الاستعدادات الأخرى الموازية لهذا العدد الهائل من المقاتلين ، وخاصة التموين والإمدادات ، وهو ما حصل بالفعل ، إذ عانى الموحدون أثناء عبورهم مشاكل جمة في تموين الجيش ، والعدد الكبير دون سابق تجهيز هو في الحقيقة عبء على الجيش وإن كان الظاهر غير ذلك ، ولنا في القائد المحنك يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، خير أسوة في هذا الصدد ، إذ استبقى جزءا كبيرا من قواته في العدوة المغربية ، وسار بعدد مناسب لحجم المعركة التي سيخوضها مع ألفونسو السادس ، وبالتالي لم تتعرض الجبهة المغربية لهزة عسكرية عنيفة من جراء هذا العبور ، وفي نفس الوقت كان عدد الجيش المغربي الجائز إلى الأندلس كافيا لتحقيق المهمة ، بانضمام الجيوش الأندلسية إليه ، وأيضا وضع ، يوسف ، رحمه الله ، احتمال الهزيمة في ذهنه ، فلم يشأ أن يغامر بكل قوته ، بل ادخر جزءا كبيرا من قوته ، حتى أثناء المعركة كما شاهدنا ، لكي يكون التعويض ممكنا إذا ما حلت الهزيمة ، والمثل يقول : لا تضع البيض كله في سلة واحدة ، ولكن أبا محمد الناصر أبى إلا أن يضع البيض كله في سلة واحدة ، فكان ما كان .

فضلا عن ركونه إلى عدد جيشه ، وإن لم تكن الكفاءات القتالية لأفراده عالية ، فالركون إلى الكثرة مظنة الهزيمة ، ولنا في يوم حنين خير عبرة ، لأنها تضعف توكل العبد على ربه ، عز وجل ، وإذا كان الجيل الأول من هذه الأمة ، مع كل ما قدمه للإسلام من جليل التضحيات ، لم يخرج عن هذه السنة الربانية ، فلا مجاملة في دين الله عز وجل ، أيخرج الناصر وجنده عنها ؟!! ، اللهم لا ، إنها نواميس لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة .

وما فائدة العدد الضخم دون كفاءة ، وهذا ما افترق به المرابطون عن الموحدين ، فاستثناء عهد المنصور رحمه الله ، كما تقدم ، لم تبلغ الجندية الموحدية ما بلغته الجندية المرابطية ، من كفاءة القائد والمقاتل ، ولم يكن أبو محمد ، بعظيم أبهته رجل الموقف .

ووقع الناصر في خطأ جديد ، بعد العبور ، وما أكثر أخطاءه في هذه المعركة ، إذ نزل على رأي الوزير سيئ الرأي ، هو "أبو سعيد بن جامع" ، وسار بقواته إلى قلعة "شلبطرة" ليفتتحها أولا قبل غزو أراضي قشتالة ، وهو الأمر الذي استغرق وقتا طويلا ، قدره صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، بثمانية أشهر ، نضبت خلاله مؤن هذا الجيش الضخم ، وفترت الهمم ، وضعفت القوى ، وساءت الظروف الجوية ، إذ كان العبور في "شهر مايو" ، وهو شهر ، كما يقول الدكتور راغب السرجاني حفظه الله ، مناسب جدا لبدء القتال ، فالجو معتدل فلا هو بالبارد ولا هو بالحار ، وعلى رواية صاحب روض القرطاس ، يكون فتح قلعة "شلبطرة" قد تم في "شهر يناير" ، وهو شهر قارس البرودة ، وخاصة في تلك الأصقاع الأوربية التي لا تناسب المقاتل المغربي القادم من قلب الصحراء ، فنجم عن ذلك زيادة الخسائر الموحدية أمام هذه القلعة .

فأين هذا من تدبير المنصور ، رحمه الله ، الذي سارع بقواته للقاء ألفونسو قبل فتور الهمم ونقص المؤن وتغير الجو ، وأين مجلس شورى المنصور من وزير كأبي سعيد ، شككت بعض الروايات في نواياه على اعتبار أنه من أصول إسبانية ، لقد استبد الناصر بالحكم وانساق وراء رأي ابن جامع ، ونبذ آراء كبار أشياخ الموحدين الذين أوصاه المنصور باستشارتهم في أمور الحرب والسياسة ، فترك رأي الشيخ الداهية أبي محمد عبد الواحد والي إفريقية ، الذي نصحه بعدم العبور في هذا التوقيت ، ولما يلتقط الموحدون بعد أنفاسهم من حوادث إفريقية ، ترك هذا الرأي الحكيم إلى رأي ابن جامع ، وعبر في قواته في مشهد أشبه ما يكون بالعروض العسكرية المعاصرة التي يتفنن الحكام في إقامتها زهوا وكبرا ، وعند التحقيق هي لا تساوي شيئا في الميزان العسكري ، كما هو الحال في كثير من بلاد العالم الإسلامي ، والبطانة السيئة لا تسمن ولا تغني من جوع ، والله أعلم .

وبعد هذا الانتصار العسكري الباهت ، حشد الناصر قواته للقاء ألفونسو ، الذي استغاث بالممالك الأوربية المجاورة ، وأرسل إلى البابا "إنوصان الثالث" ، ذي الروح الصليبية العميقة ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، الذي أرسل إلى أحبار أوروبا ، وخاصة فرنسا ، ذات الروح الكاثوليكية المتعصبة ، شأنها في ذلك شأن شقيقتها إسبانيا ، ورغم هذا التعصب الشديد ، لم يحمل إنوصان ، ألفونسو على حرب المسلمين حربا ، بل على العكس ، نصحه بعدم المغامرة إن لم تكن الظروف مواتية ، وعليه لا مانع من عقد هدنة مؤقتة مع الناصر حتى تتهيأ الظروف لقتاله .

وهذا مما يوضح حكمة ذلك الحبر المتعصب في مواجهة الأحداث ، خلاف الناصر الذي اتخذ خطوات فردية ارتجالية استبدادية ، تغلب عليها حماسة الشباب أكثر من حكمة الشيوخ .

وبطبيعة الحال لم تتمكن الجيوش الموحدية من مواصلة السير بعد هذا الحصار الطويل ، فارتد الناصر إلى حاضرة ملكه في الأندلس ، اشبيلية ، ليقضي فصل الشتاء ، ويستجمع قواه مرة أخرى .

ولم يأت شهر مايو من العام التالي لعبور الناصر ، أي بعد سنة كاملة من عبور الناصر ، إلا وقد تهيأ النصارى للقاء المسلمين ، فقد تركهم الناصر باستراتيجيته العسكرية الضعيفة ، سنة كاملة يعدون العدة للقائه ، وبدأ الزحف من الطرفين ، فزحف الناصر صوب "جيان" ، وزحف النصارى نحو "قلعة رباح" ، التي استردها المنصور ، رحمه الله ، يوم الأرك ، وكان على رأسها في ذلك الوقت القائد الأندلسي المحنك "أبو الحجاج يوسف بن قادس" ، رحمه الله ، وإزاء صغر الحامية المسلمة ، وكثرة حشود النصارى ، وشدة حصارهم للقلعة ، رأى أبو الحجاج تسليمها لهم مقابل ضمان سلامة من بها من المسلمين ، وهذه صفقة ناجحة بكل المقاييس في هذه الظروف الصعبة ، التي تأخر فيها الناصر عن نجدة المحاصرين ، رغم استغاثة أبي الحجاج به ، وكان من جراء هذه الصفقة أن سخط جزء من مقاتلي فرنسا على ألفونسو لأنه لم يقتل المسلمين المتواجدين بقلعة "رباح" ، فارتدوا عائدين إلى بلادهم ، وكان عددهم زهاء خمسين ألف مقاتل ، وكانت ضربة موجعة لألفونسو رفعت أسهم المسلمين قبل اللقاء المرتقب .


ولكن الوزير ، أبا سعيد ، كان له رأي آخر ، إذ أوغر صدر الناصر على صهره أبي الحجاج ، متهما إياه بــــ "الخيانة" لأنه سلم القلعة للنصارى ، حتى أمر الناصر بقتله دون أن يستمع إليه ، أو يستوضح أمره ، فقتل ، رحمه الله ، بريئا ، لا ذنب له إلا أنه حقن دماء المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا بعد أن تخاذل الناصر عن نصرته بالرغم من الحشود الكبيرة التي ملأ بها السهل والجبل غرورا ورياء .
وبهذا ارتكب الناصر عدة أخطاء جملة واحدة :

إذ أخطأ بقتل قائد عظيم ، كأبي الحجاج ، له من الخبرة في قتال النصارى ، بحكم الجوار ، ما له ، ومعلوم أن الحدود لا تقام في الحرب ، فعلى افتراض أنه كان خائنا بالفعل ، كما ادعى أبو سعيد ، فإن المصلحة الشرعية في عدم عقابه قبل أو أثناء المعركة ، وهذا حكم عام يشمل كل المقاتلين ، قادة كانوا أم جنودا ، لئلا يؤدي ذلك إلى فرار المحدود إلى العدو ، فهو من باب تأليف القلوب وتوحيد الصف ، فما بالك إذا كان هذا المقتول قد قتل ظلما مع كونه ليس جنديا عاديا بل هو قائد بارز له ثقل كبير في الجبهة الأندلسية .

وأخطأ ، إذ استفز مشاعر الأندلسيين بقتل أعظم قادتهم ، بل ووصل الأمر بوزيره السفيه ، ابن جامع ، إلى أن يجمع القواد الأندلسيين ، الذين تغيرت نفوسهم بعد مقتل أبي الحجاج ، ويأمرهم باعتزال الجيش ، إذ لا حاجة للجيش الموحدي "العظيم" بهم !!!!! .

فأين هذا السفه من حكمة المنصور ، رحمه الله ، إذ أعلى من شأن الأندلسيين ، وعقد لهم لواءا خاصا بهم ، بقيادة ابن صناديد ، رحمه الله ، فشعر القوم باحترام الخلافة المركزية وتقديرها لهم ، فأوقد ذلك جذوة القتال في نفوسهم ، وأين ذلك السفيه المدعو بابن جامع ، من الوزير المحنك ، القائد العام لقوات الموحدين يوم الأرك : أبي يحيى بن أبي حفص رحمه الله .

وبهذه الروح مضى الناصر للقاء ألفونسو ، مزهوا بجيشه العرمرم ، فأين هذه الروح من روح المنصور ، رحمه الله ، لما طلب الصفح من جنده قبل لقاء النصارى يوم الأرك ، وأبى الناصر إلا أن يرتكب خطأ جديدا ، وكان هذه المرة خطأ استراتيجيا قاتلا ، إذ قدم المتطوعة غير النظاميين وأخر القوات النظامية المدربة التي يمكنها امتصاص الصدمة الأولى ، كما حدث يوم الأرك ، فأدى ذلك إلى تمزق هذه الجموع بعد ثبات شديد أمام ضربات فرسان النصارى المجهزين ، فسقطت فرقة المتطوعة عن آخرها ، "وعساكر الموحدين والعرب وقواد الأندلس ينظرون إليهم لم يتحرك منهم أحد" ، كما يقول صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، وبطبيعة الحال كانت نيران السخط في نفوس الأندلسيين ما زالت مشتعلة ، فكان من الطبيعي ألا يبادروا لنجدة مقدمة الجيش ، وقوى هذا الانتصار الأولي ، من عزائم النصارى فانقضوا على بقية الجيش الموحدي ، واستطاعوا تمزيقه بعد قتال عنيف ، وارتد الناصر منكسرا نحو بياسة ومنها إلى جيان ، وارتد الجيش الموحدي بلا نظام ، فأعمل فيهم النصارى السيف ، إذ كانت تعليمات ألفونسو واضحة : لا أسرى ، ومن أتى بأسير قتل معه ، وقبل مغيب شمس ذلك اليوم كان ملوك النصارى وأساقفتهم وجزء كبير من الجيش النصراني قد دخلوا محلة الجيش الموحدي ، واستقروا بها ، وأضحى الجيش الموحدي العظيم الذي كان بها منذ ساعات قلائل فقط أثرا بعد عين ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، وتبددت تلك الأعداد الغفيرة التي كانت تملأ البسيط الشاسع عند الطرف الغربي من بلدة "سانتا إيلينا" .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (5/282_313) .

ومع خاتمة أخطاء الناصر في تلك الموقعة ، إذ كان ارتداده عشوائيا ، مما أدى لزيادة خسائر المسلمين ، إذ كان بإمكانه أن يرتد إلى "بياسة" ، كما تقدم ، ويتوقف بها ليلتقط أنفاسه ويعيد تجميع قواته ، ولو بشكل رمزي ، يعيد للمسلمين بعض هيبتهم ، ويحفظ المدن الإسلامية المتاخمة لساحة المعركة من اجتياح النصارى لها ، وهم في أوج حماسهم ، ولكنه على العكس واصل الارتداد العشوائي حتى وصل إلى اشبيلية فأخلى الطريق للنصارى ليقتحموا ما شاءوا من القواعد الأندلسية ، فأين هذه العشوائية من موقف المسلمين بعد غزوة أحد ، إذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، على الرغم من خسائر المسلمين ، الجيش المسلم ليتجهز لمطاردة مشركي قريش ، وجراحهم لم ترقأ بعد ، فيما عرف بـــــ "غزوة حمراء الأسد" ، فحقق ، عليه الصلاة والسلام بهذه الخطوة الحكيمة انتصارا معنويا كبيرا للمسلمين ، أعاد إليه الثقة وأرهب قريشا وبقية القبائل المحيطة بالمدينة التي كانت تستعد للهجوم على المدينة إذا ما هزم المسلمون ، فلما رأوهم ، رغم خسائرهم ، يبادرون إلى مطاردة العدو زجروا عما حدثتهم أنفسهم به ، وكفى الله المدينة النبوية شرهم ، فله الحمد والمنة .

ويصف يوسف أشباخ ، اللحظات الأخيرة في المعركة بقوله :

ولما حطمت الدائرة الدفاعية غدا نصر النصارى تاما حاسما ، وكانت هزيمة المسلمين فادحة ، ولبث الناصر يذكي حماسة حرسه حتى آخر لحظة ، ولما رأى الهزيمة حلت بجيشه ، ووقف على موت ولده الأكبر الذي قتل في المعركة وهو يقاتل قتال الأبطال ، لم يرد فيما يبدو أن يعيش بعد ، فقعد في خيمته على درقته ، والعدو الظافر يدنو منه ، فأقبل إليه أعرابي ، ونبأه بفرار جنده ، وناشده ألا يقعد بعد ، فقال الناصر في كلمة مؤثرة معبرة : "صدق الرحمن وكذب الشيطان" ، ثم امتطى صهوة جواده أخيرا ، وغادر ميدان الحرب مسرعا مع نفر من أصدقائه المخلصين ، واتجه صوب "بياسة" ، ولكنه لم يقف بها بل سار توا إلى اشبيلية .

بتصرف من تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، (2/120) .

وصدق الناصر ، لقد صدق الرحمن ، وكذب الشيطان لما غره بجيشه ، فركن إليه ، وكان ما كان .

وعن خسائر المسلمين في هذه الموقعة فحدث ولا حرج ، بل إنك تستطيع أن تقول بكل ثقة : إن جيوش المغرب والأندلس قد أبيدت عن بكرة أبيها في يوم العقاب ، وذكر الدكتور راغب السرجاني ، حفظه الله ، قولا لم أجده فيما بين يدي من الكتب ، خلاصته أنه لم يرى في العدوتين : المغربية والأندلسية بعد يوم العقاب شاب صالح للقتال ، وهذا القول ، وإن كان فيه من المبالغة ما فيه ، إلا أنه يعبر عن حجم الكارثة العسكرية التي تعرض لها المسلمون يوم العقاب .

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان رحمه الله :
ومن المسلم أن خسائر المسلمين في معركة العقاب كانت فادحة جدا ، والروايات الإسلامية تجمع كلها على أن الجيش الموحدي ، قد هلك معظمه ، بيد أنها تذهب أحيانا إلى تقديرات لا يستسيغها العقل ، ومن ذلك ما يقوله صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، من أنه لم ينج من الجيش الموحدي الذي قدر أعداده بأكثر من نصف مليون ، إلا واحد من كل ألف ، ومعنى ذلك أنه لم ينج من الموحدين في المعركة سوى 500 جندي فقط !!!! .
وكما سبق ، المبالغة هنا وإن لم تكن معتبرة ، إلا أنها تعطي صورة واضحة للكارثة .

وينقل الأستاذ عنان ، رحمه الله ، عن صاحب "الذخيرة السنية" ، إشارته إلى قتل خلق كثير لا يحصر من جند الإسلام ، وبعدها يقول صاحب الذخيرة في عبارة مؤلمة : (وفيها فني جيوش الغرب والأندلس) ، هكذا في النسخة التي بين يدي ، وتذكير الفعل هنا مرجوح ، وإن كان جائزا ، لأن الفاعل اسم ظاهر مجازي التأنيث ، فـــ "الجيوش" ، لفظ مؤنث مجازي ، فيكون التأنيث راجحا ، وإن لم يجب ، ويكون التذكير مرجوحا ، وإن لم يمتنع ، والله أعلم .

وبطبيعة الحال لا تخلو هذه المعارك من علماء وحفاظ ، اتخذهم الله ، عز وجل ، شهداء يوم العقاب ، وينقل لنا صاحب الروض المعطار جملة منهم ، كـــ : أحمد بن هارون بن عات النفزي ، وإسحاق بن إبراهيم المجابري ، ومحمد بن حسن الأنصاري المعروف بـــ "ابن صاحب الصلاة" ، ومحمد بن غبراهيم الحضرمي ، وأيوب بن عبد الله بن عمر الفهري ، والشاعر الزاهد تاشفين بن محمد المكتب .

وعلى العموم ، فإن أقل ما ورد في الروايات ، عن خسائر الموحدين يوم العقاب هو ما ذكره "أرنولد" ، مطران أربونة ، إذ قدر خسائر الموحدين بستين ألفا ، وهو رقم يبدو صغيرا بالنسبة للعدد الهائل الذي حشده الناصر ، والكارثة المدوية التي وقعت بالجيش الموحدي ، والله أعلم .

بتصرف من تاريخ دولة الإسلام في الأندلس ، (5/314_317) .

على أن أبرز غنائم النصارى يوم العقاب كان راية الموحدين ، التي ما زالت محفوظة إلى اليوم في الدير الملكي بمدينة "برغش" ، وقد خط أسفلها عبارة : "غنيمة انتزعت من العدو في موقعة العقاب" ، لقد أبقت إسبانيا النصرانية على هذه الراية الإسلامية تذكارا يشيد بانتصار النصرانية على الإسلام في يوم العقاب ، والأيام دول ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، تظهر حينا بالسنان ، ويدال عليها حينا آخر به ، ولكنها ظاهرة الحجة أبدا وإن قهرت بالسيف ، والله أعلم .

وعن أسباب هذه النكبة ، يلخص لنا الأستاذ عنان ، رحمه الله ، الأمر في عدة نقاط منها :

تغير قلوب الجند ، وسخطهم على الوزراء والقادة ، وذلك بسبب حبس أعطياتهم وتأخرها ، وقد كان المتبع أيام المنصور ، رحمه الله ، أن يمنح العطاء للجند مرة في كل أربعة أشهر دون تأخير ، ولكن العطاء كان يؤخر في عهد الناصر ولا سيما في هذه الحملة الكبيرة ، فضلا عن طول مدة الحملة ، كما تقدم ، وهو ما استهلك قوى الجيش قبل الموقعة الفاصلة .

إن مراعاة احتياجات الجند المادية ، أمر حتم لازم ، لا سيما إن كانوا نظاميين ، لإرضاء النفوس ، وشفاء الوساوس ، ولا يعني هذا أن يتحول الجند إلى "مرتزقة" ، لا يحملون السلاح إلا بعد العطاء ، ولكن الجند بشر كغيرهم ، لهم أزواج وأولاد ، يحتاجون النفقة ، فكيف يمضي الجندي إلى ساحة الوغى وقد ترك الزوجة والأولاد بلا مؤونة كافية ، لا شك أنه سيمضي مشتت الذهن ساخط النفس ، وهذا ما حدث يوم العقاب .

يقول ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله ، عمن خرج إلى الغزو وقد خالطت نية الجهاد ، في نفسه ، نية أخرى غير الرياء :
فإن خالط نية الجهاد ، مثلا ، نية غير الرياء ، مثل أخذ أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية .

وقال الإمام أحمد ، رحمه الله ، فيمن يأخذ جعل الجهاد ، من الجعالة وهي الأعطية ، : إن إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس ، كأنه خرج لدينه وإن أعطي شيئا أخذه .

نقلا عن "الثمرات الزكية في العقائد السلفية" ، للشيخ الدكتور أحمد فريد ، حفظه الله ، ص122 .

وهذا الأمر ، بطبيعة الحال ، يتوجه إلى طائفة المجاهدين المتطوعة ، فلا يضرهم الأخذ تبعا لا أصلا ، حتى خصهم الفقهاء بسهم "وفي سبيل الله" ، دون الجند النظاميين ، لأنهم يتقاضون مرتباتهم من بيت مال المسلمين ، فالجندي النظامي ، يجب على الدولة المسلمة صرف راتبه ، ما أمكن ، بلا تأخر ، لئلا تفتر همته وتفسد نيته ، والله أعلم .

ولله در الفاروق ، رضي الله عنه ، لما سمع تلك المرأة التي تشتكي غياب زوجها ، وكان مجاهدا خرج للقتال فتأخر ، بأبيات شهيرة قالت فيها :

تطاول هذا الليل وازور جانبه ******* وليس إلى جنبي حليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا رب غيره ******* لزلزل من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يصدني ******* وأكرم بعلي أن تنال ركائبه

فذهب إلى أم المؤمنين حفصة ، رضي الله عنها ، في قصة مشهورة ، ثم أمر ألا يغيب المجاهد عن زوجه أكثر من أربعة أشهر ، لئلا تفتن النساء في غياب أزواجهن .

ولله دره يوم سمع شيخا كبيرا يبكي ولده الوحيد في شعر جذل ، وقد طال غيابه في الثغور ، فأمر ألا يخرج إلى الجهاد من له أبوان كبيران حتى يستأذنهما ، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم ، لمن جاءه يريد الجهاد وله أبوان حيان : اذهب ففهيما فجاهد ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن جهاد الطلب ، وهو من فروض الكفايات ، يشترط فيه إذن الوالدين ، خلاف جهاد الدفع إذا ما اقتحم العدو أرض المسلمين ، فلا استئذان فيه ، لأنه من الفروض العينية ، حتى على المرأة والصغير ، ولا استئذان في الفروض العينية ، والله أعلم .

فمراعاة احتياجات الجند واحتياجات أسرهم ، أمر حتم لازم ، كما تقدم ، فهم بشر لا آلات صماء لا حياة فيها ، وقد أخطأ الناصر إذ أغفل ذلك ، فأخر الأعطيات وحبس الجند ، هذه المدة الطويلة ، بعيدا عن ديارهم وأهليهم .

نقلت واقعتي الفاروق ، رضي الله عنه ، من كتاب "بين يدي عمر" ، ص135، 136 ، للكاتب خالد محمد خالد ، بغض النظر عن الملاحظات حول كتاباته ، لا سيما حول أحداث الفتنة التي تلت مصرع عثمان ، رضي الله عنه ، فقد خلط فيها أيما خلط ، والحق يقبل من كل من جاء به .

ويصور المراكشي ، رحمه الله ، في المعجب ، سخط الجند فيقول أنه بلغه من جماعة منهم : "أنهم لم يسلوا سيفا ولا شرعوا رمحا ، ولا أخذوا في شيء من أهبة القتال ، بل انهزموا لأول حملة الإفرنج عليهم ، قاصدين ذلك" .

وثاني الأسباب : إهانة المعسكر الأندلسي ، بقتل قائده ابن قادس ، رحمه الله ، وإهانة الوزير ابن جامع لبقية القادة ، كما تقدم ، فخسر الناصر ولاء هذا الجناح المهم من جيشه .

يقول الأستاذ عنان رحمه الله : (وكان الأندلسيون ، بالرغم من قلتهم العددية ، عنصرا هاما في جيوش الغزو الموحدية المقاتلة بالأندلس ، لأنهم كانوا أكثر خبرة بقتال النصارى الأسبان ، وأكثر دراية بطريقتهم في الحرب ، وقد رأينا كيف كان اعتماد الخليفة المنصور ، رحمه الله ، على نصح ابن صناديد قائد الأندلس ومشورته ، من أسباب نصره في معركة الأرك) .

وثالث الأسباب : اغترار الناصر بجموعه ، كما تقدم ، واستهتاره بقوى العدو ، فانعكس ذلك على مجريات المعركة ، إذ اتسمت تحركات الموحدين بالرعونة وعدم الحرص والتحوط وعدم إيجاد الحلول البديلة في حالة الانكسار ، فكانت المفاجأة باقتحام النصارى لقلب الجيش الموحدي كبيرة ، ولم يكن الناصر ولا قادته متأهبين لها .

ويلخص لنا صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، رابع الأسباب ، وأهمها عند التحقيق ، إذ يقول بأن نكبة الناصر في العقاب كانت عقوبة من الله ، عز وجل ، على ما أبداه من العجب والاغترار بكثرة جموعه ، واعتقاده أنه لا غالب له من الناس ، فأراه الله ، عز وجل ، تلك الآية ليعلم أن النصر من عند الله ، وأن القدرة والحول والقوة بيده لا بأيدي الناصر وجنوده .

وكأن الناصر ، قد استعرض انتصار الأرك ، في ذاكرته ، وعقد العزم على مخالفته كليا وجزئيا ، فكانت نتيجة العقاب ، أيضا ، مخالفة لنتيجة الأرك ، كليا وجزئيا ، إذ نسخت هزيمة العقاب المؤلمة انتصار الأرك العظيم كما يقول الدكتور أحمد الدعيج ، حفظه الله ، والله أعلم .

ومع آخر الوقفات مع موقعة العقاب ، وهو ما نزل بأهل مدينة "أبدة" ، بعد سقوطها في أيدي النصارى ، فقد توقفنا مع الناصر في "بياسة" فـــ "أبدة" فـــ "اشبيلية" ، دون ترتيب حاميات لهذه المدن القريبة من ساحة معركة العقاب ، وكان من نتائج المعركة ، أن انحاز أهل بياسة إلى أبدة ، المدينة التالية ، ولم يبق في بياسة إلا الجرحى والضعفاء ، وهنا تظهر خسة ألفونسو ، كعادة النصارى في غالب معاركهم مع المسلمين ، إذ خرب مسجدها الجامع ، وأحرق دورها ، وقتل معظم من وجده بها ، وأخذ بعضهم أسرى .

ثم اتجه ألفونسو ، في نشوة انتصاره إلى مدينة أبدة ، وكانت تموج بأهلها ، وبمن وفد عليها من أهل بياسة ، فحاصرها حصارا شديدا ، ولكنها صمدت وراء أسوارها الحصينة ، ثم عرض المسلمون دفع فدية مقدارها ألف ألف دينار على أن تترك أبدة حرة ، وأن يتمتع أهلها بدينهم وشعائرهم ، وبالفعل وافق ألفونسو وحلفاؤه على هذا العرض ، ولكن تحت ضغط أحبار النصارى المتعصبين ، السبب الرئيسي لكل بلية نزلت بالمسلمين في بلاد النصارى أو على الحدود المتاخمة لهم ، تحت ضغط أولئك ، خان ألفونسو العهد ، وارتكب من الفظائع ، ما اعترفت به الرواية النصرانية نفسها ، إذ قدر بعضها عدد من قتل وسبي بــــ : مائة ألف ، وقدر البعض الآخر عدد السبي وحده بـــ : مائة ألف .
بتصرف من تاريخ دولة الإسلام في الأندلس ، (5/323) .

وأما يوسف أشباخ ، فإنه يقدر عدد القتلى بـــ : ستين ألفا ، وعدد السبي بـــ : ستين ألفا ، أيضا .
تاريخ الأندلس في دولة المرابطين والموحدين ، (1/124) .

ويقول المراكشي ، رحمه الله ، وهو المؤرخ المعاصر ، في المعجب ، ص184 :
إن ألفونسو دخل أبدة عنوة ، فقتل وسبى وفصل هو وأصحابه من السبي من النساء والأطفال ، ما ملئوا به بلاد الروم قاطبة ، فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة .
بتصرف من تاريخ دولة الإسلام في الأندلس ، (5/323) .

فأين هذا الخلق الوضيع من خلق المنصور ، رحمه الله ، بطل الأرك الظافر ، لما افتتح حصن
"منتانجش" ، أمنع حصون "بطليوس" ، وأخرج حاميته القشتالية بالأمان ، وأمر أبا عبد الله بن صناديد ، رحمه الله ، مقدم الجيوش الأندلسية بإيصال الحامية القشتالية إلى المنطقة الآمنة ، ولما اعتدى عليهم بعض أوباش العرب ، غضب المنصور ، رحمه الله ، وأمر بسجن من عثر عليه منهم ، ورد النساء والأطفال إلى ذويهم ، وأوصل الجند القشتاليين آمنين إلى أوائل بلادهم ، وكان ظافرا كــ "ألفونسو الثامن" في العقاب ، ولكن شتان المنصور وألفونسو ، وهذا ديننا وهذا دين القوم .


وعبر الناصر إلى العدوة المغربية يائسا ، وارتكب خطأ جديدا ، كعادته ، فعقد البيعة لابنه يوسف المستنصر بالله ، وكان في السادسة عشرة من عمره ، لا خبرة له ولا دراية بالملك ، ثم ترك الأمر جملة ، و : "انغمس في لذاته ، فأقام فيه مصطحبا ومغتبقا" ، كما يقول صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، حتى وافته المنية لعشر خلون من شعبان سنة 610 هـــــ ، ولم يستطع الناصر امتصاص هذه الصدمة العنيفة ، ولم يكن في كفاءة عبد المؤمن ، الذي أعاد تنظيم قوات الموحدين بعد فناء الجيش الموحدي في معركة "البحيرة" الشهيرة ، وشتان عبد المؤمن والناصر !!! .

ومع ذلك لم يغفل الأستاذ عنان ، رحمه الله ، الجانب القيادي في شخصية الناصر ، إذ يقول :
وكان الخليفة الناصر لدين الله ، آخر ذلك الثبت من الخلفاء الموحدين الذين اقترنت بعصرهم بعض الأحداث الضخمة الحاسمة ، وكان أهم تلك الأحداث أولا تحطيم ثورة بني غانية في إفريقية ، وهو ألمع حادث في عهده ، ويقترن بذلك فتح الموحدين لـــ "ميورقة" ، وثانيا : نكبة العقاب المشئومة التي هزت أركان الدولة الموحدية بالمغرب والأندلس .

فكان الناصر كأبيه المنصور وجديه : يوسف وعبد المؤمن ، ممن يباشر الحرب بنفسه ، ويقود الكتائب في ميادين الوغى ، فلم يستسلم لداعي الترف واللذة إلا في أخريات أيامه لما فجع بنكبة العقاب .

وعلى غير العادة ، يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
ولم يكن الناصر على شيء خاص من أنواع العلوم والمعرفة ، ولأول مرة يعتلي عرش هذه الخلافة المغربية ، خليفة لا قدم راسخة له في علوم الشريعة ، فأين الناصر من أبيه وجديه الذين كانوا ، بلا جدال ، من علماء زمانهم .

ويقدم لنا المراكشي ، رحمه الله ، وصفا موجزا لهذا الخليفة المنكسر فيقول : (كان كثير الإطراق ، شديد الصمت ، بعيد الغور ، كان أكبر أسباب صمته لثغا كان بلسانه ، حليما ، شجاعا ، عفيفا عن الدماء ، قليل الخوض فيما لا يعنيه ، إلا أنه كان بخيلا) .

ويعلق الأستاذ عنان ، رحمه الله ، على وصف المراكشي للناصر بالعفة عن الدماء بقوله :
ونحن نعتقد أن وصف الناصر بالعفة عن الدماء ، وصف في غير موضعه ، لما رأيناه ، فيما تقدم ، من تسرعه في سفك دماء بعض العمال ، ودماء القادة الأندلسيين .

ويصفه صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، فيقول : (إنه كان كبير الهمة ، غليظ الحجاب ، لا تكاد تصله الأمور إلا بعد الجهد ، مصيبا برأيه ، مستبدا في أموره وتدبير مملكته بنفسه) .

وملك لا تصل إليه رعيته إلا بعد جهد جهيد ، ملك مفرط فيما استرعاه الله ، عز وجل ، فأين هذا من وقوف أبي يعقوب المنصور ، رحمه الله ، للمرأة والضعيف في الطريق حتى يقضى حوائجهم ؟!!! .
وعن صفاته الجسدية يقول الأستاذ عنان رحمه الله : كان أبيض ، أشقر اللحية ، أشهل العينين ، نحيل الجسم ، حسن القامة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (5/326) .

وبرحيل الناصر تبدأ مرحلة الانحلال الأخير لهذه الإمبراطورية الشاسعة .

والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
17Jun2006, 08:25 صباحاً
بسم الله

السلام عليكم

توفي فجر الخميس الماضي الأستاذ الجليل محمد الغامدي ، رحمه الله ، المشرف العام على موقع "هيا إلى العربية" ، إثر حادث أليم ، نسأل الله ، عز وجل ، له ولمن قضى معه من أهله الرحمة والمغفرة ولمن بقي الصبر والسلوان

http://www.alarabeyya.com/phpBB/viewtopic.php?t=3755&sid=2a687981da988d7589fc0b91589063eb

وعودة لموضوع المشاركة :

ومع يوسف المستنصر بالله ، لن نطيل الوقوف ، إذ لم يكن في عصره الخامل ما يثير الانتباه ، فينقل لنا الأستاذ عنان ، رحمه الله ، عن صاحب روض القرطاس ، وابن خلدون ، رحمهما الله ، ميول المستنصر إلى حياة الدعة والبطالة ، فكان مشتغلا عن تدبير الأمور بما تقتضيه نوازع الشباب ، لا يعنيه شيء من مهام الملك ، أو بعبارة أخرى لا يمكنه العناية بشيء منها لعجزه وقصوره ، وكانت الأمور تجري وفقا لما يراه ويبرمه الأشياخ والأوصياء ، والصبي الصغير لاه عابث لا دراية له بشيء من أمور مملكته ، بل على العكس ، كانت هوايته المفضلة :

استجلاب الأبقار من الأندلس لتربيتها في رياضه الكبيرة بمدينة "مراكش" ، في وقت كانت الأندلس تشهد اضطرابات عنيفة ، وقد نشطت حركة الاسترداد النصرانية لأراضي الأندلس الإسلامية ، وبدلا من أن يصدر المستنصر الجيوش إلى الأندلس ، كما فعل أجداده العظام ، استورد منها الأبقار ليربيها في العدوة المغربية !!!!! .

وعن هذا الخليفة الخامل يقول صاحب روض القرطاس رحمه الله : (ولم يخرج من حضرة مراكش طول خلافته إلى أن توفي ، وكانت أوامره لا يمتثل أكثرها لضعفه وليانته ، وإدمانه على الخلاعة ، وركونه إلى اللذات ، وتفويضه أمور مملكته ، ومهمات أموره إلى السلفة) .

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ******* واقعد إنك أنت الطاعم الكاسي .

ويقول ابن خلدون رحمه الله : (وقام بأمر الموحدين من بعده ، أي الناصر ، ابنه يوسف المستنصر ، فنصبه الموحدون غلاما لم يبلغ الحلم ، وشغلته أحوال الصبا وجنونه ، عن القيام بالسياسة وتدبير الملك ، فأضاع الحزم ، وأغفل الأمور ، وتواكل الموحدون بما أرخى لهم من طيل الدالة عليه ، ونفس عن مخنقهم من قبضة الاستبداد والقهر ، فضاعت الثغور ، وضعفت الحامية ، وتهاونوا بأمرهم وفشلت ريحهم) .

وكان أبرز حدث في عهده ، بداية ظهور طلائع بني مرين ، وهم الذين سيقوضون أركان الدولة الموحدية بعد ذلك ليقيموا دولتهم الفتية : الدولة المرينية ، التي كان لها دور بارز في نصرة الإسلام في الأندلس ، كما سيأتي إن شاء الله ، وكانت بداية ظهورهم سنة 613 هـــ .

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/334_338) .

ولم تسقط قلاع الأندلس في عهد المستنصر ، على الرغم من ضعف الحاميات الموحدية ، وانهيار نفوس الموحدين والأندلسيين قادة وجندا ، حكاما ومحكومين بعد نكبة العقاب ، لهدنة حصلت بين الدولة الموحدية ومملكة قشتالة ، ولم يحسن قادة الموحدين استغلال هذه الهدنة ، لإعادة بناء الدولة والجيش ، بل استمرت الفوضى السياسة والعسكرية هي السمة البارزة للبلاط الموحدي ، وعلى العكس كان النصارى على الطرف الآخر ، في العدوة الأندلسية ، يعدون العدة لالتهام ما تبقى من قواعد الإسلام في الأندلس بعد تصفية خلافاتهم وتجهيز جيوشهم .

ويضع لنا الأستاذ عنان ، رحمه الله ، قائمة بتواريخ سقوط المدن الإسلامية في الأندلس ، تبرز مدى انحلال الدولة الموحدية في الأندلس في فترة لم تتجاوز 35 عاما ، فيقول :
سقطت جزيرة ميورقة في سنة 627 هــــ ، أي بعد وفاة المستنصر بـــ : 7 سنوات .
ومن قبلها : بياسة في سنة 623هـــ .
و أبدة في سنة 630 هـــ .
وقرطبة ، حاضرة الخلافة ، في سنة 633 هـــ ، بتخاذل كبير من محمد بن يوسف بن هود ، كما سيأتي إن شاء الله .
واستجة والمدور في سنة 633 هـــ ، أيضا .
وبلنسية ، عاصمة الشرق ، في سنة 636 هــــ .
ومرسية في سنة 640 هـــ .
ودانية ، وإليها ينسب أبو عمرو الداني ، رحمه الله ، ولقنت ، الثغران الشرقيان على البحر المتوسط ، في سنة 641 هـــ .
وأوريولة وقرطاجنة ، في الشرق الأندلسي أيضا ، سنة 643 هـــ .
وجيان ، سنة 643 هـــ ، أيضا .
وإليها ينسب العالم الجليل أبو علي الجياني ، رحمه الله ، وكذا إمام النحاة صاحب أشهر منظومات النحو : أبو عبد الله جمال الدين محمد بن مالك الطائي الأندلسي ، رحمه الله ، المتوفى سنة 672 هــــ .
وعن سقوط "جيان" الحبيبة يقول الشاعر :
أودعكم أودعكم جياني ******* وأنثر عبرتي نثر الجمان
وإني لا أريد لكم فراقا ******* ولكن هكذا حكم الزمان

وشاطبة ، وإليها ينسب الإمام الشاطبي ، رحمه الله ، إمام المقاصد الأشهر ، صاحب "الاعتصام" و "الموافقات" ، في سنة 644 هـــ .
واشبيلية ، حاضرة المرابطين ومن بعدهم الموحدون ، في سنة 646 هـــ ، بخيانة كبيرة من ابن الأحمر ، ملك غرناطة ، كما سيأتي إن شاء الله .
وفي الغرب الأندلسي :
سقطت بطليوس ، في سنة 627 هـــ .
وماردة في سنة 628 هـــ .
وشلب في سنة 640 هـــ .
وشنتمرية الغرب في سنة 647 هــــ .
ولبلة وولبة في سنة 655 هـــ .
وقادس في سنة 651 هـــ .
وشريش في سنة 654 هـــ .

وكأن الأندلس قصعة تداعت إليها الأكلة ، فكل يأخذ بحظه منها ، ويلخص لنا الأستاذ عنان ، رحمه الله ، هذه المأساة في كلمة مؤثرة فيقول :

وهكذا لم يأت منتصف القرن السابع الهجري ، الثالث عشر الميلادي ، حتى كانت ولايات الأندلس الشرقية والوسطى كلها قد سقطت في يد إسبانيا النصرانية ، ولم يبق من تراث الدولة الإسلامية بالأندلس ، سوى بضع ولايات صغيرة في طرف إسبانيا الجنوبي .

ويستدرك فيقول :
ولكن شاء القدر أن يرجئ مصير الأندلس الإسلامية المروع ، بضعة أجيال أخرى ، وشاء أن يسبغ على الدولة الإسلامية بالأندلس حياة جديدة في ظل مملكة غرناطة ، التي استطاعت أن تبرز من غمر الفوضى ، ضئيلة في البداية ، وأن توطد دعائم قوتها شيئا فشيئا ، وأن تذود عن الإسلام ودولته الباقية بنجاح ، أكثر من قرنين .

وتلك هي دولة بني الأحمر ، أصحاب غرناطة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/20 ، 21) .

وعودة إلى البلاط المغربي ، إذ تولى الخلافة بعد الوفاة المفاجئة ليوسف المستنصر ، سنة 620 هـــ ، شيخ من كبار رجال بني عبد المؤمن ، وهو الخليفة أبو محمد عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن ، فهو أخو المنصور ، رحمه الله ، وبمثابة الجد ليوسف المستنصر ، وكان شيخا وقورا قد جاوز الستين من عمره ، وعن هذا الاختيار يقول الأستاذ عنان رحمه الله : ولعل هذا الاختيار لهذا الشيخ الجليل ، يرجع إلى حكمة مزدوجة ، أولا : لكي يكون أداة مطواعة للزعماء الذين يقبضون على ناصية الحكم ، وثانيا لكي تكون خلافته ، والمفترض أن تكون قصيرة الأمد لكبر سنه ، فترة انتقالية يتمكن أشياخ الموحدين فيها من حسم خلافاتهم ، والاتفاق على الخليفة الحقيقي .

ومع ذلك كان هذا الرجل الكريم ، بالرغم من ضعف قدراته السياسية ، رجلا صالحا ورعا ، كما يصفه المراكشي ، رحمه الله ، عن قرب ، وكان مع ذلك بعيد النظر ، قوي العزم ، شديد الشكيمة ، حريصا على اتباع الحق ، لا تأخذه فيه لومة لائم ، كثير التلاوة لكتاب الله ، دؤوبا على تلاوة الأذكار ، لا يمنعه عن ذلك مانع ، ولا يترك وظيفة من الوظائف التي رتبها لنفسه ، من أخذ العلم وقراءة القرآن والأذكار ، رتبها على أوقات الليل والنهار ، ويضيف المراكشي قائلا : (شهدت هذا كله بنفسي ، لا أنقله عن أحد ، ولا أستند فيه إلى رواية ، هذا مع دماثة خلق ، ولين جانب ، وخفض جناح لأصحابه ولمن علم فيه خيرا للمسلمين) .

فكان ، رحمه الله ، كأخيه المنصور ، دينا وعلما ، ولكنه لم يكن مثله سياسة وحنكة ، فما أشبهه بالعلماء والأحبار لا السلاطين والأمراء ، والملك لا يقوم إلا على الحق والقوة ، فلا يكفي الحق وحده لإقامة ملك راسخ البنيان ، والله أعلم .

ولم تطل أيام هذا الخليفة الورع ، إذ خرج عليه ابن أخيه أبو محمد عبد الله بن يعقوب المنصور ، الذي تسمى بـــ "العادل" ، وجاز إلى العدوة المغربية سنة 621 هـــ ، ليتولى الخلافة لمدة 3 سنوات فقط ، كان من أبرز ما جرى فيها :

ظهور سياسة جديدة لأبناء البيت الموحدي ، تظهر مدى ما وصلوا إليه من ضعف وجبن ، فضلا عن انحلال ديني ، وصل لدرجة الردة عن الإسلام ، وهي سياسة التحالف مع النصارى ، وكانت البداية مع أبي محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن ، الذي عرف بعد ذلك في الروايات بـــ "السيد البياسي" ، نسبة إلى "بياسة" ، فقد تحالف هذا المخذول مع "فرناندو الثالث" ، ضد الخلافة الموحدية في "مراكش" ، وكانت نهايته في حصن "المدور" ، على أيدي أهل قرطبة ، الذين ضجوا بإفراطه في محالفة النصارى ، وإسرافه في تسليم الحصون الإسلامية إليهم ، وخشوا أن يؤول الأمر إلى تسليم قرطبة نفسها لحلفائه النصارى ، فقتلوه واحتزوا رأسه ، وبعثوا بها إلى الخليفة الموحدي ، العادل ، في "مراكش" .

يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
وتقدم إلينا الرواية الإسلامية ، البياسي ، في صورة بغيضة قاتمة ، ونستطيع أن نعتبر البياسي بالفعل ، على ضوء ما تقدم من أعماله وخياناته المتوالية لقضية الإسلام ، وقضية الأندلس ، تحقيقا لأطماعه الوضيعة ، شخصية بغيضة مثيرة ، تستحق أن يدمغها التاريخ بأقسى الأحكام ، ويرميه ابن عذارى ، رحمه الله ، بالارتداد عن الإسلام ، واعتناق النصرانية ، بيد أننا لم نجد في الروايات النصرانية ما يؤيد هذا الاتهام ، ولو وقع لكانت الرواية النصرانية أول من يجله ويشيد به .

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/361 ، 362) .

على أن المرء لا يستبعد ما قاله ابن عذارى ، رحمه الله ، نظرا لأحوال البياسي المخزية ، وهذا من نتاج عقيدة ابن تومرت الفاسدة ، فلم يكن أغلب قادة الموحدين ، لا سيما قادة دور الانحلال ، على عقيدة سليمة تحميهم من السقوط في هذا الدرك ، والعقيدة الصحيحة ، كما تقدم من كلام شيخ الإسلام ، رحمه الله ، هي الركيزة الأولى لبناء الدول وإقامة الممالك ، والله اعلم .

وبعد العادل ، جاء يحيى بن الناصر ، الذي تولى الحكم لمدة : 3 سنوات أيضا ، قبل أن يثور عليه ابن آخر من أبناء المنصور ، رحمه الله ، وهو "المأمون" ، ومع المأمون لنا وقفتان سريعتان :

أولاهما : موقفه من تعاليم ابن تومرت المنحرفة ، إذ كان المأمون ، كأبيه المنصور ، عالما كبيرا ، أداه علمه إلى القول بإبطال تعاليم ابن تومرت علانية ، وكان أبوه المنصور ، رحمه الله ، ممن أبطلها في خاصة نفسه ، ولكنه لم يجهر بذلك درءا للفتنة ، كما تقدم .

يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
ولا ريب أن عمل المأمون كان أعظم انقلاب ثوري حدث في أصول العقيدة الموحدية على يد بني عبد المؤمن ، وقد أصاب الصميم من أسس هذه العقيدة وتعاليمها ، وقضى بصورة رسمية قاطعة ، ببطلان أحداث الأسطورة التي مثلت في جبل إيجليز قبل ذلك بمائة واثنتي عشرة عاما ، وأعلن فيها محمد بن تومرت أنه المهدي المنتظر .

دولة الإسلام في الأندلس ، (5/372) .

وهذا بلا شك عمل محمود لهذا الخليفة العالم ، ولكن ترتب عليه ، نفرة أشياخ الموحدين ، وهم عماد الدولة ، من المأمون ، فضلا عن استقلال الحفصيين بتونس ، لأنهم غدوا ورثة تركة ابن تومرت الدينية المنحرفة ، فلا مسوغ لبقائهم تحت سلطان دولة أعلن قائدها نبذ هذه التعاليم المنحرفة .

وهو ما اضطر الرشيد ، ابن المأمون إلى إعادة العمل بتعاليم ابن تومرت المنحرفة ، تأليفا لقلوب أشياخ الموحدين لأنه كان في أمس الحاجة إلى معونتهم .


والوقفة الثانية : على النقيض تماما ، إذ نرى هذا العالم الفقيه ، يسير على درب البياسي ، وإن لم يصل أمره إلى ما وصل إليه أمر الأخير ، فيطلب عون فرناندو الثالث ، ويعقد معه معاهدة مهينة ، ليستعين بفرسانه على انتزاع الملك من ابن أخيه ، يحيى بن الناصر ، ويلخص لنا صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، شروط فرناندو الثالث ، صاحب اليد العليا ، في هذه المعاهدة على المأمون ، صاحب اليد السفلى ، وأهمها :

أن يسلم المأمون فرناندو عشرة من الحصون الإسلامية في منطقة الحدود يختارها فرناندو بنفسه .

وأن تبنى في "مراكش" ، مدينة يوسف بن تاشفين ، التي أسست على التقوى ، وحمل فيها الأمير المرابطي العظيم اللبن على عاتقه ليشارك في بناء مسجدها ، أن تبنى في حاضرة الخلافة الإسلامية في العدوة المغربية كنيسة للنصارى يقيمون فيها شعائرهم .

وأنه إذا أسلم أحد من النصارى فلا يقبل إسلامه ويرد إلى إخوانه يقضون في أمره وفق ما يرونه ، وإذا تنصر بالعكس أحد من المسلمين فليس لأحد عليه سبيل .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (5/368) .

ولا تعليق ، فالحال أبلغ من المقال .


ويصف لنا ابن خلدون ، رحمه الله ، هذه المهزلة فيقول في كلمات صاغها الأستاذ عنان رحمه الله : (وأذن المأمون في نفس الوقت لحلفائه النصارى القادمين معه ، في بناء الكنيسة بمراكش ، وهي التي اشترط ملك قشتالة إنشاءها ، وأخذت النواقيس منذ إتمامها ، تدق لأول مرة في العاصمة الموحدية) .

من يهن يسهل الهوان عليه ******* ما بجرح بميت إيلام

وللملك والسلطان شهوة تفوق شهوة المأكل والمشرب والمنكح .

وعن مواهب المأمون العلمية التي لم يتبعها بالعمل يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
كان المأمون صنو أبيه المنصور في صفاته العلمية ، فقد كان فقيها حافظا ، ضابطا للرواية ، متمكنا من علوم الدين ، إماما في اللغة ، أديبا واسع المعرفة بالأدب والسير ، كاتبا بليغا ، متين البيان ، وشاعرا محسنا ، وكان يعنى عناية خاصة بتدريس صحيح البخاري ، وكتاب الموطأ ، وسنن أبي داود ، وكان فوق ذلك حاكما مقتدرا ، بارعا في الإدارة ومعالجة الشئون ، ذكيا وافر الهمة والعزم .
ويصفه لسان الدين بن الخطيب ، رحمه الله ، في الإحاطة فيقول : (كان ، رحمه الله ، شهما ، شجاعا جريئا ، بعيد الهمة ، نافذ العزيمة ، قوي الشكيمة ، لبيبا ، كاتبا أديبا ، فصيحا ، بليغا ، أبيا ، جوادا ، حازما) .
دولة الإسلام في الأندلس ، (5/385) .

وقاتل الله السياسة التي أودت بأمثال المأمون وحملته على إعطاء فرناندو ما أعطى ، وقد مضى المأمون لربه فهو يحكم فيه بما شاء .


وبعد المأمون ، جاء الرشيد ، الذي تولى الحكم : 10 سنوات ، توالى فيها سقوط الحواضر الأندلسية العظيمة في أيدي النصارى ، وعلى رأسها :

قرطبة ، عاصمة الإسلام في الأندلس ، إذ سقطت في أيدي النصارى سنة 633 هـــ ، في مهزلة لا تقل عن مهزلة سقوط طليطلة ، في عصر ملوك الطوائف ، سنة 478 هــــ ، إذ حاصرها النصارى بقوات هزيلة ، وسار إلى نجدتها في نفس الوقت الأمير محمد بن يوسف بن هود ، أقوى أمراء الأندلس في ذلك الوقت ، في جيش كبير بلغ تعداده نحو خمسة وثلاثين ألف مقاتل ، ومعه نحو مائتي فارس من مرتزقة النصارى ، وهم كالعادة موطن الداء ، وما من شك في أن أي التحام بين الجيش الإسلامي الكبير ، والجيش النصراني الهزيل المحاصر لقرطبة ، كان سينقذ المدينة العظيمة بلا شك ، ولكن ابن هود ، بسذاجة منقطعة النظير ، اتخذ مستشارا نصرانيا ، أو بمصطلح عصرنا "خبيرا أجنبيا" كالخبراء الذين نستقدمهم الآن لكل شئون حياتنا حتى كرة القدم !!!! ، اسمه "لورانزو سواريز" ، وكان فارسا قشتاليا منفيا بأمر فرناندو الثالث ، فاستغل هذه الفرصة ليسترضي مليكه ، فتظاهر بأنه سوف يتسلل إلى المعسكر النصراني ليقف على مبلغ عدده وعدته ، ثم التقى سرا بــ "فرناندو" ، وعرض عليه خطة ماكرة لتخذيل الجيش المسلم ، بدعوى أن قوات النصارى كثيرة العدد والعتاد ، والاشتباك معها مغامرة غير مأمونة العواقب ، وبالفعل تم الاتفاق الآثم بينهما ، وانطلت الحيلة على ابن هود الساذج الذي سار بجيشه مبتعدا عن قرطبة ، تاركا أهلها المحاصرين بلا أي مدد ، فاضطرت المدينة للتسليم ، وغادرها معظم أهلها ، ومن أشهر من غادرها ووفد على بلادنا ، مصر الحبيبة ، الإمام القرطبي ، رحمه الله ، المفسر الشهير صاحب التفسير الجامع المعروف باسمه ، والله أعلم .

ومما تذكره الرواية النصرانية في هذا الموطن ، أن "فرناندو" أمر بأن تنزع النواقيس التي كان الحاجب المنصور ، رحمه الله ، قد أخذها من كنيسة شنت ياقب "سنتياجو" حين غزوه لمدينة "شنت ياقب" في سنة 387هــــ ، وحملها الأسرى النصارى على كواهلهم حتى قرطبة ، وهنالك جعلت رؤوسا للثريات الكبرى بالجامع ، أمر بأن تنزع هذه النواقيس وأن يحملها الأسرى المسلمون على كواهلهم إلى شنت ياقب ، لترد هنالك إلى أمكنتها بالكنيسة الكبرى ، في مشهد مطابق لمشهد الحاجب المنصور ولكن في الاتجاه العكسي .
بتصرف من "دولة الإسلام في الأندلس" ، (6/425) .
والأيام دول ، والقوم لا ينسون ثأرهم ، وما أشبه حادثة "فرناندو" بحادثة القائد الفرنسي ، الجنرال "جورو" ، على ما أتذكر الآن ، الذي نزلت قواته بالشام فمضى ، أول ما مضى إلى قبر القائد صلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله ، وداسه بقدمه قائلا : الآن عدنا يا صلاح الدين ، أو كلمة نحوها ، ومن قرأ التاريخ عرف الصديق من العدو ، فسنة الله ، عز وجل ، ثابتة لا تتغير وإن تغيرت الأزمان والأشخاص ، والله أعلم .

وتلا هذه النكبة بـــ : 3 سنوات ، سقوط بلنسية ، عاصمة الشرق ، بعد أن تخاذل السيد أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن يوسف ، أخو السيد البياسي ، عن حمايتها ، كما تخاذل أخوه من قبل ، بل زاد على ذلك بأن ارتد صراحة عن الإسلام ، والتحق بمعسكر النصارى ، وتسمى حفيد أمير المؤمنين عبد المؤمن بــــ "بثنتي" أو "vicente" ، وتزوج نصرانية من أهل سرقسطة .

وعن رحلته المشئومة للقاء "خايمي الأول" ، ملك أراجون ، يقول كاتبه المؤرخ الشهير ابن الأبار :
الحمد لله لا أهل ولا ولد ******* ولا قرار ولا صبر ولا جلد
كان الزمان لنا سلما إلى أمد ******* فعاد حربا لنا لما انقضى الأمد

ولك أن تحمد الله ، عز وجل ، يا ابن الأبار ، على أن أنجاك من هذا الدرك الذي انحط إليه أبو زيد ، فعدت سالم الدين إلى بلنسية ، وكل مصيبة تهون إلا مصيبة الدين .

ولا يمر ذكر "بلنسية" الحبيبة ، دون ذكر عالمها الجليل "أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي" ، رحمه الله ، الذي استشهد في معركة "أنيشة" الشهيرة ، سنة 634 هـــ ، وهو يصيح بجند المسلمين قائلا : "أعن الجنة تفرون" ، وكانت بلنسية يومئذ تحت قيادة أبو جميل زيان بن مدافع بن مردنيش ، وهو من نسل "آل مردنيش" ، حكام شرق الأندلس ، وانتهت المعركة بهزيمة المسلمين ، هزيمة قاسية ، مهدت الطريق لاستيلاء النصارى على "بلنسية" ، بعد سنتين .

ولا يمر ذكر "بلنسية" ، دون ذكر ، سفارة أبو جميل زيان ، إلى السلطان الحفصي ، أبي زكريا ، في تونس ، وكان على رأسها ابن الأبار ، الذي أثار حمية أبي زكريا ، بقصيدة رائعة ، عدها الأدباء من أبرز مراثي الأندلس المفقود ، قال في مطلعها :

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ******* إن السبيل إلى منجاتها درسا

وبالفعل بادر أبو زكريا ، في موقف حميد ، إلى تجهيز أسطول من اثني عشرة سفينة كبيرة ، شحنه بالسلاح والأطعمة والأموال ، مع ست سفن صغيرة أخرى ، وقد قدرت الرواية الإسلامية ، وهي رواية ابن خلدون ، رحمه الله ، مؤرخ الدولة الحفصية ، قيمة هذه النجدة الحفصية بمائة ألف دينار من الذهب ، وهي قيمة لها خطرها في ذلك العصر ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله .
دولة الإسلام في الأندلس ، (6/448_449) .

ولكن هذه النجدة ، لم تنجح في الوصول إلى بلنسية ، في الوقت المناسب ، لإحكام النصارى الحصار حولها ، فأفرغت السفن الحفصية شحنتها في ثغر "دانية" ، وسقطت بلنسية في السابع عشر من صفر سنة 636 هــــ ، سقطت بلنسية التي قال عنها مروان بن عبد العزيز :

كأن بلنسية كاعب ******* وملبسها السندس الأخضر
إذا جئتها سترت نفسها ******* بأكمامها فهي لا تظهر

وعودة للعدوة المغربية ، إذ تولى الخلافة بعد الرشيد ، أخوه أبو الحسن علي بن المأمون ، وتلقب بـــ "السعيد" ، وكان اختياره ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، اختيارا موفقا ، فقد كان بشخصيته القوية ، وعزمه ، وسطوته ، أقوى رجل في الدولة ، وكان وجوده في كرسي الخلافة في تلك الظروف العصيبة التي تجوزها الدولة الموحدية ، من العوامل المطمئنة المشجعة ، الباعثة على الاستبشار والأمل .
دولة الإسلام في الأندلس ، (6/517) .

وكانت مدة خلافته : 6 سنوات ، إذ قتل في سنة 646 هـــ ، في إحدى معاركه مع بني عبد الواد ، حكام الجزائر ، ولم تتح الفرصة لأبي الحسن ، بمواهبه القيادية الكبيرة ، لكي يعيد إلى الخلافة الموحدية هيبتها المفقودة .
دولة الإسلام في الأندلس ، (6/527) .

وبعده جاء الخليفة المرتضي لأمر الله ، الذي تولى الحكم لمدة 19 عاما ، سقطت فيها كثير من القلاع الإسلامية في الأندلس ، وعلى رأسها مدينة "اشبيلية" العظيمة ، حاضرة ملك بني عباد ، وحاضرة ملك المرابطين ، والموحدين ، من بعدهم ، كما تقدم ، وكالعادة لم تخل الساحة من خائن ، وكان محمد بن يوسف بن الأحمر ، زعيم أسرة آل الأحمر ، ملوك غرناطة فيما بعد ، هو الخائن هذه المرة ، إذ عقد تحالفا أثيما ، مع فرناندو الثالث ، ملك قشتالة ، ضد إخوانه ، مسلمي الأندلس ، وبموجب هذا التحالف بعث ابن الأحمر قوة من فرسانه للمشاركة في حصار اشبيلية الباسلة ، التي صمدت زهاء ثمانية عشر شهرا كاملة ، ثم سلمت في أوائل رمضان سنة 646 هـــ ، لتسقط واحدة من أعظم قواعد جنوب الأندلس .

ويشيد يوسف أشباخ ، بخيانة ابن الأحمر فيقول :
(وقدم محمد بن الأحمر ، أمير غرناطة ، وفق تعهده ، بقوة من الفرسان ، وعسكر أمام برج "الفرج" ، وأبدى بحكته وشجاعته ، وما قدمه من فرسان حسني الأهبة ، لملك قشتالة خدمات جليلة) .

تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين ، (2/197) .

ويعلق الأستاذ عنان ، رحمه الله ، على هذه الخيانة فيقول :
وكان موقف ابن الأحمر من هذه المواقف شاذا مؤلما ، فقد كان يقف إلى جانب أعداء أمته ودينه ، وكان يبذل للنصارى ما استطاع من العون المادي والأدبي ، وكان معظم الزعماء المسلمين من حكام المدن والحصون الباقية ، وقد أيقنوا بانهيار سلطان الإسلام في الأندلس ، يهرعون إلى احتذاء مثاله ، وإلى الانضواء تحت لواء ملك قشتالة ، وكانت هذه المناظر المؤلمة تتكرر في تاريخ الأندلس منذ أيام ملوك الطوائف ، حيث نرى كثيرا من الأمراء المسلمين يظاهرون النصارى على إخوانهم في الدين ، احتفاظا بالملك والسلطان .
دولة الإسلام في الأندلس ، (7/46) .

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة ، في هذا الموضع ، كما يقول الدكتور راغب السرجاني حفظه الله ، أين كان شعب غرناطة المسلم ، وهو يرى مليكه يقدم على هذه الخيانة العظمى ، وكيف استجابت جيوشه لنداءه الآثم ، فشاركت في غزو بلد مسلم كـــ "اشبيلية" ؟!!!! ، والجواب : كما تكونوا يول عليكم ، ولو علم الله في قلوب أهل غرناطة خيرا لاستعمل عليهم ملكا خيرا من ابن الأحمر ، والله أعلم .

وبالرغم من ذلك يلتمس الأستاذ عنان ، رحمه الله ، العذر لابن الأحمر ، في فقرة تالية ، فيقول :
ولكن ابن الأحمر كان يقبل هذا الوضع المؤلم إنقاذا لتراث لم يكتمل الرسوخ بعد ، وتنفيذا لأمنية كبيرة بعيدة المدى ، ذلك أنه كان يطمح إلى جمع كلمة الأندلس تحت لوائه ، وإدماج ما تبقى من تراثها وأراضيها في مملكة موحدة ، تكون ملكا له ولعقبه ، ولم تكن تحدوه رغبة في توسع يجعله أسيرا ، إلى الأبد ، أسيرا لحلفائه النصارى ، مثلما كان يفعل أسلافه زعماء الطوائف ، بل كانت تحدوه قبل كل شيء رغبة في الاستقلال والتوطد ، داخل حدود إمارته المتواضعة ، وقد لبث يعمل على تحقيق هذه الغاية في ولاية غرناطة والولايات المجاورة ، وهو يصانع النصارى ويتجنب الاشتباك معهم ، ويشهد التهامهم لأشلاء الوطن الممزق ، وقلبه يتفطر حزنا وألما .

دولة الإسلام في الأندلس ، (7/46) .

ولا ننكر أن ابن الأحمر ، لم يكن راغبا في هذا التحالف الأثيم ، بل اضطرته إليه الظروف اضطرارا ، ولكنه ، بالرغم من ذلك ، كان يعمل لحسابه الشخصي ، فلم يكن يهمه في المقام الأول إلا استقرار ملكه وتثبيت دعائمه ولو على حساب إخوانه من مسلمي الجزيرة الأندلسية ، والله أعلم .

وقد وقعت في عهد المرتضي ، حادثة في منتهى الغرابة ، وهي تدل على ما آل إليه تغلغل النصارى في شئون الحكم الموحدي ، منذ عهد المأمون الذي مهد لهم السبيل إلى عاصمة الخلافة "مراكش" ، إذ أدى ذلك لقيام جالية نصرانية قوية في المغرب ، شجعت البابا على أن يبعث رسالة إلى المرتضي ينصحه فيها باعتناق النصرانية لكي يغنم حماية الله والكرسي الرسولي !!!!! .

ولم نر في تاريخ المسلمين ، حتى في عصرهم الحاضر وقد تردت أحوالهم إلى ما قد علم ، لم نر هذه الجرأة من البابا على حكام وملوك المسلمين لدرجة أن يدعو أحدهم صراحة لاعتناق النصرانية ونبذ الإسلام ، وإذ لم تستح فاصنع ما شئت .

وكان رد المرتضي ، حاسما ، إذ بعث رسالة إلى البابا ، افتتحها بقوله : (أما بعد فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو ، حمد من علم أنه الرب الواحد ، الذي دلت على وحدانيته البراهين القاطعة والشواهد ، ونزهته العقول الراجحة عن أن يكون له ولد ، أو يدعي أنه الوالد ، تعالى الملك الرحمن عما يقول المثلث والمشبه والجاحد) .

دولة الإسلام في الأندلس ، (6/538) .

وأيا كان الرد ، تظل هذه "النصيحة" !! ، دليلا على ما وصل إليه حال الخلافة الموحدية من ضعف وتفكك ، شجع أعدائها على دعوة القائم بأمرها إلى اعتناق دينهم .

ومع حادث آخر ، ذو بعد سياسي وعسكري خطير ، وهو هجوم النصارى على ثغر "سلا" المغربي ، المطل على الأطلنطي ، سنة 658 هـــ ، إذ كان "ألفونسو العاشر" ، ملك قشتالة يفكر في نقل الحرب الصليبية ، التي اضطرمت عصورا في شبه الجزيرة الأندلسية إلى إفريقية ، فهاجمت سفنه ، لأول مرة في تاريخ الصراع الإسلامي النصراني بين العدوتين : المغربية والإسبانية ، ثغر "سلا" ، وكالعادة ، ارتكبت قوات النصارى أفظع الموبقات ، حتى وصل الأمر بهم إلى جمع السبايا من النساء والأطفال بالجامع ، واغتصاب النساء والأبكار ، وقتل الشيوخ ، وتخريب المساجد .
دولة الإسلام في الأندلس ، (6/548 ، 549) .

والنصارى هم النصارى في كل زمان ومكان ، فلا جديد في هذا التصرف الخسيس مع ما عرف به القوم من لؤم ونذالة .


وخطورة هذا الأمر ، أنه كان تحولا في مجرى الصراع ، مالت فيه كفة المبادرة لأول مرة لصالح النصارى ، وهو ما سيتكرر ، بمضي الوقت ، إلى أن نصل إلى بداية القرن الماضي ، إذ ظهرت موجة الاستعمار التي اكتسحت العالم الإسلامي بأسره ولم تنج منه بلاد المغرب العربي ، والله أعلم .

وكعادة خلفاء الموحدين ، إلا فيما ندر ، كان المرتضي فقيها عالما ، وأديبا شاعرا ، فقد كانت السمة العلمية غالبة على بني عبد المؤمن ، كما تقدم ، بغض النظر عن حماقاتهم السياسية والعسكرية .

ومع آخر خلفاء الموحدين الواثق بالله ، الملقب بــ "أبي دبوس" ، لأنه كان يحمل الدبوس ، أي العصا الغليظة ، بيده أثناء وجوده بالأندلس فشهر به ، وكان هذا الرجل ، كما يصفه صاحب روض القرطاس ، رحمه الله ، داهية ، شجاعا ، وافر الفروسية ، حازما مقداما في الأمور ، أبيض اللون ، أشقر الشعر واللحية ، أزرق العينين ، طويل القامة ، كبير اللحية ، مهيب الطلعة .

فهو رجل يصلح لأعباء الملك ، ولكنه جاء في وقت انحسر فيه ملك الموحدين ، وعلا فيه ملك بني مرين ، ولم يبق إلا أن يوجه بنو مرين الضربة الأخيرة ، لأبي دبوس ، في معركة "وادي غفو" ، في الثاني من شهر المحرم سنة 668 هــــ ، التي قتل فيها أبو دبوس ، وهو يدافع عن ملكه دفاع الأبطال ، وحسبه أنه لم يستسلم أو يفر ، كما استسلم وفر غيره ، وما أشبهه بـــ "طومان باي" ، آخر سلاطين المماليك في مصر ، إذ ظل إلى أخريات أيامه يقاوم الفتح العثماني لمصر ، بقيادة السلطان الداهية سليم الأول العثماني ، لأنه رأى أنه صاحب الأمر ، ولا يدافع عن الأمر إلا صاحبه ، وهو ما أثار إعجاب السلطان سليم ، وكان خبيرا بمعادن الرجال ، ومال إلى الإبقاء عليه لولا أن أشار عليه الخائنان : "جان برد الغزالي" و "خاير بك" ، بقتل طومان باي ، رحمه الله ، ليأمن شره ، فأعدم السلطان الشجاع على باب زويلة ، وانتهت بمقتله دولة المماليك بمصر ، وغدت مصر ولاية تابعة للخلافة العثمانية الشرعية ، ولا شك أن مقتل "طومان باي" ، مما يثير الأسى والإعجاب في النفوس ، ولكن المصلحة الشرعية في تلك الآونة كانت في فتح مصر وضمها لأملاك الخلافة العثمانية لأن دور المماليك تقلص بمرور الزمن ، ولم تعد أساطيلهم قادرة على رد العدوان البرتغالي المتكرر على السواحل الغربية للجزيرة العربية ، وهو ما يهدد الحرمين ، فكان لا بد من وجود قوة عسكرية إسلامية مهيبة ، في البحر الأحمر ، تردع البرتغاليين وترد عدوانهم المتكرر على سواحل المسلمين ، وكانت هذه القوة هي : الخلافة العثمانية .

وكذا الأمر بالنسبة لأبي دبوس ، فإن مقتل بطل شجاع مثله في ساحات الوغى مدافعا عن ملكه مما يثير الأسى والإعجاب في النفوس ، ولكن المصلحة الشرعية ، أيضا ، كانت تقتضي في تلك الآونة رحيل دولة بني عبد المؤمن ومجيء دولة بني مرين الفتية ، بقيادة مقدمها الهمام الأمير : أبي يوسف يعقوب المريني ، رحمه الله ، صاحب الأيادي البيضاء في جهاد نصارى الأندلس ، كما سيأتي إن شاء الله .

ومن طريف ما يحكى في هذا الموضع ، ما حكي عن مقتل أبي عبد الله بن الأحمر ، آخر ملوك "غرناطة" ، في موقعة "أبي عقبة" الشهيرة ، التي وقعت بين بني وطاس وخصومهم السعديين ، سنة 943 هــــ ، واشترك فيها أبو عبد الله إلى جانب حلفاءه من بني وطاس ، إذ يعلق عليها المؤرخ "لويس دي مارمول" بقوله : (ومن سخرية القدر أن يموت هذا الملك دفاعا عن مملكة أخرى ، بينما هو لم يجرؤ أن يموت دفاعا عن مملكته) .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/287) .
مع التحفظ على قوله : (ومن سخرية القدر) ، وإنما نقلت نصه بلفظه لا لفظي .

ولو صدقت هذه الرواية لكان أمرها عجبا ، لقد استسلم ابن الأحمر لـــ : "فرناندو" و "إيزابيلا" ، وسلمهم "غرناطة" ، آخر معاقل الإسلام في الأندلس ، مقابل بعض الضياع هنا وهناك ، ثم ما لبث أن باعها لهما ، وجاز إلى العدوة المغربية ، ثم هو يموت دفاعا عن ملك غيره ، أما كان ملكه أولى بهذه التضحية ؟!!!! ، ولله في خلقه شئون .

ومع ثالث حالة ردة بين بني عبد المؤمن ، إذ تقدم إلينا الرواية الإسلامية ، قصة أخرى عن أخ لأبي دبوس ، آخر الخلفاء الموحدين ، هو السيد أبو زيد بن السيد عبد الله ، حفيد الخليفة عبد المؤمن ، خلاصتها أن هذا السيد ، أو "السويد" ، حسبما تنعته الرواية ، وما أحقه بالتصغير ، كان مقيما بالأندلس ، وكان قد لجأ إلى ملك قشتالة ألفونسو العاشر ، وعاش تحت رعايته بمدينة اشبيلية ، وفي أواخر سنة 659 هـــ ، أعلن هذا "السويد" اعتناقه لدين النصرانية ، في حفل عام أقيم لهذا الغرض ، فقام ملك قشتالة ، في مشهد مقزز ، بحلق لحيته بيده ، وكساه حلة ملوكية ، وعندئذ صعد "السويد" الموحدي ، إلى كرسي عال يشرف منه على الناس ، ثم قال : "أشهدكم يا من حضر من المسلمين والنصارى واليهود ، أنني قدمت على دين النصرانية منذ أربعين سنة ، وكنت أكتمه ، وأنا الآن قد أبحته وأظهرته ، وأن دين المسيح بن مريم هو الدين القديم الأزلي" ، ثم تحدث ملك قشتالة ، فأثنى على "السويد" ، وهنأه باعتناقه النصرانية ، وما أحقه بالتعزية لعظم مصابه ، على أن هذا "السويد" المتنصر لم يعش طويلا بعد تنصره ، فقد توفي بــ "اشبيلية" بعد ذلك بأربعة أشهر فقط ، في أوائل سنة 660 هـــ .

بتصرف يسير من دولة الإسلام في الأندلس ، (6/561) .

ولو كان "السويد" يقصد بدين المسيح : التوحيد الذي بعث الله ، عز وجل ، به كل الرسل ، عليهم الصلاة والسلام ، ليكملوا الفطرة التي لا تكمل إلا بتوحيد خالقها ، لكان محقا ، ولكنه عنى تلك الديانة المحرفة الممزوجة بالأساطير والخرافات التي يدعي أتباعها ، زورا ، أنهم أتباع دين المسيح صلى الله عليه وسلم ، وهو منهم براء .

ويا أيها "السويد" ، عجل الله هلاكك في الدنيا ، والساعة أدهى وأمر .

يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
وإنا لنقف قليلا ، عند هذه الظاهرة الأليمة ، التي تكررت بين بعض السادة من بني عبد المؤمن ، وهي إقبالهم على اعتناق النصرانية ، وخروجهم بهذه الطريقة المثيرة ، على دين آبائهم وأجدادهم العريق ، ومقام خلافتهم العظيمة ، وليس من شك في أن هذه الردة ، التي تكررت على يد أبي محمد عبد الله البياسي ، وأخيه السيد أبي زيد ، والي بلنسية ، ثم على يد هذا السويد ، أبي زيد ، لم تكن ترجع إلى بواعث تتعلق بالإيمان أو العقيدة ، وإنما كانت ترجع إلى بواعث مادية ودنيوية ، وذلك حسبما تدلي به ، بالأخص ، حالة البياسي وأخيه السيد أبي زيد ، ولا ريب أن في هذه الصفحة المؤلمة ما يصدع من هيبة الخلافة الموحدية ، ومن عظمة تاريخها .
دولة الإسلام في الأندلس ، (6/561) .

ومع بني مرين ، فتيان المغرب الحبيب الجدد ، حاملي راية الجهاد بعد الموحدين ، تكون الوقفات التالية إن شاء الله .

والأمة المغربية ، أمة نجيبة ، إن مات فيها سيد قام سادة ، فإن ذهب يوسف بن تاشفين ، جاء يعقوب المنصور ، وإن ذهب المنصور ، جاء أبو يوسف يعقوب المريني ، والخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين .

ونحن أمة عناها أبو الطيب بقوله :
إذا سيد منا مضى قام سيد ******* قئول بما قال الكرام فعول

والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
23Jun2006, 02:33 صباحاً
بسم الله

السلام عليكم

ومع بني مرين ، ومقدمها ، الأمير الهمام أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني ، رحمه الله ، الذي تولى قيادة بني مرين ، سنة 656 هـــ ، بعد وفاة أخيه أبي يحيى ، وهي نفس السنة التي سقطت فيها خلافة بني العباس في بغداد الحبيبة ، عاصمة الخلافة وحاضرة الدنيا .

والمتتبع لأحوال العالم الإسلامي في تلك الآونة ، يلمس ضعفا شديدا ، إن لم يكن انهيارا ، على المستويين السياسي والعسكري ، وإن بقي الجانب العلمي والأدبي قويا ، فخلافة بني العباس ، تلفظ أنفاسها الأخيرة في المشرق ، فلم يعد للخليفة إلا الاسم والمركز الديني الأدبي ، حتى كان الإفرنج يطلقون على الخليفة "بابا المسلمين" ، مقارنة بـــ "بابا الكاثوليك" في روما ، فمركزه شرفي لا تأثير له في مجريات الحياة السياسية ، كما هو حال ملوك ورؤساء الدول المعاصرة التي سلمت فيها مقاليد الأمور للوزير الأول ، أو رئيس الوزراء ، كما هو حال عدد من الممالك الأوربية كـــ "إنجلترا وهولندا والدنمرك" .

وعلى الجانب الغربي ، انتكست الخلافة الموحدية بعد هزيمة الأرك ، التي قصمت ظهر الأمتين : المغربية والأندلسية ، وسارت الدولة من سيئ لأسوأ ، حتى دق بنو مرين ، بقيادة أبي يوسف ، رحمه الله ، المسمار الأخير في نعش دولة الموحدين ، سنة 668 هـــ ، ومن ذلك التاريخ ، تتوجه أنظار الأندلسيين لبني مرين ، القوة المغربية الجديدة ، فيسارع ابن الأحمر لطلب النجدة من العدوة المغربية سنة 670 هــــ ، في الوقت الذي كان فيه أبو يوسف ، رحمه الله ، يسير بقواته لغزو تلمسان ، حاضرة بني عبد الواد ، في محاولة لتوحيد المغرب الإسلامي تحت قيادة واحدة ، كما كان الحال أيام المرابطين والموحدين .

وأما الأندلس ، فحدث ولا حرج ، فقد نشطت حركة الاسترداد النصرانية ، بعد هزيمة "العقاب" ، وضعف الخلافة الموحدية ، وبروز قادة محليين ليسوا أهلا لقيادة البلاد في تلك المرحلة الحرجة ، فهم ، كعادة حكام الأندلس ، طوائف متناحرة ، تفضل الانضواء تحت لواء النصارى ودفع الجزية لملكهم عن يد وهم صاغرون ، على الانضواء تحت لواء قائد مسلم يوحد البلاد أو خلافة مركزية تجمع أشتاتهم .

ولا أروع من قصيدة أبي الطيب صالح بن شريف الرندي ، رحمه الله ، في وصف تلك المأساة ، وهي النونية الشهيرة التي يقول في مطلعها :

لكل شيء إذا ما تم نقصان ******* فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور ، كما شاهدتها دول ******* من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد ******* ولا يدوم على حال لها شان

ويبكي قلاع الأندلس الخالدة ، فيقول :
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية ******* وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم ******* من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه ******* ونهرها العذب فياض وملآن

و"حمص" هي "اشبيلية" الحبيبة ، سماها أهل الشام بذلك ، لكما وفدوا عليها ، وأقاموا بها ، لشدة شبهها بـــ "حمص" الشام ، التي تقع في دولة "سورية" اليوم ، والله أعلم .

وأخيرا يستنهض الهمم ، فيقول :
أعندكم نبأ من أهل أندلس ******* فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ******* أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ******* وأنتم يا عباد الله إخوان

وأما المسلمون الذين أخلدوا إلى الأرض ، وركنوا إلى العيش الذليل تحت حكم النصارى في البلاد التي استولوا عليها ، فقد لحقهم من الذل ما لحقهم ، حتى عرفوا في التاريخ الإسلامي بــــ "المدجنين" ، كناية عن ضعفهم الذي أشبه ضعف الدواجن التي يسهل التحكم فيها ، بل إن بعضهم لما فر بدينه وهاجر إلى الأراضي الأندلسية التي ما زالت تحت الحكم الإسلامي أو عبر إلى العدوة المغربية ، ولم يجد من الرخاء ويسر العيش ما كان يأمل ، حدثته نفسه بالرجوع مرة أخرى إلى أراضي قشتالة ليعيش فيها ذليلا تحت حكم النصارى ، وقد شاهدنا بعض زعماء الموحدين يركنون إلى العيش في كنف ملوك قشتالة وأراجون ، بل ويرتدون عن الإسلام ، ليدخلوا في دين النصارى ، فإذا كان هذا حال السادة ، أحفاد عبد المؤمن بن علي ، فما بالك بحال عامة الأندلسيين ، ويشتد عجب القارئ من أولئك القوم ، الذين نبذوا العيش مع إخوانهم في ظل الإسلام ، ورغبوا في العيش تحت ظل عباد الصليب ، وإذا استمرئت النفوس الذل ، ضاقت بالعز ، وصدق أبو الطيب إذ يقول :

ومــن يــك ذا فـم مـر مـريض ******* يجــد مــرا بــه المـاء الـزلالا

ومن الوثائق المهمة ، التي تتعلق بهذه المسألة ، رسالة مخطوطة ، عثر عليها الأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، في مكتبة "الإسكوريال" الإسبانية الشهيرة ، وهي عبارة عن فتوى طلبها أحد الفقهاء عن حكم الشرع فيمن آثر من المسلمين الأندلسيين الهجرة من دار الإسلام إلى الأراضي المفتوحة ليعيش تحت حكم النصارى ، والمقصود بهؤلاء ، كما تقدم ، أولئك الذين هاجروا من القواعد الأندلسية المفتوحة إلى بلاد المغرب ، ثم لم يجدوا بها ما أملوا من رخاء ويسر في العيش ، وترتب على ذلك أنهم ندموا على هجرتهم ، وتمنوا العودة إلى ديارهم القديمة تحت حكم ملك قشتالة ، وتتضمن الرسالة ، وهي تحت عنوان "كتاب أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب على ذلك من العقوبات والزواجر" ، الأسئلة الآتية :

"ما حكم من تمادى من المسلمين في ذلك ؟ وما حكم من عاد منهم إلى دار الكفر بعد حصوله في دار الإسلام ؟ وهل يجب وعظ هؤلاء أو يعرض عنهم ويترك كل واحد منهم لما اختاره ؟ وهل من شرط الهجرة أن لا يهاجر أحد إلا إلى دنيا مضمونة يصيبها عاجلا عند وصوله ، جارية على وفق غرضه حيث حل من نواحي الإسلام ، أو ليس ذلك بشرط بل تجب عليهم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، إلى حلو أو مر أو وسع أو ضيق أو عسر أو يسر بالنسبة لأحوال الدنيا ، وإنما القصد بها سلامة الدين والأهل والولد ، والخروج من حكم الملة الكافرة إلى حكم الملة المسلمة ، إلا ما شاء الله من حلو أو مر أو ضيق عيش أو سعة ونحو ذلك من أحوال الدنيا ؟

وقد رد الفقيه المسئول ، وهو الشيخ : أحمد بن يحيى التلمساني الونشريسي ، رحمه الله ، عن هذه المسألة بما خلاصته :

أولا : أن الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة ، وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل ، وأيد الشيخ ، رحمه الله ، فتواه بطائفة من الأحاديث النبوية .

ولعل من أبرز أدلة هذه المسألة :
قوله تعالى : (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) :

فقد روى البخاري ، رحمه الله ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله ، أو يضرب فيقتل ، فأنزل الله : (إن الذين توفاهم الملائكة ...........) .

وأخرجه ابن مردويه ، رحمه الله ، وسمى منهم في روايته : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبا قيس بن الفاكه ابن المغيرة ، والوليد بن عتبة ابن ربيعة ، وعمرو بن أمية ابن سفيان ، وعلي بن أمية ابن خلف ، وذكر في شأنهم أنهم خرجوا إلى بدر ، فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك ، وقالوا : غر هؤلاء دينهم ، فقتلوا ببدر .

وأخرجه ابن أبي حاتم ، رحمه الله ، وزاد : منهم الحارث بن زمعة بن الأسود ، والعاص بن منبه بن الحجاج .

وأخرج الطبراني ، رحمه الله ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : كان قوم بمكة قد أسلموا ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا ، فأنزل الله : (إن الذين توفاهم الملائكة ...............) ، إلى قوله : (المستضعفين) .

وأخرج ابن المنذر وابن جرير ، رحمهما الله ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : كان قوم من أهل مكة قد أسلموا ، وكانوا يخفون الإسلام ، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر ، فأصيب بعضهم ، فقال المسلمون : هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت : (إن الذين توفاهم .................) الآية ، فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم ، وأنه لا عذر لهم ، فخرجوا ، فلحق بهم المشركون ففتنوهم ، فرجعوا ، فنزلت : (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) ، فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا ، فنزلت : (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) ، الآية . فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا ، فلحقوهم ، فنجا من نجا ، وقتل من قتل ، وأخرج ابن جرير ، رحمه الله ، من طرق كثيرة نحوه . اهـــــــ

نقلا عن "أسباب النزول" لجلال الدين السيوطي رحمه الله .

فإذا كان هذا حال من أكره على الخروج ، وقعد عن الهجرة ، مع قدرته عليها ، فما ظنك بمن هاجر فعلا ونجا بدينه وبدنه ، ثم حدثته نفسه بالعودة مرة أخرى ؟!!!! .

والبند الثاني من فتوى ابن يحيى ، رحمه الله ، هو قوله :
ولا يسقط هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى الطاغية على معاقلهم وبلادهم ، ولا يتصور العجز عنها بكل وجه وحال ، لا الوطن ولا المال ، فإن ذلك كله ملغي في نظر الشرع ، وأما المستطيع بأي وجه كان وبأي حيلة تمكنت ، فهو غير معذور وظالم لنفسه إن أقام ، والظالمون أنفسهم إنما هم التاركون للهجرة مع القدرة عليها حسبما تضمنه قوله تعالى : (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها .............) . والمعاقب عليه إنما هو من مات مصرا على هذه الإقامة .

فالشيخ ، رحمه الله ، يلفت النظر إلى مسألة جليلة ، وهي مسألة : المصالح المعتبرة والملغاة ، فمصلحة البقاء في الوطن وحفظ المال وتنميته ، وإن كانت معتبرة في حد ذاتها ، إلا أنها تسقط في مقابل مصلحة حفظ الدين ، وهو أول الضرورات الخمس التي اعتبرها الشارع ، عز وجل ، فلا تنهض أي مصلحة أخرى في مقابله ، ولو كانت حفظ النفس ، فهي مع عظيم حرمتها ، لا تقدم على الدين ، ولذا فرض الله ، عز وجل ، الجهاد ، وإن أتلفت النفوس والأبدان فيه ، حفظا للدين ، والضرورات تتفاوت ، فيقدم بعضها على بعض ، فالدين يقدم على النفس ، كما سبق ، والنفس تقدم على العقل إن تعارضا ، كمن عطش عطشا شديدا وأشرف على الهلاك ولم يجد ما يروي ظمأه إلا الخمر ، فإنه يشرب ، وجوبا ، ما يحفظ عليه نفسه وإن ذهب عقله ، وإلا أثم إن تركه تورعا حتى هلك ، وهكذا .

والشريعة الإسلامية كلها مصالح ، فهي تسعى لتحصيل أكبر قدر ممكن من المصالح ودفع أكبر قدر ممكن من المفاسد ، فإن تعارضت المصالح واستحال الجمع بينها ، قدم الأهم فالأهم ، كما تقدم ، والله أعلم .

والبند الثالث هو قوله :
وتحريم هذه الإقامة تحريم مقطوع به من الدين ، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقتل النفس بغير حق ................ ومن جوز هذه الإقامة واستخف أمرها ، واستسهل حكمها فهو مارق من الدين ، ومفارق لجماعة المسلمين ، ومحجوج بما لا مدفع فيه لمسلم ، ومنبوذ بالإجماع الذي لا سبيل إلى مخالفته وخرق سبيله .

قال زعيم الفقهاء القاضي أبو الوليد بن رشد الجد ، رحمه الله ، في أول "كتاب التجارة إلى أرض الحرب" ، من مقدماته :
فرض الهجرة غير ساقط بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة ، وأجاب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب أن لا يقيم بها حيث تجري عليه أحكام المشركين ، وأن يهجره ويلحق بدار المسلمين حيث تجري عليه أحكامهم .

والبند الرابع هو قوله :
ثم لما نبعت هذه الموالاة النصرانية في الماية الخامسة ، أي المائة الخامسة ، وما بعدها من تاريخ الهجرة وقت استيلاء ملاعين النصارى ، دمرهم الله ، على جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس ، سئل فيها بعض الفقهاء ، واستفهموا عن الأحكام الفقهية المتعلقة بمرتكبها ، فأجاب بأن أحكامهم جارية مع أحكام من أسلم ولم يهاجر ، وألحقوا هؤلاء المسئول عنهم والسكوت عن حكمهم بهم ، وسووا بين الطائفتين في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم ولم يروا فيها فرقا بين الفريقين .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/60_62) .

وممن تكلم في هذه المسألة الجليلة من العلماء المعاصرين : الشيخ محمد ابن عثيمين ، رحمه الله ، وخلاصة كلامه :

أن الإقامة في بلاد النصارى ، غير جائزة إلا في أحوال معينة وفق ضوابط محددة منها :
أولا : أن يلتمس عندهم علاج مرض لا يمكن علاجه في بلاد المسلمين ، نظرا لتقدم القوم في علوم الطب ، تقدما ملحوظا لا ينكره إلا جاحد .
أو أن يكون المقيم في بلادهم ممن يطلب علما نافعا ، للمسلمين ، لا يوجد نظيره في بلادهم ، بشرط أن يعود فور استكمال دراسته لينفع المسلمين بما حصله ، لا أن يبقى بعد انتهاء دراسته في بلادهم ليعود غالب نفعه عليهم لا على بني جنسه من المسلمين ، وهذا حال كثير من الدارسين في الولايات المتحدة ودول أوروبا من أبناء المسلمين ، حتى ذكر في أحد التقارير أنه خلال فترة زمنية معينة ، لا تحضرني الآن ، سافر من مصر الحبيبة : 1500 دارس ، إلى الولايات المتحدة ، لإعداد رسائل علمية متخصصة ، لم يعد منهم سوى : 200 فقط ، واستسلم الباقي لمغريات الحياة الغربية الحديثة ففضلوا الإقامة في الولايات المتحدة ، والضعيف مغرم بتقليد القوي ، والمغلوب أسير الغالب ، كما أشار إلى ذلك ، ابن خلدون ن رحمه الله ، والله أعلم .

أو يكون ممن سافر إلى بلادهم لنشر دعوة الإسلام ، وتفقيه من بها من المسلمين وإمامتهم في الصلاة ............. الخ ، من مهمات الدين كما هو الحال في كثير من المراكز الإسلامية المنتشرة في الدول الغربية .

وقبل ذلك لابد أن يكون المسافر إلى ديارهم ممن أوتي حظا من الدين والعلم ، يمكنه من حفظ نفسه ودرء الشبهات والشهوات ، لئلا تعرض له شبهة أو شهوة تهلكه ، والله أعلم .

وبطبيعة الحال يلحق هذه الأحوال ، الأحوال الشبيهة بها ، كمن سافر ليجلب آلات حديثة ، لا توجد إلا عند القوم ، ليؤسس بها مصنعا نافعا ، يفيد به المسلمين وهكذا ، فليس الأمر مقتصرا على هذه الصور بعينها ، وإنما يتعداها إلى نظائرها بالضوابط الشرعية المتقدمة ، والله أعلم .

وأما السفر لغسل أطباق القوم وكؤوسهم ، كما هو حال كثير من أبناء المسلمين اليوم ، فلن يزيد القوم إلا زهدا فينا وفي ديننا ، والواقع يشهد لذلك ، ولسان حال القوم ينطق بــــ "لو كان الإسلام خيرا ما سبقنا إليه أولئك القوم الذين وفدوا علينا ليغسلوا آنيتنا" !!!!!! ، والله أعلم .

وأما أحوال البقية الباقية من الأمة الأندلسية ، فيلخصها الأستاذ عنان ، رحمه الله ، بقوله :
وكانت العروبة تغلب على السكان المدنيين في مملكة غرناطة ، ولا سيما بعد أن نزح إليها على اثر سقوط القواعد الأندلسية في أيدي النصارى ، كثير من سادة البطون العربية القديمة ، ويذكر لنا ابن الخطيب ، رحمه الله ، وهو فارس ميدان التأريخ للأمة الأندلسية في تلك الحقبة بلا منازع ويظهر هذا جليا في ديوانه العظيم "الإحاطة في أخبار غرناطة" ، يذكر لنا عشرات من الأنساب العربية العريقة التي كان ينتمي إليها أهل غرناطة .
وعلم الأنساب مما اختصت به أمة الإسلام بجانب : الإسناد والإعراب .

بيد أن هذه العروبة كانت من نوع خاص ، صقلتها الأمة الأندلسية ، وأضفت عليها طابعها وألوانها الخاصة ، ويصف ابن الخطيب ، رحمه الله ، الغرناطيين بوسامة الوجوه ، واعتدال القدود ، وسواد الشعر ، ونضرة اللون ، وأناقة الملبس ، وحسن الطاعة والإباء ، يتحدثون بعربية فصيحة تغلب عليها الإمالة ، كما في قراءة ورش رحمه الله وهي قراءة أهل المغرب إلى يومنا هذا .

ويصف ابن الخطيب نساء غرناطة بالجمال والرشاقة والسحر ، ونبل الخلال ، ولكنه ينعي عليهن المبالغة في التفنن في الزينة والتبهرج في عصره ، وهو ما زاد بتعاقب الأجيال بعد ابن الخطيب ، حتى كان نساء غرناطة يحضرن مباريات الفروسية التي تجري بين المسلمين والنصارى سافرات متبرجات ، وهو ما يعكس الانتكاسة الكبيرة في دين وأخلاق القوم لمجاورتهم الأمة النصرانية المهيمنة على معظم أراضي الجزيرة الأيبيرية ، ومرة أخرى يظهر صواب عبارة ابن خلدون ، رحمه الله ، في بيان شغف الأمم المغلوبة بتقليد الأمم الغالبة ، ولم يقتصر الأمر على النساء فحسب ، بل تعداه لرجال غرناطة حتى رأيناهم في عصورهم المتأخرة يرغبون عن الزي الإسلامي إلى الزي القشتالي ، بعد أن كان النصارى هم الذين يرغبون عن زيهم إلى زينا لما كنا الأمة الأقوى ، واقتصر الزي الإسلامي على طبقة الفقهاء فقط دون عامة الناس .

وأما الجند المغاربة فقد حافظوا على زيهم المغربي ، ولم يتأثروا بـــ "الموضة" القادمة من بلاد قشتالة .

ويشير الأستاذ عنان ، رحمه الله ، إلى أمر مضحك مبكي في نفس الوقت ، وهو أن أهل الأندلس كانوا مضرب الأمثال في النظافة ، إذ كانوا يبالغون في العناية بنظافة أبدانهم وثيابهم ، ويكثرون من الاستحمام ، وقد كانت هذه العادات فيما بعد حينما أكره المسلمون على التنصير ، وهو محل الشاهد ، من الشبه التي تثيرها ضدهم محاكم التفتيش ، للتدليل على تشبثهم بالإسلام ، وارتدادهم عن النصرانية . ولا تعليق !!! ، وقبلهم قالها قوم لوط صلى الله عليه وسلم له ولآله : (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) .

ومما يزيد الدهشة ، ذلك القانون الغريب الذي سنته قشتالة للتضييق على المسلمين ، وفيه أغلقت "الحمامات العامة" لمنع المسلمين من الاغتسال ، ومرة أخرى : هذا ديننا وهذا دين القوم ، فليختر المرء لنفسه ما أحب .


ويواصل الأستاذ عنان ، رحمه الله ، فيقول :
وأما الجند فكانت فيهم كثرة ظاهرة من البربر ، ولا سيما من قبائل زناتة ومغراوة وبني مرين ، ويرجع ذلك إلى أن طوائف البربر التي تخلفت منذ عهد المرابطين والموحدين بالأندلس ، كان أغلبها من الجند ، وقد بقيت على عهدها تؤثر الجندية على الزراعة والمهن والفنون المدنية .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/73) .

وهذا ملمح آخر من ملامح الأمة المغربية في الأندلس ، فالمغاربة ، كما عرفناهم من أيام الفتح مرورا بدولة يوسف بن تاشفين ودولة أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي إلى دولة أبي يوسف يعقوب المريني كما سيأتي إن شاء الله ، قوم ذووا بأس شديد ، وصبر عند اللقاء ، نصر الله ، عز وجل ، بهم الملة في أكثر من موطن ، ويأتي إن شاء الله ، مزيد بيان لعظيم بلاءهم في دفع النصارى في أواخر أيام دولة الإسلام في الأندلس ، وخاصة "مشيخة الغزاة" ، التي كانت بمثابة "وزارة الدفاع" في حكومة الأندلس الإسلامية ، بل إن جهادهم استمر حتى بعد سقوط غرناطة ، حيث عبر كثير من المجاهدين المتطوعة من أرض المغرب الحبيب إلى الثغور الأندلسية لنجدة إخوانهم من مسلمي الأندلس ، أو "الموريسكيين" ، لما اشتدت وطأة إسبانيا النصرانية عليهم ، فالقوم ما برحوا ينصرون دين الله ، عز وجل ، في الجزيرة الأندلسية جماعات ووحدانا ، حكومات يوم كانت الخلافة المركزية قوية ، وشعوبا لما ضعفت القيادة المركزية ولم تقو على مجابهة إسبانيا ، كما كان الحال أيام المرابطين والموحدين .






وبعد هذا الاستعراض السريع لأحوال الأندلس ، نعود مرة أخرى للمغرب ، فإزاء هذا الوضع المزري ، الذي سبقت الإشارة إليه ، ظهرت نزعة أبي يوسف المريني ، رحمه الله ، الجهادية ، إذ يسارع بجمع أشياخ القبائل لمناقشة رسالة ابن الأحمر ، التي استنجد فيها به ، فيتفق الجميع على وجوب نجدة الأندلس والجهاد في سبيل الله ، ليواصل المغرب بذلك رسالته الخالدة في نصرة دين محمد صلى الله عليه وسلم في العدوة الأندلسية ، ولكن أمير بني عبد الواد ومقدمهم ، الأمير : يغمراسن ، صاحب تلمسان ، يرفض عقد الصلح مع أبي يوسف ليتفرغ لجهاد نصارى إسبانيا ، فينشب القتال بين الفريقين ، في رجب سنة 670 هـــ ، على مقربة من "وجدة" ، ويهزم يغمراسن ويفر جريحا ، ويعود أبو يوسف إلى مراكش مظفرا ، ليبدأ مرحلة الإعداد للجهاد في الأندلس .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/97) .

وهي المرحلة التي استغرقت نحو عامين ، ولا شك أن أي دولة في بدايتها تشغل بترتيب شئونها الداخلية قبل التطلع لمعاركها الخارجية ، كما حدث في عهد يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، الذي عبر إلى الأندلس سنة 479 هــــ ، بعد نحو : 26 عاما من توليه الإمارة الفعلية سنة 453 هــــ ، بتنازل الأمير الصحراوي أبي يكر بن عمر ، رحمه الله ، له عن إمارة مرابطي الشمال ، كما تقدم ، وكما حدث في عهد الموحدين بقيادة زعيمهم الداهية : عبد المؤمن بن علي ، الذي عبر للأندلس سنة 555 هـــ ، بعد نحو 14 عاما من دخوله مراكش ، سنة 541 هـــ .

ولم يختلف حال بني مرين كثيرا عن حال المرابطين والموحدين ، وكان قرار العبور ، بعد رسالة محمد الفقيه ، رحمه الله ، ثاني أمراء بني الأحمر ، وهي الرسالة التي أثرت في نفس أبي يوسف الأبية ، فسارع لتلبية نداء إخوانه في الضفة المقابلة ، ومما جاء في هذه الرسالة بعد الديباجة ، بيتان من الشعر يستنهض فيهما ابن الأحمر بني مرين بقوله :
مرين جنود الله أكبر عصبة ******* فهم في بني أعصارهم كالمواسم
مشنفة أسماعهم لمدائح ******* مسورة إيمانهم بالصوارم

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان ، رحمه الله ، في معرض كلامه عن استعدادات أبي يوسف ، رحمه الله ، للغزوة الأندلسية :
وهكذا اعتزم السلطان أبو يوسف أن يؤدي رسالة المغرب التاريخية في إنجاد الأندلس ونصرتها ، وكان بنو مرين في عنفوان دولتهم يجيشون بنزعة الجهاد الفتية ، فخرج السلطان من فاس في رمضان سنة 673 هــــ ، برسم الجهاد في الأندلس ، وأرسل ، للمرة الثانية ، إلى الأمير يغمراسن ، صاحب تلمسان ، يعرض الصلح توحيدا للكلمة وتعضيدا للجهاد ، فقبل يغمراسن الصلح ، ولا شك أن هذه بادرة طيبة من ذلك الأمير الجزائري ، وبادر السلطان أبو يوسف فجهز ولده "زيان" ، أو حفيده "منديل" كما في رواية ابن خلدون رحمه الله ، في خمسة آلاف مقاتل ، فعبر البحر من قصر المجاز ، قصر مصمودة ، إلى الأندلس ، ونزل بثغر "طريف" ، في ذي الحجة سنة 673 هـــــ ، ونفذ إلى أرض النصارى حتى "شريش" ، وعاث فيها وعاد مثقلا بالسبي والغنائم ، وقدم إليه ابن هشام ، وزير ابن الأحمر ، ثغر الجزيرة فنزل فيه .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/99) .

والناظر في هذه الغزوة الاستكشافية ، يلمس براعة أبي يوسف في إدارة الحملة المغربية الجائزة للأندلس ، إذ حرص ، أولا ، على تأمين ظهره ، بعقد الصلح مع الأمير يغمراسن ، حتى يتفرغ للغزوة الأندلسية ، ولم يبادر بالعبور مباشرة ، بل بعث طليعة جيشه لاستكشاف الجزيرة الأندلسية والوقوف على أخبارها ، وزاد على ذلك بأن اشترط على ابن الأحمر ، أن يتنازل له عن بعض الثغور ، كـــ "رندة" و "طريف" و "الجزيرة" ، ليسهل له العبور بقواته ذهابا وإيابا ، شأنه في ذلك شأن يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، لما اشترط على المعتمد بن عباد التنازل عن ثغر "الجزيرة الخضراء" ، لتجوز جيوش المرابطين عبره ذهابا وإيابا ، وكأن أبا يوسف ، رحمه الله ، قد استقرأ خطوات يوسف بن تاشفين ، رحمه الله ، في "الزلاقة" ، فعقد العزم على تتبعها .

ثم عبر السلطان بنفسه إلى العدوة الأندلسية ، في صفر سنة 674 هــــ ، فاهتزت الأندلس فرحا وسرورا بقدومه ، ولم يعبر أبو يوسف ، بكامل قواته ، بل عبر بنخبة منتقاة من بني مرين وحلفائهم من عرب إفريقية ، فحذا حذو ابن تاشفين ، رحمه الله ، لما عبر إلى الأندلس في : 30 ألف مقاتل فقط .

وعن عبور أبي يوسف يقول الدكتور علي الصلابي حفظه الله :
ومضى المجاهد أبو يوسف بجيشه الجرار قاصدا جهاد النصارى ، ولم يعقد ، ولم يبال أو يكترث بمن سار عنه أو قعد أو أبطأ أو تخلف ، ولم تستطب جفونه مناما ، ولم يتلذذ بشراب أو طعام ، ولم يزل يجد الرحيل ، ويوالي المسير ، حتى وصل إلى الوادي الكبير ، فعقد هنالك لولده الأمير أبي يعقوب يوسف على مقدمته ، وقدمه بين يديه مع الأدلاء في جيش من خمسة آلاف فارس من شجعان بني مرين والعرب ، فتقدم والده بمرحلة ، وسار أبو يوسف في إثر ابنه في جميع جيوشه ، فانتشرت عساكر المجاهدين في أرض الإسبان ، ووصل إلى حصن "المقورة" ما بين "قرطبة" و "اشبيلية" ودخل "بلمة" عنوة بالسيف ثم سار إلى أحواز "قرطبة" ثم إلى "استجة" .

وعندئذ تجهز النصارى بقيادة قائدهم الشهير "دون نونيو دي لارا" ، أو "دو نونة" كما تسميه الرواية الإسلامية ، في تسعين ألف مقاتل : 30 ألف فارس و 60 راجل ، لمواجهة الجيش الإسلامي بقيادة أبي يوسف ، فعقد الأخير مجلس الشورى الحربي ، الذي شارك فيه قادة الأندلس وأشياخ بني مرين وأمراء العرب ومن في المعسكر من الفقهاء والعلماء ، وانعقد العزم على مواجهة جحافل النصارى بقيادة "دون نونيو" .

دولة المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص432 ، 433 .

فأشبه أبو يوسف المريني ، اليوم ، أبا يوسف الموحدي ، بالأمس ، يوم الأرك العظيم ، لما سار بقواته ، رأسا ، للقاء "ألفونسو الثامن" ، ولم يتلكأ لئلا تفتر همم مقاتليه ، وأشبهه في مجلس شوراه ، الذي عقده لاتخاذ قرار الحرب ، وأشرك فيه قادة كل الفصائل المكونة للجيش الإسلامي ، ومرة أخرى يبرهن أبو يوسف المريني ، رحمه الله ، على أنه قارئ جيد للتاريخ .

ولئلا تتعلق النفوس بالدنيا ، أمر أبو يوسف بالغنائم فبعثت إلى الجنوب ، بعيدا عن أرض المعركة ، بصحبة ألف فارس وألف راجل من المجاهدين المتطوعين ، ثم تأخر هو ومن بقي معه من المسلمين استعدادا للقاء النصارى ، ثم ترجل عن جواده فأسبغ وضوءه ، وصلى ركعتين ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والجيش يؤمن من خلفه ، وكان من آخر دعائه ، ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : "اللهم انصر هذه العصابة وأيدها وأعنها على جهاد عدوك وعدوها" .
لقد أخذ أبو يوسف بكل أسباب النصر ، المعنوية والمادية ، ولم يبق إلا أن يتحقق موعود الله ، عز وجل ، وكان ذلك في الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة 674 هـــ ، على مقربة من "إستجة" ، جنوب غربي قرطبة ، إذ التقى جيش المسلمين ، القليل العدد والعدة ، مع جيش النصارى ، الكثير العدد والعدة ، في معركة سريعة هائلة ، هزم فيها النصارى هزيمة ساحقة ، وقتل قائدهم "نونيو دي لارا" ، كما قتل ولده ، فضلا عن : 18000 قتيل ، وفقا للرواية الإسلامية ، وإن كان الأستاذ عنان رحمه الله يصف الرواية بالمبالغة وعند التحقيق لا يبدو الرقم مبالغا فيه بالنظر إلى عدد النصارى وعظم مصابهم في ذلك اليوم ، جمعت رؤوسهم وأذن عليها لصلاة العصر ، في واقعة أعادت إلى الأذهان نصر "الزلاقة" العظيم ، وصدق الله ، عز وجل ، إذ يقول : (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) .

لقد اشتاقت الأمة إلى نصر يعيد ذكريات "الزلاقة" و "الأرك" ، وكان عليها أن تنتظر : 83 سنة ، لتذوق طعمه ، وهي المدة الفاصلة بين يوم الأرك 591 هــــ ، ويوم "نونيو دي لارا" وجمعه 674 هــــ .

وبعد هذا الانتصار الكبير ، توجه أبو يوسف لحصار "اشبيلية" ، حاضرة ملك النصارى ، التي كانت ، يوما ما ، حاضرة الأندلس الإسلامية ، فطلبت "اشبيلية" الأمان والصلح ، فأجاب أبو يوسف ، رحمه الله ، وبالأمس كنا نضرب الحصار حول "طليطلة" ، واليوم نضربه على "اشبيلية" ، ومن نظر في خريطة الجزيرة الأيبيرية ، عرف مقدار ما خسرناه في أقل من ثلاثين سنة ، وإذا أردت كلمة السر فهي : "العقاب" ، وما أدراك ما "العقاب" ، مصيبة المصائب مفنية الكتائب .

ثم عاد أبو يوسف ، رحمه الله ، إلى حاضرة ملكه في المغرب ، بعد نحو 5 أشهر قضاها في الأندلس ، تاركا 3000 فارس في الجزيرة الخضراء لمعاونة إخوانهم الأندلسيين في رد عدوان قشتالة .

بتصرف من :
دولة الإسلام في الأندلس ، (7/100 ، 101) .
ودولة المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي ، ص434 .

واستمر أبو يوسف ، رحمه الله ، في أداء رسالته تجاه الأندلس ، فعبر إلى الجزيرة : 3 مرات ، بعد هذا الانتصار العظيم ، كان آخرها سنة 684 هــــ ، قبل وفاته بعام واحد فقط ، وعن إنجازات السلطان أبي يوسف ، رحمه الله ، في هذا العبور الأخير ، يقول الأستاذ عنان رحمه الله :

وفي صفر سنة 684 هـــــ ، عبر السلطان المنصور إلى الأندلس للمرة الرابعة ، وزحف على أراضي النصارى ، وغزا مدينة "شريش" ، وسار ولده أبو يعقوب إلى أحواز "اشبيلية" فعاث فيها ، ثم زحف المنصور على "قرمونة" والوادي الكبير ، وخرب جنده بسائط "اشبيلية" و "لبلة" و "إستجة" و "الفرنتيرة" ، وسر ابن الأحمر لاجتياح أراضي قشتالة على هذا النحو ، وبعث إلى السلطان مددا من "غرناطة" وجاءت الأساطيل المغربية ، فطاردت أساطيل العدو في مياه المضيق واحتلته ، ورأى "سانشو" ملك قشتالة تفاقم الأمر وعقم المقاومة ، فجنح إلى طلب السلم ، وبعث إلى السلطان وفدا من الأحبار يطلب الصلح ، ويفوض السلطان في اشتراط ما يراه ، فاستجاب السلطان لرغبتهم ، واشترط عليهم :
مسالمة المسلمين كافة ، وأن يمتنع النصارى عن كل اعتداء على الأندلس ، وعلى أراضي المسلمين ومرافقهم ، وأن ترفع الضريبة عن التجار المسلمين بدار الحرب ، أي قشتالة بلاد العدو الإسباني ، وأن تنبذ قشتالة سياسة الدس بين الأمراء المسلمين .

فقبل النصارى جميع الشروط المطلوبة ، وتعهدوا بتنفيذها ، وقدم "سانشو" بنفسه إلى معسكر السلطان ، فاستقبل المنصور بحفاوة ، وقدم إليه طائفة من الهدايا ، وتعهد "سانشو" بتحقيق شروط الصلح كاملة ، وسأله السلطان أن يرسل قدرا من الكتب العربية ، التي استولى عليها النصارى من القواعد الأندلسية ، فأرسل إليه "ثلاثة عشر حملا" منها ، فأرسلها المنصور ، رحمه الله ، إلى فاس ، فكانت نواة المكتبة السلطانية .

ومع وقفة سريعة مع هذه الأحداث :
إذ كانت إنجازات المنصور المريني ، رحمه الله ، بمثابة الروح الجديدة التي أحيت الأمتين : المغربية والأندلسية ، بعد طول رقاد ، إذ كان سقوط قلاع الأندلس متتابعة في أقل من ثلاثين عاما ، كما تقدم ، مؤشرا خطيرا ينذر بغروب شمس الإسلام في الجزيرة الأيبيرية ، حتى ظهرت الدولة النصرية ، دولي بني الأحمر ، في "غرناطة" ، وظهر بنو مرين بقيادة هذا السلطان الهمام ، الذي أعاد للمسلمين هيبتهم ، حتى اضطر ملك قشتالة بنفسه إلى الوفود عليه طلبا للصلح ، كما تقدم .

وملمح آخر من ملامح هذه الأحداث : وهو حرص المنصور ، رحمه الله ، على استرداد تراث المسلمين العلمي ، من أيدي النصارى ، إذ كان المسلمون أصحاب الريادة العلمية ، ليس في الأندلس فحسب ، بل في أوروبا بأكملها ، التي كانت تعيش عصورا مظلمة ، سيطرت فيها الكنيسة المتعصبة على مجريات الحياة العلمية ، حتى كانت مهارات القراءة والكتابة ، وهي المهارات الأساسية لتلقي العلوم ، لا توجد إلا عند الأحبار والرهبان ، وكأن العلم حكر عليهم دون غيرهم ، فهم الساسة الذين يوجهون الشعوب المضللة التي لا تعرف شيئا إلا الطاعة العمياء لـــ "الكهنوت" النصراني المتعصب ، وأصحاب المذاهب الضالة ، أحرص الناس على تضليل أتباعهم وتشويه الحق في أعينهم ، وسد منافذ الاطلاع عليهم ، لئلا يدركوا الحق ، فيعيشوا في ضلالاتهم ، التي تحفظ على أصحاب السلطان رياستهم الدنيوية الزائلة ، فأحبار النصارى ، إلى وقتنا الحاضر ، أبرز الأمثلة على ذلك ، وخاصة في البلاد التي يدعي النصارى فيها التدين ، كما هو الحال عندنا في مصر ، فالقوم لا يعرفون إلا الطاعة العمياء لرهبانهم وقساوستهم ، وإن أمروهم بما يخالف العقل والفطرة السوية ، وكأن الأحبار أنبياء معصومون لا تجوز مخالفتهم ، فهم مصدر التلقي الوحيد ، فالدين ما قالوه والحق ما رأوه ، بل إن إظهار الشعائر مقتصر على القساوسة دون من سواهم ، فلا تكاد تجد واحدا من عوام النصارى قد أطلق لحيته ، فهي مقصورة على رجال الكهنوت دون بقية رجالهم ، ولا تكاد تجد نصرانية تغطي رأسها ، بل على العكس ، يتفنن في مخالفة المسلمات بالتعري قدر الإمكان ، وفي المقابل تغطي الراهبات رؤوسهن ويرتدين الثياب المحتشمة ، وكأن الدين ما أرسل إلا لهؤلاء ، أما بقية "شعب الكنيسة" ، كما يسمونه عندنا في مصر الحبيبة ، فهم أدوات طيعة لتنفيذ مخططات كبرائهم ، ولذا حرص أئمتهم على سد منافذ الحق عندهم ، فالأناجيل الأصلية مكتوبة بلغة لا يعرفها إلا كبار القساوسة ، والتعليمات واضحة : لا جدال مع المسلمين ولا حوار إلا بنية إثارة الشبهات ، لا البحث عن الحق واتباعه ، وقد تحداهم أحد مشايخنا الكرام في مصر ، في شريط مسجل أن يقوموا بشرح الأناجيل ، تفصيلا ، لأتباعهم ، مع الإشارة إلى ما فيها من متناقضات وأباطيل ، اعترفت بها المجامع الكنسية نفسها ، وهذا بالطبع أمر مستحيل بالنسبة لهم ، فلو اطلع أتباعهم على ما في كتبهم من الأباطيل واطلعوا في نفس الوقت على ما يقابلها من الحق الذي أنزله الله ، عز وجل ، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، لحدث ما يخشاه أئمتهم ، ولدخل النصارى في دين الإسلام أفواجا ، وهذا ما يفقد الزعماء زعاماتهم ، فتصير العبودية لله الواحد القهار ، دون من سواه من بشر أو قبر أو حجر ، والباطل ، وإن ظهر قويا ، ضعيف لا يجرؤ على مواجهة الحق مواجهة صريحة وإنما يتسلل من الأبواب الخلفية كالسارق الذي يستغل أوقات الغفلة ليظفر بالمسروق ، فأين هذا من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي خاطب الله ، عز وجل ، بها الخاص والعام ، الرئيس والمرؤوس ، فالإسلام ليس حكرا على طبقة كهنوتية بعينها ، وليس حكرا على جنس بعينه ، بل هو رسالة السماء لكل أمم الأرض ، ولا باطل عندنا لنخفيه ، أو نخاف من إظهاره ، فقد تعرض علماؤنا لكل الشبهات التي أثيرت حول الإسلام ، عقيدة وشريعة ، وأدوا رسالتهم الجليلة ، بشرح أصول هذا الدين وفروعه ، دون إغفال شيء منها ، والعلم الشرعي ليس حكرا على مؤسسة بعينها ، وإنما هو متاح لكل الناس ، بشرط ألا يتكلم المرء في دين الله إلا بعلم ، وإلا فالسكوت أولى ، فمن أراد التصدي لهذا الأمر الجليل فليتسلح أولا بالعلم قبل أن يخوض في هذا الدين المتين ، والله أعلم .

ولم يقتصر الأمر على النصارى دون من سواهم ، فكل مضل حريص على سد منافذ الحق على أتباعه ، فالبهائية ، على سبيل المثال ، يصدر أحد زعمائهم الخبثاء ، فتوى بتحريم قراءة أي كتاب على اتباعه الجهلاء ، ليظل القوم في عمى وضلال ، ثم "ينسخ" ، إن جاز هذا التعبير ، فتواه بفتوى أخرى يجيز فيها القراءة وفق قيود ابتدعها ، لا تحضرني الآن ، لئلا ينكشف أمره أمام أصحاب العقول والفطر السوية ، وكذا ضلا ل الرافضة ، فهم أجهل الناس بشريعة رب العالمين ، لذا صاروا أداة طيعة في أيدي "آياتهم" الباطلة ، يوجهونهم ، باسم حب آل البيت ، إلى تنفيذ مخططاتهم الخبيثة لإبادة أهل السنة والجماعة ، كما هو الحال الآن في العراق ، فالحكومة الرافضية الخبيثة تسير وفق تعاليم الفارسي المتعصب ، الذي لا يجيد حتى لغة الوحي ، المدعو بــــ "السيستاني" ، وحقد الفرس على العرب الذين اصطفاهم الله ، عز وجل ، فبعث فيهم خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ، أشهر من أن يذكر ، ويحضرني الآن مقالة قرأتها في موقع "ملتقى أهل الحديث" عن طفل إيراني ، حفظ القرآن في سن مبكرة ، فتباهى به الرافضة أمام أهل السنة ليثبتوا أنهم يجيدون حفظ القرآن كما يجيده أهل السنة ، وشتان فالقوم ممن اتخذ القرآن مهجورا حتى أعرض غلاتهم عنه بالكلية لزعمهم الفاسد بأنه محرف ، ولما اشتهر أمر هذا الطفل ، قدمه أهل بلدته للإمامة بل والخطابة ، على الرغم من صغر سنه ، ونام هذا "الإمام الصغير" ، في إحدى الليالي ، ثم اعتلى المنبر في اليوم التالي ، ليقول بمنتهى البراءة : إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءه في الرؤيا ، وحذره من "الآيات" ، ناعتا إياهم بأعدائه لا أوليائه وأولياء أهل بيته ، كما يزعمون ، وهنا ثارت ثائرة حكومة الآيات الباطلة ، واعتقل الصغير ، وأشيع بأنه في ضيافة كبيرهم الشيخ الضال : على خامئني ، وأبى الله إلا أن يظهر الحق ولو بأضعف جنده .

وأئمة الصوفية ، كذلك ، يحرصون على سد منافذ الحق على أتباعهم ، فلا يقرأ المريد كتابا بدون علم شيخه ، فالشيخ هو الذي يضع "المقررات الدراسية" ، إن جاز التعبير ، وبطبيعة الحال لا يمكن أن يشير الشيخ بكتب أئمة كـــ "ابن تيمية" و "ابن القيم" و "محمد بن عبد الوهاب" ، رحمهم الله ، فهم أشد الناس عداوة للقوم !!!! .

وعذرا أيها الكرام ، على هذا الاستطراد ، وعودة مرة أخرى ، للأندلس ، إذ كان حال النصارى فيها أحسن بكثير من حال نصارى بقية أوروبا ، كما تقدم ، لمجاورتهم المسلمين ، فرسان الميادين العلمية بلا منازع في تلك الفترة ، حتى ظهر من ملوكهم من اهتم بالعلوم العربية ، واشتهر بحبه ، من الناحية العلمية ، للمسلمين ، بل ووضع كتابا في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أشار إلى ذلك الدكتور "مراد هوفمان" ، وهو " ألفونسو العاشر" الملقب بـــ "العالم" ، وهو ما أثار بالطبع حقد شعبه الجاهل عليه ، إذ كيف يهتم ملكهم بعلوم وآداب أعدائهم ، ولما توالى سقوط القلاع الأندلسية في أيدي النصارى ، كان من ضمن ما غنموه منها ، الكتب العربية التي سطر العرب المسلمون فيها علومهم وآدابهم التي عرفت بها البشرية المعنى الحقيقي لــــ "الحضارة" بشقيها : المعنوي الروحي والمادي الجسدي ، ولذا حرص السلطان أبو يوسف ، رحمه الله ، على استعادة هذا التراث النفيس ، وإرساله إلى العدوة المغربية ، بل وحرص السلاطين المتأخرون على استعادة ما يمكن استعادته من المكتبات الإسبانية ، فقام مولاي إسماعيل ومولاي محمد بن عبد الله ، بمحاولات مشكورة لاستعادة هذا التراث النفيس ، يأتي الكلام عنها تفصيلا ، إن شاء الله .



وبعد عقد هذا الصلح اتخذ المنصور أهباته الأخيرة نحو شئون الأندلس ، وندب ابنه الأمير "أبا زيان" للنظر في شئون الثغور الأندلسية ، وأوصاه بألا يتدخل في شئون ابن الأحمر ، وكان من آثار التفاهم بين ابن الأحمر والمنصور ، أن أفسح ابن الأحمر لقرابة السلطان من بني مرين النازحين إلى الأندلس مجال السلطان والنفوذ في بلاطه ، وكان عدة من هؤلاء من خاصة الفرسان ومشاهير الغزاة ، فأسند ابن الأحمر إليهم رياسة الجند في منصب عرف في الخطط الغرناطية بــــ "مشيخة الغزاة" ، ويحتله بالأخص رئيس من بني العلاء المرينيين يسمى "شيخ الغزاة" ، وتولى بنو العلاء قيادة الجيوش الأندلسية عصرا ، وكانت لهم في ميدان الحرب والجهاد مواقف مشكورة ، وسبقت الإشارة إلى ذلك ، إشارة مجملة ، تفصيلها في الأسطر التالية إن شاء الله :

إذ كان من حسن سياسة السلطان أبي يوسف ، رحمه الله ، أنه أرسل فريقا من بني عمومته إلى الأندلس ، برسم الجهاد ، خشية انتقاضهم عليه تجديدا للخصومة القديمة بين فرعي بني مرين الملكيين : "بني عسكر" و "بني حمامة" ، فاستقبلهم ابن الأحمر بترحاب ومودة ، وعقد لهم على قيادة الغزاة المجاهدين من زناتة وبني مرين ، وكان على رأسهم : عبد الله بن أبي العلاء ، الذي استشهد في إحدى الغزوات ضد النصارى وذلك في سنة 693 هـــــ ، فخلفه أخوه القائد الهمام : عثمان بن أبي العلاء ، رحمه الله ، بطل معركة "ألبيرة" .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/106_108) .

ولا شك أن هذا التصرف الحكيم ، مما يدل على حنكة أبي يوسف ، إذ حقق به هدفا مزدوجا : فضمن استقرار المغرب ، برحيل الجناح المناوئ له ، وأحسن استغلال قدرات هذا الجناح القوي ، فوظفه لجهاد النصارى في الأندلس ، وهو ما يصب في قناة الدولة المرينية ، باعتبار الأندلس ، البعد الاستراتيجي الشمالي للمغرب ، فضلا عن تأمين المسلمين في الجزيرة الأندلسية نفسها .

وفي السنة التالية ، سنة 685 هــــ ، توفي المنصور ، رحمه الله ، بعد حياة حافلة بصنوف الجهاد المستمر في العدوتين : المغربية والأندلسية .

وعن السلطان أبي يوسف المنصور المريني يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
كان السلطان أبو يوسف المنصور من أعظم ملوك المغرب قاطبة ، وكان يعيد بشغفه بالجهاد ، ووفرة جيوشه وأهبته الحربية ، ذكرى أسلافه العظام من أمثال : يوسف بن تاشفين ، وعبد المؤمن بن علي ، ويعقوب المنصور ، وقد وصفه مؤرخ معاصر بقوله : (كان أبيض اللون ، تام القد ، معتدل الجسم ، حسن الوجه ، واسع المنكبين ، كامل اللحية ، معتدلها ، أشيب ، كأن لحيته من بياضها قطعة ثلج ، سمح الوجه ، كريم اللقاء ، شديد الصفح ، كثير العفو ، حليما ، متواضعا ، شفيعا كريما ، سمحا ، جوادا ، مظفرا ، منصور الراية) .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/108) .


وينقل الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، نبذة عن حياة السلطان أبي يوسف ، فيقول :
كان رحمه الله صواما قواما ، دائم الذكر ، كثير الفكر ، لا يزال في أكثر نهاره ذاكرا ، وفي أكثر ليله قائما يصلي ، وسبحته في يده لا يزايلها أكثر أوقاته ، مكرما للصالحين ، كثير الرأفة والحنين على الضعفاء والمساكين ، متواضعا في ذات الله تعالى لأهل الدين ، متوقفا في سفك الدماء ، كريما جوادا ، وكان مظفرا منصور الراية ، ميمون النقيبة ، لم تهزم له راية قط ، ولم يكسر له جيش ، ولم يغز قط عدوا إلا قهره ، ولا لقي جيشا إلا هزمه ودمره ، ولا قصد بلدا إلا فتحه .

مصرع غرناطة ، ص55 ، نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ، ص437 .

لقد كان المنصور ، رحمه الله ، لمحة من الزمن الجميل ، فلم يأت بعده رجال من طرازه ، وقل أن يجود الزمان بأمثال أبي يوسف رحمه الله .

وبعد أبي يوسف ، رحمه الله ، تولى سلطنة المغرب ، ولده السلطان أبو يعقوب يوسف ، الذي كان ، مثل أبيه ، خبيرا بشئون الأندلس ، فاستمرت العلائق بين البلاطين : المغربي والأندلسي ، إلى أن وقع السلطان "محمد الفقيه" ، سلطان غرناطة ، في خطأ في غاية السذاجة ، كعادة معظم حكام الأندلس ، إذ نجح "سانشو" ، ملك غرناطة في إقناعه بانتزاع ثغر "طريف" الاستراتيجي من أيدي المغاربة ، العدو التقليدي للأمة الأندلسية !!!!! ، ووعده سانشو بتسليمه له فور الاستيلاء عليه ، فصدق الفقيه الساذج ، وطوقها "سانشو" من جهة البحر بأسطوله ، وأمده محمد الفقيه بالمؤن ، من "مالقة" الثغر الجنوبي الآخر ، ورغم ذلك صمدت الحامية المغربية في "طريف" أربعة أشهر ، ولكنها اضطرت في النهاية إلى التسليم ، فاستولى عليها النصارى ، وبطبيعة الحال تبخرت وعود "سانشو" لـــ "الفقيه" ورفض تسليمه هذا الثغر الاستراتيجي الذي عبر إليه المسلمون في أول عبور لهم إلى الجزيرة الأندلسية بقيادة "طريف بن مالك" ، رحمه الله ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وما كان لـــ "سانشو" أن يتخلى عن هذا الثغر بعد استيلائه عليه ، وفي المقابل نزل للفقيه عن عدد من الحصون الهامة ، ولكنها بطبيعة الحال ، حصون في داخل الأندلس ، لا تطل على العدوة المغربية ، فاستردادها سهل بعد تطويق مملكة غرناطة وقطع علائقها مع المغرب ، وخيانة "الفقيه" ، وهو الذي اشتهر بشغفه بعلوم الشريعة حتى عد واحدا من فقهائها ، لا تحتاج إلى تعليق !!!!! .

يقول الأستاذ عنان رحمه الله معلقا :
فأدرك ملك غرناطة عندئذ خطأه في الركون إلى وعود ملك قشتالة ، وفي مغاضبة ملك المغرب ، حليفه الطبيعي وسنده المخلص في رد عدوان النصارى .

وعاد ابن الأحمر يخطب ود بني مرين مرة أخرى ، وبعث وفدا "رفيع المستوى" إلى السلطان أبي يعقوب ، الذي أكرم وفادتهم ، وأجابهم إلى الصلح ، في موقف مشكور ، أعاد العلائق مرة أخرى بين المغرب والأندلس إلى سابق عهدها ، وحاول السلطان أبو يعقوب استرداد ثغر "طريف" مرة أخرى ، بمعاونة محمد الفقيه ، ولكنه لم يظفر بافتتاحه ، وكأن الله ، عز وجل ، أراد عقاب الفقيه فلم ينله ثغر "طريف" الذي فرط فيه بنفسه ، والله أعلم .

وبعد الفقيه ، جاء فقيه آخر ، هو السلطان أبو عبد الله محمد الملقب بـــ "المخلوع" ، وكان كأبيه عالما شاعرا يؤثر مجالس العلماء والشعراء ، ولكنه كان كأبيه ، أيضا ، في قراراته الغريبة ، إذ عرض له ، فجأة ، كما يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، أن يعدل عن محالفة سلطان المغرب إلى محالفة ملك قشتالة ، ولم يكتف المخلوع بذلك بل أغرى عمه وصهره فرج بن إسماعيل ، صاحب "مالقة" الثغر الجنوبي المطل على العدوة المغربية ، بأن يحرض أهل "سبتة" على الضفة المقابلة ليخلعوا طاعة السلطان أبي يعقوب ، وجهز فرج بن إسماعيل "حملة أندلسية" لغزو بلاد المغرب !!! ، بقيادة عثمان بن أبي العلاء شيخ الغزاة في "غرناطة" ، الذي بعثه المنصور ، رحمه الله ، خصيصا لنصرة المسلمين في الأندلس ، فكان جزاء المغرب ، أن يتلقى هذه الضربة الموجعة من أقرب حلفائه ، وهو الذي ما تأخر يوما عن نصرة الإسلام في العدوة الأندلسية ، وبالفعل تمكنت هذه الحملة الغادرة من احتلال "سبتة" ، وأعلن فرج بن إسماعيل ، انضواء هذا الثغر المغربي تحت لواء المخلوع في غرناطة .

وقد أثرت هذه الخيانة في نفس أبي يعقوب ، أيما تأثير ، فاعتزم المضي بنفسه إلى "سبتة" لاستردادها ، ولكنه قتل غيلة في سنة 706 هــــ ، لتقوم الحرب الأهلية بين ولديه "أبي سالم" و "أبي ثابت" ، حول العرش ، حتى قتل "أبو سالم" واستقر "أبو ثابت" على عرش المغرب .

وقام أبو ثابت ، فور استقراره على عرش المغرب ، بتجهيز حملة لاسترداد "سبتة" ، ومواجهة القائد الطموح : عثمان بن أبي العلاء ، الذي طمح إلى الاستيلاء على عرش المغرب نفسه ، بصفته من سلالة بني مرين ، حكام المغرب ، وابتنى أبو ثابت لهذه الحملة خصيصا مدينة "تيطاوين" أو "تطوان" ، المدينة الشهيرة في شمال المغرب ، لينزل فيها عسكره ، ولكنه توفي سنة 708 هـــ ، ليتم المهمة من بعده أخوه السلطان "سليمان أبو الربيع" الذي نجح في كسر شوكة ابن العلاء فاضطر الأخير إلى مغادرة المغرب والعودة إلى الأندلس مرة أخرى بعد فشل هذه المغامرة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/113_114) .

ولا شك أن هذه الاضطرابات الشديدة ، التي حدثت في المغرب ، بالإضافة إلى الاضطرابات التي حدثت في الأندلس ، بخلع السلطان محمد وتولي أخيه نصر بن محمد الفقيه سلطنة غرناطة سنة 708 هــــ ، كانت سببا في اشتداد وطأة النصارى على المسلمين ، إذ بدأ النصارى في التفكير جديا في قطع كل العلائق التي تربط العدوتين ، فجهزوا حملة للاستيلاء على ثغري "ألمرية" و "جبل طارق" في نفس الوقت ، فشلت في الاستيلاء على الأول ، ولكنها نجحت في الاستيلاء على الثاني ، وهو الأخطر والأهم ، فسقط بذلك ثاني ثغر يربط بين المغرب والأندلس في أيدي النصارى سنة 709 هــــ ، بعد سقوط "طريف" ، وعن هذا السقوط يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
فكان لسقوطه وقع عميق في الأندلس والمغرب معا ، فقد كان باب الأندلس من الجنوب ، وكان صلة الوصل المباشر بين المملكتين الإسلاميتين . اهـــــ

وكان على المملكتين أن ينتظرا : 24 عاما قبل أن يتمكنا من استرداده مرة أخرى في عهد السلطان أبي الحسن المريني ، آخر سلاطين بني مرين الأقوياء ، وذلك في سنة 733 هــــ .

وبالرغم من حماقات عثمان بن أبي العلاء في العدوة المغربية ، إلا أنه كان صاحب أياد بيضاء في جهاد النصارى في الأندلس ، وخاصة في موقعة "إلبيرة" الشهيرة التي تمكنت فيها قوات غرناطة ، القليلة العدد ، إذ كان عددها لا يجاوز ستة أو سبعة آلاف جندي منهم نحو ألف وخمسمائة فارس ، من إلحاق هزيمة ساحقة بقوات النصارى التي يقودها : دون "بيدرو" و دون "خوان" الوصيان على "ألفونسو الحادي عشر" ملك قشتالة ، ومعهما عدة من أمراء قشتالة ، وفرقة من المتطوعة الإنجليز بقيادة أمير إنجليزي ، في هضبة "إلبيرة" سنة 718 هــــ ، وعن أحداث هذه المعركة الجليلة يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
وفي 20 من ربيع الثاني سنة 718 هــــ ، التقى فرسان الأندلس بطلائع النصارى وردوهم بخسارة فادحة ، ثم زحف أبو سعيد عثمان بن أبي العلاء في نخبة من جنده ، ونشبت بين الفريقين موقعة شديدة ، كانت الدائرة فيها على النصارى ، فمزقوا شر ممزق ، وقتل منهم عدد جم ، بينهم "دون بيدرو" و "دون خوان" ، ورهط كبير من الأمراء والنبلاء والأحبار ، وغرق منهم عند الفرار في نهر "شنيل" عدة كبيرة ، وأسر منهم بضعة آلاف ، واستمر القتل والأسر فيهم ثلاثة أيام ، وخرج أهل غرناطة فرحين مستبشرين ، يجمعون الأسلاب والأسرى ، وظفر المسلمون بغنائم عظيمة ، منها مقادير كبيرة من الذهب والفضة ، وكان نصرا مشهودا أعاد ذكرى الجهاد المجيد ، وكان معظم الفضل في إحرازه يرجع ، بعد توفيق الله عز وجل ، إلى الجند المغاربة وإلى شيوخهم بني العلاء الذين تزعموا الجيوش الأندلسية وتولوا قيادتها في تلك الفترة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/118) .

واللافت للنظر في هذه المعركة ، هو وجود فرقة من المتطوعة الإنجليز ، ضمن صفوف الجيش الإسباني ، وهو أمر يبرز السمة الصليبية لهذه المعارك ، فالقوم ، وإلى يومنا هذا ، لا يجدون خيرا من راية الصليب لتوحدهم ضد أمة الإسلام .

ويحضرني من أخبار المجاهدين في حرب البلقان الأخيرة ، أنهم خاضوا إحدى المعارك الشرسة ضد الصرب الأرثوذكس ، وبرز من بين صفوف الصرب مقاتل شرس ، ضخم الجثة ، كث اللحية ، يحمل في كل يد ، سلاحا وزنه 10 كيلو جرام ، على ما أتذكر ، ورغم ذلك يستعمله بمنتهى الخفة والمهارة وكأنه يلهو بمسدس صغير ، فلما تمكن المسلمون منه بعد جهد جهيد ، ونظروا في أوراق هويته ، اتضح أنه ليس صربيا ، بل "مجري" جاء خصيصا لنجدة إخوانه في الدين من نصارى البلقان في جهادهم المقدس ، فهو مجاهد شرس في سبيل نصرة الصليب ، فضلا عن أعداد كبيرة من المتطوعة البلغار والرومان واليونان .......... الخ شاركوا في هذه الحرب القذرة ، التي اتشحت برداء الصليب ، ولا أشرس من المعارك التي تحمل السمة الدينية .

ويعلل ابن خلدون ، رحمه الله ، ظهور القادة والجند المغاربة ، في ميادين الجهاد في الأندلس ، بقرب عهدهم بالتقشف والبداوة ، فالمقاتل المغربي ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع ، مقاتل شرس ، ذو عقيدة راسخة ، خرج من قلب الصحراء المغربية ، ليكيل الضربات لأعداء دين محمد صلى الله عليه وسلم في الجزيرة الأيبيرية ، من زمن الفتح إلى آخر أيام الإسلام في الأندلس ، بل واصل المغاربة نجدتهم لإخوانهم في العدوة الأندلسية بعد سقوط غرناطة ، كما سيأتي إن شاء الله .

وبعد هذا النصر العظيم الذي أنعش الآمال وأيقظ الهمم ، تمكن السلطان محمد بن إسماعيل ابن الأحمر، من استعادة جبل طارق سنة 733 هـــ ، بمعاونة الأسطول المغربي ، الذي رابط في مياه مضيق جبل طارق ليحول دون وصول النجدة إلى النصارى المحاصرين في جبل طارق ، وكان ذلك في عهد السلطان أبي الحسن المريني ، رحمه الله ، الذي اضطر ، بعد 8 سنوات من استعادة جبل طارق ، إلى خوض معركة فاصلة بجوار السلطان يوسف بن الأحمر ، ضد جيوش نصارى أسبانيا والبرتغال بقيادة "ألفونسو الحادي عشر" على ضفاف نهر "سالادو" ، هزم فيها المسلمون هزيمة مؤلمة ، أعادت إلى الأذهان ذكريات نكبة "العقاب" ، إذ تمكنت حامية "طريف" النصرانية ، التي أهداها الفقيه لـــ "سانشو" ، تمكنت من مهاجمة مؤخرة الجيش الإسلامي ، فدب الخلل إلى صفوفه ، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة سالت فيها الدماء غزيرة ، وقتل من المسلمين عدد جم ، وسقط معسكر سلطان المغرب الخاص في يد النصارى وفيه حريمه وحشمه وبعض أولاده ، فذبحوا جميعا على الأثر بوحشية مروعة ، وانتثرت قوات المسلمين وبددت ، وفر السلطان أبو الحسن ، واستطاع أن يعبر إلى المغرب مع فلوله ، وارتد السلطان يوسف إلى غرناطة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/128) .

وبوفاة السلطان أبي الحسن ، رحمه الله ، سنة 752 هــــ ، تدخل الدولة المرينية في دور الانحلال ، وتنحدر إلى غمر الحرب الأهلية ، وتشغل بشئونها الداخلية ، وتفقد غرناطة بذلك ، العضد الوحيد الذي كانت تدخره وقت الشدائد ، وقد استمرت العلائق بين غرناطة وبني مرين عصرا آخر ، ولكنها غدت غير بعيد علائق بلاط ، تغلب عليها دسائس القصور ، وانقطعت الجيوش المغربية عن العبور إلى الأندلس لمقاتلة النصارى ، كما كانت تفعل أيام أبي يوسف وأبي يعقوب وأبي الحسن ، ولم تعبر بعد ذلك سوى مرة واحدة لمعاونة الخوارج في جبل طارق ضد ملك غرناطة .

دولة الإسلام في الأندلس ، (7/136 ، 137) .

ومن مظاهر هذه العلائق الدبلوماسية :
عقد الغني بالله ، ملك غرناطة ، بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن صديقه أبي فارس عبد العزيز ، سلطان المغرب ، مع "بيدرو الرابع" ملك أراجون ، معاهدة صلح وصداقة لمدة ثلاثة أعوام من تاريخ عقدها وهو في رجب سنة 768 هـــــ .

فقد خلد سلاطين المغرب في تلك الآونة إلى الراحة وآثروا عقد المعاهدات السلمية على عقد ألوية الجيوش !!!!! .
بل وتطور الأمر إلى أن بعث "خوان الثاني" ، ملك قشتالة" سفراءه ، ومعهم هدايا نفيسة إلى أبي فارس الحفصي سلطان تونس ، وإلى سلطان فاس عبد الحق بن عثمان المريني ، يرجو كلا منهما أن يبتعد عن التدخل في شئون غرناطة ، فوعد كلاهما بتحقيق رغبته .

وكانت تعليمات "خوان الثاني" واضحة : لا شأن لكم بمسلمي غرناطة ، فمشاكلهم "مشاكل داخلية" ، وصراعنا معهم صراع داخلي لا يحق لأحد ، كائنا من كان ، أن يتدخل فيه ، ومن يعص أمري فهو "مارق" يستحق أن يدرج ضمن "القائمة السوداء" ، بصفته راعيا لــــ "الإرهاب" ، وبطبيعة الحال لم يملك السلطانان الضعيفان إلا الرضوخ للقوة الأسبانية التي باتت تهدد سواحل المغرب بأكمله بأساطيلها القوية ، ورغم ذلك لن ينجو المغرب العربي من اعتداءات نصارى إسبانيا والبرتغال وفرنسا ، وإن أذعن لتعليماتهم ، فهجمات النصارى على السواحل المغربية ، ستزداد شيئا فشيئا ، حتى تنزل قواتهم بكامل عددها لاحتلال البلاد بأكملها مع اضمحلال سيادة الخلافة العثمانية عليها .


واستمرت الدولة المرينية في الانهيار حتى وجه بنو وطاس الضربة القاضية لدولة بني مرين سنة 869 هــــ ، وقتلوا السلطان أبو محمد عبد الحق بن أبي سعيد عثمان (الثاني) ، وعن هذا السلطان ، يقول السلاوي ، رحمه الله ، قي (الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى) : هو أطولهم مدة وأعظمهم محنة وشدَّةً . وليَ بفاس بعد وفاة أبيه سنهَ 823 هـ وترك التصرف في المملكة إلى وزرائه وحجابه - على طريقة أبيه - وفي أيامه استولى البرتغال على (قصر المجاز) . وكان ممن توَلىَ وزارته يحيى بن زيَّان الوطاسي وقتل ظلماً سنهَ 852 هـ وخلفه قريبه على بن يوسف بن منصور الوطاسي وتوفي سنة 863 هـ وتولى الوزارة بعده يحيى ابن يحيى بن زيَّان واستبد بالأمر وأشرك معه أقاربه ، فراع السلطان عبد الحق المريني استحواذ المرينيين ، وعله يقصد الوطاسيين والله أعلم ، على أمور الدولة فنكل بهم وقتل أكثر من كان منهم بمدينة فاس يوم الأربعاء مستهل المحرم سنة 866 هـ ، غير أنه ختم حياته شرِّ ختام ، فاستوزر من بعدهم يهوديين اعتزَّ بهما يهود فاس وتحكموا في الأشراف والفقهاء ، وحدث أن ضرب أحدهم امرأةً فاستغاثت وأعمل أهل فاس القتل في اليهود ونادوا بخلع السلطان وولوا عليهم الشريف أبا عبد الله الحفيد وكان السلطان غائباً عن المدينة فأجبره من معه على العودة إليها فانتزعوا منه خاتم الملك وأركبوه بغلاً وطافوا به ، وأمر أبو عبد الله الحفيد بضرب عنقه فقتل وبقتله انتهت دولة بني مرين بالمغرب .

وبزوال دولة بني مرين ، تطوى صفحة أخرى من صفحات الجهاد المغربي في الأندلس ، ويبدأ المغرب مرحلة جديدة ينتقل فيها من دور الهجوم إلى دور الدفاع تاركا زمام المبادرة بأيدي نصارى إسبانيا والبرتغال .

والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
28Jun2006, 01:27 صباحاً
بسم الله

السلام عليكم

ومع الصفحة الأخيرة في تاريخ الإسلام في الأندلس ، وما تلا ذلك من انحسار المد الإسلامي في غرب أوروبا في الوقت الذي كان فيه المد الإسلامي في شرقها على أشده ، أيام كانت خلافة بني عثمان في أوجها ، ومع الأندلس في مواجهة دولة "فرناندو وإيزابيلا" تكون هذه الوقفة .

والبداية مع الأميرة الكاثوليكية المتعصبة "إيزابيلا" ، التي كانت كما وصفها الأستاذ عنان ، رحمه الله ، تتمتع بكثير من الذكاء والعزم ، فضلا عن إثارتها برقتها وتواضعها واحتشامها ، حب الشعب القشتالي وإعجابه ، بيد أنها كانت تجيش بنزعة دينية عميقة ، تذهب أحيانا مذهب التعصب المضطرم ، وكانت تقع تحت تأثير الأحبار المتعصبين ، وتنزل عند تحريضهم وتوجيههم ، وكان مشروع غزو مملكة "غرناطة" والقضاء على الأمة الأندلسية ، يذكي في نفس هذه الملكة الورعة التي تنعت بـــــ "الكاثوليكية" أشنع ضروب التعصب ، ويحملها على مؤازرة ديوان التحقيق الإسباني ، وإقرار كل ما جنح إلى ارتكابه باسم الدين من الأعمال والجرائم المثيرة .

ومع ابن عمها ، ولي عهد "أراجون" ، الأمير المتعصب "فرناندو الخامس" ، الملقب أيضا بـــ "الكاثوليكي" ، الذي يصفه الأستاذ عنان ، رحمه الله ، بأنه واحد من أعظم ملوك إسبانيا النصرانية وأوفرهم عزما وهمة ، فضلا عن تمتعه بمقدرة فائقة ، سواء في الإدارة أو في ميادين الحرب والسياسة ، ويستدرك الأستاذ عنان ، رحمه الله ، بقوله : بيد أن هذا الجانب الحسن من خلاله ، كانت تغشاه صفات سيئة ، فقد كان فرناندو أميرا لا وازع له ، يجنح في سياسته إلى الغدر ومجانبة الوفاء ، وكان رجل الفرصة السانحة ، يلتمس إلى تحقيق أطماعه العظيمة أي الوسائل مهما كانت تجانب المبادئ الأخلاقية المقررة ، أو مقتضيات الفروسية والوفاء .

مع هذين الزوجين اللذين كان قرانهما في سنة 1469 م ، في مدينة "بلد الوليد" ، فاتحة عصر اتحاد ممالك إسبانيا النصرانية ، وإن لم يتم الاتحاد بالفعل إلا في سنة 1479 م ، بوفاة "خوان الثاني" ملك "أراجون" ، والد "فرناندو الخامس" ، واعتلاء ابنه عرش "أراجون" لتتحد "قشتالة" و "أراجون" تحت راية الصليب في مواجهة "غرناطة" معقل الإسلام الأخير في الجزيرة الأندلسية .

وعلى الجانب الآخر :
مع السلطان علي أبي الحسن الغالب بالله النصري ، الذي تولى عرش "غرناطة" في أواخر سنة 868 هـــ ، قبل سقوط "غرناطة" بــ : 29 سنة ، بعد وفاة أبيه السلطان سعد بن محمد بن يوسف النصري .

وكالعادة ، لم يستخلص أبو الحسن ، العرش لنفسه ، إلا بعد صراع عنيف مع أخويه : يوسف أبو الحجاج والسيد أبو عبد الله محمد المعروف بـــ "الزغل" ، أي : الباسل أو الشجاع ، كما نقل ذلك الأستاذ عنان ، رحمه الله ، عن المستشرق "دوزي" .

وفي الوقت الذي كانت فيه إسبانيا النصرانية ، تسير في خطا حثيثة نحو الاتحاد ، كانت الأمة الأندلسية تعاني الأمرين من تنازع أمراء بني الأحمر ، فـــ "أبو الحسن" في "غرناطة" ، عاصمة المملكة ، و "الزغل" في "مالقة" قاعدته ، إذ كان واليها يوم خرج على أخيه "أبي الحسن" ، وبطبيعة الحال ، لم يجد "الزغل" ، نصيرا له في صراعه مع أخيه ، سوى ملك قشتالة "هنري الرابع" ، فوعده الأخير بالعون والتأييد ، بعد أن وفد عليه "الزغل" في محلته في "أرشدونة" .

وبتولي "فرناندو وإيزابيلا" سدة الحكم في "قشتالة" ، بعث أبو الحسن إليهما يطلب تجديد الهدنة الهشة القائمة بين الطرفين ، فوافق الملكان على ما طلبه ، شريطة أن يحكم البلاد باسميهما ، وأن يؤدي لهما الجزية ، وبطبيعة الحال ، رفض أبو الحسن ، هذا العرض المزري ، وكانت هذه الحادثة بداية الحملة الصليبية الأخيرة على "غرناطة" آخر معاقل الإسلام في الأندلس .

وبالرغم مما كانت "غرناطة" ، تعانيه من اضطرابات في تلك الفترة الحرجة من جراء تنازع أمرائها ، إلا أن أبا الحسن أبدى كفاءة كبيرة في إدارة مملكته في بداية حكمه ، إذ كان ، كما يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، أميرا وافر الشجاعة والعزم ، يعشق الحرب والجهاد ، فضلا عما حققه أيام أبيه من انتصارات في غزواته الناجحة في أرض النصارى ، ولم يكن "الزغل" ، بأقل منه شجاعة وكفاءة ، ولكنه السلطان وحب الرياسة ، وما أدراك ما السلطان وحب الرياسة ؟!!! .


ومع "ثريا" أو "إيزابيلا سانشو خمنيس دي سوليس" ، الجارية النصرانية ، التي هام أبو الحسن ، ولم يلبث أن تزوجها واصطفاها على زوجته الأبية "عائشة الحرة" ، أم السلطان أبي عبد الله الصغير آخر ملوك "غرناطة" ، إذ سعت هذه الماكرة إلى إقناع أبي الحسن بتولية أحد ولديها : سعد ونصر ولاية العهد ، بدلا من أبي عبد الله ابن خصيمتها الأميرة عائشة الحرة .

ونجحت هذه الجارية الحسناء في صرف زوجها عن أمور الحرب والسياسة ، فلم يلبث أبو الحسن بعد إنجازاته الكبيرة في بداية حكمه ، أن ركن إلى الدعة وأطلق العنان لأهوائه وملاذه ، وبذر حوله بذور السخط والغضب ، بما ارتكبه في حق أكابر دولته وقادتها من صنوف العسف والشدة ، وما أساء إلى شئون الدولة والرعية ، وما أثقل به كاهلهم من صنوف المغارم ، وما أغرق فيه من ضروب اللهو والعبث .

ومع عائشة الحرة ، ابنة عم أبي الحسن ، السلطان الأيسر ، أم أبي عبد الله الصغير آخر سلاطين بني الأحمر ، وعن حياة هذه الأميرة الكريمة يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
والواقع أن حياة السلطانة "الحرة" ، تبدو لنا خلال الحوادث والخطوب ، كأنها صفحة من القصص المشجي ، أكثر مما تبدو كصفحة من التاريخ الحق ، وهذا اللون القصصي لا يرجع فقط إلى كونها أميرة أو امرأة ، تشترك في تدبير الملك ، وتدبير الشئون والحوادث ، ولكن يرجع بالأخص إلى شخصيتها القوية ، وإلى سمو روحها ورفيع مثلها ، وإلى جنانها الجريء الذي يواجه كل خطر ، ويسمو فوق كل خطب ومصاب ، والرواية القشتالية ذاتها لا تضن عليها بالتنويه والتقدير ، وهي التي تسبغ على شخصيتها وحياتها كثيرا من هذا اللون القصصي المشجي .

وبالرغم من تحديد إقامتها ، إن صح التعبير ، بإيعاز من ضرتها "إيزابيلا" ، في برج "قمارش" ، أمنع أبراج الحمراء ، إلا أنها لم تستسلم لهذا الجور ، بل تمكنت ، هي وابناها من الفرار من برج "قمارش" ، بعد مغامرة مثيرة ، واختفى الفارون حينا ، حتى قويت دعوتهم وانضم إليهم كثير من أهل غرناطة ، المتعاطفين مع حزب الأميرة الحرة وولديها ، وظهر أبو عبد الله الصغير ، للمرة الأولى على شاشة الحياة السياسية في مملكة "غرناطة" في "وادي آش" في الوقت الذي كان فيه أبوه ، السلطان أبو الحسن يدافع النصارى عن أسوار مدينة "لوشة" ، وهكذا انقسم المعسكر الغرناطي بظهور هذا الزعيم الجديد ، الذي عزز ظهوره ، بلا شك ، من آمال النصارى في اجتياح هذه المملكة المنقسمة على نفسها .

ومع طرف ثالث في المملكة الغرناطية ، وهو أبو عبد الله محمد "الزغل" ، نظير أخيه أبي الحسن في الشجاعة والإقدام ، صاحب الانتصارات الأخيرة لدولة الإسلام في الأندلس على جيوش الصليب ، ومن أبرزها يوم "الشرقية" الذي سحقت فيه قوات "الزغل" ، قوات النصارى بالقرب من قاعدته "مالقة" ، مع الرجل الذي اقتسم ملك غرناطة مع ابن أخيه أبي عبد الله الصغير ، ونجح في قيادة المملكة إلى أن نازعه أبو عبد الله الملك وجنح إلى مهادنة النصارى ومال الناس إلى رأيه ، بالرغم من حبهم وتقديرهم لجهود "الزغل" ، الكبيرة في دفع النصارى ما استطاع على ذلك سبيلا .

مع كل هؤلاء ، عاشت غرناطة أيامها الأخيرة ، قبل أن تلقى مصرعها في سنة 897 هــــ .

ومع ظهور أبي عبد الله الصغير في "وادي آش" ، انقسمت مملكة "غرناطة" الصغيرة إلى قسمين :
فــ " غرناطة " و "وادي آش" تحت حكم أبي عبد الله الصغير ، وكان جلوس أبي عبد الله على العرش سنة 887 هـــ .

و "مالقة" وغرب الأندلس تحت حكم أبيه ، الذي فر إلى "مالقة" بعد ثورة أهل "غرناطة" عليه .

وفي سنة 888 هـــ ، خرج أبو عبد الله الصغير لجهاد النصارى ، في غزوة "استعراضية" ، انتهت بأسره ، وهو ما كان له أبرز الأثر في إذكاء نار الحرب الأهلية في "غرناطة" ، إذ نجح الداهية "فرناندو الخامس" في توظيف هذا الفتى الساذج لخدمة أهدافه في تقسيم المملكة الأندلسية ، فرفض إطلاق سراحه ، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها "أبو الحسن" لافتداء ولده ، لا بباعث الحب له والشفقة عليه ، كما يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، ولكن لكي يحصل في يده ويأمن شره ومنافسته ، وكذا بذلت الأميرة عائشة الحرة ، جهودا كبيرة في استنقاذ ولدها من الأسر ، فأرسلت سفارة على رأسها الوزير "ابن كماشة" ، ليفاوض في الإفراج عن الأسير مقابل الشروط التي يرتضيها ملكا قشتالة "فرناندو وإيزابيلا" ، وبالفعل نجحت السفارة وعقدت معاهدة سرية بين الطرفين ، أهم وأخطر بنودها : اعتراف أبي عبد الله بسيادة ملكي قشتالة على المملكة الأندلسية ، أي أنه قبل أن يحكم "غرناطة" ، بصفته تابعا ، وإن شئت الدقة فقل : عميلا ، لسيديه ملكا قشتالة ، في الوقت الذي رفض فيه أبو الحسن ، هذا الأمر من قبل ، ورفضه "الزغل" أيضا ، فوجد "فرناندو" ضالته في هذا الغر الساذج ، ولم يبق إلا أن تحين الساعة المناسبة لإطلاق سراحه .

وكانت هذه الساعة بعد وفاة أبي الحسن ، الذي تولى سدة الحكم مرة أخرى بعد أسر أبي عبد الله ، وكانت وفاته سنة 890 هــــ ، وتولي "الزغل" ، عم أبي عبد الله الصغير ، مقاليد الحكم ، وكان قد تولاها بالفعل أيام أبي الحسن ، إذ عجز الأخير عن تدبير شئون المملكة في أخريات أيامه ، وكان "الزغل" ، رجلا محنكا ، قام بتنظيم شئون المملكة ، ورتب الحاميات للدفاع عن الولايات الأندلسية ، فاعترفت كل الولايات بسيادته ، ولا شك أنه كان رجل "المرحلة" ، إن صح التعبير ، خلاف "الصغير" اسما ورسما .

وبطبيعة الحال كان إطلاق "الصغير" في هذه الآونة بالذات ، ضربة قاصمة لاستقرار الأندلس ، وجهها "فرناندو" بمنتهى الحنكة ، إذ عاد الملك الأسير ليرأس حزبه مرة أخرى ، وبطبيعة الحال كان حزبه من "مؤيدي السلام ونبذ العنف والتطرف والجلوس على مائدة المفاوضات" ، مع سيد الأندلس الجديد ، "فرناندو الخامس" ، فالصلح مع "القوى العظمى" ، خير وأبقى من الدخول في مواجهة غير متكافئة معها .

وفي نفس التوقيت الذي بث فيه هذا الحزب المتخاذل دعايته في المملكة الأندلسية ، كانت قوات "فرناندو" تزحف على بقية الولايات الأندلسية ، مستغلة حالة البلبلة التي سببها ظهور أبي عبد الله الصغير في المسرح السياسي الأندلسي مرة أخرى بعد إطلاق سراحه ، فاستولى النصارى على مدينة "رندة" الشهيرة ، وبسقوطها انهارت ، كما يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، كل وسيلة للدفاع عن "مالقة" الثغر الإستراتيجي المهم الذي يصل العدوة الأندلسية بنظيرتها المغربية .

ولم يكتف "فرناندو" بذلك بل أمد حزب أبي عبد الله الصغير ، المتمركز في حي "البيازين" الشهير ، بالأسلحة التي تمكنهم من إشعال الثورة المسلحة على "الزغل" ، السلطان الشرعي في تلك الآونة ، وبالفعل قامت الحرب الأهلية الغرناطية ، التي استغلها "فرناندو" أحسن استغلال إذ واصل زحفه غربي الأندلس ، فاستولى على مدينة "بلش مالقة" ، وهي كما يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، حصن "مالقة" ، وسقوطها يعني تعرض "مالقة" ثاني أكبر مدن المملكة لأشد الأخطار .

وفي نفس الوقت بدأت همم الأندلسيين في الفتور ، ومالوا لإلقاء السلاح وتأييد "الصغير" ، في "مساعيه السلمية" ، طلبا للراحة وإيثارا للدعة ولو تحت راية الصليب ، على الرغم من تقديرهم لشجاعة "الزغل" وفروسيته .

ويلخص الأستاذ عنان ، رحمه الله ، ما آل إليه الحال بعد نجاح خطة "فرناندو" بقوله :
وبذلك انقسمت مملكة غرناطة الصغيرة إلى شطرين يتربص كل منهما بالآخر :
"غرناطة" وأعمالها ويحكمها أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي الحسن .
و "وادي آش" وأعمالها ويحكمها عمه الأمير محمد بن سعد (أبو عبد الله الزغل) ، وتحقق بذلك ما كان يبتغيه ملك قشتالة ، من تمزيق البقية الباقية من دولة الإسلام بالأندلس تمهيدا للقضاء عليها .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس (7/214) .

وبعد "بلش مالقة" ، جاء الدور على "مالقة" ، الثغر الجنوبي المواجه للعدوة المغربية ، إذ طوقتها قوات النصارى برا وبحرا في جمادى الثانية سنة 892 هــــ ، ولم يستطع "الزغل" أن يسير إلى إنجادها خوفا من غدر ابن أخيه "الصغير" ، فسقطت "مالقة" بعد دفاع مجيد أبدى فيه جند "غمارة" المغربية أروع ضروب البسالة بقيادة زعيمهم "حامد الثغري" ، وكعادة "فرناندو" في نقض عهوده ، استباح جنده المدينة الإسلامية رغم العهود التي قطعها على نفسه بتأمين المسلمين في أنفسهم وأموالهم .

وكانت تحركات "فرناندو" في غاية الإحكام ، إذ سعى إلى قطع كل علائق العدوتين : المغربية والأندلسية ، فحاصر ثغري "المنكب" و "ألمرية" ، وبطبيعة الحال لم يجد النصارى عناء في الاستيلاء عليهما ، وبهذا تكون كل ثغور الجنوب المطلة على العدوة المغربية قد سقطت في أيدي النصارى بداية من : "طريف" و "الجزيرة الخضراء" و "جبل طارق" إلى "المنكب" و "مالقة" و "ألمرية" ، ولم يبق أمام "فرناندو" إلا التهام "غرناطة" و "وادي آش" وأعمالهما .

وبعد ثغور الجنوب جاء الدور على "بسطة" ، التي سقطت ، بعد طول حصار ، بخيانة "يحيى النيار" ، صهر "الزغل" ، المعروف بـــ "سيدي يحيى" ، الذي عقد معاهدة سرية مع "فرناندو" ، لتسليم "بسطة" نظير منحة "ملكية" ضخمة ، ومن ضمن بنود هذه المعاهدة قول "فرناندو" :
(وأنه إذا صحت عزيمتكم حقا على اعتناق النصرانية ، وعلى أن تخدمني وتعاونني برجالك ، فإني سوف أكتم ذلك طول مدة الفتح ، حتى لا يتقول عليك رجالك ، ولهذا فإنك تستقبل التعميد المقدس سرا في غرفتي ، حتى لا يعرفه المسلمون إلا بعد تسليم وادي آش) !!!!!! ، والقول أبلغ من أن يعلق عليه معلق ، وبهذا انضم "يحيى النيار" إلى ركب "السيد أبي زيد والسويد الموحدين" والبقية تأتي ، بعد سقوط "غرناطة" .

وبطبيعة الحال فتت هذه الخيانة في عضد "الزغل" ، فلم يبق له إلى "وادي آش" ، فسارع بدوره إلى الإنضواء تحت لواء ملك النصارى ، ولم يخل الأمر من معاهدة سرية أخرى ، على نمط معاهدة "يحيى" ، وإن لم يترد "الزغل" فيها إلى درك الردة عن الإسلام ، وخلاصتها ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
أن يستقر "الزغل" سيدا في مدينة "أندرش" وما إليها ، وأن يكون له ألفا تابع من بني وطنه ، وأن يمنح معاشا سنويا كبيرا ، وأن يمنح دخل نصف ملاحات بلدة "الملاحة" ، وأن يرسل في استحضار أبنائه الأمراء من "غرناطة" نظرا لخصومته مع ملكها ، وأن تكون جميع أملاكه وأملاك ذويه في "غرناطة" حرة من كل حق ومغرم ، وأن تكون هذه العهود ملزمة لملكي قشتالة ولعقبهما من بعدهما ، وأخيرا أن يوافق البابا على هذه العهود .

بيد أنه لم يمض قليل على ذلك حتى شعر "الزغل" بأنه يستحيل عليه الاستمرار في ذلك الوضع المهين ، فنزل لـــ "فرناندو" عن حقوقه وامتيازاته لقاء مبلغ ضخم ، وجاز البحر إلى المغرب ، ونزل في وهران ثم انتقل إلى تلمسان ، واستقر يقضي بها بقية حياته في غمر من الحسرات والندم ، ولبث عقبه هنالك عصورا يعرفون بـــ "بني سلطان الأندلس" ، وجاز معه كثير من الكبراء الذين أيقنوا أن نهاية الإسلام بالأندلس قد غدت قضاء محتوما .

دولة الإسلام في الأندلس ، (7/227 ، 228) .
وكانت هذه المعاهدة المشينة ، التي جاءت على عكس تاريخ "الزغل" المشرف في جهاد النصارى ، مما حمل بعض المؤرخين كصاحب "أخبار العصر" ، على اتهام "الزغل" بالخيانة المقصودة لينتقم من ابن أخيه "الصغير" الذي غدا بعد تسليم "الزغل" ، وحيدا في مواجهة "فرناندو" ، ويعترض الأستاذ عنان ، رحمه الله ، على هذا الاتهام ، استنادا لتاريخ "الزغل" المشرف ، والله أعلم بالسرائر .

ولم يبق للإسلام في الأندلس إلا "غرناطة" .

وبالفعل بدأ الحصار الأخير في صيف سنة 1491 هــــ ، وكان حصارا شاملا ، برا وبحرا ، حتى رابطت السفن الإسبانية في مضيق جبل طارق ، وعلى مقربة من الثغور الجنوبية ، لتحول دون وصول أية أمداد من إفريقية ، والواقع ، كما يقول الأستاذ عنان ، رحمه الله ، أنه لم يكن ثمة أمام الغرناطيين أي أمل في الغوث والإنقاذ من هذه الناحية ، ذلك أن معظم ثغور المغرب الشمالية والغربية ، ومنها "سبتة" و "طنجة" ، كانت قد سقطت في أيدي البرتغاليين ، وكانت دولة "بني وطاس" التي قامت يومئذ في المغرب الأقصى ما تزال ضعيفة في بدايتها ، وكانت أبعد عن التفكير في القيام بأي عمل حربي خطير ضد النصارى ، هذا إلى أن إمارات المغرب الواقعة في الضفة الأخرى ، كانت كلها في حالة ضعف وتفكك ، وكانت تخشى بأس قوة إسبانيا البحرية وتسعى إلى كسب صداقتها وحمايتها ، التي كانت يومئذ في أوج قوتها .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/239) .


وكالعادة بدأت المفاوضات السرية "من تحت المائدة" ، لتسليم "غرناطة" ، وإن شئت الدقة ، لــ "بيع غرناطة" ، كما بيعت "ألمرية" و "وادي آش" من قبل ، مقابل بعض الامتيازات الرخيصة ، وتولى هذه المهمة وزير أبي عبد الله : أبو القاسم عبد الملك وهو المعروف في الرواية القشتالية والعربية بـــ "أبو القاسم المليخ" أو "بو لقاسم المليخ" ، وعنه يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
ولم نعثر على تفاصيل تختص بشخصية هذا الوزير أو نشأته ، ولكن الذي يبدو لنا من مواقفه وتصرفاته أنه كان سياسيا عمليا يؤمن إيمانا قويا بسياسة التسليم والخضوع للنصارى ، وانتهازيا يرى انتهاز الفرص بأي الأثمان .
دولة الإسلام في الأندلس ، (7/243 ، 244) .
وهذه الميكيافيلية هي السمة الغالبة على سياسي زماننا ، ويبدوا أنه أمر متوارث من عصور الضعف التي مرت بها الأمة طوال تاريخها ، يتوارثه المتخاذلون من كل جيل صاغرا عن صاغر .

وكانت بنود المعاهدة الرسمية ، لا السرية ، تبدو في ظاهرها ، في غاية الجودة ، مقارنة بما آل إليه حال "غرناطة" من ضعف وانهيار سياسي وعسكري واقتصادي من جراء الحصار المحكم الذي فرضه "فرناندو" على حاضرة الإسلام الأخيرة في الأندلس ، فهي ، كما يقول الدكتور أحمد الدعيج ، حفظه الله ، متهكما : أشبه ما تكون بالاتحاد الكونفيدرالي بين مملكتي "قشتالة" و "غرناطة" ، وبطبيعة الحال ، ما أسهل القول وأصعب الفعل ، فالأمر عند "فرناندو" لا يعدو كونه مناورة سياسية رخيصة يشتري بها استسلام "غرناطة" بأقل الخسائر وأبخس الأثمان .

وهي معاهدة من بضع وخمسين بندا ، أوردها الأستاذ عنان ، رحمه الله ، في كتابه :
دولة الإسلام في الأندلس ، (7/245_250) .

ويثني الأستاذ عنان ، رحمه الله ، بذكر بنود المعاهدة السرية ، فيقول :
وفي نفس اليوم الذي وقعت فيه معاهدة تسليم غرناطة ، وهو يوم 25 نوفمبر سنة 1491 م ، وفي نفس المكان الذي وقعت فيه ، وهو المعسكر الملكي بــ "مرج غرناطة" ، أبرمت معاهدة أخرى أو "ملحق سري للمعاهدة الأولى" ، يتضمن الحقوق والامتيازات والمنح ، التي تعطى للسلطان أبي عبد الله ، ولأفراد أسرته وحاشيته ، وذلك متى نفذ تعهداته التي تضمنتها المعاهدة من تسليم غرناطة والحمراء وحصونها .
وتتلخص هذه الحقوق والامتيازات والمنح فيما يأتي :
أن يمنح الملكان الكاثوليكيان لأبي عبد الله وأولاده وأحفاده وورثته إلى الأبد ، حق الملكية الأبدية ، فيما يملكانه من محلات وضياع في بلاد "برجة" و "دلاية" و "مرشانة" ، و "لوشار" و "أندرش" و "أجيجر" و "أرجبة" وبضعة بلاد أخرى مجاورة ، وكل ما يخصها من الضرائب وحقوق الريع ، وما بها من الدور والأماكن والقلاع والأبراج ، لتكون كلها له ولأولاده وأعقابه وورثته بحق الملكية الأبدية ، يتمتع بكل ريعها وعشورها وحقوقها ، وأن يتولى القضاء في النواحي المذكورة باعتبار سيدها ، وباعتباره في الوقت نفسه تابعا وخاضعا لجلالتيهما ، وله حق بيع الأعيان المذكورة ورهنها ، وأن يفعل بها ما يشاء ومتى شاء ، وأنه متى أرد بيعها ، فإنه يعرض ذلك أولا على جلالتيهما فإذا لم يريدا شراءها ، فله أن يبيعها لمن شاء .
وأن يحتفظ جلالتهما بقلعة "أدرة" ، وسائر القلاع الواقعة على الشاطئ .
وأن يعطي جلالتهما إلى الملك المذكور "مولاي أبي عبد الله" ، هبة قدرها : ثلاثون ألف جنيه من الذهب القشتالي "كاستيليانو" ، يبعثان بها إليه ، عقب تسليم الحمراء ، وقلاع "غرناطة" الأخرى التي يجب تسليمها ، وذلك في الموعد المحدد .
وأن يهب جلالتهما للملك المذكور ، كل الأراضي والرحى والحدائق والمزارع التي كان يملكها أيام أبيه السلطان "أبي الحسن" ، سواء في "غرناطة" أو في "البشرات" ، لتكون ملكا له ولأولاده ولعقبه وورثته ، ملكية أبدية ، وله أن يبيعها أو يرهنها وأن يتصرف فيها كيفما شاء .
وأن يهب جلالتهما أيضا ، إلى الملكات والدته وأخواته وزوجته ، وإلى زوجة أبي الحسن ، كل الحدائق والمزارع والأراضي والحمامات ، التي يملكنها في "غرناطة" والبشرات ، تكون ملكا لهن ولأعقابهن إلى الأبد ، ولهن بيعها ورهنها والتمتع بها وفقا لما تقدم .

وأن تكون سائر الأراضي الخاصة بالملك المذكور والملكات المذكورات وزوجة مولاي "أبي الحسن" ، معفاة من الضرائب والحقوق الآن وإلى الأبد .

وألا يطلب جلالتهما أو أعقابهما إلى ملك "غرناطة" أو حشمه أو خدمه رد ما أخذوه في أيامهم سواء من النصارى أو المسلمين من الأموال والأراضي .

وأنه إذا شاء الملك المذكور أبو عبد الله ، والملكات المذكورات ، وزوجة مولاي "أبي الحسن" وأولادهم وأحفادهم وأعقابهم ، وقوادهم وخدمهم وأهل دارهم ، وفرسانهم وغيرهم ، صغارا وكبارا ، العبور إلى المغرب ، فإن جلالتهما يجهزان الآن أو في أي وقت سفينتين لعبور الأشخاص المذكورين ، متى شاءوا ، تحملهم وكل أمتعتهم وماشيتهم وسلاحهم ، وذلك دون أي أجر أو نفقة .
............... الخ من البنود التي تسيل لعاب الحكام من أمثال "أبي عبد الله الصغير" .

وملخص هذه المعاهدة : أن أبا عبد الله باع "غرناطة" وطنه ووطن أجداده ، آخر قلاع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في الجزيرة الأيبيرية مقابل : ثلاثين ألف كاستيليانو وبعض المزارع والحمامات !!!!!!!! ، وما أبخسه من ثمن ، وما أخس همة أبي عبد الله وأمثاله .

على أن "فرناندو" و "إيزابيلا" ، أبقيا الطريق مفتوحا أمام أبي عبد الله ، إن شاء أن يعبر إلى المغرب ، هو ونساؤه وأولاده وحشمه ، وهو ما كانا يضمرانه في نفسيهما ، وبالفعل تولى يوسف بن كماشة ، وزير أبي عبد الله ، أو الراهب "يوسف بن كماشة" باعتبار ما سيكون !!!! ، مهمة إقناعه بالجواز إلى العدوة المغربية ، لأن البقاء في أرض العدو ، وفي ظل العبودية والهوان ، لم يبق له محل ، وأنه ليس مكفول السلامة والطمأنينة ، والعبور إلى أرض الإسلام خير وأبقى !!!! ، كذا قال وزير السوء ابن كماشة ، وإذا كان الأمر كذلك أيها الوزير الغيور ، فلم آثرت البقاء في أرض العدو ، بل والدخول في دينه ، بل والانتظام في سلك رهبانه ، أما كان من الأولى لك أنت ، أيضا ، أن تجوز إلى أرض الإسلام فرارا من الذل والهوان ؟!!!!! .

وكان موعد الرحيل عن "غرناطة" ، في فجر اليوم الثاني من يناير ، وهو اليوم الذي حدد لتسليم الحمراء ، وكان رنين البكاء ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، يتردد في غرف قصر الحمراء وأبهائه ، وكانت الحاشية منهمكة في حزم أمتعة الملك المخلوع وآله ، وقد ساد الوجوم كل محيا ، واحتبست الزفرات في الصدور .

ومضى أبو عبد الله للقاء "سيده الجديد" ، "فرناندو" ، فاستقبله الأخير بترحاب وحفاوة في محلته على ضفة نهر "شنيل" ، ولا مانع من بعض المجاملات الدبلوماسية التي لا تضر إن لم تنفع في خداع السذج من أمثال أبي عبد الله ومن على شاكلته ، وتصف الرواية القشتالية هذا المنظر المؤثر فتقول إن أبا عبد الله حين لمح "فرناندو" هم بترك جواده ، ولكن "فرناندو" بادر بمنعه وعانقه بعطف ومودة !!! ، فقبل أبو عبد الله "الذليل" ، ذراعه اليمنى إيماءة الخضوع ، ثم قدم إليه مفتاحي البابين الرئيسيين للحمراء قائلا : (إنهما مفتاحا هذه الجنة ، وهما الأثر الأخير لدولة الإسلام في إسبانيا ، وقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا ، وهكذا قضى الله !!! ، فكن في ظفرك رحيما عادلا) .

ويبدو أن أبا عبد الله الصغير كان "جبريا" !!!! ، إذ احتج بالقدر في موطن التقصير وعدم الأخذ بأسباب النجاة ، والقدر ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله ، يحتج به في المصائب لا المعائب ، أي : في المصائب التي لا حيلة لنا في دفعها كالموت والحرق والسيل ............. ، لا في المعائب التي قصرنا في علاجها ثم رحنا نلقي التبعة على القدر بحجة أنه أمر قد كتب علينا منذ الأزل .

وتصف الروايات القشتالية ، اللحظات الأخيرة لأبي عبد الله في "غرناطة" ، فتقول بأنه أشرف أثناء مسيره في شعب البذول (بادول) على منظر غرناطة الحبيبة ، فوقف يسرح بصره لآخر مرة في هاتيك الربوع العزيزة التي شهدت أيام صباه وشبابه ، وأيام عزه وسلطانه ، فانهمر في الحال دمعه ، وأجهش بالبكاء ، فصاحت به أمه عائشة الحرة ، رحمها الله ، صيحتها الشهيرة : "أجل فلتبك كالنساء ، ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال" .

وهو موقف يذكرنا ، مع الفارق العظيم ، بموقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، يوم خرج من مكة مهاجرا بصحبة صديق الأمة الأعظم ، أبي بكر ، رضي الله عنه ، فقال : "الله يعلم أنك أحب بلاد الله لي ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت" ، أو كلمة نحوها ، لقد كان حبه صلى الله عليه وسلم لمكة عظيما ، ولكنه امتثل لأمر ربه وخرج مهاجرا للمدينة ، وبقي بها حتى قبض ، بأبي هو وأمي ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يرجع إليها ، حتى بعد أن فتحت وصارت دار إسلام ، وفاءا للعهد الذي قطعه على نفسه للأنصار ، رضي الله عنهم ، لقد ترك محمد صلى الله عليه وسلم ربوع مكة التي شهدت أيام الصبا والشباب ، ليبلغ رسالة ربه ، فلك أن تقول : إن محمدا صلى الله عليه وسلم ضحى بالمال والأهل والوطن ، وسالت دماء أصحابه وإخوانه أمام عينيه لكي يصل هذا الدين إلينا ، ولولا هذه التضحيات لما نعمنا بأعظم نعمة : نعمة الدين ، وأعظم بها نعمة !!! ، وكأن الله ، عز وجل ، محص قلوب القوم وابتلاهم بمفارقة كل عزيز ، طلبا لرضوانه ونصرة لدينه ، فقدموا هذا الحق الذي هو بين أيدينا الآن على كل غال وعزيز ، فاللهم اجز هذه العصابة المؤمنة عنا خير الجزاء واجمعنا بهم في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر .


وعودة إلى موضوعنا :
فلا زال هذا الموضع ، موضع بكاء أبي عبد الله ، إلى يومنا هذا ، معروفا في مدينة "غرناطة" أو "granada" ، ويسميه الأسبان : "زفرة العربي الأخير" ، أو "El Ultimo Suspiro Del Moro" ، وكلمة "Moro" عند القوم تعني "المسلم" ، ولذا اشتق منها بعد ذلك لقب البقية الباقية من أمة الإسلام في الأندلس التي عرفت بـــ "الموريسكيين" ، أو "المسلمين المغاربة" ، ولعل اسم المغرب الحبيب في العصر الحاضر في اللغة الإنجليزية "Morroco" يرجع إلى هذا الأصل ، ولا أدري الترجمة الإسبانية أو الفرنسية لــ "المغرب" ، فلعل فيها زيادة إيضاح ، والله أعلم .

وكعادة الأسبان في تمجيد لحظات ظفرهم على أمة الإسلام في الجزيرة الأيبيرية ، يلمس الناظر حرصهم على إبراز رموز هذا الظفر ، فقد احتفظوا براياتنا يوم العقاب في الدير الملكي بمدينة "برغش" ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، واحتفظوا بها بعد هزيمة السلطان أبي الحسن المريني ، رحمه الله ، في موقعة "طريف" أو "سالادو" سنة 741 هــــ في كنيسة "طليطلة" ، واليوم ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله الذي زار بنفسه تلك البقاع ، يعين سكان غرناطة ذلك الموضع الذي بكى فيه أبو عبد الله للسائحين المتجولين في أنحاء غرناطة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/267) .

وبعد مضي عام من إقامة أبي عبد الله في مدينة "أندرش" ، توجس "فرناندو" و "إيزابيلا" من بقاء السلطان المخلوع في الأندلس ، إذ أنه ، مع ضعفه وتخاذله ، يمثل رمزا ، يذكر المسلمين بملك أجداده من بني الأحمر ، فمن غير المستبعد أن يلتف حوله الثوار يوما ما ، ولذا بدأ الملكان في التحيل لإخراج أبي عبد الله من الجزيرة الأندلسية ، وتولى هذه المهمة ، الوزيران : أبو القاسم عبد الملك وابن كماشة ، وقاما بالمهمة على أكمل وجه ، فوافق أبو عبد الله على بيع ممتلكاته لملكي قشتالة ، وفق بنود المعاهدة السرية ، نظير ثمن إجمالي قدره واحد وعشرون ألف كاستيليانو ، وعبر أبو عبد الله من ثغر "أدرة" الصغير إلى العدوة المغربية في أكتوبر سنة 1493 م ، وفي نفس الوقت عبر عدد كبير من وزرائه وقادته وكبار رجال دولته من ثغر "المنكب" إلى المغرب أيضا ، وكان عدد من عبر مع السلطان المخلوع : 1130 شخصا ، طبقا للرواية النصرانية ، وإن كان صاحب "أخبار العصر" يذكر أنهم : 700 فقط .

وأيا كان الأمر فقد تخلص الملكان من أبي عبد الله الصغير إلى الأبد ، وعاش الأخير في كنف بني وطاس ، حتى وفاته سنة 943 هـــ ، في رواية غريبة ، سبقت الإشارة إليها ، فيها أنه قتل في معركة خاضها ، في الخامسة والسبعين من عمره !!!! ، إلى جانب أصدقائه بني وطاس ضد "السعديين" الذين تولوا حكم المغرب بعد انهيار دولة بني وطاس ، وسبقت الإشارة أيضا إلى تعليق المؤرخ "لويس دي مارمول" الذي أبدى فيه دهشته من هذه الرواية ، إن صحت ، ومعه كل الحق ، إذ كيف يضن ذلك السلطان بنفسه وهو في الثلاثين من عمره ، ويتخاذل عن الدفاع عن ملكه ، ثم ها هو يقضي في الخامسة والسبعين دفاعا عن ملك غيره ، والله أعلم بحقيقة هذه الرواية .

وأما نسله فقد تتبعه المقري ، رحمه الله ، حتى سنة 1037 هــــ ، وذكر أنهم كانوا معدمين يعيشون من أموال الصدقات ، ومرة أخرى يحسن الاستشهاد بقوله تعالى : (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) ، كما استشهدنا به في نكبة المعتمد بن عباد ، صاحب "اشبيلية" .


دولة الإسلام في الأندلس ، (7/287) .

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الموضع :
أين كان شعب غرناطة والمؤامرات تحاك ضده ، والمعاهدات السرية تبرم من وراء ظهره لبيع الوطن بمن فيه مقابل حفنة من الجنيهات الذهبية وبعض المزارع والحمامات ؟!!!!!

والجواب أن القوم كانوا ، إلا من رحم الله ، كسلطانهم ، فقد انحلت عرى الولاء والبراء في قلوب القوم من زمن بعيد ، حتى رأيناهم ، كما يذكر الدكتور أحمد الدعيج حفظه الله ، يلبسون الشارات السوداء مجاملة للنصارى وتعزية لهم في فقد ملكهم الهالك "ألفونسو الحادي عشر" ، لما هلك في الوباء الذي اجتاح الأندلس ، وهو الذي ذبح نساء وأطفال السلطان أبي الحسن ، رحمه الله ، بوحشية مروعة يوم اجتاح مخيمهم في معركة "سالادو" ، فمن أحق بالتعزية : القتلة سفاكو الدماء ، أم السلطان المغربي ، المسلم المجاهد الذي عبر لنصرتكم والذب عن دينكم ؟!!!! .

وبعد ذلك بسنين نجد أبا عبد الله الصغير يرسل "برقية تهنئة" إلى "فرناندو" بمناسبة استيلائه على "مالقة" معقل خصمه "الزغل" ، وتحويل مسجدها الجامع إلى كنيسة !!!! ، ويرسل له أخرى يعتذر فيها عن تصرفات عمه "الزغل" ، "غير المسئولة" ، إذ هاجم النصارى في إحدى معاركه فأثخن فيهم !!!! .

بتصرف نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ، ص468 .

ولعل من أبرز أدلة هذا الوهن الذي اجتاح الشعب الغرناطي ، كبارا وصغارا ، خواصا وعواما ، ما حدث من ردة كثير من الأمراء والوزراء المتخاذلين الذين باعوا دينهم بثمن بخس ، وإلى هذا الأمر المخزي يشير الأستاذ عنان ، رحمه الله ، بقوله :

وكان قد اعتنق النصرانية قبيل سقوط غرناطة وبعدها ، جماعة من الأمراء والوزراء ، وفي مقدمتهم الأميران سعد ونصر ، ولدا السلطان أبي الحسن من زوجته "إليزابيث سانشو خمنيس دي سوليس" ، وأكرم به من نسل !!!!! ، فقد تنصرا ومنحا ضياعا في "أرجبة" ، وتسمى أحدهما باسم "الدوق فرناندو دي جرانادا" ، أي صاحب غرناطة ، وخدم قائدا في الجيش القشتالي ، واشتهر بغيرته في خدمة العرش القشتالي ، ولا غرو فالعرق دساس ، وتسمى الثاني باسم "دون خوان دي جرانادا" ، وتنصر سيدي يحيى النيار ، صهر "الزغل" ، الخائن الذي سلم النصارى مدينة "بسطة" و "ألمرية" ، عقب تسليمه لـــ "ألمرية" ، وتسمى باسم "الدون بيدرو دي جرانادا" ، وتنصرت زوجه السيدة مريم ابنة الوزير بنغيش ، وتنصر ابنه علي وتسمى باسم "الدون ألونسو دي جرانادا فنيجاس" ، وتزوج من "دونيا خوانا دي مندوثا" وصيفة الملكة "إيزابيلا" ، وتنصر الوزير أبو القاسم بن رضوان بنغيش ومعظم أفراد أسرته ، وعادت أسرته تحمل لقبها القشتالي القديم "Los Venegas" ، واشتهرت في تاريخ إسبانيا الحديث ، وأنجبت كثيرا من أكابر القادة والرهبان ، ونصر آل الثغري الذين اشتهروا في الدفاع عن مالقة وغرناطة قسرا ، وسمي عميدهم باسم "جونثالفو فرنانديز ثجري" ، ولعلهم بقوا مسلمين في باطنهم ، والناظر في تاريخهم المجيد وأصولهم المغربية العريقة يتمنى من أعماق قلبه أن يكون الأمر كذلك والله أعلم بالسرائر ، وتنصر الوزير الخائن "يوسف بن كماشة" ، الذين تولى مهمة إقناع أبي عبد الله بمغادرة الأندلس ، وانتظم في سلك الرهبان .

ويعلق الأستاذ عنان ، رحمه الله ، في نهاية هذا السيل الجارف بقوله :
وهكذا اجتاحت موجة التنصير كثيرا من الأكابر والعامة معا . اهــــ ، وإلى الله المشتكى .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/315) .

فمثل أولئك ، كيف ينصرهم الله ، عز وجل ، على عدوهم ، وقد عبدوه على حرف وارتدوا عن دينه مع أول ابتلاء حقيقي ، ولو علم الله في قلوب القوم خيرا لأسمعهم ، ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، اللهم آمين .


ومن معالم هذا الانهيار الديني والاجتماعي في الأندلس ما أشار إليه الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، بقوله :
تنافس الولاة والحكام على اقتناء الجواري النصرانيات الحسان حتى أصبح الاقتران بهن سنة متبعة ، وقف عند هذه الحادثة :
فقد ذكر المؤرخون أن وفاة ابن هود عام 635 هـــ ، كانت على يد وزيره محمد الرميمي بسبب النزاع على فتاة نصرانية كانت لابن هود ، فدبر له مكيدة قتل بها !!!!! .

ويعلق صاحب "سقوط الأندلس" بقوله : أهذه قيادة تستحق أن تحكم رقاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟!! ، لقد دخلنا الأندلس وأصبحنا سادتها عندما كان نشيد طارق بن زياد ، رحمه الله ، (الله أكبر) ، وبقينا فيها زمنا حين كان يحكمها أمثال عبد الرحمن الداخل ، صقر قريش ، رحمه الله ، عندما قدم إليه خمر ليشرب فقال : (إني محتاج لما يزيد في عقلي لا ما ينقصه) .

بتصرف نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ، ص464 .

بل إن حكام غرناطة كانوا سببا في هزيمة المرينيين في معركة "سالادو" ، كما أشار إلى ذلك الأستاذ نجيب زبيب صاحب الموسوعة العامة لتاريخ المغرب والأندلس ، إذ يقول :
فالقشتاليون على ، سبيل المثال ، اتخذوا من حكام غرناطة جواسيس لهم في جميع أنحاء المغرب ، وفي المناطق المنفصلة عنه مثل المغرب الأوسط وإفريقية ، وكان بنو زيان في "تلمسان" والحفصيون في المغرب الأوسط على اتصال مستمر مع حكام غرناطة ، ينقلون إليهم كل المعلومات المستجدة عن الدولة المرينية ، حتى أنهم صاروا يقومون بدور مخلب القط للقشتاليين ، فكل المعلومات التي كانت ترد إليهم من الحفصيين والزيانيين كانوا يقدمونها إلى القشتاليين .

وكثيرا ما حث القشتاليون حكام غرناطة على طلب النجدة من المرينيين للإيقاع بالجيوش المرينية وأساطيلها في المكائد والشراك المنصوبة ............. اهـــ .

ويعلق الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، بقوله :
ولا شك أن هذا العمل الاستخباراتي من الأعمال التي تدمر الأمم إذا لم يكن لها عمل مضاد ضد مخططات الأعداء ، بل إن نجاح الدول في تحقيق أهدافها منوط بتحقيق هذا المفصل المهم في بناءها .
نقلا عن تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي ، ص443 .

لقد ظن أولئك السذج أن تعاون أجهزة مخابراتهم مع جهاز مخابرات قشتالة ، سيضمن لعروشهم الاستقرار ، ويجنبهم غضبة قشتالة ، ولكن هيهات !!! ، فالدور آت عليهم لا محالة ، وإن تأخر إلى سنة 897 هــــ ، بسقوط آخر قلاع الإسلام في الأندلس "غرناطة" الحبيبة .

وبرحيل أبي عبد الله ، تبدأ المحنة الحقيقية لبقايا الأمة المسلمة في الأندلس ، وهي "محنة الموريسكيين" ، وما أدراك ما محنة أولئك المستضعفين ؟!!!! .

والله أعلى وأعلم
يتبع إن شاء الله

أبو المهاجر المصري
04Jul2006, 07:45 مساء
بسم الله

السلام عليكم


ولم تكن الصدمة الإسبانية فورية ، إذ لبثت سياسة إسبانيا تلتزم الاعتدال حينا ، بل إن "فرناندو" ، وهو من هو في نكث العهود والمواثيق ، و "إيزابيلا" ، وهي من هي في التعصب للكاثوليكية وبغض ما سواها وإن حملها هذا البغض على استئصال المخالف ، أوصيا حاكم غرناطة الجديد الكونت "تنديلا" بالرفق في معاملة الرعايا الجدد ، والعمل على التقريب بين عناصر المجتمع الغرناطي .

ولم يكن ذلك حبا في الإسلام وأهله ، بل كانت سياسة مرحلية ، لتهدئة النفوس الأبية الثائرة ، ونزع سلاح المسلمين تدريجيا ، بحيث تطمئن الحكومة الإسبانية إلى عدم مقدرة "الموريسكيين" على الثورة ، وهذا بالضبط ما قامت به روسيا الأرثوذكسية ، في العصر الحاضر ، بعد هزيمتها الكبيرة في الحرب الشيشانية الأولى ، (1994_1996 م) ، إذ عمدت إلى التهدئة ، فخرجت من الأراضي الشيشانية إلى حين ، ومنحت الشيشانيين استقلالا منقوصا ، تحت قيادة الرئيس "أصلان مسخادوف" ، رحمه الله ، لمدة خمس سنوات ، وبعد ذلك بدأت حملة مكثفة للتجسس وجمع المعلومات عن الدولة الجديدة تمهيدا لغزوها مرة أخرى ، ولكن بعد التخطيط المدروس ، لا كالحرب الأولى التي خاضها الروس ، بمنتهى الغرور ، دون أي تخطيط مسبق ، لظنهم أنها نزهة ، فسحقت قواتهم فيها سحقا ، وبالفعل لم يمهل الروس الدولة الوليدة ، أكثر من ثلاث سنوات ، حتى نفذوا وعودهم التي كان الجنود الروس يلقونها على مسامع الشيشانيين أثناء الانسحاب ، فقاموا بغزو الأراضي الشيشانية للمرة الثانية في أواخر عام 1999م ، بتكتيك جديد ، وهو تكتيك تصفية هذا الشعب المسلم الأبي ، الذي لا يتجاوز عدده المليون نسمة ، قتل منهم وفق آخر إحصائية قرأتها في موقع "مفكرة الإسلام" ، حوالي : 260 ألفا فضلا عن آلاف من الجرحى والمعاقين واللاجئين في الدول المجاورة ، فسعت روسيا ، بقيادة الماكر "بوتين" ، أيام كان رئيسا للوزراء في آخر عهد يلتسين ، سنة 1999 م ، إلى تهدئة الخواطر الشيشانية ، ومن ثم المفاجأة بحرب تصفية لإبادة الشعب الشيشاني ، وفي نفس الوقت ، تتخلص روسيا الأرثوذكسية المتعصبة من هذه البؤرة الإسلامية المجاورة لأراضيها ، وتضع يدها على ثرواتها النفطية الكبيرة ، ويصور "بوتين" نفسه أمام شعبه المغفل ، الذي لا يفيق من شرب الخمور الرديئة ، على أنه "بطل الحرب وقاهر الإرهاب والتطرف الإسلامي" ، ليعتلي عرش روسيا بعد رحيل يلتسين ، وهو ما كان بالفعل ، وعلى "بوتين" وجنوده أن يعدوا أنفسهم لحرب عصابات ضد إخواننا في أرض الجهاد ، سوف تنتهي بسحقهم ، بمشيئة الله ، كما سحقوا في الحرب الأفغانية الأولى ، (1979_1992م) ، والنصر مع الصبر ، فلا نصر يأتي في يوم وليلة إلا إذا كان نصرا زائفا على غرار النصر الأمريكي في الحرب الأفغانية الثانية سنة 2001 م ، التي لم تنته هي الأخرى ، والحرب العراقية سنة 2003 م ، التي ما زالت مشتعلة في أرض الرافدين .

على أن التكتيك الذي اعتمده "فرناندو" في تصفية القوى الإسلامية المتبقية في الأندلس ، لم ينطل على كثير من الغرناطيين ، الذين رأوا ، السلامة في الهجرة من الأندلس ، لأنها غدت دار حرب لا يأمنون فيها على دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم ، وإن بذلت لهم الوعود المعسولة ، فبدأت الهجرات الجماعية إلى العدوة المغربية ، وعنها يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
وهاجر كثير من أشراف غرناطة ، وفي مقدمتهم بنو سراج وغيرهم من أنجاد غرناطة القدماء ، وأقفرت مناطق بأسرها من أعيان المسلمين ، ولا سيما في منطقة "البشرات" ، وكان تدفق سيل المهاجرين دليلا على أن الشعب المغلوب لم يكن واثقا في ولاء سادته الجدد ، وأنه كان ينظر إلى المستقبل بعين التوجس والريب .

وكالعادة ، كان للمغرب الحبيب ، دور كبير في إيواء المسلمين الفارين بدينهم من اضطهاد ديوان التحقيق الأسباني ، وتعصب أحباره الجاهلين .

ويفصل صاحب "أخبار العصر" بعض حركات الهجرة التي وقعت على أثر سقوط غرناطة ، فيقول لنا إن من بقي من المسلمين في مالقة عبروا البحر إلى "باديس" وعبر أهل "ألمرية" إلى تلمسان ، فهي مواجهة لها على الضفة الأخرى ، وعبر أهل الجزيرة الخضراء إلى "طنجة" ، وعبر أهل رندة وبسطة وحصن موجر وقرية قردوش وحصن مرتيل إلى "تطوان" وأحوازها ، وعبر أهل لوشة وقرية الفخار وبعض أهل غرناطة ومرشانة وأهل البشرة إلى أراضي قبيلة غمارة ، وعبر أهل بيرة وبرجة وأندرش إلى ما بين "طنجة" و "تطوان" ، وعبر أهل بلش إلى "سلا" ، الثغر المغربي المطل على الأطلنطي ، وخرج كثير من أهل غرناطة إلى بجاية ووهران وقابس وصفاقس وسوسة ، وربما كان من هؤلاء أجداد الشيخ التونسي الجليل ، "الطاهر بن عاشور" ، رحمه الله ، فهو ينتمي إلى إحدى الأسر النازحة من الأندلس ، وخرج أهل مدينة "طريف" إلى "آسفي" و "أزمور" .

وكان للمهاجرين الأندلسيين دور كبير في تعمير مدينة "تطوان" المغربية الشهيرة ، التي أسسها السلطان "سليمان أبو الربيع" المريني ، لتكون قاعدة لجيوشه ، كما تقدم ، إذ كان من أشهر المهاجرين إليها القائد "أبو الحسن علي المنظري" أو "المندري" الذي استأذن في جمع من الأندلسيين سلطان فاس ، محمد الشيخ الوطاسي ، في تعميرها وسكناها ، فأذن لهم ، فأقاموا فوق موقعها القديم محلة حصينة بها مسجد وقصبة ، ومن ذلك الحين ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، تغدو تطوان ملاذا لكثير من الأسر الأندلسية التي أرغمت على التنصير ، ثم آثرت الهجرة إلى دار الإسلام فرارا من اضطهاد الأسبان ومحاكم التحقيق ، وعادت إلى دينها القديم ، وما تزال بها أعقابهم إلى اليوم .

ويذكر الأستاذ عنان ، رحمه الله ، في الحاشية أسماء كثير من العائلات التطوانية التي ما زالت إلى اليوم تحمل أسماءها الموريسكية معربة لا تبغي بها بديلا لأنها عنوان أرومتها الأندلسية العريقة ، ومنها :
عائلات ملينة أو "Molina" ، وأولاد مرتين "Martin" و مدينة "Medina" و مراريش "Morales" ، و الطريس "Las Torres" ، و صالص "Salas" ، و برميخو "Bermejo" و مرشينة "Marchina" و قسطيلة "Castillo" ، و بايص "Paez" ، و الركينة "Requina" ، و لوقش "Lucas" و راغون "Aragon" .

ويواصل الأستاذ عنان ، رحمه الله ، فيقول :
وفي معظم مدن المغرب الأخرى مثل الرباط وسلا والدار البيضاء ومراكش وفاس وغيرها ، يوجد أعقاب كثير من الأسر الموريسكية يحملون حتى اليوم ألقابهم الموريسكية القديمة معربة ، وقد أورد صاحب كتاب "مقدمة الفتح من تاريخ رباط الفتح" جملة كبيرة منها مثل أسر : بركاش ، وبلافريج ، ونكيطو ، وملاط ، ودنية ، والرندة ، وملين ، ومرينو ، واشكلانط ، وبلانيو ، وإبيرو ، ولباريس ، وكريسبو ، وكيلطو ، ومربيش ، ورودياس ، وبلامينو ، وبانية ، وبونو ، والقسطالي ، وفرتون ، وقديرة ، وفلوريش وغيرها . اهــــ

ومن ذلك أيضا : العائلات التي ينتهي اسمها بــــ "ون" التي كان المستعربون من أهل الأندلس ، وهم أبناء المسلمين من أمهات إسبانيات ، يضيفونها لأواخر أسمائهم دلالة على أصولهم الإسبانية ، كـــ : "حفصون" و "خلفون" و "وهبون" و "حزمون" .................. الخ .

والناظر إلى هذه الألقاب يجد أنها ألقاب لكثير من الأسر الإسبانية المعاصرة ، بل والأسر اللاتينية في أمريكا الجنوبية ، التي وصلها الاحتلال الإسباني في القرون الوسطى ، فغالب دول أمريكا الجنوبية ، تتحدث الإسبانية باستثناء البرازيل ، التي تتحدث البرتغالية ، باعتبار أنها كانت من نصيب الاحتلال البرتغالي ، ولعل كثيرا من ذوي الأصول الأندلسية قد هاجروا إلى تلك الأراضي الجديدة واستقروا بها وبقي نسلهم بها إلى اليوم ، والله أعلم .

وقد قرأت مقالة مؤثرة في جريدة الأهرام المصرية تتحدث عن تمسك هذه العائلات بأصولها الأندلسية ، لدرجة أن منهم من يحتفظ إلى اليوم بمفاتيح داره التي تركها في الأندلس المفقود ، كرمز لحقه السليب في تلك البقعة الغالية التي اجتث الإسلام منها اجتثاثا ، ولكن إلى حين ، إن شاء الله ، فلا بد يوما أن يرجع الغريب إلى وطنه ، وإن طال الزمان ، وإلى نصارى إسبانيا نهدي قول الصميل بن حاتم :
ألا إن مالي عند طي وديعة ******* ولابد يوما أن ترد الودائع
وكذا ديارنا عند القوم وديعة ، ولابد يوما أن ترد الودائع .


وبالفعل لم تمض ثمان سنوات ، على سقوط "غرناطة" ، حتى بدأت حملة التنصير الحقيقية ، بعد أن فشلت الكنيسة الإسبانية بقيادة الحبرين المتعصبين : "الدون ديجو ديسا" المحقق العام ، و "الكردينال خمنيس دي سيسنيروس" ، في تنصير المسلمين بطرق الوعظ والإقناع بل والإغراء بالامتيازات المادية التي يحصل عليها "المنصر" ، وإن شئت الدقة فقل : "المرتد" ، وهذا دأب أصحاب الباطل في كل زمان ومكان ، فهم يبدءون بالترغيب والملاطفة إلى حين ، فإن لم يستجب المدعو أظهروا له من صنوف الاضطهاد والتعذيب الشيء الكثير ، فنجدهم ، على سبيل المثال في عصرنا الحاضر ، في الدولة الرافضية الخبيثة "إيران" ، يغرون أهل السنة في "إيران" بحسناوات فارس تارة ، لكي يقبل شباب أهل السنة على الزواج منهن ، فتسري نحلتهم الخبيثة في أوساط أهل السنة ، وبالامتيازات المادية تارة أخرى ، مستغلين الأوضاع المادية المزرية لأهل السنة في إيران بسبب تضييق الحكومة الإيرانية عليهم ، فضلا عن تخاذل إخوانهم أهل السنة في بقية دول العالم الإسلامي عن نصرتهم ومعونتهم ، فالعشائر التي تقبل الدخول في دين الرافضة ، تخصص لها الأراضي الزراعية وتمدها الحكومة الإيرانية بالماكينات الزراعية الحديثة ............. الخ ، ومن رفض التشيع فعليه أن يصبر على الفقر والفاقة وأهوال سجون "الآيات" !!!!! .
مستفاد من محاضرة الشيخ ممدوح الحربي ، حفظه الله ، "إخواننا أهل السنة في إيران" .

وهكذا كان الحال في "إسبانيا" ، إذ قاد الكردينال "خمنيس" ، الحملة الصليبية على مسلمي "غرناطة" ، فوفد عليها سنة 1499م ، ودعا أسقفها "الدون تالافيرا" إلى اتخاذ وسائل فعالة لتنصير المسلمين ، وأمر بجمع فقهاء المدينة ودعاهم إلى اعتناق النصرانية ، وأغدق عليهم التحف والهدايا ، فأقبل بعضهم على التنصير ، وتبعهم جماعة كبيرة من العامة ، واستعمل الوعد والوعيد والبذل والإرغام ، في تنصير بعض أعيان المسلمين .
دولة الإسلام في الأندلس ، (7/315) .

ولا يدري القارئ كيف يبرر صنيع أولئك العلماء ، أو إن شئت الدقة فقل : علماء السوء ، وما أكثرهم في كل زمان ومكان ، وما أكثر أتباعهم ممن يتلمسون الرخص ويشرون الآخرة بثمن بخس .
يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في "إعلام الموقعين" :
والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم ، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء ، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم , فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء , ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء , وكان الناس كلهم لهم تبعا , كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين , وفساده بفسادهما , كما قال عبد الله بن المبارك ، رحمه الله ، وغيره من السلف : صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس , وإذا فسدا فسد الناس , قيل : من هم ؟ قال : الملوك , والعلماء ، كما قال عبد الله بن المبارك :
رأيت الذنوب تميت القلوب ******* وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب ******* وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك ******* وأحبار سوء ورهبانها

والشاهد في البيت الأخير ، وهو يصدق على كثير ممن انتسب إلى العلم في عصرنا الحاضر ، إلا من رحم الله .

ثم أقدم ذلك الصليبي المتعصب على جريمته النكراء ، فأمر بجمع الكتب العربية ، وخاصة المصاحف وكتب الشريعة ، في ميدان "باب الرملة" ، أكبر ميادين غرناطة ، وأضرمت النيران فيها ، ولم يستثن منها إلا ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم ، حملت إلى الجامعة التي أنشأها في مدينة "ألكالا دي هنارس" ، فكأنه ، وبالرغم من حقده الدفين على أمة الإسلام ، يعترف لها بالريادة العلمية ، وقد قدر المؤرخ "كوندي" عدد الكتب المحروقة بــ "ثمانين ألفا" ، وهو رقم يبدو ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، أقرب إلى المعقول ، ولكنه في نفس الوقت يعبر عن مصيبة المسلمين في "غرناطة" بفقدهم هذا الكم الهائل من التراث الإسلامي ، الذي يربطهم بدينهم ولغتهم ، فقد سار ذلك الحبر الجاهل على خطا أسلافه من المغول لما اقتحموا دار الخلافة ، وسار على نهج كل من أراد عزل المسلمين عن دينهم الحنيف وماضيهم المجيد ، فمفتاح ديننا : اللغة والقرآن والسنة ، وما يتعلق بها من علوم ، فمن أراد مراجعة دينه فليمدد إلى هذه الثلاث بسبب وثيق ، فلا دين بلا عربية ، ولذا سعت إسبانيا في مرحلة لاحقة إلى طمس الهوية العربية بإصدار قانون يمنع التحدث بالعربية ، وتلتها فرنسا لما احتلت الجزائر وتونس ، وتلاهما المدعو مصطفى كمال أتاتورك ، لما استولى على مقاليد الأمور في "تركيا" ، فشن حملة شعواء على اللغة العربية ، لغة الوحي ، وأمر بكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية بعد أن كانت تكتب بالحروف العربية واليوم تسعى الدول العظمى لنشر لغاتها وآدابها بإنشاء المراكز الثقافية والجامعات في الدول الإسلامية الفقيرة تحت ستار التعاون الثقافي المشترك ، لينشأ جيل أشرب في قلبه ولاءهم ، وقد أثمرت هذه السياسة الماكرة أجيالا من الشباب المسلم يتحدثون الإنجليزية بطلاقة ، ويتلعثمون في العربية ، ولو كانت عامية يتكلم بها مواطنوهم ، كما هو الحال عندنا في مصر في أوساط خريجي "الجامعة الأمريكية" والمدارس الأجنبية ، وقد نشرت صحيفة الأهرام المصرية ، مقالا تحدث فيه كاتبه عن إحدى المديرات لإحدى هذه المدارس المعروفة بمدارس "اللغات" ، حظرت على الأطفال الكلام بالعربية في فصول الدراسة ، بل وأرسلت إلى أولياء الأمور ليجبروا أولادهم على الكلام بلغة الدراسة التي تعتمدها المدرسة بحجة تقوية ملكاتهم اللغوية ، فاللغة ، كما هو معلوم ، ممارسة ، أكثر منها قواعد ومصطلحات ، ولك أن تتخيل واحدا من أفراد هذا الجيل الغض يقرأ القرآن الكريم وهو لا يعرف مجرد التحدث بالعربية !!!!! .


وفي الوقت الذي ضيق فيه الخناق على المسلمين في "إسبانيا" ، انهالت الامتيازات الملكية على المتنصرين ، فأصدرت المراسيم بإعفاء كل من دخل في النصرانية من جميع الحقوق والتعهدات المفروضة على "الموريسكيين" لصالح العرش .................. الخ ، ودين الله أمره عظيم وسلعة الرحمن غالية فلا تنال إلا ببذل الدماء والأموال وإفناء الأعمار في ضروب الطاعات ، (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) .

ومع سحب الامتيازات شيئا فشيئا من أيدي المسلمين ، بدأت أعراض الثورة تسري في صفوفهم ، لاسيما في المناطق الجبلية ، حيث كان ما يزال ثمة قبس من الحماسة الدينية ، فاستنجد أولئك الثوار بمسلمي العدوة المغربية والخلافة العثمانية ، التي تجاهلت نداءاتهم في سلبية عجيبة ، بالرغم من سطوتها الكبيرة في ذلك الوقت .

وكانت هذه الاستغاثات هي مبرر إسبانيا النصرانية للتنصل نهائيا ، وبشكل رسمي ، من العهود المقطوعة ، فقرر مجلس الدولة الإسباني بأن المسلمين قد أصبحوا خطرا على الدين والدولة ، وقضى بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية ونفي المخالفين منهم من الأراضي الإسبانية ، وهكذا حاول مجلس الدولة ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، أن يسبغ صفة الحق والعدالة على التنصير المغصوب ، فالدين هو ستار إسبانيا لاجتثاث الإسلام من الجزيرة الأيبيرية .

وكان رد فعل المسلمين قويا ، بالرغم من وطأة جنود إسبانيا ، إذ أعلنوا الثورة في معظم نواحي "غرناطة" ، فقتل منهم أعداد كبيرة ، وسبيت نساؤهم ، بل وقضي بالموت على مناطق بأسرها ، ما عدا الأطفال الذين دون الحادية عشرة ، فقد حولوا إلى نصارى ، والاستراتيجية النصرانية في مواجهة الإسلام واحدة ، وخير شاهد لذلك التطابق شبه التام بين المخطط الإسباني في "غرناطة" والمخطط اليوغسلافي في البلقان ، إذ سعى اليوغسلاف إلى تجريد المسلمين من سلاحهم أولا ، بوعود الاستفتاءات والحلول السلمية الوهمية ، ثم شنوا حربهم الشعواء بعد أن اطمأنوا إلى تفوقهم العسكري الكبير ، وكانت خطة التصفية مدروسة ، فالبداية بالعلماء وأئمة المساجد الذين احتفظت أجهزة الأمن الصربية بقوائم أسماءهم وعناوينهم ، وبعدهم الساسة ورجال الدولة وأساتذة الجامعات ، ويلي أولئك أصحاب الحرف الذين هم عماد الدولة الاقتصادي ، ولم يبقوا إلا على الأطفال الذين سارعت الكنائس والإرساليات النصرانية إلى احتضانهم بعد تصفية آباءهم جسديا ، بالإضافة إلى بعض القرويين البسطاء الذين لا يخشى من بأسهم شيء ، وأقسم البابا السابق المدعو : "بولس" ، على جعل تلك الأرض نصرانية ، بل ووصل الرافضة إلى تلك البلاد لنشر عقيدتهم الفاسدة !!! ، وصدق الفاروق رضي الله عنه لما شكا إلى الله ضعف الثقة وجلد الفاجر ، فكانت خطة محكمة ، ولكنها مكررة ، لتدمير أمة بأسرها .

وبعد ذلك أمر "فرناندو" بإنشاء ديوان للتحقيق في "غرناطة" يكون مسئولا عن مطاردة الكفرة ، أو"طائفة محمد" ، كما كان "فرناندو" يسميهم ، وبالرغم من هذا التاريخ العريق في الإجرام ، يدعي الغرب اليوم أننا نشرنا ديننا بالسيف ، ولو نظروا في أحوال الأمم التي فتح الإسلام بلادها ، واحتفظ كثير من أهلها بدينهم ، كنصارى البلقان الذين احتفظ معظمهم بدينهم بعد الفتح العثماني ، وأحوال الأمم المسلمة التي تمكن أعداءها منها ، كمسلمي الأندلس ، لعرفوا أي الأديان انتشر بالسيف ؟!!! .

وعبثا حاول المسلمون أن يستنجدوا بسلطان مصر ، بعد أن ضعف المغرب عن نجدتهم في زمن بني وطاس ، وإن لم يتقاعس عن استقبالهم وإيوائهم ، ولكن الدبلوماسية اللزجة لعبت دورها في تهدئة مشاعر سلطان مصر فقد نجح السفير الماكر "مارتيري" ، في إقناع سلطان مصر بما يلقاه مسلمو الأندلس من الرعاية ، وأن يطمئنه على مصيرهم ، فهم يعيشون في ظل "وحدة وطنية" رائعة مع إخوانهم النصارى تحت قيادة الملك المتسامح "فرناندو" !!!! .

ولم يحقق المسلمون طوال هذه السنوات أي انتصار عسكري ذا بال ، إلا ما كان من احتشاد بعض البطون المغربية في آكام "الجبال الحمراء" بالقرب من "رندة" ، حيث استطاعوا اقتحام شعب الجبال وفتكوا بعمال الحكومة وجندها ، بل وفتكوا بالحملة التي سيرها "فرناندو" لقتالهم تحت إمرة القائد الشهير "ألونسو دي آجيلار" دوق قرطبة إذ سحقت قوات هذا الأخير ، وكان هو وعدد آخر من أكابر قواد النصارى في مقدمة القتلى ، وهو ما اضطر البلاط الإسباني إلى الجنوح إلى اللين والمسالمة ، فالقوم لا يعرفون إلا لغة القوة ، فأعلن العفو عن الثوار بشرط أن يعتنقوا النصرانية في ظرف ثلاثة أشهر ، أو يغادروا إسبانيا تاركين أملاكهم للدولة ، فآثر معظمهم النفي والجواز إلى إفريقية ، وهاجرت جموع كبيرة منهم إلى فاس ووهران وبجاية وتونس وطرابلس وغيرها ، وقدمت الحكومة الإسبانية السفن اللازمة لنقلهم مغتبطة لرحيلهم ، إذ كانوا أشد العناصر مراسا وأكثرها نزوعا إلى الثورة .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/325) .

ولم يكن أمام أولئك الشم إلا الاحتفاظ بدينهم الذي خاضوا من أجله هذه الحرب الضروس ، وأما باقي المسلمين فتقاعسوا عن استغلال هذا النصر وآثروا العيش في البلاد خاضعين مستسلمين ، فوقعوا فريسة سهلة لديوان التحقيق الإسباني .


وعن جرائم ديوان التحقيق ، فحدث ولا حرج ، إذ وسم هذا الديوان بأسوأ السمات ، منذ إنشائه حتى صار علما على القهر والاستبداد إلى يومنا هذا ، فما عرف العالم هذا التسلط والاستبداد إلا على أيدي رهبان هذا الديوان المشئوم .

وكانت البداية على يد حبر متعصب ، عرف بزهده وتقشفه الشديد وهو القس "توماس دي تركيمادا" رئيس دير الآباء الدومنيكان في "سانتا كروث" في "شقوبية" ، وتسلط هذا الديوان أول ما تسلط على اليهود المتنصرين ، فحرق ألوف منهم ، وعوقب الكثيرون بالسجن والغرامات الفادحة ، والمصادرة والتجريد من الحقوق المدنية .

وبعد سقوط "غرناطة" ، أنشأ "فرناندو" ديوان تحقيق خاص بها ، كما تقدم ، تولى منصب المحقق العام فيه "ديجو ديسا" أسقف جيان ، ليبدأ الديوان مرحلة جديدة من مطاردة "الكفرة" ولكنهم هذه المرة هم المسلمون .

ويقدم الأستاذ عنان رحمه الله ، ملخصا لإجراءات هذا الديوان ، ناعتا إياها بالقسوة والهمجية ، إذ يبدأ الديوان تحرياته السرية عن المشتبه فيهم ، التي غالبا ما تنتهي بإلصاق التهمة بالضحية ، ومن ثم يصدق على هذا الاتهام الجائر مجموعة من القسس الجهلة المتعصبين ، فيلقى القبض على المتهم ويودع سجونا من "نوع خاص" ، في غاية الشناعة والروعة ، تتصل مباشرة بغرف التحقيق والعذاب ، عميقة مظلمة رطبة تغص بالحشرات والجرذان ، ويصفد المتهم بالأغلال ، وغالبا ما ينتهي هذا التحقيق الجائر بإدانة المتهم وإحالته على التعذيب ، ولو اعترف بما نسب إليه ، لأنه يفترض دائما أنه أخفى أو كذب في اعترافه ، فالعذاب واقع سواء اعترف أم لم يعترف !!!!! ، وعن أنواع التعذيب في هذا "الديوان المقدس" ، يقول الأستاذ عنان رحمه الله :
وكانت معظم أنواع التعذيب المعروفة في العصور الوسطى ، تستعمل في محاكم التحقيق ، ومنها : تعذيب الماء ، وهو عبارة عن توثيق المتهم فوق أداة تشبه السلم وربط ساقيه وذراعيه إليها ، مع خفض رأسه إلى أسفل ، ثم تصب في فيه جرعات كبيرة من الماء من قربة ، وهو يكاد يختنق ، وقد يصل ما يتجرعه إلى عدة لترات . وتعذيب "الجاروكا" وهو عبارة عن ربط يدي المتهم وراء ظهره ، وربطه بحبل حول راحتيه وبطنه ، ورفعه وخفضه معلقا ، سواء بمفرده أو مع أثقال تربط معه ، وتعذيب الأسياخ المحمية للقدم ، والقوالب المحمية للبطن والعجز ، وسحق العظام بآلات ضاغطة ، وتمزيق الأرجل ، وفسخ الفك ، وغيرها من الوسائل البربرية المثيرة .

بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/335 ، 336) .

ويزيد الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، الأمر وضوحا ، وإن شئت الدقة فقل : بشاعة ، إذ ينقل نص الوثيقة التي اعتمدها ديوان التحقيق لمطاردة البقية الباقية من مسلمي الأندلس وفيها :
"يعتبر الموريسكي ، أو العربي المتنصر قد عاد إلى الإسلام : إذا امتدح دين محمد ، أو قال إن يسوع المسيح ليس إلها وليس إلا رسولا . أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أمه ، ويجب على كل نصراني أن يبلغ عن ذلك . ويجب عليه أيضا أن يبلغ عما إذا كان قد رأى أو سمع بأن أحدا من الموريسكيين يباشر بعض العادات الإسلامية ، ومنها : أن يأكل اللحم في يوم الجمعة وهو يعتقد أن ذلك مباح ، وأن يحتفل يوم الجمعة بأن يرتدي ثيابا أنظف من ثيابه العادية ، أو يستقبل المشرق قائلا : باسم الله ، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها ، أو يرفض أكل تلك التي لم تذبح ، أو ذبحتها امرأة ، أو يختن أولاده أو يسميهم بأسماء عربية ، أو يعرب عن رغبته في اتباعه هذه العادة ، أو يقول : إنه لا يجب ألا يعتقد إلا بالله وبرسوله محمد ، أو يقسم بأيمان القرآن ، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله ، ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب ، أو يتناول الطعام قبل الفجر ، "أي السحور" ، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر ، أو يقوم بالوضوء والصلاة ، بأن يوجه وجهه نحو الشرق ويركع ويسجد ويتلو سورا من القرآن ، أو أن يتزوج طبقا لرسوم الشريعة الإسلامية ، أو ينشد الأغاني العربية ، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية ، أو أن يستعمل النساء الخضاب في أيديهن أو شعورهن ، أو يتبع قواعد محمد الخمس ، أي أركان الإسلام ، أو يلمس بيديه على رؤوس أولاده أو غيرهم تنفيذا لهذه القواعد ، أو يغسل الموتى ويكفنهم في أثواب جديدة أو يدفنهم في أرض بكر ، أو يغطي قبورهم بالأغصان الخضراء أو يستغيث بمحمد وقت الحاجة منعتا إياه بالنبي ورسول الله ، أو يقول : إن الكعبة أول معابد الله أو يقول إنه لم ينصر إيمانا بالدين المقدس ، أو أن آباءه وأجداده قد غنموا رحمة الله ، لأنهم ماتوا مسلمين .........." .

وإن كانت الاستغاثة بغير الله ، عز وجل ، فيما لا يقدر عليه إلا هو ، ليس من شرعنا في شيء ، وإنما وقع الخلاف في التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم ، فأجازه بعض العلماء ، وذكر ابن عبد البر وابن قدامة ، رحمهما الله ، حوادث تؤيد القول بجوازه ، وإن كان الراجح عدم جواز ذلك ، مع كون الخلاف فيه سائغا ، خلافا للتوسل بغيره ، على تفصيل ليس هذا موضعه ، ولكن القوم ما أرادوا تحقيق المسألة وإنما أرادوا مطاردة كل من تمسك بشعيرة تمت للإسلام بصلة ، وإن كانت غير مشروعة في واقع الأمر ، ولكنها من وجهة نظرهم المتعصبة ، كافية لاتهام ممارسها باعتناق دين الإسلام ، فمن قال بأننا لا نأكل الذبيحة التي تذبحها المرأة ؟!!! ، فذبيحة المرأة ، وإن كانت حائضا ، حلال ، وفي ذلك آثار منها حديث المرأة التي أدركت الشاة التي عدا عليها الذئب فذبحتها بحجر حاد فاقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لأن روح الشاة كانت مستقرة ، خلاف اليهود الذين يتنطعون في هذه المسألة ويشددون ، كعادتهم ، على أنفسهم ، ويبدوا أن كاتب هذه الوثيقة لم يميز بين الإسلام واليهودية فكلاهما مستهدف في أسبانيا في تلك الفترة ، والله أعلم ، ولا تعليق فنص الوثيقة أبلغ من كل بيان !!!!! .

وإلى نصارى العالم : ملكنا فعدلنا وحفظنا الدم والعرض والمال ، وملكتم فظلمتم وسفكتم الدم واستبحتم العرض والمال ، وشتان ملكنا وملككم ، وشتان رسالة السماء ودين قسطنطين عظيم الروم ، وبالأمس مسلمو الأندلس ، واليوم مسلمو البلقان والعراق وأفغانستان وبلاد القفقاز ، ويوم شن اليوغسلاف الأرثوذكس حملتهم المسعورة على البقية الباقية من مسلمي شبه الجزيرة البلقانية ، خرج الهالك " سلوبودان ميلوسيفتش" ، رئيس يوغوسلافيا السابق ، ليقول بأن أولئك القوم كانوا نصارى ، ولا نجاة لهم إلا بالعودة لدين الآباء ، وقد فوضته أوروبا بأكملها ليقوم بهذه المهمة المقدسة ، وضجت إذاعات يوغوسلافيا بالبيانات المتوعدة للمسلمين إن لم يرجعوا لدين الآباء ، وطورد المسلمون ، حتى كشفت عورات من ادعى النصرانية منهم ، ليتأكد جنود صربيا من عدم ختانه ، وأعلن الجيش الصربي عن مكافأة مقدارها 300 دولار ، على ما أتذكر ، لكل من يقتل طفلا مسلما ، فتسابق قناصو الصرب لاصطياد أطفال المسلمين ، وخرج زعيمهم الهالك ليؤكد أن صربيا مستعدة للتضحية بـــ : 300 ألف جندي ، لاستئصال الإسلام ليس من البلقان فقط ، وإنما حتى مكة !!! ، وبطبيعة الحال تم كل ذلك تحت ستار مكافحة الإرهاب والتطرف في البلقان !!!! .

وفي الوقت الذي حظر فيه السلاح على المسلمين ، كانت المساعدات العسكرية تنهال على صربيا ، تحت سمع وبصر القوات الدولية ، من روسيا ، زعيمة الأرثوذكسية ، ودول الكتلة الشرقية ، كبلغاريا واليونان ، التي تدفق منها المتطوعون لمساعدة الجيش الصربي في قتاله ضد المسلمين ، فالثأر قديم ، والقوم ما فتئوا يذكرون ما أنزلته بهم خلافة آل عثمان الإسلامية التي طرقت أبواب "فيينا" العاصمة النمساوية ، بعد اجتياح دول البلقان وأوروبا الشرقية .


يقول الدكتور الصلابي حفظه الله :
لقد استمرت محاكم التفتيش قرونا عدة ، وعندما احتل نابليون إسبانية بعد قيام الثورة الفرنسية ، أصدر مرسوما سنة 1818 هـــ بإلغاء محاكم التفتيش في إسبانيا ، ولكن رهبان "الجزويت" أصحاب المحاكم الملغاة استمروا في القتل والتعذيب ، فشمل ذلك الجنود الفرنسيين ، فأرسل المارشال "سولت" الحاكم العسكري الفرنسي لمدريد الكولونيل "ليمونكي" مع ألف جندي وأربعة مدافع ، وهاجم دير الديوان ، وبعد احتلال الدير وتفتيشه عنوة لم يعثروا على شيء فقرر الكولونيل "ليمونكي" فحص الأرض ، وعند ذلك نظر الرهبان إلى بعضهم نظرات قلقة ، فأمر الكولونيل جنده برفع الأبسطة ، فرفعت ، ثم أمر بأن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة ، ففعلوا ، فإذا الماء يتسرب إلى أسفل في إحدى الغرف ، فعرفوا أن الباب من هنا يفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جوار رجل مكتب الرئيس ، وفتح الباب بقحوف البنادق ، واصفرت وجوه الرهبان وكستها غبرة ، وظهر سلم يؤدي إلى باطن الأرض ونزل القائد الكولونيل وجنده ، ويصف ذلك الرجل في مذكراته ما شاهده بقوله :
فإذا نحن في غرفة كبيرة مربعة ، وهي عندهم قاعة المحكمة ، في وسطها عمود من الرخام ، به حلقة حديدية ضخمة ، ربطت بها سلاسل ، كانت الفرائس تقيد بها رهن المحاكمة وأمام ذلك العمود عرش "الدينونة" كما يسمونه ، وهو عبارة عن "دكة" عالية يجلس عليها رئيس الديوان ، وإلى جانبيه مقاعد أخرى أقل ارتفاعا معدة لجلوس جماعة القضاة ثم توجهنا إلى غرف آلات التعذيب ، وتمزيق الأجسام البشرية ، وقد امتدت تلك الغرف مسافات كبيرة تحت الأرض ، وقد رأيت بها ما يستفز نفسي ، ويدعوني إلى التقزز ما حييت :

رأينا غرفا صغيرة في حجم جسم الإنسان ، بعضها عمودي وبعضها أفقي ، فيبقى سجين الأفقية ممددا بها حتى يموت ، وتبقى الجثة في السجن الضيق حتى تبلى ، ويتساقط اللحم عن العظم ، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من الأجداث البالية تفتح كوة صغيرة إلى الخارج ، وقد عثرنا على عدة هياكل بشرية ما زالت في أغلالها سجينة .

والسجناء كانوا رجالا ونساء تختلف أعمارهم بين الرابعة عشرة والسبعين ، واستطعنا فكاك بعض السجناء الأحياء وتحطيم أغلالهم ، وهم على آخر رمق من الحياة ، وكان فيهم من جن لكثرة ما لاقى من عذاب ، وكان السجناء عرايا زيادة في النكاية بهم ، حتى اضطر جنودنا أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها لفيفا من النساء السجينات .
وانتقلنا إلى غرف أخرى فرأينا هناك ما تقشعر لهوله الأبدان ، عثرنا على آلات لتكسير العظام ، وسحق الجسم ، وكانوا يبدءون بسحق عظام الأرجل ، ثم عظام الصدر والرأس واليدين ، وذلك كله على سبيل التدريج حتى تأتي الآلة على البدن المهشم ، فيخرج إلى الجانب الآخر كتلة واحدة ، (أي أنها باختصار "مفرمة") .

وعثرنا على صندوق في حجم رأس الإنسان تماما ، يوضع فيه الرأس المعذب ، بعد أن يربط صاحبه بالسلاسل في يديه ورجليه فلا يقوى على الحركة وتقطر على رأسه من ثقب في أعلى الصندوق نقط الماء البارد ، فتقع على رأسه بانتظام في كل دقيقة نقطة ، وقد جن الكثيرون من ذلك اللون من العذاب ، قبل أن يحملوه على الاعتراف ، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت .

وعثرنا على آلة ثالثة للتعذيب تسمى "السيدة الجميلة" ، وهي عبارة عن تابوت تنام فيه صورة فتاة جميلة مصنوعة على هيئة الاستعداد لعناق من ينام في أحضانها ، وقد برزت من جوانبها عدة سكاكين حادة ، وكانوا يطرحون الشاب المعذب فوق هذه الصورة ثم يطبقون عليه باب التابوت بسكاكينه وخناجره ، فإذا أغلق مزق الشاب وتقطع إربا إربا .

كما عثرنا على جملة آلات لسل اللسان ، ولتمزيق أثداء النساء وسحبها من الصدور بواسطة كلاليب فظيعة ، ومجالد من الحديد الشائك لضرب المعذبين وهم عرايا حتى يتناثر اللحم عن العظم .

ولما شاهد الناس بأعينهم وسائل التعذيب جن جنونهم وانطلقوا ، كمن به مس ، فأمسكوا برئيس الدير ووضعوه في آلة التكسير فدقت عظامه دقا ، وسحقتها سحقا .

وأمسكوا أمين سره ، وزفوه إلى السيدة الجميلة ، وأطبقوا عليهما الأبواب فمزقته السكاكين شر ممزق ، ثم أخرجوا الجثتين ، وفعلوا بسائر العصابة وبقية الرهبان كذلك .

ويعلق الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، في ختام هذا الوصف العجيب الغريب المروع بقوله :
ومن سنن الله الجارية تسليط بعض الظالمين على بعض ، ولذلك انتقم الله من هؤلاء القساوسة المتوحشين الذين نزعت من قلوبهم أدنى مشاعر وأحاسيس الإنسانية وانقادوا في حزب الشيطان اللعين .

بتصرف يسير من "تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي" ، ص460_463 .
فسلط الله الفرنسيين على الأسبان ، رغم أنهم جميعا كاثوليك ، وإن شئت الدقة فقل كاثوليك متعصبون ، ففرنسا زعيمة الملة الكاثوليكية وإسبانيا من أخلص أتباعها .

ويواصل الأستاذ عنان ، رحمه الله ، وصف إجراءات هذا الديوان الرهيب فيقول :
وبعد هذا التعذيب الرهيب ، يؤخذ المتهم من السجن دون أن يدري مصيره الحقيقي ، ويجوز "رسوم الإيمان" أو "الأوتودافي" ، "Auto-Da-Fe" ، وهي الرسوم الدينية التي تسبق التنفيذ ، وخلاصتها أن يلبس المتهم الثوب المقدس ، ويوضع في عنقه حبل وفي يده شمعة ، ويؤخذ إلى الكنيسة ليجوز "رسوم التوبة" !!! ، ثم يؤخذ إلى ساحة التنفيذ ، إذ غالبا ما يكون الحكم هو : "الإعدام حرقا" في الميادين العامة في المدن الكبرى ، في احتفال رسمي يشهده الأحبار والكبراء بأثوابهم الرسمية ، وقد يشهده الملك بنفسه ، بصفته راعي الكنيسة الكاثوليكية ، وكان هذا الاحتفال يقع على الأغلب جملة ، فينفذ حكم الحرق في عدد من المحكوم عليهم ، قد يبلغ العشرات أحيانا ، وينتظم الضحايا في مواكب "الأوتودافي" ، التي اشتهرت في إسبانيا منذ القرن الخامس عشر ، والتي كانت بالرغم من مناظرها الرهيبة من الحفلات العامة ، كمباريات كرة القدم في عصرنا الحاضر !!! ، التي تهرع لشهودها جموع الشعب ، ومما يذكر في ذلك ، أن "فرناندو" الكاثوليكي كان من عشاق هذه المواكب الرهيبة ، وكان مما يسره أن يشهد حفلات الإحراق ، وكان يمتدح الأحبار المحققين كلما نظمت حفلة منها ، فهم متفانون في حماية الدين الكاثوليكي ، لدرجة إصدار الأحكام في حق الموتى ونبش قبورهم وحرق رفاتهم ، وعن "حرية الاعتقاد وحوار الأديان" في عهد "فرناندو" فحدث ولا حرج ، ولا يدري المسلم كيف جاز لأولئك القوم أن ينكروا على شريعة الإسلام "حد الردة" الذي يطبق بضوابط شرعية يستتاب فيها المرتد ثلاثا ، فإن رجع عصم دمه ، وإن كان متظاهرا ، فما أمرنا بشق القلوب ، كيف لهم أن ينكروا علينا تطبيق هذا الحد ؟ أفلا رجعوا إلى تاريخهم ليقارنوا بين حد الردة عندنا وحد الردة عندهم ؟!!! .

وكان "فرناندو" حريصا إلى آخر لحظات حياته على دعم هذا الديوان البربري ، بل أوصى قبل هلاكه ، خليفته "شارل الخامس" أو "شارلكان" ، بحماية "الكثلكة" والكنيسة ، واختيار المحققين ذوي الضمائر الذين يخشون الله !!!! ، لكي يعملوا في عدل وحزم ، لخدمة الله وتوطيد الدين الكاثوليكي ، كما يجب أن يضطرموا حماسة لسحق طائفة محمد .

وهذا هو "فرناندو" الذي بذل العهود والمواثيق لمسلمي "غرناطة" بحفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم ، وترك الحرية الدينية لهم !!! .

وعن تمسك مسلمي "غرناطة" بدينهم حتى الرمق الأخير ، رغم كل محاولات التنصير القهري ، يقول الأستاذ عنان رحمه الله :

والواقع أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تنصرهم ، نزولا على حكم القوة والإرهاب ، مخلصين في سرائرهم لدينهم القديم ، ولم تستطع الكنيسة بالرغم من جهودها الفادحة أن تحملهم على الولاء لدين قاسوا في سبيل اعتناقه ضروبا مروعة من الآلام النفسية والاضطهاد المضني ، وإليك ما يقوله في ذلك مؤرخ إسباني كتب قريبا من ذلك العصر ، وأدرك الموريسكيين وعاش بينهم حينا في "غرناطة" :

"كانوا يشعرون دائما بالحرج من الدين الجديد ، فإذا ذهبوا إلى القداس أيام الآحاد ، فذلك فقط من باب مراعاة العرف والنظام ، وهم لم يقولوا الحقائق قط خلال الاعتراف . وفي يوم الجمعة يحتجبون ويغتسلون ويقيمون الصلاة في منازلهم المغلقة ، وفي أيام الآحاد يحتجبون ويعملون ، وإذا عمد أطفالهم ، عادوا فغسلوهم سرا بالماء الحار ، ويسمون أولادهم بأسماء عربية ، وفي حفلات الزواج متى عادت العروس من الكنيسة بعد تلقي البركة ، تنزع ثيابها النصرانية وترتدي الثياب العربية ، ويقيمون حفلاتهم وفقا للتقاليد العربية" .

ولعل وثيقة الشيخ أحمد بن بو جمعة المغراوي ثم الوهراني ، رحمه الله ، تلقي الضوء على ما عاناه أولئك القوم في سبيل الاحتفاظ بدينهم ، وهي مؤرخة بغرة رجب سنة 910 هــــ ، ونصها :
"الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ، إخواننا القابضين على دينهم ، كالقابض على الجمر ، من أجزل الله ثوابهم ، فيما لقوا في ذاته ، وصبروا النفوس والأولاد في مرضاته ، الغرباء القرباء إن شاء الله من مجاورة نبيه في الفردوس الأعلى من جناته ، وارثو سبيل السلف الصالح في تحمل المشاق ، وإن بلغت النفوس إلى التراق ، نسأل الله أن يلطف بنا ، وأن يعيننا وإياكم على مراعاة حقه ، بحسن إيمان وصدق ، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، بعد السلام عليكم ، من كاتبه إليكم ، من عبيد الله أصغر عبيده ، وأحوجهم إلى عفوه ، ومزيده ، عبيد الله تعالى أحمد ابن بو جمعة المغراوي ثم الوهراني ، كان الله للجميع بلطفه وستره ، سائلا من الله إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء ، بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار ، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم من الأبرار ، ومؤكدا عليكم في ملازمة دين الإسلام آمرين به من بلغ من أولادكم . إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس ، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحي بين الموتى ، فاعلموا أن الأصنام خشب منجور ، وحجر جلمود لا يضر ولا ينفع ، وأن الملك ملك الله ما اتخذ من ولد ، وما كان معه من إله ، فاعبدوه ، واصطبروا لعبادته ، فالصلاة ولو بالإيماء ، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء ، لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم ، والغسل من الجنابة ولو عوما في البحور ، وإن منعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار ، وتسقط في الحكم طهارة الماء ، وعليكم بالتيمم ولو مسحا بالأيدي والحيطان ، فإن لم يمكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء والصعيد إلا أن يمكنكم الإشارة إليه بالأيدي والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به ، فاقصدوا بالإيماء ، نقله ابن ناجي في شرح الرسالة ، (يعني رسالة ابن أبي زيد القيرواني ، رحمه الله ، فهي أشهر رسالة مالكية ، والفقيه المتحدث مالكي فغالب الظن أنها هي والله أعلم) ، لقوله عليه السلام : فأتوا منه ما استطعتم ، (وهو ما يعرف بصلاة فاقد الطهورين : الماء والتراب فيصلي على حاله ولا إعادة عليه إن وجد الطهور بعد ذلك ، ولو داخل الوقت ، والله أعلم) ، وإن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام أو حضور صلاتهم فأحرموا بالنية ، وانووا صلاتكم المشروعة ، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم ، ومقصودكم الله ، وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام ، وإن أجبروكم على شرب خمر ، فاشربوا لا بنية استعماله ، وإن كلفوا عليكم خنزيرا فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ، ومعتقدين تحريمه ، وكذا إن أكرهوكم على محرم ، وإن زوجوكم بناتهم ، فجائز لكونهم أهل الكتاب ، وإن أكرهوكم على إنكاح بناتكم منهم ، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه ، وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم ، ولو وجدتم قوة لغيرتموه ، وكذا إن أكرهوكم على ربا أو حرام فافعلوا منكرين بقلوبكم ، ثم ليس عليكم إلا رءوس أموالكم ، وتتصدقون بالباقي ، إن تبتم لله تعالى ، وإن أكرهوكم على كلمة الكفر ، فإن أمكنكم التورية والإلغاز فافعلوا ، وإلا فكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك ، وإن قالوا اشتموا محمدا فإنهم يقولون "ممد" فاشتموا "ممدا" ، (كما يسميه الألمان اليوم "ميميت" ، وسكان غرب إفريقية "مامادو" وإن كانوا مسلمين معظمين له صلى الله عليه وسلم ، ولكنها لكنة فرنسية ، لأن بلادهم ناطقة بالفرنسية ، والله أعلم) ، ناوين أنه الشيطان أو "ممد" اليهود فكثير بهم اسمه ، وإن قالوا عيسى ابن الله ، فقولوها إن أكرهوكم ، وانووا إسقاط مضاف أي : عبد الله ............ ، وإن قالوا قولوا المسيح ابن الله فقولوها إكراها ، وانووا الإضافة للملك كبيت الله لا يلزم أن يسكنه أو يحل به ، (فتكون الإضافة للتشريف كناقة الله وبيت الله وعبد الله بمعنى العبودية الخاصة لا العامة التي يشترك فيها المؤمن والكافر) ، وإن قالوا قولوا مريم زوجة له فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بني إسرائيل ثم فارقها قبل البناء ، قاله السهيلي في تفسير المبهم من الرجال في القرآن ، .............. ، وإن قالوا عيسى توفي بالصلب ، فانووا من التوفية والكمال والتشريف من هذه ، وإماتته وصلبه وإنشاد ذكره ، وإظهار الثناء عليه بين الناس ، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو ، وما يعسر عليكم فابعثوا فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون به ، وأنا أسأل الله أن يديل الكرة للإسلام حتى تعبدوا الله ظاهرا بحول الله من غير محنة ولا وجلة ، بل بصدمة الترك الكرام ، (أي بني عثمان وسبقت الإشارة إلى تخاذلهم العجيب عن نصرة مسلمي الأندلس على الرغم من فتوحاتهم العظيمة في شرق أوروبا) ، ونحن نشهد لكم بين يدي الله أنكم صدقتم الله ورضيتم به . ولابد من جوابكم ، والسلام عليكم جميعا . بتاريخ غرة رجب عام عشرة وتسع مائة ، عرف الله خيره ، يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى" ، وهذا يعني أن مسلمي الأندلس قد وصلوا إلى هذه الحالة المزرية بعد 13 سنة فقط من سقوط "غرناطة" ، والرسالة لا تحتاج إلى تعليق .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/343 ، 344) .

وبرحيل "فرناندو" ، ومجيء حفيده "شارلكان" ، جنحت الدولة إلى نوع من الاعتدال ، لم يدم طويلا ، إذ سرعان ما استجاب "شارلكان" لضغوط الكنيسة المتعصبة ، فصدر مرسوم في سنة 12 مارس 1524 م يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه ، وإخراج كل من أبى النصرانية من إسبانيا ، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة ، وأن تحول المساجد الباقية إلى كنائس .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/351) .

وكان رد الفعل هذه المرة : ثورات محلية ضئيلة نشبت في معظم الأنحاء التي يقطنها المسلمون ، أخمدت تباعا باستثناء "بلنسية" الحبيبة ، عاصمة الشرق ، التي كانت تضم حشدا كبيرا من المسلمين ، يبلغ زهاء 27000 أسرة ، وكان وقوعها على البحر يمهد للمسلمين سبل الاتصال بإخوانهم في المغرب ، ومن ثم فقد كانت دائما في طليعة المناطق الثائرة ، وكانت الحكومة الأسبانية تنظر إليها باهتمام خاص ، فلما فرض التنصير العام أبدى المسلمون في "بلنسية" مقاومة عنيفة ، ولجأت جموع كبيرة منهم إلى ضاحية "بني وزير" ، "Benguacil" ، واضطرت الحكومة لأن تجرد حملة كبيرة لقمع هذه الثورة ، وأرغم المسلمون في النهاية على التسليم والخضوع ، وأرسل إليهم الإمبراطور إعلان الأمان على أن ينصروا وعدلت عقوبة الرق إلى الغرامة .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/353) .

وبعد "شارلكان" جاء ابنه الحبر المتعصب "فيليب الثاني" ، فعادت إسبانيا النصرانية لسابق عهدها ، وسنت القوانين الصارمة ضد "الموريسكيين" ، الذين فقدوا في تلك المرحلة الحرجة كل مظاهر الإسلام والعروبة ما عدا خيطا رفيعا يربطهم بماضيهم المجيد ، وظهر ذلك جليا في اندثار اللغة العربية ، فضلا عن التقاليد والعادات الإسلامية .

وكانت مسألة السلاح ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، في مقدمة المسائل ، التي كانت موضع الاهتمام والتشدد ، وقد عنيت السياسة الإسبانية منذ البداية بتجريد الموريسكيين من السلاح ، واتخذت أيام "فرناندو وإيزابيلا" إجراءات لينة نوعا ، فكان يسمح بحمل أنواع معينة من السلاح المنزلي كالسكين وغيرها ، وذلك بترخيص ورسوم معينة ، ترخيص ورسوم لحمل سكين "المطبخ" !!! ، ولكن الحكومة خشيت بعد ذلك عواقب هذا التسامح ، ولا يدري القارئ أي تسامح هذا ؟!! ، فأخذت تشدد في الترخيص ، وجرد المسلمون في "بلنسية" من سلاحهم جملة ، ثم تطور الأمر في عهد "فيليب الثاني" ، فصدر في عام 1563م قانون جديد يحرم حمل السلاح على الموريسكيين ، إلا بترخيص من الحاكم العام ، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة ، فأثار صدوره سخط الموريسكيين ، وكان السلاح ضروريا للدفاع عن أنفسهم في محلاتهم المنعزلة النائية ، إذ اضطرتهم الحكومة الأسبانية المتعصبة إلى الانعزال في محلات نائية بعيدا عن قبضة الحكومة المركزية الصارمة الظالمة ، وهكذا حال المستضعفين في كل الأقطار ، ففي عصرنا الحاضر ، على سبيل المثال ، نرى إخواننا أهل السنة والجماعة في "إيران" يعيشون في مدن نائية على حدود إيران مع الدول الأخرى ، بعيدا عن قبضة "طهران" المركزية ، فنجدهم يتمركزون ، على سبيل المثال ، في المدن الساحلية في شرق إيران كمدينة "بندر عباس" التي تقع في جنوب شرق إيران ، وتطل على الخليج العربي ، وكأن القوم يلتمسون أي معونة من إخوانهم على الضفة الأخرى من الخليج العربي ، وإقليم الأهواز على الحدود العراقية ، ومع ما هم فيه من بؤس وشقاء ، فإن الرافضة ، قبحهم الله ، أبوا إلا مزاحمتهم في مدنهم فرتبت حكومة "طهران" هجرات جماعية للرافضة إلى تلك المدن لتهجير أهل السنة منها وإحلال الرافضة محلهم ، والتخطيط في العراق ، كالتخطيط في إيران ، فرافضة الجنوب يقومون بتهجير أهل السنة من البصرة والنجف وكربلاء ........... ليصير الجنوب رافضيا خالصا ، تمهيدا لاستقطاعه من أرض العراق الحبيب ، وقد أمهل الرافضة الخبثاء إخواننا في البصرة حتى أوائل شهر يوليو الحالي لمغادرة البصرة وإلا فالقتل والمصادرة عقاب من امتنع عن تنفيذ الأوامر ، بل أقسم الرافضي الخبيث المدعو بــــ : الدكتور إبراهيم الجعفري ، رئيس الوزراء العراقي السابق ، على أن يجعل "بغداد" شيعية خالصة ، وأصدرت الحكومة الرافضية العميلة بقيادة الرافضي "جواد المالكي" ، على ما أتذكر الآن من اسمه ، قائمة بـــ : 16000 من علماء وشباب أهل السنة ، تمهيدا لمطاردتهم أو تصفيتهم بحجة مكافحة الإرهاب ، وهذا سر عملياتهم الأخيرة التي حملت اسم "إلى الأمام معا" ، بالاشتراك مع قوات الاحتلال ، بحجة تصفية الجيوب الإرهابية ، حتى اضطر أهل السنة إلى توزيع شباب كل أسرة على أكثر من مكان لئلا يقعوا في أيدي قوات الاحتلال وميليشيات الرافضة المتخصصة في تعذيب وقتل أهل السنة والجماعة بدعم مادي ومعنوي بل وبشري كبير من الحكومة الرافضية المركزية في "طهران" ، فالقوم أدوات لتنفيذ مخططات سادتهم من "الآيات" ، واضطروا إلى الهجرة بعيدا عن قلب العراق إلى المناطق النائية فرارا بدينهم ، فلجأ كثير منهم إلى "الفلوجة" ، و "الأنبار" في غرب العراق حيث يغلب على السكان المذهب السني ، والناظر في تاريخ الرافضة ، يقسم بالذي رفع السماء بلا عمد على أن وقوع بلادنا وشبابنا في قبضة اليهود والنصارى أهون من وقوعها في قبضة أولئك الذين يدعون الانتساب لآل البيت ، رضي الله عنهم ، زورا وبهتانا ، فحال إخواننا في الأرض المحتلة ، مع ما هم فيه من بؤس وشقاء ، أحسن من حال إخواننا في العراق وإيران ، فهم ، على الأقل ، لم يضطروا إلى تغيير أسمائهم السنية كـــ "أبي بكر" و "عمر" خشية الخطف والتعذيب ومن ثم إطلاق الرصاص على الرؤوس وإلقاء الجثث في المزابل بحجة مكافحة "التطرف" ، بل قال أحد قواد جيش المهدي ، ويدعى "أبو درع" ، قال هذا المخذول مخاطبا جثث أهل السنة التي يشرف بنفسه على ذبحها وإلقاءها في المزابل : "قتلانا في الجنة وقتلاكم وراء السدة" ، وهي منطقة تلقى بها القمامة في بغداد ، على ما أتذكر ، فنزل نفسه منزلة محمد صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، ونزل أهل السنة ، أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي يدعى التشيع له ولآل بيته ، نزلهم منزلة جيش قريش الكافر ، ومع ذلك نتهم نحن بالتكفير على شاشات الفضائيات ، ويتعلق القوم ، كعادتهم ، بدعاوى التقريب وتوحيد الأمة ونبذ الخلافات !!!! ، والواقع شاهد على استحلالهم دماء وأعراض أهل السنة والجماعة ، ففي عمليات "الفلوجة" التي حدثت في أواخر سنة 2004م ، حاول أحد الرافضة المقتحمين للمدينة بمشاركة القوات الأمريكية ، اغتصاب فتاة من فتيات المدينة السنية ، فزجره الجندي الأمريكي !!!!! ، فأخبره ذلك الرافضي المجاهد !!! بأن سيدهم المدعو بـــ "السيستاني" القابع في الحوزة العلمية في جنوب العراق يشرع للقوم ما شاء من دين ، أصدر فتوى بحل انتهاك الرافضة لأعراض أهل السنة ، فليته نزل أهل السنة منزلة أهل الكتاب ، الذين لا تحل نساؤهم إلا بنكاح أو ملك يمين ، وهذه الفتوى الآثمة تذكرنا بفتوى قساوسة "صربيا" لجنود الجيش الصربي بحل أعراض المسلمات البوسنويات ، وسبقت الإشارة إليها ، وكان الأمريكي النصراني أرحم بالمسلمة العراقية العربية من العراقي العربي الذي يدعي الانتساب إلى الإسلام بل ومحبة آل البيت ، والمبتدع مستحل لدم وعرض من خالفه لا محالة ، وإلى الله المشتكى .

والخبر الأخير قرأته في منتدى "الإيمان" أيام تلك العملية ، والله أعلم .
وفي الوقت الذي يستتر فيه القوم بـــ "التقية" ، تنهال المساعدات المادية والبشرية على رافضة العراق من الحكومة المركزية في "طهران" ، فجيش المهدي ، التابع لـــ "مقتدى الصدر" ، الذي انقلب رأسا على عقب بعد تفجيرات "سامراء" قبل حوالي 4 أشهر ، يتلقى : 200 مليون دولار لتمويل عمليات التجنيد والتسليح ، بل ويعلن القوم ، بالأمس ، "الجهاد" ضد السلفيين السنة في العراق ، وليتهم أعلنوه ضد القوات المحتلة .

وقد كان من المستغرب من "مقتدى الصدر" ، ما قام به من خدمات جليلة لأهل السنة ، وخاصة أيام عمليات الفلوجة الأولى ، الأمر الذي جعل المقاومة العراقية تستثني أتباعه من هجماتها ، ولكن التفجيرات الأخيرة ، التي لا يشك أي منصف في كونها مدبرة لتوحيد صفوف الرافضة ضد أهل السنة في العراق وإقناع "مقتدى الصدر" بالتخلي عن معاونة أهل السنة ، غيرت من موقفه 180 درجة فظهر وجهه الرافضي القبيح على حقيقته ، ولعل الله ، عز وجل ، أراد تمحيص الصفوف بهذه التفجيرات ، حتى تكون جبهة الحق خالصة ، فإذا ما مكن لها وأظهرها على عدوها لم يكن لأحد سواه ، عز وجل ، فضل عليها ، ولو بقي "الصدر" وأتباعه على تحالفهم مع أهل السنة ، لانخدع بعض أهل السنة بهذا التحالف المؤقت ، وظنوا أن في القوم خيرا يجعل التعاون معهم ممكنا ، ولو استمر هذا التحالف الهش حتى النهاية لوقع الصدام يوما ما لا محالة ، فالحق والباطل ، وإن تهادنا ، لابد يوما أن يتصارعا ، فلا يجتمعان في غمد واحد ، فإذا ظهر الحق زهق الباطل ، وهذا التحالف المؤقت يذكر القارئ بالتحالفات الهشة التي حصلت بين المسلمين والكروات في البلقان في بدايات الحرب ، إذ اتحد المسلمون والكروات في البداية ضد الصرب ، ثم ما لبثت الأقنعة أن سقطت وأعلن الرئيس الكرواتي الهالك "فرانيو تودجمان" الحرب على المسلمين فكانت قواته في بعض مناطق الصراع أشد وطأة على المسلمين من الصرب ، رغم التحالف السابق بين الجانبين ، وحسنا فعل "مقتدى" وأتباعه إذ عجلوا بالمواجهة ، وأبى الله ، عز وجل ، إلا أن ينصر دينه في العراق الحبيب بأيدي أهل السنة والجماعة الذين تكالبت عليهم كل القوى ، والنصر قريب ، ولكنه يستلزم بعض الصبر حتى يمحص الله ، عز وجل ، القلوب ويكشف الغمة .

وقد سخرت المقاومة العراقية الأبية من هذه العمليات السينمائية مطلقين على العملية الأخيرة التي أشير إليها آنفا بــ "إلى الأمام معا" : "إلى الخلف معا" ، أو كلمة نحوها ، بعد فشل أولئك "الأبطال" !!!! في اقتحام مدينة "العامرية" الصغيرة الواقعة غرب "بغداد" ، ويأبى الله ، عز وجل ، إلا أن ينصر من أطاعه ويذل من عصاه .


وقبل هؤلاء انحاز إخواننا في "كوسوفا" إلى هذا الإقليم البعيد عن قبضة "بلجراد" الأرثوذكسية المتعصبة ، ومع ذلك لم يسلموا منها ، إذ رتبت الحكومة الصربية هجرات جماعية للصرب إلى الإقليم لمزاحمة أهله والتضييق عليهم ثم قامت بحملتها المسعورة في أواخر سنة 1998م ، ويبدو أن القوم ، على اختلاف نحلهم ، يسيرون على نهج واحد ، وإن اختلفت الأعصار والأمصار !!!! .

ومن ثم واصلت إسبانيا ، التضييق على المسلمين ، فصدرت قوانين غريبة تحرم على المسلمين التحدث بالعربية ولبس الثياب العربية وإقامة الحفلات على الطريقة الإسلامية ، بل وتحظر استعمال الحمامات العامة والخاصة للتنظف والاغتسال !!!! .

والقوم تاريخهم في القذارة عريق ، حتى ذكر الدكتور أحمد الدعيج ، حفظه الله ، نقلا عن أحد الدارسين في إسبانيا من المسلمين ، أن أستاذا غرناطيا في الجامعة التي كان يدرس فيها تحسر ، في إحدى محاضراته ، على أيام الإسلام الزاهرة في الأندلس ، ففي الوقت الذي كانت "إيزابيلا" الكاثوليكية التقية !!! تنظف جسدها بأعواد من الخشب تحك بها ظهرها كان الغرناطيون ، من عوام الشعب ، يتنظفون ويغتسلون في الحمامات العامة بانتظام ، وسبقت الإشارة إلى طرف من اهتمام الغرناطيين بمسألة تنظيف الأجساد والثياب ، والغسل في شريعتنا الغراء مسألة مهمة ، وقد فصل الفقهاء أحكامه في أبواب الطهارة ، وإذا كان هذا حال ملكتهم فما بلك بحال عوامهم ؟!!! ، على أن حال عوام الأسبان ، قد يكون أفضل كثيرا من حال "إيزابيلا" ، إذ عرفت الأخيرة بـــ "التدين" ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والتدين عندهم مرتبط بقذارة الجسد وعدم الاحتراز من النجاسات ، بحجة التسامي في معارج "الروحانيات" على حساب "الماديات" ، فكلما أهمل المرء في نظافة بدنه وثيابه ، كلما ارتقى في معارج الكمال ، كحال بعض ضلال الصوفية الذين يذكرون في كتبهم أن : من كرامات الولي الفلاني أنه لم يمس الماء من 20 سنة أو 30 سنة ، أو ........... الخ ، فالصوفية والرافضة ، كما تقدم ، من أشد فرق الأمة شبها بالنصارى ، والله أعلم .

ولم يفت شيخ الإسلام ، رحمه الله ، وهو من هو في استقراء الملل والنحل ، لم يفته أن يشير إلى ذلك ، إذ يقول في معرض كلامه على وسطية شريعة الإسلام :
(........... وكذلك في الشرائع كالحلال والحرام ، فإن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم عقوبة لهم ، وعليهم تشديد في النجاسات يجتنبون أشياء كثيرة طاهرة مع اجتناب النجاسة ، (فالأصل عندهم في الأعيان : النجاسة حتى يثبت العكس ، خلاف المسلمين ، فالأصل عندنا : طهارة الأعيان حتى يقوم الدليل على نجاستها وهذا من يسر ديننا وسماحة شريعتنا) ، والنصارى لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله ، بل يستحلون الخبائث ، ويباشرون النجاسات ، وكلما كان الراهب أكثر ملابسة للنجاسات والخبائث كان أفضل عندهم ، والمسلمون أباح الله لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ، وهم وسط في سائر الأمور) .
الرسالة الصفدية لابن تيمية ، رحمه الله ، (2/310_313) ، نقلا عن "علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة ، المبادئ والمقدمات" ، للشيخ الدكتور أبي عبد الله محمد بن يسري ، حفظه الله ، ص203 .

ولم يفته ، أيضا ، أن يشير إلى أحوال من يدعي الولاية من ضلال المسلمين ممن يلابس النجاسات كرهبان النصارى إذ يقول : (فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين أو يأكل الحيات والعقارب والزنانير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويقوم إليها أو يسجد إلى ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين أو يلابس الكلاب أو الفيران أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة أو يأوي إلى المقابر ولا سيما مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين أو يكره سماع القرآن وينفر منه ويقدم عليه سماع الأغاني والأشعار ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن فهذه علامات أولياء الشيطان) .
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، ص59 ، نقلا عن "القول الرشيد في عقيدة التوحيد" للشيخ الدكتور الوصيف علي حزه ، رحمه الله ، (1/291) .

فلله درك أبا العباس أحمد بن تيمية ، ناصر السنة وقامع البدعة ، يا من أظهر الله ، عز وجل ، على لسانه الحق ففضح القوم وكشف زيف طرقهم ونحلهم ، وأرغم الله أنف مبغضك صوفيا كان أم رافضيا .

وديننا وسط بين الملل ، فلا نحن كاليهود في ماديتهم المفرطة على حساب الروح ، ولا كالنصارى في روحانياتهم المفرطة على حساب الجسد ، وخير الأمور أوسطها ، والله أعلم .


ويعلق الأستاذ عنان ، رحمه الله ، على قانون منع التحدث بالعربية ، بقوله :
وهكذا حاول بطريق التشريع ، أي : فيليب الثاني ، أن يسدد الضربة الأخيرة للغة الموريسكيين وتقاليدهم العربية ، فأصدر هذا القانون الهمجي الذي لم يسمع مثله في تاريخ المجتمعات المتمدنة . اهــــ
فأين هذا من احترام العرب للغات أهل البلاد المفتوحة ، إذ عاش الأسبان في ظل الحكم الإسلامي ثمانية قرون ، ومع ذلك لم يجبرهم أحد على ترك لغتهم والتحول عنها إلى لغة العرب ، بل أقبلوا هم ، طواعية ، على تعلم العربية والتأدب بآدابها ، حتى أثار هذا الأمر كبار قساوستهم كـــ "إيلوخيو" القس الإسباني المتعصب ، الذي أشعل الفتنة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ، رحمه الله ، هو وأتباعه ممن جاهروا بسب الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك أطلقت عليهم الرواية الإسبانية لقب "حركة الشهداء" ، فالشهادة عندهم
قدح في الأديان وسب للرسل عليهم الصلاة والسلام !!!! .

وإزاء هذا التضييق الرهيب ، اندلعت الثورة الموريسكية في أواخر سنة 1568م ، بتدبير غرناطي يدعى : "فرج بن فرج" ، ترجع أصوله إلى "بني سراج" ، وهم من أشراف غرناطة وأنجادها أيام الدولة الإسلامية ، واختار المسلمون شابا يدعى "فرناندو دي كوردوبا وفالور" ليكون على رأس هذه الثورة ، وكان هذا الاسم الأسباني ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، يحجب نسبة عربية إسلامية رفيعة ، ذلك أن "فرناندو دي كوردوبا وفالور" كان ينتمي في الواقع إلى بني أمية ، خلفاء المشرق ، وأمراء المغرب ، فكان سليل الملوك والخلفاء الذين سطعت في ظلهم الدولة الإسلامية في الأندلس زهاء ثلاثة قرون .
وفي احتفال بسيط مؤثر ، فرشت فيه على الأرض أعلام إسلامية ذات أهلة ، صلى "محمد بن أمية" صاحب الأندلس ، متجها صوب "مكة" قبلة أجداده ، وقبلة كل موحد في كل عصر ومصر ، ومن ثم اختار محمد عمه "فرناندو الزغوير" أي الصغير ، أو "ابن جوهر" قائدا لجيشه ، واختار ابن فرج قائدا لجيوشه ، التي اعتمدت على الموريسكيين ، بشكل أساسي ، بالإضافة إلى جماعة من المجاهدين المغاربة والمرتزقة الأتراك الذين وفدوا على الأندلس تلبية لنداءات إخوانهم ، إذ كانت حكوماتهم ، إما متخاذلة مع قدرتها على النجدة ، كـــ "بني عثمان" ، أو مشغولة بمشاكلها الداخلية كالحكومات المغربية التي جاءت بعد بني مرين ، آخر من جاز إلى الأندلس برسم الجهاد .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/364) .

واستمرت المعارك سجالا ، وكان المسلمون يقاتلون في ظروف غاية في الشدة ، فالفارق في التسليح والمؤن كبير بين المسلمين وجيوش النصارى النظامية المجهزة ، وهذا الأمر مما يذكرنا بحرب البلقان الأخيرة ، إذ لم يلب نداء المسلمين في الجزيرة البلقانية إلا جماعات من المجاهدين ، بينما تقاعست الحكومات الإسلامية عن نصرة مسلمي البوسنة ، فهي أضعف من أن تغضب "القوى العظمى" ، واكتفت بإرسال الخيام والبطاطين !!!! ، وفي نفس الوقت كانت كفة الجيش الصربي النظامي المجهز المدرب أرجح كثيرا من كفة المسلمين ، ومع ذلك تمكن المسلمون من إحراز انتصارات كبيرة ، لا سيما في نهاية الحرب سنة 1995م ، أجبرت القوى العظمى على التدخل لإيقاف الحرب ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك .


وكالعادة لم تخل الساحة من جارية حسناء أضرمت نار الحقد في صدر أحد قادة محمد بن أمية ، إذ تقص علينا الرواية القشتالية ، نبأ مقتله ، فتقول : إنه كان ثمة ضابط يدعى "ديجو الجوازيل" ، أو الوزير ، له عشيقة حسناء تدعى "زهرة" ، فانتزعها محمد منه قسرا ، فحقد عليه "الجوازيل" ، ودبر مكيدة لقتله ، إذ زور على لسانه خطابا موجها إلى القائد العام "ابن عبو" ، يأمره فيه بالتخلص من المرتزقة الأتراك ، وسهل وقوع هذا الخطاب في أيديهم ، فانقضوا على ابن أمية وقتلوه ، وانتخب "ديجو لوبيث" أو "القائد ابن عبو" ملكا جديدا ، وتسمى بــ "مولاي عبد الله" ، وكان معنيا بتنظيم الجيش فاستطاع أن يجمع حوله جيشا مدربا قوامه : 10000 مقاتل بين مجاهد ومرتزق ومغامر .
بتصرف من دولة الإسلام في الأندلس ، (7/369) .
والرواية ، وإن كانت قشتالية ، إلا أننا ، كما يشير إلى ذلك الأستاذ عنان رحمه الله ، لا نجد مصدرا آخر ، يحكي لنا عن أحوال مسلمي الأندلس بعد سقوط غرناطة ، فضلا عن ملاءمة هذه القصة ، للأسف الشديد ، لأحوال قواد المسلمين في الأندلس ، فليس هذه هي المرة الأولى التي يقتل فيها أمير أو ملك بسبب الصراع على جارية حسناء !!!! .

وانتدب العرش الإسباني لحرب المسلمين هذه المرة "الدون خوان" ، أخو فيليب الثاني ، الذي خاض عدة معارك دموية ضد الجيش الإسلامي ، أبدى فيها جنوده ضروبا رائعة من الخسة والنذالة في معاملة الأطفال والنساء ، ثم جنح في مراوغة مكشوفة إلى اللين ، فراسل أحد زعماء الموريسكيين ويدعى "الحبقي" ، ولكن المسلمين لم ينخدعوا هذه المرة ، فقد أيقنوا نهائيا أن إسبانيا النصرانية لا عهد لها ولا ذمام ، فاستأنف الطرفان القتال من جديد ، وتقدم للوساطة هذه المرة رجل يدعى "الدون هرناندو دي براداس" ، وكانت له صلات وثيقة بالموريسكيين قبل اندلاع الثورة ، ومن الوثائق المؤثرة ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، التي ربما كانت آخر وثيقة أندلسية عربية وصلت لنا ، رسالة مولاي عبد الله للدون هرناندو ، وقد أوردها الأستاذ عنان ، مع صورة منها ، في كتابه "دولة الإسلام في الأندلس" ، وتبدو فيها الركاكة الشديدة في الأسلوب ، فالحروف عربية ، ولكن التراكيب أشبه ما تكون بكلمات غير مفهومة تارة ، وباللغة العامية المصرية تارة أخرى ، فنجد مولاي عبد الله يكتب كلمة "مطمئن" ، على سبيل المثال "مطمن" وهي لغتنا أهل مصر ، ويكتب "يظهر" : "يذهر" ، بالذال ، وهذه أيضا من لهجتنا المصرية الدارجة ، ومن فقرات هذا الخطاب المؤثر الذي يبين ما وصلت إليه اللغة العربية في الأندلس بعد نحو ثمانين عاما من الكبت والمطاردة :
الحمد لله وحدهو قبل الكلم
اسلم الكرمو على من أكرمهو الكرمو سيديا وحبيبي وعز اسر عنديا دن هرنندو وني نعلم حرمتكم ين
وربما عنى بذلك السلام على دون هرناندو .
ومما ورد فيها :
نعمل معك كل متريد بحق وبل غدر وذهر لي مين الحبقي بن اشمكن يعمل معلمن وتطلعني على حق وذهر لي ين اشم طلبل طلب يرحو وينسو ويسحبو وبعد رعى .
ودين اني نعرف حرمتك بهذا شيء وحرمتك اعمل الذي يذهر لكم وعمل ميسلح بنترر .

فمن يترجم ؟!!!!
ويختمها بقوله :
كن معي من يكتب لي يل كينكن لكم أكثر ، وسلموا عليكم ورحمتو الله وبركتو الله .
كتيب الكتب يوم الثليث فشهر وليو فعم .......
ملاي عبد الله
نص الرسالة كاملا في "دولة الإسلام في الأندلس" ، (7/372 ، 373) .

فلم يحسن حتى كتابة لقبه !!! ، وعلى لغة العرب في الجزيرة الأيبيرية قل السلام .

وانتهت الثورة بخيانة جديدة ، كان بطلها هذه المرة ، وعلى غير العادة ، ضابط مغربي من خاصة مولاي عبد الله يدعى "جونثالفو الشنيش" ، إذ كان الأخير يحقد عليه لأنه منعه من الفرار إلى المغرب ، فأغدق له الأسبان المنح والوعود ، وقطعوا له عهدا بالعفو الشامل ، وضمان النفس والمال ، وأن ترد إليه زوجته وابنته الأسيرتان إذا استطاع أن يسلمهم مولاي عبد الله حيا أو ميتا ، وبالفعل راح مولاي عبد الله ضحية هذه الخيانة ، وألقيت جثته من فوق الصخور لتتلقفها أيدي الأسبان الذين بالغوا في التمثيل بها ، إذ قطعوا رأسها في احتفال عام ومزقوها أربعا ثم حرقوها في الميدان الكبير في "غرناطة" ، ثم وضع رأسه في قفص من الحديد ، رفع فوق سارية في ضاحية المدينة تجاه جبال البشرات .

تلك هي رواية المؤرخ الإسباني ، "مارمول" ، ولو صحت ، فلا تقدح خيانة مغربي واحد في بطولات أجيال متعاقبة من أبناء المغرب ، عبروا للجزيرة فاتحين ومن ثم مجاهدين حتى في عصور الضعف والانحلال ، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث .

ويعلق الأستاذ عنان ، رحمه الله ، على هذه النهاية المأساوية بقوله :
وهكذا انهارت الثورة الموريسكية وسحقت ، وخبت آخر جذوة من العزم والنضال في صدور هذا المجتمع الأبي المجاهد ، وقضت المشانق والمحارق والمحن المروعة على كل نزعة إلى الخروج والنضال ، وهبت روح من الرهبة والاستكانة المطلقة ، على ذلك المجتمع المهيض المعذب ، وعاش الموريسكيون لا يسمع لهم صوت ، ولا تقوم لهم قائمة ، في ظل العبودية الشاملة والإرهاق المطلق ، حقبة أخرى .
"دولة الإسلام في الأندلس" ، (7/376) .

وقد لبث ديوان التحقيق على نشاطه ضد الموريسكيين طوال القرن السادس عشر ، ولم يفتر هذا النشاط حتى أواخر هذا القرن ، مما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة بقيت بالرغم من كر الأعوام وتوالي المحن ، دفينة في قلب الشعب المضطهد ، تتضح آثارها من آن لآخر ، يدل على ذلك ما سجلته محفوظات الديوان ، فقد بلغت قضايا الموريسكيين أمام محاكم التحقيق : 291 قضية في سنة 1591م ، وبلغت : 117 في العام التالي ، وظهر في حفلة "الأوتودافي" البربرية في 5 سبتمبر سنة 1604م ، ثمانية وستون موريسكيا ، نفذت فيهم الأحكام ، وظهر في حفلة 7 يناير سنة 1607م ، ثلاثة وثلاثون موريسكيا ، واتهمت 40 أسرة بــ "صيام شهر رمضان" في سنتي 1589 و 1590 ، وقد كان مسلمو ألبانيا إبان الحكم الشيوعي ، يتحرزون عند تناول السحور فيرخون على نوافذ منازلهم الستائر والحجب لئلا تفطن الحكومة الشيوعية لهم فتنكل بهم ، وكذا حال المسلمين من أبناء النصارى عندنا في مصر الحبيبة ، فكثير منهم ينجح في صيام رمضان خفية دون أن يشعر به أحد ، وإن الناظر في حالهم ليعجب كيف يتمكن أولئك المستضعفون المستخفون بدينهم من الامتناع عن الطعام والشراب طيلة اليوم دون أن يلاحظ ذووهم ذلك ، نسأل الله ، عز وجل ، لنا ولهم التثبيت والنجاة ، اللهم آمين ، وحال المستضعفين في كل زمان ومكان واحد .

ويقدر سفير البندقية أعداد الموريسكيين في أواخر القرن السادس عشر ، وبالتحديد في سنة 1595م ، بنحو ستمائة ألف نسمة من مجموع سكان إسبانيا الذي لم يتعد الثمانية ملايين ، وهو ما يعين أنهم كانوا أقلية ذات نسبة معتبرة من إجمالي السكان ، رغم انضوائهم ، رسميا ، تحت لواء النصرانية ، والله أعلم بالسرائر ، وكانوا مع ما لاقوه من ظلم واضطهاد أرقى طوائف المجتمع الإسباني ، ويصفهم الكاتب والشاعر الإسباني الشهير : ميجيل ثرفانتس ، الذي يحمل المركز الثقافي الإسباني عندنا في القاهرة اسمه ، وهو ممن عاصر الموريسكيين ، يصفهم بأنهم يتكاثرون بسرعة ، وكلهم يتزوج ، ولا يدخلون أولادهم قط في سلك الكهنوت أو الجيش ، ويقتصدون في النفقات ويكتنزون المال ، فهم أغنى الطوائف في أسبانيا آنذاك .
ويصفهم دكتور "لي" في كتابه "Moriscos" أو "الموريسكيون" ، بالبراعة في التجارة فمنهم تجار الأغذية والبقالة والماشية ، ومنهم القصابون ، أي الجزارون ، والخبازون وأصحاب الفنادق وغيرهم ، وهم لا يشترون العقارات احتفاظا بحرية استعمال أموالهم ، وقد كان ذلك من أسباب غناهم وقوتهم الاقتصادية .
بتصرف من "دولة الإسلام في الأندلس" ، (7/381) .

وبالرغم من هذه المواهب التي تجعل الموريسكيين من أفضل الطوائف التي تتمنى أي دولة مدنية احتضانها ، على الرغم من ذلك ، سعت الكنيسة الكاثوليكية المتعصبة إلى اتخاذ إجراء نهائي حاسم يستأصل الموريسكيين من إسبانيا ، فاقترح البعض استرقاقهم وتسخيرهم للعمل في السفن ومناجم الهند ، ولعل المقصود أمريكا الجنوبية التي اكتشفها البحارة الأسبان نسبة إلى سكانها الأصليين "الهنود الحمر" لا الهند البلد الآسيوي المعروف الآن ، واقترح البعض قتلهم دفعة واحدة !!! ، واقترح البعض حملهم في السفن ثم إغراقهم في البحر !!!! ، وبتولي "فيليب الثالث" عرش إسبانيا خلفا لوالده "فيليب الثاني" ، برزت فكرة القضاء على الموريسكيين بشكل جدي ، وتبنى هذا الرأي المتعصب الدوق "دي ليرما" صفي الملك الجديد ، الذي وضع مشروعا همجيا للقضاء على الموريسكيين ، خلاصته ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، أن الموريسكيين إنما هم عرب ، ويجب أن يعدم الشبان والكهول منهم ، ما بين الخامسة عشرة إلى الستين ، أو أن يسترقوا ويرسلوا للعمل في السفن ، وتنزع أملاكهم ، أما الرجال والنساء الذين جاوزوا الستين فينفوا إلى المغرب ، وأما الأطفال فيؤخذوا ويربوا في المعاهد الدينية ، وهو المشروع الذي أقره مجلس الدولة الإسباني ، وأخذ يعمل سرا لحشد القوى اللازمة لحصر عدد الموريسكيين في أسبانيا تمهيدا لتنفيذه ، وكما سبق من عرض خطة الصرب الأرثوذكس للقضاء على مسلمي البلقان يتضح التشابه الكبير ، إن لم يكن التطابق بين خطط القوم للقضاء على الإسلام وأهله سواء في الجزيرة الأيبيرية أو البلقانية أو .......... الخ .

وبالفعل قدم المطران "ربيرا" إلى "فيليب الثالث" تقريرا يقول فيه :
"إن الدين هو دعامة المملكة الأسبانية ، وإن الموريسكيين لا يعترفون ، ولا يتقبلون البركة ولا الواجبات الدينية الأخيرة ، ولا يأكلون لحم الخنزير ، ولا يشربون النبيذ ، ولا يعملون شيئا من الأمور التي يعملها النصارى" ، ثم يوضح الأسباب التي تدعو إلى عدم الثقة في ولائهم بقوله : "إن هذا المروق العام لا يرجع إلى مسألة العقيدة ، ولكنه يرجع إلى العزم الراسخ في أن يبقوا مسلمين ، كما كان آباؤهم وأجدادهم ، ويعرف المحققون أن الموريسكيين بعد أن يعتقلوا عامين أو ثلاثة وتشرح لهم العقيدة في كل مناسبة ، يخرجون دون أن يعرفوا كلمة منها ، والخلاصة أنهم لا يعرفون العقيدة ، لأنهم لا يريدون معرفتها ، ولأنهم لا يريدون أن يعملوا شيئا يجعلهم يبدون نصارى" ، ويا "ربيرا" أتحداك أن تكون أنت نفسك تفهم العقيدة العجيبة التي تنتحلها فما بالك تنكر على غيرك ما أنت واقع فيه ؟!!! ، وليس سواء من عرف الحق وذاق حلاوة التوحيد ومن أعرض عنه وتلبس ببدعة التثليث .

ومضت السنين والفكرة تختمر في أذهان ساسة أسبانيا حتى صدر القرار المروع بنفي ستمائة ألف إنسان من وطنهم ، واجتثاث أمة بأكملها ، سنة 1609م ، وخرجت أولى دفعات المسلمين من ثغر "دانية" الشهير وبعض الثغور الأخرى ، وقدرت بثمانية وعشرين ألف نفس ، حملوا إلى ثغر "وهران" الجزائري ، وكان يومئذ في قبضة الأسبان ، ورحل بهذه الطريقة من ثغر "بلنسية" زهاء خمسة عشر ألفا ، معظمهم من الموسرين والمتوسطين ، ورحل المنفيون من "لقنت" أو "ألكانتي" الثغر الأسباني الشرقي على عزف الموسيقى ونشيد الأغاني ، وهم يشكرون الله على العودة إلى أرض الآباء والأجداد ، ولما سئل فقيه من زعمائهم عن سبب اغتباطهم ، أجاب بأنهم كثيرا ما سعوا إلى شراء قارب أو سرقته ، للفرار إلى المغرب ، مستهدفين لكثير من المخاطر ، فكيف إذا عرضت لنا فرصة السفر الأمين مجانا ، حيث نستظل بحماية سلطاننا ، سلطان الترك ، وهنالك نعيش أحرارا مسلمين لا عبيدا كما كنا ؟ .

ومع التحفظ على عزف الموسيقى فرحا بالنجاة ، فهو أمر تنكره شريعتنا الغراء ، ولكن القوم كانوا في حال يحمد المرء ربه على أن بقي الإسلام في قلوبهم إلى ذلك الحين ، مع التحفظ على ذلك ، فإن ما حدث وإن كان شاقا مر البداية إلا أنه مريح حلو النهاية ، ففي سبيل إظهار الدين والجهر بكلمة التوحيد تهون كل الصعاب .

ومما يثير الإعجاب بأولئك القوم الشم ذوي الأنفة والعزة ، بالرغم مما لاقوه من إذلال ، أنهم رفضوا "منحة" إسبانيا النصرانية ، بالسفر على سفنها مجانا ، وآثروا السفر على سفن أخرى بأجر ، لكي تكون هجرتهم إلى الله خالصة ، فاضطرت الحكومة الإسبانية إلى استدعاء عدد كبير من السفن الحرة إلى ميناء "بلنسية" الثغر الأندلسي الحبيب ، المطل على مياه المتوسط ، ورغم ذلك لم تخل الرحلة من مخاطر بل أهوال ، فمن الأدواء الفتاكة التي قضت على ألوف منهم إلى جشع عصابات السطو الإسبانية التي هاجمت المنفيين وقتلت بعضهم حتى اضطر الجنود النصارى أنفسهم إلى حماية المهجرين ، إلى مهاجمة أعراب العدوة المغربية لهم لعلمهم بما يحملونه من أموال وحلي نفيسة ، بل وسبيهم بعض نساء الموريسكيين ، وهو موقف مخز بلا شك ، إذ كيف يوقع المسلمون بإخوانهم المهاجرين فرارا بدينهم هذا الأذى ، ألم يعلم أولئك الأعراب الأجلاف بما لاقاه أولئك المضطهدون في سبيل الفرار بدينهم ؟!!!! ، وقاتل الله الطمع الذي يعمي القلوب .

ومما يزيد القارئ يقينا في تمسك أولئك القوم بدينهم رغم هذه العقود الطويلة من القهر ، ما حكاه موريسكي من موريسكيي "جيان" في كتاب أسماه "الأنوار النبوية في آباء خير البرية" عن تعجب أهل العدوة المغربية من شرف أولئك القوم ، على الرغم من ابتعادهم عن الإسلام عشرات السنين واختلاطهم بالنصارى المنحلين ، ويصف لنا ما كان أبوه يبذله معه سرا من جهد ليعلمه اللغة العربية ، وكيف جاب الأندلس وتلقى العلم على يد سبعة رجال أخذوا عن فقيه أندلسي اسمه الفقيه "اللوطوري" رحمه الله ، وكان ممن قرأ القرآن في مكتب الإسلام في غرناطة قبل استيلاء النصارى عليها ، وقرأ الفقه ، ونقل علمه لأولئك السبعة الذين ظلوا على الرغم من هذا الإرهاب يؤدون رسالتهم سرا ، وقد سمعت في إحدى المحاضرات عن شيخ من إحدى الجمهوريات السوفيتية السابقة ، وأظنه من "أوزبكستان" أو "طاجيكستان" ، يحكي عن محاربة الشيوعيين للإسلام وأهله في الجمهوريات الإسلامية ، حتى اضطر المسلمون لحفظ القرآن في سراديب تحت الأرض ، وكان هذا الشيخ على الرغم من عمره الكبير ، يجوب البلاد طولا وعرضا في سرية تامة ليجمع أطفال كل بلد ينزله في هذه الكتاتيب السرية ليلقي عليهم محاضرات علمية مكثفة في القرآن والسنة ، ثم ينتقل إلى بلد آخر ، وهكذا ، في إخلاص وتفان عجيبين ، وإن الله يصطفي لنصرة دينه من يشاء ، نسأل الله ، عز وجل ، أن يتقبل عملنا وعمله ، اللهم آمين .
ولا زال إخواننا في هذه الجمهوريات يعانون من قهر واضطهاد الحكومات العميلة ، ومذبحة "أنديجان" التي نفذتها القوات الأوزبكية ضد إخواننا العزل بحجة مطاردة أعضاء حزب "التحرير الإسلامي" المحظور ، خير شاهد على ذلك .
ومع التحفظ على أفكار "حزب التحرير" ، إلا أن القوات الأوزبكية تستهدف هذا الحزب لأنه يمثل جبهة إسلامية ولو كانت أفكارها مختلة ، المهم أنها تتبنى الإسلام ، وهذا كاف لإعلان الحرب عليها .

وبانتهاء هذه الهجرة الجماعية التي تكشف زيف ما يدعيه القوم من تسامح ومدنية ، تطوي صفحة الإسلام في الأندلس ، ورغم ذلك ، فإنه ما زالت ، ثمة إلى اليوم ، كما يقول الدكتور "لي" ، في بلنسية وغرناطة ومقاطعة "لامنشا" جماعات من الأسبان تغلب عليها تقاليد الموريسكيين في اللباس والعادات ، ويجهلون الطقوس النصرانية الخالصة . اهــــ

وبالرغم من هذا الظلم الفادح ، نجد ملك إسبانيا في العصر الحاضر ، الملك "خوان كارلوس" يزور أحد المعابد اليهودية في إسبانيا ، مرتديا "الطاقية" اليهودية ، في مداهنة مكشوفة ، ليقدم اعتذار أسبانيا النصرانية عما بدر منها في حق اليهود الذين طاردهم ديوان التحقيق ، ويتجاهل ، في ازدراء واضح ، مشاعر ملايين المسلمين ، فيعرض عن تقديم أي اعتذار ، ولو شكلي ، للمسلمين الذين أعلى الله ، عز وجل ، بهم ذكر الأرض التي يملكها اليوم ، ولولا أمة الإسلام ما ارتفعت أسهم إسبانيا التي عاشت أزهى عصورها في وقت كانت بقية أمم أوروبا غارقة في الظلام ، ولم يطالبه أحد بأن يرتدي الجلباب أو العمامة الإسلامية ليعتذر لأمة الإسلام ، وقاتل الله التعصب الذي يعمي ويصم .
بل تعمد القوم أن تعقد اجتماعات "برشلونة" ، التي كبلت فيها "منظمة التحرير الفلسطينية" بالقيود الثقيلة ضمانا لأمن "إسرائيل" ، تعمدوا أن تعقد في "إسبانيا" سنة 1992م ، في الذكرى الخمسمائة لسقوط آخر قلاع الإسلام في الأندلس ، ليكون الاحتفال مزدوجا ، فانتصار بالأمس في إسبانيا ، وتحطيم للمقاومة اليوم في "فلسطين" الحبيبة ، والقوم لا يهملون قراءة التاريخ ولكنا نحن المهملون .


ومجتمعات الجنوب الإسباني ، على الرغم من اعتناقها النصرانية ، تشبه إلى حد ما المجتمعات الإسلامية في مسألة المحافظة على التقاليد ، فعلى سبيل المثال ، يشكو قاطنو السواحل الإسبانية الجنوبية من تصرفات السياح الإنجليز وغيرهم ، التي تدل على الانحطاط الخلقي الذي وصل لحد التجرد الكامل من الملابس في الشواطئ العامة ، وهو أمر غير مستغرب في المجتمعات الأوربية المنحلة ، بل المستغرب أن ينكر سكان جنوب إسبانيا هذه التصرفات مع كونهم جزءا من المجتمع الأوربي ، ولعل ذلك يرجع إلى بقايا عادات إسلامية حميدة اكتسبها القوم من أصولهم الأندلسية أو من كون أجدادهم نصارى خلصا عاشوا بين المسلمين فاكتسبوا من فضائلهم الشيء الكثير ، والله أعلم .

وقد لمس الأستاذ عنان ، رحمه الله ، أثناء زيارته لــ "غرناطة" الكثير من العادات التي تشي عن تأثر سكان الأندلس ، وخاصة "غرناطة" بالحضارة العربية الإسلامية ، فمن ذلك ما سجله أثناء حديثه مع المفكر والناقد الإسباني المعاصر "مننديث بيدال" :
"أجل ، والكلام لـــ "مننديث" ، لقد تركت الأمة الأندلسية آثارا واضحة في الحضارة الإسبانية ، وفي الحياة الإسبانية العامة ، وفي تقاليد أسبانيا وعاداتها ، وإذا تركنا الآثار والصروح المادية جانبا ، فإن مظاهر هذه الآثار المعنوية كثيرة ، ودعك من الآثار اللغوية فإن هذه معروفة ، وهي ماثلة في كثير من نظمنا ، ويكفي أن نذكر كلمات : "Alcaide" أي "القائد" ، و "Alguacil" أي "الوزير" ، و "Alferez" أي "الفارس" ، و "Almojarife" أي "المشرف" ، للتعبير عن بعض المناصب العسكرية والقضائية ، وفي تقاليد الملوكية الأسبانية ، يبدو أثر التقاليد الملوكية الأندلسية ، فمثلا يقرن ذكر الملك بعبارة "حفظه الله" ، " Guarda Que Dios" ، وهو اصطلاح عربي ، ويبدو هذا الأثر في كثير من العادات والتقاليد الإسبانية في التعامل والأسواق ، وفيما ينادي به الباعة على سلعهم ، وهي نداءات مسجعة ، ترجع إلى أصول أندلسية ، وفي الدعوات الجنائزية ، حيث يقال عن المتوفى "رحمه الله" ، وفي مظاهر التحية ، (فالتحية الإسبانية هي "Ola" أو "أهلا" على الطريقة الشرقية) ، وفي قصة "السيد" ، "El Cid" ، أن التحية تكون بتقبيل الكتف ، وهي عبارة أندلسية ، وهكذا نجد أثر التقاليد والعادات الأندلسية ماثلا في كثير من مظاهر الحياة الإسبانية"

ولم يكن غريبا ، كما يقول الأستاذ عنان رحمه الله ، أن يفتخر كثير من الأسبان بأرومتهم الأندلسية ، ولا سيما في القرنين السابع عشر والثامن عشر حينما بدأ انحلال إسبانيا ، بل لن يدهشك اليوم ، وكلام الأستاذ عنان في الخمسينات أو الستينات ، أن تسمع مثل هذا الاعتزاز بالأرومة الأندلسية من بعض الأسبان ، في بلاد أندلسية عريقة مثل "اشبيلية" و "غرناطة" .

وقد أورد الأستاذ عنان ، رحمه الله ، في ختام موسوعته نماذج من تأثر اللغة الإسبانية باللغة العربية ، فعلى سبيل المثال :
من المسلم أن اللغة الإسبانية هي اللغة اللاتينية الوحيدة التي توجد بين حروفها حروف (الخاء) ، (J : Ge : Gi) ، و(الثاء) ، (Z : Ce : Ci) ، وتمثل في كلماتها بكثرة .
ومن المسلم ، أيضا ، أن كل كلمة إسبانية تبدأ بـــ "أل" التعريف ، (Al) هي عربية الأصل .

ثم أورد نماذج عديدة من هذه الكلمات التي تشترك فيها اللغتان .
بتصرف من "دولة الإسلام في الأندلس" ، (8/438_441) .

ومما يلفت النظر في هذه المأساة ، بقاء كثير من الأسر الموريسكية التي اندمجت في المجتمع الإسباني على صلاتهم الخفية بالماضي البعيد ، حتى القرن الثامن عشر ، فعلى سبيل المثال ضبطت محاكم التفتيش ، جمعا من الموريسكيين في "قرطاجنة" ، "متلبسين" بجريمة إنشاء مسجد صغير سنة 1769م ، أنشأه المتنصرون المحدثون .
بتصرف من "دولة الإسلام في الأندلس" ، (7/409) .

وأذكر أنني قرأت في أحد المنتديات ، أن هذه الصلة الخفية بالماضي المجيد استمرت حتى أوائل القرن التاسع عشر ، على ما أتذكر ، إذ خرج في سنة 1810م ، والتاريخ يحتاج إلى تحقيق ، أحد أبناء إسبانيا النصرانية الكاثوليكية الخالصة ، حاجا إلى مكة ، في واقعة أثارت الدهشة في ذلك الوقت ، إذ كيف استخفى هذا الموريسكي ، ومن وراءه آباؤه وأجداده بدينهم ما يزيد على ثلاثة قرون ، إنه حقا أمر مثير للدهشة والإعجاب في نفس الوقت !!! .

والملامح العربية تبدو ماثلة في ملامح كثير من الأسبان ، ولا سيما أهل الجنوب ، خلاف الشمال الذي يغلب على وجوه أهله الملامح "البشكنسية" و "القوطية" .
ومن يدري ، ربما راجع القوم ، يوما ما ، أصولهم ، وعرفوا ما قدمه المسلمون لهذه الأرض التي كانت قبلة أوروبا في عصور الإسلام الزاهرة .

ونحن لا نتزلف للقوم بهذا القول ، وإنما هي حقائق ماثلة ، ويدنا عليهم يد عدل وإحسان ويدهم علينا يد بطش وإرهاب ، فأي الفريقين أحق بالعز والشرف ؟!!!! ، من أراد الجواب فليسأل دولة التاريخ ، ولو نطقت سهول الأندلس وجبالها لأجابتك .

ومع بني وطاس والسعديين ، تكون الوقفة التالية إن شاء الله .

أبو المهاجر المصري
26Jul2006, 02:14 صباحاً
بسم الله

السلام عليكم

ودولة بني وطاس دولة محلية ، إن صح التعبير ، فحالها حال معظم الدول الإسلامية في عصرنا الحاضر ، لا تصلح لأكثر من أن تكون حكومة محلية أو حتى "مجلس محلي" لإدارة مدينة صغيرة أو قرية نائية ، وهم فرع من بني مرين ، اضطرتهم ضربات السلطان عبد الحق ، آخر سلاطين بني مرين ، إلى الانزواء حينا حتى زالت ، دولة عبد الحق ، وتولى القيادة الشريف محمد بن علي الإدريسي ، سنة 868 هــــ ، فجهز محمد الشيخ الوطاسي ، جيشا لانتزاع الحكم من الإدريسي ، ودخل معه في صراع كلف الأمة المغربية سقوط العديد من الثغور المهمة كـــ "سبتة" و "طنجة" و "أصيلا" ، في أيدي نصارى البرتغال الذين كانوا قوة بحرية عظمى في تلك الآونة ، بل امتدت أطماعهم إلى المناطق الداخلية ببلاد المغرب ، وامتد نفوذهم إلى زعماء القبائل والأهالي الذين تعاملوا معهم ووجدوا مصالحهم الذاتية في الخضوع لهم .

فلم يكتف الأسبان والبرتغال بما استولوا عليه من موانئ استراتيجية على سواحل البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي ، اتخذوها مراكز لتموين سفنهم وأساطيلهم في طريقها إلى الهند والشرق الأقصى ، وإنما طمعوا في مد نفوذهم إلى داخل الأراضي المغربية .

أضف إلى ذلك وقوع "غرناطة" ، في أيدي النصارى أثناء حكم بني وطاس ، ودخولهم في تحالفات مشبوهة مع النصارى للسيطرة على المغرب ، فكان عصرهم من أسوأ عصور المغرب ، الأمر الذي حفز المخلصين من أبناء المغرب على إقامة إمارات محلية أخذت على عاتقها جهاد النصارى ، وعلى رأس هؤلاء ، "السعديون" ، الذين رفعوا لواء الجهاد ، ونجحوا في كسب ود الطرق الصوفية وزعماء القبائل ، فتوحدت القوى لمجابهة العدو النصراني ، وبالفعل حققت الجبهة السعدية انتصارات كبيرة ، فتحررت المناطق المحتلة وسقطت دولة بني وطاس الضعيفة ، على يد الزعيم محمد الشيخ السعدي الهاشمي القرشي ، سنة 956 هـــ ، ولكن "أبا حسون الوطاسي" ، استطاع التحالف مع العثمانيين ، وهزم السعديين في فاس سنة 961 هـــ ، فأعاد الشيخ محمد الهاشمي الكرة ، ونجح في إقصاء بني وطاس نهائيا سنة 961 هــــ ، ليدخل المغرب الحبيب عصرا جديدا تحت قيادة "السعديين" ، ويودع عصرا من أكثر عصوره خمولا وضعفا وهو عصر "بني وطاس" .

ووقفة مع الطرق الصوفية التي انتشرت في المغرب العربي ، بل وفي كل دول العالم الإسلامي ، في تلك الآونة ، بما فيها دولة الخلافة في "إسلام بول" ، فالدولة العثمانية ماتريدية الاعتقاد ، حنفية المذهب حتى النخاع فلا صوت يعلو فوق صوت الأحناف ، رحمهم الله ، وإن كان الحق مع غيرهم وهذا أمر ملموس في دول المشرق الإسلامي كــ "تركيا" و "أفغانستان" و "باكستان" و "الهند" والدول الإسلامية التي قامت على أنقاض الاتحاد السوفييتي ، فقد كان التقليد والجمود فاشيا في الأمة آنذاك ، وهي مع ذلك صوفية الطريقة ، فارتباط دولة بني عثمان بالطرق الصوفية ، منذ نشأتها ، أمر لا يستطيع أحد إنكاره ، وعلاقة الانكشارية بالطريقة "البكتاشية" ، أشهر من أن تذكر ، ورغم ذلك ، وعلى غير عادة صوفية زماننا ، كان القوم مجاهدين أبطالا ، رغم الخلل الذي تفشى لعقائدهم ، فصوفية "المغرب" و "الجزائر" ، أثناء الاحتلال الفرنسي ، صوفية مجاهدة ، بشكل عام ، لأنه وجد منهم من خان الأمة وتحالف مع المستعمر ، وكذا صوفية "بني عثمان" : صوفية مجاهدة طرقت أبواب "فيينا" العاصمة النمساوية ، ولكنها حملت في جوفها بذرة الخلل التي نمت ونمت حتى أثمرت ضعفا أسقط الخلافة بعد ذلك بقرون ، فالقوم ، كما سبق ، ماتريدية ، عندهم من الخلل في مسائل الأسماء والصفات والإيمان ما عندهم ، فهم كالأشاعرة تقريبا ، لا يثبتون إلا صفات المعاني ويتأولون باقي الصفات الذاتية الخبرية كــ "اليد" و "العين" ......... الخ ، والصفات الفعلية كــ "الغضب" و "الرضا" ....... الخ ، وهم في مسائل الإيمان : مرجئة ، يخرجون العمل عن مسمى الإيمان ، وهي بلية ما زال العالم الإسلامي يعاني من آثارها حتى الآن ، فالتواكل والتكاسل عن العمل تكرس في الأفئدة اعتمادا على هذا الرأي الفاسد ، ناهيك عن بدعهم المتعلقة بالتصوف ، ومع ذلك كان للقوم ، كما سبق ، يد ، وأي يد في رفع لواء هذا الدين ، وهذا بطبيعة الحال يختلف عن حال صوفية "التكايا" و "الموالد" و "تدخين الشيشة" المنتشرة في أيامنا هذه ، ومن أراد الاستزادة من أخبارها ، أو فضائحها إن شئت الدقة ، فليزر حيا كحي "الحسين" عندنا في القاهرة أثناء انعقاد المولد الذي ينسبونه زورا للحسين ، والحسين ، رضي الله عنه ، منهم براء ، أو ليزر مدينة كـــ "طنطا" أثناء انعقاد مولد المدعو "أحمد البدوي" ، ليرى ويحكم بنفسه ، ومحدثكم ممن عايش هذه المهازل عن قرب بحكم أن دراستي الجامعية كانت في مدينة "طنطا" ، وما أدراك ما "طنطا" ؟! ، والله المستعان .

ويحلل الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، أسباب سقوط الدولة الوطاسية فيقول :
أولا : دخولهم في معاهدات مع النصارى المحتلين من الإسبان والبرتغال من أجل مصالحهم وسلطتهم ونفوذهم ، فانحلت عقدة الولاء والبراء في قلوبهم ، وأصبح الولاء للمصالح والكراسي ، كما هو حال الأمة في العصر الحاضر .
ثانيا : عجزهم عن الوقوف بجانب مسلمي الأندلس والدفاع عنهم وحمايتهم ، بل قل : عجزهم عن حماية أنفسهم فضلا عن غيرهم .
ثالثا : ظهور الحركة الجهادية التي جعلت أهداف الشعب المغربي في أولوياتها ، وقد تزعم السعديون هذه الحركة .
رابعا : الضعف الاقتصادي الذي أصاب الدولة بسبب استيلاء النصارى على الحركة التجارية في الموانئ ، فلا قدرة عسكرية ولا اقتصادية ، على طريقة :
لا خيل عندك تهديها ولا مال ******* فلتسعد القول إن لم تسعد الحال
ومع بني وطاس لا خيل ولا مال ولا قول ولا حال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
خامسا : التفكك السياسي بسبب الحروب الداخلية الطاحنة بين المغاربة ، فكل قبيلة أشبه بالدولة ، وكأننا أمام دويلات طوائف أخرى على الضفة المقابلة للأندلس .

وأما السعديون فإنهم ، كما رجح الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، ينتمون للبيت العلوي الذي ترجع نسبته إلى أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، من جهة الحسن السبط ، وبداية هذه الدولة التي ردت للمغرب الحبيب كثيرا من هيبته المفقودة ، مع الشريف أبي عبد الله محمد القائم بأمر الله ، وكان مقيما ببلاد "درعة" فبايعته القبائل المغربية على جهاد نصارى إسبانيا والبرتغال ، وتمكن بهذه القوة الناشئة من خوض معارك ضارية ضد النصارى ، حقق فيها انتصارات رائعة ، بفضل الله عز وجل ، واستمر في جهاده المبارك حتى توفي ، رحمه الله ، سنة 923 هـــ ، فخلفه ابنه أبو العباس أحمد الأعرج الذي واصل مسيرة والده ودخل "مراكش" الحبيبة سنة 930 هـــ ، فجعلها قاعدة ملكه ، واتفق مع بني وطاس سنة 940 هـــ على تقسيم المملكة المغربية إلى شطرين ، كان نصيب السعديين منهما الشطر الممتد من "تادلة" إلى بلاد "السوس" ، ومن ثم انتزع أبو عبد الله محمد الشيخ الأخ الأصغر للأعرج الملك من أخيه ، وأزاح بني وطاس ، سنة 961 هــ ، كما تقدم ، فصار له ملك المغرب بأكمله ، ولكنه قتل بعد ذلك بثلاث سنوات سنة 964 هـــــ ، فتولى زمام الأمور من بعده ابنه عبد الله الغالب فحفيده محمد المتوكل الذي كان فظا مستبدا ، سفاكا للدماء ، مما حمل عميه أبو مروان عبد الملك وأبو العباس أحمد ، على التحالف مع بني عثمان في الجزائر ضد ابن أخيهما ، وسافر أبو مروان إلى "الأستانة" وطلب من السلطان سليم نجدته ، ولكن الأخير انشغل عنه بتخليص "تونس" من قبضة الأسبان ، فأرسل حملة بقيادة "سنان باشا" ، انتظم فيها أبو مروان عبد الملك وأبلى بلاء حسنا ، وكان أول من أبلغ بشارة الفتح إلى السلطان ، فكافئه بأن أمر صاحب الجزائر أن يمده بالجنود لانتزاع ملك المغرب من "المتوكل" ، وبالفعل تمكن "أبو مروان" من انتزاع الملك وخلع المتوكل سنة 983 هـــ ، وبايعه أهل المغرب .

وتلقب "أبو مروان" ، بـــ "المعتصم" ، وكان ، رحمه الله ، جديرا بهذا اللقب ، إذ كان ملكا حباه الله من صفات الملك الكثير ، فصرف همته لبناء دولته فاهتم بالجيش والأسطول البحري على وجه الخصوص لمواجهة طغيان أساطيل إسبانيا والبرتغال ، واهتم بالتجارة البحرية ، وكان للأموال التي غنمها من الحروب الدائمة على سواحل المغرب سبب في انتعاش ونمو الميزان الاقتصادي للدولة .
وعلى المستوى الإداري الداخلي ، اهتم المعتصم بالتراتيب الإدارية ، فقويت في عهده مؤسسات الدولة وداوينها وأجهزتها التنفيذية .
وعلى المستوى السياسي الخارجي ، اهتم المعتصم بتقوية تحالفه مع العثمانيين ، الخلفاء الشرعيين ، والإخوة المخلصين لأبناء دينهم من مسلمي المغرب .
وقد فرض هذا الملك ، "الملوكي" إن صح التعبير ، احترامه على أهل عصر ، حتى الأوربيين منهم ، وعنه يقول الشاعر الفرنسي "أكبريبا دو بيني" المعاصر لأحداث تلك الفترة : (كان عبد الملك جميل الوجه ، بل أجمل قومه ، وكان فكره نيرا بطبيعته ، وكان يحسن اللغات الإسبانية والإيطالية والأرمينية والروسية ، وكان شاعرا مجيدا في اللغة العربية ، وباختصار ، فإن معارفه لو كانت عند أمير من أمرائنا لقلنا إن هذا أكثر مما يلزم بالنسبة لنبيل ، فأحرى لملك) .

وقد قفز إلى ذهني لحظة كتابة هذه الكلمات ، أحد بروتوكولات حكماء صهيون ، وملخصه ، أن حكومتهم السرية التي تتحكم في مراكز صنع القرار في العالم في العصر الحاضر ، تهتم دوما باختيار صعاليك كل أمة ليكونوا حكامها ، مع دعاية إعلامية ضخمة تصور هذا الحاكم الجاهل على أنه أعلم أهل زمانه وأحق الناس بتولي الإمارة والملك ، مع أنه يفتقد لأبجديات العلوم الشرعية ، إن كان حاكما لدولة مسلمة ، والإنسانية والتقنية التي تؤهله لقيادة بلد مسلم ، أو حتى غير مسلم ، والناظر في حال حكام الأمة الإسلامية في العصر الحاضر يجد أكثرهم إن لم يكن كلهم من هذا الطراز الرديء ، إلا من رحم ربك ، والحاكم صورة أمته ، فإن كانت قوية كان قويا ، والعكس .

ولا مطمع لآل صهيون في أمثال أبي مروان المعتصم .

وكانت أعظم انتصارات المغرب في العصور الوسطى ، انتصار معركة "وادي المخازن" أو "القصر الكبير" في 30 جمادى الثانية سنة 986 هــــ ، 4 آب أغسطس 1578 م ، إذ لجأ المتوكل ، الملك المخلوع ، إلى ملك البرتغال النصراني المتعصب "سبستيان بن يوحنا" ، ليعاونه على استرداد ملكه ، فاشترط "سبستيان" على المتوكل ، المخذول ، أن يعطيه سائر سواحل المغرب ويكون للمتوكل ما وراءها ، ليمحوا عن مملكته عار وخزي الهزائم المتوالية التي لقيتها أساطيلها على السواحل المغربية ، فضلا عن رغبته الجامحة في تطويق العالم الإسلامي بعد اكتشافات البرتغال الجغرافية الحديثة .

وبالفعل تمكن "سبستيان" من حشد عشرات الألوف من البرتغال والإسبان والطليان والألمان ، وجهزهم بأحسن جهاز ، وجهز ألف مركب لتحملهم إلى السواحل المغربية .

وفي المقابل كانت الصيحة على الضفة المغربية : "أن اقصدوا وادي المخازن للجهاد في سبيل الله" ، فاشتعلت الروح الإسلامية في أرجاء المغرب كله ، تماما كاشتعالها لما استنفر أبو يوسف يعقوب المنصور ، رحمه الله ، أهل المغرب للقاء نصارى أسبانيا في موقعة "الأرك" ، ولكن الاستنفار هذه المرة لم يكن هجوميا وإنما كان دفاعيا ، فقد انقضى زمن المبادرة ، وأصبحنا أصحاب ردود الأفعال لا الأفعال نفسها ، وفي العصر الحاضر عدمنا الفعل ورده .

وحاول المتوكل أن يخترق الصف المسلم ، فكتب إلى أهل المغرب : ما استصرخت بالنصارى حتى عدمت النصرة من المسلمين ، واخذ يحشد الأدلة الشرعية التي طوعها ليبرر بها خيانته ، ولكن علماء المغرب تصدوا لهذا الاختراق وأبطلوا حججه الواهية ، والأمر ظاهر لكل ذي لب .

وكتب عبد الملك إلى سبستيان من مراكش خطابا ذا سمة كسمة خطاب "الرشيد" ، رحمه الله ، لـــ "نقفور" كلب الروم ، جاء فيه : (إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك ، وجوازك العدوة ، فإن ثبت إلى أن نتقدم عليك ، فأنت نصراني حقيقي شجاع ، وإلا فأنت "كلب بن كلب"!!!!) ، ولم يتعود المغرب هذه اللهجة الحاسمة منذ زمن بعيد .

فاشتعل قلب سبستيان غضبا ، وقرر التوقف لانتظار قوات المعتصم ، رغم مخالفة أركان جيشه الذين أشاروا عليه بالتقدم لاحتلال "تطوان" و "العرايش" و "القصر" .

وفي نفس الوقت تحركت قوات عبد الملك المعتصم بالله ، وسار أخوه أحمد المنصور بأهل فاس وما حولها وكان اللقاء قرب محلة القصر الكبير .

ويعرض الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، قوى الطرفين في إحصائية رقمية ملخصها :
أن تعداد الجيش البرتغالي كان : 125000 مقاتل ، والرواية الأوربية ، كعادتها ، تقلل من ضخامة الانتصار الإسلامي ، فتقول بأن تعداد الجيش البرتغالي كان 14000 راجل ، و 2000 فارس ، و36 مدفعا ، مقابل : 50000 راجل في الجيش المغربي ، و 22000 فارس ، و 1500 من الرماة ، و 20 مدفعا ، ولم تذكر الرواية عدد المردة والعفاريت الذين انتظموا في الجيش المغربي !!!!! .

وكان مع الجيش البرتغالي : 20000 إسباني ، و 3000 ألماني ، و 7000 إيطالي ، وغيرهم ، بالإضافة إلى المتوكل في شرذمة تتراوح ما بين 300 _ 600 رجل على الأكثر .

وأما الجيش المغربي فكان تعداده : 40000 مجاهد ، يملكون تفوقا في الخيل ومدافعهم أربعة وثلاثون مدفعا .

وقد أظهر المعتصم ، رحمه الله ، في هذه المعركة عبقرية عسكرية فذة ، إذ نجح في عزل سبستيان عن أسطوله ، واستدرجه إلى مكان المعركة الذي حدده بنفسه ، ونجح الجيش المسلم في امتصاص الصدمة الأولى ، وفاضت روح المعتصم ، رحمه الله ، في أرض الميدان ، إذ خرج من "مراكش" ، على رأس جيشه ، رغم مرضه الشديد ، فلم يكن لأمثاله أن يموتوا إلا في ميادين الوغى ، وتولى القيادة بعده أخوه المنصور الذي كتم نبأ وفاته ، واستطاع إدارة باقي المعركة بحنكة عسكرية لا تقل عن حنكة أخيه ، فهاجم مؤخرة الجيش البرتغالي ، واضطره للفرار أمامه باتجاه القنطرة التي نسفها المسلمون قبل بدء المعركة ، فارتمى النصارى في النهر ، وهلك منهم من هلك غرقا ، وهلك معهم "المتوكل" الخائن ، وصرع "سبستيان" مع ألوف الجند حوله ، وكان يوما مشهودا انتظره المغرب الحبيب 312 عاما منذ آخر انتصار حقيقي حققه المسلمون على النصارى بقيادة أبو يوسف يعقوب المريني سنة 674 هـــ .

وقد ذكر الدكتور الصلابي ، حفظه الله ، عدة نتائج مهمة لهذا الانتصار العسكري الباهر ، استوقفني منها قوله :
حدث تحول جذري في التفكير والتخطيط ، على مستوى أوروبا ، حيث رأوا أهمية إتقان الغزو الفكري لبلاد المسلمين ، لأن سياسة الحديد والنار تحطمت أمام إرادة الشعوب الإسلامية في المشرق والمغرب .

فقد أدركت أوروبا ، أخيرا ، أن الزي العسكري الصليبي ، لن يجدي في غزو الأمة الإسلامية ، لأنه زي واضح مكشوف ، فلجئوا لزي أخطر ، وهو الزي الثقافي ، الذي تمثل في الغارة الثقافية التي شنتها أوروبا على العالم الإسلامي ، مستغلة حالة النشاط العلمي الذي دب في أركانها ، وهو عند التحقيق مقتبس ، أو إن شئت الدقة : مسروق ، من تراث المسلمين العلمي ، في مقابل حالة الجمود والتخلف الفكري الذي أصاب أمة الإسلام في عصور التقليد المتأخرة ، فراحوا يعدون "طبقة بديلة" من العلمانيين المأجورين ، لقيادة الأمة بالنيابة عنهم ، وغذتهم بشتى الشبه والأكاذيب التي تزعزع ثقة المسلمين في دينهم وتاريخهم المجيد وعلومهم الرائدة ، حتى أصبح المسلم اليوم ، لجهله بحقيقة تاريخه ، يخجل من ذكره ، لأنه وصل إليه مشوها بأقلام المستشرقين وأذنابهم ، وانهزم عامة المسلمين نفسيا أمام الغزو الفكري القادم من الشاطئ الآخر ، وظن البعض أن الوصول إلى ما وصلت إليه أمم الغرب من تقدم "مادي" ، لا يكون إلا بطرح الإسلام ، كما طرحت أوروبا النصرانية ، وشتان الدين الحق دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين النصرانية المشوه الذي حجر على أفكار علمائهم وأدباءهم وتسبب في تخلف أوروبا عن ركب الحضارة الإنسانية قرونا كان فيها الإسلام بعلومه وآدابه هو فارس الحلبة بلا منازع ، فلا يستوي من طرح نصرانية أوروبا المتحجرة ، ومن طرح دين الإسلام ، فالأول تخلى عن باطل فقد يرزق بعض الحق في علوم الدنيا ، والآخر طرح الحق الذي لا مرية فيه فأنى له أن يرزق خيرا في دينه أو دنياه ؟! ، بل إن واقع العلمانيين ، في عصرنا الحاضر ، يؤكد فشلهم الذريع في تقديم حلول لمشاكل الأمة ، فالقوم ما فتئوا يقلدون أمم الغرب في الكفر والإلحاد والانحلال ، فاستوردوا أخبث ما في جعبة القوم وفشلوا في نقل أي تكنولوجيا حديثة للأمة الإسلامية ، وإنما عملهم الدائم : القدح في الإسلام وتمجيد الحضارة الغربية وبث الشبهات في أوساط المسلمين ورمي الملتزم منهم بالإرهاب والتطرف والجمود والرجعية ........ الخ ، والدعوة علانية لخلع الإسلام وأحكامه ، ومحاربة الشريعة الإسلامية ولو في أدق الشعائر ، والدعوة لفصل الدين عن الدولة وقصره على المسجد بضوابط يضعونها ، ورصد أي ظاهرة إسلامية كالحجاب ونحوه لمهاجمتها ، وكل هذا يتم تحت ستار "حرية الفكر" ، وإن شئت الدقة فقل : "حرية الكفر" .
ولطالما خدعت الشعوب الإسلامية المعاصرة ولا زالت ، بصنائع الغرب التي سلطت عليها الأضواء لتكون نموذجا يحتذي به الشباب المسلم ، كطبقة "دعاة التنوير" التي أظلمت سماء الأمة بهم في بداية القرن الماضي ، واتشح بعضهم برداء الدين والإصلاح ليغرر بالشعوب المسلمة ويقودها إلى طرح الدين من حيث لا تشعر ، وإذا قمت تنقد واحدا منهم نقدا منهجيا ، انهالت عليك الاتهامات بالقدح في "رموز الأمة" ، وأمة رموزها دمى كهذه الدمى كيف تفلح بربك ؟!!! .

إن أي أمة على وجه البسيطة قد تفلح إن طرحت ماضيها إلا هذه الأمة ، فإنها إن لم تستمسك بماضيها المتمثل في آخر رسالات السماء ، وسيرة الأصحاب ، رضوان الله عليهم ، والقرون المفضلة ، فلا فلاح لها في دين أو دنيا ، ولسنا بحاجة إلى استيراد أخلاق أمم تضاجع الحيوانات لننهض من كبوتنا ، وإنما أقصى ما نحتاجه منهم علوم الدنيا التي سبقونا فيها ، وما عدا ذلك من عقائد وشرائع وأخلاق ، فعندنا منها ما نسود به الدنيا إن التزمنا به .

وبعد المعتصم ، رحمه الله ، جاء أبو العباس أحمد المنصور بالله الذهبي الذي قاد المرحلة الأخيرة من معركة "وادي المخازن" ، وكان ، رحمه الله ، كأخيه ، عالما ، ذكر له الدكتور الصلابي ، عددا من الشيوخ الذين تتلمذ على أيديهم ، ومن أبرزهم :
أحمد بن علي المنجور ، المعروف بتبحره في العلوم واهتمامه بالفنون ، وتوسعه في علم النحو والبلاغة والمنطق وعلم الكلام ، وإن كان الأخيران قد جرا على عقيدة المسلمين ما جراه .
و : شقروان بن هبة الله الوهراني ، الذي درس عليه الفقه والتفسير وغيرها من العلوم .
و : أبو زكريا يحيى السراج .
و : محمد بن يوسف الدرعي .
و : سليمان بن إبراهيم .
و : موسى الروداني .

ثم ذكر له قائمة من المؤلفات منها :
أولا : "المعارف في كل ما تحتاج الخلائق" ، وهو كتاب في الشئون السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تهم أي حاكم .
ثانيا : مؤلف في دراسة حديث : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" .
ثالثا : كتابات أدبية وشعرية متميزة ، تظهر فيها المحسنات البديعية أحيانا .

فما أشبهه بـــ "يوسف بن عبد المؤمن" الموحدي وابنه "أبي يوسف يعقوب المنصور" ، فهو رجل ضليع في العلم والسياسة يضع التصانيف في شتى العلوم مع حنكة سياسية وعسكرية فائقة تؤهله لقيادة الأمة ، وهكذا فليكن حكام أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

وهو مع ذلك نتاج المدرسة الفكرية الإسلامية ، فعلومه إسلامية خالصة ، وانتماؤه إسلامي صرف ، فأين هذا من أبناء الحكام في زماننا الذين يحرص آباؤهم في بلاهة منقطعة النظير على إلحاقهم بأشهر الأكاديميات العسكرية والسياسية الغربية ، كأكاديمية "سانت هرست" العسكرية البريطانية ، على ما أذكر من اسمها ، ولها شهرة ذائعة بين أوساط أبناء الملوك في العالم الإسلامي ، ومن قبلها كلية "فكتوريا" ، عندنا في مدينة الإسكندرية ، ومنها تخرج بعض ملوك العصر الحاضر ، وهي معروفة بولائها الكامل للتاج البريطاني ، ولا اعتراض على تلقي العلوم الغربية الحديثة ، ولكن الاعتراض على جعلها هي الأصل ، فهؤلاء لم يتلقوا أي علوم إسلامية تحفظ عليهم ولائهم وانتماءهم لأمتهم ، بل على العكس أعرضوا عنها ، جملة وتفصيلا ، لأنها في نظرهم علوم تقليدية بالية ، لا يستفيد منها الإنسان "المتحضر" شيئا ، وإنما يطلب العلم من أكاديميات الشرق والغرب ، حتى وصل الأمر ، كما قرأنا على صفحات من الشبكة العالمية ، إلى أن إحدى زوجات الملوك العرب المعاصرين من خريجي الجامعة الأمريكية عندنا في مصر "أفتت" بجواز ارتداء المرأة رداء البحر دون حرج لأنها لم تجد طوال بحثها أي دليل شرعي يمنع من ذلك !!!!! ، ولا زال في جعبة القوم الكثير من المفاجآت ، وربنا يستر .

لقد شاهدنا الخلافة العثمانية في عصر السلطان محمود الثاني ، تجنح إلى "علمنة الدولة" بحجة تطوير مؤسساتها ، فارتمى السلطان محمود في أحضان الغرب ، حتى وصل الأمر بخليفة المسلمين إلى نبذ الزي الإسلامي وخلع العمامة وحلق لحيته ، بحجة مواكبة العصر ، وهو أمر قد لا يبدو مستغربا في العصر الحاضر فكل حكام العالم الإسلامي ، تقريبا ، في زماننا من حليقي اللحى ، أصحاب "الكرافتات الشيك" ، ولكنه كان مستغربا أشد الاستغراب في عصر "سليم الأول" الذي كان أول سلطان يقدم على هذا الفعل المخل بالمروءة وتلاه بعد عدة أجيال السلطان محمود الثاني الذي لم يكتف بحلق لحيته بل حلق جل المظاهر الإسلامية في دولته بحجة مواكبة العصر ، كما تقدم ، وفي نفس الوقت ، وقعت الخلافة العثمانية في الغلطة الكبرى التي عجلت بانهيارها ، إذ بعث سلاطين آل عثمان وفودا من الشباب الغض الذي لم يحصن بعقيدة قوية تحميه من الانجراف في تيار المدنية الغربية بكل مفاسدها ، بحجة تحصيل العلوم الحديثة ، وهو أمر بلا شك محمود ، ولكن نوعية المختارين كانت رديئة فبعثوا شبابا سرعان ما انهزم أمام الأفكار الغربية ، وانخرط في المحافل الماسونية ، ونبذ تعاليم الإسلام جملة وتفصيلا ، وكان نواة لحركات سرية علمانية ، كـــ "حركة الاتحاد والترقي" ، قوضت أركان الدولة بعد ذلك ، وأوصلت "تركيا" إلى ما هي عليه الآن من علمانية متطرفة تحارب الدين والأخلاق بمنتهى الشراسة ، وإن كان الوضع قد تحسن كثيرا عما كان عليه في بدايات القرن الماضي الذي شهد انهيار الإسلام في هضبة الأناضول بقيادة الهالك "مصطفى كمال أتاتورك" .
وكذلك كان حال مصر في نفس التوقيت تقريبا إذ ظهر محمد علي ، الذي حارب الأزهر وعلماءه بمنتهى الشراسة ونجح في إقصائهم عن مهمتهم التاريخية في قيادة الشعب المصري المعظم للأزهر وعلمائه ، وقضى على القوة المملوكية التي لعبت دورا كبيرا في الحياة السياسية والعسكرية المصرية ، وحارب دعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، رحمه الله ، بأمر السلطان محمود الثاني ، ثم قام بإرسال نفس البعثات التي هزمت هي الأخرى هزيمة منكرة كنظيرتها العثمانية أمام التيار الغربي الجارف ، حتى عاد الشيخ رفاعة الطهطاوي ، المرشد الروحي لهذه البعثة ، إن صح التعبير ، عاد ليشيد بالرقص الأوربي الهادئ على أنغام الموسيقى الكلاسيكية الناعمة ، خلاف الرقص الشرقي الذي يتسم بالصخب والهمجية !!!!! ، وإذا كان هذا هو حال شيخ البعثة ومرشدها فما بالك بحال بقية أفرادها ، وما كل هذا البلاء إلا بسبب ضعف التكوين الديني والإعراض عن تلقي العلوم الإسلامية ، التي تحصن الفرد المسلم ضد الغزو الفكري الخارجي .

وقد وصف السلاوي أبا العباس ، رحمه الله ، بقوله : (نشأ المنصور في عفاف وصيانة وتعاط للعلم ومثافنة لأهله عليه ، أي ملازمة ، وكانت مخايل الخلافة لائحة عليه من نعومة أظفاره ، وكان طويل القامة ممتلئ الخدين ، واسع المنكبين ، تعلوه صفرة رقيقة ، أسود الشعر ، أدعج أكحل ، ضيق البلج ، وهو ما بين الحاجبين ، براق الثنايا ، حسن الشكل ، جميل الوجه ، ظريف المنزع ، لطيف الشمائل) .

وبرحيل أحمد المنصور الذهبي ، رحمه الله ، رحل آخر الرجال المحترمين ، إن صح التعبير ، في المغرب الحبيب ، ودخلت البلاد في صراعات مريرة على الحكم ، انتهت بانهيار الدولة السعيدية ، سنة 1069 هــــ ، واستولى عرب الشبانات على الحكم ، وبايعوا زعيمهم : إبراهيم بن عبد الكريم ، وسرعان ما سقط هذا الحكم الانتقالي الهش على أيدي الأسرة العلوية سنة 1075 هــــ ، التي ما زالت تسيطر على مقاليد الأمور في المغرب الحبيب حتى ساعتنا هذه ، فهي بذلك تعد أقدم الأسر الحاكمة في العالم العربي ، والله أعلم .

وعصر المعتصم والذهبي ، رحمهما الله ، يقفز بذهن المرء إلى عصر السلطان العظيم : عبد الحميد الثاني ، رحمه الله ، آخر سلاطين بني عثمان ، فهما عصران ذهبيان يشكلان خاتمة دولتين إسلاميتين كان لهما دور بارز في حمل لواء هذا الدين ، وإن كان دور الأولى إقليميا لم يتعد حدود المغرب خلاف الثانية التي كان دورها عالميا تخطى حدود الأناضول ليغطي مساحة 20 مليون كيلومتر مربع في يوم من الأيام ، فقد كان السلطان عبد الحميد ، رحمه الله ، هو الآخر آخر رجال خلافة بني عثمان المحترمين ، فقام بجهود عظيمة لخدمة أمة الإسلام ، على ما وقع فيه من بعض المخالفات الشرعية نتيجة ميوله الصوفية ، ولكن الماء ، كما تقدم ، إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، فقام بإصلاحات حقيقية لإنعاش الدولة المحتضرة ووقف ضد المطامع اليهودية في فلسطين ، وكان طوال سنوات حكمه ، الذي امتد 34 عاما سدا منيعا ضد الأطماع الروسية والإنجليزية والفرنسية ، حتى نجح اليهود في إقصائه ، فانتهت الدولة نهاية فعلية برحيله ، ورجل كهذا يستحق الدعاء بالرحمة والمغفرة بلا جدال ، وسامحوني إن بالغت بعض الشيء في مدح هذا الرجل فالقلب يحمل له الكثير من الإجلال والتقدير .

وأما المغرب الحبيب ، اليوم فإنه ، كما هو معلوم ، ينقسم إلى أربع دول :
يجاورنا منها دولة "ليبيا" الحبيبة : التي تعيش أزهى عصور "القمع الديني والفكري والسياسي" ، تحت قيادة الأخ العقيد ، الذي يؤكد في كل مناسبة على تخليه عن حكم البلاد وأنه يدير شؤونها كـــ "أخ" لكل أفراد شعبه ، مع أن الواقع يشهد بخلاف ذلك ، ولا شك أن تناقضاته الشديدة تورث الحيرة فمن متشح برداء الزعامة العربية والإفريقية ضد الهيمنة الأمريكية ، كما كان يدعي ، إلى مستسلم استسلاما كاملا للقوى الغربية في قضايا "لوكيربي" والأسلحة النووية التي بعث بمكوناتها ، بنفسه ، لتعرض في إحدى المعارض العسكرية الأمريكية ، ويبدو أنها كانت تستحق "الفرجة" .
وفي تونس الحبيبة ، يزداد الوضع سوء ، إذ تفرض السلطات التونسية على الشعب علمانية متطرفة إلى حد بعيد يكاد يقترب من علمانية دولة "أتاتورك" ، فيخرج علينا وزير الأوقاف والشئون الدينية التونسي ليهاجم الحجاب بعد انتشاره في أوساط الفتيات التونسيات بشكل ملحوظ ، ويصفه رئيس الدولة في موقف عجيب بأنه "رمز خارجي" غريب عن تقاليد المجتمع التونسي ، أو كلمة كهذه فلا أذكر النص بالضبط ، ومن قبله وصفه "بو رقيبة" المشكوك في قواه العقلية بأنه "زي طائفي" ، يكرس الطائفية في المجتمع التونسي المنفتح ، وتسن القوانين الرسمية لمنع تعدد الزوجات ، حتى وصلت نسبة العنوسة في المجتمع التونسي ، وعدد أفراده لا يتجاوز 7 ملايين نسمة ، على ما أذكر ، تصل إلى 38% ، حسب آخر إحصائية قرأتها على صفحات موقع مفكرة الإسلام ، وتصدر وزارة داخليتها بطاقات ممغنطة لكل مصل لا تسمح له إلا بالصلاة في مسجد واحد فقط ......... الخ ، من القوانين الغريبة على مجتمع كالمجتمع التونسي ، الذي شهدت قيروانه أزهى عصور المد الإسلامي العسكري والعلمي باتجاه الغرب الإفريقي .

وفي الجزائر الحبيب ، ما زال المجتمع الجزائري يلملم جراحات السنين الأخيرة ، بعد الصدامات الدامية بين الجيش العلماني والجماعات الإسلامية التي ثبت تورط الجيش في افتعال كثير منها للإساءة للناشئة الإسلامية في الجزائر بعد اكتساحها للانتخابات أوائل العقد الأخير من القرن الماضي ، وما شاهدته في كثير من المنتديات الإسلامية يبشر بحركة علمية ناهضة في الجزائر ، فكثير من طلاب العلم الجزائريين يتفاعلون مع هذه المنتديات ، وليس غريبا أن ينهض المجتمع الجزائري الصلب من هذه الكبوة وهو الذي قاوم الاستعمار الفرنسي 130 عاما ، لم تنجح فيها فرنسا من النيل من دينه وإن نالت من لغته ، ولكل معركة خسائر ، والمسئولية الملقاة على شباب الصحوة الإسلامية في بلد كالجزائر ، عظيمة لتعويض هذه الخسائر ، وبلد أنجبت رجالا كـــ : المعز بن باديس رحمه الله قديما ، والشيخ الإمام المجدد عبد الحميد بن باديس رحمه الله حديثا ، ليس بمستغرب أن ينجب أئمة يجددون لأهل الجزائر الحبيب دينهم ولغتهم ، فالجزائر عربية إسلامية وإن أبت فرنسا وعملاؤها .

وأما المغرب الحبيب فهو أحسن بلاد المغرب حالا ، فالدعاة وطلبة العلم فيه أكثر من أي بلد آخر من بلدان المغرب ، وهم يتميزون بمالكيتهم العريقة ، مع تضلع كبير من علوم الآلات كالنحو والأصول ....... الخ ، ومن خير من يمثلهم : "جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة بمراكش" التي يترأسها الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي ، حفظه الله ، عميد المدرسة السلفية المعاصرة في المغرب ، وصراعهم مع الطرق الصوفية المنحرفة المنتشرة في أرجاء المغرب الحبيب كصراع المدرسة السلفية المصرية مع طرق مصر ودراويشها ، وما أدراك ما طرق مصر ودراويشها ؟!!!! .
وقد سبق أن أدرجت رابط موقعهم على الشبكة العالمية ، وأعيد إدراجه من باب الذكرى :
http://www.maghrawi.net

وبعد هذه الرحلة الممتعة بحق ، يحق لكل مغربي مسلم خاصة ، ولكل مسلم عامة ، أن يفخر بهذا التاريخ المجيد ، مع كل ما فيه من مؤاخذات على بعض الحقب التاريخية ، ولكنه يظل ، بمجموعه تاريخا ناصعا يحق لنا أن نباهي به أي أمة من الأمم ، فتاريخنا ، كما يقول الشيخ عثمان الخميس حفظه الله الباحث الكويتي المتخصص في الرد على مبتدعة الرافضة ، تاريخ ناصع جميل لا دموي قبيح كما يحاول المستشرقون وأتباعهم من ضلال العلمانية ، أن يروجوا ، مع من وافقهم من الفرق المنحرفة كالرافضة الذين يروجون دوما لفرية دموية الخلافات المتعاقبة في التعامل مع آل البيت ، رضوان الله عليهم ، ليستدروا بهذا التباكي المفتعل عطف عوام أهل السنة ممن يعظمون آل البيت ، فما أشبههم باليهود الذين يروجون لــــ "الهولوكست" ليؤنبوا به ضمير العالم باستمرار فيسهل لهم ابتزازه ، ماديا ومعنويا ، بحجة تعويض اليهود عن سنوات القهر والاستبداد .

فلنا تاريخ نتحدى به أعرق الأمم ، ومن كان عنده رجال كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وأبي عبيدة وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسعد بن معاذ ومعاوية وعمر بن عبد العزيز وأبي جعفر المنصور وهارون الرشيد وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر والمنصور بن أبي عامر ويوسف بن تاشفين ويعقوب المنصور وعماد الدين زنكي ونور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي وقطز وبيبرس ومحمد الفاتح وعبد الحميد الثاني ومن لم يذكر أضعاف أضعاف من ذكر ، من كان عنده رجال كهؤلاء فليخرجهم لنا ، وعجبا لأمة تحمل على أكتافها تاريخا كهذا كيف ترضي عن الصدارة بديلا ، فما أشبهها بــــ :
العيس في البيداء يقتلها الظما ******* والماء فوق ظهورها محمول
تبغي العز عند أمم الشرق والغرب ، وقد جمعت لها أسبابه ، ولله في خلقه شئون .
ومرة أخرى إخواني الكرام :
اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر ******* ضل قوم ليس يدرون الخبر .
ومعذرة إن وقع في كلامي بعض المبالغة ، فمن قرأ طرفا من تاريخ القوم أحبهم ، وإلى عاذلي في حب المغرب الحبيب أهدي قول شاعر الدنيا أبي الطيب :
لا تعذل المشتاق في أشواقه ******* حتى يكون حشاك في أحشائه

ولا تنسوا إخوانكم أهل السنة في العراق وفلسطين من خالص دعائكم فهم آخر دروع الأمة ضد المد الصفوي الرافضي اليهودي الصهيوني النصراني الصليبي .

والله أعلى وأعلم
تم بحمد الله .