المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفكر السياسي عند امام الحرمين-ج 1-



ابو عبد الله
10-31-05, 10:00 AM
مقدمة الباحث
إن الحمد لله ، نحمده و نستعينه و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله .
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا و أنتم مسلمون " " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذي تساءلون به
و الأرحام ، إن الله كان عليكم رقيبا " " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ، يصلح لكم أعمالكم ، و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما " .
أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، و شر الأمور محدثاتها ،
و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
و بعد :
فإن العلاقة بين الراعي و الرعية من أعقد العلاقات و أدقها حساسية في سائر المجتمعات القديمة منها و الحديثة ، لما في اختلال هذه العلاقة من نتائج سلبية على مختلف مناحي الحياة اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا و معرفيا ، و هذه النتائج تشكل بدورها سببا في تدهور الحياة اليومية في المجتمع مما سيؤدي حتما إلى توالي الهزائم المادية و المعنوية جراء الوهن و الضعف الذي يتخلل المجتمع .
و نظرا لما يحمله هذا الموضوع من حساسية بالغة فقد أثار جدلا معرفيا كبيرا بين العديد من الباحثين و المفكرين الإسلاميين و الغربيين على حد سواء لهذا نجد أن الكثير من فقهاء الأمة و حملة الشريعة و حفاظ الوحي ، قد خاضوا غمار هذا الموضوع الشائك ، نافين عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ، فألفوا في السياسة الشرعية سواء في مصنفات مستقلة أو على شكل أبواب مختلفة و متفرقة سواء في كتب العقيدة أو مصنفات الفقه و أصوله أو مؤلفات علم الكلام ، مما أغنى الساحة المعرفية الإسلامية بحمولة هائلة من الأحكام الخاصة بالحاكم
و المحكوم ، و ما لكل واحد من حقوق وواجبات نحو الآخر .
و قد اجتهد في ذلك كثير من أئمة المسلمين و بذلوا أقصى جهودهم المالية و البدنية و العقلية من أجل استخراج الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية المتمثلة في الكتاب و السنة ، لتكفل بذلك مصالح المسلمين و تدرأ المفاسد عنهم ، و ما ذلك إلا لكون العلماء ورثة الأنبياء ، فإذا كانت المهمة العظمى لأنبياء الله تعالى ورسله - بعد بيان توحيد الله عز وجل و ما يتعلق بذلك من اقتضاء و لوازم و أمور وموانع – هي سياسة الناس بما يصلح أمور دينهم و دنياهم كما يوضحه و يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم حكاية على بني إسرائيل : " كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم " ، فإذا كانت سياسة الخلق هي من مهام الأنبياء العظيمة ، فإن ورثتهم من العلماء و أئمة الدين سيرثون عنهم هذه المهمة الصعبة ، ليقودوا الأمم نحو الرفعة و العزة في الدنيا و الآخرة .
و قد كان من نعمة الله على هذه الأمة أن بعث فيها محمدا صلى الله عليه و سلم نبيا و رسولا و قائدا ، ومبشرا و نذيرا ، فشرع لها الشرائع و قعد القواعد و أصل الأصول و بين السنن و الواجبات ، ورفع الحرج عن هذه الأمة ، فتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك : كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم و سيرة الصحابة الكرام البررة الراشدين ، ثم اقتضت حكمة الله عز وجل أن يبعث لهذه الأمة على فترة من الرسل من يجدد لها أمر دينها من العلماء الربانيين الذين حملوا لواء السنة و قمعوا أعلام البدع و المحدثات على ما استلزمته حكمة الشارع الحكيم من شمولية هذه الشريعة و صلاحيتها لكل زمان ومكان .
فما كان على علماء الأمة إلا أن يسيروا على هذا المنهاج القويم و الصراط المستقيم الذي رسمه لهم نبيهم المصطفى و رسولهم المجتبى ، محمد عليه الصلاة و السلام ، و صار عليه خلفاؤه من بعده و أئمة الدين و علماء الأمة الذين ألفوا في كل باب و خاضوا غمار كل فن ، و غاصوا في بحر كل علم ، فكانوا خير وارث لخير مورث . و ما مصنفاتهم التي بين أيدينا و التي نسمع عنها إلا أكبر شاهد على ذلك .
و إذا كان القوم قد ولوا و تركوا آثارهم عليهم شاهدة ، فإن حكمة الله و رحمته بهذه الأمة اقتضت أن تكون بطن الإسلام بأضعاف أمثال هؤلاء ولود ، و إن لم يبلغوا مراتبهم العلمية ، فإن المتأخر عالة على المتقدم ، و لولا البخاري لما راح مسلم و لا جاء .
و المقصود – أن علماء الإسلام حملوا الرسالة و صنفوا التصانيف ، فكان من جملة ما ألفوا فيه " السياسة الشرعية " فيما يتعلق بشؤون الراعي و الرعية ، أو ما يصطلح عليه في عصرنا بالفقه السياسي ، مع اختلاف في المباحث و الطرق إلا أن القصد واحد و الهدف مشترك ، وهو تحديد المعالم و الأصول الكلية التي ينبغي أن يسير عليها المجتمع الإسلامي مع تحديد العلاقة بين الحاكم و المحكوم و ما على كل منهما من حقوق وواجبات اتجاه الآخر إضافة إلى البحث عن شرائط الإمامة و أحكامها و موجباتها و قواعدها ، وكل ما يتعلق بها من كليات و جزئيات كالوزارة و الولاية و الأموال و الجهاد و الحدود .... إلخ .
و سيعمل الباحث من خلال هذه الفصول و المباحث على دراسة الفكر السياسي عند واحد من أكبر رجالات الفكر الإسلامي عموما و السياسي خصوصا ، وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني – رحمه الله- ( 419-478 ه ) الذي خاض في فن السياسة و بين أحكام الإسلام في الإمامة في أبواب مختلفة و متفرقة من كتبه ثم في كتابه المفرد في هذا الباب و الموسوم " بغياث الأمم في التياث الظلم " و المشهور بين العلماء و طلبة العلم " بالغياثي " و الله أسأل أن يلهمني الصواب و أن يوفقني إلى الرشاد إنه ولي ذلك و القادر عليه .
و لا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بالشكر الخالص إلى أستاذي الدكتور الفاضل أحمد الريسوني الذي أمدني ببعض المصادر و أرشدني إلى البعض الآخر كما لعب دورا مهما في صياغة هذه الدراسة و تقسيم محاورها و مباحثها و عنونة بعضها بما يليق بالمواضيع المندرجة تحتها .
و الحمد لله رب العالمين و صلى الله وسلم على رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين .


و كتبه : منير المرود – ســـلا .
في الجمعة 30 محرم 1426
الموافق 11 مارس 2005










تمـهيـــــد :
إن دراسة الفكر السياسي لدى إمام من الأئمة تستدعي الإحاطة بالظروف السياسية و الإجتماعية و الثقافية التي واكبت عصره ، و أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر في تبنيه لجملة من الأفكار و الآراء .
و معلوم أن كل فكر دينيا كان أم سياسيا أم اجتماعيا أم اقتصاديا ... لا بد أن يكون للواقع الذي يعيشه صاحبه ، و الأحداث التي تحيط به أثرا بالغا في صياغته و بلورته ، بل – قد لا أبالغ إن قلت – هو وليد لتلك الظروف التي عاصرها و الوقائع التي شاهدها .
و بما أن إمام الحرمين رحمه الله قد عاش في القرن الخامس للهجرة و شهد مختلف التقلبات السياسية التي واكبت العصر ، من سقوط دول و قيام أخرى ، وضعف بعضها و قوة البعض الآخر ، فلا شك أن هذه الأحداث سيكون لها الأثر الواضح في صياغة فكره و تبنيه لبعض الآراء السياسية و الفكرية التي ظهرت لأول مرة في مسرح الفكر الإسلامي ، كتدشينه القول بدولة السلطنة ، و تعدد منصب الخلافة عند الضرورة – خلافا لما كان مسلما من قبل من القول بالمنع مطلقا – و عدم تجويزه لمبالغة الإمام في التعزيرات و تردده في النسب القرشي و تنظيره لخلو الزمان من الإمام مع القول بالعصبية في غيرها من الآراء التي انفرد بها إمام الحرمين و اعتبرت من أوائله – رغم أننا نجد بعضها قد نسب أحيانا لغيره من كبار الأئمة – و سآتي على ذكر طائفة منها خلال تقاسيم حديثي في هذا البحث إن شاء الله .
- و المقصود – إن الإحاطة بواقع القرن الخامس الهجري و ظروفه السياسية الممتدة في بعض الأحيان إلى قرن من الزمن قبل إمام الحرمين سيساعدني على قراءة صحيحة نسبيا لجملة من الآراء والأفكار التي قدمها لنا الجويني من خلال مجموعة من كتبه و تصانيفه .

المبحث الأول : الحالة السياسية و الإجتماعية و العلمية .
امتدت الدولة الإسلامية خلال القرن الخامس الهجري من أقصى المشرق إلى الأندلس و كانت معظم أرجائها تحت وطأة الحكم العباسي مع وجود دويلات مستقلة ، فظهرت الدولة البويهية ( 334- 437ه) . و الغزنوية ( 366-482 ه ) و السلجوقية ( 437-656 ه ) و غيرها ، كما شهدت الساحة السياسية تعددا في دور الخلافة ، حيث عرفت هذه المرحلة خلافتين متنافستين في المشرق العربي هما الخلافة العباسية ( 132-656ه ) و مركزها بغداد ، و الفاطمية ( 362 ه -567 ه ) التي اتخذت من القاهرة مقرا لها ، ولئن كانت الصبغة الغالبة على هذا العصر هي الصبغة العباسية فلطول مدتها من جهة و اتساع رقعتها و انتسابها للمذهب السني من جهة أخرى .
لقد ساهمت هذه الظروف السياسية المضطربة في تدهور الحياة الإجتماعية في ذلك العصر و أثرت بشكل كبير في حياة الناس و نمط عيشهم بالإضافة إلى تحديد أجناسهم وطبقاتهم و مختلف مظاهر حياتهم العامة و الخاصة .
و بالرغم من كل هذا التدهور الذي شهدته المرحلة من الناحيتين السياسية و الإجتماعية ، فقد شهدت الحياة العلمية و الثقافية تراء و غنى على جميع المستويات الفكرية و العلمية و الفنية و الأدبية ، فاعتبرت هذه المرحلة من أخصب فترات الحصاد للنهضة العلمية الرائعة فقد شهد هذا العصر أعلاما من الأئمة في كل علم وفن ، و السبب في هذا الثراء المعرفي هو أن الخلفاء و الأمراء و الولاة كانوا يتنافسون على تشجيع العلماء و الشعراء و الأدباء النابغين و استمالتهم و بدل العطاء لهم ، كما كانوا يتسابقون في بناء المدارس و المكتبات من اجل جلب الطلبة و مشاهير العلماء .

المبحث الثاني : ترجمة مختصرة لإمام الحرمين
هو عبد الملك بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيوية الجو يني ، النيسابوري إمام الحرمين أبو المعالي ، ولد الشيخ أبي محمد .
هو الإمام شيخ الإسلام ، البحر المدقق المحقق ، النظار الأصولي المتكلم ، البليغ الفصيح الأديب ...زينة المحققين ، إمام الأئمة على الإطلاق عجما و عربا ، و صاحب الشهرة التي سارت السراة و الحداة بها شرقا و غربا الفقيه الشافعي الملقب ضياء الدين المعروف بإمام الحرمين ، أعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق ، المجمع على إمامته ، المتفق على غزارة مادته و تفننه في العلوم من الأصول
و الفروع و الأدب و غير ذلك .
ولد في ثامن عشر محرم سنة تسع عشرة و أربعمائة ، تفقه على والده فأتى على جميع مصنفاته و توفي والده وله نحو عشرين سنة فأقعده الأئمة في مكانه للتدريس إلى أن ظهر التعصب بين الفرقين – أي الأشاعرة و المعتزلة – و اضطربت الأحوال فاضطر إلى السفر عن نيسابور ، فذهب إلى المعسكر ثم إلى بغداد ، ثم إلى الحجاز و أقام بمكة و المدينة أربع سنين يدرس و يفتي و يصنف ، و أم في الحرمين الشريفين و بذلك لقب ، إلى أن رجع إلى بلده بعد مضي نوبة التعصب في أوائل ولاية السلطان ألب ارسلان السلجوقي و الوزير يومئذ نظام الملك ، فبنى له المدرسة النظامية بمدينة نيسابور و قد سلم إليه التدريس و المحراب و المنبر و الخطابة و مجلس التذكير يوم الجمعة ، وكان يحضر درسه كل يوم نحو ثلاثمائة من الطلبة و الأئمة وأولاد الصدور ، و حصل له من القبول عند السلطان ما هو لائق بمنصبه ، بحيث لا يذكر غيره ، و المقبول من انتمى إليه ، و قرأ عليه ... ثم قلد رعاية الأصحاب و رئاسة الطائفة
و فوض إليه أمر الأوقاف ، و بقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة غير مزاحم و لا مدافع .
أما شيوخ إمام الحرمين فإنهم كثيرون منهم : والده أبو محمد الجويني ( 438 ه ) و أبو القاسم الأسفراييني (452ه ) و أبو عبد الله الخبازي ( 372 ه ) و القضي حسين ( 462 ه ) و أبو نعيم الأصبهاني
( 430 ه) و أبو القاسم الفوراني ( 463 ه ) و أبو الحسن المجاشعي ( 452 ه ) و أبو سعيد الميهني
( 440ه) .
و تخرج عن إمام الحرمين جماعة من الأئمة و الفحول و أبناء الصدور حتى بلغوا محل التدريس في زمانه ، يذكر لنا ابن الوردي في تاريخه طائفة منهم : الغزالي – و حسبك – و أبو القاسم الأنصاري و ابو الحسن علي الطبري الكيالهراسي و أضاف السمعاني : الخوافي و الحاكم عمر النوقاني رحمهم الله أجمعين .
توفي رحمه الله ليلة الأربعاء بعد العشاء الخامس و العشرين من شهر ربيع الاخر من سنة ثمان و سبعين و أربعمائة ، ودفن في داره ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين فدفن إلى جانب والده ، و كسر منبره في الجامع و أغلقت الأسواق ورثوه بقصائد و كان عمره تسعا و خمسين سنة ، و آثاره في الدين باقية و إن انقطع نسله ظاهرا ، فنشر علمه يقوم مقام كل نسب .
ومما رثي به إمام الحرمين :
قلوب العالمين على المقالي ***** و أيام الورى شبه الليالي
أيثمر غصن أهل العلم يوما ***** و قد مات الإمام أبو المعالي .

المبحث الثالث : الفكر السياسي الإسلامي قبل إمام الحرمين
المطلب الأول : تعريف الفكر السياسي
لم يضع الباحثون تعريفا جامعا مانعا لمصطلح "فكر سياسي " بل اختلفوا حتى في تحديد المباحث و الموضوعات المندرجة تحته ، فإذا كان هذا المركب الإضافي "فكر سياسي" هو الإسم الذي أطلق على مجموعة من الدراسات التي تهم السياسة و تعتني بمباحثها فإنه من الممكن تلمس بعض عناصر تعريفه انطلاقا من استقراء المادة التي يتكون منها هذا المركب الإضافي "فكر و سياسة " قبل تحديد العلاقة القائمة بينهما و التي تترجمها صيغة ذلك المركب .
1- الفكر :
>>>>>>>>>>>يتبع....