المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماحكم السجع الذي لايكاد يخلو منه اليوم خطيب؟



صالح عبدربه
05-16-06, 05:05 PM
هل ورد النهي عن السجع والتكلف في الخطبة واذا كان كذلك فلماذا نسمع كثير من الخطباء لاينتهون عن ذلك؟

عبد الرحمن السحيم
06-25-07, 04:58 AM
.

الجواب :

السجع على نوعين :
النوع الأول : سَجع مُتكلّف مقصود لِذاتِه ، فهذا منهي عنه ، وهو سَجع مثل سجع الكُهَّان ، ولذلك لَمّا قال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم : أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لا أَكَلَ وَلا شَرِبَ وَلا اسْتَهَلَّ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ ؟ رواه مسلم .
وفي حديث أبي هريرة : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما هذا مِن إخوان الكُهَّان . مِن أجْل سَجْعه الذي سَجَع . رواه مسلم .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : فانظر السجع من الدعاء فاجْتَنِبْه ، فإني عَهِدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلاَّ ذلك . يعني : لا يفعلون إلاَّ ذلك الاجتناب . رواه البخاري .
والمقصود : السجع الْمُتَكَلَّف ، فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أدعية مسجوعة ، كقوله عليه الصلاة والسلام : " اللهم آت نفسي تقواها ، وزَكّها أنت خير مَن زَكّاها ، أنت وليها ومولاها . اللهم إني أعوذ بك مِن عِلم لا ينفع ، ومن قلب لا يَخشع ، ومن نفس لاتشبع " رواه مسلم .
قال النووي : هذا الحديث وغيره مِن الأدعية المسْجُوعَة دليل لِمَا قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو الْمُتَكَلَّف ، فإنه يُذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ، ويُلْهِى عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب ، فأما ما حصل بلا تكلّف ولا إعْمال فِكْر لكمال الفصاحة ونحو ذلك ، أو كان محفوظا ؛ فلا بأس به ، بل هو حَسَن . اهـ .

النوع الثاني : سَجع غير مُتكلّف ، وهو وارد في الكِتاب وفي السنة .
والفَرق بينهما أن الأول يُجعل آخر الكلام على نَسَق واحِد ، ولا يتأتّى هذا إلا بِتكلّف .
والثاني يأتي من غير تكلّف .

قال ابن عبد البر رحمه الله : السجع كلام كسائر الكلام ؛ فَحَسَنه حَسَن ، وقبيحه قبيح .
وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : " كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق ، وإنما الولاء لمن اعتق " :
وفيه إجازة السجع الْحَقّ مَن القَوْل ... وهذا تفسير قوله في سجع الأعرابي : " أسَجْعًا كَسَجْع الكُهَّان " ؛ لأن الكُهّان يَسجعون بالباطل ليخرصون ويرجمون الغيب ويحكمون بالظنون ، وكذلك عَاب سَجعهم وسَجْع مَن أشْبه مَعنى سجعهم . اهـ .
وقال النووي : جواز السجع إذا لم يُتَكَلّف ، وإنما نَهَى عن سَجع الكهان ونحوه مما فيه تَكَلّف .
وقال أيضا :
السجع المذموم في الدعاء هو المتكلَّف ، فإنه يُذْهِب الخشوع والخضوع والإخلاص ، ويُلْهِي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب ، فأما ما حصل بلا تكلّف ولا إعمال فِكر لِكمال الفصاحة ونحو ذلك ، أو كان محفوظا ؛ فلا بأس به ، بل هو حَسَن . اهـ .


وقال ابن حجر : لا كراهة في السجع في الكلام إذا لم يكن عن قَصد ولا مُتَكَلَّفا . اهـ .

وقال أيضا في التفريق بين النوعين :
قوله : " وغَلب الأحزاب وَحْده ، فلا شيء بعده " هو من السجع المحمود . والفرق بينه وبيه المذموم ؛ أن المذموم ما يأتي بِتَكَلّف واستكراه ، والمحمود ما جاء بانسجام واتفاق ، ولهذا قال في مثل الأول : أسَجْع مِثل سَجْع الكُهّان ... ووقع في كثير من الأدعية والمخاطبات ما وقع مَسجوعا ، لكنه في غاية الانسجام الْمُشْعِر بأنه وَقَع بِغير قَصد . اهـ .

فما يقع في الْخُطَب والمحاضرات والأدعية مِن سَجْع قد يكون مُتكلّفا ، فيُنهَى عنه ، وإن كان بغير تكلّف فلا يُنهَى عنه .

والله تعالى أعلم .