المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال



صاحبة رسالة
04-26-06, 09:44 AM
http://i3.tinypic.com/wi8zna.gif


هل يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال


بداية لا شك أن الحديث الضعيف مادة لزيادة الفهم .....

فهو من حيث تطبيق العلماء واقع ويختلف الأمر في الاستدلال ...

فإن قال قائل : فإن قول جماهير العلماء بالأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال..!!

نقول بل قائل هذا لا يُسلم له : فا الإمام ابن العربي المعافرى خالف الجمهور وقال : لا يجوز العمل بالضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب ، وتبعه القنوجي في نزل الأبرار وتبعه من المعاصرين الشيخ الألباني - رحمة الله عليه- .... فكما نرى أن الأمر ليس فيه أجماع وفي الصحيح غنية عن الضعيف فإن البدع قد تتطرق من هذا الباب حيث تستند إلى حديث ضعيف ...

والقائل بالأخذ........

فالأخذ يعنى الجواز:

وجواز العمل واستحبابه من الأحكام الشرعية فإذا استحب العمل به كان ثبوت ذلك بالحديث الضعيف؛ وهو ينافي قولنا بأن الحديث الضعيف هو مادة لزيادة الفهم ، لا لتقرير أحكام".

وكما هو معلوم بأن الحكم الشرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، وقولنا بالجواز إخبار عن الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعي فقائل ذلك قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم .

وإذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقر الصحابة على الخطأ في اللفظ الواحد فكيف نُسلم بالأخذ بالضعيف وتقديمه على مصادر أخرى في الأحكام والفضائل على السواء .

ولنضرب مثالا واحدا وهو ما رواه البخاري في صحيحه :

عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال :
" قال لي رسول الله إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت مت على الفطرة فاجعلهن آخر ما تقول، فقلت استذكرهن وبرسولك الذي أرسلت قال لا وبنبيك الذي أرسلت.
صحيح البخاري ج:5 ص:2326


ولنقف وقفة نبين فيها مفهوم الضعيف عند المتقدمين للأهمية :


لم يكن عند المتقدمين إلا قسمين فقط قسم صحيح والآخر ضعيف وكانوا يقصدون بالضعيف ما اختل فيه شرط الصحيح اختلالا يسرا ، فلا إشكال إذاً في أنهم كانوا يطلقون الضعيف على الحسن باصطلاحنا وأول ما وجد ذلك في كلام المتأخرين ، ولكن الإشكال في حصر المراد في الحديث الحسن وان ذلك لا يدخل فيه الحديث الضعيف الذي خف ضعفه ولم يكن منكرا ولا شاذا ولكنه لم يرق إلى درجة الحسن.

لذا كان من الضروري فهم مراد الأئمة حتى لا يُنسب إليهم ما لم يقولوا.

فقد نقل عن الإمام احمد من قوله : " الحديث الضعيف أحب إلي من رأي الرجال".

فقالوا : "ذهب إمام " أهل السنة والجماعة " الإمام أحمد للأخذ بالحديث الضعيف وتقديمه على مصادر أخرى في الأحكام والفضائل على السواء" أ.هـ

نقول بل لا يفهم منه ذلك...

فقد فُسر قوله – رحمة الله عليه - بأنه يقصد الحديث الحسن ونحتج لذلك بكلام للإمام ابن تيمية حيث قال : "وكيف يعمل امام السنة بحديث لا يصح "..

فالضعيف عند الإمام احمد ما هو إلا الحديث الحسن والحديث الحسن هو الذي يختل فيه شرط الصحيح اختلالاً يسيرا.

ونجد أن هذا التفسير لمعنى الحسن مستقر في كلام الإمام بن تيمية كما بينه – رحمة الله عليه – في منهاج السُنة حيث قال :
"أما نحن فقولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي" ليس المراد به الضعف المتروك، ولكن المراد به الحسن " كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإبراهيم الهجري وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه وكان الحديث في اصطلاح مَن قبل الترمذي إما صحيح وإما ضعيف.." أ.هـ

وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين في أثناء كلامه عن الأصول التي اعتمد عليها الإمام احمد في مذهبه:

" الأصل الرابع الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به الحديث الضعيف عنده قسم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن والضعيف بل إلى صحيح ضعيف.. والضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقة على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس".
(الحطة في ذكر الصحاح الستة ج:1 ص:126 ).

فإن احتج علينا قائل بقوله :

" هناك من العلماء من قام بإحصاء للأنواع الكثيرة في الحديث الضعيف بناء على اختلال أحد الشروط ، وأوصلها إلى 510 نوع . وهذا يجعلنا أن نقف ملياً في هذا الأمر ، وهذا التوقف هو الذي دفع الإمام ابن حجر لوضع شروط لقبول الحديث الضعيف فقال رحمه الله :

" إن شرائط الأخذ بالضعيف ثلاثة :

الأول : متفق عليه ، وهو أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه .

الثاني : أن لا يكون مندرجاً تحت أصل عام ، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصلٌ أصلا .

الثالث : ألا يعتقد عند العمل به ثبوته ، لئلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله .

وكلام ابن حجر السابق نقله السخاوي في خاتمة القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع .

ولو فهمنا هذا بعمق يكون قول من قال .... " بأن الحكم الشرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، وقولنا بالجواز إخبار عن الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعي ؛ فقائل ذلك قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم "إ.هـ.......

فهو كلام لا ينطبق على هذه الحالة مطلقاً وفيه جرئه على الاتهام نتجنبها عادة في مسائل الاختلاف .

وأما ما قاله بعض العلماء : " ولا إشكال في أن المتقدمين يطلقون الضعيف على الحسن باصطلاحنا"...... أ.هـ )..فهو كلام فيه جرأة وقلد فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام ابن تيمية كلام في تأويل كلام الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله غير مسلم به .

فقد ورد في رسالة أبي داود لأهل مكة : ( وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل ، وهو كمرسل ومدلس ، وهو إذا لو توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل ) ص 7
فمعلوم أن المنقطع من أنواع الحديث الضعيف لا الحسن ، ثم من جهة أخرى ، لو كان كلام الإمام أحمد على نحو ما أوله شيخ الإسلام فلا معنى من تخصيص الضعيف من قِبل الإمام أحمد وغيره من أهل العمل والعمل به ، وتقديمه على القياس ؟؟ لأن هذا لو سلمنا به مذهب جماهير العلماء ! فما الجديد ؟

أما رأي الإمام ابن عربي فهو رأي ثالث في الأخذ بالحديث الضعيف ، سبقه رأي يفتحه على مصراعيه ، ورأي ابن حجر والنووي وجماهير أهل العلم ، وهو كما وضحه الإمام ابن حجر .
والله الهادي سواء السبيل."أ.هـ

فلنا على هذا التعليق ثلاث مآخذ تتبع إن شاء الله تعالى .....

صاحبة رسالة
04-26-06, 09:58 AM
http://i3.tinypic.com/wi8zna.gif



المأخــــذ الأول قوله :

"( فقائل ذلك قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم .) كلاماً لا ينطبق على هذه الحالة مطلقاً وفيه جرئه على الاتهام نتجنبها عادة في مسائل الاختلاف .

فالجواب :

العبارة السابقة معلومة من قول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله عليه - من مجموع الفتاوى ( ج1/251) وكلنا يعلم والحمد الله من هو الإمام ابن تيمية .

و للشيخ الألباني تفصيل قيم جدا حول هذه المسالة جمعها من أقوال أهل العلم منه ما نقله عن الإمام الشاطبي وما أورده من تقرير إشكال حول هذا الموضوع،.... ثم نقل رد الإمام الشاطبي على هذا الإشكال بتفصيل علمي دقيق وسوف أضع نصه كاملا لأهميته فإني أرجو بذلك بيان خطورة اشتهار هذا القول - " أي جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال " - بين أهل العلم وطلابه - ، فيُظن أنه لا خلاف في ذلك
حيث أن المتبادر للذهن من قولهم " جمهور العلماء "..." ومنهم إمام أهل السنة والجماعة يذهب للأخذ بالضعيف وتقديمه على مصادر أخرى .... الخ" ...... قد يفهم منه أن المخالف جانبه ضعيف أو أنه أقل عددا أو أن رأيه منكرا من القول أو أن قائل ذلك ممن لا وزن له بينهم..... فكان التفصيل بإطناب في مثل هذه الأمور أمر حتم بل من " الأمانة " فالأمر ليس بالهين وإليكم بيان " تقرير الإشكال " ثم الرد عليه " كالتالي :


" تقرير إشكال حول اشتراط الصحة في أحاديث الترغيب ":


" فإن قيل : هذا كله رد على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التي لم تبلغ درجة الصحة ؛ فإنهم كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد ، كذلك نصوا أيضا على أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد صحة الإسناد ؛ بل إن كان ذلك ، فبها ونعمت ، وإلا فلا حرج على من نقلها واستند إليها ، فقد فعله الأئمة كمالك في " الموطأ " وابن المبارك في " رقائقه" وابن حنبل في " رقائقه" وسفيان في " جامع الخير " وغيرهم.
فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلى الترغيب والترهيب " وإذا جاز اعتماد مثله جاز فيما كان بنحوه مما يرجع إليه ، كصلاة الرغائب ، والمعراج وليلة النصف من شعبان ، وليلة أول جمعة من رجب ، وصيام رجب ، والسابع والعشرين منه ، وما أشبه ذلك ؛ فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل الصالح ، فالصلاة على الجملة ثابت أصلها ، وكذلك الصيام ، وقيام الليل ، كل ذلك راجع إلى خير نُقلت فضيلته على الخصوص.

وإذا ثبت هذا فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث فهو من باب الترغيب فلا يلزم فيها شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد بخلاف الأحكام.

فإذا هذا الوجه من الاستدلال من طريق الراسخين ، لا من طريق الذين في قلوبهم زيغ حيث فرقوا بين أحاديث الأحكام ؛ فاشترطوا فيها الصحة ، وبين أحاديث الترغيب والترهيب ؛ فلم يشترطوا فيها ذلك ...............!!!!!!!!!!!!!!! "أ.هـ

الـــــــــــــــــرد على الإشكــــــــــــــــــــــــــال


فالجواب :

إن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة وبيانه .

أن العمل المتكلم فيه :

1- إما أن يكون منصوصاً على أصله جملة وتفصيلا

2- أو لا يكون منصوصا عليه لا جملة ولا تفصيلا

3- أو يكون منصوصا عليه جملة لا تفصيلا

فالأول : لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات ، والنوافل المرتبة لأسباب وغيرها ، وكالصيام المفروض ، أو المندوب على الوجه الذي نص عليه من غير زيادة ولا نقصان : كصيام يوم عرفة ، والوتر ،وصلاة الكسوف ، فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا على ما شرطوا ، فثبتت أحكامها من الفرض والسنة والاستحباب ؛ فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغيب فيها ، أو تحذير من ترك الفرض منها ، وليس بالغة مبلغ الصحة ، ولا هي أيضا من الضعف بحيث لا يقبلها أحد ، أو كانت موضوعة لا يقبلها أحد، فلا بأس بذكرها والتحذير بها والترغيب ، بعد ثبوت اصلها من طريق صحيح.
.
والثاني : ظاهر أنه غير صحيح ، وهو عين البدعة ؛ لأنه لا يرجع إلا لمجرد الرأي المبني على الهوى ، وهو أبدع البدع وأفحشها كالرهبانية المنفية عن الإسلام ، والتعبد بالقيام في الشمس ، أو بالصمت من غير كلام أحد ، فالترغيب في مثل هذا لا يصح ؛ إذ لا يوجد في الشرع ، ولا أصل له يرغب في مثله ، أو يحذر من مخالفته .

والثالث : ربما يتوهم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة ، فمطلق التنفل بالصلاة مشروع ؛ فإذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة ، وكذلك إذا ثبت أصل صيام ، ثبت صيام السابع والعشرين من رجب ، وما أشبه ذلك.

وليس كما توهموا لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل. فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص، وكذلك إذا ثبت الصيام لا يلزم منه إثبات صوم رمضان أو عشوراء أو شعبان أو غير ذلك ، حتى يثبت بالتفصيل بدليل صحيح . ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب ، بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح.

والدليل على ذلك : أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما ؛ يتضمن حكما شرعيا فيه على الخصوص كما ثبت لعاشوراء مثلا ، أولعرفة ، أو لشعبان - مزية على مطلق التنفل بالصيام - فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام ، فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها بحيث لا تفهم من مطلق مشروعية صيام النفل ؛ لأن مطلق المشروعية يقتضي أن الحسنة بعشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف في الجملة ، وصيام يوم عاشوراء يقتضي أنه يكفر السنة التي قبلها ، فهو أمر زائد على مطلق المشروعية ، ومساقه فيه له مزية في الرتبة وذلك راجع إلى الحكم.
فإذا هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع من المندوب خاصة ، فلا بد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم :

" إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح ".

والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لابد فيها من الزيادة على المشروعات كالتقييد بزمان أو عدد
أو كيفية ما ، فليزم أن يكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح ، وهو أمر ناقص لما أسسه العلماء.

ولا يقال : إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط ؛ لأننا نقول : هذا تحكم من غير دليل ، بل الأحكام خمسة ، فكما لا يثبت الوجوب إلا بالصحيح ( فكذلك لا يثبت غيره من الأحكام الخمسة كالمستحب إلا بالصحيح ) فإذا ثبت الحكم فاستسهل أن يثبت في أحاديث الترغيب والترهيب ولا عليك". أ.هـ

وكلام الشاطبي ، وهو يلتقي تمام الالتقاء مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله تعالى - ومن الطرائف أن هذا مشرقي وذاك مغربي، جمع بينهما ، على بعد الدار ، المنهج العلمي الصحيح.(1)

وهو كلام بعض العلماء المحققين أيضا على أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال مطلقا ؛ لا في الأحكام ولا في الفضائل .

قال الشيخ القاسمي - رحمه الله - في قواعد التحديث (ص 94) :

" حكاه ابن سيد الناس في " عيون الأثر " عن يحيى بن معين ، ونسبه في " فتح المغيث" لأبي بكر بن العربي ، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضا فقد ندد الإمام مسلم وغيره من أئمة الحديث بمن يتساهل في الرواية فيسوق تلك الأحاديث عن غير الموثوق بهم دون بيان لحالهم ، فقال رحمه الله :

" ( الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب ، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك ، غاشا لعوام المسلمين ، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها ، أو يستعمل بعضها ، ولعلها - أو أكثرها - أكاذيب لا أصل لها ، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع"(2)..)

وقال الحافظ ابن رجب في " شرح الترمذي " (ق 112/2) :


" وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه ، يعني - " الصحيح" - يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام".أ.هــ


ولنتدبر معا قول الإمام مسلم : " مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس ثقة ولا مقنع".

فإن من مفاسد القول المخالف أنه يجر المخالفين إلى تعدي دائرة الفضائل إلى القول به في الأحكام الشرعية ؛ بل والعقائد أيضا .

وهذا الذي أدين الله به ، وأدعو الناس إليه ، أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا ، لا في الفضائل والمستحبات ، ولا في غيرهما .

قال المحدث الألباني – رحمه الله - : " ذلك لأن الحديث الضعيف ، إنما يفيد الظن المرجوح بلا خلاف أعرفه بين العلماء ، وإذا كان كذلك ، فكيف يقال بجواز العمل به ، والله - عز وجل - قد ذمه في غير ما آية من كتابه ، فقال تعالى : " وإن الظن لا يغني من الحق شيئا" ( النجم:28)، وقال : " إن يتبعون إلا الظن" ( الأنعام: 116وغيرها)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث ".أخرجه البخاري ومسلم" (3)؟! ".

و قول المخالف بجواز العمل بالضعيف غير الموضوع لا دليل عليه يصلح حجة على كلام الله تعالى وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- ! ومثل هذا الأمر لا يعتمد فيه على أقوال رجال فالعلم قال الله قال الرسول ، والمحق يتبع من كان الحق معه دون تحيز ولايأخذ من أقوال الأئمة والعلماء إلا ما وافق الحق ولايجب على أحد اتباع أحد سوى النبي –صلى الله عليه وسلم لأن قوله الحق ولا ينطق عن الهوى ، فالموفق من جعل كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم حكماً على قول كل أحد . وإن خالفه من خالفه أو بدّعه من بدّعه.

فعندما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - " ( فقائل ذلك قد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم)" ليس فيه جرئه ولا اتهام بل غِيرة على دين الله وله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسوة حسنة فقد كان - عليه الصلاة والسلام- لايغضب لنفسه ولا ينتصر لها وإنما يغضب إذا تعرض للحق بشيء.


يتبع إن شاء الله

______________________
(1) منتهى الأماني (176/179)
(2) صحيح مسلم : (1/28) وقوله (مقنع) بفتح الميم والنون وبينهما قاف ساكنة أي يرضى يقنع به . القاموس المحيط : (ص977) .
(3) ضعيف الجامع (1/45)

صاحبة رسالة
04-26-06, 10:06 AM
http://i3.tinypic.com/wi8zna.gif



المأخذ الثـــــــانـي قولــه :

* "فمعلوم أن المنقطع من أنواع الحديث الضعيف لا الحسن ، ثم من جهة أخرى ، لو كان كلام الإمام أحمد على نحو ما أوله شيخ الإسلام فلا معنى من تخصيص الضعيف من قِبل الإمام أحمد وغيره من أهل العمل والعمل به ، وتقديمه على القياس ؟؟ لأن هذا لو سلمنا به مذهب جماهير العلماء ! فما الجديد ؟".أ.هــ

والجواب:

(1)هناك مقولة للإمام عبد الرحمن بن مهدي وللإمام أحمد وضعها من لم يعيها في غير موضعها ، فقد روى أبو عبد الله الحاكم(2) ، والخطيب البغدادي(3) عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال : (إذا روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال ، وإذا روينا في فضائل الأعمال ، والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد .

وقال أبو الفضل عباس بن محمد الدوري : (سمعت أحمد بن حنبل وسئل - وهو على باب أبي النضر هاشم بن القاسم - فقيل له : يا أبا عبد الله ، ما تقول في موسى بن عبيدة الربذي وفي محمد بن إسحاق ؟ فقال أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - كأنه يعني المغازي ونحوها - وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس ، ولكنه حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا - وقبض أبو الفضل على أصابع يده الأربع من كل يد ، ولم يضم الإبهام(4)


وسياق الكلام يبين المراد من التساهل المنسوب إلى الإمام أحمد في غير الحلال والحرام ، فهو تساهل نسبي ، وقد أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقال - في كلام طويل في هذا الموضوع "( ... ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه . ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل وَمَن قَبْلَه من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين : صحيح وضعيف . والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به ، وإلى ضعيف حسن ... وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام : صحيح ، وحسن ، وضعيف ، هو أبو عيسى الترمذي في جامعه ، والحسن عنده ما تعددت طرقه ، ولم يكن في رواته متهم ، وليس بشاذ . فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ، ولهذا مثل أحمد للحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب ، وحديث إبراهيم الهجري ، ونحوهما(5) ، وهذا مبسوط في موضعه (6) وقد ورد عن عبد الرحمن بن مهدي أيضا ما يوضح مراده بالتساهل في قوله السابق ، فروى مسلم في (التمييز) والخطيب في (الجامع) عن أبي موسى محمد بن المثنى ، قال لي عبد الرحمن بن مهدي : يا أبا موسى ، أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد . قلت : يا أبا سعيد هم يقولون : إنك تحدث عن كل أحد ، قال : عمن أحدث ؟ فذكرت له محمد بن راشد المكحولي (7) . فقال لي : احفظ عني ، الناس ثلاثة :

* رجل حافظ متقن ، فهذا لا يختلف فيه،
* وآخر يَهِم ، والغالب على حديثه الصحة ، فهذا لا يترك ، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس ،
وآخر الغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه(8) *
أما الضعفاء الذين غلب على حديثهم الوهم فعبد الرحمن بن مهدي لا يتساهل في الرواية عنهم ، بل صرح بترك حديثهم . كما تقدم . وقال أيضا : لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة أحاديث الضعاف ، فإن أقل ما فيه أن يفوته بقدر ما يكتب من حديث أهل الضعف أن يفوته من حديث الثقات(9) .

وأنقل إليكم قول شيخ الإسلام ابن تيمية في " القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة" :

قال : ".... لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت ، إذا لم يعلم أنه كذب ، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي ، وروي في فضله حديث لا يعلم انه كذب ، جاز أن يكون الثواب حقا ، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع.

ولننظر قول الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (1/58)

" والحديث الضعيف لا يرفع ( أي : لا يهمل ) وإن لم يحتج به ، ورب حديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى.

وخلاصة أقوالهم :

أن الحديث الضعيف سندا الذي جوزوا به العمل في فضائل الأعمال أو أخذوا به في الأحكام والذي فُسر به كلام مثل الإمام أحمد والإمام ابن مهدي ؛ إما أنه جاء ما يشهد له من القرآن أو الأحاديث المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو آثار الصحابة أو المقطوعة على التابعين ؛ فهو إما صحيح معنىً لموافقته معناه لنصوص الشريعة من كتاب أو سنة ، أو قد يكون صحيح المعنى والمبنى معا ، لشواهده المقوية له ..
فالمعنى الذي جاء به هذا الحديث الضعيف( ضعفا يسيرا) ليس باطلا ولا شاذا بل قد تقرر هذا المعنى المستقيم مما سبق ، فلم يكن تقرير معناه واستحسان معناه والعمل به بدعا من القول وزورا، إنما هو معنىً متقرر قبل هذا الحديث الضعيف بمجيء ما يشهد على موافقته من فتوى الصحابة أو ظاهر القرآن وما إلى ذلك من الشواهد السابقة وهو أمر متقرر نطق به العلماء مثل الإمام أحمد والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم الرازي وغيرهم .

وهذه الأقوال السابقة للعلماء في تفسير قول الإمام أحمد والإمام ابن مهدي ليست تأويلا من الأئمة ولكنها جاءت بعد طول سبر واستقراء لمراد الأئمة من أقوالهم فهي عن علم ومعاذ الله أن تكون جرأة عن هوى من مثل هؤلاء .

وأضرب مثال على ذلك:

حديث " الأذنان من الرأس "

ففي تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ج:1 ص:117

" وقال حرب قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - الأذنان من الرأس
قال نعم
قلت صح فيه شيء عن النبي
قال لا أعلم "

ومع ذلك فقد كان الإمام أحمد يمسح الأذنان فقد تواترت الآثار الموقوفة على الصحابة بذلك ما لم تتواتر بما خالفه، حتى أنه قال في الاستذكار ج:1 ص:200

" وقال أحمد إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد " أ.هـ


والأمثلة كثيرة لمن شاء التتبع..........

_______________________________________________
(1) من كتاب البناء والكراء في سوق المناخة
لدكتور : عمر حسن فلاته
والدكتور: محمد رزق طرهوني : باحث في الحديث النبوي والفقه
(2) المستدرك :(1/490) .
(3) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع : (2/91) .
(4) تاريخ يحيى بن معبن رواية الدوري عنه : (3/60،247رقم 231،1161) والمراد من قبض أصابع اليدين إلا الإبهام قوما ثقات أثباتا .
)
(5) عمرو بن شعيب جمهور العلماء على توثيقه ، أما إبراهيم الهجري فضعفه الجمهور كما في ترجمتيهما في تهذيب التهذيب لابن حجر (1/165-166، 8/48-55) .
(6) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة : (ص:163-164) .
(7) محمد بن راشد المكحولي ثقة - على الراجح - فقد وثقه علي بن المديني وابن معين والإمام أحمد وغيرهم ، وقال شعبة بن الحجاج : (صدوق) وكذا قال أبو حاتم الرازي وزاد : (حسن الحديث) . وتكلم فيه بعضهم بسبب بدعة فيه . انظر تهذيب التهذيب لابن حجر : (9/159-160)
(8) التمييز : (ص178-179) ، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/91) .
(9) المعرفة والتاريخ للفسوي (2/449) وعنه الخطيب في الكفاية (ص:212) .

صاحبة رسالة
04-26-06, 10:14 AM
http://i3.tinypic.com/wi8zna.gif




المــأخـــذ الثالثــــــــــــــ قوله :


" ورأي ابن حجر والنووي وجماهير أهل العلم ، وهو كما وضحه الإمام ابن حجر" .


وللجواب عن هذه النقطة انقل قولان كلاهما للإمام الحافظ ابن حجر:

الأول من كتاب " القول البديع فى الصلاة على الحبيب الشفيع للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوى المتوفى سنة 902هـ "(ص 195 - طبع الهند) وهو كالتالي :


القول الأول : "قال الحافظ السخاوي:

" قد سمعت شيخنا مراراً يقول " - وكتبه لي بخطه - :
إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة :
الأول : متفق عليه أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ، ومن فحش غلطه.

الثاني : أن يكون مندرجا تحت أصل عام ، فيخرج ما يُخترع بحيث لا يكون له أصل أصلا.

الثالث: أن لا يُعتقد عند العمل به ثبوته ، لئلا يُنسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – ما لم يقله.

قال : والأخيران عن ابن عبد السلام ، وعن صاحبه ابن دقيق العيد . والأول نقل العلائي الاتفاق عليه".


والقول الآخر كالتالي:

قال الحافظ ابن حجر في " تبيين العَجَب" ( ص 3 - 4 )

" اشتُهر أن أهل العلم يتساهلون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف ما لم تكن موضوعة ، وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا ، وأن لا يُشهر ذلك لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيُشرع ما ليس بشرع ، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة ، وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره ، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله - صلى الله عليه وسلم - : " من حَدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكذابين " ، فكيف بمن عمل به ؟ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل إذ الكل شرع".أ.هـ


والاااااااااااااان

فالقولان عن الحافظ ابن حجر – رحمة الله عليه - فهل من جامع يجمع لنا بينهما .........؟

وصفوة القول في هذه المذاهب أن المذهب الأول أسلم وأحكم، لأنه لدينا مما صح في الفضائل والترغيب والترهيب ثروة من جوامع كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا فيها غناء عن اللجوء إلى ضعاف الأخبار والآثار، والفضائل كمكارم الأخلاق من دعائم الدين فلا تثبت إلا بحجة.


http://i3.tinypic.com/wi992o.gif

مســك
04-26-06, 12:16 PM
بارك الله فيك ونفع الله بعلمك

صاحبة رسالة
04-26-06, 09:37 PM
http://www.almeshkat.com/vb/images/intro.gif



وجعلك الله نجما في سمـــــــــــــاء الدعوة

نضال دويكات
04-27-06, 05:30 PM
بارك الله فيك موضوع رائع وشيق
وسؤالي للذين يجيزون العمل بالحديث الضعيف في الفضائل
من سيضمن للعاملين الاجر عند الله اذا علمناهم العمل بالضعيف ؟؟؟؟هذه مسالة ليست سهلة فالناس تعمل حبا في الاجر والثواب والذي يجزي به هو الله فقط وعندما ترغب الناس في عمل لاجل الثواب


وهؤلاء استجابوا للعمل فقد يكونوا حجة على من علمهم يوم القيامة ان لم يثبت في ذلك اجر

سامحوني لغتي في النقاش ليست قوية فانا طويلب علم

صاحبة رسالة
04-27-06, 07:34 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


شكرا على هذا المرور الطيب
ووفقك الله تعالى لما فيه الخير
وحبذا لو وجهتم السؤال لعلماءنا الفضلاء .....


http://www.almeshkat.com/vb/images/intro.gif

شعلة الإيمان
04-27-06, 09:09 PM
أسال الله بكل أسم له أن يقر عينك بلذة النظر لوجهه الكريم
وان يحفظك ويزيدك من فضله

صاحبة رسالة
04-28-06, 12:45 PM
http://www.almeshkat.com/vb/images/barak_allahu_feek.jpg


أسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى

وبرزفك ذكره سرا وجهرا

ويملأ قلبك له حمدا

ولا يسلط عليك من أهل السوء أحدا