المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا يتهموننا وهم يعلمون أنهم كاذبون؟



sabet
04-15-06, 06:54 AM
الفاتحة لعادل حسين

***

تحية إلى صدام حسين

***

لمـاذا يــكـرهـوننـا

لماذا يتهموننا وهم يعلمون أنهم كاذبون؟!

أي دين هذا؟!

عمرو خالد- إبراهيم عيسى- سيدنا أبو هريرة



بقلم: د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadabbas@gawab.com



ولنبدأ بقراءة الفاتحة لروح من لا أزكيه على الله و أحسبه شهيد الدفاع عن لا إله إلا الله.. وشهيد الدفاع عن القرآن.. والمدافع عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه حين وقف الفجار من قومنا يصوبون إليه سهامهم.. يدعون أنهم رواد التنوير وليسوا سوى دعار التعهير.. وليسوا إلا كلابا مسعورة وخنازير مأجورة وشياطين مأزورة.. وكان هو: عادل حسين أعزل إلا من لا إله إلا الله محمد رسول الله.

يعلمني الإسلام كل يوم ويربيني.. حتى أصبحت أخشي أن أبالغ في تقريظ من أحب، أو في إدانة من أكره إلا إذا كان الأمر متعلقا بحد من حدود الله. لذلك فإنني أكبت عواطفي تجاه عادل حسين محدثا نفسي: إنما كنت تحبه في الله والله حي لا يموت.. لكن هذا لا يمنعني من أن أعبر كم أنني كل يوم أشعر بفقده من جديد، كما أن جرح موته لم يندمل، ولا هو أشرف على الالتئام.. بل يزيد اتساعه وعمقه كلما ازداد إحساسي بالحاجة إلى حكمته و رأيه و إخلاص قلبه.. لا يقتصر اتساع الجرح على الجانب الشخصي والعاطفي، بل يتعداه إلى البعد الجهادي والسياسي، حيث يتسع الجرح بذات المقدار وربما أكثر.

فلنقرأ له الفاتحة يا قراء داعين الله أن يشفعنا فيه و أن يغفر له بشفاعتنا و أن يجعله في أعلى عليين مع الشهداء والصديقين:

بسم الله الرحمن الرحيم (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)

***

تحية أيضا إلى البطل – لأول مرة في حياتي أقولها بعد عمر طويل من البغضاء- صدام حسين..

نعم.. البطل صدام حسين رغم أنف أناس ينسبون إليه ذنوبا ليس ثمة شهود على معظمها إلا الصليبيين والصهاينة.. ويستكثرون هذه الذنوب على مغفرة الله ورضوانه.. كما يستبعدون التوبة النصوح كما لو كانوا يريدون تحويلها إلى صكوك غفران!!..

نعم.. صدام حسين بطل..

والرجل في زنزانته أكثر حرية من كل حكامنا..

وهو إذ يعذبه عبدة الشيطان خصيان المجرم بوش أكثر كرامة وعزا من كل حكامنا..

يـــارب: اجعل محنته تكفيرا عن ذنوبه.. ونجه يا رب العالمين.. و أقصد نجاة الآخرة قبل نجاة الدنيا..

يقول عبد الباري عطوان في القدس العربي 21-3 :" قالوا لنا، كتاب العراق الجديد أن صدام حسين يملك عشرات المليارات في بنوك سويسرا، وكذلك أبناؤه وبناته وأركان حكمه، لنكتشف أن صدام حسين لا يملك راتباً تقاعديا إذا جري الإفراج عنه ولن يفرج عنه حياً، ولا بيتاً يقيم فيه، ولا أرضا يقتات من ريع حصادها، بل سيعيش وهو الكريم، عزيز النفس، ابن العراق العظيم، علي الصدقات، مثلما يعيش أفراد عائلته في عمان والدوحة ودمشق، ومثلما يعيش سعدون حمادي رئيس وزرائه وناجي صبري الحديثي، وكل سفرائه علي حسنات الأجاويد."

يا صدام حسين: إني أحترمك و أحترم صمودك و أحترم قوة إرادتك ورفضك للكفر والذل.. كما أحترم موقفا ترفع فيه مصحفا لم يعد عبد من العبيد الذي يحكموننا يجرؤ على رفعه وتحكيمه فيما شجر.

أعلم أن مغفرته – سبحانه وتعالى- وسعت كل شيء.. لكنني بعقلي البشري القاصر لو سئلت: من تظن أن يغفر الله له يوم القيامة من حكامنا المعاصرين.. لو سئلت كذلك لكانت إجابتي بعد قولي "الله أعلم":

- أدعو الله أن يكون صدام حسين.. أما الآخرين جميعا فإنني أدعو الله أن يصليهم سقر.. اللواحة للبشر!!..

***

***

ثم إلى المقال الرئيسي:

***

......................

هذا القلب الذي يتمزق طول عمره بالألم، ضحك في الفترة الماضية قليلا قليلا.. وكنت أشعر بالعار لأنه يضحك وهو قلبي.. إذ كيف يجوز له أن يضحك ودماء المسلمين لم تتوقف عن النزيف، ولا أشلاؤهم عن التمزق، ولا أرواحهم عن الطلوع، ولا أعينهم عن الدموع، ولا كراماتهم على الذبح، ولا أعراضهم عن السفح، ولا حاضرهم على التضييع، ولا مستقبلهم عن المؤامرة ، ولا حكامهم عن الخيانة، ولا نخبتهم عن التخنث، ولا علماؤهم على النفاق، ولا جيوشهم عن حراسة العدو ضد الأمة، ولا أمنهم عن حراسة الكفر ومهاجمة الإيمان، ولا كتابهم عن الدعارة بالكلمات. كيف و أنا أوشك – بعد انتهاء موضوع هذا المقال – على العودة إلى الشهيد – إن شاء الله- سيد قطب وكيف فعل به الطاغوت الأصغر لصالح الطاغوت الأكبر لعبادة الشيطان، فكيف يضحك كيف كيف كيف كيف.. كيف والآية الثانية والثمانين من سورة التوبة تتوعده وتتهدده:

فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) التوبة

فكيف ضحك هذا القلب الذي غرته الحياة الدنيا و أنفاس الشهيد تتنفس بالقرآن في ظلاله حيث يقول عن الآية: "وإنه لضحك في هذه الأرض وأيامها المعدودة , وإنه لبكاء في أيام الآخرة الطويلة . وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما يعدون ".

رحم الله الشهيد القائل ولعن الطاغوت القاتل..

لكن.. يا له من وعيد..

في نفس الآية أيضا قال ابن عباس رضي الله عنه : (( الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤا فإذا انقطعت وصاروا إلى الله تعالى استأنفوا في بكاء لا ينقطع عنهم أبداً )) [أخرجه ابن جرير وابن أبي شيبة بإسناد صحيحٍٍ].

***

أما سبب الضحك فهو أغرب.. ذلك أنه يتعلق بالانتخابات الأخيرة وثأر أمة من جلاديها حين لفظتهم كما يلفظ الجسد الصديد وطردتهم كما تطرد النارالخبثَ من الحديد ُ.

لقد ظللت أياما لا أتمالك نفسي من ابتسام يتحول أحيانا بالرغم مني إلى قهقهة كلما رأيت وجه رفعت السعيد أو سمعت صوته.. ولجأت للمرة الأولي منذ أعوام طويلة إلى مطالعة نشرتهم السرية في الشبكة العنكبوتية، فكانت كتابات رفعت في محاولاته للتملص مما جرته حماقات سياساته وضلالات فكره على حزبه، يضارع أكبر الكوميديانات والمهرجين في مقدرته على الإضحاك، كما كانت نشرته تضارع أكثر الهزليات مقدرة على الإسفاف والابتذال..

صلاح عيسى أيضا كان يضحكني..

كذلك مخبر قسم السيدة زينب وصانع السجاد والتومرجي وصبي المكوجي ومرتزقة الحداثة نصابو التغرير لا التنوير، وقوادو التعهير لا التطهير، ورواد الكذب والتزوير لا الإصلاح والتحرير، وصبيان الأمن الذين دفع بهم في مجال الصحافة ليعملوا رؤساء تحرير في شارع الصحافة وشارع قصر العيني ومستنقعات أخرى..

كانوا يضحكونني بعد أن سقطت الأقنعة عن الوجوه فإذا بما تحت الأقنعة سوءات لا وجوه..

سقطت الأقنعة ليواجهوا بأفظع ما يمكن أن يواجه به كاتب، وهو ألا تحتاج كتاباته إلى نقاش لتفنيدها، ولا إلى حجج لدحضها، بل إن هذه الكتابات، هي نفسها دليل الإدانة، وعامل الاشمئزاز والقرف، دون حاجة لأي عامل خارجي.

أما المضحك أكثر، فهو أن هذه المسوخ لم تدرك ما حل بها من كارثة انكشاف العورة، فظلت تتصرف بنفس الطريقة، وتكتب على ذات المنوال.

لقد فعلت ما فعله الدكتور مصطفى الفقي الذي لم يدرك أن العالم قد انقلب بالنسبة له فلم يعد ما بعد الانتخابات هو ما كان عليه قبلها.

***

النجاح الساحق للإخوان عرى طبقة العلمانيين جميعا فانكشحت عنهم ستائر خمسين عاما من الكذب والتضليل وبدت سوءاتهم، وكان التباين صارخا بين ادعاءاتهم الضخمة وحجمهم الهزيل، كان الأمر يشبه أن ترى صرصارا هزيلا مسكينا له صوت أسد، أو كلبا أجرب يقدمه أصحابه الأغبياء لمسابقة جمال..

نعم..

كلب أجرب.. ما يكاد يفاجئك قبح منظره حتى تسمع نباحه فإذا بقبح صوته أشد.

ولكم كانوا مضحكين..

ثم ما لبثت الطرف أن انتشرت لتعبر نشوانة عن فرحة الأمة بنصر عزيز من الله .. وقالت إحدى هذه الطرف:

أحد أعضاء الإخوان قدم اقتراحا لتغيير نظام الموافقة في مجلس الشعب، فبدلا من أن يرفع العضو الموافق يده يقول: الله أكبر. فقال له فتحي سرور : وإذا كان العضو رافضا فماذا يقول؟ فأجاب العضو : يقول حسبي الله ونعم الوكيل!!.

أما الطرفة الثانية فتتحدث عن مجموعة من الأقباط ذهبوا إلى راعيهم في الكنيسة معبرين عن حيرتهم الشديدة في تحديد من ينتخبون، فليس أمامهم إلا صنفان: لص أو قواد أو كذاب أو خائن أو مزور أو مهرب أو مختلس من ناحية.. وفي الناحية الأخرى واحد من الإخوان.. فمن ينتخبون؟!!.. وشملت الحيرة الراهب أيضا, وبعد فكر طويل وصل إلى الحل الوحيد فقاله لهم:

- ليس أمامكم كي تخرجوا من ظلمات هذه الحيرة إلا أن تصلوا صلاة الاستخارة!!.

كذلك انتشرت طرفة تقول أن حكومة الحزن الوثني قد أزعجها قدرة الإخوان على التواصل مع الجماهير، فقررت أن تجعل من التسجيلات التي يجريها الأمن لمؤتمرات الإخوان دروسا تتلى على أعضاء الحزب كي يتعلموا منها فنون التواصل مع الناس، وبعد شهور اجتمع رئيس الحزن الوثني بأعضاء حزبه متسائلا:

- هل تعلمتم فنون التواصل مع الناس ؟.. وهل توصلتم إلى حل لمشكلة انصراف الناس عنكم؟..

فأجابوا في صوت واحد:

- نعم تعلمنا.. وتوصلنا

- فسأل:

- وماذا تعلمتم؟ , إلى ماذا توصلتم؟؟..

فأجابوا في صوت واحد:

- الإسلام هو الحل..



***

تومض الحقيقة بعد ظلام نصف قرن.. ففي عام 1954 كان الإخوان المسلمون أقوى مما هم عليه الآن..

كان الوفد قد سقط أثناء رقصه على الحبال وتبنيه الخط العلماني..

وكان الشيوعيون قد سقطوا بكفرهم وبموقفهم المخزي المؤيد لإسرائيل عام 1948، وباكتشاف أن المؤسسين كلهم يهود.. و أن التلاميذ والصبيان ألعن من اليهود.. ولم يكن في الساحة سوى الجيش والإخوان، بل كان معظم الضباط الأحرار أعضاء في الإخوان المسلمين، بل وفي التنظيم الخاص بالذات ( الذي يسمونه التنظيم السري) حيث أقسم جمال عبد الناصر وخالد محيي الدين أمام عبد الرحمن السندي على المصحف والمسدس. كان معهم ثمانية من الضباط الأحرار.

كان رئيس الجمهورية – محمد نجيب- وبقايا الأحزاب – حتى الشيوعيين الأقذار والعلمانيين الأشرار- أقرب إلى الإخوان منهم إلى ضباط راحت رائحة مخازيهم وفسادهم وبطشهم تسد الأنوف.

كانت طبيعة الأمور تؤدي إلى وصول الإخوان إلى الحكم..

ولم يكن أمام الحكم من سبيل إلا تدبير حادث المنشية كي يعصف بالإخوان في أتون هجوم إعلامي شيطاني كرس نفسه لمدة نصف قرن للهجوم على الإسلام ثمنا لاستمراره في السلطة.. وفي سبيل ذلك باع كل شيء.

ربما يستطيع القارئ أن يتصور ذلك الآن بسهولة، فلولا المتغيرات الداخلية والخارجية، وهي واسعة المدي متعددة الأطراف، لكان الحل الذهبي أمام الطاغوت الحالي هو نفس الحل الذي ابتدعه الطاغوت السابق، أعنى تمثيلية المنشية، والتي مكنته من التخلص من المنافسة الحقيقية خمسين عاما.. كرسها كلها للبطش والقمع والتزوير والاقتراب من أمريكا و إسرائيل والاستسلام لهما.

نعم..

في نصف القرن الماضي كانت المعركة الرئيسية ليست ضد الاستعمار ولا ضد إسرائيل ولا ضد الفقر والجهل والمرض ولا ضد التخلف بل كانت ضد الإسلام.

***

الفكرة السابقة مهمة، لذلك فإنني ألقي المزيد من الضوء عليها، فالطاغوت الحالي لم ينكص عن تدبير تمثيلية كتمثيلية المنشية نتيجة دين يمنع أو خلق يردع أو ضمير يجزع ، و إنما فقط لتوازنات داخلية وخارجية، لكنه إذا تعرض لخطر حقيقي لن يتورع عن إعادة التمثيلية مرة أخرى، لمصلحته، مدركا أن هذه المصلحة تتفق وهوى أمريكا و إسرائيل ، اللذين دأب النظام على تقديم القرابين لهم بذبح الإخوان المسلمين. و أن رد الفعل في أغلب الظن لن يتجاوز تعتيما كذلك الذي جوبه به حافظ الأسد عليه من الله ما يستحقه، عندما قتل بالدبابات والطائرات أكثر من ثمانين ألف شهيد في بضعة أيام. ثمانون ألف شهيد يعترف الغرب منهم بثلاثين ألف، لكنه يعتبر الباقين وهم خمسين ألفا مفقودين!!..

ولم يقل لنا هذا الغرب المجرم في أي صحراء أو تيه يمكن أن يضيع خمسون ألفا، وهو الذي يقلب العالم ضدنا من أجل غربي يشتبه أنه اختطف.

كان على الأمة أن تعلن بعد نصف قرن موقفها من الحرب الخسيسة الفاجرة ضد الإسلام. حرب لم يكونوا فيها من الإسلام في شيء، بل كانوا صبيانا و أعوانا وروادا للموساد والسي آي إيه وللكنيسة البروتستانتية والمعابد اليهودية. ولم يجنوا على شعوبهم و أمتهم إلا الخراب.

***

السؤال الذي لم يكف دويّه عن الطنين أبدا هو: لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد كله..

أتساءل عن بوش كما أتساءل عن مبارك.. وعن إيزنهاور كما جمال عبد الناصر.. وعن هيكل ومصطفى أمين كما أتساءل عن كوبلاند و روزفيلت..

أتساءل عن الخسيس برنارد لويس كما أتساءل عن رفعت السعيد..

أتساءل عن إيدن وعن نوري السعيد..

أتساءل عن الذئب والحية الرقطاء والكلب الأجرب..

أتساءل عن الملك عبد الله وعن رامسيفيلد.. وعن صلاح عيسى ولورانس..

وعن..

وعن..

وعن..

و أصرخ:

لماذا يكرهوننا؟!!..

***

لقد أحسست بكثير من الغضب إزاء الذهول الذي استبد بالأمة عند اكتشافها أن بعض القضاء يزور، و أن بعض النيابة أشد سوءا من الشرطة و أن بعض الشرط كلاب جهنم..

كدت أصرخ:

- هل هي أمة منافقة؟.. أم هي أمة عمياء..

وكنت أتمتم لنفسي في ذهول أمام آيات يريننها الله في الآفاق وفي أنفسنا حتى يتبين لنا أنه الحق..

هو الحق يــــــــــــــــــــــارب .. و أشهد..

تعس من لم يشهد..

هاهي الأمور تنكشف في الداخل والخارج لنرى الكفر وهو ملة واحدة.

***

نرى الكفر.. أراه..

أراه فأتساءل نفس التساؤلات التي تساءلتها في مقالات سابقة وسأظل أطرح ذات التساؤلات ما دامت نفس الكوارث قائمة..

أراه فأتساءل فيما أتساءل عن إلباس الباطل ثوب الحق والحق ثوب الباطل.. و أتساءل عن الكذب البواح الفاجر وعن غسيل المخ وعن ميديا الإعلام وكلها كاذبة حتى أن مسئولا كعمرو موسى لم يتمالك نفسه ولم يسعفه أسلوب دبلوماسي طالما تمرس فيه فصرخ أن الإعلام العالمي كله "فبركة"!!..

أتساءل عن صناعة الكذب وعن قصف الجزيرة في أفغانستان والعراق وعن فضيحة فكرة نسفها في قطر..

أتساءل عن طارق أيوب و سامي الحاج وتيسير علوني وعشرات ومئات قتلوا أو سجنوا كي يحال بينهم وبين قول الحقيقة..

أتساءل بعد أن دار الزمان دورته فاكتملت الرؤية وانبلج اليقين كنور الصبح لا يخفي شيئا..

أتساءل بعد أن سقطت السترات وانكشفت العورات ليبدو الطاغوت شيطانا يتنقل بين روما والقسطنطينية ومدريد وبرلين ولندن وباريس، شيطانا واحدا له ألف ألف ذراع يحرك بها دمى تحكم بلادنا..

أتساءل و أنا أدرك أن الطاغوت الذي ذبحنا في الأندلس هو نفس الطاغوت الذي يذبحنا في القاهرة وبغداد والرياض وعمان والشيشان وفلسطين..

و أتساءل عمن تسميهم الصحف الفرنسية والألمانية بكتاب المارينز وبصحف المارينز، والمقصود بالنسبة لهؤلاء، الصحف والأقلام التي سخرت وتسخر للترويج لأفكار أمريكا الساعية إلي تعميم الحرية والديمقراطية عبر العالم والتي تعتم علي كل الأخبار حول جرائم أمريكا وإسرائيل، والتي خصصت لها الحكومة الأمريكية بمختلف فروعها حوالي 628 مليون دولار في السنة المالية 2004.

أتساءل عن الصدمة التي أحدثها إدراك المحافظين الجدد في واشنطن بأن مخططهم لغسل عقول المسلمين لم يحقق نجاحا يذكر فزادهم ذلك شراسة في حرب التضليل. إلا أن العقول والقلوب المدربة على توقي الخطر الخارجي قد تغفل عن الخطر الداخلي.. رغم أن الخطر الداخلي لا يقل خطورة عن الآخر وقد يزيد.

نعم.. انحرافات المنافقين أشد خطرا.. وكذلك انحرافات المنحرفين عن طريق الإسلام ولو دون ردة ظاهرة أو باطنة.

هل هناك فرق حقيقي بين مجلة روز اليوسف ومواقع الأقباط؟ بين عبد الله كمال و أوغسطينوس؟ بين رفعت السعيد وزكريا بطرس.

هل هناك أي فرق؟!.

( ضحكت ضحكا كاد يفقدني وقاري عندما راح رفعت السعيد يدافع عما أثير من أنه وراء صفقة بين الحكومة و أقباط المهجر ضد الإسلاميين، نفي رفعت تماما علاقته بالمسئول القبطي: مايكل منير، إلا أنه سرعان ما استدرك أنه غير مسئول عن علاقة حميمة بين ابنه وبين مايكل منير)..

***

أتساءل لماذا يكرهوننا..

لم نأت لهم إلا بمكارم الأخلاق والحرية بمعناها الحقيقي الشامل.. حرية التحرر من استعباد العبيد ومن سيطرة الإنسان على الإنسان كي يمارس الإنسان حريته بمفهومها الشامل.. لا حرية غسيل المخ أو التعذيب والتزوير والقصف بالنابالم..

فلماذا يكرهوننا..

لماذا يتهمون المسلمين بكل نقيصة والإسلام بكل جريمة..

نحن لم نتهم المسيحية – رغم ما يفعله بنا أتباعها- سموا ونبلا وترفعا عن الألم و إدراكا أن وازرة لا تزر وزر أخرى..

لا نتهمها رغم أن كل بلايانا من أتباعها.. وكل كوارثنا من أبنائها .. وليسوا أتباعها ولا أبناءها بل أتباع الشيطان وعبيده.

***

هل ذكر عن المسلمين قط أنهم لاطوا بقسيس أو هتكوا عرض راهب؟؟..

لقد حدث ذلك لشيوخنا في العراق..

يقول ستيفن مايلز، من جامعة مينسوتا، في دورية لانست الطبية الشهيرة، إن التقارير المؤكدة أو الموثقة بشأن الانتهاكات في العراق وأفغانستان تشمل الضرب والحرق والصدمات والتعليق من الأطراف، والحرمان من الأوكسجين والتهديدات ضد المعتقلين وذويهم والإذلال الجنسي.

كانت مهمة المجندات كما ذكرت مفكرة الإسلام أن يجعلن المعتقلين ينهارون استعداداً للاستجواب. وكانت مهمة الشرطة العسكرية جعلهم متيقظين وتحويل الأمر إلى جحيم حتى يتكلموا.

ولقد نشرت صحيفة لوس انجليس تايمز الأمريكية تقريرا يتضمن وسائل التعذيب الذي تقوم به الشرطة العسكرية ما يلي:

1ـ اللكم، الصفع والركل والدوس على الأقدام العارية.

2ـ تصوير السجناء والسجينات عراة. (بالكاميرا وبالفيديو أيضاً).

3ـ صف المعتقلين في أوضاع جنسية مختلفة وتصويرهم.

4ـ إجبار المعتقلين على خلع ملابسهم وتركهم عراة لأيام.

5ـ إجبار المعتقلين الذكور علي ارتداء ملابس النساء الداخلية. (وتركهم داخل زنازينهم وهم عرايا كما ذكرت (صحيفة تايمز) .

6ـاجبار الذكور على اللعب بأعضائهم التناسلية وتصويرهم في تلك الحالة.

7ـ ترتيب المعتقلين على شكل كومة وهم عراة ومن ثم القفز عليهم.

8ـ وضع المعتقل وهو عار على صندوق يوزع فيه الجيش وجبات طعام جاهزة للأكل، ومن ثم ربط عضوه التناسلي وأصابعه بأسلاك كهربائية جاهزة للصعق.

9ـ كتابة عبارة «أنا سفاح» أو «أنا مغتصب» على قدم المعتقل.

10ـ ربط سلسلة عنق للكلاب في عنق معتقل وتصويره مع مجندة.

11ـ أحد أعضاء الشرطة العسكرية، قام بقتل معتقل.

12ـاستخدام كلاب الحراسة التابعة للشرطة العسكرية لترويع وإخافة المعتقلين.

13ـ تصوير جثث عراقيين ماتوا في المعتقل.

وأشار التقرير إلى وسائل أخرى، مثل سكب مادة فوسفورية على المعتقلين وأحياناً الماء البارد على أجسادهم العارية، تهديدهم بالمسدسات، تهديدهم بالاغتصاب، ممارسة اللواط مع معتقل باستخدام عصاة مكنسة .

أفاد بعض المعتقلين، في فترات اعتقالهم، أنهم تعرضوا للضرب بوحشية والاعتداء الجنسي، وعلقوا بالمقلوب، وحرموا من الماء والنوم، ولم يسمح لهم باستعمال المراحيض، وتعرضوا للترهيب بواسطة الكلاب. ويفيد أحد المعتقلين أنه أجبر مع غيره من المعتقلين على الاصطفاف أمام فرقة إعدام وهمية راح الجنود الأمريكيون يضحكون حيال طريقة انهيار أعصابهم قبل إعدامهم الوهمي.

حدث هذا كله من مسيحيين فلم نتهم المسيحية..

نعم .. لم نتهم المسيحية – رغم ما يفعله بنا أتباعها- سموا ونبلا وترفعا عن الألم و إدراكا أن وازرة لا تزر وزر أخرى..

لم نتهمها رغم أن كل بلايانا من أتباعها.. وكل كوارثنا من أبنائها .. وليسوا أتباعها ولا أبناءها بل أتباع الشيطان وعبيده.

لكن ما يؤلم أن يخرج من بيننا كلب أجرب لينبح مشيدا بالديموقراطية الأمريكية في العراق!!

***

لم نعتبر المسيحيين مسئولين عما يحدث لأبنائنا و إخوتنا في جوانتانامو.. حيث يقيدون الأسري بلا سبب ولا جريرة، يقيدونهم بالسلاسل ويتركونهم يتبولون ويتبرزون على أنفسهم. ثم يلفون الأسير المسلم في العلم إسرائيلي.. أحد المعتقلين شوهد جالساً على أرض غرفة الاستجواب وقد لف حوله العلم الإسرائيلي.

لم نهاجمهم بما فعل السفهاء الذين كانوا يمنعون سيارات الإسعاف عن الجرحى، كانوا يتركونهم ينزفون حتى الموت، يقول جندي أمريكي:

"إن العراقيين شاهدونا ونحن نهين أمواتهم طوال الوقت. كنا نتحلق حول جثثهم المتفحمة نمثل بها، ونركلها خارج السيارات ونضع سجائر في أفواههم . كما رأيت مركبات تدوسهم. وكان عملنا تفتيش جيوب العراقيين القتلى لنجمع معلومات. ولكني كنت أشاهد المارينز وهم يسرقون السلاسل الذهبية والساعات والمحافظ المليئة بالنقود.

ويصورون عراقياً تم قتله وهو يقود سيارته، والجنود يتلاعبون بيده تارة وبرأسه تارة أخرى، بينما أحدهم يشد جسده ويهزه بقوة، في الوقت الذي يرد عليه آخر قائلاً: «اجعله يحني رأسه ويقول.. هالو». وهو ما علق عليه فرانك روديجر، أحد الضباط بقوله إن هذا يظهر انحطاط الأخلاق وإهانة الكرامة الإنسانية وانتهاكها. مضيفاً أن المرء لابد له أن يؤكد أن هذا يعد نتيجة طبيعية للثقافة الأمريكية التي تقوم علي التفوق علي الثقافات الأخرى، وبأن الأمريكيين يستطيعون أن يفعلوا أي شيء يريدونه بالآخرين. ولقد صوَّر جنود أمريكيون مشاهد القتل والجثث المتفحمة في العراق وحولوها إلى فيلم بعد إضافة موسيقي تصويرية. كانوا يدوسون على رؤوس الجثث ويلتقطون الصور أمامها. قتلوا الجرحى في المساجد. و لقد نقلت شبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية القول: إن بوش اطلع بنفسه على عشرات الصور الملونة التي تصور سلوكاً جنسياً فاضحاً للجنود الأمريكيين ضد المعتقلين العراقيين.وأوضحت المصادر أنه توجد حوالي ألف صورة، من بينها 200 إلى 300 صورة عن انتهاكات الجنود الأمريكيين ضد المعتقلين العراقيين، مسجلة على عدة أقراص ليزر، والباقي صور لمواقع مختلفة بالعراق.

حدث هذا كله من مسيحيين فلم نتهم المسيحية..

نعم .. لم نتهم المسيحية – رغم ما يفعله بنا أتباعها- سموا ونبلا وترفعا عن الألم و إدراكا أن وازرة لا تزر وزر أخرى..

لم نتهمها رغم أن كل بلايانا من أتباعها.. وكل كوارثنا من أبنائها .. وليسوا أتباعها ولا أبناءها بل أتباع الشيطان وعبيده.

***

في بحث مستفيض مدعم بأكثر من مائة وخمسين مرجعا يؤكد الكاتب حسن خليل أبو غريب في مجلة منبر الوطن (19/7/2005) ما سبق ويروى ما هو آت:

يروي الكاتب لورن ساندر العديد من قصص النساء العراقيات اللواتي تعرضن للاغتصاب، وأفردت جريدة (روبنز بنورث) الأمريكية قصة اغتصاب 5 جنود أمريكيين لفتاة عراقية، وروى الكاتب الأمريكي، ديفيد كول، عملية اغتصاب بشعة قام بها أربعة من الجنود الأمريكيين ضد أسرة عراقية، وروى الأمريكي وليام بود، في صحيفة (ويست بومفريت) الأمريكية، تفاصيل جرائم بشعة ارتكبها جنود الاحتلال تحت عنوان: «الاغتصاب الديمقراطي»، جاء فيها: إن بوش ترك لجنوده أن يفعلوا ما يحلو لهم مع ضحايا سجنه الكبير في العراق. ترك المجندين كول وديفيد يغتصبان نساء عراقيات بلغ عددهن 26 فتاة وضحية.. يتميزان بالعدوانية الشديدة ضد العرب ويتميزان بالهمجية وعدم الرحمة. قبل أن يقدما على جريمتهما يختطفان ضحيتهما ويجردانها من ملابسها، ثم يقومان بتصويرها وإرسال صورها إلى أصدقائهم في أمريكا للاستمتاع بها. وثمة رسالة تتضمن صورة لجندي أمريكي وهو يشير بعلامة النصر ويقف بجوار طفلين عراقيين يحمل أحدهما وهو مبتسم، لوحة مكتوبة بخط اليد تقول باللغة الإنجليزية (لقد قتل الجندي الواقف بجواري والدي واغتصب أختي). ولقد أكد الفريق الميداني الخاص بـ«مركز بغداد لحقوق الإنسان» أن قوات الاحتلال انتهكت أعراض 149 امرأة عراقية داخل مساجد الفلوجة. هذا ما يحدث في الشوارع والمساجد، وللقارئ أن يتصور ماذا يحدث داخل السجون فمن عدد يفوق ألفاً وثلاثمائة سجينة عراقية توجد مئات النسوة اللائي لا ذنب لهن غير أن أزواجهن أو إخوانهن أو آباءهن يبحث عنهم الاحتلال بأي تهمة.

في السجون تتعرى دعاوى تحرير المرأة وتذبح شعارات حقوق الإنسان.

ينكشف العفن المعتق في معي الحضرة الغربية منذ أكثر من ألف عام ثم تأتي الذئاب والكلاب الجرباء لتسويقه لدينا.. ومع ذلك لم نتهم المسيحية..

السجينات كن يعبرن أمام خيمة الرجال وكن يتوسلن السجناء من الرجال أن يجدوا طريقة لقتلهن لإنقاذهن من العار.

كان الجناة مسيحيون ولم نتهم المسيحية..

قالت إحدى السجينات، تخاطب العراقيين: الجنود الأمريكيون وهم يشربون الخمر أمامنا وينتهكون أعراضكم كالحيوانات ويسرحون ويمرحون مع اللاتي هانت عليهن أعراضهن. أعراضنا هتكت، وملابسنا تمزقت، وبطوننا جاعت، دموعنا جارية، ولكن من ينصرنا أقول لكم اتقوا الله في أرحامكم فقد امتلأت البطون من أولاد الزنا.

- وتقول أخرى في رسالة لها: والله لم تمضِ ليلة علينا ونحن في السجن إلا وانقض علينا أحد الخنازير بشهوة جامحة مزقت أجسادنا، ونحن الذين لم تفض بكارتنا خشية من الله، فاتقوا الله، اقتلونا معهم. لقد اغتصبوني في يوم واحد أكثر من 9 مرات. معي الآن 13 فتاة كلهن غير متزوجات يتم اغتصابهن تحت مسمع ومرأى الجميع. انتحرت إحداهن بعد اغتصابها بوحشية، حيث ضربها جندي بعد أن اغتصبها على صدرها وفخذها، وعذبها تعذيبًا لا يصدق، فأخذت تضرب رأسها بالجدار إلى أن ماتت. وهذه المرأة هي أخت لأحد رجال المقاومة في منطقة أبو غريب والذي فشلت قوات الاحتلال في اعتقاله.

ولم نتهم المسيحية ولا المسيحيين حتى عندما اغتصبوا الأطفال

ففي مؤتمر عقده أحد أكبر اتحادات الحقوق المدينة الأمريكية ويدعى «إيه. سي. إل يو» في واشنطن بتاريخ 17حزيران/ يونيو، قال الصحفي الأمريكي المعروف سيمور هيرش إن لديه وثائق تثبت أن حراس سجن أبو غريب اعتدوا جنسياً على أطفال عراقيين كانوا معتقلين في ذلك السجن.

ولقد اغتصبوا الرجال أيضا ، لكنهم كانوا يرفضون الاعتراف بما لاقوه على أيدي الأمريكيين، وذلك حفاظاً على كرامتهم وكرامة أسرهم. لهذا تندر الشهادات التي تدعِّم هذه التهمة.

في 28/ 2/ 2005 أوردت شبكة البصرة شهادة هدى فوزي سالم من معسكر الصقلاوية, وهو أحد معسكرات اللاجئين المحيطة بالفلوجة, عمرها 17 عاماً، وأفادت: حوصر خمسة من أفراد عائلتنا بينهم جارنا البالغ من العمر55 عاماً داخل البيت، وفي 9/ 11 حضر المارينز إلى بيتنا, فخرج أبي وجارنا لمقابلتهم, في ذلك الأثناء أسرعت إلى المطبخ للبحث عن غطاء رأسي (الذي أنقذ حياتي). وما أن فتح والديّ الباب حتى أطلق الجنود النار عليهما فقتلوهما. دخلوا إلى المنزل وأمسكوا بأختي الكبيرة, وقتلوها, لم يروني, وخرجوا, بعد أن كسروا الأثاث وسرقوا نقود والدي من جيبه. مكثت هدى وأخيها ثلاثة أيام متواصلة في البيت بين جثث العائلة رغم قلة الماء والغذاء. وفي الأخير حاولا الهرب من المدينة خوفا من عودة الجنود ثانية إلى البيت. فاعترض طريقهما أحد القناصة فأصيبت هدى في رجلها. أما أخيها فقد أصيب في ظهره ومات على الفور.

حدث هذا كله من مسيحيين فلم نتهم المسيحية..

لم نتهمها رغم أن كل بلايانا من أتباعها.. وكل كوارثنا من أبنائها .. وليسوا أتباعها ولا أبناءها بل أتباع الشيطان وعبيده.

***

والآن دعونا نشهد ما قاله الشيخ عبد الكريم عبد الرزاق إمام وخطيب جامع عمر المختار في العراق في برنامج الاتجاه المعاكس يوم 22/11/2005 . والشيخ عبد الكريم من كبار علماء بغداد.. وهو صاحب أشهر صورة في سجن أبي غريب.. صورة المصلوب المقنع والمغطى بغطاء مخروطي أسود تبرز من خلاله أسلاك الكهرباء. ولقد ذهب إلى البرنامج بينما مازال يعالج من آثار التعذيب.

يتحدث الشيخ الجليل عن المجاهدين والجهاد.. ويستغيث بحاكم يغيث كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يغيث..

فيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم والفرس وأذنابهم تنهى وتأمر

ثم يصف الشيخ الجليل تجليات الحضارة الغربية في أبي غريب:

"في سجون الداخلية العراقية هناك قطع للرؤوس وشواء للأجساد وقلع للعيون والأظافر، وهناك قطع الرؤوس ، هناك شواء للأجساد، هناك قلع للعيون، هناك قلع للأظافر (...) هناك جريمة كبرى، هناك فضيحة كبرى شاهدت فصول لها كثيرا في العراق(...) أنا كنت في زنزانتين، زنزانة الأميركان الفجرة الكفرة وزنزانة الفرس الصفويين ورأيت من العذاب ما لا يراه أحد، لا في محاكم التفتيش ولا في غيرها، عندما كنت عند الأميركان في الشعبة الخامسة في الكاظمية والله كنت في زنزانة استمع إلى فتاة عراقية تقول والله أنا عذراء والله أنا بكر والله أنا شريفة وتنادي بالله ثم نادت وا محمداه وا نبياه وا إسلاماه وعند زنازين الفرس الصفويين علقونا وهذه رجلي أستطيع أن أريها للمشاهدين وللمسلمين كيف ألقوا حامض الكبريتيك علينا، سلطوا الكهرباء، قلعوا الأظافر، كنت أشم رائحة الشواء وكان الواحد يوصي الآخر اصبر فإن موعدنا الجنة، فيدخل منهم.. من أراذل القوم يقول أما تريد أن تتغدى مع النبي؟ سوف نجعلك تتغدى مع النبي مباشرة، سوف نضربك طلقة برأسك فتذهب شهيدا، مو تحب الشهادة أنت؟ أنت مو تريد الشهادة؟ وهكذا أخي هناك جريمة وأنا أنادي أمة الإسلام الآن والله سوف يجمعنا الله غدا يوم القيامة على ما يحدث في العراق وعلى الجرائم التي في العراق..

يبدأ الشيخ الجليل في عرض صور العذاب الفظيعة المروعة لكنه سرعان ما يستدرك فيطلب من المشاهدين إبعاد أطفالهم كي لا تروعهم الصور(...) هذه صورة من ملايين الصور، حُرقت.. هذه من منطقة الحرية ونعرفهم، هؤلاء يصلّون أحيانا في جامعي، ناس مسالمين، يعيشون مع السنّة والشيعة، جاءت مغاوير الداخلية أخذتهم وأحرقتهم حرقا.. يعني ولم تُفعَل هذه الجريمة في محاكم التفتيش وسوف آتي لك بجرائم أخرى، هنا ثقب بالدريل ومَن أراد أن يعرف ما هي الدريل فليتعرف على هذه الصورة؟ (...) هذه ثَقب الأرجل والأيدي بالدريل(المثقاب الكهربائي) ، ثم تأتي إلى صور أخرى، هذا الإنسان ثقب جسمه بالدريل في شهداء المدائن.. قبل أن يموت..(...) دمروا العراقيين، حرقوا المنطقة الغربية بجميعها، قتلوا أبنائنا، قتلوا نساءنا، يصرخ الشيخ الجليل و أصرخ معه:

- قريبا سوف يصبح العيد عيدين وأنا أقول للعراقيين مَن لم يستطع أن يضحي في يوم الأضحى فليأخذ جنديا أميركي يضحي به ويُجزَي إن شاء الله.

ويواصل الشيخ الجليل (..) كنت معتقلا وعُذِبت ورأيت دماء.. وشممت رائحة الشواء وهذا الشيخ فقط قال اللهم سدد رمي المجاهدين، هذا الشيخ ثقب وجهه فقط قال اللهم سدد رمي المجاهدين، قُتل هذا شيخ بسبعة أطفال قُتل.. لأنه قال اللهم سدد رمي المجاهدين، هذا ثقب وجهه بالادريل وقالوا ألا تريد أن تأكل مع محمد؟ اذهب الآن، اسمعوا يا أمة الإسلام، اسمعوا ما هذا السكوت، ماذا تقول لله وتقولون لله ولرسوله؟

***

إليك عني أيها القارئ..

إليك عني..

دعني أبكي عاجزا كالنساء عل دموعي تغسل بعض ذنبي..

ابك أنت أيضا مثلي أيها القارئ..

ابك مثلي – كالنساء - دينا لم نحافظ كالرجال عليه..

هل قلت كالنساء؟..

أعتذر..

أسحب التشبيه..

لأن استشهاديات العراق وفلسطين لم يتركن لنا هذا المثل كي نتغطى به.

أسحب التشبيه إجلالا لمستشارة استشهادية هي الدكتورة نهي الزيني..

نعم.. تمت الدائرة ودار الزمان دورته فاكتملت الرؤية وانبلج اليقين كنور الصبح لا يخفي شيئا..فسقطت السترات وانكشفت العورات ليبدو الطاغوت شيطانا واحدا له ألف ألف ذراع يحرك بها دمى تحكم بلادنا.. فأدرك أن الذي عذب الشيخ الجليل هو الذي قتل الشهيد الغالي سيد قطب وهو بنفسه الذي أنجح مصطفي الفقي - عليه من الله ما يستحق- بعد تزوير نتيجة الدكتور جمال حشمت-

***

تمت الدائرة ودار الزمان دورته

أمام الشيخ الجليل في البرنامج، كان هناك كلب من كلاب النار أنكر التعذيب مطلقا فصرخ فيه فيصل القاسم:

- يعني الأميركان – الذين اعترفوا بما حدث في أبي غريب - كذابون؟

فأجاب الخنزير نجس

- يكذبون الأميركان ..نعم..

***

غامت عيناي بالدموع فرأيت أمام الشيخ الجليل، في مواجهته، رفعت السعيد وصلاح عيسى وفاروق حسني والدجوي وصلاح نصر وفرج فودة وموسى صبري.. وعشرات ومئات و ألوف.

***

القضية واحدة..

والشيطان الذي عذب في أبي غريب هو الذي يعذب في أقبية مباحث أمن الدولة في الرياض وعمان وصنعاء والرباط والقاهرة وهو الذي زور الانتخابات في مصر وفي تونس ولنفس الهدف..

الشيطان الذي قام الشهيد سيد قطب لمواجهته هو الذي يقتلنا الآن ويغتصب نساءنا و أطفالنا بل ورجالنا وشيوخنا..

ثم أنهم بعد أن يفعلوا بنا هذه الأفاعيل يرموننا بدائهم كعاهرة فاجرة وينسلون بعيدا تحت رايات دنسة للديموقراطية وحقوق الإنسان وتحرير المرأة.

لماذا ينثرون علينا الأكاذيب.. لماذا.. لماذا.. لماذا لا يكف الكلب الأجرب عن النباح بصوت سيده؟.. لماذا لا يكف الذئب عن استعمال مصطلحات صكتها المخابرات الأمريكية كالتأسلم؟ لماذا لا تكف الحية الرقطاء عن الفحيح؟.. لماذا لا تكف حكوماتنا عن الاقتصار على الذئب والكلب الأجرب والحية الرقطاء كرواد وقادة لإعلام فاجر لا يكف عن الكذب المأجور الذي يكلفه به سادته فراح – على سبيل المثال- يروج زورا حكاية قيام الإخوان المسلمين بحرق الأقباط في السويس. وهو نفس المنهج الخسيس المجرم الذي اكتشفت أنهم جميعا يتبعونه في أبسط القضايا و أعقدها.. يمارسونه في قضية وفاء قسطنطين، وفي قضية أسلحة الدمار الشامل، بنفس الطريقة التي يمارسونه بها في محاولة اصطياد سوريا وتهديد إيران وغزو أفغانستان وتحطيم العراق والتنكيل بمصر واللواط بالخليج..

ولم يكن الأمر عابرا ولا جديدا..

كانوا دائما كذلك.. منذ مؤتة واليرموك عندما بدأ المسلمون تحرير أوطانهم من الاحتلال الروماني والفارسي، ومرورا بمذبحة معرة النعمان التي اتخذوا فيها من شواء أطفال المسلمين طعاما شهيا ثم مذبحة بيت المقدس مرورا عبر القرون حتى مذابح الفلوجة وبغداد وتلعفر..

ولم نتهم المسيحية بالهمجية والوحشية والتخلف..

لم يحرق المسلمون أحدا..

كانوا هم الذين حُرِقوا لا حَرَقوا..

وبالرغم من ذلك لم نتهم المسيحية ولا المسيحيين..

لم نتهم المسيحية ولم نقل أنهم قاموا بحرق (100) شاب مسلم بالبنزين، بل قلنا فعلت الشرطة في تايلاند ذلك، بل وصرح رئيس البوليس في المنطقة بأن حياة المسلم لا تساوي (26) سنتاً فقط (ثمن الرصاصة).

لم نتهم المسيحية ولا المسيحيين بتسليط الكلاب المدربة على التهام للأعضاء الذكرية لـ 300معتقل في سجن أبو غريب بعد فتح أرجلهم عنوة عبر قيود حديدية في أيديهم وأرجلهم مثبتة في الحائط ووفاتهم على الفور..

لم نتهم المسيحية ولا المسيحيين بالمسئولية عن مصرع مصرع 60 طفلاً في سجن أبي غريب بعد تقطيع أطرافهم أمام أمهاتهم، ومن ربط الأعضاء الذكرية والألسنة أحيانا للعديد من أبناء العراق الصامد بالأسلاك الكهربائية..

لم نتهم المسيحية ولا المسيحيين بإجبار المعتقلين على اللواط والإتيان بحركات جنسية مهينة وهم عراة ليتم تصويرهم على أنهم همج، ومن دهسهم أحياناً بالأحذية العسكرية على الرأس والرقبة والأماكن المجروحة، ومن تقييد بعضهم وربطهم بالأسرة وهم عراة وحرمانهم من الطعام الشراب لساعات طويلة، ومن تعليق البعض منهم لعدة ساعات لإجبارهم على الإدلاء باعترافات كاذبة، ومن تبول على أجساد بعضهم العارية وجراحاتهم، ومن وضع حبال حول رقاب بعضهم وجرهم بها كالكلاب، ومن حلق رؤوس عراقيات وضربهن وإجبارهم على المبيت في الماء وعلى عدم النوم والوقوف لمدد طويلة أحياناً ووفاة العديد منهن بعد اغتصابها أو اغتصابه..

لم نتهم المسيحية ولا المسيحيين بذلك أو بغير ذلك مما تواترت أخباره ويعف اللسان عن ذكره وكان ضمن 100 ألف حالة تعذيب أكدتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان وأظهرتها عدسات الكاميرات وتناقلتها جميع وكالات الأنباء ووقف عليه العالم كله..

لم نتهم المسيحية ولا المسيحيين بما أوقعته إدارة بوش ( لم نقل إدارة المسيحيين أو الصليبيين رغم أنه هو قالها ) على العراقيين في سجون الموصل وأم قصر وبوكا وغيرها، وعلى مجاهدي طالبان في سجون أفغانستان وفي (جوانتانامو) بـ (كوبا)..

لم نتهم المسيحية ولا اليهود بما نشرته صحيفة (ديلي ستار) الملحقة بـ (الهيرالد تريبيون) فقد أمدت إسرائيل الأمريكيين بآليات ونظم تعذيب لانتزاع الاعترافات من أسرى ومعتقلي السجون العراقية حتى بات العسكريون الأمريكيون يستمعون بعناية فائقة إلى خبراء إسرائيليين للتزود بخبراتهم في التعامل مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية.. وعملاً بمبدأ أن الفعالية في انتزاع الاعترافات ينبغي أن تكون لها الأسبقية على احترام مقتضيات الديمقراطية وحقوق الإنسان فقد أقيمت تدريبات مشتركة أمريكية إسرائيلية في صحراء النقب.

لم نتهم المسيحية ولا اليهود بما حدث عندما ثار الجزائريون أثناء الحرب العالمية الثانية مطالبين بحريتهم، فما كان من البوليس الفرنسي إلا أن قصف المتظاهرين بمدافع الميدان التي تستخدم في تحطيم الحصون، كان القصف وحشيا، وكان ذلك في الثامن من مايو سنة 1945، فأعلنت الأحكام العرفية على أثر ذلك، وأقبل الطراد ديجواى – تراون" ليواصل المذبحة فأمطر مدينة خزاطة" وابلاً من قنابله الثقيلة، وقامت قوات الجيش بالحملات التأديبية، وشنق الوطنيون من غير محاكمة، كان عدد القتلى من العرب كما قيل أولاً بصفة رسمية إنه 1500، غير أن الجيش أعلن أنه يتراوح بين 6000 و 8000. ثم جاءت إحصاءات أخرى تقول إن العدد الصحيح هو: عشرون ألفا، وبعد إعادة النظر في حقائق الأمور تبين أن العدد الصحيح هو 000 40 قتيل

أربعون ألف قتيل يحصدون هكذا بين عشية وضحاها!!!

أربعون ألفا......

ولم نتحدث عن وحشية المسيحية أو المسيحيين..

بعد المذبحة.. ذهب المبشرون كي ينصروا اليتامى من أبناء الشهداء.. تماماً كما حدث لأبناء وبنات مسلمي البوسنة والهرسك – وليقولوا لهم وهم يحشرونهم في إحدى الملاجىء المسيحية: الله محبة!!!" و على الأرض السلام!!!" و للناس المسرة!!!".

***

ولم يكن الأمر عابرا ولا جديدا..

ولم نتهم المسيحية بالهمجية والوحشية والتخلف..

في نهاية القرن التاسع عشر كانت القوات الأميركية تكتسح كل أرض ظهرت عليها حركة مقاومة في الفيليبين، وكما هو الأمر الآن في العالم، لم يعد يقاوم إلا المسلمون. كانوا منذ مائتي عام يحاربون الاستيلاء على بلادهم وتنصيرها حتى جاءت القوات الأمريكية ولم تترك هناك فلبينيا واحدا إلا قتلته. وكذلك لم يعد في هذا البلد رافضون للوجود الأميركي لأنه لم يتبق منهم أحد"!!! ويضيف صحفي رافق الحملة ما نصه: "إن الجنود الأميركيين قتلوا كل رجل وكل امرأة وكل طفل وكل سجين أو أسير وكل مشتبه فيه ابتداءً من سن العاشرة، واعتقادهم أن الفلبيني ليس أفضل كثيرا من كلبه وخصوصا أن الأوامر الصادرة إليهم من قائدهم الجنرال "فرانكلين" كانت :"لا أريد أسرى ولا أريد سجلات مكتوبة!!.

كانوا مسيحيين جميعا ومع ذلك لم نتهم المسيحية ولم نقل عليهم بالحق ما ادعوه بالباطل علينا.

( باختصار وتصرف عن: الغارة على العالم الإسلامي د/ ربيع بن محمد بن علي.

***

يحدثنا الدكتور ربيع ومصادر أخرى عديدة عما قاله أحد ضباط الأمم المتحدة الذين خدموا في البوسنة والهرسك: "إنه قضى شهوراً طويلة لا يستمع إلا لطلقات الرصاص والبنادق ولا يرى سوى قذائف الصرب التي كانت تتوالى تباعاً فوق أشباح الموتى وهي عطشى لمزيد من الجثث من الرجال والنساء والأطفال المسلمين في مذبحة (سربرنيتشا) المروعة".

ولم نتهم اليهود أو النصارى الصليبيين بالوحشية والهمجية والتخلف..

ولقد اعترف قائد القوات الصربية (فوشتيك) لمجلة (ديرشبيجل) الألمانية وقال بالحرف الواحد: "لقد قتلت وحدي مئات المسلمين، وقمت شخصياً بإطلاق الرصاص على الأسرى المسلمين للقضاء عليهم"، وعندما نبهته المجلة إلى المعاهدات الدولية التي تحرم قتل الأسرى قال: بأنه "لما لم يجد سيارات لنقلهم، وجد أن أرخص طريقة هو قتلهم بالجملة، مثلما أجهز رفاقه الصرب على 640 مسلماً كانوا يختبئون في مخبأ"، كما ذكر: "أن من لم يقتله كان يقوم أحياناً بخرق عينيه وتعذيبه، وأنه كان يلجأ إلى تهشيم أيدي الأسرى ببطء حتى يعترفوا بما يريد"، وحين سئل عن هدف الحرب التي تخوضها القوات الصربية في البوسنة صرح بقوله: "المسلمون في أوربا يجب أن يختفوا كأمة ، لا نريد مسلمين بيننا أو حتى في أوربا كلها"، ولقد صرح جزار الصرب الأرثوذكس الأصوليين (سلوبودان ميلو سوفيتش) حين سئل عما يفعله في مسلمي البوسنة فقال: "إنني أطهر أوربا من أتباع محمد".

حدث هذا كله ولم نتهم اليهود أو النصارى الصليبيين بالوحشية والهمجية والتخلف..

***

نعم..

حدث هذا كله ولم نقل أن المسيحيين إرهابيون.. وما (سربرنيتشا) التي نحكي أحد فصولها، وما (بيهاتش) التي نقصُ بعض ما حدث فيها، إلا اثنتان من عشرات المدن البوسنوية التي تم فيها طبقاً لبعض الإحصائيات قتل وتعذيب وحرق ما يزيد عن300 ألف مسلم أغلبهم من النساء والأطفال، منهم 70 ألف قضوا نحبهم في مجازر جماعية و50 ألف معاق وما يزيد عن 120 ألف مفقود، كما تم تدمير أكثر من 800 مسجداً من أصل 1500 مسجد، وطرد جماعي قسري لما يزيد عن مليوني مواطن- هم تقريباً جملة من بقي حياً من سكان هذه الدولة المسلمة- بلا مأوى ولا طعام ولا خيام، واغتصاب ما يزيد عن 75 ألف جندي داخل ما يقرب من عشرين معسكراً لأكثر من 700 ألف طفلة وسيدة، زرعت أرحام المئات منهن بأجنة ذئاب وكلاب بشرية تنتسب إلى تلك الحضارة الزائفة الفاجرة التي لا تعرف الرحمة ولا تمت للإنسانية ولا للقيم والمبادئ النبيلة بأدنى صلة، والغريب في الأمر أن عمليات الاغتصاب غالباً ما كانت تتم علانية وعلى مرأى ومسمع من الجميع بل وأمام الآباء والأزواج في كثير من الأحياء، وكان جزاء من يتحرك لإنقاذ أي منهن وابلاً من الرصاص يخترق رأسه ويسقط بعدها صريعاً مضرجاً في دمه.

ولم نتهم اليهود أو النصارى الصليبيين بالوحشية والهمجية والتخلف..

أورد تقرير (شفارتز) عضو الحزب الديمقراطي المسيحي وعضو البرلمان الألماني الذي ورد في إحدى نشرات منظمة البر الدولية تحت عنوان (رأيت بعيني) وفيه يقول: "رأيت طفلاً لا يتجاوز عمره الثلاثة أشهر مقطوع الأذنين مجدوع الأنف، رأيت صور الحبالى وقد بقرت بطونهن ومُثل بأجنتهن، رأيت صور الشيوخ والرجال وقد ذبحوا من الوريد إلى الوريد، رأيت الكثيرات ممن هتكت أعراضهن ومنهم من تحمل العار ولم يبق لولادته سوى أسابيع، رأيت صوراً لم أرها على أية شاشات تليفزيونية غربية أو شرقية، وأتحدى إن كانت عند هؤلاء الجرأة والشجاعة لبثها".

ولم نتهم اليهود أو النصارى الصليبيين بالوحشية والهمجية والتخلف..

كان رواد الحضارة والتحرير والتنوير من أشاوس الصرب يقطعون- حين قتلهم المسلم البوسنوي- إصبعين فقط من أصابع يده ويتركون الثلاثة الباقية علامة التثليث .. و كانوا يبالغون في تعذيب حفظة القرآن وأئمة تلك المساجد ويذبحونهم في أغلب الأحيان على مرأى ومسمع ويمثلون بجثثهم ..

كان دعاة تحرير المرأة يقومون بإجبار امرأة مسلمة على شرب دم ابنها الصغير بعد قتله أمامها.. و يضعون الأطفال المسلمين في فرّامات اللحم وخلاطات الأسمنت ومطاحن الأعلاف.. ويقومون بدفنهم أحياء وأحياناً بسحب دمائهم حتى الموت لنقلها لجنود الصرب..

كانوا يقتلون الأسرى والمستسلمين بالآلاف ( أصرخ: لماذا استسلموا؟ لأماذا لم يقاتلوا فيَقتلون ويُقتلون؟) كانوا يفرضون حظر التجول حتى يتضور الأطفال جوعا، ثم يعطون مهلة قصيرة للناس كي يحصلوا على ما يسد رمق الجوعى.. وبمجرد أن يملأ الناس الشوارع كانوا يطلقون عليهم الرصاص. كانوا يلبسون الأسرى نفس لبسهم ليكونوا دروعاً بشرية في مرمى نيران الحرس الدفاعي المسلم.. ولا وهم يقومون في يوم واحد بقتل ألف مسلم ثم يتبعون ذلك بفقء أعينهم وبرسم الصلبان على جثثهم بالخناجر ثم بتقطيع آذانهم وأنوفهم ويتركونهم بعد ذلك نهباً للحيوانات تلغ في دمائهم.. ولا هم يقومون بحصد 20 ألف مسلم في 31/ 10/ 92 خارج (يابيتش) والاستمتاع بقتلهم بعد حصارهم- حسب إذاعة لندن الذي وصفت هذا العمل بأنه انتهاك خطير لحقوق الإنسان.. ولاهم يقومون بشوي طفل رضيع على النار أمام أبيه تماماً كما يشوى اللحم، ويأمرون الأب تحت تهديد الرصاص أن يأكل من لحم فلذة كبده ليطلقوا عليه الرصاص بعد ذلك.

ولم نتهم اليهود أو النصارى الصليبيين بالوحشية والهمجية والتخلف..

بقرت بطونهن النساء المسلمات بعد اغتصابهن وبعد أن خطت ورسمت على أجسادهن الصلبان.. ونساء أخريات قتلن بعد أن استؤصلت أرحامهن لا لشيء إلا لأنهن كن في الدورة الشهرية إبان فترة الغزو.. كان الأسرى يجبرون على خلع ملابسهم الداخلية والكشف عن أعضاء الذكورة لديهم، فإذا وجدوا أنه مسلم مختون قطعوا أعضاءه التناسلية ثم قاموا بذبحه وإلقائه في الماء المغلي وشيه كالذبائح..

ولم نتهم اليهود أو النصارى الصليبيين بالوحشية والهمجية والتخلف..

لقد انتشرت الفتوحات الإسلامية من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً ومن جبال القوقاز شمالاً إلى أواسط أفريقيا جنوباً.. ولم يجرؤ مؤرخ مهما كان مغرضاً أو حاقداً على الإسلام وحضارته أن يتهم جيشاً عربياً أو إسلامياً بفعل شيء من ذلك أو بارتكابه جرائم حرب أو قيامه بإبادة جماعية ضد سكان بلدة أو جزيرة مهما كانت نائية أو صغيرة أو تافهة كما فعل ويفعل الغرب بنا .

يصرخ د/ ربيع كما يصرخ أحمد منصور في قناة الجزيرة : أين حقوق الإنسان من اتخاذ أطفال دروع بشرية يضعونها على فوهات الدبابات ومن قتل جرحي وطردهم أحيانا وتدمير مراكز طبية وأخذ كل ما تبقى من أجهزة طبية من داخل المستشفيات بعد الاعتداء على الأطباء لمنع معالجة الجرحى وقصداً لإفناء من لم يفن من رصاصات القناصة وقنابل الفوسفور وقذائف الطائرات ونيران الدبابات والمدرعات التي لا تبقي ولا تذر وتدمر البيوت على ما ومن فيها؟ أين حقوق الإنسان من هذه الانتهاكات التي نسمع عنها مما يجري في الهند وبورما وبلغاريا وكشمير والفلبين وغيرها ضد كل ما هو إسلامي؟ وفي أي نظام أو أية شريعة يُمنع المعتدى عليه من الدفاع عن نفسه ويحظر عليه السلاح بل ويطلب منه تسليم بنادقه المتهالكة التي بقيت مع بعض أفراده في حين يتمتع المعتدي بدباباته وطائراته وصواريخه وكامل عتاده يقتل ويهلك ويدمر؟ أين ذلك النظام الدولي الجديد الذي يدعي القوامة على العالم إلا أن يكون هذا النظام أقيم خصيصاً لمواجهة الإسلام والمسلمين؟.

حدث هذا كله فلم نتهم المسيحيين ولا المسيحية بالتوحش والتخلف والإرهاب..

حدث فلم نعلن الحرب على العالم..حاولنا فقط أن ندافع عن أنفسنا.. وفشلنا.. لأن الغرب – المسيحي – كان قد جاء بمجموعة من القوادين والنخاسين وجعلهم ملوكا علينا..فأذلونا..

لم نتهم الجمع بل حددنا التهمة بمن يرتكبها فقط..

لأننا خير أمة أخرجت للناس لم ننسب الفعل للدين ولم نقتل لمجرد الاشتباه كما يفعل وحوش يدعون انتماءهم زورا إلى عبد الله المسيح عيسى ابن مريم.

أساءوا إلينا فرددنا على إساءاتهم بالإحسان..

***

يصرخ د/ ربيع

لقد انتشرت الفتوحات الإسلامية من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً ومن جبال القوقاز شمالاً إلى أواسط أفريقيا جنوباً.. ولم يجرؤ مؤرخ مهما كان مغرضاً أو حاقداً على الإسلام وحضارته أن يتهم جيشاً عربياً أو إسلامياً بفعل شيء من ذلك أو بارتكابه جرائم حرب أو قيامه بإبادة جماعية ضد سكان بلدة أو جزيرة مهما كانت نائية أو صغيرة أو تافهة كما فعل ويفعل الغرب بنا .

***

هل نحن المتخلفون إذن؟ هل نحن الهمج الهامج؟ هل نحن الإرهابيون؟ هل نحن الذين نشكل خطرا على العالم..

لا وحق جلالك يا رب..

بل نحن خير أمة أخرجت للناس..

إنهم لا يكرهوننا لأننا إرهابيون أو مجرمون أو لصوص وقتله.. بل يكرهوننا لأننا نمنع الإرهابيين والمجرمين واللصوص والقتلة من فرض شريعتهم على العالم..

أما من هم المجرمون والإرهابيون واللصوص والقتلة فليس سواهم..

نحن نمنعهم..

ومن أجل ذلك يكرهوننا..

***

أي دين هذا الذي واجه هذا كله .. و إن كان لم يحقق حتى الآن الانتصار فأيضا لم يلحق به الانكسار..

والعجز عن الكسر هو أولى خطوات النصر .. فأي دين هذا..؟؟!!..

***

أي دين هذا.. أي روعة و أي قوة و أي طاقة و أي سيطرة و أي تأثير و أي بهاء و أي مضاء و أي سيطرة وأي عزيمة و أي روح و أي قيم سامية و أي قوة تأثير و أي جرأة على المواجهة و أي قدرة على دحض الباطل وكشفه كما يكشف النور الظلام..

أي دين هذا الذي يبدي كل هذه القوة والحيوية والتجدد وعدم القابلية للتلاشي!!..

دين ينجح في المقاومة والصمود والسعي للانتصار رغم الألم والعذاب والحصار والمهانة والتجويع والتزوير والتزييف والكذب والخيانة وانحراف النخبة وميلهم للعدو والشيطان واستخلاف حكام علينا لهم صفات العبيد للغرب فأي دين هذا؟!..

أي دين هذا..

أي دين..

أي دين هذا الذي سلطت عليه كل وسائل التزوير والتشويه والكذب.. وعلى الرغم من كل ذلك فإن المجاهد في سبيل الله إن شاء الله أيمن الظواهري، وهو يتحدث إلى المجرم القرصان بوش، يبدو وكأنه يتحدث من عليين حيث الملائكة والصديقين إلى بوش في أسفل سافلين حيث الأشرار والشياطين..

والله يا قراء إن هذا هو ما أحسست به، إذ بدا أيمن الظواهري مسربلا بنبله، وبتلك الهالة التي لا تبارى، هالة الحق، هالة تكاد تعرف أن صاحبها شهيد، هالة بدا بها عملاقا في كل شيء حتى في القوة، وبدا بوش أمامه حقيرا وصغيرا في كل شيء إلا في الخسة، وبدا شريرا من صعاليك الحانات، صعلوكا ولصا يستبد به الحنق لأن الفارس النبيل يعوقه عن المضي في سرقاته.

أي دين هذا..

أي دين هذا وانتصار حماس المطاردة المحاصرة المجوّعة المقاطعة في فلسطين يربك الدنيا المدججة بالسلاح والقوة والغنى.. وما يرهبهم سلاح حماس ولا قوة جيشها، و إنما يرهبهم سلاح الدمار الشامل الذي تحمله: سلاح الإسلام، فحماس تحتمي بالإسلام ولا تحميه، ولو تخلت عنه لكانت أقرب إليهم من حبل الوريد. و أظن حماس تدرك هذا، كما تدرك أن عزوفي عن تهنئتها بالانتصار، لا يعود إلى قلة اهتمام أو نقص محبة – بل وفخر-، بل يعود إلى موقفي من الحياة، ذلك أنني أرى الحياة كلها ابتلاء لا تجوز التهنئة إلا بالنجاة منه، أما الانتصار فهو أحد وجوه الابتلاء وقد يكون هو الأقسى. ولعلي هنا أزيد، أنني لم أخف على حماس قبل ذلك أبدا، حتى عندما اندلعت ألسنة اللهب في قلبي، وتوهج الجمر الذي انتقل من قبضتي ليسري في عروقي، وفاض ألمي عن قدرة احتمالي باستشهاد الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، فعندما حدث هذا، كان يجري في إطار المعادلة العبقرية للإسلام: معادلة إحدى الحسنيين!!.. لم أخف على حماس أبدا طالما كانت تحت ظل هذه المعادلة.. الآن لا أملك لها إلا الدعاء بأن ينصرها الله.. فليس من حقي النصح ولا التحذير إلا من شيء واحد يرعبني دائما الاستدراج إليه فقد استدرج إليه حكامنا جميعا.. بلا استثناء..بالدنيا.لدين بالدنيا .. واستبدال الأدنى بالذي هو خير.. ليس من حقي إلا أن أعبر عن حقيقة موجودة وواضحة:

أن الإسلام هو الذي يحمينا وليس العكس.. و أن الهلاك في الابتعاد عنه والتخلي عن مظلة حمايته ولو بانحرافات التأويل التي تؤدي دائما إلى زيغ العقيدة..

الإسلام قادر على المواجهة.. بل هو الوحيد القادر على المواجهة..

الإسلام هو الذي يزيده الهجوم عليه بهاء وقوة.. كالحجر الكريم والألماس كلما ازداد الاحتكاك به كلما ازداد لمعانه.. فأي دين هذا؟!..

أي دين هذا الذي كلما ازداد عدد شهدائه ازداد عدد أصفيائه.. وكلما ازدادت أعباؤه ازداد أتباعه.. وكلما ازداد عدد المعذبين فيه كلما ازداد عدد المنضمين إليه..و كلما ازداد الهجوم الفكري عليه كلما ازداد عدد المقتنعين به..

***

في المقالات الماضية استعرضت بعض صنوف العذاب التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون.. صنوف العذاب التي تبدو متشابهة كأبناء سفاح لأب داعر، فوسائل التعذيب في القاهرة كوسائلها في الرياض وتونس وجوانتانامو والمعتقلات السرية والطائرة، وكلها وثيقة الصلة بالحضارة الغربية الشيطانية. وما التعذيب إلا أحد وجوهها، ووجوهها الأخرى ليست أقل دموية وبشاعة، علينا أن نفهم هذا، فبدون فهمه، وبدون النظرة الشاملة سوف نعجز عن فهم مجريات السياسة والتاريخ، سوف نعجز عن فهم أولئك الذين يتركون الحياة الرغدة الناعمة الهانئة ليجاهدوا ويستشهدوا.. سوف نعجز عن فهم لماذا فعل الإمام الشهيد حسن البنا ما فعل.. وسوف نعجز عن فهم كيف أن الاستشهاد بالنسبة لسيد قطب كان اختيارا لا إجبارا.. وكان اصطفاء لا ابتلاء.. بدون فهم المنظومة الإسلامية الشاملة لن نفهم لماذا سعي الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي إلى الاستشهاد هذا السعي كله .. ولن نفهم لماذا حمل المجاهدان أسامة بن لادن و أيمن الظواهري – رضي الله عنهما – نفسيهما عبء مواجهة الشيطان والعالم.. بل إنني في سعيي الحثيث نحو إكمال الكتابة عن الشهيد سيد قطب، لا يمكن أن أصيب كبد الحقيقة إلا إذا فهمت بشاعة العالم الذي نهض سيد قطب لمواجهته وتعريته وفضحة، حتى استشهد في سبيل ذلك.

نعم.. لكي نفهم هؤلاء ودرة العقد فيهم شهيدنا الغالي السيد قطب لابد أن نفهم العالم الذي استنفره لمواجهته.. العالم الذي تصفه الدكتورة زينب عبد العزيز بقولها: هؤلاء الطغاة قد نشأوا ودأبوا على اقتلاع الآخر سواء جغرافيا أو حضاريا أو دينيا. فما فعلوه بالسكان الأصليين للأمريكتين واستراليا وزنوج إفريقيا ، أو تعذيبهم و إبادتهم لملايين البشر، لا يمكن محوه من ذاكرة التاريخ .. (...) ويكفى أن نطالع الإصدارات الغربية الحديثة بأقلام بعض الأمناء لنرى أهوال ما قام و يقوم به هؤلاء “المتحضرون” ..

نعم.. علينا أن نواجه إعلام الطاغوت الذي يدعي أن سيد قطب و أتباعه يمثلون نمطا خارجيا أو على الأقل هامشيا للمسلمين.. لا.. بل هم التيار الرئيسي وهم الذين يدافعون عن الإسلام كله..

يقول الكاتب جان بودريار في كتابه المعنون “ قوى الجحيم “ إن الإسلام هو النقيض الحيوي للقيم الغربية ، و لذلك فهو يمثل العدو رقم واحد (...) ، وفيما يتعلق بالتعصّب الديني المسيحي فإن كل الأشكال المخالفة له تعد هرطقة ، وبذلك فيتعيّن عليها إما أن تدخل النظام العالمي الجديد ، طواعية أو قهراً ، أو عليها أن تختفي. إن مهمة الغرب الآن هي أن يتم إخضاع الثقافات المختلفة بشتى الوسائل إلى القانون الوحشي المسمى التساوي (...) فالهدف هو التقليل من المناطق المنشقة واستبعاد كل المساحات المعترضة، سواء أكانت مساحات جغرافية أم مساحات في المجال العقائدي “.

***

ولسوف نواصل فضح الطواغيت.. لكنني لا أريد للقارئ أن ينتهي من المقال وهو يقول لنفسه: يا له من مقال محزن ومؤثر.. ثم ينتهي الأمر.. فأنا لا أحكي حكاية ولا أروي رواية ولا أصوغ عملا فنيا أطمع بعده في التقريظ والتقدير والإعجاب.. لا أفعل ذلك.. إنما أكتب بالدم، باللحم البشري المشوي، بالعظام المهشمة والنفوس المقاومة.. وأريد بكتابتي تلك أن أوصل إلى القارئ و إلى الأمة كلها فداحة ما يحدث، كي يخرج المواطن العادي من صمته وسلبيته وسكونه، لأن الصمت جريمة وخيانة، وهو عار الدنيا وخزي الآخرة، أريد أن أنقل ذلك إلى القارئ، فهو إن اتحد مع الباقين القادر على إرغام الجلادين على كف ذئابهم كلاب النار عن نهش أبناء هذا الدين..

هل أستطيع أن أجعل القارئ يحس..

لو كان بيدي لدرت على الناس و لجلت في الأسواق ولطفت الدنيا أطرح أمام الناس فداحة ما يغمضون أعينهم عنه وبشاعته. فهل أفلح في مواجهة ألف فضائية و ألف ألف صحيفة ومذياع وكلب نابح بالباطل..

هل أفلح..

هل أستطيع؟!..

هل أستطيع؟!..

هل أستطيع أن أبلل صفحات هذه المجلة بالماء أو بالدموع وأن أصلها بالكهرباء كي يتكهرب القارئ إذ يقرأ، ليفهم ويحس ويعي أي نوع فظيع من العذاب يعانيه أولئك الذين يعذبونهم بالصعق بالتيار الكهربائي..

هل أستطيع أن أجعل من السطور سياطا و أسلاكا مجدولة تنهال على وعي القارئ ليحس بشيء شبيه لما يعانيه الضحايا؟.

وهل أستطيع أن أستعمل بدلا من الحبر الذي دنسته أقلام كثيرة دم الضحايا الذي سفكه الطاغوت الباطش الجبار وسفحه الضحايا..

هل أستطيع أن أوقد تحت القارئ نارا، ليحس بما يحس به الضحية وهو معلق كالخروف المشوي فوق النار..

هل أستطيع أن أجعل القارئ يقرأ هذه المجلة وهو معلق من قدميه في سقف منزله، أو وهو معلق من رسغيه معكوسا وقد ربطت في كل قدم من قدميه أنبوبة بوتاجاز، أو وهو يسحل على الأرض..

هل أستطيع أن أصوغ من تلك الحمم المنصهرة المنثالة من داخلي تمثالا يحرق لامسه ويعمي الناظر إليه، أو أن أرسم بألوانها الدامية لوحة تتحرك فيها الجمادات وتصرخ..

هل أستطيع أن أجعل صفحات هذا المقال تشتعل بين يدي القارئ، أو تنوح وتلطم ..

هل أستطيع أن أنقل للقارئ عظمة تلك النماذج الشامخة الأبية التي لا تنكسر أبدا مهما مورس ضدها من تعذيب حتى الموت.. ثم هل أستطيع الحديث عن الجانب الآخر.. عن الذين يفقدهم التعذيب بشريتهم ..

هل أستطيع أن أبث الروح في تلك الحروف المتراصة الميتة فتنفجر بالحياة من الألم فتنقل للقارئ في نفس اللحظة التي يقرأ فيها صرخة إنسان يعذب، صرخة تلاشى منها كل كبرياء وانهدمت فيها كل إرادة، طويلة مشروخة مذهولة مرتعبة منسحقة يائسة آملة مذبوحة راجية خاضعة ذليلة متوسلة معترفة بما لا تعرف تائبة عما لم ترتكب صاخبة جياشة هادرة مهدورة مرتجفة بالخوف والكهرباء عمياء بما يعصب العينين، غير مدركة من أين يجيئها العذاب ولا سببه، صرخة لا يتخيل أن مثلها يمكن أن يصدر من عضو بشري كالحنجرة و إنما كل خلية في الجسد الإنساني تصرخ صرختها الخاصة فخلايا الحنجرة تصرخ وخلايا القلب تصرخ وخلايا الكبد تصرخ وخلايا الدم تصرخ، وخلايا الجلد التي تقابل خلايا السوط في العرس الدامي تصرخ، وخلايا الجسد كلها تتحول إلى خلايا للألم تستقبله وتعبر عنه مسقطة كل أبجديات اللغة فلا يبقي من كل حروف كل لغات العالم سوي حرفين .. هما: آه.

ويذوب الموصوف في الصفة منصهرا تحت حرارة اللهيب فإذا الآه ليست تعبيرا عن الألم بل هي الألم ذاته وقد استدعته نداءاته ليقود كالمايسترو فرقة الخلايا الصارخة مطلقة جميعا في تناغم وحشي سيمفونية الألم المروع التي تعزفها خلايا الجسد الإنساني المعذب الذي فقد ذاكرته ففقدت أفعال اللغة أزمانها ولم يعد لديه ماض ولا حاضر ولا مستقبل، لم يبق إلا فعل الأمر: اضرب، احرق، انتهك، عذّب، اركع، اعترف، انسحق، تلاش، اكفر بالله ، سب محمدا، وهو لا يستطيع وبين العذاب و العذاب عذاب أن يجيب، فخلايا الذاكرة قد فقدت الذاكرة لتطلق هي الأخرى صرختها المجردة من الزمان، فكأنما هزيم الصرخات يغطي الوجود الإنساني عبر كل تاريخه المعذب بين جبروت الجلادين الفجرة وعذاب الضحايا وعجزهم وذلهم..

هل يمكن أن يسمع القارئ وعيناه تجريان على هذه السطور صوت سوط، صوت العظام وهي تتهشم، والمفاصل وهي تنخلع، والنفوس وهي تنكسر..

هل يمكن أن يرى القارئ ولو لثانية واحدة ضابط الشرطة الذي يعبث بأصابعه وبأدوات أخري في هني امرأة، في عورتها وعفتها، بعد أن أخذوها وهي البريئة رهينة، هل يمكن أن يرى القارئ ذلك و أن يخصف على مشهد العار الداعر في خياله الدامي صفحات هذا المقال..

هل يمكن..هل يمكن..

و هل تغني هذه الدموع التي يذرفها القارئ الآن وهو يقرأ، وهل تجدي في إطفاء النار المشتعلة في ضحية واحدة..

هل أنجح في أن أجعل القارئ يحس بثوان فقط من ذلك العذاب الوحشي الهمجي المجنون الذي يعانيه الآن في نفس هذه اللحظة واحد من آلاف الضحايا في باستيل مصر في لاظوغلي، أو في فروعه المنتشرة كالعنكبوت أوالأخطبوط على ساحة الوطن، أو في مراكزه الرئيسية في جوانتانامو و أبي غريب وفلسطين وسجون المخابرات الأمريكية السرية، هل أنجح في أن أشعره بثوان، ثوان فقط، تجعله حتى، دون أي احتجاج أو تمرد أو ثورة، يلجأ إلى سريره ينشد الراحة من الإنهاك الذي سببه له تخيل الإحساس بالعذاب، وهي راحة لا يظفر بمثلها الضحية، فهناك، في سجون الطواغيت، لا يجد الضحية أي فرصة للراحة من العذاب، فبعد كل عذاب عذاب أشد..( راجع إني أرى الملك عاريا .. د محمد عباس- مكتبة مدبولي)

هل يمكن أن أنقل إلى القارئ شيئا من مشاعر اللهفة المحمومة والأمل الذي يعتمل في نفس ضحية تترقب صحوة الأمة تستجيب للنداء الذي تطلقه الكينونة الإنسانية دونما حاجة إلى صوت تهتز به أوتار الحناجر ولا إلى لغة تقولها بالحروف: وا إسلاماه فتهرع الأمة لإنقاذه من عذابه..

لقد خدعونا، ادعوا زورا أن قانون حضارتهم اللاديني يقرر أنه لا يوجد متهم بريء ومتهم مذنب، فكل المتهمين أبرياء حتى تثبت إدانتهم في محاكمة عادلة ، خدعونا، فبالرغم من ادعائهم، فان ضحايا التعذيب والقتل، معظمهم أبرياء لم تصدر بشأنهم أحكام.. يكفي أن يصرح الجلاد أن الضحية متهم كي يسام العذاب أو يفقد حياته.. أو أن تدعي الدولة المارقة – أمريكا وذيولها- أنه مشتبه فيه كي تهدم دولته وتمزق أمته..

هل يمكن أن يرى القارئ ولو لثانية واحدة كيف تذيب قنابل الفوسفور اللحم البشري..

أو كيف تمزق القنابل العنقودية التي تنفجر المئات والآلاف من الناس.. أما التي لم تنفجر فهي لا تقل خطورة.. إنها خطر كامن ينفجر في أي وقت دونما حرب ولا غارات ولا إنذار.

هل يمكن أن يرى القارئ هذا الجلاد وهو يغتصب شيخا كل جريمته: لا إله إلا الله محمد رسول الله..

كيف يمكن أن أنقل إليكم ذلك..

لو كان الأمر بيدي لمزقت صفحات هذه المجلة ولففت في كل ورقة منها مزقة من لحم شهيد أو شظية من عظامه أو قطيرات من دمه ولدرت بها على القراء واحدا واحدا أعطي كل واحد نصيبه منها ونصيبه من عار الصمت وخزيه..

هل يمكن أن يرى القارئ - ما رأته صحيفة القدس العربي - فضائح المعتقلات الجوّية التي يتم خلالها اختطاف المعتقل أو حمله إلي طائرة جوّية خاصّة بالمخابرات الأمريكية ليتم التحقيق معه في الجو دون حسيب أو رقيب ولا قوانين ولا أنظمة تنطبق علي مثل هذه الحالات.

هل يعرف القارئ شيئا عن تقنية عزل الحواس أو عن تقنية تحطيم الاعتداد بالذات التي تستعمل خصيصا ضدّ المسلمين كما اعترفت الجنرال كاربنسكي لتلفزيون الجزيرة بانّ كل خبراء هذه التقنية إسرائيليون. وتقوم هذه التقنية علي استخدام كل ما من شانه أن يهين كرامة وشرف وعزّة نفس وثقة السجين أو المختطف بنفسه وتحطيم قدرته علي الصمود واعتداده بنفسه وخاصّة بتهديده بممارسة اللواط أو الاعتداء عليه جنسيا أو مسح وجهه بدم الحيض.!

هل جللك العار أيها القارئ..

لم تدنسك الكلاب ولا دم الحيض ولا رأيت بعينك المصحف وهم يلقونه في المرحاض..

لم يدنسك هذا..

لكن ثمة دنس آخر قد يدنسك.. دنس لا يقل عما ذكرنا وقد يزيد.. دنس صمتك..

نعم.. صمتك يدنسك..

صمتك الذي تسبب في عار آخر سوف أذكره لك على الفور:

ذلك أن أقسى عقوبة يلحقها الأمريكيون بالمعتقل أن يسلموه إلى أهله، أن يسلموا العراقي إلى الحيوان المسعور صولاغ، والمصري إلى الحيوان المسعور الذي لا أعرف اسمه.. وكذلك في الرياض وعمان ودمشق وتونس والدار البيضاء..

فيا لها من نجاسة تطال الجميع وعلى رأسهم الحكام..

***

هل هالك أيها القارئ ما سمعت؟..

هل تمزق ضميرك قبل أن يتمزق صمتك؟!..

دعني إذن أرفه عنك بقصة يختلط فيها الجنس بالدم ..

ودعني قبلها أذكرك بشيء بالغ الخطورة يحدث في أرجاء كثيرة من عالمنا العربي، حيث تحول بعض الشرطة وأعضاء الحزب إلى مجرمين عتاة يطلبون من الناس الإتاوات كي لا يعتقلوا.. أو يطلبون من أهلهم ثمن استصدار قرار بالإفراج عنهم..

حدث هذا مع عدد لا يمكن حصره منهم العراقية: هدى العزاوي 39 عاما( من عائلة ميسورة)، واحدة من العديد من النساء اللاتي حبسن في السجن العراقي سيء الصيت, أبو غريب. وبعد إطلاق سراحها تروي قصة عذابها إلى لوك هاردينج (الجاريان).

بدأت الحكاية حين تلقت هدى العزاوي تهديدا من احد العراقيين المتعاونين مع القوات الأمريكية “مدام هدى ادفعي لي 10 ألاف دولار أمريكي, وإذا لم تدفعي فأنني سوف اكتب تقريرا للأمريكان عنك وعن عائلتك وأقول بأنكم تعملون مع المقاومة” ، وانه سوف يقدمه إلى القوات الأمريكية التي سوف تقوم باعتقالها.

رفضت هدي الدفع لأنها أدركت أن الاستجابة للابتزاز ستحرض المجرم على مزيد من الابتزاز.

بعد فترة قصيرة قام الأمريكان باعتقال أخ آخر للسيدة هدى تلاه أخوه الأكبر وهو أياد البالغ من العمر 44 عاما, وعند هذا الحد قررت السيدة هدى مواجهة الأمريكان مباشرة, وتوجهت إلى قاعدة القوات الأمريكية في الأعظمية. تقول هدى أن الكابتن الأمريكي طلب منها العودة ومعها أخويها الآخرين, ثم بعد ذلك سوف نتكلم. وفي عشية عيد ميلاد السيد المسيح, عادت هدى ومعها أخويها علي ومعتز, “ولقد انتظرت أربع ساعات قبل أن يستجوبني الكابتن, وبعد عشر دقائق ابلغني بأنني رهن الاعتقال! “.” قيدوا يدي إلى الخلف، وعصبوا عيني بواسطة قطعة قماش، وربطوني في سيارة هامفي وأخذوني إلى مكان داخل القصر. ثم رموني في غرفة يوجد فيها كرسي خشبي واحد, وكانت غرفة باردة جدا , وبعد خمسة ساعات جلبوا أختي. أنا لم أكن أرى شيئا ولكن استطعت تمييزها من صراخها(...)تركوني على هذا الكرسي طوال الليل, وفي اليوم الثاني أخذوني إلى غرفة تسمى من قبل المحتجزين بـ (غرفة التعذيب). وصاح بنا الضابط “إذا لم تعترفوا سوف نعذبكم, لذا عليكم الاعتراف” . كانت يداي مقيدتان، وخلعوا حذائي وأوقفوني في الوحل، ووجهوا وجهي نحو الحائط. وكنت اسمع رجالا ونساء يتصارخون ويبكون بشدة(...) استطعت تمييز بكاء أخي معتز, أردت فقط اعرف ماذا كان يجري هناك, وحاولت أن أزيل العصابة عن عيوني وعندما فعلت ذلك أغمي علي” .

كان أخوها معتز قد اغتصب بطريقة وحشية وهمجية.

ثم جاء دورها في الاستجواب.

“العميل العراقي وضابط أمريكي كانا معا في تلك الغرفة. وبدأ العميل العراقي يتكلم وقال: “أنت تمولين إخوانك لضرب الأمريكان” . وبما إنني أتكلم قليلا من الإنكليزية, فقد رديت عليه فقلت: انه كاذب, ثم صفعني الضابط الأمريكي على كلتا وجنتي، وسقطت أرضا من شدة الضربة. (...) وبعد ذلك أرجعوني إلى الزنزانة التي لم تكن مسقفة، والسماء كانت تمطر بشدة. في منتصف الليل رموا تحت أقدام أختي شيئا ما تبين انه أخي أياد. وكان ينزف من قدميه وركبتيه ووجهه, وسألت أختي: “تأكدي إن كان لا يزال يتنفس” , ثم ردت أختي: “لا! لاشيء” , وبدأت ابكي, وفي اليوم التالي اخذوا جثته بعيدا” .

وبعد ذلك أصدر الجيش الأمريكي شهادة وفاة اطلعت عليها صحيفة الجارديان تعزي سبب الوفاة إلى سكتة قلبية أو بسبب مرض غير معروف. الطبيب الأمريكي الذي وقع شهادة الوفاة لم يكتب اسمه وكان توقيعه مشوها. الجثة أعيدت إلى العائلة بعد مضي أربعة اشهر، في الثالث من نيسان، بعد افتضاح قصة سجن أبو غريب.

“ولكوني أتكلم قليلا من الإنكليزية فقد سمح لي بالعمل على جمع القمامة, ولم يكن هناك أبدا طعاما كافيا, وفي احد الأيام سقطت امرأة مسنة من الجوع, وقد كان الأمريكان يأكلون الكثير من الطعام, ويتركون الباقي؛ لذلك كنت اجمع ما تبقى من الفضلات وأعطيه إلى تلك المرأة المسنه. وفي احد الأيام شاهدوني أقوم بذلك، فرموني في زنزانة انفرادية عرضها متر واحد. ثم بدأوا يرشون الماء البارد علي لمدة أربعة ساعات.

***

هل تدمع عيناك الآن أيها القارئ؟..

أم أنك تلطم وجهك وتصرخ وتنوح..

أتريد مزيدا من القصص..

إليك قصة محلية.. وقد حدثت تقريبا في نفس الوقت:

لقد حدثتك عن اغتصاب الشيوخ والعلماء في العراق.. فهل تظن أن القاهرة بعيدة عن ذلك.. فلتقرأ في تقرير المجلس القومى لحقوق الإنسان في مصر:

يقول المتهم محمود زين العابدين - إمام وخطيب - : حضر شاويش وأخذني لعرض على النيابة وأخذوني إلى السجن مع الدسوقي قليب وخالد عيد الشامي ومحمد إسماعيل سعد وذهبوا بنا إلى سجن الاستقبال حيث أمضينا أربعة ساعات ثم أخذونا بعد تعصيب أعيننا وتقيد أيدينا بالكلابشات خلف ظهرنا ورمونا في ميكروبا على الأرضية ونمنا على ظهورنا والكلابشات خلف ظهرنا يقطع في أيدينا وألقوا علينا بطانية ثم ذهبوا إلى مباحث أمن الدولة في مدينة نصر وأجبرونا على النزول بالضرب ونحن معصوبي الأعين ومكلبشين وضربونا على الظهر والرأس وأعطوا لي رقم 3 ووضعوني في زنزانة غير آدمية لمدة 24 ساعة وأنا معصوب العين ومكثت أربعة ساعات في رعب من سماع أصوات الضرب ثم سألوني وضربوني وأجبروني على خلع ملابسي بالكامل وهددوني بتصويري وإرسال الصورة إلى البلد وتم كهربتي بشئ يشبه العصا في ظهري واسمعوني صوت تعذيب دسوقي قليب وضربه وتعذيبه ووضع العصا الكهربائي بالعضو التناسلي وفى رأسه حتى كاد يفقد الوعي. وثالث يوم قال أحد الضباط (إديلو شوية أبو غريب) فقاموا بتعليقي من ذراعي في مأسورة وتم رفع الكرسي من أسفل رجلي حتى شعرت أن ذراعي ينمل ويكاد أن ينكسر فاستنجد بهم فأخذوا يكهربوني واستمر ذلك لمدة 20 دقيقة وعندما أنزلوني من على المأسورة وجدت عظمة كوعي الأيمن بارزة ومنملة وفقد توازني وأخذوني إلى المكتب مرة أخرى واستمر التعذيب حتى أعترف عن تنظيم الإخوان والكوادر وأنا عاري تماماً.

هل يمكن أن يحس القارئ بذلك..

وهل يجب علي أن أذكره بأن الشهيد أكرم زهيري كان رفيق الشيخ محمود زين العابدين في السجن.. حيث مات..

***

هل تريد حكايات أخرى أيها القارئ المدان صمته؟! أم اكتفيت؟!.

هل تريد أن تعرف كيف تروع الشرطة أسر الشهداء، كيف تعتقلهم وتعذبهم قبل إخبارهم بموت قريبهم من التعذيب كي يعوا الدرس ويعلموا ما سيصيبهم إن فضحوا ما حدث أو اتخذوا أية إجراءات قانونية للتحقيق في واقعة التعذيب.

أما عن النتيجة فلم يحقق أحد ولم يدن أحد.. فتصرخ الجمعية المصرية لمناهضة التعذيب معلنة في غضب ارتفاع معدل التعذيب وعنفوان شدته إلى الحد الذي أصبح يؤدى بحياة مواطن كل أسبوع وينتج ضحية تعذيب كل يوم تقريبا وذلك وفقا للبيانات المتاحة فقط ليصبح الأحد الأدنى سنويا لضحايا التعذيب 52 قتيلا و365 ضحية للتعذيب.. فمن المعروف جيدا أن وقائع التعذيب الفعلية إلى لا تصل أخبارها إلى الإعلام أو مراكز حقوق الإنسان تبلغ أضعاف هذه الأرقام .

وتصرخ الجمعية : لقد بات المجتمع المصري في مواجهة غول توحش وفقد إنسانيته متمثلا في جلادي التعذيب وأولئك المسئولين الذين يتولون حماية جلادي التعذيب . إن الجمعية المصرية لمناهضة التعذيب تدعو جميع المواطنين إلى التضامن لمواجهة هذه الكارثة

نعم..

الجمعية دعت جميع المواطنين..

لكن جميع المواطنين صامتون..

***

في تقرير نشره الكاتب السوداني علي حسين باكير في موقع صحيفة “ المصريون” الإليكترونية يلفت النظر فيه إلى الريادة الأمريكية الفاجرة و أن معظم مدارس العالم في التعذيب تعلمت فيها أو استمدت الخبرة منها. وتاريخ الولايات المتّحدة في تأسيس مدارس التعذيب والسجن فظيع ومروع ولا ينافسها فيه أحد. إن فظائع “أبو غريب” لم تكن حدثا عرضيا بل هي منهج استراتيجي راسخ . فالتاريخ يكشف أن تفوق مدارس التعذيب الأمريكية يأتي نتيجة التخطيط والمران والخبرة العملية وبعد جهود مضنية ومكثّفة يتم تدريب الضبّاط فيها من خلال كتب ومدارس وأخصّائيين نفسانيين واجتماعيين على كيفية إذلال المعتقل وامتهان كرامته لانتزاع ما يريدون منه(...) أسلوب التعذيب عند الأمريكيين قديم ومراجعه كثيرة : راجع مثلا تأسيس المدرسة العسكريّة الأمريكية في باناما، وانتقالها عام 1984 إلى نورث بينييج. وقد قامت هذه المدرسة منذ تأسيسها عام 1946 بتدريب 60 ألف عضو من 12 بلدا وقد أصبح عدد منهم فيما بعد رؤساء دول بعد أن أصبحوا جلاّدين مشهورين. ولقد كان لمدرسة الشيطان تلك كتب تدرس ومناهج تتبع. وكان من هذه الكتب: كتاب اسمه:” KUBARK” لتعليم فنون التعذيب، ويشرح الأساليب والطرق التي يجب إتباعها لانتزاع المعلومات من الأسير. ويؤكّد واضعو هذا المنهج أنّ أفضل وسيلة هي التي تجعل المعتقل يعذّب نفسه وأن يعذّب المعتقلين بمعتقلين آخرين. وقد تمّ تدريس هذا المنهج إلى رجال الاستخبارات والضبّاط في السجون وضبّاط مكافحة التمرّد والثورات. ومنها أيضا كتاب آخر تحت اسم “التدريب لاستغلال القدرات البشرية” وكان هذا أسوأ نتاج في التعذيب ويعتقد أن المنهج الذي طبٌّق في سجن “أبو غريب” هو نفسه المذكور في ذلك الكتاب.

***

هل عرفتم الآن مصادر ثقافة ضباط أمن الدولة والحرس الوطني؟.. ولماذا يبدون في موقفهم من المسلمين أشد قسوة من الصليبيين واليهود..

هل تتساءلون عن السبب..

لقد أجروا لهم عمليات غسيل مخ فصلتهم عن دينهم و أمتهم..

لكن ذلك لا يقلل من مسئوليتهم عن جرائمهم قيد أنملة..

لا يقلل أيضا من مسئوليتنا عن كشفهم وفضحهم ومحاكمتهم..

فكيف أستطيع أن أصل إلى البشرية جمعاء كي أصرخ فيها بما يحدث و أنقل لها هول جرائم التعذيب التي مارستها قوات الاحتلال الأمريكي في سجن أبو غريب في العراق، ليس على سبيل الحصر بل على سبيل المثال لكل ما يحدث في كل سجون الطواغيت من المسلمين.

فقد كشف تقرير أعده الجنرال الأمريكي أنطونيو ثاغوبا و آخر أعده سيمون هيرش ونشرته مجلة نيويورك عن الجرائم التي يرتكبها الأمريكيون مثل كسر الأضواء الكيماوية وسكب السائل على المعتقلين و سكب المياه الباردة والساخنة على المعتقلين بعد تعريتهم و ممارسة اللواط فيهم وإجبارهم على تمثيل مظاهر جنسية ضد بعضهم البعض وإجبارهم على ممارسة العادة السرية و تعرية المعتقلين وإجبارهم على النوم فوق بعض و إدخال أضواء كيماوية في دبرهم و إبقائهم عراة لعدة أيام وضربهم بمقابض المكانس والكراسي و إجبارهم على التعري ولبس ملابس نسائية داخلية ربط رقاب المعتقلين وهم عراة بحبل وجرهم وهم مقيدين و حرمانهم من النوم واستخدام الكلاب العسكرية لترويعهم وعضهم و اغتصاب النساء المعتقلات و سكب سوائل فسفورية على المحتجزين وضرب المحتجزين بالكراسي والمطارق اليدوية والسماح للحرس بغرز المدى في الجراح الجديدة نتيجة التعذيب وضرب السجناء بجدران السجن و انتهاك عرض المساجين بكافة الطرق لاسيما إدخال عصي المقشات في دبر المعتقلين و ربط الأماكن الحساسة للمعتقلين بالأسلاك الكهربائي والتهديد بتشغيلها.

لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية بحق هي رائدة تضييع حقوق الإنسان في العالم وكانت المثل الأدنى والأخس والأسفل الذي سارت على نهجه الدول الأخرى.

لقد طالبت منظمات حقوق الإنسان الأمريكية بمحاسبة المجرمين مثل رامسفيلد وجورج تينت وسانشيز والجنرال ميلر والتحقيق معهم بموجب مبدأ المسؤولية القيادية، لكن الذي حدث هو ترقيتهم وتلميعهم ( تماما كما يحدث في بلادنا مع فؤاد علام وأشباهه). لم تستجب راعية العالم الحر، لكنها شددت من قبضتها لمنع المزيد من فضح الجرائم، ابتداء من منع استعمال الهاتف المحمول ذي كاميرات التصوير إلى التهديد بقصف الفضائيات التي تنشر الفضائح، إلى ابتكار طرق تضلل العدالة وتعجزها عن التصرف كاستخدام الطائرات كمراكز تحقيق مع المعتقلين حيث لا يوجد أحد يطبّق عليهم أي قانون وهم في السماء ولا احد يراقبهم، و كتسليم المعتقلين إلى مخابرات في دول العالم الثالث حيث يتم تعذيبهم دون أن يعلم احد بمكان وجودهم، و استئجار المرتزقة والتعاقد مع شركات أمنية خاصّة من خارج الجيش مقابل أموال طائلة مما يبعد المسؤولية عن أي قيادي في الجيش الأمريكي ويتيح الفرصة أمام هؤلاء المرتزقة استخدام كافة أنواع التعذيب دون حسيب ورقيب، فهم يكادون يكونون حسب ما قاله تقرير “هيومن رايتس ووتش” الأخير بمأمن تام من أي مساءلة أو عقاب على أفعالهم لأن شروط عملهم مع الجيش الأمريكي تمنحهم الحصانة من المقاضاة أمام المحاكم وهم لا يخضعون لتسلسل القيادة العسكرية وبالتالي لا تجوز محاكمتهم أمام المحاكم العسكرية ولا الأمريكية. لجأت راعية العالم الحر التي يسعى الليبراليون العرب إلى أن نتعلم منها أيضا إلى اختطاف المعتقلين وإخفائهم عن الأنظار واستخدام أسلوب “الإغراق بالماء” وحبس الأطفال واعتقالهم وأهاليهم وهدم بيوتهم وتقليه أشجارهم ومزروعاتهم لإجبار المطلوب على تقديم نفسه والاستسلام.

***

هل أستطيع أيها القارئ أن أنقل إليك شهادتين عن مجندين أمريكيين:

يقول الأوّل: رأيت زملائي وقد أجبروا محتجزين عراقيين على التعري وغطّوا رؤوسهم وأجبروا احدهم على الاستمناء والآخر على فتح فمه ثمّ قالوا لي “هل ترى ماذا تفعل هذه الحيوانات عندما نتركها لبضع دقائق؟!” .

أما الثاني فقد قال: لقد تعرّض أحد المعتقلين المصنف على انه خطير جدا إلى ضرب مبرح على أيدي رجال الاستخبارات وقد أدى ذلك إلى موته وبدلا من التعريف به وإعطائه رقم السجين تمّ وضعه في كيس مليء بالثلج ثمّ اخذوا يلتقطون الصور معه!!

***

ألا يجرح دينك وكرامتك أيها القارئ أن تعلم أن ضباط الموساد و أنهم مع إخوانهم من الشياطين الأمريكيين حاولوا كسر إرادة أسير سوداني في غوانتانامو من خلال إلباسه العلم الإسرائيلي عنوة فيما قاموا بربط أسرى آخرين بأيديهم وأرجلهم حتى غرقوا ببولهم وبرازهم طيلة 18 إلى 24 ساعة.

***

كيف أنقل إلى القارئ بعض ما حدث..و كيف أنبهه إلى أن الصور التي التقطها الجنود لبعضهم البعض قد أظهرت انّهم قاموا بهذه الجرائم الدنيئة بكل فرح وسرور وغبطة.

هذا هو العالم الحر الذي يعايروننا به ويطلبون منا أن نكون مثله.

هذه هي قيمهم ومثلهم العليا..

هذا هو توقيرهم للكبير وعطفهم على الصغير واحترامهم للجميع..

ها هي ذي نفوسهم المريضة..

تظهر الصور بعض الجنود الأمريكيين واقفين مبتسمين أمام الكاميرا وهو يضحكون بعد أن كوّموا السجناء العراقيين عراة على شكل هرم وإرغامهم على ممارسة الشذوذ والأفعال المشينة وبدا المجرمين بتوثيقهم لانتهاكاتهم لا يخافون من أي استجواب أو محاسبة أو قانون فهم القانون وهم العالم ودولتهم القائدة!!. إضافة إلى صور تظهر مجندة تقف والسيجارة تتدلى من شفتيها وترفع علامة النصر وتشير باليد الأخرى إلى موقع حسّاس لمعتقل عراقي عار تماما ورأسه مغطى بكيس، وصورة أخرى تظهر فيها المجندة إلى جانب ثلاث معتقلين يغطون عوراتهم بأيديهم وصورة أخرى تظهر فيه المجندة “انجلاند” ويدها بيد “غرانر” يرفعان أيديهما بإشارة النصر أمام سبعة معتقلين عراقيين عراة مكوميين فوق بعضهم البعض بينما يضحك الجنود عليهم وصور أخرى كثيرة وما خفي أعظم.. ( بتصرف كثير واختصار عن علي حسين باكير)..

***

هل يجب علي أن أحكي لكم عن الشيخ الذي ذهبت إليه قناة الجزيرة تسأله بعيد خروجه من المعتقل.. تلعثم الرجل.. ثم أجهش بالبكاء صارخا:

- لقد اغتصبوني..

هل يجب علىّ يا قراء أن أروي لكم كيف يتم اغتصاب الأطفال في مصر وبغداد وجوانتانامو..

هل يمكن أن أجعلكم تسمعون بآذانكم صرخات الفتاة الطفلة لمغتصبيها: “ والله أنا بكر.. والله أنا عذراء” وكأنما تحذيرها ذلك سيردهم عن الجريمة الشنعاء.

***

هل تقرأ أيها القارئ شريط الأنباء على قناة الجزيرة ، حيث يحاولون في وجه الطاغوت أن يبقوا قضية سامي الحاج حية..

سامي الحاج مصور يعمل لدي قناة الجزيرة، وقد اعتُقل على الحدود الباكستانية الأفغانية بينما كان متوجها إلى مدينة قندهار ضمن فريق القناة، في ذلك اليوم من ذلك العام انتهت الرحلة بسامي الحاج في معتقلات تشامان وكويتا وبغرام وأخيرا في غوانتانامو، التهمة؟ لا تهم محددة حتى اليوم سوى معلومات متضاربة ومشوهة يطلقها الأميركيون كما يُفعل مع أغلب معتقلي غوانتانامو، أما عن حق سامي الحاج في محاكمة عادلة فيظل بعد ألف وأربعمائة وستين يوما من اعتقاله معلقا حتى إشعار آخر.

ووفقا لما نشرته صحيفة الغارديان اللندنية في 26/9/2005، عرض المحققون على سامي الحاج الحصول على الجنسية الأمريكية مقابل أن يصبح جاسوسا. وحسب الوثائق التي أطلعت عليها الصحيفة، صرّح الحاج : “قالوا لي إذا تعاونت معنا فسنعلمك الصحافة، وسنقدم لك فيزا لتعيش في أي مكان من اختيارك. سنمنحك الجنسية الأمريكية، وسنوفر لك الحماية، وسنعطيك أموالا..سنساعدك على أن تكتب كتابا وسننشره لك. وهذا سيدفع القاعدة للاتصال بك والتعاون معك.”

جملة اعتراضية: هل يتذكر القارئ ما كتبته في مقال قديم أن أجهزة الأمن المصرية تجند كتابا وصحافيين بنفس الطريقة.. والكفر ملة واحدة!..

يتابع المحامي البريطاني الأميركي كلايف ستافور سميث ملف مصور قناة الجزيرة سامي الحاج الذي تعتقله واشنطن منذ أكثر من ثلاث سنوات في غوانتانامو. يقول سميث إن الأميركيين لم يوجهوا اتهامات محددة لسامي لكنهم يستعملونه كورقة ضد قناة الجزيرة.

يقرر المحامي: على المستوي التقني ليست هناك تهم ضده. لم توجه له رسميا أية تهمة حول أية جريمة, لكنه متهم بكونه أحد “المقاتلين الأعداء” وهو توصيف في غاية السخافة يلصقه الأميركيون بمن يشاءون. ليس هناك مطلقا أية وقائع .(...) احترم سامي لأنه رفض الافتراء ضد زملائه رغم الضغوط الأميركية (...) خضع سامي للاستجواب بطريقة عنيفة 130 مرة. الهدف من ذلك كان هو جعله يتحول لمخبر ضد قناة الجزيرة. كان الجيش الأميركي يريد منه أن يقول إن الجزيرة هي “جبهة” لتنظيم القاعدة وإن القاعدة تمولها. لقد رفض الحاج أن يقول ذلك لأنه غير صحيح. كشف له الجيش الأميركي أن الأميركيين يتنصتون على هواتف صحفيي القناة (كانوا يتنصتون على مكالمات سامي مع زوجته لما كان في مهمة إعلامية).

كان الأميركيون يريدون بالأخص من سامي أن يكون مخبرا ضد الصحفي أحمد منصور، ويقولون إن منصور عميل للقاعدة. لكن سامي رفض بقوة أن يقوم بذلك لأن تلك التهم كما يقول هي بكل بساطة غير صحيحة.(...) سامي يوظف لتمرير رسالة إلى الجزيرة مفادها أن أميركا ورغم أنها تدعي دعم حرية التعبير، تريد إغلاق تلك القناة أو إجبارها على ممارسة الرقابة على نفسها لكي تتوافق مع الرؤية الأميركية.

***

يكتب سامي الحاج رسالة طويلة- تنشرها قناة الجزيرة- يشرح فيها ما يحدث في أوكار الشياطين في أنحاء العالم فكأنما القرصان بوش يقول لكل معتقل سياسي: أينما تكون فسوف يأتيك مني العذاب.. يقول سامي الحاج عبر رحلته الطويلة مي معتقلات أسماؤها شتى لكنها تعبد ذات الشيطان:

“كوكبة من جميع أنحاء البسيطة قاسمها المشترك “الإسلام” يؤتى بهم من كل حدب وصوب، بأيدٍ قد أوثقت بالأغلال وأرجل مثقلة بالقيود ورؤوس مختفية داخل أكياس سوداء إلى هذا المكان المجهول. أبواب تفتح ونزول إلى أمتار عدة تحت الأرض في زنزانة صخرية الجدران حجمها لا يزيد عن المترين طولا ومتر عرضا، خالية تماما. وقبل أن يوصد الباب، تجرد من جميع ملابسك ثم ينظر إلى درجة اشتباهك، فإن كنت مشتبها به في الارتباط بأي منظمة “إرهابية” تربط يدك اليمنى على الجدار بحيث لا تستطيع الوقوف ولا الجلوس، وإن كنت مشتبها به في العضوية تعلق من يديك على السقف بحيث لا تلامس رجلاك الأرض، أما إذا كنت مشتبها به قياديا في منظمة إرهابية فتعلق في السقف من رجليك وتظل تسبح في الهواء. وتصل درجة حرارة الزنزانة إلى ما تحت الصفر في الشتاء، أما في الصيف فهي جحيم لا يطاق. أما الطعام فحسب درجة الاشتباه، فالمشتبه به العادي له وجبة كل ثلاثة أيام عبارة عن قبضة من الأرز نصف مستوي (النضج) مخلوط بنصف قبضة من التراب وملعقة من الفاصولياء السوداء، بالإضافة إلى قارورة من الماء الآسن الذي لا تستطيع أن تتجرعه إلا بعد إغلاق أنفك تماما. ولا تسأل عن مكان قضاء الحاجة فحسبك زنزانتك فهي كلها مكان لقضاء الحاجة. وبالنسبة للزمن فكل أيامك ظلام لا تعرف ليلا من نهار ولا تحلم بالنوم فأصوات الموسيقى الصاخبة وأصوات الحيوانات يخالطها أنين وآهات بني الإنسان نزلاء المكان. وبين الحين والحين والفينة والأخرى يدخل عليك الزوار خفافيش الليل أبطال من الملاكمين، وفي بعض الأحيان أصحاب الأحزمة السوداء في التايكواندو والكاراتيه، وفي زيارة أخرى المصارعين أو جلادون كرام. وتظل على هذا الحال شهرا.. شهرين.. ثلاثة.. والبعض يمكث سنين طوال، وفي بعض الأحيان يأخذونك في نزهة خارجية في غرفة ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، ويجلسونك على كرسي شبيه بكرسي طبيب الأسنان وأمامك عصي بجميع الأحجام، وبجانبك الأيمن كماشات لقلع الأظافر، وعلى جانبك الآخر مطارق ومسامير ومناشير، ومن تحتك حديقة حيوان بدءا بالقطط والفئران مرورا بالكلاب والعقارب والأفاعي العظام، ومن فوقك أسلاك كهربائية مختلفة العيارات. وعدد الزيارات حسب درجة الاشتباه، فالمشتبه به العادي مرة في كل أسبوع وفي جدولك زيارات إلى “المراوش” والمسابح. أما المراوش فيوضع الإنسان تحت أنبوب قطره لا يقل عن خمسة بوصات ثم يصب عليه الماء حسب الموسم، فإن كان شتاء فالماء على درجة قبل التجمد، وإن كان صيفا فعلى درجة قبل التبحر، أما الأحواض فمستنقعات من الأوساخ.

***

آآآه

هكذا كانوا يعذبون سيد قطب..

يربطونه في الكرسي ويدعون الماء يتساقط على رأسه الحليق قطرة فقطرة.. أياما تلو أيام لا يسمحون له فيها بالنوم..

كان السجن واحدا وكان الطاغوت واحدا وكان الشيطان واحدا وكان الكفر هو ذات الكفر..

هل علم القارئ الآن لماذا أهرب كل مرة من إكمال الحديث عنه.. عن سيد قطب.. رضي الله عنه.. إذ كيف سأحتمل ألمه؟!..

***

نعود إلى سامي الحاج.. ولندعه يواصل:

وبالنسبة للتحقيق.. وما أدراك ما التحقيق! أبطاله عرب شداد يتحدثون جميع اللهجات وخاصة المصرية والأردنية والعراقية. وفي هذا المكان فقط ترى الضوء إذ تسلط عليك إضاءة لا تقل قوتها عن ألف واط فأكثر. وبالتأكيد لن تر شيئا ولن تستطيع أن تفتح عينيك وستظل مغمض العينين من تلقاء نفسك حتى تلبس الكيس الأسود بعد نهاية الجولة. وعن الإكرام في الاستقبال وأثناء التحقيق فحدث ولا حرج.. بصقة.. صفعة.. ركلة.. لكمة.. صعقة كهربائية.. ضرب على أماكن حساسة وغير ذلك حتى نهاية الجولة.. وقبل الخروج إلى زنزانتك تعطر ببول معتق وتدهن بمخلفات الإنسان والحيوان. أما نزلاء هذا المكان فهم كثيرون لا يحصون.. ولكن من الذين خرجوا أحياء بقدرة إلهية ولم يلقوا حتفهم بأزمات قلبية –كما يدعي الأميركان- عمير اليمني وعبد الله الليبي وأيوب اليمني ورفيق الجزائري وبشير اصنعاني ويونس وهائل الذي فقد إحدى خصيتيه جراء الضرب والضغط عليها. “

“ثم يطير طائرنا ثانية من هذا الظلام ليحلق قهرا ويحط في منطقة تحيط بها الجبال تدعى “بغرام” التي لا تبعد عن هذا المكان سوى كيلومترات ليجد أناسا أخلاطا من نساء ورجال، شيب وأطفال. فلقد شوهدت امرأة باكستانية في إحدى الزنازين الانفرادية مصابة بحالة هستيرية من شدة ما ذاقت من أصناف الأذى وألوان العذاب، وأطفال يبكون من هول ما يرون وشباب يضربون حتى الموت، وما أكثر الذين أعلنت رسميا وفاتهم إثر أزمة قلبية مزعومة، وما خفي أعظم. “

“وبعدها يطير طائرنا مرة أخرى ليهبط بقندهار، وبالتحديد في مطارها حيث معتقل مكافحة الإرهاب. وداخل إحدى الخيم هذا فهد الشريف من آل البيت وسكان مكة المكرمة يوضع في خيمة انفرادية وتوجه له تهمة التخطيط لعمليات الحادي عشر من سبتمبر. وعندما ينكر ذلك يعلق من يديه مدة سبعة أيام مجردا من الملابس سوى سرواله القصير في البرد القارص دون طعام أو شراب، حتى يغمى عليه بعد ستة أيام فينزلونه ويطعم وجبة واحدة في اليوم مدة أسبوع آخر، وهو مجرد من ملابسه. ثم يدخل عليه المحقق فينكر التهمة فيدخل عليه آنذاك أربعة مصارعين من الجنود ويمسكونه بحيث لا يستطيع تحريك ساكن، وتدخل عليه عاهرة من العاهرات الأميركيات فتفعل ما يفعل الرجل بزوجته بحضور المحقق، ثم يبدأ الجميع بالضحك والسخرية. وعندما تقضي العاهرة حاجتها منه يهدد بتكرار هذا الفعل يوميا إذا لم يعترف، ثم يترك مرميا في خيمته عاريا خائفا محطما، ويعاوده المحقق كل يوم بالتهديد تارة وبالضرب تارة وبالشتم تارة أخرى، والاستهزاء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والدين الإسلامي، ولقد قال له بالحرف الواحد: “في هذه الحرب سوف ينتصر الصليب” .

***

نعود إلى سامي الحاج..

نعود إليه ليحدثنا عن جوانتانامو .. :

في خليج غوانتانامو “غولاغ المعاصر” حيث حديقة الحيوانات البشرية في حمامات انفرادية. يذهب بنا سامي الحاج إلى غرف التحقيق مباشرة ليقرأ على أحد الأبواب لافتة كبيرة مكتوبا عليها باللغة العربية “جهنم” . وتلك هي الغرفة التي خصصت لطالب العلم وحافظ كتاب الله “فاروق المكي” يتجرع فيها أشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي.. تسهير وموسيقى صاخبة.. إضاءة قوية.. برد قارس.. استهزاء بالإسلام بل بالقرآن، فمرة يوضع تحت رجل المحقق، وأخرى يرمى على الأرض.. ثم إغراء المومسات.

***

نعود إلى سامي الحاج..

نعود إليه في غرفة مجاورة ليجد فيها عبد الهادي الشارخ وهو شاب لم يتجاوز العشرين من العمر.. تسهير ثم صخب موسيقى ثم عاهرة تمسح على صدره “كريم” يثير الشهوة ثم تجلس على فخذيه وتخرج أصوانا في محاولة منها لتحريك غريزته، فيأبى الله له الخذلان ويظل صامدا صمود الرجال وراسخا رسوخ القمم الرواسي، فيجنّ جنون المحقق فيأتي بالقرآن الكريم ويرميه على الأرض ثم يطأه برجله القذرة، فيظل عبد الهادي على ما هو عليه فيزداد غضب المحقق ويأتي بعلم إسرائيل ويلفه على رأسه، وكل هذا وهو مكبل بقيود في يديه وموثق بالسلاسل والأغلال في رجليه على أرضية الغرفة.

***

في غرفة أخرى، هذا يعقوب السوري تدخل عليه المحققة وهو مقيد بالسلاسل وتتعرى أمامه، وعندما يخفض بصره تخرج قطعة من القطن وتأخذ من دم حيضها القذر وتمسح به وجه يعقوب المستنير بكلام الله عز وجل الذي يحويه صدره ويحفظه عن ظهر قلب. ويبقى على هذه الحال ساعات طوالا. وفي غرفة مجاورة يأمر المحقق المعتقل “محمد رجب” بالسجود له فيأبى السجود لغير رب الأرض والسموات، ويرفض أن يستكين لأمر مخلوق في الخضوع له، فيذيقه العذاب. ثم في غرفة أخرى، يدخل جندي وجندية على معاذ السيد فيتعريان أمامه ثم يمارسان الرذيلة ويجتهدان في إثارة غريزته، فيناجي ربه فيستجيب له ويحصنه حتى يعود إلى زنزانته من جديد.

***

نعود إلى سامي الحاج..

لكنه يودعنا بعد أن يجهز على البقية الباقية من إحساسنا إن كان عندنا إحساس يتجاوز ذلك الإحساس الذي يدفعنا للمظاهرات ..

يقول سامي الحاج:

واعلم أيها القارئ والمستمع الكريم أن هناك الكثير من القصص والحقائق أبشع وأفظع مما ذكرناه، ارتأيت أن أبقيها طي الكتمان حتى لا تخدش مسامعكم ولا تقسي قلوبكم، ولا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم.

سامي الحاج- معتقل غوانتانامو بكوبا في 8 سبتمبر/أيلول 2005 المصدر : الجزيرة..

***

هل تعلمون ماذا حدث لسامي الحاج بعد ذلك يا قراء..

يقول محاميه:

- لقد عانى سامي أسوأ أنواع التعذيب عندما اعتقل ونقل إلى أفغانستان. كما عانى في غوانتانامو وبشكل خاص لكونه احتج على تدنيس القرآن الكريم.

- ويواصل المحامي:

- لقد تعرض للضرب مرارا واعتدي عليه جنسيا..

فهل سمعتم هل قرأتم هل وعيتم هل فهمتم ..

لقد هتكوا عرضه..

هتكوا عرضه يا قراء..

هتكوا عرضه..

لا..

لا والله..

بل سلم عرضه..

سلم عرضه..

أحصن عرضه..

وهتكت أعراضنا نحن .. يا قراء..



***

***

***







حاشية 1



عمرو خالد



كنت من أكثر الناس إشادة بالدور الذي يقوم به عمرو خالد، ووصوله إلى شرائح من المجتمع لم يكن لسواه أن يصل إليها، وما زلت، ولم يمنعني هذا من انتقاده بشدة بلغت حد القسوة في أحايين كثيرة، لكنني في الحقيقة لم أشك أبدا في إخلاصه وصفاء نفسه وصدق سريرته قائلا لنفسي فليخطيء بعد ذلك أو ليصب فهو بين الأجر والأجرين!!

في الفتنة الأخيرة، كان كل ما فيها يريبني، وقد عبرت عن ذلك في مقالاتي السابقة، كنت أتمني المظاهرات ضد أمريكا و إسرائيل، وضد حكامنا، الأكثر إجراما و فجورا وشركا من أمريكا و إسرائيل.

رابني اندلاع مظاهرات يرحب بها من لا يحكم بما أنزل الله..

وقلقت لانشغال شيخنا ومعلمنا الشيخ يوسف القرضاوي بها، وكنت أود أن يظل التركيز على أمريكا و إسرائيل، وقلقت عندما قرر عمرو خالد الذهاب، وتمنيت ألا يذهب، خاصة عندما نصحه الشيخ يوسف القرضاوي بعدم الذهاب، وتمنيت في ذلك الوقت لو أن شيخنا القرضاوي لم يهاجمه على الشاشة.

كان الأمر كله فتنة شغلتنا عن الأهم..

كان فتنة دخل فيها الكافر والمنافق والمشرك والعلماني لتوسيع الخلاف وتعميقه..

أما أغرب ما كان فهو قيام الفاسق عادل إمام بمهاجمة عمرو خالد لأنه لم يطع الشيخ القرضاوي..

عادل إمام.. الشيوعي السفيه الذي لم يترك في أفلامه ومسرحياته بابا للسخرية من الإسلام والعروبة إلا أوغل فيه.. ولم يترك من رموز الإسلام رمزا إلا وسخر منه واستهزأ به.. فاستهزئ به يا رب وعامله بما يستحق..

مع عادل إمام كل أحابيل الشيطان طبيعية ومتسقة..

ومع كثير من الآخرين كذلك..

مع خالد الجندي وخالد عبد الله وغيرهما فالأمر مفهوم ما بين الغيرة والغل والحقد ..

أما ما آلمني حقا فهو موقف العزيز الغالي الشيخ وجدي غنيم.. فهو أكبر و أعمق من أن يتورط في الهجوم على عمرو خالد بهذه الطريقة.. و إنني أناشد من يقرأ هذا المقال من مريديه ومستمعيه أن يبلغه سلامي وتحيتي وعتابي..

كان الأمر كله فتنة ما كان أجدرنا بالبعد عنها والنجاة منها..

فتنة واساني فيها ذكاء عمرو في نهايتها عندما قال أنه مستعد لتقبيل رأس ويد شيوخه و أولهم شيخه القرضاوي.

***

***





حاشية 2



إبراهيم عيسى



إبراهيم عيسى القديم – على العكس من الحديث- كان بالغ السوء، كان ملوثا بدنس اليسار، وكانت كل أفكاره مشوهة ومقلوبة وكاذبة ومكذوبة، ثم بدأ يبتعد عن اليسار شيئا فشيئا، وفيما أظن أن هذا الابتعاد تم لأسباب داخلية، بمعني أنه كان صادقا في إعجابه باليسار، كما أنه كان يستمتع بذلك، لكنه راح يكتشف حجم أكاذيب اليسار وخسته بل وعمالته وخيانته، وراح إبراهيم يبتعد، لكنه احتفظ داخله، ربما دون أن يدرى بجرثومة السطحية في تناول أمور الدين، وهي سطحية لا تبحث عن التأصيل العلمي من ناحية، ومن الناحية الأخرى تقع في أخطاء تاريخية فادحة لا يقع فيها تلميذ، لكن هذا أيضا منهج سافل من مناهج اليسار، ولا ننسى خطأ المرتد الكافر – بحكم محكمة النقض وليس بفتوى الأزهر- نصر حامد أبو زيد عندما اتهم الإمام الشافعي بالانحياز للدولة الأموية لأنها استعملته، وقد جهل الكافر المرتد- بحكم النقض- أن الإمام الشافعي ولد بعد 18 عاما من نهاية الدولة الأموية!!.

نفس الخطأ وقع فيه إبراهيم عيسى في مقال أخير له في صحيفة"صوت الأمة" حيث أخطأ فتصور أن سيدنا أبي هريرة قد انتقل إلى رحمة الله بعد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين، بينما مات الأول قبل الثاني بأربعة أعوام كاملة. عليهما رحمة الله ورضوانه.

لإبراهيم عيسى الآن وجهان – فكأنه دكتور جيكل ومستر هايد- وجه شديد الإشراق ووجه مظلم، ومن المحزن أن جل وجهه المشرق يطل على الدنيا بينما يطل معظم وجهه المظلم على الآخرة.

إبراهيم – وعسى الله أن يغفر له بجهله- يكيل الاتهامات لصحابي جليل هو سيدنا أبو هريرة، ويردد أقوال المستشرقين والشيعة عنه، ويشكك في إمكانية قدرته على رواية أكثر من خمسة آلاف حديث عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

صدق إبراهيم الكذب السهل وازور عن طريق الصدق الوعر المحفوف بالمكاره ولو أنه لجأ إليه لاكتشف أن ما رواه سيدنا أبو هريرة منفردا يتراوح ما بين أقل من عشرة أحاديث أو أقل من خمسين حديثا في عمره كله.. وفي هذا الصدد فإنني أنشر مقالا للدكتور محمد عبده يماني يتناول فيه الأمر كله، والمقال أهم من أن يُختصر:

***





أبو هريرة: أمانة الرواية وصدقها



عفا الله عن رجال يتكلمون في أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه وعن روايته للحديث فهم يغمزون ويلمزون ويتكلمون عن كثرة روايته، مع انه صحابي جليل شهد له رسول الله (ص) بالصدق، ودعا له، وكان رجلا قد هاجر إلى الله ورسوله وكان من الزم الصحابة له وكان يدور معه حيث دار حرصا على الحديث وروايته، ويأخذ عنه ويروي عنه بكل أمانة وصدق.



والحديث عن صحابة رسول الله (ص) (ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه) لا بد أن يكون بأدب وعلى علم وأسس صحيحة لا يخدش صحابيا ولا يغمز بأحد منهم، لأن النبي (ص) حذرنا من ذلك عندما قال: «الله الله في أصحابي، فلو انفق أحدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مد حدهم ولا نصيفه» وقد لاحظت بكل أسف أن هناك أحاديث تدور عن روايته للحديث وكثرتها ولو ردها هؤلاء إلى علماء الحديث ورجاله لعلموا الحقيقة وعرفوا صدق الصحابة وأمانتهم في الرواية، لأنهم تربوا على يد رسول الله (ص) وسمعوا منه، واخذوا عنه، وتعلموا منه أهمية الصدق، وقد حذرهم من الكذب عليه حين قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».



وعلينا أن نعلم أن أبا هريرة صحابي جليل، صحب رسول الله (ص)، وكان قريبا منه، وقد أحبه رسول الله (ص)، ودعا له بالحفظ، وكان رضي الله عنه زاهدا في الدنيا، ومن أهل الصفة، وكان حريصا على سماع الحديث من النبي (ص)، وكثيرا ما كان يتحمل آلام الجوع حتى لا يفوته شيء من الحديث النبوي الشريف.



وقد صحب النبي (ص) وحفظ الكثير من أحاديثه، وآتاه الله قلبا واعيا، وحفظا دقيقا، وعرف بالصدق والإيمان والتقوى، والمروءة، والأخلاق، ولهذا فإنه أمر مؤسف أن نلاحظ بين وقت وآخر تهجم بعض المستشرقين، فقد حذا بعض من لا علم له بالحديث حذو هؤلاء المستشرقين، وصدقوا أقوالهم في الطعن في الصحابة الكرام، والطعن في الحديث الشريف، والتشكيك في روايته، وكثير من هؤلاء الطاعنين من المسلمين الذين لم يدرسوا حياة هذا الصحابي الجليل دراسة صحيحة، ولم يعرفوا حقائق ناصعة عن روايته ودقته، ولهذا فقد أخذوا بكل أسف يغمزون ويلمزون، وهذا أمر خطير لأن رسول الله (ص) قال: «من آذى أصحابي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله... الحديث» ومن هنا فإننا نلاحظ أن بعض هؤلاء الطاعنين قد أسرفوا على أنفسهم وعمدوا إلى اتهام أبي هريرة رضي الله عنه بالإكثار في رواية الحديث النبوي، وانه قد روى الآلاف من الأحاديث عن رسول الله (ص)، واتهامه بأنه أسرف في الحديث، وهذا أمر غير صحيح، بل هو تزوير وتدليس على هذا الصحابي الجليل الذي خدم الحديث النبوي وأخلص في روايته، وانقطع له، وصحب رسول الله (ص)، وكان يتحمل ألم الجوع حتى لا يفوته شيء من حديث رسول الله (ص)، وقد اخرج البخاري عنه انه قال: «والله الذي لا اله إلا هو أن كنت لاعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني».



لقد كان رضي الله عنه حريصا على العلم، وشهد له النبي (ص)، فقد روى ابن كثير في البداية والنهاية أن النبي (ص) قال له: «إلا تسألني من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟»: فقلت له أسألك إن تعلمني مما علمك الله.



وكان كثير الحفظ لا ينسى، فقد دعا الله فقال: اللهم إني أسألك علما لا ينسى وقد أمن الرسول (ص) على دعائه. وروى البخاري ومسلم، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله إني لأسمع منك حديثا كثيرا أنساه. قال (ص): «ابسط رداءك» فبسطته، ثم قال: ضمه إلى صدرك» فضممته، فما نسيت شيئا بعد ذلك.



«وهذه ميزة مهمة لهذا الصحابي الجليل فقد روى ابن حجر في الإصابة: أنه جاء رجل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله (ص) حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله (ص) يؤمن على دعائنا، دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سأل صاحباي وأسألك علما لا ينسى، فقال رسول الله (ص): آمين.. فقال زيد وصاحبه: ونحن يا رسول الله نسأل علما لا ينسى... فقال سبقكم بها الغلام الدوسي. (يعني أبا هريرة). فأبو هريرة إذن محفوف بالعناية الإلهية، والدعوات النبوية، فإذا أضفنا إلى ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة في الدلالة على حبه لرسول الله (ص)، وحرصه على نوال شفاعته الخاصة التي لا ينالها إلا الذين سبقت لهم الحسنى من الله فكانوا أسعد الناس بهذه الشفاعة، وهم الذين تكون شفاعته (ص) بهم شفاعة تشريف وتكريم وعلو درجات، وقرب من رسول الله (ص)، وليست شفاعة من ذنوب أو شفاعة من كبيرة أو كبائر وقد كان جواب النبي (ص) شهادة عظيمة منه لأبي هريرة رضي الله عنه.



والسبب في إكثاره من الحديث وعدم نسيانه طول الصحبة، وملازمته لرسول الله (ص) وتأمين الرسول (ص) على دعائه ودعاء الرسول له (ص). فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة انه قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله (ص) والله الموعد، إني كنت امرءا مسكينا اصحب الرسول على ملء بطني.



«ولو حسبنا عدد أيام صحبته للنبي (ص) لوجدنا أنها تبلغ أكثر من ألف وأربعمائة وستين يوما ولو قسمنا ما روي عنه من الأحاديث الشريفة على هذه الأيام وجدنا أنه يروي كل يوم ما يقارب ثلاثة أحاديث ونصفا، وفي كل مائة يوم 367 حديثا أو أنه كان يحفظ مائة حديث في كل سبعة وعشرين يوما، فهل يستغرب أن يحفظ أبو هريرة رضي الله عنه كل يوم أربعة أحاديث مع ما رأينا من قصة الكساء، وقصة الدعاء، وما رأينا من حرصه على العلم، وحرصه على حفظ الأحاديث الشريفة، ومع ما رأينا من انقطاعه لخدمة النبي (ص) وسماع أقواله، وزهده في الدنيا، وعيشه مع أهل الصفة، وصبره على الجوع في سبيل ذلك.



وعندما قمت بنفسي بالتحقق من هذه المسألة بواسطة فريق مختص في الحاسب الآلي ظهرت لنا حقائق مهمة عن روايات أبي هريرة، فعندما تتبعنا رواياته وجدنا أن هناك ما يزيد عن ثمانمائة صحابي وتابعي رووا عنه الحديث وكلهم ثقات، لكن القضية الأساسية التي أفادتنا عند استخدام الحاسب الآلي هي انه عندما أدخلت هذه الأحاديث المروية في كتب الحديث الستة وجدنا أن أحاديث أبي هريرة بلغت 5374، ثم وجدنا بعد الدراسة بواسطة الكومبيوتر إن المكرر منها هو 4074 وعلى هذا يبقى العدد غير المكرر 1300 وهذا العدد تتبعناه فوجدنا أن العديد من الصحابة قد رووا نفس هذه الأحاديث من غير طريق أبي هريرة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى وبعد أن قمنا بحذف الأحاديث التي رويت من غير طريق أبي هريرة في كتب الصحاح الستة وجدنا أن ما انفرد به أبو هريرة ولم يروه أي صحابي آخر هو اقل من عشرة أحاديث.



ومن هذا يظهر أمانته وصدقه في رواية الحديث الشريف، وببريء ذمته رضي الله عنه مما اتهم به، وقد ساهم في هذه الدراسة رجال خدموا سيرة أبي هريرة ومنهم محمد ضياء الدين الاعطى الذي قام بعمل دراسات دقيقة وبذل جهودا تستحق التقدير وقد ساعدني في هذا الموضوع.



ثم شاء الله أن نطور العمل في أحاديث أبي هريرة فانتقلنا من الكتب الستة إلى الكتب التسعة وقد لاحظنا أن الأحاديث في الكتب التسعة المنسوبة إلى أبي هريرة هي 8960 حديثا، منها 8510 بسند متصل و450 حديثا بسند منقطع وبعد التدقيق انتهينا إلى أن الأحاديث التي رواها أبو هريرة في كل هذه الكتب التسعة بعد حذف المكرر هي 1475 حديثا، وقد اشترك في روايتها معه عدد من الصحابة. وعندما حذفت الأحاديث التي رويت عن طريق صحابة آخرين وصلنا إلى حقيقة مهمة وهي أن ما أتى به أبو هريرة مع المكررات في كتب الحديث التسعة هي 253 حديثا، ثم إن الأحاديث التي انفرد بها أبو هريرة بدون تكرار ولم يروها احد غيره في الكتب التسعة هي 42 حديثا، وما زلنا نواصل البحث، لكن هذه الأمور وهذه الحقائق أزالت كل تلك الشبه والتهم العقيمة والمغرضة التي كانت تلصق بأبي هريرة ويتهمونه فيها بالإكثار ويقولون عنه رضي الله عنه انه روى 8000 حديث بمفرده.. وبعضهم يقول انه روى 5000 حديث بمفرده.. هكذا دون روية أو تدقيق أو تمحيص.



ولذا فاني استغرب من الذين يطعنون في هذا الصحابي الجليل كيف يطعن بمن وثقه النبي (ص) وشهد له بالحرص على الحديث، ووثقه صحابة النبي (ص)، وقال طلحة بن عبيد الله «أحد العشرة المبشرين بالجنة والملقب: طلحة الخير»: لا اشك بان أبا هريرة سمع من رسول الله (ص) ما لم نسمع، ولا نجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله (ص) ما لم يقل.



وشهد له عبد الله بن عمر فيقول: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله (ص) واحفظنا لحديثه. وحذيفة ابن اليمان يوثقه ويزكيه وينقل تزكية ابن عمر له وقال رجل لابن عمر: أن أبا هريرة يكثر الحديث. فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، لكنه اجترأ وجبنا.



واعتمده أبو بكر رضي الله عنه بتبليغ الحديث لما كان أميرا على الحج: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ووثقه كثير من الصحابة ورووا عنه وكثير من التابعين رووا عنه كذلك حتى قال البخاري: روى عنه الثمانمائة من كبار أهل العلم من الصحابة والتابعين وكان احفظ من روى الحديث في عصره.



ولا بد أن نعلم انه رضي الله عنه قد حرص على تدوين الحديث وكتابته في آخر أيامه وكان يرجع إليه كلما سأله سائل، وقد روى الحاكم والإمام احمد ما يدل أن الحديث كان مكتوبا عند أبي هريرة قال ابن حجر: لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون بخطه فقد ثبت انه لم يكتب فتعين أن يكون المكتوب عنده بخط غيره، وكان يرجع في آخر أيامه إلى ما كتب من الحديث.



وقال الشافعي عنه: أبو هريرة احفظ من روى الحديث في عصره، ومن هنا فاني احذر الذين يطعنون في هذا الصحابي بأن الطعن بأبي هريرة طعن بالنبي (ص) الذي وثقه، وطعن بكبار الصحابة والتابعين الذين رووا عنه ووثقوه، وتطاول على السنة الشريفة.



وقد حرص بعض أعداء الإسلام من الذين أثاروا الشبهة حول كثرة روايات أبي هريرة بقصد الطعن في رواية الحديث وكان هدفهم التشكيك في السنة النبوية الشريفة والتشكيك في الإسلام، فالذي يطعن بأبي هريرة يطعن بثمانمائة من الصحابة وكبار العلماء من التابعين، والأمر اكبر من ذلك بكثير عند أهل العلم، لأنه يستهدف السنة النبوية.



وقد بين الإمام القرطبي رضي الله عنه أن الطاعن في رواية هذا الصحابي طاعن في الدين خارج عن الشريعة مبطل للقرآن، بل قال بعض السلف: إجلال أبي هريرة إجلال للنبي (ص)، واتهام أبي هريرة فيما يرويه عنه ازدراء على رسول الله (ص) وعلى ما جاء به.



وختاما فاني أضع هذه المعلومات بين يدي القاريء الكريم حتى يتبين له الحق، ويعلم خطأ الذين يتهمون هذا الصحابي الذي صدقه رسول الله (ص)، وقربه وصحبه ودعا له، ولو لم يعلم فيه خيرا لما فعل كل ذلك.



والقضية ليست قضية عاطفة وإنما حقائق نضعها أمام القارىء ولا املك إلا أن أقول اتقوا الله في صحابة رسول الله (ص) ولا تتجرأوا ولا تتهموا ولا تلقوا القول على عواهنه بغير علم ولا هدى، فان الله عز وجل يقول: «ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا».



***

***





بريد القراء



هكذا تكلم "القطبان" (02)

***

***



بلاد ما بين النحرين