المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : للدفاع عن الحبيب يامن تحب الحبيب تفضل وأقرأسيرته



أبو أسماء
02-09-06, 4:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على الهادي البشير والرسول المنير والمصطفى خير خلق الله أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد:-

لقد آلمنا جميعاً ما حصل في هذه الأيام من سخرية واستهزاء من الكفرة الملحدين الكاذبين المحاربين لله ورسوله آلمنا ما فعلوا وما قاموا به من إساءة لخير البشر سيد ولد آدم خاتم النبيين والمرسلين حبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه وهذا ليس بغريب عليهم فهم قد اتخذوا لله نداً وشريكاً وولداً فإذا كانوا أساءوا بحق الله فهل نستغرب منهم إساءتهم بحبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو من البشر.
ورغم ما حصل من إساءة وسخرية بنبينا الكريم عليه الصلاة والسلام إلا أني سعيد لما حصل من حال الأمة وغيرتهم على حبيبنا عليه الصلاة والسلام وما حصل من صحوة بعد سباتٍ عميق دام طويلاً ولكنها صحوة لا نعلم هل ستستمر أم لا.
فمن هو الذكي في هذه الصحوة؟ الذكي هو من يستغلها في نشر الخير وإتباعه والعمل به والرجوع للدين الحق والعمل به الذكي هو من يرجع إلى سيرة حبيبنا وقدوتنا محمد عليه صلوات الله وسلامه وقراءتها وإتباعها والإقتداء به في كل صغيرة وكبيرة لأن الصحوة بدون دليل ومنهج لن تدوم وستنتهي قريباً ونعود في سباتنا العميق وهذا ما لا نرجوه ولا نأمله.
ما سبب دفاعنا عن حبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ أليس السبب هو حبنا له ولكن هل يكون الحب بدون إتباع أو انقياد لما يأمر به حبيبنا عليه الصلاة والسلام مما أمر الله به وننتهي عما نهانا عنه كما قال الله في محكم التنزيل { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) }الحشر ألم يقل الله تعالى { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) }آل عمران.
فهل نحن نحب الله ونحب نبينا عليه الصلاة والسلام؟ إذا كان الجواب نعم فلا يكون الحب إلا بالإتباع لما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والعمل به دون قيد أو شرط أو تحريف وتأويل حسب ما يوافق أهواءنا لأن الله قد قال في محكم التنزيل{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) }الأحزاب فهل بعد هذا خيار لنا بأن نتبع ما نحب ونترك مالا نحب فإذا كان كذلك فإن هذا يسمى حب الهوى والحَمِيَّة لا حب الانقياد والطاعة والامتثال.

لذلك وفي هذا الموضوع أو البحث الذي سأقوم به وأسأل الله أن يعينني عليه وعلى إكماله والعمل بما فيه أحببت أن أطرح لكم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لكي نقرأها ونعرف الكثير عن حبيبنا الذي أوذي وأسيء وشكك فيه وفي أخلاقه وفعله وأوصافه سيكون هذا البحث الذي سأقوم به عبارة عن سيرة حبيبنا صلى الله عليه وسلم وما ورد عنه صلى الله عليه وسلم لتبيين أخلاقه وحسن تعامله وكريم فعاله وصفاته لكي يكون القاريء على بينة عن حبيبه أكثر وليعرف عنه ما لم يكن يعرفه من قبل فيقوم بإتباعه على بينة والذود عنه بتبيين سيرته لمن حوله من أقارب وأحباب فيعم بها النفع وينتشر الخير لكي ندافع عن حبيبنا صلى الله عليه وسلم على بينة ويكون دفاعنا بالعمل والتطبيق قبل القول.

لذلك سأبدأ من هذه اللحظة في البحث فأحببت أن أشارككم بما أقرأ وسيكون على شكل حلقات منفصلة لكي يكون هناك متسع لي لأجمع ما أريد من معلومات من عدة كتب متفرقة وأصيغها بالشكل الذي أحب أن أقرأه أنا ثم أطرحها لكم لكي نتشارك الفائدة ويعم النفع ولكي يكون لكم المجال في قراءة كل حلقة على حده ليقرأها من يقرأ وينشرها من ينشر لعل الخير يعم وسيكون عنوان هذا البحث

سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم كما أحببت أن أقرأها

وقد أسميتها بهذا الاسم لأني سأطرحها بالشكل الذي أحببت أن أقرأه أنا وذلك باختصار ما أحب أن أختصر والذي أرى أنه من الأفضل اختصاره وأطيل في المواضيع التي تستحق الإطالة والتفصيل لكي تكون فائدتها أكثر.

ولا أعلم كم سيكون مدة هذا البحث ولكن كل حلقة أنتهي منها سأطرحها لكم قد تكون أسبوعية أو شهرية حسب الإمكانية والاستطاعة فإن أمد الله في عمري سأقوم بطرحها على حلقات متتابعة ما يسر الله لي ولكم بعدها حرية النشر إن كانت تستحق النشر وبعد أن أنتهي منها ورأيت أنها تستحق النشر سأنشرها بعد مشاورة أهل الاختصاص في ذلك ولكن مبدئياً ستكون إهداء مني للجميع فأرجوا أن يكتب الله فيها النفع وأن يغفر لكاتبها وقارئها وناشرها.

أحبتي الكرام هذا الموضوع لم أطرحه لكي تردوا عليه بل لتقرءوه فقط وأتمنى أن لا يتم الرد عليه لكي يكون متسلسل ومتتابع لكي يسهل على القاريء متابعة قراءته لمن أراد ذلك لذلك أتمنى من إدارة المنتدى أن تغلقه ولكم مني جزيل الشكر.

وادعوا لي بأن ييسر الله لي إتمامه على خير وأتمنى أن يكون أسبوعياً فتمنوا لي التوفيق.

أعلموا أن هذه كتابة من بشر يخطي ويصيب فما كان من صواب فمن الله وبتوفيق منه وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله بريئان فإن رأيتم من خطأ فقوموني وصححوا أخطائي ولكم مني جزيل الشكر.

أبوعبدالعزيز الطيار
02-09-06, 6:27 PM
جزاك الله خير الجزاء

سفير مشكاة
02-10-06, 12:00 AM
جزاك الله خيرآ أخي أبو أسماء .

سفير مشكاة ...

فتى مشكاة
02-10-06, 12:08 AM
جزاك الله خيرآ أخي أبو أسماء .

أبو أسماء
02-10-06, 9:45 AM
أبو عبدالعزيز الطيار وسفير المشكاة وفتى المشكاة
يعطيكم العافية وشاكر لكم مروركم وردكم الكريم وأتمنى أن أكون عند حسن ظنكم بي وتقبلوا تحياتي وتقديري

أخوكم أبو أسماء مشبب القحطاني

أبو أسماء
02-10-06, 9:54 AM
وإليكم الحلقة الأولى

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

فكما هو معلومٌ في كتب التاريخ والسيرة ذكر نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام ولكن ما سأذكره هنا إلى عدنان وهو ما أُتُفِقَ عليه:-

فهو محمَّد بن عبد الله، بن عبد المُطَّلِب، بن هَاشِم، بن عَبْدِ مَنَاف، بن قُصَيِّ، بنِ كِلاب، بنِ مُرَّة، بنِ كَعْبِ، بنِ لُؤَي، بنِ غَالِب، بنِ فِهْر، بنِ مَالِك، بنِ النَّضْرِ، بنِ كِنَانَة، بنِ خُزَيْمَة، بنِ مُدْرِكَة، بنِ إلْيَاس، بنِ مُضَرَ، بنِ نِزَار، بنِ مَعَدِّ، بنِ عَدْنَان.

قصة المرأة المعترضة لعبدالله والد الرسول عليه الصلاة والسلام وسبب زهدها منه فيما بعد

أحببيت أن أطرح هذه القصة قبل ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ رأيت أنه ربما يكون فيها نوعٌ من دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإليكم هذه القصة:-

حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق قال: ثم انصرف عبد المطلب آخذاً بيد عبد اللـه، فمر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد ابن عبد العزى بن قصي، وهي عند الكعبة، فقالت لـه حين نظرت إلى وجهه فيما يذكرون : أين تذهب يا عبد اللـه? قال: مع أبي؛ قالت: لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الآن، فقال: إن معي أبي الآن، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئاً، فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة ووهب يومئذ سيد بني زهرة نسباً وشرفاً فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً,
قال ابن إسحق: فذكروا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه، فوقع عليها عبد اللـه، فحملت برسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، فخرج من عندها حتى أتى المرأة التي قالت لـه ما قالت، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي في مجلسها، فجلس إليها، وقال: مالك لا تعرضين علي اليوم مثل الذي عرضت علي أمس? قالت: فارقك النور الذي كان فيك، فليس لي بك اليوم حاجة.

وكانت فيما ذكروا، تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب ويقول: أنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل،

فالمراد والله أعلم من هذه القصة أنه كان في وجه عبدالله بن عبدالمطلب نوراً وهو نور النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأت أخت ورقة بن نوفل هذا النور وكان عندها بعض العلم من أخيها بأنه سيخرج نبي في هذه الأمة فكانت تريد أن يكون من صلبها فظنت بأن هذا النور الذي في وجه عبدالله هو من بشارات قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه رفض فلما وقع عبدالله على آمنة ذهب النور من وجهه فلما عاد إلى تلك المرأة وسألها رفضت لأن النور الذي كان به قد ذهب والله أعلم.

حمل آمنة بالرسول صلى الله عليه وسلم وما قيل أثناء حملها به

عن ابن إسحاق قال: كانت آمنة بنت وهب أم رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم تـُحـَـدِث أنها أُتـِيـَت حين حملت محمداً صلى اللـه عليه وسلم فقيل لـها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي:
أعـيذه بـالــواحـــد من شـر كـل حـاسـد في كـل بـر عـابـــد وكـل عــبـــد رائد نزول غــــــير زائد فإنه عبد الحميد المـاجـد حتى أراه قد أتى المشاهد
فإنه آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمداً، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الأرض، واسمه في الفرقان محمد فسميه بذلك.

فهذه دلالة من دلائل نبوته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ومن دلائله أيضاً:-

قول آمنةعن حملها بالرسول صلى الله عليه وسلم: ما وجدت مشقة في الحمل وما علمت بأني حملت به ولا وجدت له ثقلاً كما تجد النساء إلا أني أنكرتُ رفع حيضتي (والمرأة الحامل ينقطع عنها الحيض) ثم قالت أتاني آتٍ من الملائكة وأنا بين النائمة واليقظانة فقال هل شعرتِ بأنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها؟فأعلمي ذلك

وتوفي والده عبدالله بن عبدالمطلب وآمنة حامل بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد ولد عليه الصلاة والسلام يتيم الأب

دلائل وقت مولده صلى الله عليه وسلم على نبوته

روى الحاكم وصححه «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، فقال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور» وفي لفظ «سراج» وفي لفظ «شهاب أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام»

وروى ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى» وفي رواية «أنها قالت لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فأضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى».

ومن الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسروراً أي مقطوع السرة.

ومن دلائله عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله «من كرامتي على ربي أني ولدت مختوناً، ولم ير أحد سوأتي» أي لئلا يرى أحد سوأتي عند الختان

ومن الدلائل لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على الأرض مقبوضة أصابع يده يشير بالسبابة كالمسبح بها.وقيل: في رواية عن أمه أنها قالت لما خرج من بطني نظرت إليه، فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل».

ومن الدلائل كان بمكة رجل من اليهود حين ولد، فلما أصبح قال: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلمه.
قال: ولد الليلة نبي العرَب له شامَة بين منكبيه سوداء ظفراء فيها شعرات، فرجع القوم فسألوا أهليهم هل ولد لعبد المطلب الليلة ولد؟ قالوا: نعم. فأخبروا اليهودي فقال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل.

وعند ولادته تنكست الأصنام أي أصنام الدنيا، وليلة ولادته تزلزلت الكعبة، ولم تسكن ثلاثة أيام ولياليهن وكان ذلك أول علامة رأت قريش من مولد النبي ، وارتجس: أي اضطرب وانشق إيوان كسرى أنو شروان. ومعنى أنو شروان: مجدد الملك: أي وكان بناء محكماً مبنياً بالحجارة الكبار والجص بحيث لا تعمل فيه الفؤوس؟ مكث في بنائه نيفاً وعشرين سنة: أي وسمع لشقه صوت هائل، وسقط من ذلك الإيوان أربع عشرة شرفة أي وليس ذلك لخلل في بنائه، وإنما أراد الله تعالى أن يكون ذلك آية لنبيه باقية على وجه الأرض, وخمدت نار فارس أي مع إيقاد خدامها لها: و كتب له صاحب فارس: إن بيوت النار خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف عام. وغاضت أي غارت بحيرة ساوة أي بحيث صارت يابسة كأن لم يكن بها شيء من الماء مع شدة اتساعها

هذا ما تيسر لي جمعه من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام عند ولادته وإلى حسب ماذكر في الكتب أن هناك أموراً أخرى حدثت.

مولده صلى الله عليه وسلم

ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ،قيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وقيل لليلتين خلتا منه وقيل لثمان وقيل لعشر ، وكان مولده عام الفيل سنة 571م

وبعد مولده صلى الله عليه وسلم أن أمه لما ولدته أرسلت خلف جده عبد المطلب إنه قد ولد لك غلام فانظر إليه، فأتاه ونظر إليه وحدثته بما رأته، فأخذه عبد المطلب ودخل به الكعبة: أي وقام يدعو الله: أي وأهله يؤمنون ويشكر له ما أعطاه. ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها.

ما جاء في إرضاع النبي صلى الله عليه وسلم

سأذكر أولاً أمهات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ثم سأذكر قصة حليمة السعدية فأمهاته عليه السلام من الرضاعة:-

منهن ثُويبة مولاة أبي لهب، أرضعته أياماً، وأرضعت معه أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي بلبن ابنها مسروح، وأرضعت معهما عمَّه حمزةَ بن عبد المطلب. واختلف في إسلامها، فالله أعلم.
ثم أرضعته حليمةُ السعدية بلبن ابنها عبد الله أخي أنيسة، وجُدامة، وهي الشيماء أولاد الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي، واختُلِف في إسلام أبويه من الرضاعة، فالله أعلم، وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان شديدَ العداوة لرسول الله ، ثم أسلم عامَ الفتح وحسن إسلامه، وكان عمه حمزة مسترضعاً في بني سعد بن بكر فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين: من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية.

قصة حليمة السعدية

سأدعكم مع حليمة السعدية تحكي قصتها لإرضاع النبي صلى الله عليه وسلم:-

قالت حليمة: خرجت على أتان لي قَمراء قد أذمَّت بالرَّكب.
قالت؛ وخرجنا في سنة شهباء لم تُبْق شيئاً، أنا وزوجي الحارث بن عبد العُزَّى.
قالت: ومعنا شارف لنا، والله إنْ تبضُّ بقطرة لبن(ليس بها لبن)، ومعي صبي لنا والله ما ننام ليلَنا من بكائه، ما في ثديي لبن يُغْنيه، ولا في شارفنا من لبن يغذيه، إلا أنا نرجو الفرج. فلما قدمنا مكة لم تبْق منا امرأة إلا عُرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، وإنما كنا نرجو الكرامة في رضاعة من نرضع له من أبي المولود، وكان يتيماً صلى الله عليه وسلم، فقلنا: ما عسى أن تصنع بنا أمه فكنا نأبى. حتى لم يبق من صويحباتي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيري، فقلت أرجع ولم آخذ أحداً فكرهت ذلك، وقد أخذ صويحباتي، فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه.
قالت: فأتيته فأخذته، ثم رجعت به إلى رَحلي، فقال لي زوجي: قد أخذتيه؟ قلت: نعم. وذاك أني لم أجد غيره. قال: قد أصبتِ عسى الله أن يجعل فيه خيراً.
قالت: والله ما هو إلا أن وضعته في حجري فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، وقام زوجي الحارث إلى شارفنا من الليل فإذا هي ثغاء فحلب لنا ما شئنا فشرب حتى روي وشربت حتى رويت.
قالت: فمكثنا بخير ليلة شباعاً رواء. فقال زوجي: والله يا حليمة ما أراك إلا قد أصبت نسَمة مباركة، قد نام صبياننا وقد روينا.
قالت: ثم خرجنا، فوالله لقد خرجت أتاني أمام الركب قد قطعتهم حتى ما يتعلق بها منهم أحد، حتى إنهم ليقولون: ويحك يا بنت الحارث كفي علينا النصَب، أهذه أتانك التي خرجت عليها؟ فأقول: بلى والله. فيقولون: إن لها لشأنا. حتى قدمنا منازلنا من حاضر منازل بني سعد بن بكر.
قالت: فقدمنا على أجدَب أرض الله. قالت: فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غُنيمتي، وتروح غنمي حُفَّلا بطاناً، وتروح أغنامهم جياعاً هلاكاً، ما بها من لبن لشربة، فنشرب ما شئنا من لبن، وما من الحاضر من أحد يحْلب قطرة ولا يجدها. قالت: فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة. فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه، وتروح غنمهم جياعاً ما بها من لبن، وتروح غنمي حُفَّلا لبناً فلم يزل الله عز وجل يرينا البركة، ونتعرفها حتى بلغ سنتيه، وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فو الله ما بلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفرا، فقدمنا به على أمه، ونحن أضن شيء به (أرغب شيء به) مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه، قلنا لها: يا آمنة دعينا نرجع بالصبي هذه السنة، فإنا نخشى عليه وباء مكة، فوالله ما زلنا بها حتى قالت: نعم، فسرحته معنا.
فأقمنا به شهرين أو ثلاثة، فبينما نحن خلف بيوتنا، وهو مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا، جاءنا أخوه يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائماً منتفعاً لونه، فاعتنقه أبوه، وقال: أي بني، ما شأنك? قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاني فشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئاً فطرحاه، ثم رداه كما كان، فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب، انطلقي بنا، فنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما يتخوف.
قالت: فاحتملناه، فلم ترع أمه إلا به قد قدمنا به عليها، فقالت: ما رد كما به، قد كنتما عليه حريصين?! فقلنا: لا والله يا آمنة، إلا أن الله عز وجل قد أدى عنا وقضينا الذي علينا، وقلنا: نخشى الإتلاف والأحداث، فنرده إلى أهله، فقالت: ما ذلك بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذا شأن، ألا أخبركما بخبره? قلنا: بلى، قالت: حملت به، فما حملت حملاً قط أخف منه، فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعاً ما يقعه المولود، معتمد أعلى يديه، رافعاً رأسه إلى السماء، دعاه وألحقا بشأنكما.

ولقصة شق الصدر نذكر هذا الحديث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، واستـُرضِعتُ في بني سعد بن بكر، فبينا(فبينما) أنا مع أخ لي في بهم لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بياض، معهما طست من ذهب مملوءة ثلجاً، فأضجعاني، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذاك الثلج، حتى إذا أنقياه، رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنة بعشرة من أمته، فوزنني بألف، فوزنتم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بألف، فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنهم.

البتار النجدي
02-10-06, 4:55 PM
جزاك الله خير اخي الفاضل ونسال الله الا يحرمك الاجر وننتظر المزيد


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم البتار النجدي
أبو محمد

إسلامية
02-11-06, 7:29 AM
جزاك الله خيرآ

أبو أسماء
02-20-06, 10:26 PM
الأخ الغالي البتار النجدي والأخت الغالية إسلامية

أسأل الله أن يكتب لكم الأجر والمثوبة ويجزيكم خير الجزاء شاكر لكم مروركم وردكم الكريم وأتمنى أن أكون عند حسن ظنكم تقبلوا مني خالص التحية والإحترام

اللهم أرزقنا الإخلاص في القول والعمل

أبو أسماء
02-20-06, 10:30 PM
الحلقة الثانية

بعض ما ورد من أخبار عن حادثة شق الصدر وعندما ردة حليمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه

قرأت هذه الأخبار في بعض كتب السيرة فأحببت أن أطرحها لما فيها من بعض دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ولكن هل هي صحيحه أم لا؟ الله أعلم إنما قرأتها وطرحتها كما وردت في كتب السيرة
الخبر الأول: عن شداد بن أوس قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل شيخ من بني عامر فقال: يا محمد أنبئني ببدء شأنك.
قال: «أَنا دَعْوَةُ أبي إبْرَاهِيمَ، وبُشْرَى أخِي عِيْسَى ابنَ مَرْيَمَ، وذلكَ أنَّ أُمِّي لمَّا وَضَعَتْنِي كُنْتُ مُسْتَرْضَعَاً في بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٌ مُنْتَبِذٌٌ من أهْلِي في بَطْنِ وادٍ مع أتْرابٍ لي من الصِّبْيَانِ، إذَا أنا بِرَهْطٍ ثَلاثةٍ مَعَهُم طِسْتٌ من ذَهَبٍ مَلِيءٌ ثَلْجًا، فَأَخَذَنِي من بينِ أصْحَابِي، فَخَرَجَ أصْحَابِي هَرَاباً حتى انْتَهَوْا إلى شَفِيرِ الوَادِي ثم أقْبَلوا عَلى الرَّهْطِ فَقَالوا: مَا أَرْبُكُم(ما شأنكم) إلى هذا الغُلامِ؟ فَإنَّه لَيْسَ منَّا، هذا ابنُ سَيِّدِ قُرَيْشٍ، فإن كُنْتُم لا بُدَّ قَاتِلِيه فَاخْتَارُوا مِنَّا أَيُّنَا شِئْتُمْ فَاقْتُلوه» .
«فَعَمَدَ أحَدُهُم فأضْجَعَني، ثُم شَقَّ صَدْرِي ثُم أخَرَجَ أحْشَاءَ بَطْنِي ثم غَسَلَها بذلكَ الثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَها، ثمَ أعَادَها مَكانَها. ثمَ قَامَ الثَّانِي منهُم فقالَ لِصَاحِبِه: تَنَحَّ. فَتَنَحَّى عَنِّي، ثُمَ أدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي وأخْرَجَ قَلْبِي وأَنا أنْظُرُ إليهِ فَصَدَعَه ثمَ أخْرَجَ مِنْ مُضْغَةً سَوْدَاءَ فرَمَى بِها، ثمَ قَال بِيَدِه مِنه كَأَنَّه يَتَنَاوَلُ شَيْئَاً، فإذا أنا بَخَاتِمٌ فِي يَدِه من نُورٍ يَحَارُ النَّاظِرونَ دونَه. فَخَتَمَ به قَلْبِي فَامْتَلأَ نوراً، ثم أعادَه مَكانَه فوَجَدْتُ بَرْدَ الخَاتَمِ في قَلْبِي دَهْراً. ثمَ قَال الثالثُ: تَنَحَّ. فَأمَرَّ يَدَه من مَفْرِقِ صَدْرِي إلى مُنْتَهَى عَانَتي، فَالتَأَم ذلكَ الشِّقُّ بإذنِ الله تَعَالى، ثُم أخَذَ بِيَدِي فَأنْهَضَنِي من مَكَاني إنهَاضَ لطِيفَاً. ثم ضَمُّوني إلى صُدورِهِم وقَبَّلوا ما بيْنَ رأسِي وبينَ عَينَيَّ وقالوا: يا حَبِيْبَ الله لِمَ تُزع إنكَ لو تَدرِي ما يُرادُ بكَ من الخَيْرِ لقَرَّتَ عَيْنَاكَ»
قال: «فبينَا نَحنُ كَذَلكَ إذا أنا بالحَيِّ قَدْ جَاؤوا بحَذَافِيْرِهِم، وإذا أُمِّي، وهي ظِئْرِي(مرضعتي) أمَامَ الحيِّ تَهتِفُ بأعْلَى صَوْتِها: يا ضَعِيفَاه، يا حَبَّذَاه يا سُماه» فَأكَبُّوا عليَّ فَقَبَّلوا رأْسِي وما بَينَ عَينَيَّ وقَالوا: حَبَّذا أنتَ من ضَعِيفٍ. ثم قَالتْ ظِئْرى: أَمُسْتَضْعَفٌ أنتَ مِن بَين أصْحَابِكَ فُقُتِلتَ لضَعْفِكَ. ثم ضَمَّتْنِي إلى صَدْرِهَا فَوَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَفِيْ حِجْرِها وإنَّ يَدِي لَفِي يَدِ بَعْضِهِم، وظَنَنْتُ أنَّ القَوْمَ يُبْصِرونَهُم فإذا هُم لا يُبْصِرونَ»
«فقالَ بَعْضُ القَومِ: إنَّ هذَا الغُلامُ بِهِ لَمَمٌ أو طَائِفٌ منَ الجِنِّ» .
«فَذَهَبوا بي إلى الكَاهِنِ فَقَصُّوا عَلَيه قِصَّتِي، فَقَال: اسْكُتُوا حتَّى أسْمَعَ منَ الغُلامِ فَإنَّه أَعْلَمُ بأَمْرِه مِنْكُم, فَسَأَلَني فَقَصَصْتُ عَلَيه قِصَّتِي، فَوَثَبَ إليَّ فَضَمَّنِي إلى صَدْرِه ثُمَ نَادَى بأعْلَى صَوْتِه: يا لَلْعَرَبْ اقتُّلوا هذا الغلامَ واقْتُلونِي مَعَه، فواللاتِ والعُزَّى إنْ تَرَكْتُموهُ وأدْرَك لَيُبَدِّلنَّ دينَكُم ثمَ احْتَمَلونِي. فَهَذا بَدْءُ شَأَنِي»

الخبر الثاني:- قال زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما قامت سوقُ عكاظ انطلقت حليمة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عرّاف من هُذيل يريه الناسُ صبيانهم. فلما نظر إليه صاح وقال: يا معشر هذيل يا معشر العرب, فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم فقال: اقتلوا هذا الصبيَّ.
وانسلت به حليمة, فجعل الناس يقولون أي صبي؟ فيقول: هذا الصبي. فلا يرون شيئاً. قد انطلقت به أمه. فيقال له ما هو؟ فيقول: رأيت غلاماً، وآلهته، ليقتلن أهل دينكم، وليكسرن آلهتكم، وليظهرون أمره عليكم. فطُلب بعُكاظ فلم يوجد. قال محمد بن عمر: وجعل الشيخ الهذلي يصيح: يا هذيل، وآلهته، إن هذا لينتظر أمراً من السماء. وجعل يُغْري بالنبي صلى الله عليه وسلم. فلم ينشب أن وله وذهب عقلُهُ، حتى مات كافراً.

الخبر الثالث:- عن ابن عباس قال: خرجت حليمة تطلب النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته مع أخته، فقالت أبني ما هذا الحر الذي أنت فيه؟ فقالت أخته: يا أماه ما وجد أخي حرَّا، رأيت غمامة تظل عليه، فإذا وقف وقفت، وإذا سار سارت معه حتى انتهى إلى هذا الموضع.

الخبر الرابع:- عن كعب قال: قالت حليمة: ركبت أتاني وحملت محمداً بين يدي أسير به، حتى أتيت الباب الأعظم من أبواب مكة وعليه جماعة مجتمعة، فوضعته لأقضي حاجة وأصلح شأني، فسمعت هدة شديدة، فالتفت فلم أره فقلت: معاشر الناس أين الصبيّ؟ قالوا: أي الصبيان؟
قلت: محمد بن عبدالله بن عبد المطلب الذي نضَّر الله به وجهي وأشبع جوعي، ربيته حتى إذا أدركت سروري أتيت به لأرده إلى أمه وأخرج من أمانتي، اختلس من بين يدي، واللات والعُزَّى لئن لم أره لأرمين نفسي من شاهق هذا الجبل.
قالوا: ما رأينا شيئاً.
فلما أيأسوني وضعت يدي على رأسي وقلت: وامحمداه واولداه. فأبكيت الجواري الأبكار لبكائي، وضج الناس معي بالبكاء.
فأتيت عبد المطلب فأخبرته فسلَّ سيفه ونادى: يا آل غالب. وكانت دعوتهم في الجاهلية. فأجابته قريش.
فقال: فقد ابني محمد.
فقالوا قريش: اركب نركب معك، فلو خضت بحراً خضناه معك. فركب وركبوا فأخذ على أعلا مكة وانحدر على أسفلها، فلم ير شيئاً، فترك الناسَ وأقبل إلى البيت الحرام، فطاف أسبوعاً ثم أنشأ يقول:
يا ربّ رُدَّ راكبي محمدا
رُدَّه لي واتخذ عندي يَدَا
فسمعوا منادياً ينادي في الهواء يقول: معاشر الناس لا تضجوا، إن لمحمد رَبًّا لا يضيعه. قال عبد المطلب: أيها الهاتف ومن لنا به وأين هو؟ قال: هو بوادي تهامة، عند شجرة اليمن. فمضى عبد المطلب، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يجذب الأغصان ويعبث بالورق، فحمله إلى مكة وجهز حليمة أحسن الجهاز.

الخبر الخامس:- عن أبي حازم قال: قدم كاهن مكة، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابن خمس سنين، وقد قدمت به ظئره إلى عبد المطلب فقال: يا معشر قريش اقتلوا هذا الفتى فإنه يفرّقكم ويقتلكم. فهرب به عبد المطلب. ولم تزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذرهم.

الخبر السادس:- وعن حليمة أنه مر عليها جماعة من اليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا، حملته كذا ووضعته كذا، ورأيت كذا كما وصفت لها أمه آمنة عندما ردته إليه بعد إتمام الرضاع
قالت: ولما أخبرت أولئك اليهود بذلك قال بعضهم لبعض اقتلوه، فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت لا، هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا لو كان يتيماً قتلناه.
أقول: وهذا يدل على أن ما ذكرته أمه لحليمة من أنها حين حملت به خرج منها نور إلى آخر ما تقدم، وأن يكون لا أب له مذكوراً في بعض الكتب القديمة أنه من علامة نبوة النبي المنتظر، والله أعلم.

الخبر السابع:- أن نفراً نصاري من الحبشة رأوه مع أمه السعدية حين رجعت به إلى أمه بعد فطامه، فنظروا إليه وقلبوه: أي رأوا خاتم النبوة بين كتفيه وحمرة في عينيه، وقالوا لها هل يشتكي عينيه؟ قالت، لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا الغلام كائن لنا وله شأن، نحن نعرف أمره، فلم تكد تنفلت به منهم وأتت به إلى أمه

وفاة أمه صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب

عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغ ستَّ سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النَّجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به دار النابغة، فأقامت به عندهم شهراً. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أموراً كانت في مقامه ذلك. فلما نظر إلى أطُم بني عدي بن النجار بالمدينة عرفه فقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذه الآطام، وكنت مع غلمان من أخوالي نطير طائراً كان عليه يقع. ونظر إلى الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبدالله بن المطلب، وأحسنتُ العوْم في بئر بني عدي بن النجار. وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه. قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته. فوعيت ذلك. ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت أمه آمنة بنت وهب، فقبرها هناك. فرجعت به أم أيمن إلى مكة وكانت تحضنه.
وفي رواية:- أن وفاتها كانت بالأبواء، وهو محل بين مكة والمدينة: أي وهو إلى المدينة أقرب. وسمي بذلك لأن السيول تتبوّأه: أي تحل فيه ودفنت به. فقد جاء أنه لما مر بالأبواء في عمرة الحديبية قال: إن الله أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فأتاه وأصلحه، وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكائه وقيل له في ذلك، فقال: أدركتني رحمتها فبكيت وكان موتها وهي راجعة به من المدينة من زيارة أخواله: أي أخوال جده عبد المطلب، لأن أم عبد المطلب من بني عدي بن النجار كما تقدم، بعد أن مكثت عندهم شهراً ومرضت في الطريق ومعها أم أيمن بركة الحبشية التي ورثها من أبيه عبد الله على ما تقدم، فحضنته وجاءت به إلى جده عبد المطلب: أي بعد خمسة أيام من موت أمه، فضمه إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده.

ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن وفاة أمه

في رواية «أنه صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه فجلس إليه، فجعل يخاطبه، ثم قام مستعبراً، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله قد رأينا ما صنعت، قال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي» وفي رواية «إن جبريل عليه الصلاة والسلام ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً، فما رئي باكياً أكثر منه يومئذ» وفي رواية «استأذنته في الدعاء لها: أي بالاستغفار، فلم يأذن لي وأنزل علي {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} فأخذني ما يأخذ الولد للوالد»
وفي رواية لمسلم وابن حبان في صحيحيهما. ونص مسلم «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة»

كفالة عمه عبدالمطلب للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أمه

عن نافع بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون مع أمه آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه ورقَّ عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه ويُدْنيه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني إنه ليؤتين ملْكاً. وقال قوم من بني مُدْلج لعبد المطلب: احتفظ به، فإنا لم نر قدماً أشبه بالقدم التي في المقام منه. فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء. فكان أبو طالب يحتفظ به. وقال عبد المطلب لأم أيمن، وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بركة لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة. وكان عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلا قال: عليَّ بإبني. فيؤتى به إليه.

عن ابن عباس قال: سمعت أبي يقول: كان لعبد المطلب مَفرش في الحجْر لا يجلس عليه غيره، وكان حربُ بن أمية فمَنْ دونه يجلسون حوله دون المَفْرش، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو غلام لم يبلغ، فجلس على المفرش فجذبه رجل، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد المطلب، وذلك ما بعد كُفَّ بصره: ما لابني يبكي؟ قالوا له: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه. فقال عبد المطلب: دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحسُّ من نفسه شرَفاً، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربيٌّ قبله ولا بعدَه.

وعن أم أيمن «كنت أحضن النبي صلى الله عليه وسلم أي أقوم بتربيته فغفلت، عنه يوماً فلم أدر إلا بعبد المطلب قائماً على رأسي يقول يا بركة. قلت لبيك، قال: أتدرين أين وجدت ابني؟ قلت لا أدري، قال: وجدته مغ غلمان قريباً من السدرة لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب أي ومنهم سيف بن ذي يزن كما سيأتي يزعمون أنه نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم، وكان لا يأكل يعني عبد المطلب طعاماً إلا يقول عليّ بابني أي أحضروه، قال: وكان عبد المطلب إذا أتي بطعام أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه انتهى.

عن رقيقة، وهي لِدة عبد المطلب قالت: تتابعت على قريش سنون أمحَلت الضَّرْع وأدقَّت العظم. فبَيْنا أنا نائمة أو مهومة(أي بين النائمة واليقظانه) إذا هاتف يصرخ بصوت صَحِل يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم قد أظلتكم أيامه، وهذا إبَّان نجومه فحي هلاً بالحَيَا والخصب، ألا فانظروا رجلاً منكم وسيطاً عظاماً جسَاماً، أبيض بَضَّا أوطفَ الأهداب، سهل الخدين، أشمَّ العرنَين له فخر يكظم عليه، وسُنة تُهدى إليه، فليَخْلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجل، فليستَنُّوا من الماء وليمسُّوا من الطيِّب، ثم يستلموا الركن ثم ليرتقوا أبا قُبَيس، فليَسْتسق الرجل وليؤمِّن من القوم، فغِثْتم ما شئتم. فأصبحتُ عَلم الله مذعورة قد اقشعر جلدْي وولَه عقلي، واقتصَصَت رؤياي، فوالحرمة والحَرَم ما بقي (بها) أبْطحي إلا قال: هذا شَيْبة الحمد. فتتامَّت إليه رجالات قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فسنوا ومسُّوا واستلموا، ثم ارتقوا أبا قُبَيس، وطبقوا جانبيه ما يَبلغ سعيهم مُهْلةً، حتى إذا استووا بذروة الجبل قام عبد المطلب ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام قد أيفع أو كَرب، فقال: اللهم سادَّ الخَلَّة وكاشف الكُرْبة أنت معلِّمٌ غير مُعلَّمٍ، ومسؤول غير مُبخَل، وهؤلاء عبادك وإماؤك بعُدرات حرمك يشكون إليك سنتهم، أذهبت الخُفَّ والظلف، اللهم فأمطرنا غيثاً مُغدقاً ممرعاً. فوالكعبة ما راحوا حتى تفجرت السماء بمائها واكتظ الوادي بثجيجه، فلسمعت شيخان قريش وجلتها: عبدَالله بن جُدْعان، وحرب بن أمية، وهشام بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هنيئاً لك أبا البطحاء. أي عاش بك أهل البطحاء.

وذكر ابن الجوزي أنه في سنة سبع من مولده أصابه رمد شديد، فعولج بمكة فلم يغنِ، فقيل لعبد المطلب إن في ناحية عكاظ راهباً يعالج الأعين فركب إليه ومعه رسول الله ، فناداه وديره مغلق فلم يجبه، فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادراً. فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخر علي ديري، فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب، ثم عالجه وأعطاه ما يعالجه به.

يتبع

أبو أسماء
02-20-06, 10:38 PM
في ذكر خروج عبد المطلب لتهنئة سَيْف بن ذي يَزَن بالمُلك وتبشير سيفٍ عبدَ المطلب بأنه سيظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسْله

هذه القصة طويلة ولكن لما فيها من دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم أحببت أن أطرحها لكم:-

عن ابن الكلبي قال: لمَّا ملك سيفُ بن ذي يَزَن أرضَ اليمن وقتل الحَبَش وأبادهم وفدت إليه أشرافُ العرب ورؤساؤهم ليهنئوه بما ساق الله من الظَّفر. ووفِد وفدُ قريش، وكانوا خمسة من عظمائهم: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبدالله بن جُدعان، وخُويلد بن أسيد، ووهب بن عبد مناف بن زهرة. فساروا حتى وافَوْا مدينة صنعاء، وسيف بن ذي يزن نازل بقصر يقال له غُمْدان، وكان أحد القصور التي بنتها الشياطين لبلقيس بأمر سليمان، فأناخ عبد المطلب وأصحابه واستأذنوا على سيف فأذن لهم.
فدخلوا وهو جالس على سرير من ذهب، وحوله أشراف اليمن على كراسي من الذهب، وهو متضمخ بالعنبر وبصيصُ المسك يلوح من مَفْرقه، فحيَّوه بتحية الملك، ووضعت لهم كراسي الذهب فجلسوا عليها إلا عبد المطلب فإنه قام ماثلاً بين يديه واستأذنه في الكلام.
فقيل له: إن كنت ممن تتكلم بين يدي الملوك فتكلم.
فقال: أيها الملك إن الله قد أحلك مَحِلاً رفيعاً شامخاً منيعاً، وأنْبَتك مَنْبتاً طابت أرومته وعزَّت جرثومته، وثبت أصله وبَسق فَرْعه، في أطيب مغرس وأعذب منبت، فأنت أيها الملك ربيعُ العرب الذي إليه مَلاذها، وورْدها الذي إليه مَعادها، سلفُك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، ولن يهلك الله من أنت خلفه، ولن يَخْمل من أنت سلفه.
نحن أيها الملك أهل حَرَم الله وسدنة بيت الله، أوفدنا إليك الذي أبْهَجنا مِن كَشْف الضر الذي فَدَحنا، فنحن وفد التّهنئة لا وفد الترزئة.
فقال سيف: أنتم قريش الأباطح؟
قالوا: نعم.
قال: مرحباً وأهلاً وناقة ورحلاً ومُناخاً سهلاً، وملكاً سَمحاً يعطي عطاءً جزلاً، قد سمع الملك مقالتكم وعرف فضلكم، فأنتم أهل الشرف والحمد والثناء والمجد، فلكم الكرامة ما أقمتم والحباء الواسع إذا انصرفتم. ثم قال لعبد المطلب: أيهم أنت؟
قال: أنا عبدُ المطَّلب بن هاشم.
قال: إياك أردت ولك حشدت، فأنت ربيع الأنام وسيد الأقوام، انطلقوا وانزلوا حتى أدعو بكم.
ثم أمر بإنزالهم وإكرامهم.
فأقاموا شهراً لا يدعوهم، حتى انتبه ذات يوم فأرسل إلى عبد المطلب: ايتني وحدَك مِن بين أصحابك.
فأتاه فوجده مستخلياً لا أحدَ عنده، فقرَّبه حتى أجلسه معه على سريره، ثم قال: يا عبد المطلب إني أريد أن ألقي إليك من علمي سراً لو غيرك يكون لم أبحْ به إليه، غير أني رأيتك معدنه، فليكن عندك مصوناً حتى يأذن الله فيه بأمره، فإن الله منجز وعده وبالغُ أمره.
قال عبد المطلب: أرشدَك الله أيها الملك.
قال سيف: إني أجد في الكتب الصادقة والعلوم السابقة التي اختزنَّاها لأنفسنا، وسترْناها عن غيرنا خبراً عظيماً وخطراً جسيماً فيه شرف الحياة وفخر الممات، للعرب عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة.
فقال عبد المطلب: أيها الملك لقد أبتُ بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإعظامه لسألته أن يزيدني من سروره إياي سروراً.
فقال سيف: نبي يبعث من عقبك، ورسولٌ من قرنك، اسمه أحمد ومحمد وهذا زمانه الذي يولد فيه أو لعله قد ولد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه (قد ولدناه مراراً) والله باعثه جهاراً، وجاعل له منا أنصاراً، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، تخمد عند مولده النيران، ويعبد الواحد المنان ويزجر الكفر والطغيان، ويكسر اللات والأوثان، قوله فصل وحكمه عَدْل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
قال عبد المطلب: علا كعبك ودام فضلك وطال عمرك، فهل الملك سارِّي بإفصاح وتفسير وإيضاح؟
قال سيف: والبيت ذي الحُجُب، والآيات والكتب، إنك يا عبد المطلب لجدُّه غير كذب.
فخرَّ عبد المطلب ساجداً.
قال سيف: ارفع رأسك، ثلج صدرُك وطال عمرك، وعلا أمرك، فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك؟
قال عبد المطلب: نعم أيها الملك، كان لي ابن كنت به معجباً، فزوَّجته كريمة من كرائم قومي يقال لها آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام سميته محمداً وأحمد، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه.
قال: هو هو لله أبوك، فاحذر عليه أعداءه، وإن الله لم يجعل لهم عليه سبيلاً، ولولا علمي بأن الموت مجتاحي قبل ظهوره لسرْت إليه بخيلي ورجلي حتى أجعل مدينة يثرب دار ملكي، فإني أجد في كتب آبائي أن بيثرب استتباب أمره، وهم أهل دعوته ونصرته، وفيها موضع قبره، ولولا ما أجد من بلوغه الغايات وأن أقيه الآفات وأن أدفع عنه العاهات، لأظهرت اسمه وأوطأت العرب عقِبه، وإن أعش فسأصرف ذلك إليه. قم فانصرف بمن معك من أصحابك. ثم أمر لكل رجل منهم بمائتي بعير وعشرة أعبد من الحبش وعشرة أرطال من الذهب وحلتين من البرود. وأمر لعبد المطلب بمثل جميع ما أمر لهم، وقال له: يا عبد المطلب إذا شبَّ محمد وترعرع فاقدم عليّ بخبره. ثم ودعوه وانصرفوا إلى مكة.

وفاة جد النبي صلى الله عليه وسلم عبد المطلب وكفالة عمه أبو طالب له

مات عبد المطلب وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. ويقال: ابن مائة وعشر سنين. ويقال: ابن مائة وعشرين سنة.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: «نَعَمْ، وَأَنا يَوْمَئِذٍ ابنُ ثَمَانِ سِنِيْنَ» .
قالت: أم أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف سرير عبد المطلب يبكي.

قال عطاء: سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطلب أطول الناس قامة وأحسن الناس وجهاً، ما رآه أحد إلا أحبه، كان له مفرش في الحجر ما يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه أحد، وكان النَّدْوَي من قريش حرب بن أمية فمن دونه يجلسون دون الفرش، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو غلام لم يبلغ فجلس على الفرش، فجذبه رجل فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد المطلب وذلك بعد ما كفَّ بصره: ما لابني يبكي؟ فقالوا: أراد أن يجلس على الفرش فمنعوه.
فقال عبد المطلب: دعوا ابني يجلس عليه، فإنه يحسُّ من نفسه بشرَف، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده.

قال: ومات عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثمان سنين، وكان خلف جنازة عبد المطلب يبكي حتى دفن بالحجون.

قال: ودفن عبد المطلب بالحجون. وإنما أوصى برسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طالب؛ لأن أبا طالب وعبدالله كانا أخوين لأم، وقد كان الزبير لأمهما، غير أن في سبب تقديم أبي طالب ثلاثة أقوال:
أحدها: وصية عبد المطلب إليه.
والثاني: أنهما اقترعا فخرجت القرعة لأبي طالب.
والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختاره.

وكان أبو طالب مقلاً من المال، فكان عياله إذا أكلوا جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم النبي صلى الله عليه وسلم شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول لهم، كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم، فيفضلون من طعامهم، وإن كان لبناً شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم، ثم تتناول العيال القعب: أي القدح الذي من الخشب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم: أي جميعهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعباً واحداً. فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.

وكان الصبيان يصبحون شعثاً رُمصاً بضم الراء وإسكان الميم ثم صاد مهملة ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهيناً كحيلاً.

قالت أم أيمن: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جوعاً قط ولا عطشاً لا في صغره ولا في كبره.

وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول أنا شبعان: أي في بعض الأوقات، فلا ينافي ما سبق.

وكان يوضع لأبي طالب وسادة يجلس عليها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، فقال: إن ابن أخي ليُخبر بنعيم: أي بشرف عظيم.

قال: واستسقى أبو طالب برسول الله . قال جلهمة بن عرفطة: قدمت مكة وقريش في قحط فقائل منهم يقول اعتمدوا اللات والعزى. وقائل منهم يقول اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي أنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عن الحق وفيكم باقية إبراهيم، وسلالة إسماعيل عليهما السلام؟ أي فكيف تعدلون عنه إلى ما لا يجدي. قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: إيها، فقاموا بأجمعهم وقمت معهم، فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه، عليه إزار قد اتشح به فثاروا أي قاموا إليه، فقالوا، يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق لنا، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة. وفي رواية كأنه شمس دجن: (أي ظلام تجلت عنه سحابة قتماء) وحوله أغيلمة جمع غلام، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ أي طاف بأصبعه الغلام، زاد في بعض الروايات، وبصبصت الأغيلمة حوله: أي فتحت أعينها، وما في السماء قزعة: أي قطعة من سحاب، فأقبل السحاب من ههنا ومن ههنا واغدودق: أي كثر مطره، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي.

وعن أبي طالب قال: كنت بذي المجاز: أي وهو موضع على فرسخ من عرفة كان سوقاً للجاهلية كما تقدم مع ابن أخي يعني النبي صلى الله عليه وسلم فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت يا ابن أخي قد عطشت وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئاً إلا الجزع: أي لم يحملني على ذلك إلا الجزع: وعدم الصبر. قال: فثنى وركه: أي نزل عن دابته. ثم قال: يا عم عطشت. قلت نعم فأهوى بعقبه إلى الأرض. وفي رواية: إلى صخرة فركضها برجله وقال شيئاً، فإذا أنا بالماء لم أر مثله، فقال اشرب، فشربت حتى رويت، فقال أرويت؟ قلت نعم، فركضها ثانية فعادت كما كانت وسافر: أي وقد أتت عليه بضع عشرة سنة مع عمه الزبير بن عبد المطلب شقيق أبيه كما تقدم إلى اليمن، فمروا بواد فيه فحل من الإبل يمنع من يجتاز، فلما رآه البعير برك وحك الأرض بكلكله: أي صدره فنزل عن بعيره وركب ذلك الفحل، وسار حتى جاوز الوادي ثم خلى عنه فلما رجعوا من سفرهم مروا بواد مملوء ماء يتدفق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتبعوني ثم أقتحمه فاتبعوه فأيبس الله عز وجل الماء فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا بذلك، فقال الناس: إن لهذا الغلام شأناً.

أن رجلاً من لهب كان قائفاً. وكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويقتاف لهم فيهم، فأتى أبو طالب بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام مع من يأتيه فنظر إليه ، ثم شغل عنه بشيء، فلما فرغ قال عليّ بالغلام، وجعل يقول ويلكم ردوا عليّ الغلام الذي رأيت آنفاً فوالله ليكوننّ له شأن، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه وانطلق به، والله أعلم.

زمزم
02-21-06, 12:48 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أثابك الباري أخي الكريم على المشاركة الطيبة وجعله في ميزان حسناتك ... آمييين

أبو أسماء
03-08-06, 2:58 PM
الأخ الغالي زمزم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وأسعد الله جميع أوقاتك بالخير والمسرة

أسأل الله أن يبارك فيك ويجزيك خير الجزاء وأن يثيبك على ما قرأت وأن يكتب لك فيه الخير كما أشكرك أخي الكريم على ردك الذي أسعدني فتقبل مني جزيل الشكر وخاص التحية والإحترام

أبو أسماء
03-08-06, 3:03 PM
الحلقة الثالثة

في ذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام مع عمه أبي طالب ولقائه بحيرى

عن داود بن الحسين قال: لما خرج أبو طالب إلى الشام خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركبُ بصرى من الشام وبها راهب في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه.
فلما نزلوا بدير بحيرى وكانوا كثيراً ما يمرون به لا يكلمهم، حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلاً قريباً من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا صنع لهم طعاماً ودعاهم، وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون القوم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة فمالت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى بحيرى ذلك نزل عن صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به، وأرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفوا منكم صغيراً ولا كبيراً حراً ولا عبداً، فإن هذا شيء تكرموني به. فقال له رجل: إن لك لشأناً يا بحيرى، ما كنت تصنع هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: إني أحب أن أكرمكم ولكم حق. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه ليس في القوم أصغر منه، في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى إلى القوم ولم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده، وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ويراها متخلفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بحيرى: يا معشر قريش لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي. قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام وهو أحدث القوم سناً في رحالهم. فقال: ادعوه ليحضر طعامي فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم. فقال القوم: هو والله أوسطنا نسباً، وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب.
فقال الحارث بن عبد المطلب: والله إن بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا. ثم قام إليه واحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه. وجعل بحيرى يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده في صفته.
فلما تفرقوا عن الطعام قام إليه الراهب وقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسْأَلْنِي بِاللاتِ والعُزَّى، فَوَالله مَا أبْغَضْتُ شَيْئاً بُغْضَهُمَا» قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه. قال: «سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ» .
قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده، فقبَّل موضع الخاتم. فقالت قريش: إن لمحمد عند الراهب قدراً. وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه. فقال الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب: هو ابني. قال: ما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً.
قال: فابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمه حامل به. قال: ما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريباً.
قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبغينه عنتاً(شرا)، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتابنا وما روينا عن آبائنا، وأعلم أني قد أديت إليك النصيحة.
فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعاً. وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرى فذاكروه أمره، فنهاهم أشد النهي وقال لهم أتجدون صفته؟ قالوا: نعم. قال: فما لكم إليه سبيل. فصدقوه وتركوه. ورجع أبو طالب، فما خرج به سفراً بعد ذلك خوفاً عليه.

وفي رواية أخرى: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب بحيرى، وكانوا قبل ذلك يمرون عليه فلا يخرج إليهم ولا يلتفت إليهم، فجعل وهم يحلون رحالهم يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ، ثم قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال الأشياخ من قريش: ما أعلمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجداً، ولا يسجد إلا لنبي: أي وإن الغمامة صارت تظلله دونهم، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع وصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به كان النبي صلى الله عليه وسلم في رعية الإبل، فأرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة: فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء هذه الشجرة مال عليه. فبينما هو قائم عليهم وهو يعاهدهم أن لا يذهبوا به إلى أرض الروم: أي داخل الشام، فإنهم إن عرفوه قتلوه، فالتفت فإذا سبعة من الروم قد أقبلوا، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر: أي مسافر فيه، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا لا، فبايعوه: أي بايعوا بحيرى على مسالمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم أخذه وأذيته على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا عند ذلك الراهب خوفاً على أنفسهم ممن أرسلهم إذا رجعوا بدونه. قال بحيرى لقريش: أنشدكم الله: أي أسألكم بالله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب: أنا. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب فزوده الراهب من الكعك.

حرب الفِجَار

وفي السنة العشرين من عمره صلى الله عليه وسلم وقعت في سوق عُكاظ حرب بين قريش ـ ومعهم كنانة ـ وبين قَيْس عَيْلان، تعرف بحرب الفِجَار وسببها‏:‏ أن أحد بني كنانة، واسمه البَرَّاض، اغتال ثلاثة رجال من قيس عيلان، ووصل الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية؛ لمكانته فيهم سنا وشرفًا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كادت الدائرة تدور على قيس‏.‏ ثم تداعى بعض قريش إلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد‏.‏ فاصطلحوا على ذلك، ووضعوا الحرب، وهدموا ما كان بينهم من العداوة والشر‏.‏ وسميت بحرب الفجار؛ لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينبل على عمومته؛ أي يجهز لهم النبل للرمي‏.

حلف الفضول

وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذى القعدة في شهر حرام تداعت إليه قبائل من قريش‏:‏ بنو هاشم، وبنو المطلب،وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمى؛ لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة‏:‏ ‏(‏لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت‏)‏‏.‏
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف‏:‏ إن رجلا من زُبَيْد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمى، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزومًا، وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قُبَيْس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال‏:‏ ما لهذا مترك‏؟‏ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي‏.‏

في ذكر رَعْيه الغنم

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» . فقال أصحابه: وأنت؟ قال: «نَعَمْ، كُنْتُ أرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيْطَ لاِءَهْلِ مَكَّةَ» . انفرد بإخراجه البخاري.
قال سُويد بن سعيد: يعني كل شاة بقيراط. وقال إبراهيم الحرْبي: قراريط: موضع ولم يرد بذلك القراريط من الفضة.
قال ابن عقيل: لمَّا كان الراعي يحتاج إلى سِعَة خلق وانشراح صدر للمداراة، وكان الأنبياء مُعَدِّين لإِصلاح الأمم حَسُن هذا في حقهم.

في ذكر عمله صلى الله عليه وسلم في التجارة

ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال‏:‏ مرحبًا بأخي وشريكي‏.

وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق‏:‏ كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له‏:‏ ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام‏.

وهذه قصة خروجه صلى الله عليه وسلم في تجارة خديجة رضي الله عنها

وذلك مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة وليس له اسم في مكة إلا الأمين، لما تكامل فيه من خصال الخير كما تقدم.
وسبب ذلك أن عمه أبا طالب قال له: يا بن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان: أي القحط وألحت علينا: أي أقبلت ودامت سنون منكرة: أي شديدة الجدب، وليس لنا مادة: أي ما يمدنا وما يقوّمنا ولا تجارة، وهذه عير قومك وتقدم أنها الإبل التي تحمل الميرة. وفي رواية. عيرات، جمع عير قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيراتها، فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها فوضعت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك وإن كنت لأكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من يهودها ولكن لا تجد لك من ذلك بداً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلها أن ترسل إليّ في ذلك. فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك، فتطلب أمراً مدبراً فافترقا، فبلغ خديجة رضي الله تعالى عنها ما كان من محاورة عمه أبي طالب له. فقالت: ما علمت أنه يريد هذا، ثم أرسلت إليه فقالت: إني دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك. وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، ففعل رسول الله ، ولقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك. فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك، فخرج مع غلامها ميسرة: أي يريد الشام وقالت خديجة لميسرة: لا تعص له أمراً ولا تخالف له رأياً، وجعل عمومته يوصون به أهل العير. حتى قدموا بُصْرى من أرض الشام، فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة لا تفارقه؟ قال: نعم. قال: هذا نبي وهو آخر الأنبياء. ثم باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ، فقال له: احلف باللات والعزى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ، وَإنِّي لأَمُرُّ بِهِمَا فَلا ألتَفِتُ إِليْهِمَا» . فقال الرجل: القَولُ قولك. ثم قال لميسرة: هذا والله نبي تجده أحبارنا منعوتاً في كتابهم.
وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس، فوعى ذلك كله ميسرة.
وباعوا تجارتهم وربحوا ضعفَ ما كانوا يربحون. ودخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في عُلية لها، فرأت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره وملكَان يظلان عليه، فأرته نساءَها فعجبن لذلك. ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخبَّرها بما ربحوا في وجوههم. فسرَّت بذلك. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بما قال الراهب نسطورا وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع.

وقد قيل في بعض الروايات عن الراهب نسطورا: طلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه. فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي: أي صانها الله تعالى أن يزل تحتها غير نبيّ. ثم قال له: أفي عينيه حمرة؟ قال ميسرة نعم لا تفارقه فقال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج: أي يبعث، فوعى ذلك ميسرة: أي والحمرة كانت في بياض عينيه وهي الشكلة. ومن ثم قيل في وصفه : أشكل العينين، فهذه الشكلة من علامات نبوّته في الكتب القديمة فدنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سراً من ميسرة وقبل رأسه وقدمه وقال: آمنت بك، وأنا أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة، ثم قال: يا محمد قد عرفت فيك العلامات كلها: أي العلامات الدالة على نبوتك المذكورة في الكتب القديمة، خلا خصلة واحدة، فأوضح لي عن كتفك، فأوضح له فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ، فأقبل عليه يقبله ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى ابن مريم، فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأميّ الهاشمي العربي المكي، صاحب الحوض والشفاعة، وصاحب لواء الحمد انتهى.والله أعلم بصحة هذه الرواية

يتبع

أبو أسماء
03-08-06, 3:05 PM
زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها

عن نفيسة بنت مُنَيّة قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام دخل مكة وخديجة في عُلِّية لها فرأت مَلكين يظلانه، وكانت جَلدة حازمة، وهي أوسط قريش نسباً وأكثرهم مالاً، وكلُّ قومها حريص على نكاحها لو قدروا على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال.
فأرسلتني دسيساً إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع من الشام، فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: «مَا بِيَدِي مَا أَتَزَوَّجُ» .
قلت: فإن كنت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، أفلا تجيب؟ قال: «فَمَنْ هِيَ؟» قلت: خديجة. قال: «وَكَيْفَ لِي بِذَلكَ؟» .
قلت: عليَّ. قال: «فَأَنا أَفْعلَ» فذهبت فأخبرتها وأرسلت إليه أن إيت ساعة كذا وكذا. وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها. فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذٍ بنت أربعين سنة.
وذكر أبو الحسين بن فارس أن أبا طالب خطب يومئذ فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس.
ثم إنَّ ابن أخي هذا محمد بن عبدالله لا يوزن به رجل إلا رجحه، وإن كان في المال قلاًّ فإن المال ظلٌّ زائل وحال حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما آجلُه وعاجله من مالي. وهو والله بعدَ هذا له نبأ عظيم وخطر جليل.
فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكانت خديجة قد ذُكرت لورقة بن نوفل، فلم يقضَ بينهما نكاح، فتزوجها أبو هالة واسمه: هند، وقيل: مالك بن النباش، فولدت له هنداً وهالة وهما ذكران، ثم خلف عليها عتيق ابن عائذ المخزومي فولدت له جارية اسمها هند. وبعضهم يقدم عتيقاً على أبي هالة. ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل أولاده منها إلا إبراهيم.

بناء الكعبة وقضية التحكيم

ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرًا قديما ـ للعوادى التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذ المعول وقال‏:‏ الله م لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها‏.‏ فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه‏:‏ باقوم‏.‏ ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا‏:‏ هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم‏.‏ وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض؛ لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعًا سقفوه على ستة أعمدة‏.‏

السيرة الإجمالية قبل النبوة

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر الصائب، والنظر السديد، ونال حظًا وافرًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسنًا شارك فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالا، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى‏.‏
ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمنى برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة‏:‏ لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال‏:‏ أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا، فقلت‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذنـى فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس‏.‏ فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة‏.‏‏.‏‏.‏ ثم ما هممت بسوء‏)‏‏.‏

وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال‏:‏ ‏(‏إزاري، إزاري‏)‏ فشد عليه إزاره‏.‏ وفي رواية‏:‏ فما رؤيت له عورة بعد ذلك‏.‏

ومن ذلك ما جاء عن أم أيمن رضي الله عنها أنها قالت، كان بوانة صنماً تحضره قريش وتعظمه وتنسك ـ أي تذبح له ـ وتحلق عنده، وتعكف عليه يوماً إلى الليل في كل سنة، فكان أبو طالب يحضر مع قومه ويكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد معه فيأبى ذلك، حتى قالت رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، ويقلن ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثر لهم جمعاً، فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع مرعوباً فزعاً، فقلن: ما دهاك؟ قال إنى أخشى أن يكون بي لمم: أي لمة وهي المس من الشيطان، فقلن: ما كان الله عز وجل ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها: أي من تلك الأصنام التي عند ذلك الصنم الكبير الذي هو بوانة تمثل لي رجل أبيض طويل، أي وذلك من الملائكة يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه، قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ .

ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب كل ما ذبح لغير الله تعالى: أي فكان يقول لقريش: الشاة خلقها الله عز وجل، وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم تذبحونها على غير اسم الله، فما ذقت شيئاً ذبح على النصب ـ أي الأصنام ـ حتى أكرمني الله تعالى برسالته» أي وزيد بن عمرو كان قبل النبوة زمن الفترة على دين إبراهيم عليه السلام، فإنه لم يدخل في يهودية ولا نصرانية، واعتزل الأوثان والذبائح التي تذبح للأوثان، ونهى عن الوأد، فإن ولده سعيداً قال: «يا رسول الله إن زيداً كان كما قد رأيت وبلغك فأستغفر له، قال نعم أستغفر له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده».
ومن ذلك ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «قيل للنبي هل عبدت وثناً قط؟ قال لا، قالوا: هل شربت خمراً قط؟ قال لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان»
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه‏:‏ ‏[‏الأمين‏]لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق‏.

في ذكر تسليم الأحجار والأشجار عليه

عن جابر بن شَمُرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأَعْرِفُ حَجَرَاً بِمَكَّة كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُه الآن» .

عن علي بن أبي طالب قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر، فلم يمر بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.

عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لمَّا كَانَتْ لَيَالِي بُعِثْتُ ما مَرَرْتُ بِشَجَرٍ وَلاَ حَجَرٍ إلا قال: السَّلامُ عَلَيكَ يَا رَسُول الله» .

عن برّة قالت: لما ابتدأ الله تعالى محمداً بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً ويفضي إلى الشعاب والأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحداً.