المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القول بغير علم



مصعب
04-01-06, 12:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الشيخ أرجو منكم نصيحة لشخص محسوب من أهل السنة يأويل و يصرف الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية و أقوال السلف و العلماء و ينزلها على الأحداث بغير علم شرعي أو بعلم شر عي قليل و إذا قيل له تعلم العلم الشرعي ثم تكلم في أمور الدين تراه يتعذر بعذر قبيح (وهو عدم التفرغ للعلم و إنما يشغله طلب الزرق لأولاده أو من هذا القبيل مع العلم إن تعلم العلم الشرعي في هذه الأيام يسير جدا خصوصا بتوفر الكتب و أقراص الحاسوب و الانترنت وقد يتصدر هذا الشخص أحيانا مسائل فقهية و رد شبه الفرق الضالة لا يستطيع ردها حتى طلاب العلم إلا العلماء . فنريد منكم نصيحتين :
الأولى : نصيحة لهذا الشخص
الثانية : نصيحة كيف يتعامل مع هذه النماذج من الناس الذين يقولون على الله عزّ و جل بغير علم هل يستخدم معهم الهجر مع العلم
إن هذا الشخص يصر على رأيه و تفوح منه رائحة العناد و الجدال بالباطل .

عبد الرحمن السحيم
04-06-06, 01:34 PM
...

الجواب :

في الأمثال : إن البُغاث بأرضنا يستنسر !

وفي قول الصدق المصدوق صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا يَنْتَزِعه من العباد ، ولكن يَقبض العلم بِقَبْضِ العلماء ، حتى إذا لم يُبْقِ عالما اتَّخَذ الناس رؤوسا جهالا ، فَسُئلوا فأفْتَوا بِغير عِلم ، فَضَلُّوا وأضَلًّوا . رواه البخاري ومسلم .

ومثل هذا النوع كثُر في هذا الزمان !
يَتصدّر أحدهم ، بل ويُصدِّر نفسه ، ويُقدِّم قوله ، ويَرى نفسه شيخ الإسلام ابن تيمية ، أو علامّة الزمان !
وهذا مرض نفسي يحتاج صاحبه إلى علاج ( عُمَريّ ) !
عِلاج بالدِّرَّة ! حتى يتعرف قدر نفسه ، ويَعرف حدوده .

ونحن في زمن أحوج ما نكون إلى دِرّة عمر رضي الله عنه ..

فكم مِن صاحب قَلَم يحتاج إلى درّة عمر ؟
وكم مِن مُتصدِّر – بِجَهل – يحتاج إلى درّة عمر ؟

أما النصيحة فهي أن يأتي البيوت من أبوابها ، وأن يطلب العلم في مظانِّه ، وأن يَثني ركبته عند العلماء ، حتى إذا تعلّم تكلّم فيما يُحسِن .. وليس في كل شيء ..
ولا يستحيي إذا سُئل عن مسألة أن يقول : لا أدري .

وكان الإمام مالك رحمه الله من أكثر العلماء استعمالاً لهذه الكلمة ( لا أدري ) .
قال موسى بن داود : ما رأيت أحدا من العلماء أكثر أن يقول : ( لا أُحْسِن ) من مَالِك ، وربما سمعته يقول : ليس نُبْتَلى بهذا الأمر ، ليس هذا ببلدنا .
وسأل رجلٌ مالِكُا عن مسألة ، وذَكَر أنه أُرْسِل فيها من مسيرة ستة أشهر من المغرب ، فقال له : أخْبِر الذي أرْسَلك أنه لا عِلْم لي بها . قال : ومَن يَعْلَمها ؟ قال : مَن عَلّمه الله .
وسأله رجلٌ عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب ، فقال : ما أدرى ، ما ابْتُلِينا بهذه المسألة ببلدنا ولا سمعنا أحدا من أشياخنا تَكَلّم فيها ، ولكن تَعُود . فلما كان من الغد جاء وقد حَمَل ثُقْلَه على بَغْلِه يقَوده ، فقال : مسألتي . فقال : ما أدرى ما هي . فقال الرجل : يا أبا عبد الله تركت خَلْفِي من يقول : ليس على وجه الأرض أعلم منك . فقال مالك غير مُسْتَوحِش : إذا رَجَعْتَ فأخبرهم أني لا أْحْسِن .
وسأله آخر فلم يُجِبه ، فقال له : يا أبا عبد الله أجِبْنِي . فقال : ويحك ! تُريد أن تَجعلني حجة بينك وبين الله ، فأحتاج أنا أولاً أن أنظر كيف خَلاصي ثم أُخَلِّصك .
وسُئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري .
وسُئل مِن العراق عن أربعين مسألة ، فما أجاب منها إلا في خمس .
وقال : قال ابن عجلان : إذا أخطأ العالم ( لا أدري ) أُصِيبتْ مَقَاتِله . ويَروي هذا الكلام عن ابن عباس .
وقال : سمعت ابن هُرمُز يقول : ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول ( لا أدري ) .
وكان يقول في أكثر ما يُسأل عنه : لا أدري .
قال عمر بن يزيد : فقلت لِمَالِك في ذلك ، فقال : يرجع أهل الشام إلى شامهم ، وأهل العراق إلى عراقهم ، وأهل مصر إلى مصرهم ، ثم لعلي أرجع عما أفتيهم به . قال : فأخبرت الليث بذلك فبكى . وقال : مالك والله أقوى من الليث ، أو نحو هذا .
وسئل مرة عن نَيّف وعشرين مسألة ، فما أجاب منها إلا في واحدة .
وربما سُئل عن مائة مسألة ، فيُجِيب منها في خمس ، أو عشر ، ويقول في الباقي : لا أدري .

قال الشاطبي :
والروايات عنه في ( لا أدري ) و ( لا أُحْسِن ) كثيرة ، حتى قيل : لو شاء رجل أن يملأ صحيفته من قول مالك ( لا أدري ) لَفَعَل قبل أن يُجيب في مسألة .
وقيل له : إذا قلت أنت يا أبا عبد الله لا أدري ، فمن يدري ؟ قال : ويحك ! أعَرَفْتَنِي ؟ ومن أنا ؟ وإيش مَنْزِلتي حتى أدري ما لا تدرون ؟ ثم أخذ يَحْتَجّ بحديث ابن عمر ، وقال : هذا ابن عمر يقول لا أدري ، فمن أنا ؟ وإنما أهلك الناس العُجْب وطلب الرياسة ، وهذا يَضْمَحِلّ عن قليل .
وقال مرة أخرى : قد ابْتُلي عمر بن الخطاب بهذه الأشياء فلم يُجِب فيها .
وقال ابن الزبير : لا أدري ، وابن عمر : لا أدري .
وسئل مالك عن مسألة ، فقال : لا أدري . فقال له السائل : إنها مسألة خفيفة سهلة ، وإنما أردتُ أن أُعْلِم بها الأمير ، وكان السائل ذا قَدْر ، فغضب مالك ، وقال : مسألة خفيفة سهلة ؟! ليس في العلم شيء خفيف ، أما سمعت قول الله تعالى : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) ، فالْعِلْم كله ثَقيل ، وبخاصة ما يُسأل عنه يوم القيامة .
قال بعضهم : ما سمعت قط أكثر قولا من مالك : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولو نشاء أن ننصرف بألواحنا مملوءة بقوله : ( لا أدري . إن نَظُنّ إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ؛ لَفَعَلْنَا .

ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب " الموافقات " للشاطبي .
والأئمة الكِبار كثيرا ما يَتورّعون في مسائل ربما تقحّمها واقتحمها صِغار طلبة العلم ، بل من لم يشمّ رائحة العِلْم !
كثيرا ما أتأمل في كتاب المغني " لابن قُدامة ، فأجِد أقوال مثل الإمام أحمد والأئمة الكبار في مسائل كثيرة ، مِن مثل عِبارة : لا يُعجبني . أكره ذلك . لا أعلم . لا أدري .. ونحو ذلك .

فالأئمة الكبار يُحْجِمون ، وصِغار الطَّلَبَة يَتَقَحَّمُون !

جَلَسْتُ مرة إلى شيخنا الشيخ العلامة عبد الكريم الخضير – حفظه الله – في المسجد الحرام ، وشكوت إليه ما أُقْحِمتُ فيه مِن الفتوى ، وسألته هل يجد لي مِن عُذر ؟
فكان مما وجّه به – وفّقه الله – أن الفتوى ليستْ بالأمر الهيِّن ، والعلماء يتّقُون الفتوى ، والصحابة يَتدافعونها . وأن العالم يكون على وَجَل من الفتوى .
ثم قال حفظه الله : الناس بِحاجة .. ولِمن يُترَكون ..

والله المستعان .